"دولة الخلافة": تفكيك البنية الأيديولوجية والرمزية والسياسية لـ "داعش"
«State of the Caliphate»: Dismantling the Ideological, Symbolic and Political Structure of ISIL/ the «Islamic State»
الملخّص
عنوان الكتاب: دولة الخلافة التقدم إلى الماضي ("داعش" والمجتمع المحلي في العراق). المؤلف: فالح عبد الجبار. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت. تاريخ النشر: 2017. عدد الصفحات: 463.
- داعش
- دولة الخلافة
- المجتمع المحلي
- الإسلام السياسي
المؤلف: فالح عبد الجبار. الناشر تاريخ النشر.2017: عدد الصفحات: 634 صفحة.
عنوان الكتاب: دولة الخلافة: التقدم إلى الماضي («داعش» والمجتمع المحلي في العراق.)
: المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة/ بيروت.
لم يتوقف سيل الكتابة عن ظاهرة «الدولة الإسلامية» أو «داعش»، منذ ظهورها قبل أربعة أعوام. وقد هيمنت النظرة السطحية للظاهرة على كثير من القراءات والمعالجات التي تناولتها، سواء في مراكز البحث الغربية أو في الإعلام والصحافة التي اهتمت بمتابعة تنظيم داعش بنوع من الهوس من أجل تصوير كل ما يصدر عنه من أفعال وسلوكيات غرائبية كالقتل والذبح والحرق والتفجير، وتوثيقه. وإن لم يمنع هذا ظهور بعض الكتابات والدراسات الجادة والرصينة حول ظاهرة داعش كما هي الحال مع دراسة تشارلز ليستر التي تعرض فيها للبنية الداخلية لداعش وتطورها في العراق وسورية؛ أو دراسة وليام مكانتس، الباحث في معهد بروكينغز لأبحاث في العاصمة الأميركية واشنطن بعنوان «داعش: نهاية العالم» التي يفكك فيها أيديولوجيا داعش من خلال تتبع أفكار مؤسسيها بدءًا من أفكار أحمد الخلايلة المكنّى بأبي مصعب الزرقاوي، مرورًا بأبي عمر البغدادي، وانتهاء بقادة داعش ومنظريه وأهمهم أبو بكر البغدادي؛ أو دراسة ستاثيس كالايفس التي يناقش فيها أوجه الشبه بين داعش والحركات التمردية الشيوعية في أميركا اللاتينية والتي تهتم بالسياقات السياسية والمحلية والدولية التي تساهم في تجنيد المقاتلين في صفوف داعش خاصة في سورية.
نقد التصورات النمطية حول داعش
على الرغم من أهمية الكتابات السابقة عن داعش، فالكتابات التي تقوم بعملية تفكيك سوسيولوجي وحفر جينيولوجي لظاهرة داعش وتبيئتها في سياقاتها المحلية والتاريخية والثقافية قليلة. وهو ما يقوم به الباحث العراقي الراحل فالح عبد الجبار في كتابه دولة الخلافة التقدم إلى الماضي («داعش» والمجتمع المحلي في العراق) الصادر عن المركز العربي (2017)، والذي يتناول فيه ظاهرة داعش في العراق عبر قراءة معمّقة وجادة تعتمد على طرائق بحث منهجية ورصينة. لا يعطي عبد الجبار القارئ فرصة ليكتشف كنْه كتابه وجملة الأفكار التي يدور حولها. فهو يدلف مباشرة إلى الاشتباك المعرفي مع الأطروحات الرائجة حول نشأة ظاهرة داعش وصعودها خلال السنوات الماضية، والتي يراها انعكاسًا لحالة «استرخاء براغماتي» في التعامل مع الظاهرة، وذلك بحسب تعبيره. لذا فهو لا يكتفي في كتابه الأخير بتفكيك التصورات والكليشيهات الجاهزة حول داعش، وإنما يقدم أيضًا إطارًا تفسيريًا لفهم سياقات صعوده، انطلاقًا من ثلاث ركائز أساسية؛ هي: معضلة الدولة الفاشلة، والخلافة «بوصفها تيارًا أيديولوجيًا»، وديناميات المجتمع المحلي في العراق. من خلال تفكيك العلاقة بين هذه الأبعاد، يقدم عبد الجبار صورة مركبة لصعود داعش خلال الأعوام القليلة الماضية. على عكس مكانتس وليستر، يرفض عبد الجبار التصورات الرائجة حول داعش، وأهمها أطروحة «الحاضنة الاجتماعية» أو ما يسميه «المجتمع المحلي لداعش» التي تشير كما لو أن هناك قبولً ورضًا من المناطق التي سيطر عليها داعش في
العراق وأهمها مدينة «الموصل». وهو يفند هذه الأطروحة من خلال استحضار ما حدث عام 2007 من تمرد المجتمع المحلي ضد «تنظيم القاعدة»، ومن بعده تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق»، من خلال ما عُرف وقتها بتجربة «الصحوات». وإذا كان داعش قد استفاد من أخطاء التنظيمين المذكورين اللذَين انخرطا في صراع دامٍ مع المجتمع المحلي، فقد حاول كسب ودّ الحاضنة الاجتماعية أو على الأقل تحييدها بحسب عبد الجبار. ولكن هذا لم يستمر طويلً وذلك في إطار محاولة داعش فرض سيطرته الكاملة على المنطقة الغربية في العراق التي تشمل مدنًا كبرى، كالموصل ونينوى والأنبار. بل أكثر من ذلك، يشير عبد الجبار إلى أن مظالم الحكومة المركزية في بغداد تجاه المناطق السنية لا تعني ارتماء هذه المناطق في أحضان «الدواعش» أو الانضمام إليهم. بل العكس، فكثير من أبناء هذه المناطق، بحسب عبد الجبار، من العاملين في مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية والعسكرية، ولو جزئيًا، كما أن بعض عوائلها وقبائلها له ثأر مع التنظيمات الراديكالية التي تورطت في قتل أبنائها، وهو ما ينسف مقولة «الحاضنة الاجتماعية» بحسب عبد الجبار. وعلى الرغم من ذلك، لا ينفي عبد الجبار وجود بعض المعجبين بداعش من السكان المحليين، ليس قناعة بأفكاره أو أيديولوجيته، بقدر ما هو تعبير عن الغضب والشماتة بالحكومة المركزية خاصة أثناء تولي نوري المالكي الحكومة. لم يستند نقد عبد الجبار التصورات السطحية حول داعش إلى تفنيد أسسها من خلال محاكاتها بالواقع فحسب، وإنما من خلال عمل بحثي ميداني اعتمد فيه على عشرات المقابلات والحوارات الفردية والجماعية مع شرائح اجتماعية مختلفة من المحافظات والمدن التي كان داعش يسيطر عليها، كالأنبار وصلاح الدين والموصل. وقد حاول خلال هذه المقابلات تفكيك ما يسميه ب «المخيال المحلي» وتمثلاته المختلفة. كما قام عبد الجبار، وفريق بحثه، بقراءة تحليلية لوثائق «الدولة الإسلامية» في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار، لتفكيك عالمها الداخلي واكتشافه. وفي حين يركز ليستر على دور تراجع «الصحوات» في العراق، والذي أدى بحسب رأيه إلى تمدد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق»، يرفض عبد الجبار مثل هذه التصورات المسبقة حول الحاضنة الشعبية لداعش، وذلك من خلال تفكيك العلاقة المعقدة التي تربط هذا التنظيم بالمحيط السني في العراق. وهو قد بدأ من الظاهرة نفسها باعتبارها محل الدراسة، وقام بعملية تفكيك لأيديولوجياتها، ورموزها، وخطابها، وإستراتيجيتها. واعتمد عبد الجبار على منهجية رصينة في دراسته، على عكس ليستر ومكانتس وكالايفس، وذلك من خلال مقابلات مكثفة مع كثير من العراقيين الذين هربوا من داعش ووصفوا حياته وممارساته اليومية. واستخدم أكثر من منهج بحثي، من المقابلات غير المهيكلة وتحليل الخطاب وتحليل المضمون من خلال فريق بحثي عمل مدة شهور على تفكيك البنية الأيديولوجية والخطابية لداعش.
أزمة «الدولة - الأمة» مدخل لفهم ظهور داعش
يكمن أحد الفوارق الرئيسة بين دراسة عبد الجبار وغيرها من الدراسات حول داعش، خاصة الغربية
منها، في الربط التحليلي بين العوامل البنيوية مثل أزمة الدولة العراقية والعوامل الأيديولوجية والفكرية التي ساهمت في ظهور داعش. ففي حين لا يولي مكانتس الأزمة السياسية الممتدة في العراق منذ الغزو الأميركي عام 2003 ودورها في ظهور داعش أهمية، فإن عبد الجبار يربط بين إخفاقات الدولة الوطنية الحديثة وصعود التيارات الراديكالية العنيفة مثل داعش. والإخفاق الأبرز هنا، بحسب عبد الجبار، هو الفشل في «بناء نظام سياسي منفتح يقر بتعدد الهويات في مجتمعات مبرقَشة، لا تجانس ثقافيًا بينها من حيث الدين أو المذهب أو الإثنية». وهو الإخفاق الذي نفذ من خلاله داعش من أجل طرح نفسه بديلً من الدولة – الأمّة التي من المفترض أن تكون دولة لكل مواطنيها. ويعود عبد الجبار بهذا الإخفاق إلى مرحلة تأسيس الدولة العراقية الحديثة أوائل القرن العشرين، والذي قام المحتل البريطاني بدور مركزي في ترسيخه عبر سياسة التفرقة والتقسيم التي أججت الاختلافات والانقسامات المذهبية والإثنية. وهو ما برز أيضًا مع أزمة نظام صدام حسين بعد غزوه الكويت وخروجه منها وحصاره منذ أوائل التسعينيات وحتى إطاحته بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003؛ إذ نمت طوال العقد السابق على الغزو سياسات الهوية التي حلت محل الأيديولوجيات الكبرى، والتي بات اللجوء إليها أشبه بارتداد عن الدولة الوطنية وارتكاس عن الالتزام بهويتها بوصفه إطارًا لا يتجاوز الانقسامات المذهبية والإثنية فحسب، وإنما يعيد ترتيبها أيضًا ضمن هوية أخرى جامعة. ومن بين الهويات التي ظهرت كانت الهوية السنية مقابل الهوية الشيعية والهوية الكردية. بل أكثر من ذلك ما يشير إليه عبد الجبار من حالة التشظي الهوياتي التي تبلورت بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقل من الفضاء السياسي إلى العسكرة؛ إذ تم استخدام الهوية سلاحًا سياسيًا ليس للتعبئة والحشد فحسب، وإنما لتشكيل جماعات وميليشيات مسلحة أيضًا. وعلى مدار الكتاب، يكشف عبد الجبار التلازم بين أزمة الدولة العراقية وفشلها في دمج مكوناتها المختلفة، خاصة المكوّن السني، وصعود داعش واختراقه البنية المحلية في المجتمع السني. ويلقي عبد الجبار باللائمة على حكومة نوري المالكي، خاصة في فترتها الثانية 2014–2010، ويحمّله مسؤولية الفشل في بناء دولة لكل مواطنيها. وهنا يشير عبد الجبار إلى أن المالكي اخترق أربعة أسس للدولة – الأمّة؛ أولها، مبدأ المشاركة في الموارد السياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية. وثانيها، مبدأ الحكومة الائتلافية؛ إذ احتكر رسم السياسات واتخاذ القرارات من دون تشاور مع شركائه في الحكومة. وثالثها مبدأ النظام البرلماني الذي تم إقراره في الدستور، وذلك من خلال عدم الحضور في جلسات الاستجواب في البرلمان سوى مرة واحدة. ورابعها، مبدأ حل النزاعات وإشراك المجتمع المحلي في مكافحة التمرد. وبالنسبة إلى عبد الجبار، فإن إقصاء السنة من العملية السياسية ليس العامل الوحيد في ظهور دولة «الخلافة»، بل هو النزوع التسلطي للمالكي الذي كان موجهًا ضد جميع القوى الأخرى بما فيها بعض الفصائل الشيعية (كتلة الصدر والحكيم مثالً) والأكراد.
تفكيك البنية الأيديولوجية والرمزية لداعش
يركز كثير من الدراسات على دور الزرقاوي في وضع اللبنات الأولى لداعش أيديولوجيًا وفكريًا
وتنظيميًا، سواء في دراستي ليستر أو مكانتس أو دراسة مايكل ويس وحسن حسن أو دراسة فواز جرجس، أما دراسة عبد الجبار فتقوم بتفكيك خطاب داعش من خلال المفاهيم الحركية التي ينطلق منها التنظيم؛ وذلك عبر تفكيك أربعة مفاهيم رئيسة: الحاكمية، والجاهلية، والتكفير، والجهاد. وهو هنا يتتبع الأصول النظرية والتاريخية المؤسسة لهذه المفاهيم، بدءًا من كتابات أبي الأعلى المودودي (1979–1903)، وسيد قطب (1966–1906)، مرورًا بصالح سرية (1936–1976)، وجهيمان العتيبي –1936(1980)، ومحمد عبد السلام فرج (1982–1954)، وصولً إلى كتابات أبي بكر ناجي (محمد خليل الحكايمة الذي توفي عام 2008)، وأبي عبد الله المهاجر. وقد ركز على كتابَي الأخيرين إدارة التوحش، وفقه الدماء. ويفرد عبد الجبار جزءًا مهمًا في تحليل البنية الأيديولوجية لداعش انطلاقًا من هذين الكتابين باعتبارهما «دستورًا» أو مانيفستو ل داعش، ليصل إلى كيفية تحويل هذه السرديات الأيديولوجية إلى رموز بصرية ولغوية قامت بدور في رسم هوية داعش وتأطيرها وتفرده عن غيره من التنظيمات الراديكالية العنيفة خاصة تنظيم «القاعدة». وهنا يقوم عبد الجبار بتفكيك بعض الشعارات والرموز الداعشية بدءًا من رايته السوداء والطرَّة الفضية والعمائم، فضلً عن شعاراته الشهيرة أو ما راج عنه مثل «باقية وتتمدد» والأناشيد ومنها «صليل الصوارم»، وغيرها. ثم ينطلق ليشرح تمثلات هذه الرموز في الواقع ودلالاتها، من خلال رصد بعض مظاهر الحياة اليومية تحت حكم داعش؛ فيشير إلى قرار داعش رفع علَمه على المباني وتغيير لون طلاء أرصفة الشوارع من الأصفر والأبيض إلى الأسود والأبيض. فضلً عن تسيير فرق «الحسبة» في الأسواق والشوارع لمراقبة سلوك الناس للتأكد من مدى التزامهم التعاليم الإسلامية بحسب تفسيرهم لها. ويستعرض الكتاب الأسماء والكنى التي أطلقها داعش على قياداته وأعضائه، ولجوءَه إلى أسماء تراثية مثل «أبو بكر» و«أبو عمر» و«أبو قتادة»، وغيرها.
«مستعمرة العقاب» أو الحياة تحت خلافة داعش
ربما لا توجد دراسة جادة تتناول الممارسات اليومية لداعش مثل دراسة عبد الجبار التي تقدم وصفًا تفصيليًا لطبيعة الحياة اليومية تحت حكم دولة «الخلافة» أو داعش، خاصة في مدينة الموصل التي تمت السيطرة عليها في أوائل حزيران/ يونيو 2014. فمعظم الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة تفتقد المعلومات والتحليل اللذين يقدمهما عبد الجبار في دراسته. انطلق عبد الجبار في تحليل الحياة اليومية لداعش من «وثيقة المدينة» التي وزعتها عناصر داعش على أهالي «ولاية نينوى». وهي الوثيقة التي تضمنت 16 بندًا، وكانت بمنزلة لائحة القوانين والتعليمات التي على أهالي الولاية اتباعها والتزامها في حياتهم وتعاملاتهم اليومية. وبعد عملية تفكيك لكل بند على حدة، يقوم عبد الجبار بتفكيك تفاعل أهالي الموصل معها. وهنا يشير عبد الجبار إلى أن الأهالي استقبلوا داعش بالترحاب والفرح ليس إيمانًا به وبرسالته، ولكن، شماتة بالحكومة المركزية. والأكثر من ذلك ما يشير إليه عبد الجبار من حدوث رواج وانتعاش اقتصاديين خلال
الأسابيع والشهور الأولى من حكم داعش، وذلك قبل أن تتبدل الأوضاع ويبدأ داعش في تثبيت أقدامه وممارسة سلطته بطريقة أكثر بطشًا وقمعًا لأهالي. ونقلً عن شهادات بعض الأهالي، يشير الكتاب إلى قيام داعش بحل نظام القضاء القديم في الموصل وإلغاء المحاكم التقليدية لتحل المحاكم الشرعية محلها. وهو ما أدى إلى فقدان الآلاف من القضاة والمحامين المدنيين وظائفهم، بل يشير عبد الجبار إلى تشويه القضاء ومؤسساته باعتباره «طاغوتًا» وهو ما وضعهم، بحسب عبد الجبار، بين خيارين إما الموت وإما الهرب. ويستعرض عبد الجبار عددًا من شهادات المحامين الذين تركوا الموصل عندما دخلها داعش وكيف تأثرت أوضاعهم بعد إلغاء القضاء، فضلً عن عمليات قتل بعض القضاة على أيدي داعش. بيد أن أبرز ما يلفت الأنظار، بحسب عبد الجبار، هو أن التركيز على القضاة لم يكن لدواعٍ فقهية بقدر ما كان يعود إلى نزعات ثأرية وانتقامية تجاههم، وذلك بسبب دورهم في محاكم الإرهاب التي كانت تتولى قضايا بعض قادة داعش وأعضائه. وتستعرض الدراسة أيضًا كيفية تطبيق داعش مسألة الحسبة ومبدأ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؛ وذلك من خلال نشاط دوريات الحسبة من حيث الشكل أو المضمون، وطريقة تطبيق هذا المبدأ التي لم تَخْل من غلوٍّ وتضييق على الأهالي؛ فعلى سبيل المثال يذكر الكتاب اتساع دائرة المحرمات التي على الأهالي الابتعاد عنها، والتي تشمل عدة دوائر شخصية وأسرية وطقوسية واقتصادية وأمنية وفكرية، والعقوبات التي يتم فرضها على كل دائرة. ولعل أبرز القضايا التي كان يتم تطبيق مسألة الحسبة عليها التدخين، وحلق اللحية، وحلاقة الرأس على طريقة الكفار، ومشاهدة كرة القدم والتلفزيون، والإنصات إلى الموسيقى، وبيع الخمور والسجائر. ومن العقوبات التي يذكرها بعض المستجيبين فيما يتعلق بالتدخين مثلً هي أن يبدأ الأمر بالمناصحة، ولكنه قد ينتهي ببتر أصابع المدخن وإعدام باعة السجائر.
«الخلافة الريعية» بين المقدَّس والمدنَّس
ينسب عبد الجبار مقولة «الخلافة الريعية» إلى الأكاديمي البريطاني تشارلز تريب الذي أطلق هذا الوصف على داعش في إحدى محاضراته. وهو ما يتفق فيه عبد الجبار مع تريب؛ إذ يعتبر أن دولة الخلافة أو داعش تتميز بكونها دولة ريعية تعتمد في جزء كبير من مواردها على النفط، كما أنها دولة مخصصات؛ فهي تتلقى معونات من أطراف خارجية. ويضيف عبد الجبار ثلاث سمات أخرى للدولة الإسلامية أو داعش: أولاها أنها دولة ضرائب، وثانيتها، أنها دولة «غنائم»، وثالثتها، أنها دولة إنتاج «تمتلك عناصر عقلانية لتنظيم الإنتاج في مجال الزراعة والثروة الحيوانية والتجارة». يستعرض عبد الجبار، بكثير من التفاصيل والأرقام، ما يمكن أن نسميه «اقتصاد داعش» من حيث الموارد، والصادرات، ومجالات الإنفاق، وكأننا أمام دولة حديثة تقوم بوظائفها الأساسية وليست حركة ميليشيات مسلحة أو تنظيمًا قروسطيًا. فعلى سبيل المثال، يشير الكتاب إلى أن جزءًا أساسيًا من الموارد المالية لداعش تشكَّل في المرحلة الأولى لقيام «الدولة الإسلامية في العراق» أثناء الاحتلال الأميركي للعراق، وكان يأتي عبر فرض الضرائب والإتاوات على المجتمع
المحلي. وبحسب بعض الشهادات التي يوثقها الكتاب فقد وصلت نسبة الضرائب أو الإتاوات إلى نحو 25 في المئة من عقود المقاولات على سبيل المثال. وشهد اقتصاد «الغنيمة» تحولً كبيرًا بعد إعلان الخلافة أوائل حزيران/ يونيو 2014، وذلك بعد السيطرة على المصافي النفطية في مناطق الأنبار وصلاح الدين، وخاصة مصفاة بيجي وحقول نفط كركوك. كما يشرح عبد الجبار بالتفصيل القدرات الإنتاجية لحقول النفط التي استولى عليها داعش، سواء في العراق أو سورية، والتي ساهمت في إمداده بملايين الدولارات التي ساعدته في البقاء والتمدد وتسيير أموره في الأقاليم التي كان يسيطر عليها. فعلى سبيل المثال، تشير إحدى إحصائيات الكتاب إلى أن مجموع ما حصل عليه داعش من إيرادات نفطية قد بلغ ما مقداره 834 مليون دولار، من نيسان/ أبريل 2013 إلى آذار/ مارس 2014. أما المصدر المهم الآخر لميزانية داعش، فهو الغنائم من خلال مصادرة الودائع النقدية في المصارف الرسمية وشبه الرسمية مثل مصرف الرافدين ومصرف الرشيد، وتقدر بنحو نصف مليار دولار، ومن مصادرة الممتلكات والعقارات، فضلً عن الاستيلاء على مستودعات الأسلحة والذخيرة من معسكرات الموصل وصلاح الدين التي يقدر بعض الخبراء العسكريين قيمتها ب 3 أو 4 مليارات دولار. وفيما يتعلق بالإنتاج الزراعي والتجاري، يشير عبد الجبار إلى أن داعش اهتم بصوامع الحبوب ومخزونات القطن التي تركتها الإدارات الرسمية في المدن التي تم الاستيلاء عليها وقام بإدارتها على أسس تجارية؛ بحيث يتم الربط بين المزارعين والتجار وخلق سوق رائجة بين الطرفين وهو ما كان واضحًا في الحالة السورية. وبحسب بعض الشهادات، فقد كانت هناك لجان تشرف على عمليات البيع والتجارة. وتظل الضرائب هي المصدر الأهم والأشد فاعلية لأموال الدواعش؛ فقد اهتم بها التنظيم اهتمامًا بالغًا؛ إذ كان على كل صاحب مهنة، حتى إن كان بائعًا متجولً، أن يدفع ضرائب شهرية يتم تحديدها لتنظيم داعش. وبحسب عبد الجبار فقد كان هناك نوعان من الضرائب: الأول ضرائب نقدية وهي متعددة مثل ضريبة الدخل على الموظفين، والضرائب على الأعمال المصرفية كالعملات وضرائب على الأسواق. أما النوع الثاني فهو الضرائب العينية خاصة في المناطق الزراعية ومناطق الرعي. ويتم تحديد الضرائب بدقة وتسجيلها في كشوف رسمية صادرة عن «ديوان بيت المال». وهناك ضريبة المكوس على الأعمال التجارية وضريبة المقاولات ونسبتها 25 في المئة، وضريبة على المصانع؛ كمصانع الإسمنت في الموصل.
«دولة الخلافة»: ملاحظات نقدية
يعد كتاب فالح عبد الجبار محاولة جادة ورصينة لفهم ظاهرة داعش وتفكيك سياقاتها المحلية وبنيتها الأيديولوجية والرمزية. وهو، مقارنةً بغيره من الكتابات عن الظاهرة نفسها، يعد مرجعًا توثيقيًا مهمًا. لكن، لا يخلو الكتاب من بعض المسائل والقضايا الإشكالية التي لا يمكن إغفالها. ولعل أولى هذه القضايا ما يتعلق بالتناقض المنهجي في إحدى أطروحات الكتاب الرئيسة وهي المتعلقة بسردية المجتمع المحلي أو «الحاضنة الاجتماعية» لداعش؛ ففي حين سعى عبد الجبار
لنفي هذه السردية أو الفرضية ودحضها، فقد أثبتها من خلال شهادات بعض المستجيبين، ومن خلال التحليل نفسه أيضًا؛ إذ يعترف عبد الجبار بأن ثمة مظالم سياسية واجتماعية وطائفية قد تبلورت لدى ما يمكن أن نسميه المجتمع السني في العراق منذ غزوه عام 2003، وهي المظالم التي هيّأت الأجواء لتنظيم داعش كي يتوطن في المناطق السنية ثم يسيطر عليها بعد ذلك. صحيح أن ذلك كان بدافع انتقامي من الحكومة المركزية في بغداد، وليس عن قناعة أيديولوجية أو دينية، لكنه يظل في النهاية من العوامل الرئيسة التي ساعدت داعش على البقاء والتمدد ولو فترة وجيزة؛ أي ثمة نوع من «زواج المصلحة» قد حدث بين بعض الأهالي في مناطق الأنبار وصلاح الدين ونينوى، وداعش. ومن جهة ثانية، يخلط عبد الجبار، بين داعش وغيره من الحركات الإسلامية، كجماعة «الإخوان المسلمين» و«تنظيم القاعدة» وبقية الحركات الجهادية العنيفة ويعتبر أهدافها جميعًا واحدة. وفي هذا السياق، ربما طغى البعد الأيديولوجي على تحليل عبد الجبار؛ وذلك بوصفه مثقفًا علمانيًا. فمن المعروف أن هذه التنظيمات المختلفة يكفّر بعضها بعضًا، وأنها ليست على وئام، وإن اشتركت في بعض الأهداف الكبرى
المراجع
مثل أسلمة المجتمع. وغني عن الذكر ما تصف به هذه التنظيمات بعضها بعضًا، بل إنها تقاتلت وتناحرت، كما هي الحال في العراق وسورية، وفي مناطق أخرى.
ومن جهة ثالثة، فإن عبد الجبار لا يعتبر داعش ظاهرة مؤقتة، ستزول بزوال أسبابها وأهمها المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك على نحو ما يؤكد هو في نفيه مقولة «الحاضنة الاجتماعية»، وإنما ستظل معنا؛ كونها تعبّر عن تيار أيديولوجي يمكن أن نسميه «تيار الخلافة». والمقصود هو وجود جماعات وحركات وتنظيمات تتخذ من مسألة الخلافة بعدًا أيديولوجيًا ترتكز عليه. وهذه نظرة جوهرانية محضة تعتبر «الخلافة» مسألة ساكنة في مخيال الإسلاميين ولا يمكنها أن تتغير؛ فهناك كثير من الحركات والتنظيمات والأحزاب الإسلامية التي تخلت فكريًا وعمليًا عن مسألة الخلافة بمعنيَيها التاريخي والديني، ليست فقط بوصفها أمرًا تكتيكيًا وإنما عن قناعة وتفكير. وعلى الرغم من هذه الملاحظات، فإن كتاب عبد الجبار يعد إسهامًا معرفيًا وجهدًا بحثيًا مميزًا في مجال تفسير البنية الفكرية والأيديولوجية والسوسيولوجية لتنظيم داعش وتفكيكها، لا يمكن الاستغناء عنه.