العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الإصلاح الديني اليوم في القرى المغربية:

الإصلاح الديني اليوم في القرى المغربية:

Religious Reform in Moroccan Villages Today: The State and Assigned Islamic Jurists in Tiznit

* Abderrahman Fadili | عبد الرحمان فضلي

الملخّص

يتناول هذا البحث أحد أهم الفاعلين في الحقل الديني بالمجتمع القروي المغربي. ويتعلق الأمر بـ "الفقهاء المشارطين" الذين استهدفهم مشروع إصلاح تبنته الدولة منذ عقد من الزمن. ويرمي هذا الإصلاح إلى تأهيل هذه الفئة وتأطيرها؛ من أجل أن تنشر الإسلام الذي تبنته الدولة في القرى المغربية. وقد تفاعل في هذا الحقل كل من الدولة باعتبارها مالكًا لرأسمال رمزي ومادي قوي، و"الفقيه المشارط" بوصفه عنصرًا يمارس إسلامه الشعبي الذي تراهن عليه الدولة، والجماعة التقليدية بوصفها مؤسسة تسهر على تدبير أمور القرية وتعيين الفقيه، والمعارضين للتدين الرسمي. وقد تساءلنا عن الإستراتيجيات التي يتبعها كل عنصر داخل الحقل الديني المحلي من أجل التحكم في موازين القوى داخل القرية.

Abstract

Abstract: This study examines the role of Assigned Islamic Jurists**in Moroccan village communities in the province of Tiznit. A central part of these villages’ social fabric, religious leaders were targeted by the reform project adopted by the Moroccan State a decade ago. The project aimed at training these scholars in spreading the brand of Islam adopted by the Moroccan state. Within this context, this study closely examines the roles of four central parties: the Moroccan State; the Assigned Islamic Jurists who practice the popular Islam upon which the State relies; the traditional community managing the community’s affairs and appointing these jurists; and lastly, the forces that are resistant to the state-supported brand of Islam. The author analyzes the strategies used by each of these stakeholders to exercise control within the village.

الكلمات المفتاحية:
  • الحقل الديني
  • الجماعة
  • فقهاء الشرط
  • القيم الدينية
  • الإسلام السياسي

ملخص: يتناول هذا البحث أحد أهم الفاعلين في الحقل الديني بالمجتمع القروي المغربي. ويتعلق الأمر ب «الفقهاء المشارطين» الذين استهدفهم مشروع إصلاح تبنته الدولة منذ عقد من الزمن. ويرمي هذا الإصلاح إلى تأهيل هذه الفئة وتأطيرها؛ من أجل أن تنشر الإسلام الذي تبنته

الدولة في القرى المغربية. وقد تفاعل في هذا الحقل كل من الدولة باعتبارها مالكًا لرأسمال رمزي ومادي قوي، و«الفقيه المشارط» بوصفه عنصرًا يمارس إس مااه الشعبي الذي تراهن

عليه الدولة، والجماعة التقليدية بوصفها مؤسسة تسهر على تدبير أمور القرية وتعيين الفقيه، والمعارضين للتدين الرسمي. وقد تساءلنا عن الإستراتيجيات التي يتبعها كل عنصر داخل الحقل الديني المحلي من أجل التحكم في موازين القوى داخل القرية.

Abstract: This study examines the role of Assigned Islamic Jurists** in Moroccan village communities in the province of Tiznit. A central part of these villages’ social fabric, religious leaders were targeted by the reform project adopted by the Moroccan State a decade ago. The project aimed at training these scholars in spreading the brand of Islam adopted by the Moroccan state. Within this context, this study closely examines the roles of four central parties: the Moroccan State; the Assigned Islamic Jurists who practice the popular Islam upon which the State relies; the traditional community managing the community’s affairs and appointing these jurists; and lastly, the forces that are resistant to the state-supported brand of Islam. The author analyzes the strategies used by each of these stakeholders to exercise control within the village.

للدراسات العليا.

Researcher in Sociology from Morocco. Holder of MA in Socio-Anthropology from the Doha Institute for Graduate Studies.

مقدمة

كانت نقطة انطلاق هذه الدراسة تجربتي الحياتية الخاصة؛ فقد ترعرعتُ في قرية في جنوب المغرب تُدعى «امِّيغْرمان». وعلى الرغم من أنها ليست موطني الأصلي، فقد تعلَّمتُ فيها

أول الحروف الأبجدية ونتفًا من القرآن لدى والدي الذي كان، إضافة إلى إمامته في المسجد، «فقيه شرط»، ومُدرِّسًا للقرآن، ومُحفِّظًا لبعض سوره، جنبًا إلى جنب مع تلقين مبادئ القراءة والكتابة

والحساب وفرائض الإسلام التي حفظها عن منظومة ابن عاشر. والحقيقة أن والدي لم يكن سوى واحد من هذه الفئة التي كانت تتمتَّع برمزية خاصة في القرية المغربية؛ ذلك أنها تمثل مرجعًا فيما يتعلق بشؤون الدين وقضاياه، كما تُستشار في تدبير الخلافات والتحكيم بين الناس. ووالدي الذي كانوا ينادونه في القرية «زّي الحاج محمّاد»، لم يَعرف الإسلام إلا من والده وفقهاء

المدرستين العتيقتين «بإكضي وبومروان»، هذه المعالم والمنارات الدينية والعلمية التي جمعت بين التربية الروحية وتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية، دونما كثير اهتمام بتفاصيل العقيدة كما يمارسها أهل القرية، ودونما تدخُّل مباشر في التباسات سلوكهم اليومي الذي غالبًا ما كان يمزج بين الاعتقاد في تمائم

«فقيه الشرط» لمرضى القرية، واعتيادهم اليومي على أداء الصلوات الخمس وراءه بالمسجد. وبأمازيغيته البسيطة التي كثيرًا ما يغلب عليها المعجم القرآني العربي عند الاستشهاد بآيات من القرآن،

أو بأحاديث نبوية، أو ببعض محفوظات الشعر، كان «زّي الحاج» يخاطب عوامَّ القرية و«اجماعة» التي

تتعاقد معه على شروط العقد السنوي ليعْمُر بيت الله (المسجد). وحتى ذلك الحين، فإن الضامن كان

هو الدعاء ومفتاح ذلك البيت. ولم تكن مهمة «الفقيه المُشارط» مسألة بسيطة خالية من التشابكات

الاجتماعية – السياسية؛ فكثيرًا ما كان أهل القرية، خصوصًا شبابها، يجادلون «زّي الحاج» بتديُّنهم ذي

المنابع البعيدة عن القرية، مثلما كان هو نفسه غريبًا عن تلكم القرية. وفي الحالات التي يحتدم فيها

النقاش معهم، كان يتشبث بنهجه القويم، ذلك المستند إلى «وسطية الإسلام واعتداله»، ولسان حاله يقول: «اختلاف العلماء رحمة للمؤمنين». يمثل «زّي الحاج» نموذج الرجل البسيط المتمثل بشخص «الفقيه المشارط». لم يعرف الدولة إلا من حيث هي محطُّ دعاء يومي في المسجد والمناسبات الخاصة، ولم تعرفه هي أيضًا حتى ذلك الحين براتب أو بمستحقات اعتبارية، فهو مكفول لدى أهل «اجماعة» الذين يخصِّصون له مبلغًا رمزيًّا،

ومحصولً زراعيًّا كل سنة، مع ما تقتضيه بعض متطلَّبات الأعياد. لكن هذا الوضع سيتغير تدريجيًّا، وستحتدم رهاناته مع مشروع «ميثاق العلماء» الذي تبنَّته الدولة

((«فقهاء الشرط» هم فئة من القيِّمين الدينيِّين يشتغلون في القرى المغربية في إطار عقد شفوي، ويربطهم مع أهل القرية عقد (

يُدعى «الشرط». وبحسب هذا «الشرط» يلتزم السكان إسكان «الفقيه» وإطعامه، على أن يلتزم هو مهماته الدينية والثقافية داخل

القرية، من قبيل: إمامة الناس في صلواتهم، وغسل موتاهم، ومشاركتهم في نشاطاتهم الثقافية. و«المشارطة» كانت تقليدًا عرفه

المغرب منذ البدايات الأولى لإس ماا. وكانت تنبني على التطوع والترحال. وقد كُتبت مؤلَّفات كثيرة في المشارطة، ومن ذلك

كتاب: أبو علي حسين الشوشاوي، الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة، تحقيق ودراسة إدريس عزوزي (الرباط: منشورات وزارة

الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، 1989). كما كان موضوع المشارطة موضوعًا نوازليًّا (مجال القضاء والفتوى) بامتياز، أُثير في

كل المصنفات النوازلية المغربية.

سنة 2008؛ إذ سيصبح «فقيه الشرط» «قيِّما دينيًّا» وفق العبارة الجديدة، وسيتقاضى «إعانةً» من الدولة، كما

سيتلقَّى دورات تكوينية تُشرِف عليها وزارة الأوقاف التي تمثل المخزن، وستُوجَّه إليه مطويات خاصة مرتين في كل شهر، تُبيِّن له ما هو «الإسلام المغربي السمح» الذي ينبغي له بثه في القرى وبين أعضاء «اجماعة».

أولا: التعريف بموضوع البحث ومفاهيمه ومنهجيته ودراساته السابقة

1. إشكالية البحث

سيكون موضوع بحثنا هذه التجربة الاجتماعية – الدينية – السياسية التي يخوضها «فقهاء الشرط» في قرى تيزنيت؛ كونهم حلقة الوصل الرفيعة بين الدولة المركزية و«اجماعة» المحلية في خوض التحولات التي يعرفها الحقل الديني المغربي. وقد وقفنا بالفعل، من خلال اشتغالنا الميداني مع عدد مهم من هؤلاء الفقهاء بقرية «امِّيغْرمان» والقرى المجاورة بالإقليم المذكور (جنوب المغرب)، على القيمة المنهجية والإجرائية لهذا المدخل الذي نعتقد أنه مكَّننا من المشاهدة والتحليل لجوانب أساسية تتعلق برهانات الدولة والفاعلين في هذا الإصلاح. أما الأسئلة الرئيسة التي ستقودنا في هذا البحث فهي التالية: ما مكونات مشروع هيكلة الحقل الديني في قرى إقليم تيزنيت في المغرب ورهاناته؟ وكيف تفاعل «فقهاء الشرط» وقراهم مع هذا المشروع؟ وما الإستراتيجيات التي اتبعها كل طرف في هذه العملية؟ بدأ مشروع الإصلاح الذي استهدف مؤسسة «فقهاء الشرط» في القرى سنة 2008. وفي الظاهر، يبدو المشروع كما لو أنه عملية تقنية – بيروقراطية، تهدف إلى تنظيم سلك الأئمة والوُعَّاظ، وتزويد أعضائه

بمؤهلات علمية دينية متقدمة تتجاوز معارفهم «التقليدية» المحلية التي تختلط بالإسلام «الشعبي»، ممثلً عادةً في شيوخ الزوايا والطرق الصوفية. لكن المشروع لم يكد يأخذ طريقه إلى التنفيذ حتى ظهرت على السطح كل أبعاده الاجتماعية – السياسية والثقافية، وبدا أن المشروع ليس مجرد عملية تقنية مهنية ذات بعد بيروقراطي تنظيمي. من خلال البحث الميداني، وكذلك من خلال قراءة بعض الدراسات القيِّمة التي تناولت المجال

الديني المغربي، بدا لنا أن الظاهرة أشد كثافة وتعقيدًا. ومن جملة مظاهر هذا التعقيد أن المشروع

(((كما نعلم، الصراع بين «الإس ماا الشعبي» و«الإس ماا الرسمي» قديم في المغرب؛ إذ إن حركة التحرير المغربية، وعلى رأسها

«علال الفاسي»، كان لها التوجه الرسمي نفسه (مناهضة الإسلام الشعبيّ)، على الرغم من أن الدولة المغربية المستقلة التي انبثقت

من هذه الحركة لم تضع هذا الإسلام موضع سؤال، بل إن المخزن اعتبره من أسس شرعيته الدينية. (((نذكر هنا بكتب: ديل إف. إيكلمان، المعرفة والسلطة في المغرب: صورة من حياة مثقف من البادية في القرن العشرين، ترجمة

محمد أعفيف (الدار البيضاء: مؤسسة عبور/ مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، 2000)؛ ديل إف. إيكلمان، الإسلام في المغرب،

ترجمة محمد أعفيف (الدار البيضاء: دار توبقال، 1991)؛ عبد الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات

العربية الحديثة، ترجمة عبد المجيد جحفة، ط 4 (الدار البيضاء: دار توبقال، 2010)؛ محمد الطوزي، الملكية والإس ماا السياسي في

المغرب، ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي (الدار البيضاء: نشر الفنك، 1999)؛ ريمي لوفو، «الإس ماا والتحكم السياسي في

المغرب»، المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، السنة 4، العددان 14–13 (1992–1991)؛ وغيرها من الدراسات القيمة.

لا يستهدف البتة الإسلام الطُّرُقي على سبيل المثال، على الرغم من أنه، من وجهة النظر البيروقراطية

الوضعية للدولة، يمكن أن يمثل مجالً غير منظم. فما الذي يستهدفه المشروع تحديدًا؟ لا يمكن أن نجيب عن هذا السؤال إلا بوضع المشروع في سياقه السياسي، واعتباره جزءًا من الصراع

الجاري حاليًّا في المغرب على إعادة الفاعلين الرئيسين فيه هيكلةَ الحقل الديني، كل من زاوية رهاناته

وأهدافه: الدولة من جهة ممثلةً في أجهزتها البيروقراطية وخطابها الديني «الرسمي» المتوافق مع مصلحتها في المراقبة الاجتماعية وبسط النفوذ السياسي – الأيديولوجي، ومن الجهة المقابلة تيارات دينية – سياسية معارِضة لها، كثَّفت نشاطها في هذا الحقل خلال العقود الأخيرة من أجل انتزاعه من هيمنة الدولة، مستخدمة في ذلك تأويلات للدين مخالفة للتأويلات «الرسمية»، والهدف هو كسب أتباع وأنصار يمكن توجيه مواقفهم السياسية لصالحها عند الحاجة. ومن ثم، فإن فرضيتنا العامة في هذا البحث ستكون كالتالي: في سياق انتشار حركات الإسلام السياسي المعارِضة (على اختلاف أنواعها)، يهدف مشروع «إصلاح» مؤسسة «فقهاء الشرط» في القرى المغربية إلى فك الارتباط بين أئمة مساجد القرى، أو «فقهاء الشرط»، أو «الطلْبَة» كما يُلقَّبون محليًّا؛ ومؤسسة

«اجماعة» التي تمثِّل الجماعة القروية، ويعود إليها تقليديًّا اختيار إمام القرية، والاتفاق معه على مهمة القيام بالشأن الديني في المسجد. ومن وجهة النظر هذه، فإن المشروع يهدف إلى سيطرة الدولة على الآليات والمتغيرات المحلية التي تدخل في اختيار الإمام وفي تحديد مهماته، ومن ثم التحكم في رهانات هذه العملية؛ إذ إن الإمام يمثل الحلقة المفصلية بين «إسلام الدولة» الذي يُطلَق عليه عبارة

«الإسلام المغربي»، بشقَّيه: «العالِم» و«الشعبي»، وبين «الإسلام المعارض» الذي تتبناه المعارضة الإسلامية بأطيافها المعتدلة والمتطرفة. فتؤدي برقرطة شريحة «فقهاء الشرط» إلى زيادة نفوذ المخزن في الحقل الديني على المستوى المحلي.

2. مسألة المفاهيم

عند صياغة الفرضية العامة للبحث، استعملتُ مفهوم «الحقل» للسوسيولوجي الفرنسي بيار بورديو. والحقل، في منظور بورديو، فضاء شبه مستقل، مكوَّن من الروابط وعلاقات القوة والصراع والهيمنة

داخل مجال محدد من مجالات النشاط الاجتماعي، سواء أكان اقتصاديًّا أم ثقافيًّا أم غيرهما،

ينشط فيه فاعلون اجتماعيون يشتركون في امتلاك رأس المال الضروري للنشاط داخل هذا الحقل، ولكن على نحو غير متكافئ. وللحقل وجود موضوعي في الواقع، يتجسَّد في المؤسسات، وفي

الفاعلين الاجتماعيِّين الذين يعملون على إعادة إنتاج بنية الحقل وإدخال تحوُلّات فيه، بحسب

الأهداف والمصالح والموارد. ومن ثم، فإن مشروع الإصلاح الديني في المغرب يمكن أن يُدرَس على أنه تدخُّل فاعل أساسي، هو الدولة، في آليات اشتغال حقل من الحقول الاجتماعية المتعددة، هو، في هذه الدراسة، الحقل الديني، بخصائصه ومميزاته، لأن هذا الفاعل يَعتبر هذ الحقل حيويًّا لبناء شرعيته.

(4) Pierre Bourdieu, Les règles de l’art (Paris: Seuil, 1992), p. 353.

استعملنا كذلك في هذا البحث مفهوم الرهان، وتحديدًا، الرهان السياسي. ويُستعمَل مصطلح الرهان في اللغة العربية ليعني «المخاطرة» والمسابقة. حينما يراهن شخص شخصًا آخر، يعني هذا أنه يتفق معه على أن يكون أحدهما الفائز والآخر خاسرًا. ولذلك، يفترض الرهان وجود ثلاثة

عناصر، وهي: الرهان الأصلي، ثم المخاطرة، ثم الربح الممكن. نحن، إذًا، في مجال منافَسة، يسعى فيها كل طرف لتوظيف موارده لصالحه، وتحييد موارد المنافس، من أجل الفوز بالرهان، أي تحقيق هدفه أو جملة أهدافه التي يرى فيها مصلحته، وهي منافَسة تتضمن المجازَفة، أي إنها لا تُقصي احتمال الخسارة. أما إجرائيًا، فإننا نقصد جملة الانتظارات والتوقُّعات الكامنة وراء فعل سياسي تنافسي معيَّن. ومن

ناحيتنا، نقصد إجرائيًّا بالرهان جملة الأهداف والتوقُّعات التي تنتظرها الدولة وأعوانها ومنافسوها في

الحقل الديني موضوع «الإصلاح»، وتحديدًا في تيزنيت، خصوصًا فيما يتعلق بتأهيل مؤسسة «فقهاء الشرط»؛ فكلٌّ يخاطر بموارده ومصالحه من أجل منافَسة الأطراف الأخرى المتصارعة داخل النسق

الديني، إن بقبول «الإصلاح»، أو بمقاومته، أو بالتأقلم معه. بقيت مسائل ذات طابع مصطلحي – تقني، وجب توضيحها لغير القارئ المغربي، وهي تتعلق ببعض التسميات المحلية لبعض الفاعلين في الحقل الديني موضوع اهتمامنا. في القرى المغربية، هناك «القيِّم الديني» الذي ميَّزناه من «الفقيه المشارط». و«القيِّم الديني» مصطلح

عام يُطلَق على كل من يمارس مهمة دينية، سواء أكانت متعلقة بالإمامة أم بغيرها. أما كلمة «فقيه» فتشير بوجه خاص إلى فئة من الناس يزاولون مهمة الإمامة بوصفها مهمة أولى رسمية، مضافًا إليها مهمات أخرى بحسب الحاجة. والفقيه المشارط يشتغل عادة في القرية، لا في المدينة، وقد يجمع بين الإمامة والأذان والوعظ وحتى مهمة التنظيف في بعض الأحيان، بينما تتقيد مهمة «فقيه المدينة» بالإمامة والخطابة. وقد تتفاوت المهمات بحسب كل مسجد. لذلك، ما يميز «فقيه المدينة» من نظيره في القرية هو «الاختصاص في المهمات»؛ فنادرًا ما نجد الأول يجمع بين الإمامة والتنظيف والوعظ والإرشاد وما إلى ذلك. كان هذا قبل دخول «الإصلاح» الجديد إلى القرى. يعالج البحث أيضًا موضوع «اجماعة» باعتبارها أحد أهم التنظيمات التي تميز القبائل والقرى المغربية في المجتمع «التقليدي». وتتكون «اجماعة» من ممثلي ما يُعرَف بالقبيلة ووجهائها، وتقوم بوظائف

اجتماعية وسياسية واقتصادية مختلفة. في غياب الحضور الكثيف للدولة، تسهر «اجماعة» على تقسيم الوظائف والمهمات، كما تسهر على ترميم المسجد، وإقامة الطرق والسواقي، والتعاون في الحرث والحصاد، وحماية الغرباء وضيافتهم، وتنظيم المآدب الجماعية، إضافة إلى تنظيم التويزة،

(((مجد الدين الفيروزآبادي، القاموس المحيط، تحقيق وتقديم يحيى مراد (القاهرة: مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، 2010)،

ص.1149 ((يُعَد هذا المصطلح من بين المصطلحات التي وضعتها الدولة، ويكتسي طابعًا بيروقراطيًّا، القصد منه القائم على الشأن الديني. (

((«التويزة» فعل تضامني أصيل في الثقافة المغربية؛ إذ يتعاون أهل القرية للقيام بعمل خيري لشخص أو أسرة معينة (.

بوصفها ظاهرة جماعية للعمل، وإقامة المواسم الدينية، والسهر على تدبيرها وحسن تسييرها. إن هذه الأعراف التي كانت تصاغ لتدبير أمور «اجماعة» لا تعني الغياب التامَّ للدولة؛ إذ يسجَّل للعرف والقانون

المخزني حضور موازٍ. وكما يرى جاك بيرك، تنقسم «اجماعة» إلى قسمَين: «اجماعة» الصغرى، وهي التي حدَّدنا وظائفها آنفًا، و«اجماعة» الكبرى التي تختَص بالمهمات السياسية الداخلية والخارجية،

كالعلاقات مع الجوار، وممارسة القضاء داخل القبيلة أو الفِرقة. وتتكون «اجماعة» الكبرى من جماعة الأعيان أو رؤساء العائلات القوية الذين يُنتخَبون بطريقة «ديمقراطية»، ويرأسها المقدَّم، المنتخَب أيضًا، الذي يعيِّن مساعدين له، يُسمَّون «آيت الأربعين». بهذا المعنى، فإن «اجماعة» تشكِّل تنظيمًا

مكوَّنًا من رؤساء العائلات القوية، يرأسه «أنفلوس» يُنتخَب لسنة قابلة للتجديد. لكن، في بعض

المناطق في سوس، قد لا يوجد على رأس «اجماعة» رئيس؛ لأن «اجماعة» تعمل على ألا ينفرد أي أحد بالسلطة. وقد اعتبر بعض الباحثين، ومن بينهم روبير مونتاني، هذا النوع من الممارسات من تجليات الديمقراطية القبلية. لكن مؤسسة «اجماعة» عرفت تحوُلّات ملحوظة تحت تأثير توسُّع نفوذ الدولة المغربية في النصف

الثاني من القرن التاسع عشر، زادت الحماية الفرنسية بعد الاحتلال من أهميتها. وفي هذا المعنى، يرى مونتاني أن تدخُّل المخزن، على مستوى تعيين رئيس «اجماعة» أو قائدها، أفقد القبيلة استقلاليتها وذلك من خلال محو أعرافها التي تعبّر عن إرادتها الجماعية، واستبدالها، في المقابل، بقوانين السلطة

المركزية. أما المختار الهراس فيرى أن «اجماعة»، وخصوصًا في شمال المغرب، قد هُمِّشت في ظل الحماية؛ فبعد أن كان أعضاؤها يختارهم السكان المحليّون، أصبحوا، في ظل الحماية، يُعيَّنون

أو يعوّضُهم بغيرهم من كان يُعرَف باسم «وصي الجماعات». وبعد أن كان مجلس «اجماعة» يلتئم

في السابق بفعل اتفاق جماعي، وعند ظهور ما يستدعي التشاور بشأن ما يستجد من أحداث، أصبح حصول هذا الاجتماع متوقفًا على تلقِّي أعضائها استدعاءً من الرئيس، وموافقة المراقب المحلِّي. وبعد

أن كان أعضاء «اجماعة» هم المسؤولين وحدهم عن تطبيق ما يُتَّفق عليه، أصبحت نتائج مداولاتهم فيما بعد غير قابلة للتنفيذ من دون مصادقة مجلس الوصاية. وهذا لا يعني أن «اجماعة» في جنوب المغرب قد حدث لها الشيء نفسه؛ فقد حاولت سلطات الحماية الفرنسية دعم هذا النظام في تلك المنطقة، ولكن، مؤسسة «اجماعة»، على الرغم من كل هذه التحولات، لم تزل حاضرة في القرى

(((الهادي الهروي، القبيلة، الإقطاع، والمخزن: مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث 1934–1844 (الدار البيضاء:

أفريقيا الشرق للنشر والتوزيع، 2010)، ص.104 ((جاك بيرك، «البنيات الاجتماعية لأطلس الكبير»، في: الهروي، ص (.119 ((1 تعني كلمة «أنفلوس» في اللغة المحلية مقدم القبيلة (.

(11) Robert Montagne, The Berbers: Their Social and Political Organisation , Seddon David (trans. & intro.), preface by Ernest Gellner (London: Frank Cass, 1973), p. 48. (12) Robert Montagne, Les berbères et le Makghzen dans le sud du Maroc: Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires (Paris: Félix Alcan, 1931), p. 323.

(1((المختار الهراس، القبيلة والسلطة: تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب (الرباط: المركز الوطني لتنسيق وتخطيط

البحث العلمي والتقني، 1988)، ص.208

المغربية، ولم تزل هي التي تدبِّر بعض أمور أهل القرى، على الرغم من التحديث الذي طرأ عليها. ومن

المثير في بحثنا هذا أن عملية «المشارطة» مع الفقيه، الذي هو الإمام، لم تزل تتدخل فيها «اجماعة» التقليدية، وهو ما سنفصله في هذه الدراسة.

3. منهجية البحث

لقد أشرنا إلى أننا اشتغلنا بمفهوم «الحقل» كما صمَّمه بورديو، وتعاملنا مع هذا المفهوم بوصفه

نسقًا معرفيًّا متكاملً، إذ يصعب فهمه بمعزل عن مفاهيم أخرى من قبيل: السلطة، والرهان، واللعب،

والإستراتيجية. والحقل أداة إجرائية للتفكير في العلاقات «الجدلية» التي تربط بين المتنافسين على حيازة السلطة، ومن ثم الهيمنة على الآخرين. وفي الحقل، يصبح الصراع ملازمًا لكل فعل يروم فرض

الشرعية التي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا اعترف بها المهيمَن عليهم. وبناء عليه، فنحن نرى أن الحقل

الديني (موضوع البحث) يجري فيه صراع بين الفاعلين داخله: «فقهاء الشرط»، والمؤذن، والمخزن، و«اجماعة» التقليدية، وممثلي أشكال التدين الجديد. وكل طرف من هؤلاء يعتمد إستراتيجيته (إستراتيجياته) من أجل الحفاظ على وضعه الاعتباري داخل الحقل نفسه، أو كسب مواقع جديدة، مستندًا إلى هابيتوس الحقل الذي يُنتَج ويُعاد إنتاجه فرديًّا أو جماعيًّا. أما ميدانيًّا، فقد وظَّفتُ أسلوب المقابلة شبه الموجَّهة. وبناء عليه، فقد أجريتُ عشرين مقابلة من هذا

النوع مع فقهاء القرية. وتجدر الإشارة إلى أن كل المقابلات التي أجريتُها مع المستجيبين كانت بلغة أمازيغية محلية؛ لكونهم ينتمون إلى أصول أمازيغية. لذلك، حاولت في هذا البحث أن أترجم أجوبتهم إلى العربية، مع الحفاظ على بعض المفردات المحلية. وقد شملت المقابلات فئة من فقهاء القرية الذين تخرجوا في المدارس العتيقة قبل إعادة هيكلتها، واكتسبوا تجربة طويلة في المجال، وما زالوا فقهاء شرط. كما شملت فئة الذين تخرجوا في المدارس العتيقة بعدما لحقها «الإصلاح». وقد ساعدتني معرفتي الحميمية بأهل تيزنيت على متابعة مسارات الصراع بين الأطراف المعنية، ودراسة أدواته بطريقة غير بروتوكولية، عبر لقاءات مختلفة، بعضها مدبَّر، ومنها ما جرى مصادفة. أما الطريقة التي اعتمدتُها

للوصول إلى هذه الفئات فقد ارتكزت بالأساس على ما يسمَّى تقنية «كرة الثلج»؛ فالمجتمع الذي نحن

بصدد دراسته مجتمع قروي بسيط، يجري فيه التواصل وجهًا لوجه بدرجة أولى، وهو ما سهَّل الوصول إلى هذه الفئات. وإضافة إلى تقنية المقابلات، اعتمدتُ أداة تحليل المضمون؛ فسعينا من خلال هذه الأداة لتحليل نصوص مجموعة من مطويات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية التي ترسَل إلى الفقهاء مرتين في كل

شهر، في إطار تكوينهم وتأهيلهم. ومن خلال ذلك، حاولنا تتبّع تطوّر خطاب الدولة منذ سنة 2009 إلى

سنة 2017، والهدف هو محاولة كشف رهانات الدولة (المخزن) من خلال هذه المطويات. بقي أن أشير هنا إلى أن انتمائي إلى منطقة البحث نفسها جعلني في وضعية إبستيمولوجية معقَّدة، حاولتُ قدر الإمكان تخطّي «مطبّاتها»، اعتمادًا على ما يسمِّيه بورديو «علم الاجتماع الانعكاسي».

(14) Pierre Bourdieu, «L’objectivation participante,» Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 150, no. 1 (2003), pp. 43-58.

4. الدراسات السابقة

خلال القيام بهذا البحث، تابعنا بالقراءة والتمحيص جملة من الدراسات القيّمة التي اشتغلت بالحقل

الديني في المغرب، وإن لم يكن موضوعها الأساسي «فقهاء الشرط»، إلا في حالة دراسة عبد الهادي أعراب التي سنعود إليها. ويمكن تصنيف هذه الدراسات إلى صنفين كبيرين، يتقاطعان في بعض المستويات، وخصوصًا في المستوى النظري، ولكنهما يختلفان بعض الشيء في الكيفية التي يتموقع بها أصحابها حيال المجتمع المغربي. هذان الصنفان هما الدراسات التي قام بها باحثون غير مغاربة، وتلك التي قام بها باحثون محليّون. ولا يكتمل هذا التصنيف إلا إذا فصلنا إجرائيًّا بين الفترة الاستعمارية وفترة الاستقلال. من الناحية النظرية، هناك تقاطعات مهمة لا تخفى على أي باحث. في الفترة الاستعمارية، اشتغل الباحثون في إطار ذهني استعماري – استشراقي، واستندت مقارباتهم إلى النظرية الدوركايمية الوظيفية، وكان الهدف هو التعرّف، بالوصف والتصنيف، إلى أشكال التديُّن في المغرب، وهي أشكال ثقافية

اعتُبِرت من مظاهر التخلّف أو البدائية. نذكر من هؤلاء الباحثين، على سبيل المثال، إدموند دوتي. أما في فترة الاستقلال، فإن المدرستين اللتين سيطرتا على حقل البحث الأنثروبولوجي في المغرب، ومنه الظاهرة الدينية، هما: الانقسامية، ورائدها إرنست غيلنر Gellner) Ernest (، والتأويلية، ورائدها كلفورد غيرتز Geertz) (Clifford. وفي الفترة الأخيرة، يعمل باحثون مغاربة على شق طرق بحثية جديدة، ومنهم عبد الله حمودي، ومحمد الطوزي، وحسن رشيق، وغيرهم. إن ما يهمنا من بحوث كل هؤلاء هو الظاهرة الدينية، ويمكننا أن نلحظ أن مقارباتهم لهذه الظاهرة كانت، على الأغلب، مقاربات أنثروبولوجية سياسية، وهو التوجه الذي نسير فيه نحن. وإذا تقصَّينا

البحث، فإننا سنلحظ أن البحث في هذه الظاهرة كان، على الأغلب، مرتبطًا بأشكال التديّن، والإسلام الرسمي، والهرمية الاجتماعية، والمخزن – أي الدولة – من دون البحث في التحولّات الراهنة (وهي

في الحقيقة جديدة إلى حد بعيد) التي تطرأ على هذا الحقل، وهي التي استشعر المخزن خطورتها، وبدأ يعمل من أجل احتوائها. لقد أفدنا كثيرًا من هذه الدراسات، خصوصًا أنها تتناول الظاهرة الدينية في المغرب باستعمال مقاربات

منهجية متنوعة، منها ما يركّز على الجوانب التأويلية والرمزية، ومنها ما ينتصر لأبعاد الوظيفية للموضوع. وعلى الرغم من أن دراسة أعراب لا تتناول موضوع بحثنا الدقيق مباشرة، فإنها هي التي سنناقش فيما يلي بعض أفكارها.

(15) Edmond Doutté, Magie et religion dans l’Afrique du Nord (Alger: Adolphe Jourdan, 1909).

(1((انظر: كليفورد كيرتز، تأويل الثقافات: مقالات مختارة، ترجمة محمد بدوي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2009)؛

أبو بكر أحمد باقادر، «السوق وعالمه: هل هو المفتاح لفهم العالم الإس مااي؟ (كليفورد غيرتس)»، الاجتهاد، مج 9، العدد 35–34 (1((عبد الهادي أعراب، مؤسسة «فقيه الشرط» في البادية المغربية: ملاحظات واستنتاجات ميدانية (الرباط: مؤمنون بلا حدود،

د.ت.)، ص.2

يسلِّط عبد الهادي أعراب الضوء، في دراسته عن «فقهاء الشرط» وتحوُلّات الحقل الديني القروي في المغرب، على مؤسسة حيوية لم يتم الاشتغال بها كثيرًا، على الرغم من أن هذه المؤسسة المحلية

تضطلع بدور كبير في المجال الثقافي والاجتماعي والرمزي. وقد أثار الباحث النقاش عن راهن أدوار «الفقيه» ومكانته، ومدى تكيّفه مع التحولات الجارية، ومقاومته لتأثيراتها المتواصلة ببادية إقليم

«خريبكة» في المغرب سنة.2007 وإذا كانت هذه الدراسة قد عالجت مؤسسة «فقهاء الشرط» في مرحلة لم تتدخل فيها الدولة على نحو مباشر، فإن دراستنا هذه لم تكتفِ بما عالجه عبد الهادي أعراب، بقدر ما تجاوزت ذلك إلى بحث الرهانات السياسية والثقافية والاجتماعية وراء تدخُّل الدولة، كما حاولت دراستنا تفكيك العلاقة التفاعلية التي تربط بين مؤسسة الفقيه المُشارط، ومؤسسة «اجماعة» التقليدية، والمخزن. إن هذه العلاقة الثلاثية لا يمكن فهمها إلا بتفكيك كل عنصر من عناصرها، ودراسة الإصلاح من منظور الحقل والرهانات والإستراتيجيات.

ثانيًا: المخزن وإعادة هيكلة الحقل الديني في المغرب

لقد شرحنا في المقدمة أن حركة الإصلاح الديني في المغرب قديمة، وقد أعطتها حركة التحرير أبعادًا مميزة، إذ كان أبناء هذه الحركة متشبعين بالفكر السلفي ومرجعيته؛ ولذلك، كانوا في صراع دائم مع الطرق الصوفية والزوايا، مبرّرين ذلك بكونها تُنتج البِدع، وتشوّه الدين الإسلامي، واتهموها

بالتواطؤ مع المستعمر. ومن هذا المنظور، فإن علاقة الحركة الوطنية بالسلفية المغربية كانت علاقة تكامل؛ ذلك أن مرجعية الحركة الوطنية هي السلفية. وكان الفكر السلفي يناهض الإسلام الشعبي ممثَّلً فيما ترسب في المجتمع المغربي من ممارسات دينية، غير أن علاقته بالمخزن إبَّان الاستعمار كانت علاقة انسجام؛ نظرًا إلى تطابق الأهداف؛ فكلاهما كانا يسعيان لطرد الاستعمار، وقد ساندت

السلفية آنذاك السلطان حينما تم نفيه، وطالبت بعودته إلى البلاد التي كانت تتحوّل، شيئًا فشيئًا، إلى وطن. ونتيجة لعلاقتها المتميزة بالسلطان، عملت الحركة الوطنية على «إصلاح» مؤسسة العلماء، وكان هدفها الحد من سلطة العالِم الدينية والسياسية، «والعالم المقصود من وراء هذا الإصلاح، هو ذلك الذي يخالف في معتقداته الإسلام السلفي». ستكون بداية المأسسة التدريجية واضحة في عهد الملك الحسن الثاني (حكم خلال الفترة 1999–1961)، خصوصًا بعدما لُقّب ب «أمير المؤمنين» في دستور سنة 1962. هذه الصفة هي أحد الأسباب التي

(1((ذكر ابن خلدون أن كل العصبيات الناجحة كانت تلتف بدعوة إلى الإص حاا الديني. ولعل أبرز هذه الحركات في التاريخ

القديم مغامرة كانت لابن تومرت. (1((نور الدين الزاهي، «الحركة الوطنية وإعادة هيكلة الحقل الديني السياسي»، أبحاث، العدد 33 (1994)، ص.10 (2((تجدر الإشارة إلى أن الحسن الثاني لم يبتدع هذه التسمية، ولم يكن أول من لُقِّب بها؛ إذ كان اللقب ملازمًا للقب السلطان

في الدولة المغربية منذ عهد المرابطين، وإنما عمل الحسن الثاني على إحيائه بعد أن توارى استعماله قُبيل الحماية وأثناءها. ويمكن القول إن استعمال هذا اللقب كان في إطار الصراع الذي ميّز علاقة القصر بالحركة الوطنية، على الرغم من التحالف ضد المستعمر.

جعلت شخصية الحسن الثاني تحظى بمكانة استثنائية داخل المجتمع المغربي، إضافة إلى كون شخصيته كاريزمية بامتياز، كما أنه بدأ، أول مرة، بالتفكير في وحدة المذهب. ولعل التفكير في وحدة المذهب في ذلك الوقت تحديدًا كان يعود إلى عوامل داخلية، تعلقت بظهور تيارات وأحزاب قوية معارضة، كما أنه صادف جيلً جديدًا من الشباب الذين تأثروا بأنماط أخرى من التديّن. ونتيجة لذلك، تم ضبط مجموعة من مؤسسات الحقل الديني وتحجيمها، مثل مؤسسة المسجد، ومؤسسة العلماء. و«قد اتخذ هذا التحجيم مغزاه خصوصًا بعد إدماج هيئة العلماء في سلك الوظيفة العمومية». لقد شملت الهيكلة التي قام بها الحسن الثاني كلًّ من المجال القانوني التشريعي والمجال الهيكلي المؤسساتي؛ إذ كان يراهن، من خلال كل «الإصلاحات» التي قام بها، على برقرطة الإسلام المغربي، فحاول الهيمنة على الحقل الديني تدريجيًّا، وسعى لتقليص مهمات العلماء، وتوجيههم لغاية الحفاظ

على «ثوابت المجتمع المغربي». إضافة إلى ذلك، استطاع أن يعيد هيكلة هذا القطاع، مع «ترشيد» العلاقات بكل المكونات الإسلامية المعارضة. لذلك، يمكن القول إن الحسن الثاني خلق «إمارة المؤمنين» بوصفها منزلة يتمّ توظيفها في سياقات متعددة لمواجهة المعارضين؛ فمنذ الستينيات إلى حدود الثمانينيات من القرن العشرين، تم توظيف هذه الآلية لمواجهة اليسار وقوى العلمانية التي كانت تطالب بتقليص صلاحيات الملك. وإثر تنامي المد الإسلامي وانحسار اليسار بعد الثمانينيات، بدأ توظيف «إمارة المؤمنين» لمواجهة التيار الإسلامي، ولإضفاء المشروعية على السلطة. وهكذا تم تسخير هذه الآلية لمحاولة التأثير في العديد من مكوِنات المجتمع. نهَج خلَف الحسن الثاني، محمد السادس، السياسة نفسها، إلا أنه تبنّى إستراتيجية أشمل وأكثر ضبطًا، فعمل على تأسيس جميع مكوّنات الوظيفة الدينية على أسس حديثة وعصرية، خصوصًا بعد الأحداث

الدموية التي شهدها المغرب سنة 2003، فقد أحدث مجموعة من المؤسسات الدينية وقام بهيكلتها؛ من قبيل إنشاء مديرية المساجد، ومديرية التعليم العتيق، وتنظيم المجالس العلمية، وبَعْث مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية، وإحداث خطة ميثاق العلماء، وغير ذلك. وسوف نحاول أن نركّز على خطة ميثاق العلماء باعتبارها محور اشتغالنا في هذا البحث. يراهن المخزن، في إطار إحداثه مشروع «ميثاق العلماء»، على تحقيق التواصل بين المؤسسات الدينية الرسمية والفقهاء والأئمة، وذلك من أجل رفع مستواهم العلمي، وتوحيد خطابهم لينسجم مع مرتكزات الإسلام المغربي: «العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، وطريقة الجنيد الصوفية، وإمارة المؤمنين». ومن أجل تطبيق هذه الركائز وتفعيلها، خصَّصت الوزارة لقاءين تكوينيَّين في كل شهر، يؤطرهما مؤطِّر

ينتدبه المندوب الإقليمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وقد حدَّدت الوزارة مضمون البرنامج التكويني في أربع مواد:

(2((محمد ضريف، الإس ماا السياسي في المغرب: مقاربة وثائقية (الرباط: منشورات المجلة المغربية للعلوم السياسية، 1992)،

ص.63 (2((أزين العابدين حمزاوي، «أسس هيمنة المؤسسة الملكية: نموذج إمارة المؤمنين بالمغرب»، المجلة العربية العربية للعلوم

السياسية، العدد 20 (2008)، ص.19

- الثوابت التي تحكم التزام الإمام في مساجد المملكة المغربية، وهي: مذهب أهل السنّة والجماعة،

والعقيدة الأشعرية داخل مذهب أهل السنّة والجماعة، واحترام الحياة الروحية للمغاربة في إطار

التصوف السنّي، ومضمون البيعة، وحقوق إمارة المؤمنين، والضمانة التي تمثلها في حماية الملة

والدين. - ما تصح به الإمامة في مختلف الصلوات، وأدلة المذهب المالكي عليها. - تعليم القرآن الكريم، ومتطلّبات الوعظ والإرشاد، وخطبة الجمعة. - السلوك المطلوب لإعادة بناء الدور الروحي والتربوي الإصلاحي لإمام في صيانة المجتمع وتنميته. إن هذا المشروع يستبطن تصوّر المخزن لوظيفة الأئمة والقيِّمين الدينيّين عمومًا، فهي سياسة تسعى

لحصر هذه الفئة في جانب واحد، وهو إنتاج المعرفة الفقهية البسيطة الموافِقة لإسلام الرسمي للدولة المغربية، من دون التعرّض لإسلام الشعبي الذي يُزكي روح الإسلام المبني على التصوّف السنّي. كما

تسعى هذه الخطة لتقييد هؤلاء، والتزام كل أوامر «الإمام الأعظم»، أمير المؤمنين، ملك البلاد. وفي إطار هذا المشروع، خصَّصت الوزارة للقيِّمين الدينيِّين مكافآت شهرية، تعتبرها الوزارة محض إعانات

وليست راتبًا شهريًّا؛ بحجة أن هذه الفئة لم تُدرَج بعدُ في إطار الوظيفة العمومية. كما أن التصوُّر العام

لإمامة في المغرب، كما يرى ذلك وزير الأوقاف السابق، قائم على أن «الأصل في الوظائف داخل المسجد هو التطوُّع، وأن كل ما تدفعه الأوقاف ما هو إلا مكافآت، وهي غير ملزمة بصرف رواتب

مقابل أداء الصلاة». تدخل خطة ميثاق العلماء، إذًا، ضمن سياسة توسيع النفوذ داخل الحقل الديني في عهد الملك الجديد، ومن ثم، لا يمكن فصلها عن باقي الخطط الأخرى المتعلقة بهذا الحقل؛ فلا يمكن فصل خطة ميثاق العلماء، المبنية على تقنين مهمات القيّمين الدينيّين، عن خطة تأهيل المدارس العتيقة،

باعتبارها مصدر إنتاج هذه الشريحة الاجتماعيّة. وهكذا، تراهن الدولة على بسط هيمنتها على مختلف

المؤسسات الدينية، باعتبارها مصدر شرعية «أمير المؤمنين»، حتى لا تُنتِج أنماطًا من التديّن الخارج عن إسلام الدولة المغربيّ.

ثالثًا: «فقهاء الشرط» قبل «الإصلاح»

لفهم رهانات «الإصلاح» المقصود، نحتاج إلى التفصيل، ولو بإيجاز، في خصائص «فقهاء الشرط» في القرى المغربية، وتحديدًا في تيزنيت، قبل برنامج «تأهيل» القطاع. يبدأ «التأهيل الديني» «المؤسساتي»

(2((وثيقة تأهيل أئمة المساجد في إطار خطة ميثاق العلماء (الرباط: المجلس العلمي الأعلى، 2012)، ص.4 ((2 يتعلق الأمر بعبد الكبير العلوي المدغري الذي تولى وزارة الأوقاف مدة (19 رين لإمارة المؤمنين سنة. وكان واحدًا من المنظِّ،

وتُعرف الدروس التي ألقاها بين يدي الملك بالدروس الحَسنية. (2((عبد الحكيم أبو اللوز، «الدولة والمساجد وقيموها في المغرب»، عمران، العدد 6 (خريف 2012)، ص.120

في الأوساط القروية المغربية عمومًا في مرحلة مبكرة نسبيًّا من حياة الطفل، بوساطة مؤسسة «الكتاتيب

القرآنية». ومنها، يلج الطفل المدرسة، لتلقينه مبادئ القراءة والكتابة، وتحفيظه بعض سور القرآن، وتعليمه فرائض الإسلام، والحساب، وما إلى ذلك. لكن هذه الكتاتيب يمكن ألّ تكون مرحلة عابرة بالنسبة إلى بعض الأسر، خصوصًا تلك التي ترى المدرسة مكانًا «للانحلال الأخلاقي». لذلك، عادة ما يتم توجيه الأبناء الذكور إلى الكتاتيب القرآنية، لأسباب دينية وأخرى عرفية، فالأولى تتمثل بكون مجموعة من الأسر تفضل المدارس العتيقة من أجل «إشاعة كلام الله ونشره»، والثانية تستند إلى عرف محلِّي يرى الابن الذكر نعمة لأبيه، ينفع به المجتمع، وخصوصًا حينما يحفظ القرآن. ومن هذا المنطلق، نجد أن فقيه «الشرط» لا بد أن يمر بمرحلة الكتاتيب القرآنية، بوصفها محطة مهمة وأساسية في مساره العلمي والثقافي، قبل أن ينتقل إلى المدرسة العتيقة، حيث يتعمق في حفظ القرآن والمتون الفقهية. يقول الفقيه «س. ح.»: «منذ السنوات المبكرة من حياتي، كنا نذهب إلى الكتاتيب القرآنية من أجل تعلُّم الحروف، وبعض السور القصيرة، وبعد أن ختمت ‘السلكة’ عند أبي، ذهبت إلى مدرسة عتيقة عند ‘أوراشي’، ومنها تلقيت مبادئ العلوم الشرعية واللغة ». ويأتي هذا الانتقال من الكتاتيب إلى المدرسة العتيقة نتيجة حاجة الأسرة إلى تعميق قدرات ابنها المعرفية في مجال العلوم الشرعية الأخرى، وعادة ما يتم توظيف أسلوب الحفظ طريقةً تعليمية في كل المستويات؛ ذلك أن الاجتهاد في المدراس القرآنية يُقاس بمدى قدرة الطالب على حفظ السور القرآنية والأبيات الشعرية

في وقت وجيز. وما يُلحَظ في هذا الإطار أن لدى «فقهاء الشرط» بعض الخصائص المشتركة؛ فنجد أن معظمهم

تتلمذوا على أيدي آبائهم، وأنهم ينحدرون من أسر امتهنت التدريس الديني، ونجد أن أغلب «فقهاء الشرط» من أسر فقيرة، تعتمد في رزقها كله على «الشرط»، ونجد أن أغلبهم لهم إخوة لا يشتغلون بالمهنة نفسها، ويرجع ذلك إلى أن والدهم (الفقيه)، يعتقد أن عليه أن يُعلِّم القرآن أحد أبنائه، وغالبًا ما

يكون أكبرهم سنًّا؛ حتى لا تنقطع شجرتهم الدينية، فإذا علَّم القرآن أحد أبنائه، فكأنه بلَّغ رسالته لابنه، كي يأخذ مكانه في المستقبل بوصفه «فقيه شرط». يكون العمل في خطة فقيه مُشارط مع أهل قرية ما بطرق ثلاث: الأولى أن تطلب «اجماعة» التقليدية

من فقيه المدرسة العتيقة أن يبعث إليها أحد طلبتها ليشترط معها، وفي هذه الحالة، تكتفي «اجماعة»

((2 يرى بعض الأسر أن المدرسة هي مكان للانحلال الخلقي ما دامت تقدِّم علومًا غير دينية، إضافة إلى كونها منفتحة على قيم (

دخيلة على المجتمع المحلي.

(27) Mohsine El Ahmadi & El Mustapha kchiridi, L’enseignement traditionnel au Maroc (Rabat: Conseil supérieur de l’enseignement, 2007), p. 22.

(2((تعني كلمة «السلكة» أو «سلُوكت» في اللغة الأمازيغية المحلية ختم القرآن في دورة واحدة. ((2 ق مصطلح «أوراشي» في الثقافة المحلية على الفقيه المتخصّص في تحفيظ القرآن للطلبة في المدارس العتيقة برواية (يطلَ

ورش. ((3 الفقيه «س. ح.»، مقابلة شخصية، مدينة تيزنيت (،.2017/2/5 ((3 معظم المستجيبين الذين قابلناهم هم أبناء فقهاء شرط (.

بقبوله بلا شرط، ما دام فقيه المنطقة هو الذي يضمنه. والثانية تكون بوساطة الأب الذي اكتسب تجربة كبيرة في المشارطة، ويعرف أغلب أمناء القرى ووجهائها، فيبعث إليهم ابنه. والطريقة الثالثة، وهي الشائعة، تكون عندما يغادر الطالبُ المدرسة، ويبحث بنفسه عن المسجد الشاغر. لكن كيف تتم هذه

الطريقة الأخيرة؟ على الفقيه الذي يبحث عن «الشرط» أن يجوب الأسواق الأسبوعية والمواسم الدينية والثقافية؛ قصد معرفة أخبار كل قرية. وعندما يسمع عن مسجد شاغر في المنطقة، يحاول أن يلتقي أحد أفراد هذه القرية؛ كي يرتب معهم لقاءً أوليًّا في استضافة المسجد. يتفق الطرفان على اليوم الذي سيتقابلان

فيه، وعند قدومه، يشربون الشاي داخل مقصورة المسجد، وقبل أن يشرع الطرفان في الحديث عن العقد ومضمونه، يبدؤون بطريقة غير مباشرة باختبار الفقيه؛ فيسألونه عن أحواله الشخصية، والمدرسة التي تخرَّج فيها، وغالبًا ما يصلّي بهم، وأحيانًا يقدّم درسًا معيّنًا حول بعض المسائل الفقهية. وبعد

ذلك، يتفق الطرفان على عقد الشرط. يكون عقد الشرط شفويًّا؛ إذ يتفق الطرفان على مجموعة من الشروط التي ينبغي لهما التزامها، وعادة ما تشترط «اجماعة» أن يعمر المسجد كل يوم، باستثناء يومَي الأربعاء والخميس، ففيهما يحق للفقيه أن يزور أهله. كما تطلب منه أن يدرِّس أطفال القرية، وأن يحضر في المناسبات والمواسم الدينية الجماعية. أما الفقيه، فيشارط معهم في المبلغ السنوي الذي سيتقاضاه، ثم مؤونته اليومية التي تتكون من ثلاث وجبات (الفطور، والغداء، ثم العشاء)، وهذا ما يسمى «تارتبيت»؛ بحيث يخصِّص له أفراد القرية هذه الوجبات مناوبة على جميع السكان الحاضرين، أو يتفقون على وجبة واحدة كل يوم، فإذا اتفق الطرفان على الشروط المحددة، يختمون المجلس بالدعاء. يقول أحد الفقهاء المستجيبين، معرِّفًا عقد الشرط، ما يلي: «الشرط، باختصار، هو الدعاء ثم

المفاتيح»، ويقول هذا الكلام بنوع من السخرية من هذا العقد الذي يراه لا ينبني على أساس قانوني مكتوب، فهو يرى أن هذا العقد، على الرغم من أهميته، لا ينظِّم عمل الفقيه تنظيمًا دقيقًا، ولا يحميه من أي تعسف قد يتعرّض له داخل «اجماعة». ويقصد بالدعاء ذلك الذي يختتم به هؤلاء مجلسهم

بعد الاتفاق على الشروط، وقبل أن يسلّموه مفاتيح مسكنه. يقول الفقيه وهو يسرد حال بعض الفقهاء: «على الفقيه أن ينام في الليل، وأن لا يعوِّل على أن يستمر مع ‘اجماعة’ في اليوم التالي، أو أن يصبح

في المسجد فيمسي في المنزل مع أهله [...] عليه أن يتوقع كل الاحتمالات ما دام العقد لا يحميه». إن ما يقصده هذا الفقيه هو أن المشارطة مع أهل القرية تقتضي التزام أوامرهم، والاستجابة لطلباتهم، مهما اختلفت توجهاتهم الفكرية والسياسية والثقافية؛ فالفقيه دائمًا معرّض للمشكلات، على حد تعبيره،

(3((يقصد استضافته بالمسجد مُشارطًا. ((3 الفقيه «س. ع.»، مقابلة شخصية، منطقة «ميرلفت» جنوب المغرب (، 2017/2/9، بموسم «الولي الصالح سيدي محمد بن

عبد الله.» ((3 المرجع نفسه. (

وخصوصًا عندما يجالسهم يوميًّا. فمن كثرة وقوع الخلافات بين الفقهاء و«اجماعة»، وهي خلافات تصل

في بعض الأحيان إلى حد فسخ عقد الشرط، تدور بين أوساط الفقهاء بعض الطرائف التي يسخرون فيها من أهل القرى (العوام)، يقولون: «الفقيه المشارط في سنته الأولى مع ʼ اجماعة ʽ، يحبونه كحب الله، وفي السنة الثانية، يصدق عليهم قول الله: ﴿فَمِنْهُم مَنْ آمنَ ومِنْهُمْ مَنْ كفرَ﴾ (البقرة: 253). أما في

السنة الثالثة، فيصدق عليهم ما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ (الأعراف: 82) ».

وكثيرًا ما يسخرون من أهل القرية وعوامّها؛ لأن بعض العوامّ، في نظرهم، يغبطون الفقهاء وحمَلة كتاب

الله، لمكانتهم الخاصة في المجتمع. في مقابل ذلك، نجد أن بعض أهل القرى يستهزئون بالفقيه في غيابه، ويصفونه بصفات قدحية، مثل «الطالْب علي» (وتعني العبارة في اللغة الأمازيغية فصيلة من الثعالب)؛ لأنه يستطيع أن يجيب عن كل أسئلة الناس بنوع من الذكاء، من دون أن يحرج أحدًا، كما أن حنكته تجعله يصحح كل الممارسات الدينية من كل الشوائب، وهو في الوقت نفسه مضطر إلى غض الطرف بما يقتضيه التعامل مع المعطيات المحلية. إن فسخ العقد مع الفقيه لا يحتاج إلى توقيع أو أي إخبار، إنما يكتفي الطرفان بجلسة يخصصونها للدعاء مع الفقيه. وغالبًا ما يكون سبب الفسخ ناتجًا من اختلافٍ في تصوّر المهمات والواجبات بين

أفراد القرية أنفسهم، كما يمكن أن يكون من طرف الفقيه نفسه، حينما يجد «اجماعة» أخرى توفر له متطلباته المعيشية على نحو أفضل. لكن الشائع هو أن فسخ العقد يأتي نتيجة اختلاف أهل القرية على مهمات الفقيه، أو مقدار راتبه السنوي، أو اختلافهم في طريقة التديّن التي يجب على الفقيه أن يتّبعها؛ إذ تختلف طريقة التديّن باختلاف المستوى الثقافي لأبناء القرية، كما تختلف باختلاف المذهب المتَّبع، وهكذا تتضمن القرية أطيافًا متعددة من التيارات، تجعل الفقيه يتَّبع الأقوى منهم تأثيرًا. ولقد روى لي أحد «فقهاء الشرط» طريقة تعامله مع هذه الأطياف المختلفة، قائلً: «أنا أصلي

بالقبض [أي وضع اليد اليمنى على اليسرى] عندما يحضر أصحاب اللّحى في الأعياد والمناسبات الكبرى، بينما أكتفي بالسدل [أي إرسال اليدين ووضعهما على الجانبين] في الأيام العادية الأخرى عندما يحضر العوامّ الذين يصلّون بالسدل». وهكذا يتقن الفقيه فن إدارة الخلافات، والتعامل معها بنوع من المرونة؛ حتى يضمن الاستمرار في أداء وظيفته مع أهل القرية. يمكن القول إن فسخ العقد لا يقوم على أي سند قانوني ثابت، بل يكفي فقط أن يبدي شخص، له حظوة اجتماعية في القرية، عدم رضاه عن سلوك الفقيه، ثم يتوجه مباشرة إلى الفقيه ليخبره بذلك. وعلى الرغم من أنه لا يمثل «اجماعة» التقليدية، أو حتى بعض آراء الناس، فإن رأيه يكون نافذًا، ويُضطر الفقيه إلى مغادرة المسجد، ما دام أهل القرية منقسمين بين مؤيد ومعارض لبقائه. وقد ينتج من

((3 المرجع نفسه (. (3((عبد الهادي أعراب، «فقهاء الشرط وتحولات الحقل الديني القروي بالمغرب»، إضافات، العددان 21–20 (خريف وشتاء

2013–2012)، ص.97 ((3 يقصد بأصحاب اللحى تلك الفئة من الناس التي تتبع المذهب المشرقي في التدين (. ((3 الفقيه «ح. م.»، مقابلة شخصية، مدينة تيزنيت (،.2017/2/4

هذا الخلاف في بعض الأحيان إحداث المعارضين مسجدًا آخر، يستقدمون فيه فقيهًا آخر يرونه ملائمًا

لهم. ولذلك، على الفقيه أن يُرضي جميع الأطراف، لكي يضمن استمراره مع القرية. إن «اجماعة» التقليدية، على الرغم من مكانتها الاعتبارية التي اكتسبتها من احتكاكها المباشر بمختلف «اجماعات» القرى المجاورة، وكذا من شهرتها في المنطقة، تستسلم لقرارات الجيل الجديد من أبناء القرية؛ لأن معظم هؤلاء الشباب هم الذين يُعوّل عليهم في ضخ الأموال للسكان، وتمويل المشاريع

العائلية الخاصة؛ كونهم يعملون خارج دائرة القرية، وخصوصًا في فرنسا (إدبو فرانسا كما يسميهم «فقهاء الشرط»). وهؤلاء متشبعون بإسلام المدينة الذي يتعارض في جزء كبير منه مع إسلام القرية؛ ومن ثم، فهم يحاولون، أحيانًا، فرض تديّنهم الجديد على «اجماعة» التقليدية وعلى «فقهاء الشرط».

هكذا نجدهم يسخرون من بعض الممارسات التي تقام في القرية، كزيارة الأولياء، والذبيحة على القبور، وما شابه ذلك من ممارسات يراها «فقهاء الشرط» و«اجماعة» التقليدية جزءًا لا يتجزَّأ من

إسلامهم «الصحيح». لذلك، يعمل «الفقيه المشارط» بطريقته على إقناع الشباب بضرورة تقبُّل هذه

الممارسات، على اعتبارها من إرث الأجداد، ولسان حاله يقول مستشهدًا بآية من القرآن: ﴿إنَّا وجَدْنا

آباءنا على أمَّة وإنَّا على آثارهِم مُقْتَدُون﴾ (الزخرفُ).22: قد يعتقد البعض أن مهمات «فقهاء الشرط» ووظائفهم، وخصوصًا في القرى المغربية، تقتصر فقط على أمور دينية ممثلة في إمامة الناس في الصلوات الخمس، والوعظ والإرشاد، وما إلى ذلك، لكن مهماتهم تتجاوز ذلك لتشمل أبعادًا ثقافية واجتماعية كثيرة؛ فهم يرفعون الأذان، ويُصلّون بالناس،

ويعظونهم في دينهم، كما يُدرّسون أطفال القرية، ويعالجون مرضاها، ويشاركون الناس مناسباتهم في

الأفراح والأتراح. كان «فقهاء الشرط» في مرحلةٍ ما، قبل ما يُسمَّى «الإصلاح»، يتعاملون مع أهل القرية وفق ما هو

متعارَف عليه في تقاليد المشارطة كما شرحناها. لكن كل هذه الوظائف والممارسات التي تحدِّد مكانة «فقيه الشرط» الاجتماعية سوف تشهد تغيرات مهمة بعد تطبيق ما يُسمّى «ميثاق العلماء». هذا البرنامج

الذي يهدف إلى تقنين مهمات الفقيه في القرية، وضبط مجال اشتغاله، هو الذي سيُحاول احتواء

شريحة «فقهاء الشرط» عبر عملية مأسستها لتتحول إلى مؤسسة القيّمين الدينيّين الذين يصبحون نواب

أمير المؤمنين في القرى المغربية. هل سعى المخزن في تدخله هذا للقطيعة مع هذا الموروث الثقافي المحلي؟ أم هل، بخلاف ذلك، سعى لتحديثه وعقلنته وتقنينه فحسب؟ الواقع أن وضع فقهاء الشرط ظلّ على حاله إلى حدود منتصف العشرية الأولى من هذا القرن، على الرغم من التحولات المهمة التي بدأت تعرفها مؤسسة «اجماعة». ومع ذلك، في نهاية القرن العشرين، بدأت تعترض هؤلاء صعوبات من نوع جديد، لم تكن في قاموس الصعوبات المعتادة التي خبروها في إدارة الحقل الديني المحلي، وذلك حينما ظهرت في القرى فئة من المتدينين الذين بدؤوا، على الرغم من قلة عددهم، يهدّدون نظام المشارطة التقليدي، والمذهب الديني المالكي السنّي الذي تأقلم

مع خصائص التصوّف المغاربي، وعزّزته في ذلك الدولة المغربية، ممثلة في أمير المؤمنين. في هذا

السياق، لم يعد «فقهاء الشرط» يواجهون قادة «اجماعة» وخصوماتهم ومزاج المؤثرين فيهم فقط، بل هذه الفئة من المتدينين الشباب الجدد أيضًا، أو ما يسمى تيار الإسلام السياسي ذا المرجعيات المشرقية الوهابية. يقول الفقيه «ح. م.»: «لم أزل أتذكر أيام المشارطة الأولى مع قرية كان أغلب شبابها متشبّعين بالإسلام المشرقي، بينما آباؤهم يرفضون هذا التديّن الدخيل عليهم. ولكونها أول تجربة لي

في المشارطة، لم أعرف كيف أتعامل مع هذا الموقف، واتبعتُ الشيوخ لأنهم على صواب؛ إذ يزورون الأولياء، ويعقدون الموسم الديني في الضريح كل سنة، ويقيمون الدعاء جهرًا، وهذا ما وجدنا عليه

آباءنا. وبعد مرور نحو ستة أشهر، طلب مني أحد الشباب أن أمنعهم من ذلك، فرفضتُ، وغادرتُ المسجد». لقد جاء الإصلاح الديني في هذا السياق، وربما كان أحد رهاناته أن يَثبُت «فقهاء الشرط» في مكانهم،

بدلً من الهروب وترك الساحة لخصوم المخزن، على الأقل كما يبدو من تمظهرات نشاطاتهم الأولى.

رابعًا: تجربة «الإصلاح» والمأسسة الرسمية: من الفقيه المشارط إلى القيّم الديني

وفق الإصلاح الجديد، لم يعد أغلب «فقهاء الشرط» يتخرجون في المدارس العتيقة بصيغتها الكلاسيكية كما كان الأمر من قبل، بل أصبحوا اليوم يتلقّون تكوينًا عصريًّا منفتحًا على مختلف

العلوم الحديثة. فبعد تأهيل المدارس العتيقة في إطار سياسة إعادة الهيكلة، أضيفت مناهج حديثة إلى

مجموعة من المواد المدرّسة في هذه المدارس، وأضيفت برامج أخرى لم تكن موجودة. وهكذا انفتح خريجو المدارس العتيقة اليوم على لغات أجنبية وبعض العلوم الإنسانية؛ فإذا كانت البرامج الدراسية اقتصرت فيما سبق على تحفيظ القرآن وتلقين العربية والفقه بطرق كلاسيكية، فإن السياسة الجديدة للوزارة تهدف إلى تمكين طلبة التعليم العتيق من اكتساب لغات جديدة، من أجل ضمان انفتاحهم على الثقافات الأخرى، وكذا من أجل تثبيتهم على الهوية المغربية ووحدتها المذهبية. تبنّت المدارس العتيقة، في إطار السياسة الجديدة، منهجًا واحدًا في مختلف مناطق المغرب؛ فإذا

كانت المضامين اختلفت باختلاف المدارس من قبل، فإنها اليوم موحّدة نسبيًّا؛ إذ أدخلت الوزارة

برامج موحَّدة في المدارس كافة، باستثناء ما لم يشمله الإصلاح بعد. يقول الفقيه «س. ح.» البالغ من

العمر 32 سنة: «لما أتممتُ مرحلة الكتاتيب عند أبي، دخلت المدرسة العتيقة التي حصلتُ منها على شهادة الثانوي، بعدما دخلها «النظام». بعد ذلك، توجهتُ مباشرة إلى الجامعة، وحصلتُ منها على

((3 المرجع نفسه (. (4 نقصد بالمدارس العتيقة الكلاسيكية تلك المدارس القرآنية والعلمية التي تلقن العلوم الشرعية وعلوم اللغة وغيرها قبل وصول ((

الإصلاح الجديد إليها. (4«برامج التعليم العتيق»، الموقع الرسمي لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية ((، 2014/4/1، شوهد في 2018/3/5، في:

https://goo.gl/e9oWrR

الإجازة في الشريعة الإسلامية». وهكذا أصبحت المدارس العتيقة بعد الإصلاح تُمكّن الطلبة من إتمام دراستهم الجامعية بكليات الشريعة، بخلاف ما كان سائدًا من قبل. وما يثير الانتباه في كلام هؤلاء الفقهاء هو أنهم يطلقون على هذا «الإصلاح» اسم «النظام»، ولا يقصدون به المخزن أو الدولة، إنما يقصدون به تنظيم المدرسة، فهم يرون أن المدارس العتيقة لم تكن «منظمة» قبل إدخال هذا الاصلاح، أي لم تكن مشمولة بنظام رسمي يوحّد طرق عملها، ويرتب آفاقها التعليمية والمهنية، وهكذا يرون هذا «النظام» شكلً من أشكال التحديث والعقلنة. إن طلبة المدارس العتيقة لم يعودوا يمكثون طويلً في هذه المدارس، كما كان الأمر في السابق؛ فنظام المدارس العتيقة، بفعل سياسته «الإصلاحية»، أصبح الآن مثل نظام المدارس الحديثة؛ إذ تم تقسيم الدراسة فيه إلى خمسة أطوار، تبدأ بطور التعليم الأوّلي، ثم الابتدائي، فالإعدادي، يليه الثانوي، ثم التعليم النهائي العتيق. وهكذا فإن الطالب في إمكانه أن ينتقل من التعليم العتيق إلى التعليم العصري بعد إجراء اختبار تشرف عليه الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين. لذلك، نجد الطلاب يخضعون لنظام التقييمات والامتحانات الإشهادية (التي تُتوّج بشهادات)، كما يتلقّون تكوينًا من أساتذة متخرجين في مدارس حديثة؛ إذ تخضع طريقة التدريس في المدارس العتيقة اليوم لمبدأ التخصُّص؛ فالنظام الجديد يجعل الطالب يتلقى دروسًا من أساتذة متخصصين، بخلاف ما كان سائدًا حينما كان فقيه المدرسة العتيقة هو الذي يدرِّس العلوم الشرعية كافة، إضافة إلى علوم اللغة، وما إلى ذلك. أما عن لغة التدريس والتلقين، فإن غالبية هذه المدارس تنزع إلى استعمال لغة عربية فصيحة، خصوصًا بعد دخول هذا الإصلاح؛ لأن المدرّسين يُستقدَمون عادة من خارج هذه المدارس، ومنهم أساتذة في العلوم الإنسانية واللغات. إن ما سُمِّى مشروع «ميثاق العلماء» يهدف، في الحقيقة، إلى إعادة النظر في علاقة الفقيه بمكوّنات المجتمع كافة، وخصوصًا «اجماعة» التقليدية؛ فإذا اعتبرنا أن قرى إقليم تيزنيت، على وجه الخصوص، أصبحت مجالً للتنافس بين الفقيه، بوصفه ممثلً لإسلام الشعبي، والجهات الأخرى الممثلّة لإسلام المعارِض، فإن الدولة اليوم تدخل بوصفها طرفًا ثالثًا في الصراع، برأس مالها الرمزي والمادي القوي؛ من أجل استبعاد مختلف الفاعلين الدينيّين المعارضين لإسلام المخزن من

الحقل الديني. لقد تدخلت الدولة في مؤسسة فقهاء «الشرط»، ليس من أجل مأسستها فحسب، بل من أجل محاربة من تسمّيهم «المتّصفين بصفات التشويش داخل المسجد» أيضًا، ويتعلق الأمر بأولئك الذين يَدعُون إلى تديّن جديد، يخالف التديّن الرسمي للدولة، ويستغلون منابر المسجد لنشر معتقداتهم. وهكذا أصبح الفقيه، وفقًا لهذه الشروط المستحدثة، تحت مراقبة شديدة من مرشدين تابعين لوزارة الداخلية، علاوة على أن نشرة الأئمة، الصادرة عن وزارة الأوقاف، أصبحت تنمّ عن روح تنزع إلى السيطرة على

(4 الفقيه «س. ح.»، مقابلة شخصية ((. 4(((دليل الإمام والخطيب والواعظ (الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، 2012)، ص.165

الحقل الديني من موقعها القوي فيه، وتتجلى في عبارات الأمر والإلزام التي تستعملها في مخاطبة «فقهاء الشرط» الذين هم بصدد التحوّل إلى «قيّمين دينيّين» أو أئمة. وعلى الرغم من أن الوزارة، في بداية مشروعها، لم تنتزع من «اجماعة» التقليدية إجراء تعيين «فقهاء الشرط» في المساجد، فإنها عمدت، في هذه المرحلة الأولى من تطبيق المشروع، إلى المراقبة الصارمة لمختلف سلوكياتهم؛ فالفقيه الذي ينوي المشارطة لا بد له الآن، بعد أن يتعاقد مع «اجماعة» التقليدية أو جمعيات المساجد، من أن يتوجّه إلى المندوبية الإقليمية لوزارة الأوقاف، ليتم تسجيله في ذلك المسجد رسميًّا، وهذه هي الإضافة التي جاء بها «الإصلاح»، وهي مرحلة أولى في إستراتيجية «تأميم»

المساجد والمؤسسات الدينية. من الناحية السوسيولوجية، ما يثير الانتباه هو أن تدخّل الدولة في مؤسسة فقهاء «الشرط» أحدث جملة من التحولّات على مستوى العلاقة بين الفقيه و«اجماعة»، وحتى جمعيات المسجد، جعل

منها «لاعبًا دينيًّا» في فريق المخزن الذي يوفر لها الغذاء وبعض شروط الاستقلالية. وقد عبَّر عن

ذلك الفقيه «ح. م.» بقوله: «لقد تغيرت علاقتي كثيرًا بأهل القرية بعدما بدأت الوزارة تقدِّم لنا إعانات

شهرية؛ فلم يعودوا يقدِّمون لي الوجبات الغذائية اليومية؛ فقد نهجوا الآن سياسة ‘القضيع’، كما أن الناس لم يعودوا يقدِّمون الإحسان، كما أن قيمة ‘الإحضار ’ تم تقليصها ». علاوة على ذلك، فإن أهل القرية، وخصوصًا أولئك الذين كانوا يتطوّعون برفع الأذان، أصبحوا الآن ينافسون الفقيه بعدما

أصبحوا يتقاضون منحة شهرية مقابل الأذان. وهكذا نشأ صراع خفي بين الفقيه الذي كان يرغب في أن يجمع بين مهمتَي الأذان والإمامة حتى يتقاضى راتبَين من الدولة، والمؤذن الذي غالبًا ما ينتمي إلى

وسط اجتماعي فقير. كما برز صراع بين الفقيه الدخيل على القرية والمؤذن الذي هو عادة أحد أفراد «اجماعة»، فأدى في عديد المناطق إلى ترحيل الفقيه. لم يكن جميع فقهاء الشرط سعداء بهذه التغييرات؛ فبعضهم ليس راضيًا عن إقحامه في خضم هذا

الصراع بهذه الطريقة. ويرى كثير من الذين قابلناهم أن أهل القرية أصبحوا ينظرون إليهم على أنهم موظفون. في أحد المواسم الدينية بمنطقة تيزنيت، وهو موسم يقام كل سنة بإحدى الزوايا، ويجتمع

(4((أبو اللوز، ص.123 (4 يُذكَر أن أغلب مساجد القرى اليوم تُسيِّرها الجمعيات الحديثة، لكن هذا لا يعني زوال دور «اجماعة» التقليدية. ((

(4 دخلت الجمعيات الحديثة القرى، ويمثلها جيل جديد من أبناء القرى (أبناء «اجماعة» التقليدية)، وعلى الرغم من كونها هي ((

التي تتعاقد الآن مع الفقيه في مجموعة من المناطق، وتتكلف ببعض المهمات التي كانت تضطلع بها «اجماعة» التقليدية من قبل، فإن «اجماعة» التقليدية ما زالت حاضرة، ويتم الاستناد إليها في بعض المهمات، وهكذا تتكامل هاتان المؤسستان في تدبير أمور القرية. 4(((«القضيع» أو «القطيع» هو مصطلح محلِّي يعني أن المشارطة مع الفقيه لا تتضمن تقديم الوجبات الغذائية اليومية له. (4«الإحسان» هو ما يقدِّمه أهل القرية للفقيه تطوعًا، كالصدقة أو الزكاة أو ما إلى ذلك ((. (4 يعني «الإحضار» الراتب الذي يتقاضاه الفقيه بموجب عقد الشرط الذي يجمعه مع «اجماعة»، وغالبًا ما يكون سنويًّا، ويضم ((

قسطًا من المحصول الزراعي الذي يعيش به أهل القرية. ((5 الفقيه «ح. م.»، مقابلة شخصية. (

فيه الفقهاء، كنت مع ثلة من «فقهاء الشرط» نستدير على مائدة العشاء، وكان هؤلاء يتحدثون عن أوضاعهم الاجتماعية بعد دخول الإصلاح، وعن علاقتهم بأهل القرية، فإذا بأحد الحاضرين يخاطب فقيهًا بجانبي قائلً: «الحمد لله، فرحنا لكم كثيرًا، لقد أكرمكم المخزن». وبعدما انتهى الرجل من

كلامه، همس الفقيه في أذني قائلً: «أرأيت كيف ينظرون إلينا بعد هذا المسمَّى ب ‘الإصلاح’؟!»

ثم تابع كلامه: «الفقيه الآن ليس موظفًا تابعًا للدولة، ولا إمامًا تابعًا للجماعة، وبالتالي، يمكن في

أي لحظة أن يغادر المسجد بخُفّي حُنين». ويقارن بعض الفقهاء بين حالتهم الاجتماعية بعد

«الإصلاح» وحالتهم قبله، ويفسرونها من منطلق مفهوم «البركة»؛ إذ يرون أن أموال وزارة الأوقاف ليست «حلالً»، ومن ثمّ تغيب فيها «البركة»: «فلوس الأوقاف صعبة، ما فيهومش البركة، لأنها أموال الحبوس [الأوقاف»]. هكذا يرى «فقهاء الشرط» هذه الإعانة التي تخصّصها لهم الوزارة سيفًا ذا حدّين؛ فهي تساهم، ولو

قليلً، في تحسين الوضع المادي للقيّمين الدينيّين، لكنها «تُوهم» الناس بأنهم موظّفون ولا يحتاجون

إلى مساعداتهم. إنها محاولة فكّ السحر عن الفقيه بتجريده من رأس ماله الرمزيّ. لقد أجابني الفقيه

«سي إبراهيم» بآية قرآنية، وهو يضحك ساخرًا من منحة الدولة، قائلً: ﴿قُلْ فِيهِما إثمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ

﴾للنَّاسِ وإثْمهُما أكْبَرُ مِنْ نَفْعهِما ويَسألونكَ ماذا يُنْفِقونَ قُلِ العَفْو (البقرة: 219). إن العفو في سياق

كلامه هذا لا يمكن فهمه من حيث هو نصٌّ ديني متعالٍ، وإنما هو تعبير ضمني عن رفض الوضع الجديد. يلزم فقيهَ القرية في إطار هذا «الإصلاح» حضورُ اللقاءات التكوينية التي تنظّمها الوزارة مرتين في كل

شهر (السبت الأول والسبت الأخير)؛ لتُناقَش مجموعة من المحاور ذات الصلة بموضوع «التديّن

المغربي»، ويقع التركيز على الطقوس المغربية في كل تفاصيلها، من دون القطيعة على نحو مطلق مع الأعراف التقليدية التي تنظم عمل الفقيه مع «اجماعة». ويكفي أن نذكِّر بأن أغلب المهمات التي يمارسها الفقيه، وهي التي ذكرناها من قبل، تم استهدافها؛ فقد تم التركيز على طريقة التديّن التي يتبعها

الفقهاء أنفسهم، من قراءة الحزب جماعة، والدعاء جهرًا بعد كل صلاة، ورفع الأذان بطريقة مغربية

خالية من كل تقليد للصيغ الأجنبية، إضافة إلى تقنين سلوكيات الفقيه؛ إذ نجدها تحفظ الأئمة والخطباء وجميع المشتغلين في المهمات الدينية خلال مدة اشتغالهم، من ممارسة أي نشاط سياسي أو نقابي، أو اتخاذ أي موقف يكتسي صبغة سياسية أو نقابية، في الأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي؛ وذلك للحد من استغلالهم سلطتَهم الروحية والدينية في نصرة طرف من الأطراف،

((5 الفقيه «ف. ل.»، مقابلة شخصية، إقليم تيزنيت (، 2017/2/3 بموسم سيدي وكاك، جماعة أكلو. ((5 الفقيه «س. ح.»، مقابلة شخصية (. ((5 الفقيه «إ. ف.»، مقابلة شخصية، أحد المساجد القروية في إقليم تيزنيت (،.2017/2/15 (5((تم التركيز في كتاب دليل الإمام والخطيب والواعظعلى التديّن السائد في المجتمع المغربي، سواء في شق العبادات أو في

شق مهمات الفقيه ومسؤولياته، انظر: دليل الإمام، ص.176–164 ((5 انظر: «ظهير شريف رقم (1.14.104 صادر في 20 من رجب 1435 (20 أيار/ مايو 2014)، في شأن تنظيم مهام القيمين الدينيين

وتحديد وضعياتهم»، الجريدة الرسمية المغربية، العدد 6268 (26 حزيران/ يونيو 2014)، ص.5473

أو جهة معيّنة، أو تيار سياسي معيّن، لكنها، في الوقت نفسه، تترك لهم حرية المشاركة السياسية في

نشاط الأحزاب. أما الجديد الذي جاءت به الوزارة، وهو الذي أثار انتباهنا، فهو التركيز على بعض التوجيهات الخاصة التي تستهدف منافسيها في الحقل الديني؛ لذلك نجد في المطويات التي تُقدّم إلى القيّمين الدينيّين،

وكذا في كتاب دليل الإمام والخطيب والواعظ، مجموعة من العبارات التي تدل على أن الدولة تريد التحكم في تسيير هذا الحقل، بعيدًا عن أي جهات أخرى. خلال العقد الأخير، وحتى قبل ذلك، اخترقت المجتمع القروي المغربي عامة، والتيزنيتي خاصة، مجموعة من النماذج المعبّرة عن تديّن جديد مخالف لتديّن «الفقيه المشارط»، وهذا

لا يجد تعبيره على مستوى الخطاب فقط، ولكن على مستوى اللباس والتعامل مع الجسد أيضًا. وهذا التحوّل أزعج كثيرًا بعض «فقهاء الشرط» على المستوى القروي، خصوصًا أن هذه الفئة

المعارضة لإسلام الشعبي اكتسبت خبرة في طريقة الإقناع والتواصل عبر قراءتها كتيبات مشرقية، ومتابعتها شيوخًا معيّنين، يبثّون برامجهم على قنوات فضائية معروفة، مثل: «الرسالة»، و«اقرأ»،

و«المجد». وفي مواجهتهم، ارتبك «فقهاء الشرط»، خصوصًا حينما يطرح هؤلاء عليهم أسئلتهم «المحرجة» أمام الناس، ويطلبون منهم استحضار أدلة شرعية على بعض الطقوس التي يمارسها أهل القرية. ولمساندة «فقهاء الشرط» القرويّين، وللسيطرة على مجريات الصراع داخل هذا الحقل لفائدتها، وضعت الدولة دليلً توجيهيًّا لكل أئمة المساجد وخطبائها ووعّاظها؛ بغية تأهيلهم معرفيًّا وأيديولوجيًّا،

ليدافعوا عن سياستها. وضمّنت الدولة في هذا الدليل مجموعة من التعبيرات، جميعها يشير إلى وجود

أطراف معينة تهدد إسلام الدولة. ويظهر ذلك جليًّا في الشق المرتبط بضوابط عمل القيّمين الدينيّين من

التزامات صارمة موجهة إليهم، منها ما يتعلق بتحديد أوقات فتح المساجد وإغلاقها، حتى لا تكون مجالً لنشر الإسلام المعارض، ومنها، كذلك، ما يرتبط بمنع التجمّعات والحشود خارج المسجد،

فضلً عن منع استعمال الأشرطة السمعية والبصرية في الدروس والمحاضرات في المساجد خارج البرامج التي توافق عليها الوزارة.

خامسًا: رهانات الصراع في الحقل الديني بتيزنيت

في مقابلة مع أحد «فقهاء الشرط» بتيزنيت، قال لي: «كنت يومًا أدرّس منظومة ابن عاشر لأطفال القرية،

فدوّنت منها على السبورة كي يكتبها الأطفال على الدفاتر، ثم ذهبتُ لأصلّي بالناس صلاة الظهر. فلما

(5((عبد الرزاق وورقية، «إمارة المؤمنين واستراتيجية الأمن الروحي بالمغرب»، دعوة الحق، العدد 184 (تموز/ يوليو 2016)،

ص.29 ((5 أعراب، «فقهاء الشرط»، ص (. 105 ((5 تحدد مندوبيات الشؤون الإسلامية مواعيد فتح المساجد وإغلاقها خلال شهر رمضان بما يلائم إقامة شعائر الدين في مختلف (

مناطق المغرب، انظر: دليل الإمام، ص.172

عدتُ، وجدت السبورة ممسوحةً، فاستفسرت الأمر، فأخبرني الأطفال بأن السيد ‘إ’، وهو شخص من القرية ذو توجه سلفي، هو من مسحها». تعبّر هذه الواقعة عن التجاذبات داخل الحقل الديني المغربي. لكن، حينما نطرح هنا موضوع تدخّل

الدولة المباشر في مؤسسة «فقهاء الشرط»، فنحن لا نقصد أن الدولة كانت غائبة عن هذا الحقل، بل القصد هو أن الترتيب المادي والرمزي لهذا الحقل كان يستجيب لأهداف المخزن المغربي. أما الجديد فهو أن ميزان القوى في هذا الحقل أصبح مهدّدًا بدخول فاعلين جدد الحقلَ ذاته في القرى المغربية، وهم يختلفون عن «أئمة الشرط»، وعن ممثلي الطرق والزوايا الصوفية التي يعتمدها المخزن في كسب الشرعية وتثبيت السلطة الرمزية لأمير المؤمنين. لذلك، استهدف تدخّل الدولة مؤسسة «فقهاء الشرط»، بوصفها الحلقة الأساسية التي تربط أيديولوجيًّا بين «اجماعة» وما تمثله محليًّا (الأعيان ورؤساء

العائلات) والمخزن، وهي الحلقة نفسها التي يستهدفها نظريًّا الفاعلون الاجتماعيون الجدد في الحقل الديني. الفاعلون في الحقل الديني بالمغرب (إقليم تيزنيت)

المصدر: من إعداد الباحث.

كنا قد وصفنا العلاقة التفاعلية التي ربطت ما بين «فقيه الشرط» و«اجماعة» التقليدية المكوّنة من

وجهاء القرية وكبار القوم. وقد أربكت الدولةُ هذه العلاقة، بسياستها الإصلاحية، وتدخّلت بوصفها طرفًا ثالثًا يراقب عن كثب سلطة القرار في المؤسسات المحلية التقليدية، وهذا ما مكّنها من إدخال تغييرات في المضمون السياسي والأيديولوجي لهذه العلاقة، تخدم مصلحتها في التصدّي

((5 الفقيه «س. ع.»، مقابلة شخصية (.

للخصوم؛ فعلى الرغم من أن برنامج «الإصلاح» لا يقول صراحة إن الدولة تريد أن تنتزع دور تعيين الفقيه في القرية من «اجماعة» التقليدية، إذ إنها تُواصل في الواقع تشجيع القيّمين الدينيّين على الحفاظ على تقاليد الشرط مع «اجماعة»، فإن إستراتيجيتها الشاملة تؤدّي، في نظرنا، إلى تحقيق هذا الهدف. ماذا تتوقع الدولة، إذًا، من مشروعها الإصلاحي؟ سنحاول فيما يلي قراءة رهانات هذه السياسة، انطلاقًا من تتبّع خطابها في مجموعة من المطويات التي تُوزّع على أئمة المساجد، بهدف تقريب المرامي الكبرى للدولة وتنزيلها على المستوى المحلي. تحليل أهم الموضوعات الواردة في المطويات الوزارية الموجّهة إلى أئمة المساجد البطاقات

البطاقات (61)
(المحاور)
السنوات
البطاقة الأولىالبطاقة الثانيةالبطاقة الثالثةالبطاقة الرابعة
من 2009/7/11
إ إلى 2009/12/19
- الإمام في علاقته
بجماعة المسجد.
- العقيدة الأشعرية.
- المذهب
المالكي.
- التصوّف السنّي
عإالى طريقة الجنيد.
- الإمام مؤهل
لحماية «اجماعة.»
- هيئة الإمام
والخطيب.
- الخروج من
الصلاة بتسليمة
وأاحدة.
- الأمة مسؤولة
عن حماية الإمام.
- عناية المغاربة
بأإالقرآن.
- الأمة مسؤولة
عن رفد الإمام.
- فضل الإمامة
ومنزلة الإمام.
- تعليم أحكام
الدين في حدود
الوظيفة الموكولة
إلى الإمام.
من 2010/1/2
ُ إلى 2010/12/25
- إمارة المؤمنين.
- الوحدة الترابية
والسيادة الوطنية.
- المذهب
المالكي.
- مبادئ عامة في
اُاإإإلتصوُّف.
- إمامة الصلاة في
الإسلام.
- الإمام وفقه تغيير
المنكر.
- الإمام ومظاهر
التشدُّد.
- علوم القرآن
الكريم.
- شرح بعض
اإإإلسور القرآنية.
- شرف وظيفة
الإمام.
- الإمام والنفع
العام.
- الإمام ورعاية
أعراف الجماعة.

يتبع

((6 حاولت أن أنتقي أهم الموضوعات المتكررة التي تناقشها نحو (167 مطوية، تم توزيعها على الأئمة في الفترة.2017–2009

وقد تعذَّر عليَّ العثور على بعضها. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المطويات تحاول فقط إتمام موضوعات سابقتها. ((6(تعني «البطاقة» هنا المحاور التي توجهها الوزارة إلى القيِّمين الدينيِّين.

تابع

من 2011/1/8

- الحكم العقلي

من 2011/1/8
أ إلى 2011/12/17
- الحكم العقلي
وأقسامه في العقيدة
الأشعرية.
- موط ّ أ الإمام
مالك.
- أركان التصوُّف.
- لوازم المريد.
- الزكاة.
-ا الصوم.
- الخشوع في
تلاوة القرآن
الكريم.
- ترجمة القرآن.
- حاجة الجماعة
إلى الفضيلة.
- الإمام
والخلاف.
- الإمام والثبات
على المبدأ.
من 2012/1/7
إلى 2012/12/15
- العقيدة الأشعرية.
- الإمام والثوابت
(التلازم بين الدين
والإمارة).
- الوحدة الترابية.
- المذهب المالكي.
- التصوف السُّنِّي.
- حب الوطن.
- هيئة الإمام.
- الوضوء.
- فضل القرآن
وحمَلته.
- تفسير بعض
ااالسور.
- الوظائف
الاجتماعية
لإمام.
- علاقة الإمام
بالجماعة.
- الحديث.
من 2013/1/5
ُ إلى 2013/12/21
- التصوُّف.
- طاعة أولي الأمر.
-ُ علماء المغرب.
- الغُسل.
- التيمُّم.
-ا الصلاة.
- تفسير بعض
السور.
- مصطلح
الحديث.
من 2014/1/4
إلى 2014/12/20
- حضور علماء
المغرب في مجرى
تاريخ المذهب.
- المذهب المالكي.
- الصلاة.- تفسير بعض
السور.
- الحديث.
من 2015/1/3
إ إلى 2015/12/19
- الإمام والثوابت
(أوليات الاهتمام
ب الموط ّ أ).
- المذهب المالكي.
- الفقه ونصوص
الحديث.
- الصلاة.
- تفسير بعض
األسور.
- تفسير بعض
الأحاديث.
من 2016/1/2
َ إلى 2016/12/17
-فوا حديث من أل َّ
الموط ّ أ وأسانيده.
-ا شرّاح الموط ّ أ.
- النوافل.
- صلاة الجمعة.
- تفسير بعض
األسور.
- أنواع
الأحاديث.
- تقويم ودعم.
من 2017/1/7
إلى 2017/3/18
- المذهب المالكي.- أحكام الإمامة.- تفسير بعض
األسور.
- تفسير بعض
الأحاديث.

المصدر: من إعداد الباحث.

- الزكاة.

- الخشوع في

- حاجة الجماعة

بتحليل هذه المطويّات، نستطيع تحديد آليات التوجيه الأيديولوجي التي توظّفها الدولة في علاقتها

بالفقيه؛ فهذه المطويات تعبّر بدقّة عن رهانات الدولة، محليًّا ووطنيًّا. تؤكد هذه المطويات المذهب المالكي، والعقيدة والأشعرية، والتصوّف السنّي، وأحكام الإمام،

والقراءة المغربية للقرآن، ومساهمات علماء المغرب في هذا المجال. ولعل كل هذه المضامين تشكّل دعائم لما تسميه المنشورات إسلامًا وسطيًّا ومعتدلً. لكن الوثائق تركّز أيضًا، في جزء كبير منها، على

قضايا تتعلق بالوظائف التي يجب أن يضطلع بها الإمام، باعتباره فاعلً في الوسط المحلّي الذي يتموقع داخله. ويمكن أن نلحظ أن الإمام، من حيث هو قيّم على الشأن الديني محليًّا، قد خصّصت له الدولة عددًا

من المطويات، بهدف تكوينه وتأطيره ليشغل الوظيفة الموكولة إليه (شرف وظيفته، رعايته لأعراف الجماعة، ثباته على المبدأ، تدبيره للخلاف، أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر... إلخ). وقد تم تأكيد هذا بوضوح في سنة 2011، بالتزامن مع الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب، شأنه شأن باقي دول المنطقة العربية. ومن المهم أن نشير في هذا الباب إلى أن القيّمين الدينيّين عمومًا قد اغتنموا هذه

الظرفية الخاصة جدًّا من تاريخ المغرب المعاصر، ليعبّروا عن مطالبهم، رافعين شعارات تهدف إلى

تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، على الرغم من أن المخزن يمنعهم قانونيًّا من ممارسة أي

نشاط سياسي أو نقابي أو المساهمة فيه. وهذا وجه آخر من وجوه الصراع والتموقع داخل هذا الحقل، بحسب الموارد، والأهداف، والسياق. وقد استمرت إستراتيجية التوجيه والتأطير التي يتبناها المخزن بجلاء تجاه «فقهاء الشرط»، آخذة في الاعتبار المستجدات الاجتماعية والسياسية؛ فتم التركيز بالتدريج على «حب الوطن»، والحفاظ على الوحدة الترابية في سنة 2012، كما نحَت فيما بعد في اتجاه التذكير بمساهمات علماء المغرب في

المجال الديني، وخصوصًا شروحات موطّأ الإمام مالك. وعمومًا، فإن ما يمكن الاحتفاظ به من تحليلنا لهذه المطويات خلال الفترة 2017–2009 هو أنها

ظلّت تُذكّر بعقيدة التديّن ومذهبه وطريقته، يرى المخزن أنها من «ثوابت» المجتمع المغربي المسلم،

ويعمل على تثبيتها في مواجهة كل تشكيك فيها، وهي ثوابت تُماثِل، كما يرى محمد الطوزي، الثوابت التي يحملها شعار «الله، الوطن، الملك» الذي ظهر غداة الاستقلال لتحديد هوية الدولة – الأمّة

المغربية.

خاتمة

لا شك في أن المسألة الدينية في المغرب مسألة معقدة، لا يمكن فهمها بمعزل عن النسق السياسي للسلطة. وأغلب الدراسات القيّمة التي تناولت هذا الحقل في السياق المغربي ركّزت على بنيته

((6 محمد الطوزي، «من العلماء المتمردين إلى بيروقراطية الإيمان: حلقات مسلسل معلن لإعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب (»،

ترجمة سليم حميمنات، مجلة رباط الكتب الإلكترونية، 2015/10/30، شوهد في 2018/3/5، في: https://goo.gl/U9en6K

التقليدية في ارتباطها بالسلطة المركزية. وهكذا تبدو الظاهرة متجذّرة في ثقافة المخزن المغربي؛ إذ إنه لا يستطيع أن يحكم من دون الرجوع إلى هذا المكوّن التقليدي الذي يمنح سلطته وهيمنته شرعيةً

على كل المستويات الاجتماعية. وعلى الرغم من أن إستراتيجيته «الإصلاحية» في هذا المجال تراهن على تحديث مختلف المؤسسات الدينية، وخصوصًا مؤسسة «فقهاء الشرط»، فإنها لا تحيد عما ذهب إليه محمد الطوزي، من أن المخزن يلجأ، كما هو معتاد، إلى التقليدي، وإلى ما هو حديث في الوقت نفسه، من دون أن يعوّل كثيرًا على ما هو حديث، ما دام يشكك في شرعيته. لقد بيّن البحث أننا يمكن أن نفهم جانبًا مهمًا من إستراتيجيات هيمنة المخزن على الحقل الديني

المغربي بدراسة التحولّات الاجتماعية التي طالت شريحة «فقهاء الشرط» وعلاقتها بالشرعية السياسية.

ومن هنا، يبدو لنا أن الدولة لم تستهدف الإسلام البسيط الذي يمارسه عوامّ الناس، كما لم تستهدف

الإسلام الطّرُقي، وإنما استهدفت، أساسًا، الإسلام السياسي الذي يسعى لتقويض إسلام الفقيه المشارط

(إسلام الدولة) باعتباره، كما يرى أصحابه، يخرج عن نسق التدين المعياري الصحيح. ربما اعتقدت الدولة أنها تتصدّى لهذه التيارات المعارِضة عبر ما تخصّصه من دعم لوجستي قوي لهذا المشروع، لكن لا يبدو أنها نجحت في السيطرة على بعض شروط ولاء «الفقيه المشارط» لها؛ فما زالت «اجماعة» هي من «يشارط» «فقهاء الشرط»، رغم أن الاصلاح يراهن محليًا على انتزاع مهمة

تعيين الفقيه بالتدريج من «اجماعة» التقليدية، نظرًا إلى كون «اجماعة» نفسها موضوع تغيّر واستهدافٍ

من التيارات المعارضة لإسلام الدولة المغربية. والنتيجة أن «فقيه الشرط» أصبح الفاعل الغامض في الحقل الديني المحلي، من خلال تفنّنه في مراوغة استفسارات الناس وأسئلتهم المحرجة. إنه بمنزلة لاعب التوازن على الحبل؛ فهو يتبنّى إسلامًا وسطيًّا، ليس بين المذاهب الفقهية فحسب، وإنما بين

معارضيه والدولة، فيولَد بذلك معنى محلِّي لإسلام الوسطي والمعتدل. قال لي أحد هؤلاء «الفقهاء» إنه وجد الحل التالي في هذه المعادلة: «يصلي بالقبض عندما يحضر أصحاب اللحى في الأعياد والمناسبات الكبرى، ويكتفي بالسدل في الأيام العادية الأخرى عندما يحضر العوام الذين يصلون بالسدل».

المراجع

References

العربية

أبو اللوز، عبد الحكيم. «الدولة والمساجد وقيموها في المغرب». عمران. العدد 6 (خريف.)2012 أعراب، عبد الهادي. مؤسسة «فقيه الشرط» في البادية المغربية: ملاحظات واستنتاجات ميدانية. الرباط: مؤمنون بلا حدود، د.ت. _______. «فقهاء الشرط وتحولات الحقل الديني القروي بالمغرب». إضافات. العددان 21–20 (خريف وشتاء.)2013–2012

((6 المرجع نفسه (.

إيكلمان، ديل إف. الإسلام في المغرب. ترجمة محمد أعفيف. الدار البيضاء: دار توبقال،.1991 ________. المعرفة والسلطة في المغرب: صورة من حياة مثقف من البادية في القرن العشرين. ترجمة محمد أعفيف. الدار البيضاء: مؤسسة عبور/ مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث،.2000 باقادر، أبو بكر أحمد. «السوق وعالمه: هل هو المفتاح لفهم العالم الإسلامي؟ (كليفورد غيرتس)». الاجتهاد. مج 9. العدد 35–34.)1997(حمزاوي، أزين العابدين. «أسس هيمنة المؤسسة الملكية: نموذج إمارة المؤمنين بالمغرب». المجلة العربية العربية للعلوم السياسية. العدد).2008(20 حمودي، عبد الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد المجيد جحفة. ط.4 الدار البيضاء: دار توبقال،.2010 دليل الإمام والخطيب والواعظ. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية،.2012 الزاهي، نور الدين. «الحركة الوطنية وإعادة هيكلة الحقل الديني السياسي». أبحاث. العدد).1994(33 الشوشاوي، أبو علي حسين. الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة. تحقيق ودراسة إدريس عزوزي. الرباط: منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية،.1989 ضريف، محمد. الإسلام السياسي في المغرب: مقاربة وثائقية. الرباط: منشورات المجلة المغربية للعلوم السياسية،.1992 الطوزي، محمد. الملكية والإسلام السياسي في المغرب. ترجمة محمد حاتمي وخالد شكراوي. الدار البيضاء: نشر الفنك،.1999 كيرتز، كليفورد. تأويل الثقافات: مقالات مختارة. ترجمة محمد بدوي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2009 لوفو، ريمي. «الإسلام والتحكم السياسي في المغرب». المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي. السنة.4 العددان 14–13.)1992–1991(الهراس، المختار. القبيلة والسلطة: تطور البنيات الاجتماعية في شمال المغرب. الرباط: المركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي والتقني،.1988 الهروي، الهادي. القبيلة، الإقطاع، والمخزن: مقاربة سوسيولوجية للمجتمع المغربي الحديث 1934–1844. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق للنشر والتوزيع،.2010

وثيقة تأهيل أئمة المساجد في إطار خطة ميثاق العلماء. الرباط: المجلس العلمي الأعلى،.2012 وورقية، عبد الرزاق. «إمارة المؤمنين واستراتيجية الأمن الروحي بالمغرب». دعوة الحق. العدد 4 18 (تموز/ يوليو.)2016

الأجنبية

Bourdieu, Pierre. Les règles de l’art. Paris: Seuil, 1992. ________. «L’objectivation participante.» Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 150. no. 1 (2003). Doutté, Edmond. Magie et religion dans l’Afrique du Nord. Alger: Adolphe Jourdan, 1909. El Ahmadi, Mohsine & El Mustapha kchiridi. L’enseignement traditionnel au Maroc. Rabat: Conseil supérieur de l’enseignement, 2007. Montagne, Robert. Les berbères et le Makghzen dans le sud du Maroc: Essai sur la transformation politique des Berbères sédentaires. Paris: Félix Alcan, 1931. ________. The Berbers: Their Social and Political Organisation. Seddon David (trans. & intro.). Preface by Ernest Gellner. London: Frank Cass, 1973.