زَمَنُ المُهَاجِر
الملخّص
* مؤرّخ هندي. يُعّد الأب المؤسس لمدرسة دراسات التابع والدراسات ما بعد الاستعمارية. ** مترجم وكاتب سوري.
- الهجرة
- الهجرة الدائمة
- الشتات
- الهوية
- المكان
- الزمان
The Migrant’s Time
** Translated by Thaer Deeb | ترجمة ثائر ديب
ملخص: يعمد راناجيت غُهَا إلى تقليب الفكر في الهجرة والشتات. كما يمعن التفكير لا في
الابتعاد المكاني الذي تفرضه الهجرة فحسب، بل في ما تولّده من اخت لاا زمنيّ وتاريخي
يترتّب عليه فقدان الماضي والهوية. لكن غُها لا يتناول المهاجر في مكان انطلاقه فقط، بل في مكان وصوله، بين الجماعة المضيفة التي يقف أمامها وليس لديه سوى فوريّة الحاضر، إذ
تمتصُّ كلَّ ما هو معروف عن ماضيه ومُفتَرض عن مستقبله حقيقةُ وصوله المطلقة التي تُفهَم
على أنّها شيء خارجيّ محض، لا يتوسّطه ما كانه المهاجر ولا ما سوف يكونه. وفي هذه
الدوامة من القَطْع المفاجئ للاستمرارية وانعدام اليقين والاضطراب في تدفّق الزمن الانسيابي، في هذا الحاضر من دون قبل أو بعد، هذا الحاضر العصيّ على الفهم، يكون على المهاجر أن
يكافح لإيجاد مستقبل وهوية أخرى.
Abstract: Rethinking the concepts of migration and diaspora, Ranajit Guha focuses on the loss of one’s past and identity resulting from the temporal and spatial distortions imposed by migration. In addition to discussing the migrant’s status at the initial departure, Guha reflects on the migrant’s experience within the host community in the intensity of the immediate present. Suddenly ruptured from the continuity of their own roots, disoriented and with no insights in an incomprehensible present that has no before nor after, migrants are expected to struggle to build themselves a future and a new identity.
* مؤرّخ هندي. يُعّد الأب المؤسس لمدرسة دراسات التابع والدراسات ما بعد الاستعمارية.
Indian historian, considered to be the founding father of both the Subaltern Studies and the Postcolonial Studies schools.
** مترجم وكاتب سوري.
Syrian Writer and Translator.
أن تنتمي إلى شتات... كتبتُ هذه الكلمات وتوقفت. ذلك أنني لست متيقنًا من أنَّ المرء يمكن أن ينتمي إلى شتات. الانتماء مسنَدٌ إلى شيء سابق التكوين. فهل يبقى المهاجر
الأول إذًا مُقصى إلى الأبد عن شتاتٍ ما؟ من الذي يكوّن شتاتًا على أيّ حال؟ وما الشتات في نهاية
المطاف؟ هل هو مكان؟ أم هل هو منطقة في العقل: تكثيف ذاكري يُستَخْدَم لتشكيل مجازات الحنين من تشتّت شاسع؟ أم هل أنّه ليس سوى مكيدة تكيدها قومية محاصرَة كي تستدعي لمساندتها موارد
مُبْعَدين منسيين باسم الوطنية؟ لا أعْلم، ليس بَعْدُ على أيّ حال.َ لذلك، دعوني بدايةً أبقَى قريبًا من المعنى الضمني الأساس للمصطلح، بوصفه تفرّقًا وتبعثرًا، وأقول
إنَّ كون المرء في شتاتٍ يعني مباشرةً أن يكون موسومًا بعلامة البُعْد، على نحوٍ شبيه بأن يكون مهاجرًا
دائمًا، إنّما مع فارق. فالأخير بعيد عن الجماعة، الشعب أو الأمّة أو البلد أو كائنًا ما كان اسم
الجماعة، إلى حيث يجد نفسه ضيفًا غير مُرحَّب به في الغالب. ومنذ اللحظة التي يقرع فيها باب
مضيفه، يكون ذاك الذي أتى من الخارج. أمّا الشتاتيّ بوصفه مهاجرًا فهو، على العكس، ذلك الذي
ابتعد عمّا كان مرّة وطنًا؛ عن الأرض الأم أو أرض الآباء. وفي هذه الحالة، بخلاف الأخرى، ليست
وظيفة البُعد أن تجعل منه غريبًا بل مارقًا. مارقٌ، لأنّه، بتَرْك الوطن، لم يكن مخلصًا له. ولما كانت
الثقافات كلّها، لا سيما في جنوب آسيا، تعتبر الوطن حارس القيم المقترنة بالأبوّة ومُعَزِّزَها إلى درجة
إسباغ نوعٍ من القداسة القريبة من التديّن على هذه الأخيرة، فإنّ الردّة تبلغ حدّ البَغي. وبهذا يكون
المهاجر، بما في ذلك المضطر الذي تدفعه بعيدًا ظروف أقوى منه، قد نقض العهد وبات عرضةً لأحكام عادةً ما تُدَّخَر للمارقين. أتكلّم عن المروق كي ألقي الضوء على شدّة القيود الأخلاقية التي ينهالُ بها على أولئك الذين رحلوا أبناءُ جلدتهم. ويمكن أن يكون هذا الاستنكار قومويًا أو عائليًا في بلاغته، فيُدان الجاحد لضعف في
ذلك الإخلاص الذي يدلّ على مواطنة وقرابة صالحتين. ومهما يكن المصطلح الذي يُعبَّر به عن
المروق، فإنّ مفعوله لا يقلّ عن خَرْق بعض السنن القدسية. وهذه السنن هي سنن التضامن والتبادل،
التحالف والعداء، حبّ الأقربين والخوف من الغرباء، احترام التراث ومقاومة التغيير؛ وجميعها يساعد
شعبًا ما على تشكيل جماعة من خلال التفاهم المتبادل. وإذْ تُفترَض هذه السنن مسبقًا في كلّ تعامل
بين أعضاء هذه الجماعة، فإنّها في الحقيقة سنن انتماء يعرّفون أنفسهم من خلالها ويميّز واحدهم
الآخر. وخرق هذه السنن بالرحيل، والتحلل من روابط العالم الأصلي يجب أن يُنكَر ويستجلب العقاب الشديد: «لم تعد من هنا؛ لم تَعُدْ واحدًا منا». الصوت الذي يُلْفَظ به هذا العقاب هو صوت جمع المتكلِّم الذي يتكلّم باسم الجماعة كلّها من موقعٍ
حصين ضمنها. وما هو ضمن هو هنا: مكانٌ لن يُخوَّل للمهاجر أن يقول إنّه مكانه. وما يجعل الطرد
((يستعمل غُهَا في محاضرته هذه المفردتين (Migrant و Immigrant اللتين وضعتُ مقابلهما «مهاجر» و«مهاجر دائم» على
التوالي. ذلك أنّ الأولى تشير إلى شخص يرتحل عن بلده أو مكانه إلى بلد آخر أو مكان آخر، للعمل مثل، في حين تشير الثانية إلى
شخص يهاجر إلى بلد آخر ليعيش هناك على الدوام. بعبارة أخرى، تركّز المفردة الأولى على «الهجرة من»، في حين تركّز الثانية على «الهجرة إلى»، والتداخل كبير ومعقّد، بالطبع، بين الاثنتين (المترجم).
أشدّ هو مفارقة أنّه لا يترافق مع أيّ تباعد في الزمن. ذلك أنّه منغرز بثبات في حاضرٍ مُشدَّد ومباشر،
منقطعًا عن ماضٍ مشترك بقوّة العبارة الظرفية الزمانية «لم تَعُدْ». وهذا النَّبْذ الذي هو قَطْعٌ حادّ وواضح،
لا يترك لضحيته أيّ شيء ترجع إليه، لا خلفية تستاء منها، ولا صلات جماعية فعلية تشير إليها. ذلك أنّ مثل هذه الصلات يشكّلها الشعب في كلّ مجتمع من المجتمعات في تعاملاته اليومية بعضه مع بعض، في حاضرٍ لا يني، يتمثّل الماضي بوصفه تجربة أو خبرة، ويتطلّع في الوقت ذاته إلى مستقبل آمن للجميع. ولذلك، فإنّ ضياع ذلك الحاضر يكافئ ضياع العالم الذي صيغت فيه هوية المهاجر. وهذا الطريد زمانيًا بقدر ما هو طريد مكانيًا، سوف يظلّ يتطوّح، إذًا، إلى أن يحطّ في عالمٍ ثانٍ حيث
يسعى مكانه إلى إحداثيات مماثلة من جديد، ويأمل أن يجدها في زمن يجب أن يكون قادرًا على أن يزعم، مثل الآخرين، أنّه « زمننا ». ليس الماضي الشتاتي، إذًا، مسألةً تاريخية فحسب أو حتى في المقام الأول. إنّه، بالدرجة الأولى، مسألة فقدان فرد هويتَه الجماعية وكفاحه لإيجاد هوية أخرى. فالشروط التي تشكّلت فيها هويته الأولى لم تعد متاحة له. والولادة والقرابة اللتان منحتا مكانه في الجماعة الأولى هيئة الشيء الطبيعي البدهي تمامًا وأخفتا طابعه الإنساني الصنع، لم يعد لهما الآن ذلك الغنَاء بالنسبة إليه كغريب تُفرده الإثنية
والثقافة. ووحمات الانتماء الأصلي هي، على وجه التحديد، ما يُعْسِرُ عليه إيجاد موطئ قدم في ذلك
الحاضر الحيّ، حيث الهوية الجماعية تجدد ذاتها على الدوام في التعاملات اليومية بين أبناء الشعب،
وتتعزّز على نحو حثيث بسنّةِ انتماءٍ مشتركة. لمّا كان كلّ ما يتعلّق بمثل هذه السنّة مؤطَّرا بالزمن، فإنّ الانتماء بهذا المعنى الجماعويّ ليس سوى
الزمنية معمولً عليها ومُفكَّرًا بها – ومعيشةً، عمومًا – باعتبارها كينونة مع آخرين في زمن مشترك، حيث
يُقصَد بالتشارك، في هذا السياق، ما تُظهِره الجماعة لمكوّناتها على أنّه زمني. وليس على المرء سوى
أن يصغي إلى خطاب الانتماء، كي يدرك كم هو نافذٌ هذا الإضفاء للبعد الزمني في كلّ ما يقوله ذلك الشعب بعضه لبعض أو يشيرون إليه حيال الأزمنة الجميلة والرديئة، وحيال العمل والراحة، وحيال ما كان وما يمكن أن يكون، وحيال الفتوة والتقدّم في السنّ، وأكثر من أيّ شيء آخر حيال تناهي الحياة
وانحصارها بين الولادة والموت. وهذه ليست مسألة قَسْر لغوي تتطلّب من النحويّ في لغةٍ ما أن يلحّ
على نوع الجهة التي للجُمَل الفعليّة في تلفّظٍ معين. الأساسي أكثر هو أنّ هذا سؤال وجودي عن
الكينونة في الزمن. وما من سبيل لأن يفهم أولئك الذين يعيشون في جماعة بعضهم بعضًا، إلا بإضفاء الزمن على تجربة كونهم معًا. تتحابك في إضفاء الزمن على هذا النحو جميع خيوط الماضي والحاضر والمستقبل ذلك التحابك المعقّد. لكن المهاجر الذي وصل للتوّ يقف أمام الجماعة المضيفة، وليس لديه سوى فورية الحاضر. ذلك أنّ كلّ ما هو معروف عن ماضيه ومُفتَرض عن مستقبله (إن كان ثمّة أيّ شيء معروف أو مُفترض)
((الجهة (Aspect مفهوم ألسنيّ معقّد متعدد التعريفات يشير إلى طبيعة الفعل أو الحدث كما تعبّر عنها صيغة الفعل من حيث مدّته
وكيفية حصوله. وللجهة أنواع عديدة وتصنيفات مختلفة لدى الباحثين (المترجم.)
تمتصّه تمامًا، من وجهة نظر الجماعة المضيفة، حقيقة وصوله المطلقة التي تُفهَم، بوصفها حدثًا في
الزمن، على أنّها شيء خارجي محض، لا يتوسّطه ما كانه المهاجر ولا ما سوف يكونه. لكنّه ما من
شيء مجرّد في هذا الشأن. ويبدو، على عكس ذلك تمامًا، أنّ له ملموسية قَطْع مفاجئ للاستمرارية، أو
بصورة أدقّ، وبلغة مجازية، ملموسية انعطافة تبذر الاضطراب في تدفّق الزمن الانسيابي لتخلق دوّامة
تدور حولها غربة الواصل وتدور مثل لحظة انعدام مطلق لليقين، أو حاضر من دون «قبل» أو «بعد»، فلا يدركه الفهم. ولن يطول الوقت، بالطبع، قبل أن يتعافى هذا الحاضر من صدمة الفجاءة ويمسك بناصية الحدث بواسطة التأويل؛ أي بواسطة تلك السنن التي تضفي عليه معنى يتعلّق بواحدة أو أكثر من الغيريّات التي تراوح من العرق إلى الدين. وسوف تُصاغ جميعها، ثانيةً، كما صيغت جملة الرفض
الأخيرة التي وُجِّهت إلى المهاجر لحظة الرحيل عن أرضه الأصلية: «لستَ من هنا». أمّا العبارة الظرفية
«ليس بعد الآن»، فهي تمنع أكثر مما ترفض. لكنها، مثل تلك الجملة الأخرى، سوف تُنطَق هي أيضًا بوضوح ضمن حالٍ من الجدّة. كيف يحصل أن يقوم «الآن» بحراسة بوابة الجماعة المضيفة أيضًا؟ إنّه يفعل ذلك لأنّ «للانتماء إلى مكان Hinge-hörigkeit) (علاقة جوهرية بالانخراط»، كما يقول هيدغر. والانتماء إلى جماعة ليس استثناءً، إذ ينطوي على كونك مع آخرين في الحياة اليومية لعالم عادي. ولأنّ الآن هو الطريقة
التي غالبًا ما يُفصَح بها عن هذه اليومية؛ فإنّه يعمل بوصفه العقدة التي تربط معًا بقية خيوط الرباط
الزمني للجماعة. فالماضي يُجْمَع في تلك العقدة والمستقبل يبرز من هناك أيضًا. ولذلك، فإنّ الآن
هو القاعدة التي تُعبَّأ منها جميع إستراتيجيات الإبعاد ضد الغريب، بوصفه ذاك الذي يقف خارج زمن
الجماعة، خارج ماضيها المجيد والبائس، خارج مستقبلها الذي يحبل بالإمكانات والأخطار، والأهم
من كلّ ذلك خارج حاضرها المشحون بهموم انتماءٍ موثوق. ما من مأزق يمكن أن يكون أشدّ حدّة من هذا بالنسبة إلى المهاجر الذي يمثّل في شخصه الجيل الأول من أيّ شتات. فالمساهمة في الآن الخاص بالجماعة المضيفة، أي في لحظة الزمنية التي تجعل
الحاضرَ اليومَ، هي شرط لازم لقبوله فيها. لكنه، بوصفه ذاك الذي وصل للتوّ من الخارج، غير مقبول
على الإطلاق، بالتعريف. ذلك أنه ليس لديه ما يبديه لحاضره سوى تلك اللحظة من الانقطاع المطلق، لحظة الوصول المُصغّرة، التي تبرز على وجه التحديد بفضل إقصائها عن يوم الجماعة التي حطّ على
عتبتها. غيرُ قليلٍ من تعقيد الشرط الشتاتي وأساه يتعلّق بهذا المأزق بالتحديد. لعلّه يكفي عند هذا الحدّ أن نشير إلى هذه اللحظة العسيرة المربكة، ونتيح لسردنا أن يقفز قفزةً صغيرة،
تكاد لا تُدْرَك لدقّتها، تنقلنا إلى تلك الأرضية الراسخة حيث ينتظر المهاجر، وقد غُسِلَ وأطْعِمَ وقُبِلَ في
جماعته الجديدة، أن يجري استيعابه إمّا مُقَلِّدًا أو غيرَ مطابق، تبعًا لدرجة مقاومته تلك العملية المؤلمة
دومًا والمُذِلَّة غالبًا. لكن لا تدَعوا هذا الخيار يغوينا. دعونا نواصل بعض الشيء اهتمامنا بالمأزق الذي
يجد فيه نفسه، حرفيًا، محصورًا بين عالم تركه خلفه وآخر أبوابه موصدة، وليس له أين يذهب. هو مشرّدٌ
(3) Martin Heidegger, Being and Time , John Macquarrie & Edward Robinson (trans.), (Oxford: Basil Blackwell, 1987), p. 420.
لم يَبْقَ له كبير أمل في أيّ شيء سوى فرصة واحدة أخيرة، بعد أن ذهب القلق بكلّ ما لديه من قدرة
على التوجّه والتصرف. هذا مزاجٌ شهيرٌ بأثره المُزَعْزِع. وهو ينتشله من أخدود الحاضر المباشر الذي لا يُطاق ويهيّئه لاستحضار
خبرته لمواجهةٍ مع عدم التحديد الذي يَسِمُ ما ينتظره. بعبارة أخرى، إنّه قلَقٌ يمكّنه من أن يتطلّع قدُمًا إلى إمكاناته، ويساعده على حشد الماضي بوصفه ذُخْرًا من الطاقات والموارد المتاحة لاستخدامها في
مشروعه الرامي إلى شقّ طريقه صوب المستقبل بكل ما في أفقه من الإمكان. وهو طريقٌ عسيرٌ يُشَقُّ
بالفصل المأساوي بين ماضيه وحاضره، ويتقاطع مع الآن الذي أقصي عنه حتى هذه اللحظة ويضعه هناك بمنطق ذلك التقاطع ذاته. هكذا، يتموضع المهاجر أخيرًا. لكنه لا يزال بعيدًا عن أن يُتمثَّل. ذلك أنّ يومية وضعه الجديد ويومية
الجماعة المضيفة تتقاطعان، لكنهما لا تتوافقان. ثمّة ضرب من عدم التوافق سوف يولّد مجالً من الاغتراب من الآن فصاعدًا مع اختلافات تُقرَأ على أسس إثنية وسياسية وثقافية وسواها. وعدم التوافق
هذا يضفي معنى جديدًا على مشكلة زمن المهاجر. لماذا يقاومُ الآن امتصاصه في آن جماعته المُختارة؟ لأنّ آنه مكوَّن على نحو مختلف عن هذا الآن الأخير. ذلك أنّ الآن الخاص بأيّ زمن مهما يكن
إنّما ينشأ من ارتباط الحاضر بالماضي والمستقبل. وهو يرث ويخطط قدُمًا، ويضمُّ إليه بهذه الوظيفة
المزدوجة كلّ ما هو خاص بثقافةٍ كما تشكّلت إلى الآن، وكلّ ما سوف يحدّد نوعيتها وطابعها في ما يأتي من الزمن. ولذلك، فإنّ الآن الخاص بجماعة ليس سلسلة من سلاسل اللحظات المتطابقة المرتّبة في تعاقب مطّرد. فالترابط الذي يجمعها وخصوصيات ضروب فرط التحديد التي تلوّنها يجعلان
اللحظة الزمنية التي تختبرها الجماعة، بوصفها الآن الخاص بها، مختلفةً بالضرورة عن الآن الخاص بأيّ جماعة أخرى. هذا هو السبب في أن تبديل الجماعات هو في كلّ حال فرصة لحصول ضربٍ من عدم التوافق الزمني الذي يلتقطه الفهم الشائع ليس على ما هو عليه، بل بوصفه فشل ثقافة في أن تتنزّل بسلاسة في ثقافة أخرى. ما من شيء خاطئ على نحوٍ خاص في هذا التفسير، ما خلا أنّه يقيم الجزء مقام الكلّ. ذلك أنّ ما هو ثقافي في شأن هذه الظاهرة إنّما يقتضيه الزمني وينبع منه مباشرةً. هكذا، وكي نورد مثالً مألوفًا تمامًا، فإنّ الفارق في المواقف من زمن الساعة، والذي غالبًا ما يُعزى بسهولة إلى تمييزات دينية، ربما
من الأفضل كثيرًا تفسيره من حيث الزمنيات المتباينة التي تربط فهم جماعة ما لماضيها وحاضرها
ومستقبلها بطريقة تختلف عن طريقة سواها. يخضع المهاجر، أيضًا، لمثل سوء التأويل هذا في الجماعة المضيفة ما إنْ يُقْبَل فيها. ذلك أنّ ترابط
الزمن الذي يؤلّف نسيج حياة هذه الجماعة ليس، ولا يمكن أن يكون، الترابط في الجماعة التي تركها وراءه. ومعنى الزمن الذي يجلبه معه كونه مهاجرًا دائمًا Immigrant – حيث تسجّل كلمة «دائم» (أو
السابقة Im) التغيّر في حالته بوصفه شخصًا لم يعد ينتظر خارجًا – هو ابن زمنية أخرى. والعلاقات
التي لا تُحصى التي يتخذها هذا المعنى مرجعًا له، علاقات المهاجر بشعبه وتقاليده وعوائده ولغته،
وحتى بيئة أرضه الأصلية، تفصله بوضوح عمّا يناظر هذه العلاقات في الجماعة التي يجد نفسه
فيها. ولذلك تكون محاولته التَّماس مع هذه الأخيرة وتوريط نفسه في يومية وجوده مع آخرين مترعةً حتما بكلّ مصاعب الترجمة بين اللكنات، والتصاريف، والتراكيب، والمعاجم؛ بين الأطر المفهومية (الباراديغمات)، باختصار. وكلّ ما هو هجين في ثقافة ليس في الحقيقة سوى دليل على تغلّب هذه الهجنة الخلّق على مثل هذه الصعوبة. ليس من غير الشائع أن يُشخَّص النقص الضروري في مثل هذه الترجمة خطأ على أنّه حنين. ولا يكمن
الخطأ في الإيحاء المرضي الذي يحمله فحسب، بل يكمن قبل كلّ شيء في فشل هذا التشخيص في أن يفهم أو حتى أن يأخذ في الحسبان كيف يرتبط المهاجر بزمنه عند هذا الحدّ. فهذا الأخير القلق، لا يجد في أفقه سوى المستقبل. «ما الذي سيحل بي؟ ما الذي يجب أن أفعله الآن؟ كيف يجب أن أكون مع الآخرين في هذا العالم الغريب؟». كلّ هذه تأملّات موجَّهة إلى ما يأتي وليست اجترارات
لما جرى إلى الآن. وإذ يفتقر المهاجر إلى ذلك النوع من الدعم والتفهّم الذي يلقاه المرء في جماعته الأصلية، فإنّه يجد نفسه وحيدًا من دون ظهير يلوذ به، ما عدا احتمال يواجهه بانفتاحه المهول وعدم تحديده الواعد بقدر
ما هو مربك. وفي هذه اللحظة يقع كلّ ما فيه، وما يجعله ما هو عليه، أسير اندفاعةٍ لا تلين قدُمًا. حتى
ما كان عليه إلى الآن يقع أيضًا أسير تلك الاندفاعة، إنما ليس بوصفه رزمة ميّتة تجرها قوة ليست قوتها.
على العكس، يكون هو ذاته مكوِّنًا من مكوّنات تلك الحركة العجلى التي تدفع المهاجر قدُمًا. ففي
تلك الحركة لا يعوم الماضي بسلبية، بوصفه قطعة من الزمن المتجمّد، بل يعمل بوصفه خبرة تفعّلها
قوة الإسراع وتستثمرها في الوقت ذاته. وليس في هذا أيّ محاولة يائسة لإيجاد ما ضاع، بل مجرد تيار
جارٍ يغدو فيه الماضي جزءًا لا يتجزّأ من الحاضر. لا يجري ارتباط ماضي المهاجر بمأزقه، لحظةَ اندفاعه صوب المستقبل، بوصفه سيرورة شفاء بل بوصفه تكرارًا. وبدلً من أن يكون ذلك الماضي ميتًا، نجد أنه بقي منطمرًا في زمنه، حيًّا تمامًا مثل بذرة
في التراب تنتظر فصل الدفء والنماء كي تُنْتِش. هكذا، يعود ما كان ليغدو إمكانًا مهيَّأ لأن يُخْصَب
ويُحشَد من جديد. وهو يستبق المستقبل ويتيح نفسه للاستخدام وللتجدد، عبر هذا الاستخدام، بوصفه
مادة ما سيأتي. ذلك هو السبب في أنّ حاضر المهاجر، لحظة ذلك المدّ الذي يحمل معه ماضيه المتّجه إلى المستقبل، يلفت الانتباه على الدوام بما ينطوي عليه من التباس. ذلك أنَّ المهاجر لا يزال يظهر في أيّ لحظة
كهذه وهو يتكلّم بصوت الجماعة حيث تلقّن لغته الأولى، حتى وهو يلتقط لغة الجماعة الأخرى حيث يوشك أن يجد وطنًا ثانيًا. وهو يخلط التعابير واللكنات في كلّ مناحي سلوكه الأخرى أيضًا – الطريقة
التي يلبس بها ويعمل ويأكل ويتكلّم ويتصرّف عمومًا في علاقته اليومية بالآخرين – وبذلك يتلبّس دور
من يأبى الترجمة، ويأبى الفهم تاليًا. هكذا يكون مهاجرنا الأول واقعًا في شراك معضلة زمنية. عليه أن يحظى باعتراف أقرانه في الجماعة
الصراعات وضروب التقارب.
المراجع
المضيفة بالمشاركة في الآن الخاص بحياتهم اليومية. لكن مثل هذه المشاركة تعسرها حقيقة أنّ كلّ ما هو مُترقَّب ومستقبلي في شأنها هو عرضة لأن يجعل المهاجر يبدو بوصفه غريبًا، وكلّ ما هو ماضٍ ربما
يُخْلَط بينه وبين الحنين. عليه أن يتعلّم أن يعيش ارتباطه المزدوج هذا إلى أن يصل الجيل الثاني، ويبرز
في المشهد مع زمنه الخاص، فيفرط في تحديد زمنية هذا المهاجر، ويعيد تقويمها في جولة جديدة من
References
Guha, Ranajit. «The Migrant’s Time.» Postcolonial Studies. vol. 1. no. 2 (1998). Heidegger, Martin. Being and Time. John Macquarrie & Edward Robinson (trans.). Oxford: Basil Blackwell, 1987.