العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية

الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية

International Conference on Social Movements and Protest in Transitional Contexts

محرز الدريسي

الملخّص

يتضمن التقرير مجموع الأوراق التي قُدّمت في ندوة بعنوان "الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية"، عقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع تونس في الفترة 8-10 آذار/ مارس 2018. ويتناول أبرز الإشكالات المفهومية المطروحة في المجال النظري وتطور المقاربات السوسيولوجية، ليستعرض لاحقًا نماذج من الحركات الاجتماعية ومظاهر الاحتجاج في عديد البلدان العربية بديناميتها المختلفة. فدوافع الاحتجاج، بحسب العديد من الأوراق البحثية، لا تقتصر على الحراك السياسي، بل تعود - غالبًا - إلى سياقات اجتماعية شديدة الاختلاف من بلد الى آخر رغم الكثير من القواسم المشتركة والبيئية التي تتجلى في أشكال مختلفة وسلوكات احتجاجية متنوعة تشهدها فضاءات متعددة على غرار الشوارع والساحات والمؤسسات. أشار التقرير باقتضاب إلى ما تضمّنته المشاركات النظرية من منهجيات قاربت الظواهر الاحتجاجية بالوصف والتاريخ والإحصاء والمقارنات ومقابلات مع الفاعلين.

Abstract

This report comprises a series of contributions presented at the conference «Social Movements and Protest in Transitional Contexts» convened by the ACRPS’s Tunis office between March 8–10, 2018. Theoretically, the event dealt with the leading conceptual problems; addressed the development of sociological approaches; and entailed a review of models of social movements and manifestations of protest in a number of Arab countries, with their different dynamics. According to many of the papers presented, the impetus for protest was not limited to political mobilization but was often due to the extremely varied social contexts of each country. This in spite of the numerous common factors and environments, which manifested in different forms and diverse protest behaviors in the streets, public squares and institutions across the Arab region. The report refers to the methodologies included in the theoretical contributions that approached manifestations of protest by means of description, history, statistics, comparisons, and interviews with participants.

الكلمات المفتاحية:
  • الحركات الاجتماعية
  • الاحتجاجات
  • الفضاء العام
  • التعبئة والموارد
Keywords:
  • Social Movements
  • Protests
  • Public Sphere
  • Mobilization and Resources

محرز الدريسي | Mehrez Drissi * الندوة الدولية «الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية»

ملخص: يتضمن التقرير مجموع الأوراق التي قُدّمت في ندوة بعنوان «الحركات الاجتماعية

والاحتجاج في سياقات انتقالية»، عقدها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع تونس

في الفترة 10–8 آذار/ مارس 2018. ويتناول أبرز الإشكالات المفهومية المطروحة في المجال

النظري وتطور المقاربات السوسيولوجية، ليستعرض لاحقًا نماذج من الحركات الاجتماعية

ومظاهر الاحتجاج في عديد البلدان العربية بديناميتها المختلفة. فدوافع الاحتجاج، بحسب

العديد من الأوراق البحثية، لا تقتصر على الحراك السياسي، بل تعود – غالبًا – إلى سياقات

اجتماعية شديدة الاختاف من بلد الى آخر رغم الكثير من القواسم المشتركة والبيئية التي تتجلى

في أشكال مختلفة وسلوكات احتجاجية متنوعة تشهدها فضاءات متعددة على غرار الشوارع

والساحات والمؤسسات. أشار التقرير باقتضاب إلى ما تضمّنته المشاركات النظرية من منهجيات

قاربت الظواهر الاحتجاجية بالوصف والتاريخ والإحصاء والمقارنات ومقابات مع الفاعلين.

Abstract: This report comprises a series of contributions presented at the conference «Social Movements and Protest in Transitional Contexts» convened by the ACRPS’s Tunis office between March 8–10, 2018. Theoretically, the event dealt with the leading conceptual problems; addressed the development of sociological approaches; and entailed a review of models of social movements and manifestations of protest in a number of Arab countries, with their different dynamics. According to many of the papers presented, the impetus for protest was not limited to political mobilization but was often due to the extremely varied social contexts of each country. This in spite of the numerous common factors and environments, which manifested in different forms and diverse protest behaviors in the streets, public squares and institutions across the Arab region. The report refers to the methodologies included in the theoretical contributions that approached manifestations of protest by means of description, history, statistics, comparisons, and interviews with participants.

General Consultant at the Tunisian Ministry of Education, retired Professor at the Higher Institute for Youth–Club Activities and Culture.

صيف   Summer 2018

مقدمة

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فرع تونس في مدينة الحمامات ندوة علمية دولية بعنوان «الحركات الاجتماعية والاحتجاج في سياقات انتقالية» في الفترة 10–8 آذار/ مارس 2018، حضرها 30 باحثًا من مختلف البلدان العربية. وقد تضمنت الندوة 29 ورقة بحثية، ما بين دراسات تحليلية مقارنة ودراسات حالة، اعتنت بالتفكير في الصعود الافت للحركات الاجتماعية والاحتجاجية وأشكالها المختلفة التي تنامت مع اندلاع الثورات العربية. استهل الندوة الدكتور مهدي مبروك مدير فرع تونس بكلمة افتتاحية، رحّب فيها بالباحثين وبالحاضرين

الذين تجاوز عددهم 140 شخصًا، من بينهم جامعيون وطلبة وفاعلون مدنيون وسياسيون، ووضع الندوة في سياقها، مبيّنًا راهنية محاور الندوة وارتباطها بتطورات الشارع العربي، وأهمية مساءلة الظواهر

الاحتجاجية، وفتح المجال للتداول المعرفي والحواري. افتتح الندوة الأستاذ عبد الرحمن رشيق من المغرب بتقديم محاضرة بعنوان «الحركات الاجتماعية في الفضاء العام بين التمرد العنيف والمظاهرات السلمية»، جمع فيها بين ثاثة مسارات أساسية؛ تناول المسار الأول الالتباس المفهومي ومقارنته وفق السجات اللغوية والثقافية العربية والغربية، مثل مصطلح «التمرد» الذي يتحدد بحسب السياقات في الصراعات الاجتماعية. وعرض في المسار الثاني، بطريقة مكثفة، المقاربات السوسيولوجية الخاصة بالاحتجاج الاجتماعي، انطاقًا من مقاربات غوستاف لوبون حول السلوك الاحتجاجي الاعقاني، وصولً إلى المقاربات الحديثة. ورصد في المسار الثالث تطور الظاهرة في ثقافات ومجتمعات عديدة، مبيّنًا تنوع موارد تحليل الحركات

الاحتجاجية، ومشيرًا إلى وجود قاعدة بيبليوغرافية ثرية باللغة الإنكليزية (قرابة أربعة آلاف مقال في

إحدى المكتبات الأميركية.) وقد اشتملت الندوة على ثمانية محاور أساسية حول سياقات الحركات الاجتماعية والاحتجاجية وفرصها ومضامينها السياسية وأشكالها التعبوية وصلتها بالانتقال الديمقراطي وأشكالها التعبيرية المستحدثة.

المحور الأول: الحركات الاجتماعية، السياقات، الإكراهات، الفرص

خُصّصت الجلسة الأولى برئاسة رشيدة الساوتي لعرض أربع أوراق. وقد اهتم محمد فاوبار، من خال ورقته «في جدل الاتصال والانفصال بين حركة 20 فبراير وحراك الرّيف بالمغرب: سمات

انتقال مغربي محجوز »، بمقارنة بين حركة 20 فبراير 2011 وحراك الريف بموضعة الاحتجاجين ضمن العاقة الصراعية بين الدولة والمجتمع، التي لا تزال مستمرة من خال أنماط واضحة أحيانًا ومستترة أحيانًا أخرى؛ بهدف استكشاف القواسم المشتركة وأوجه الاختاف بين الحراكين، ومدى الاشتمال على هوية سياسية، وموارد كفيلة بتأطير الفعل الاحتجاجي الاجتماعي الواسع. توصّل

يلاقتنا تاقايس يف جاجتحالا الحركات االجتماعية و: «لندوة الدوليةا

الباحث إلى أنّ حركة 20 فبراير لم تستطع التحول من حركة احتجاجية إلى حركة اجتماعية؛ بسبب عدم قدرتها على بلورة هوية سياسية واضحة، وإن تميزت من حراك الريف بغلبة الإطار السياسي على خطابها وممارستها، المتسم بالسعي نحو تغيير طبيعة النظام السياسي نحو نظام ديمقراطي حقيقي، في حين أراد حراك الريف أن يتخذ لنفسه ممارسة الاحتجاج ضمن إطار اقتصادي – اجتماعي يختفي عبره البعد السياسي؛ إذ جمع الاحتجاجان المغربيان بين وجهَي الاحتجاج السياسي والاجتماعي. ثم عالجت ورقة حميطوش يوسف «الحركات الاحتجاجية في الجزائر: من الحركة الثقافية البربرية إلى حركة العروش، بين القطيعة والاستمرارية»، الوجه السياسي والثقافي لحركة العروش البربرية؛ بوصفها حركة احتجاجية في الجزائر اقتسمت الفضاء العمومي مع السلطة، وتمكنت من التعبير عن خصوصياتها واستقاليتها عبر احتجاجات جيلية متتالية، وهو ما طرح إشكالات الهوية وإعادة النظر في البعد العربي الإسامي للجزائر في إطار بناء الأمة في الجزائر. وقد أشار إلى الجذور التاريخية للحركة البربرية في الجزائر؛ ذلك أن الاحتال الفرنسي خلق أزمة ببعث الازدواجية الثقافية بين المعرّبين والمفرنسين، وإثارة مسألة الانتماء العرقي بين البربر والعرب.

كما مارست الدولة الجزائرية، بحسب الباحث، سياسة الإقصاء لسكان منطقة القبائل، واستعملت تكتيكات متنوعة، منها خلق شرخ بين قياداتها؛ ما سمح لها باحتواء الحركة، وفي الوقت نفسه تقديم بعض الإجراءات الخاصة بترقية الثقافة واللغة الأمازيغيتين. أما ورقة عيسى مراح باللغة الفرنسية، «الغضب السياسي في الشبكات الاجتماعية الرقمية: مقاربة سوسيوخطابية لتعليقات الأحداث الراهنة»، فقد بحثت في الأشكال الجديدة للمشاركة السياسية عبر الشبكات الاجتماعية؛ إذ تضمنت تعبيرات عن السخط كالإحساس بالغضب ورفض الوضعيات السائدة. وتتموقع هذه المشاعر الرافضة ما بين يوتوبيا ثورة وسائل التواصل الاجتماعي وانكماش الفاعل السيبراني. وقد سعى الباحث للإجابة عن سؤال مهم هو: هل يمكن أن يكون الخطاب الساخط في الشبكات الاجتماعية مصدرًا لالتزام السياسي؟ وبحسب الباحث نفسه فإنّ التفاعات الرقمية بين الفاعلين والخطابات الاجتماعية يمكنها – حين تتكثّف – إرساء مسارات تعبئة غير رسمية، وتحويل السخط الفردي والجماعي إلى حركة احتجاج سياسي. لا شكّ في أنّ الفاعل الشبابي موجود في صلب الاحتجاجات الرقمية، والميدانية أيضًا، وهو ما ركّز عليه عادل العياري في ورقة بعنوان « تشغيلية أصحاب الشهادة الجامعية المعطلين عن العمل: نبل الديبلوم والاعتراف المفقود »؛ إذ بيّن أنّ التشغيل أهم مطلب يرفعه شباب معطلون عن العمل، حاملو

شهادة جامعية، وهو محور تحركات احتجاجية كثيرة واعتصامات عديدة وإضرابات جوع متكررة. وهذه الاحتجاجات الشبابية ليست «مضمونًا مطلبيًا» فقط، بل تحيل على إشكالات أكبر تخص

حالات انهيار القيمة الرمزية للشهادات الجامعية والأزمة القيمية وعدم الاعتراف، وهي أوضاع يعيشها عدد كبير من حاملي الشهادات العليا، وتكشف جملةً من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي تهمّ السياسات العمومية التعليمية والتشغيلية أمام تفاقم عدد المعطلين عن العمل من خريجي الجامعة التونسية.

صيف   Summer 2018

المحور الثاني: الحركات الاجتماعية: الحراك والمضمون السياسي

تضمّنت الجلسة الثانية برئاسة فاتن بن مبارك أربع أوراق بحثية. سعى أحمد إدعلي، في ورقة «الدينامية الاحتجاجية بالريف: بحث في بواعث الاحتجاج وسوسيولوجيا الالتزام والتعبئة»، لفهم الدينامية الاحتجاجية في منطقة الريف بالمغرب، من خال دراسة بواعث الاحتجاج وإستراتيجيات التعبئة وصيغ التأطير والموارد التي استُثمرت من أجل تأجيج الطاقة التعبوية. وخلص الباحث إلى نسج مامح سيكولوجية جماعية مقاومة لهيمنة الدولة، وإلى أن الاحتجاج يعبّر عن طفح الإحساس النفسي

بالحرمان والشعور بالتهميش المتواصل، ورفض تجارب الاحتقار التي غرزت ندوبًا عميقة في الذاكرة الجمعية. وبيّن بعض العناصر المميّزة في حراك الريف التي استدعت الأبعاد الرمزية والثقافية للفعل

الجمعي، وأنه قد جرى تعبئة الذاكرة المثخنة بالجراح، وتمّ التوسل بالمجهود السردي لاستثارة الأبعاد الثابتة والدينامية للهوية، مع الاستناد إلى كاريزما الزعيم ناصر الزفزافي، التي مثّلت موردًا عضَد قابليات الانخراط في الفعل الاحتجاجي. وفي السياق ذاته، قدّم محمد أحمد بنيس ورقته « حراك الريف: جدل الهوية والذاكرة والمجال »، معتبرًا إياه تحولً نوعيًا في سيرورة السلوك الاحتجاجي في المغرب،

فهو يمثّل إضافة نوعية إلى الجيل الجديد من الاحتجاجات المغربية، التي استطاعت أن تكشف أزمة العرض السياسي الذي قدّمته السلطة على هامش الربيع العربي في عام 2011، وقد أخفق هذا العرض في بلورة مشروع تنموي متكامل يقلص الفوارق المجالية بين مختلف الجهات والمناطق. ثم أظهر الباحث صعوبة تجاهل الأزمة البنيوية التي تعيشها السياسة المغربية نتيجة احتكار السلطة للحقل السياسي واقتصارها على تعددية حزبية شكلية. إذا كان حراك الريف فيه إدانة للدولة المغربية، فإن المثال العراقي الذي اشتغل به هادي مشعان، في ورقة عنوانها «الحركات الاجتماعية والاحتجاجية في العراق ما بعد عام 2003»، يفصح عن نشاطات الحركات الاجتماعية في العراق بعد الاحتال الأميركي وما سبّبه من انهيار للدولة – نتيجة سقوط

النظام السياسي السابق – أدّى إلى تمزيق المجتمع العراقي وتدمير هويته الوطنية الجامعة. وأشار الباحث إلى أن الأزمة العميقة استعصت على الحل؛ بسبب نمط التفكير السائد لدى القوى المتنفذة، وعدم رغبتها في إصاح الأوضاع التي كانت السبب في وجودها واستمرارها. لهذا غدت الحركات الاجتماعية جزءًا من الواقع العراقي اليومي، وهو واقع تغذّيه الصراعات الدائرة بين القوى السياسية

والطائفية. في حين اهتم إيهاب محارمة، في ورقته «الحركات الاجتماعية والمقاومة الشعبية: مامحها وآثارها في ضوء سياسات السلطة الفلسطينية »، بإبراز تراجع دور الحركات الاجتماعية منذ توقيع اتفاقية أوسلو، وانشغال السلطة الفلسطينية بسياسات أمور الحياة العادية وراحة المواطن، وترافق ذلك مع سياسات تضخيم قطاع الأمن وقمع الحريات والتضييق على الفلسطينيين مع ضبط أشكال الاحتجاج والمقاومة الشعبية. وأثار الباحث سؤالً مهمًا حول الحاجة إلى حركات اجتماعية جديدة، في ضوء سياسات السلطة، تستعيد وهجها التاريخي في تعبئة وعي المجتمع سياسيًا وثقافيًا، وتقديم بدائل

لمقاومة غير تقليدية.

يلاقتنا تاقايس يف جاجتحالا الحركات االجتماعية و: «لندوة الدوليةا

المحور الثالث: الحركات الاجتماعية: التعبئة والتنظيم والموارد

اشتمل المحور الثالث برئاسة لور أبي خليل على أربع أوراق، انطلق بورقة كمال شكاط، وقد كانت بعنوان «تعبئة دون ثورة: لماذا لم توفّق التعبئة؟ تحليل نقدي عبر مثال (التنسيقية الوطنية من أجل التغيير والديمقراطية) »، من سؤال مركزي هو: ما الذي جعل الجزائر في «مأمن» من عاصفة سقوط الأنظمة القوية؟ ولماذا ظلّت خارج الديناميات الثورية؟ تعرّض الباحث بدايةً لمسار تكوّن «التنسيقية

الوطنية» وتركيبتها من فاعلين مدنيين وسياسيين ونقابيين مند 21 كانون الثاني/ يناير 2011، وقد برمجتها تظاهرات احتجاجية سرعان ما طمستها السلطة، ولم تفضِ إلى أيّ تغيير مؤسسي مهم، باستثناء رفع

حالة الطوارئ وتحقيق بعض المطالب المادية. واستخلص الباحث من ذلك أن دائرة الحرمان (التعبئة، الثورة) لم تشتغل في الجزائر، نظرًا إلى غياب فكرة «الكتلة التاريخية» كما نظر إليها غرامشي. في

حين بيّنت ماك لكحل، في ورقتها «تعبئة عائات ‘الحراقة’ المفقودين: تأكيد مزدوج للمواطنة »، أن

الحركات الاحتجاجية لعائات المهاجرين المفقودين في تونس ما بعد عام 2011 تعبّر عن حالات

تهميش المواطنة لدى العديد من الشباب وبحثهم عن الاعتراف الاجتماعي بدورهم وبمكانتهم، وهي مدخل مهم في دراسة «المواطنة» المفقودة التي لم تجد أذانًا صاغية، وحتى الجمعيات المساندة، بحسب الباحثة، تبحث عن قضية أخاقية، في حين يبحث الإعاميون عن سرديات مثيرة، على حساب الأمهات الملتاعات من فقدان أبنائهن. وتحدّث أحمد صبري السيد علي عبد ربه، في ورقة قدمها بعنوان « حركة كفاية ودورها في إحياء الحراك الاجتماعي والسياسي »، عن حركة كفاية في مواجهتها لعسف نظام مبارك، مبيّنًا الخلفيات

الاجتماعية والسياسية لنشأتها، وأسباب انتشارها بين النخب المثقفة، وأسباب أفولها. وأثبت أن الانتماءات الاجتماعية كان لها دور في صياغة الائتاف المكوّن لحركة «كفاية»، كما كان لها دور في

صياغة مواقفها السياسية ومطالبها المعبّرة عن مصالح شريحتها الاجتماعية، ومن ثمّ الانشقاقات التي

تعرّضت لها الحركة لاحقًا وأفول نجمها أفولً كاملً، حتى انتهائها الواقعي بعد ثورة يناير 2011. معتبرًا

أن تشكّلها يُعدّ مؤشرًا دالً على وجود خلل في البناء الاجتماعي وضعف في نسق التماسك والتكافل

بين نُظمه المختلفة، ما يدفع إلى التمرد، فالحركات الاجتماعية كانت عبر التاريخ في أغلبها صورة مخففة من الحركات الثورية. وإذا كانت حركة كفاية قد آلت إلى الأفول، فإن نذير تشكّات احتجاجية مستقبلية أكثر شراسة – مع السياقات المصرية الحالية – لا يزال قائمًا. أمّا حركة «مانيش مسامح» (لن أسامح) التونسية، فقد تناولها أحمد عثمان، في ورقة له بعنوان « الحركات

الاجتماعية في تونس من الاحتجاج إلى التحفيز: حركة ‘مانيش مسامح’ دراسة حالة»، وقد أشار فيها إلى مساهمة الحركات الاجتماعية في نحت مامح الإصاحات في تاريخ تونس؛ فحركة «مانيش مسامح» اكتسبت قدرة على الحشد والتعبئة ضد قانون المصالحة الاقتصادية والإدارية، ليتوسع خطابها وشعاراتها إلى مقاومة ظاهرة الفساد المالي والإداري التي تبنّتها الحكومة والمعارضة معًا، وتمكّنت هذه الحركة من تحقيق مطالبها عبر الفعل الاحتجاجي، إلى أن أصبح لها انعكاسات عميقة على المشهد السياسي.

صيف   Summer 2018

المحور الرابع: الحركات الاجتماعية، الفضاء العام والمجال

في إطار هذا المحور، قدّم الباحث مولود أمغار ورقة بعنوان «خطاب مقاومة السلطوية في الفضاء العمومي: دراسة سوسيولوجية للخطاب الذي أنتجته ‘حركة 20 فبراير’ حول السلطة السياسية في الفترة الممتدة ما بين (2011 و 2015) »، كشف فيها عن طبيعة العاقة الجديدة التي ينسجها المجتمع المغربي مع السلطة السياسية، لا سيما التغيرات التي طرأت على بنية الخطاب النضالي في الفضاء العمومي، من خال فرضية مفادها أنّ عاقة الدولة بالمجتمع آخذة في التغير من الخضوع إلى روابط تقوم على التفاوض والتفاعل. وفتحت مجموعة من النقاشات العمومية إلى حدٍ ما في فكّ طابع القداسة عن خطاب السلطة السياسية، كما عملت على تحرير النقاش العمومي من رقابة الدولة، وطرح استفسارات حول قضايا فساد السلطة السياسية واستبدادها، والتوزيع غير العادل للثروات والتنمية، ومناقشة سلطات الملك وأدواره في عملية التغيير. ولا يرتبط التفاوض بالقضايا الكبرى فحسب، إذ يمكن أن يتناول تنظيم المدينة، ودفاع سكانها عن حقهم في مدينة جميلة لا يهاجمها الإسمنت المسلح من كل الجهات ويقضم المساحات الخضراء ويحرم المواطنين من بيئة سليمة. هذه المسائل حرصت على إبرازها أجطوطح تنهينان في مداخلتها باللغة الفرنسية « المطالبة بالحق في المدينة: تحليل ميداني لإستراتيجيات تعبئة حضرية، مدينة بجاية الجزائرية مثالً»؛ وذلك من خال عينات احتجاجية للدفاع عن ثاثة فضاءات بيئية في مدينة بجاية، مبرزة كيفية تشكّل الجمعيات المحلية وتطورها من أجل حماية المدينة من «سمننة» فضاءاتها بالخرسانة المسلحة، لتصبح حركات حضرية دفاعية عن الحق في الفضاء الأخضر، وفي مدينة سليمة. ثم تناولت قمر الطيفي، في ورقة لها باللغة الفرنسية، بعنوان « المجتمع المدني وحرية التعبير في مرحلة الانتقال الديمقراطي »، طرق تأثير الحركات الاجتماعية في حرية التعبير، ومختلف التطورات التي عرفتها في ما قبل مرحلة الانتقال الديمقراطي وما بعده على مستوى الإنجاز القانوني؛ إذ أصبح يمارسها مختلف الأفراد بكل سهولة. أضف إلى ذلك بروز صات واضحة بين ممارسة حرية التعبير ومجموعة الحقوق والحريات العامة من جهة، والعاقة بين حرية التعبير والديمقراطية من جهة أخرى. وقد ساهم في تحقيق هذه النقلة تحرير وسائل الإعام من الضغوطات السياسية، ودور مكوّنات المجتمع المدني والمجموعة

النسائية، والشبكات الاجتماعية التي مثّلت سندًا فعالً لتعبير الشباب عن حريتهم.

المحور الخامس: الحركات الاجتماعية والانتقال الديمقراطي

في إطار هذا المحور استخرجت سوسن الغريبي، في ورقة « الفعل الاحتجاجي في سياقات انتقالية: حملة ‘مانيش مسامح’ دراسة حالة »، مختلف التعبيرات الممكنة لدى الفاعلين في «حملة مانيش مسامح» التي تكوّنت، بوصفها ردّة فعل تجاه قانون المصالحة الاقتصادية والمالية في تموز/ يوليو

2015. وأبرزت كيف تحوّل أفراد منعزلون إلى تكتل جماعي ضاغط بإقامة شبكة من التحالفات

واستخدام التكتيكات النضالية المختلفة، وجعل الفعل الاحتجاجي يتجاوز الالتزام التنظيمي، وتبنّي العاقة الأفقية التشاركية في اتخاذ القرار، اعتمادًا على وسائل التواصل الاجتماعي والتدفق الحر

يلاقتنا تاقايس يف جاجتحالا الحركات االجتماعية و: «لندوة الدوليةا

للمعلومات. وتوصلت إلى أنّ الفعل الاحتجاجي الجماعي فعل واعٍ ومحسوب، وفق مبدأ الربح والخسارة، وليس عفويًا؛ إذ تمكّن الفاعلون في الحملة من تحويل الشارع إلى فضاء احتجاجي ذي مضامين سياسية، وتمكّنت هذه الحركة من أداء دور رقابي على السلطة السياسية، وأداء دور صمام الأمان أمام إمكانية عودة السلطوية أيضًا. وتوجّهت شريفة كاع، في ورقة اختارت لها عنوانًا « الحركات الاجتماعية والاحتجاجات في الجزائر

وتأثيرها على عملية الانتقال الديمقراطي »، إلى الإحاطة بموضوع الحركات الاجتماعية والاحتجاجات في الجزائر، ومدى تأثيرها في عملية الانتقال الديمقراطي، وإرساء قواعد الحكم الراشد ودولة القانون، وإحداث التنمية والرفاه الاقتصادي. وانتهت إلى أن ما يميّز تلك الاحتجاجات هو ظرفيتها، وأثرها

المحدود في بعض الإصاحات الاجتماعية أساسًا، من دون أن تحقق الاحتجاجات تغيرات مؤسسية

كبرى. وقد فسّرت الباحثة هذا المأزق بأن الحركات الاحتجاجية في الجزائر تتميّز بضعف أشكالها

التنظيمية، وضعف الطبقات الوسطى وغياب الطبقة المثقفة عن تأطير الاحتجاجات ومرافقتها، مع حالة الركود التي تتخبط فيها المؤسسات الرسمية والمعارضة، أضف إلى ذلك التضييق على الساحتين الإعامية والسياسية، وقدرة النظام السياسي على المناورة والاحتواء. في مقابل تماسك النظام الجزائري، فإن انهيار نظام بن علي أفرز حركات احتجاجية وتنظيمية نشأت بصورة عفوية في مواجهة الأجهزة المتهاوية مثل (الرابطة الوطنية لحماية الثورة) التي أثارت إشكالات ووضعيات احتجاج متنوعة، اشتغل بها كاظم دبيش في ورقة « الدور المثير للجدل للجان حماية الثورة في مسار الانتقال الديمقراطي بتونس.» ولا يزال هذا الموضوع يثير جدلً قويًا في تونس، وهو يخص إحدى الحركات الاحتجاجية التي أطلق عليها «لجان حماية الثورة»، وقد مرّت – منذ تكوّن خاياها

الأولى في 14 كانون الثاني/ يناير 2011 إلى حين حل القضاء آخر هياكلها المتبقية منها وتصفيتها (الرابطة الوطنية لحماية الثورة) في 26 أيار/ مايو 2014 – بعدّة مساعٍ لفاعلين سياسيين واجتماعيين تهدف إلى اختراقها وتوظيفها، إضافة إلى التعامل معها بطريقة محاولة التدجين وسحب البساط منها؛ بسبب الدور الذي أدّته في إذكاء لهيب الاحتجاجات والرفع من سقف المطالب الثورية. وقد كانت في فترةٍ ما القوة الضاربة الموجّهة لأحداث الثورة، ثم تاشى الدعم من حولها شيئًا فشيئًا، ليصبح حلها

أحد أهم المطالب التي رُفعت في أواخر عهد حكومة «الترويكا.»

المحور السادس: الحركات الاحتجاجية والمطلبية الاجتماعية

لا يمكن لاحتجاجات أن يغيب عنها المحتوى الاجتماعي في الشارع والساحات، أو حتى داخل المؤسسات الخدمية؛ وهو ما سيتوقف عنده الباحث منير الجراية، في ورقة « الحركات الاحتجاجية للعاملين في قطاع الصحة العمومية بمدينة صفاقس: مضامينها وخلفياتها وتأثيراتها على إسداء الخدمات الصحية الاستشفائية »، إذ قدّم تحليلً لنموذج من الاحتجاجات التي عصفت بالمؤسسات الاستشفائية الجامعية بمدينة صفاقس، أدّت إلى غياب الإطار الطبي، وأفضت في نتائجها المباشرة إلى حرمان المرضى من الانتفاع بالخدمات العاجية، وإلى تفاقم معاناتهم.

صيف   Summer 2018

اتسمت الاحتجاجات في قطاع الصحة العمومية بمستوى تنظيم لافت لانتباه، حوّلته إلى مسرح لصراع نقابي – حكومي لفرض الإرادات؛ لتعكس تحوّلً في أهداف العمل النقابي الذي تجاوز إطار الدفاع عن المنتسبين إليه إلى منافسة الدولة المتمثلة في سلطة الإشراف وإحداث «هياكل تسيير موازية» في المستشفيات. لا تقتصر المطلبية على حرص القطاعات المهنية على تحقيق مطالبها ومكاسبها، وإنما توجد جذور تاريخية للمطالب كما يعبّر عنها «اعتصام الصمود» الذي درسته رحمة بن سليمان؛ وذلك في ورقة

عنوانها « الدلالات الرمزية والمعاني لأشكال الاحتجاجات التي اعتمدها الفاعلون في اعتصام الصمود من أجل تفعيل مرسوم العفو العام وإستراتيجيات تعبئة الموارد والتفاوض مع الفاعل السياسي.» فقد اعتنت الباحثة بدراسة ظروف نشأة هذا الاعتصام وأسباب ظهوره، وهو اعتصام تمثّله فئة من المعتقلين السياسيين مرّوا بظروف قاسية ساهمت في تدهور أوضاعهم الاجتماعية والصحية؛ بسبب تعرّضهم

للتعذيب والتضييقات الممنهجة من دون تمكّنهم من العمل، ما جعل نسبة توقعاتهم من حكومات ما بعد الثورة تكون مرتفعة، إلا أنّ الواقع فرض عليهم عكس ذلك؛ ما عزّز لديهم الشعور بالإحباط والحرمان النسبي. وبيّنت الباحثة أن احتجاجاتهم، على الرغم من هذه المأساة، لم تنقَد إلى الدخول

في دوامة الشغب والهمجية والفوضى، بل إنهم احتجّوا وفق السلوك العقاني. مثّل الحراك في لبنان محور اشتغال لور أبي خليل، في ورقة « الحراك المدني في لبنان: واقع التكوين وأسباب الفشل». فبيّنت كيف نشأت احتجاجات ضخمة في لبنان في عام 2015، معبِّرة عن معاناة

الفرد اللبناني من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، وعن الفساد السياسي الكبير والصغير الذي أصاب المجتمع اللبناني. بدأ الحراك تحت شعارات ترفض أيّ مظهر من مظاهر الدولة وتنادي بشعارات يصعُب تنفيذها، لأنّها لا تحمل أيّ مشروع واضح وأيّ إستراتيجية مبرمَجة. ولهذا السبب فشل الحراك المدني؛ ذلك أنه لم يكن قادرًا، بحسب تقدير الباحثة، على أن يأخذ في الاعتبار بأهمية الطائفية في المجتمع اللبناني، كما أنه لم يراعِ الهوية الطائفية لمعظم الأحزاب اللبنانية؛ ما جعل الانتماء إلى الطائفة أقوى من الانتماء إلى الوطن، مع غياب دولة القانون.

المحور السابع: الملامح الجديدة للحركات الاحتجاجية

عرض الباحث عبد الستار السحباني، في ورقة اختار لها عنوانًا « الحركات الاجتماعية في تونس: قراءة في تقرير 2017–2016 »، تقريرًا حول الحركات الاحتجاجية في تونس، مقدّمًا معطيات محيّنة تكشف

بصفة دقيقة نوع المطالب ومضامينها وطبيعة الفئات الاجتماعية المشاركة فيها وجغرافيا الاحتجاجات. واستند في ذلك إلى متابعة إحصائية وكمّية لمجريات الأحداث مع تبويب تاريخ تسلسلها وتصنيفها، مكّنته من قراءة سوسيولوجية متكاملة لزخم الحركات الاجتماعية في تونس خال فترة التقرير. ولم يكن السودان بعيدًا من دينامية الاحتجاجات، إذ طرح الباحث محمد خليفة صديق محمد، في ورقته «الحركات الاحتجاجية في السودان بعد الربيع العربي: قراءة في المضامين والمامح والمستقبل»، سؤالً رئيسًا: لماذا لم تصل الاحتجاجات السودانية لتصبح ربيعًا عربيًا؟ وكيف نجح النظام الحاكم في

يلاقتنا تاقايس يف جاجتحالا الحركات االجتماعية و: «لندوة الدوليةا

السودان في امتصاص الاحتجاجات ومواجهتها؟ وخلص الباحث، من خال تحليل أشكال احتجاج الجماهير السودانية، وشعاراتها وفاعلية الوسائل التي استخدمها المحتجون، إلى تحديد أبرز معوقات الاحتجاجات الشعبية في السودان، مثل النفَس القصير لأصحابها، وافتقارها إلى القيادة والتنسيق، وتقلص الزخم الجماهيري الكاسح. وقد أفلح النظام الحاكم في امتصاص الاحتجاجات الشعبية باستخدام القبضة الأمنية، وتخويف الجماهير من سيناريو الفوضى في حال سقوط النظام، وباستخدام المسكِّنات في معالجة الإشكالات الاقتصادية، وطرْح حلولٍ سياسية (مثل الحوار الوطني.) لا يزال حراك الريف يثير الأسئلة ولا تزال مقارباته تتنوع؛ فبعد وسائل التعبئة المعتمدة وموارده التي توسل بها لينتج أساليب وطرائق احتجاجية جديدة، انطلق رشيد جرموني، من خال ورقة عنوانها « حراك الرّيف بالمغرب من حركة احتجاجية إلى حركة اجتماعية: نحو مقترب نقدي ونظري جديد

لقراءة الحراك »، من مفهومين جديدين، هما «الاحركات الاجتماعية»، و«الفعل الجمعي والفاعلون غير الجمعيين». وهذان المفهومان، بحسب الباحث، مطابقان للخصوصية وللسياق المغربي؛ ما يجعلهما يتيحان قراءة الوضع قراءةً مرنة قادرة على النفاذ إلى عمق الدينامية الاحتجاجية بالمنطقة. وقد أظهر الباحث أن الحراك تجاوز – ميدانيًا – كل الأطر التقليدية المتعارف عليها في الفعل الاحتجاجي،

لكي يبدع أشكالً جديدة وخلَّقة؛ من قبيل الفعل الاحتجاجي العفوي في الشارع العام، والقدرة على التفاوض مع السلطة بأشكالها كافة. وتمكّن الفاعلون في الاحتجاج من أن يبتدعوا معايير اجتماعية جديدة وممارسات دينية، وشيفرات ثقافية وقيمًا، من دون الحاجة إلى تنظيم له قواعده البنائية، ومن

دون الحاجة إلى قيادة وأيديولوجيات معينة. أما الموجة الثالثة من الحركات الاجتماعية، فقد ركّز عليها جابر القفصي، في ورقة له بعنوان « هل تمثل الحمات الشعبية الجديدة والدورية حركة اجتماعية شبابية للقرن 21 مؤهلة لأن ترث الحركة العمالية والحركة النسوية؟ حملة ‘مانيش مسامح’ مثالً تطبيقيًا »، مبيّنًا أن هذه الحملة التونسية تمثّل حركة

اجتماعية جديدة بنزعتها الشبابية السائلة، وأنها تقوم على تشكيات رخوة متقطعة ومتموجة، وأنها من دون برنامج أو قيادة؛ ولذلك فإنها ستتواصل بصيغ احتجاجية مختلفة، مستغلةً الشارع والميدان العمومي، وخاصة الفضاء الاجتماعي الافتراضي؛ لإخراج قضيتها من المجال الجهوي والمحلي والفئوي إلى المجال الوطني المجتمعي، وحتى الدولي. وترتبط آفاق هذه الحركات في تونس بمدى بلورتها خطة واضحة لإدارة فعلها الاحتجاجي وتفويض بعض المناضلين المحنّكين لتشكيل قيادة جماعية، وتبقى مآلاتها مفتوحة. وتساءل عن حظوظ انتقال هذا الشباب من التعبير العفوي والحماسي عن الغضب، إلى نمط من الالتزام الثوري الذي يمكّن من استعمال آليات كفيلة بخلق حركات اجتماعية منظمة، تكون «النواة الصلبة» بالنسبة إلى جيل سياسي جديد.

المحور الثامن: الحركات الاجتماعية، النوع الاجتماعي والشباب

احتوى المحور الثامن أربع أوراق لباحثات شابات تناولن ظواهر احتجاجية جديدة. اعتنت ريم القريوي، في ورقتها «دور تكنولوجيا التواصل الاجتماعي في بروز ثقافة جديدة لحراك شباب المجتمع

صيف   Summer 2018

المدني: الحركات الاحتجاجية لمقاومة الفساد في تونس نموذجًا »، بشيوع التكنولوجيات الحديثة،

بوصفها إحدى الوسائل الجديدة في الاحتجاج؛ إذ لجأ الشباب الناشط في منظمات المجتمع المدني التونسي إلى استخدام الفضاء الافتراضي لتطوير وعيهم السياسي خارج الأطر التقليدية لمؤسسات التنشئة السياسية القائمة وتأسيس ثقافة حراك احتجاجي جديدة. وقد عملت هذه الحركات على كشف حجم الفساد والضغط على القادة والحكومات والمطالبة بالحقوق المشروعة؛ فأصبح ينظر إليها على أنها بديل من الأحزاب السياسية، ووسيلة لتنشيط جوهر الديمقراطية، وأداة للتشبيك والضغط والمناصرة والمشاركة الفعالة في كل مراحل عملية صنع القرار. كما مثّل اللباس محورًا احتجاجيًا «ظريفًا» ناقشته هندة الغريبي، في ورقة باللغة الفرنسية عنوانها «النقاب:

من اللباس إلى الاحتجاج»، فبيّنت النقات الدلالية والوظيفية ل «الحجاب»؛ إذ منعته السلطة السياسية

في فترة بن على وأطلقت عليه «اللباس الطائفي» وتابعت مرتديه بقوّة الأجهزة الأمنية، وبعد الثورة شهدت

الممارسات المتعلقة بالكساء واللباس انفجارًا وأشكالً جديدة، وبخاصة «النقاب» الذي اعتبرته الباحثة مسلكًا للتعبير عن هوية مغايرة ومتمايزة عن سائر فئات المجتمع، وأسلوبًا في الاحتجاجات الاجتماعية والرمزية. فما كان يُعدّ قطعة قماش فحسب تغطي وجه المرأة، تحوّل في سياق الحراك التونسي إلى أداة

صراع واحتجاج تبحث من خاله المرأة عن الحضور في الفضاء العمومي. التوسل بالجسد، باعتباره طريقة احتجاج سواء بتغطيته أو بتعريته، هو ما تناولته بالتحليل كوثر الدوزي، في ورقة عنوانها « أجساد ناشطات المنظمة النسوية الدولية ‘فيمن’ في الثورات العربية: ثورة الجسد أو إعادة تثبيت النمط »، مبرزة أن فكرة العري لدى ناشطات «فيمن» طريقة للتعبير الاستفزازي عن دفاعهن عن حقوق المرأة ومقاومة السلطة الذكورية في كل العالم. وهو الأمر الذي خلق جدلً واسعًا بين اتجاهين متناقضين؛ اتجاه يعتبر أن الاحتجاج عبر تعرية الجسد يعمل على إعادة ترميزه ويعبّر عن

نسوية جديدة مواكبة لعصر الصورة، واتجاه ثانٍ يعتبر العري الاحتجاجي إعادة إنتاج لأزمةِ الاغتراب في عصر النيوليبرالية، ليتمكن اقتصاد السوق من السيطرة على الحركة النسوية من خال هذه المنظمة. كما مثّل الصوت الفني أو الموسيقى أداة احتجاجية، وهو ما اهتمت به رجاء بالضيافي في ورقة «موسيقى الراب في تونس بعد الثورة: من التعبير الفني إلى الاحتجاج السياسي»؛ إذ أكدت أنّ موسيقى الراب ساهمت فنيًا في تأجيج الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية، باستثمار الخطاب الهادف ومفردات

المقاومة المتضمّنة صياغاتٍ لغويةً مشحونة بكلمات مشفّرة وساخرة. واستفادت موسيقى الراب من هامش الحريات الذي فتحه الانتقال الديمقراطي. ففي الوقت نفسه الذي يدافع فيه الراب عن الثورة، يتموقع بوصفه ممارسة فنية ضدّ السلطة وضدّ الأحزاب، محافظًا بذلك على جوهر هويته الاحتجاجية الأصلية، من دون أن ينفى محاولات توظيفه واستعماله في السوق السياسية والانتخابية من جانب العديد من الفاعلين سياسيًا ومدنيًا. في كامل ردهات الندوة وجلساتها، وعلى امتداد ثاثة أيام، كانت مشاركة الحضور كثيفة في حجم تدخاتهم، ومميّزة من حيث طبيعة الإسهامات والنقاشات والاستفسارات، وقد عبّرت عن تفاعات

يلاقتنا تاقايس يف جاجتحالا الحركات االجتماعية و: «لندوة الدوليةا

حيّة مع ما ورد في المداخات والأوراق البحثية، متضمّنةً مواقف نقدية، مُثيرةً أسئلة أثْرت الجلسات

الحوارية من خال آراء مختلفة كان لها أثر عميق داخل القاعة الكبرى للندوة؛ وذلك من خال النوافذ التحليلية التي أثارتها. ونظرًا إلى تشعب مشاركات الحضور، فإننا سنختزلها في ثاثة أسئلة/ قضايا

كبرى؛ تعلقت أولاها بإشكالات المفهوم والمفارقات الاشتقاقية والاصطاحية (التمرد، والانتفاضة، والثورة... إلخ) وأهمية تبيئتها بحسب السياقات والثقافات، وتناولت ثانيتها ضرورة إبراز مدى مساهمة التقنيات الجديدة في تأجيج الاحتجاجات وانتشارها، وتوسيع المحاضن النظرية التفسيرية لذلك، أما ثالثتها فقد اهتمت بالأنماط الاحتجاجية الشبابية وما أفرزته من صات جديدة بالفضاء العام والمجال، وما أنتجته من أبعاد تضامن كونية تجاوزت السياج الوطني، وهي تبحث عن أفق نضالي جديد يتجاوز الأطر التنظيمية التقليدية.