الجامعات العربية وتحديات التغير الاجتماعي
Arab Universities and the Challenges of Social Change
الملخّص
يعدّ النموذج السياسي النموذج الشائع في حكامة الجامعات العربية. وفي هذا النموذج يُضيّق الخناق على الحريات الأكاديمية والمشاركة، وتوليد الأفكار الجديدة الضرورية للتغير الاجتماعي، ويترافق ذلك مع ضعف الثقافة المدنية في خطاب القيادات الجامعية ومواثيقها الرئيسة في مسائل مثل الديمقراطية، وثقافة القانون، والالتزام المدني، والإنسانيات، وبيداغوجيا التقصِّي والمناقشة. وتتعامل هذه الجامعات مع العلوم والتكنولوجيا باعتبارها اختصاصات النخب، أما البرامج الإنسانية فهي اختصاصات مهمَّشة يُرَحَّل إليها الطلبة ذوو المعدلات الدنيا، علمًا أن خرّيجي هذه الاختصاصات هم الذين يقومون بدور التنشئة الاجتماعية في المجتمع، برصيد معرفي محدود وبنزعة قوية نحو الامتثال الاجتماعي. تخلص الورقة إلى أن التنشئة الاجتماعية الامتثالية في الجامعات الحكومية تطغى على وظيفة التغير الاجتماعي.
Abstract
Professor of Educational Sciences at the Lebanese University, president of the Lebanese Association for Educational Sciences.
- حكامة
- جامعات عربية
- ثقافة مدنية
- تنشئة اجتماعية
- تغير اجتماعي
- Governance
- Arab Universities
- Socialisation
- Pedagogy
- Social Change
ملخص: يعدّ النموذج السياسي النموذج الشائع في حكامة الجامعات العربية. وفي هذا النموذج يُضيّق الخناق على الحريات الأكاديمية والمشاركة، وتوليد الأفكار الجديدة الضرورية للتغير
الاجتماعي، ويترافق ذلك مع ضعف الثقافة المدنية في خطاب القيادات الجامعية ومواثيقها الرئيسة في مسائل مثل الديمقراطية، وثقافة القانون، والالتزام المدني، والإنسانيات، وبيداغوجيا التقصِّي والمناقشة. وتتعامل هذه الجامعات مع العلوم والتكنولوجيا باعتبارها اختصاصات
النخب، أما البرامج الإنسانية فهي اختصاصات مهمَّشة يُرحَّل إليها الطلبة ذوو المعدلات الدنيا،
علمًا أن خرّيجي هذه الاختصاصات هم الذين يقومون بدور التنشئة الاجتماعية في المجتمع،
برصيد معرفي محدود وبنزعة قوية نحو الامتثال الاجتماعي. تخلص الورقة إلى أن التنشئة الاجتماعية الامتثالية في الجامعات الحكومية تطغى على وظيفة التغير الاجتماعي.
Abstract: The prevailing model in the governance of Arab universities is the political model. In this model, academic freedoms, participation and the generation of new ideas required for social change are tightly restricted. This is accompanied by the weakness of civil culture in the discourse of university leadership and their main charters regarding questions such as democracy, the culture of law, civil commitment, humanities and the pedagogy of research and discussion. These universities treat science and technology as elite specialisations, while the humanities are marginalized, as the destination of students with lower grades. Given that graduates from these specialisations are the people who will drive societal socialisation, with limited cumulative knowledge and a strong tendency towards social subordination. The conclusion of the paper is that subordinate socialization triumphs over the function of social change in government universities.
مقدمة: المشكلة المطروحة
يشيع القول إن الجامعات العربية تعاني عمومًا رداءة النوعية، وهذا صحيح. والدليل على
ذلك أن مكانتها في التصنيفات الدولية بعيدة عن الخمسمئة الأولى. ومع ذلك، لم يتبيّن أن الجامعات العربية الخمس (أربع في السعودية، وواحدة في مصر) التي تقدمت في
تصنيف شانغهاي إلى مراتب ضمن الخمسمئة الأولى (بل المئتين الأولى) ذات نوعية جيدة. نعم، لقد نشر المزيد من أساتذة العلوم البحتة والتطبيقية فيها مزيدًا من الأبحاث في الدوريات المحكَّمة العالمية، واكتسبت مقالاتهم معاملات تأثير عالية، وارتفعت بسببهم رتبة الجامعة في التصنيف، لكن لا شيء آخر تغيّر في الجامعة من حيث طلب الأساتذة عليها، ولا من حيث طلب الطلاب، ولا من حيث نوعية التعليم
الحقيقية. ولم يتغير مناخ الجامعة المحافظ، ولم تتحسن الصورة الأكاديمية للجامعة من منظور وطني أو إقليمي. وكذلك لم تتغير مكانة الجامعة في المجتمع من حيث تطوير الاقتصاد أو التكنولوجيا، أو تكوين النخب التي تدير البلاد. وما كان يُستورَد زاد استيراده، ومن ذلك الخبرات العليا، والسلع ذات
الكثافة المعرفية. ما حصل أن موارد مالية إضافية ضُخَّت لتشجيع النشر، أو للتعاقد مع باحثين غربيين، فزاد النشر؛ وهو نشر تم في الخارج، وباللغة الإنكليزية، وفي العلوم البحتة والتطبيقية. كذلك، أنشأت أكثر من 51 دولة عربية هيئات ونظمًا وطنية لضبط الجودة والاعتماد وضمانهما، لكن
بعد أكثر من عشرين سنة على ظهور أول هيئة وطنية من هذا النوع (في الأردن)، لا يلمس المتابع أن هذه الهيئات والنظم أحدثت فرقًا ملموسًا في نوعية الجامعات الحكومية والخاصة في البلدان المعنية. واقع الحال أن السياسات الحكومية المعنية بالتعليم العالي قامت على فكرة «الإضافات» الخارجية على سبيل الدعاية وادّعاء التغيير، لا على فكرة إحداث تغيرات في حكامة الجامعات وفي طريقة عملها وفي الثقافة السائدة فيها. وهذه الأبعاد الثلاثة مترابطة، لذلك لن تستمر هذه الجامعات فقط في تقديم النوعية نفسها، ولكن في نسج العلاقة نفسها مع المجتمع أيضًا، وهذه العلاقة تقوم على إبقاء الأمور على حالها. تهدف هذه الورقة إلى فحص علاقة الجامعات العربية بمجتمعاتها، والكشف عن مساهمة كل من حكامة الجامعة وثقافتها وهيكلية برامجها في إغلاق الأبواب أمام مساهمتها في التغير الاجتماعي.
أولا: الحكامة
1. نماذج الحكامة في الجامعات
يجري التمييز عادة بين ثلاثة نماذج من حكامة الجامعات؛ هي: الحكامة الأكاديمية الذاتية Self–governance Academic، والنموذج الذي مركزه الدولة State–centered، والنموذج الموجَّه
نحو السوق Market–oriented.
(1) Zvika Krieger, «Saudi Arabia Puts its Billions behind Western–Style Higher Education,» Chronicle of Higher Education , vol. 54, no. 3 (September 2007), p. A1. (2) Michael Dobbins, Christoph Knill & Eva Maria Vögtle, «An Analytical Framework for the Cross–Country Comparison of Higher Education Governance,» Higher Education , vol. 62, no. 5 (2011), pp. 665–683.
أما النموذج الأكاديمي، فيرجع في أصله إلى الجامعة الألمانية في القرن التاسع عشر، وهي التي تسمَّى أيضًا الهامبولتية، نسبة إلى الفيلسوف فيلهلم فون هامبولت Humboldt Von Wilhelm. ومن صفات الجامعة الهامبولتية أنها تقوم على مبدأي: «وحدة التعليم والبحث»، و«الحرية الأكاديمية». ومن حيث الحكامة، تُدير هذه الجامعةَ هيئاتها الأكاديمية، ولا سيَّما مجلس الشيوخ Senate أو مجلس الجامعة، مع نظام أقسام أو كراسي Chairs يعمل بأعلى درجة من الاستقلالية، طبقًا لمتطلبات الاختصاص، لا طبقًا للضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وفيها يتم التعيين على قاعدة الزمالة والاستحقاق العلمي، ولو كان الأساتذة موظفين حكوميين. باختصار، تُدير الجامعةَ في هذا النموذج جماعةُ الأكاديميين الذين يطبِّقون أشكالً متفقًا عليها من القواعد والتقاليد المؤسَّسة على الزمالة، والوصول إلى اتفاق، أو بطريق الاقتراع. في المقابل، تكون الجامعة في النموذج الذي مركزه الدولة عبارة عن وكالة حكومية Agency State، وتكون مهمتها الأساسية تلبية أهداف الحكومة الاجتماعية والاقتصادية (مقابل تلبية متطلبات الحرية الأكاديمية وإنتاج المعرفة هناك)، ويُسمَّى هذا النموذج النابوليوني Napoleonic أيضًا. أما الرقابة والتقييم فتقوم بهما الوزارة (مقابل التقييم الذاتي هناك بطريق الأقران)، ويجري فيهما تقييم السيرورة (مقابل المنتَج البحثي في النموذج الأكاديمي). وتضع الدولة هنا خطة القوى العاملة والتوظيف، وتحدِّد التوجهات المتعلقة بالتعليم والبحث، في حين تقتصر العلاقة بين الجامعة والدولة في النموذج الأكاديمي على التزام إطار العمل المتفق عليه، ومنه دفع رواتب العاملين في الجامعة. وأما النموذج الموجَّه نحو السوق فيتمثل في مؤسسات التعليم العالي التي تعطي متطلباتِ العرض والطلب والتنافس الأولويةَ في تصميم برامجها، وفي قبول طلابها، وفي سبل التعاقد مع الهيئة التعليمية والإدارية. لكن، من وجهة نظر أوروبية، يضاف إلى النموذجين الأكاديمي والنابوليوني النموذجُ الأنغلوساكسوني الذي يتمثل في مؤسسات شاملة للبحث والتعليم، مستقلة، ومنفتحة على السوق. وقد يكون النموذج الموجه نحو السوق أصله أنغلوساكسوني، وانتشر عالميًّا بتأثير العولمة وجاذبية النموذج الأميركي، وتوصيات البنك الدولي لدول العالم الثالث. ومن الأدلة على ذلك انتشاره السريع في الدول الأوروبية التي انشقت عن الاتحاد السوفياتي وانخرطت في النموذج النيوليبرالي الغربي. ومن الأدلة على ذلك أيضًا أن جلّ النقد تجاه النموذج الموجّه نحو السوق نجده في أميركا. وقد ظهر هذا النقد
(((أسماء حسين ملكاوي، «فكرة الجامعة عند هابرماس: نظرية الفعل التواصلي وإص حاا الجامعات»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 0172)، ص.249–229
(4) Dobbins, Knill & Vögtle; Pat O’Connor & Kate White, «Similarities and Differences in Collegiality/Managerialism in Irish and Australian Universities,» Gender & Education , vol. 23, no. 7 (December 2011), pp. 903–919. (5) Dobbins, Knill & Vögtle. (6) Nicky Le Feuvre & Milka Metso, The Impact of the Relationship between the State and the Higher Education and Research Sector on Interdisciplinarity in Eight European Countries (Toulouse: 2005), pp. 6–17
بقوة في كتابات كثير من المفكرين؛ فأعلن تشومسكي «موت الجامعات الأميركية»، وكتب سوليفان عن المسؤولية الاجتماعية للتعليم العالي، كذلك تحرّك أهل الجامعات أنفسهم ضده، كما في إعلان
رؤساء الجامعات الأميركية حول المسؤولية المدنية للتعليم العالي (1999)، أو في إعلان تالوار)2005(، وغيرهما. شهدت أوروبا تحولات عميقة في نظمها الجامعية، شملت النموذجين الأكاديمي والنابوليوني، ونتج ذلك من التطورات التي أحدثها مسار بولونيا، ثم التحديات التي طرحتها التصنيفات الدولية ابتداءً
من عام 0032 مع ظهور تصنيف شانغهاي؛ فقد عمل عدد من الدول الأوروبية على وضع تشريعات وأنظمة جديدة تعطي الجامعات مزيدًا من الاستقلالية، وأقحمت المعنيّين Stakeholders – من
طلابٍ، وهيئات أكاديمية، ومؤسسات إنتاج، ومنظمات مجتمعية متنوعة – في شراكات متنوعة في حكامة الجامعات، وطوَّرت هيئاتها الوطنية (والأوروبية) لضمان الجودة من أجل تعزيز المساءلة وتوفير النوعية بطريق مراجعة الزملاء، بدلً من التدقيق الإداري الحكومي. حتى في الموارد، جرى تحوُّل لصالح التمويل على أساس الأداء، بدلً من التمويل على أساس المُدخلَات أو السيرورة، والتفتيش عن بدائل جديدة في الحكامة. أفضت هذه التغيرات إلى حصول بعض التقارب بين الجامعات على ضفتَي الأطلسي، في اتجاه ما أصبح يُسمَّى في لغة الحكامة النموذج التسييري Managerial، وهو نموذج آخذ في الانتشار عالميًّا؛ فيه تدار المعاهد والمدارس من قياديِّين يُوظَّفون
من خارج الجامعة، أو من مجموعات من غير الأكاديميين الذين يخضعون للمساءلة من قيادات أكاديمية، وفيه تكثر وظائف النواب (مثل Vice , Deputy)، وينمو حجم الفِرَق التسييرية، ويصبح
اتخاذ القرارات مركزيًّا. ويلحظ كايكو يوكوياما أن من سمات هذا النموذج: الشراكات مع القطاع الخاص والقطاع الصناعي، والاستثمار في الأسواق المالية، ولامركزية الكليات، والقيادة القوية للمديرين التنفيذيين
(7) Noam Chomsky, «The Death of American Universities,» Jacobin, 3/3/2014, accessed on 19/9/2018, at: https://goo. gl/BYOcVF (8) M.W. Sullivan, «Institutional Identity and Social Responsibility in Higher Education,» in: Thomas Ehrlich (ed.), Civic Responsibility and Higher Education (Phoenix, AZ: American Council of Education and the Oryx Press, 2000), pp. 19–37. (9) «Presidents’ Declaration on the Civic Responsibility of Higher Education,» Campus Compact, accessed on 19/9/2018, at: https://goo.gl/DBKZmG (10) «Talloires Declaration On the Civic Roles and Social Responsibilities of Higher Education,» The Talloires Network, 17/9/2005, accessed on 18/9/2018, at: https://goo.gl/4BftA9 (11) Antonio Magalhães et al., «Creating a Common Grammar for European Higher Education Governance,» Higher Education , vol. 65, no. 1 (2013), pp. 95–112. (12) Robin Middlehurst, «Changing Internal Governance: Are Leadership Roles and Management Structures in United Kingdom Universities fit for the Future?» Higher Education Quarterly , vol. 67, no. 3 (2013), pp. 275–294. (13) Michael Shattock, «University Governance, Leadership and Management in a Decade of Diversification and Uncertainty,» Higher Education Quarterly , vol. 67, no. 3 (2013), pp. 217–233.
Executives Chief، ونقل المساءلة نحو المجتمع. وهذا التوجه يتم بتأثير من النيوليبرالية في الوسط الجامعي. إن التحولات التي شهدتها حكامة الجامعات في الدول المتقدمة في العقدين الأخيرين جعلت من الممكن القول إن الجامعات في هذه الدول تشهد مزيجًا، أو وضعًا «هجينًا» كما يقول ديم وزملاؤه،
تتداخل فيه النماذج بنسب متفاوتة، تختلف بحسب الجامعات والبلدان، وتتنازع في داخلها. ومن أبرز التحولات أن تعبير «النموذج الذي مركزه الدولة» لم يعد كافيًا لتوصيف الجامعات الحكومية؛
بل أصبح ضروريًّا البحث في كل بلد أو مجموعة بلدان عن المزيج القائم فيها بين ما هو أكاديمي، ونابوليوني، وتسييري، وموجه نحو السوق، والغالب منها. لكن ما يجمع بين جميع الأشكال التي وصلت إليها حكامة مؤسسات التعليم العالي في هذه البلدان هو اكتساب الجامعات مزيدًا من الاستقلالية. والاستقلالية Autonomy لا تخص القطاع الخاص. قد تكون مؤسسات القطاع الخاص أشدّ افتقادًا للاستقلالية كلما خضع اتخاذ القرارات فيها لمشيئة المالك، وتكون المؤسسات الحكومية أكثر استقلالية كلما تمّت إدارتها بموجب القانون، وما نص عليه من أمور تتعلق بأصول اختيار القيادات
وسبل اتخاذ القرارات. إن ارتباط الاستقلالية بالتمويل ليس أيضًا ارتباطًا سببيًّا؛ ففي تايوان، كما يقول
شيانغ، لم تتمكن الجامعات من إحداث أي تغير يُذكَر في موضوع استقلاليتها بعد تنويع مواردها. في المقابل، نلحظ أن الجامعات البريطانية والكندية والفرنسية والألمانية تتلقى – أو كانت تتلقى – جل تمويلها من الحكومة، وتتمتع في الوقت نفسه بقدر عالٍ من الاستقلالية. وقد استعاضت هذه الدول، وخصوصًا فرنسا، عن المساءلة المباشرة تجاه الحكومة بالمساءلة بطريق الهيئة الوطنية لتقييم الجودة. وهي، تعريفًا، مساءلة عامة، لأن نتائجها متاحة للرأي العام. الاستقلالية والحرية الأكاديمية مترابطتان. الحرية الأكاديمية حق، أو سِمة تسم الأكاديميين، مثلها مثل أي حق مهني يتمتع به أصحاب المهن الأخرى، من الطبيب إلى الصحافي. وجوهر الموضوع، كما تقول غوتمان، أن الأكاديميين يقومون بفحص النظريات الموجودة، والمؤسسات القائمة، والوقائع، والاعتقادات، استنادًا إلى «شرائع الحقيقة التي تم تبنِّيها في حقل اختصاصهم»، وهم يذهبون في استنتاجاتهم بصورة مستقلة حيثما أفضت الأدلة وأدى منطق البحث، «مع التزامهم المطلق بالمعايير الأكاديمية المتعارف عليها للتقصي». وفي هذا الصدد يقول داونز: إن ما يميّز الجامعة أنها مكرَّسة
(14) Keiko Yokoyama, «Entrepreneurialism in Japanese and UK Universities: Governance, Management, Leadership, and Funding,» Higher Education , vol. 52, no. 3 (2006), pp. 523–555. (15) O’connor & White, pp. 903–919 (16) Luanna H. Meyer, «Collegial Participation in University Governance: A Case Study of Institutional Change,» Studies in Higher Education , vol. 32, no. 2 (2007), pp. 225–235. (17) Li–Chuan Chiang, «The Relationship between University Autonomy and Funding in England and Taiwan,» Higher Education , vol. 48, no. 2 (2004), pp. 208–209. (18) Amy Gutmann, Democratic Education (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1987), p. 175.
«للفضائل الفكرية» التي تشمل حرية التقصِّي، وتعدُّد وجهات النظر، وأعلى درجات المعايير الفكرية في البحث عن المعرفة. ليست هناك مواضيع مقفلة على الباحثين عندما تكون الحريات الأكاديمية محترمة. بل إن حرية الأساتذة الأكاديمية تساعد على «قيادة النقاش السياسي نحو اتجاهات جديدة أو قديمة أو منسية» كما يقول وايت، مضيفًا أن الحرية الأكاديمية تُفقَد عندما يقوم الأكاديميون بأبحاث فقيرة، أو عندما يستسلمون للأفكار المتأتية من الأيديولوجيات الشائعة. إن الدفاع عن الأفكار غير الشعبية المبنيّة علميًّا
هو الذي يشكل «الفرق بين الشعبوية والديمقراطية».
2. حكامة الامتثال في الجامعات العربية
أ. الاستقلالية
تُعَدّ الجامعات الحكومية العربية كلها «مستقلة» بحسب القوانين النافذة. وتُستعمَل في هذا الصدد تعابير مثل: «شخصية اعتبارية»، و«شخصية معنوية»، و«شخصية قانونية». وغالبًا ما تُذكر «الشخصية
المعنوية» و«الاستقلال» معًا في توصيف الجامعات العربية، وقليلً ما يُذكر الاستقلال فقط. وحدها جامعة الكويت، لم تَرِد في قانونها أي عبارة عن موضوع الاستقلالية. وأطول جملة وجدناها في قانون موريتانيا لعام 0062 (مادة 6): «الجامعات مؤسسات عمومية ذات شخصية اعتبارية واستقلال إداري ومالي، وتتمتع بالاستقلال التربوي والعلمي والثقافي». ومع ذلك، فليس لطول الحديث عن الاستقلالية أو قصره مغزى يُبنى عليه؛ فالمواد الأخرى المنصوص عليها في القوانين نفسها تطيح هذه الاستقلالية في عموم الجامعات العربية. توجد في كل هرمية جامعية ثلاثة مناصب قيادية تدير شؤون الجامعة الأكاديمية والمالية والإدارية عادة. وهذه المناصب هي: الرئيس، والعميد، ورئيس القسم. ويترأس كل من هؤلاء مجلسًا يعبِّر
تشكيله عن توزيع الأدوار في ممارسة السلطة، وهي بالترتيب: مجلس الجامعة، ومجلس الكلية، ومجلس القسم. وطريقة تعيين هذه القيادات هي أحد الدلائل المهمة على تقييد الاستقلالية قانونيًّا. باستثناء تونس ولبنان والمغرب، لا يقوم اختيار القيادات على الانتخاب، ولا على التشاور، ولكن يحصل من فوق. وفي مصر، مثلً، يعيِّن رئيس الجمهورية رئيس الجامعة، والعمداء، وأمين المجلس
الأعلى للجامعات، والأعضاء الأربعة غير العمداء في مجلس الجامعة، وأمين الجامعة. أما رئيس الجامعة فيعيِّن وكيل العميد، ورئيس القسم، وثلاثة أعضاء ممن ليسوا رؤساء أقسام في مجلس الكلية.
وتُعتَمد قاعدة الأقدمية في تعيين رؤساء الأقسام، وفي تعيين زملائهم الأعضاء في مجلس الكلية (الأقدم في كل قسم). كانت هذه الترتيبات معتمدة قبل عام 0122، وعُدِّلت في اتجاه الانتخاب في
(19) Donald A. Downs, «Civic Education versus Civic Engagement,» Academic Questions , vol. 25, no. 3 (2012), p. 345. (20) Morgan White, «Higher Education and Problems of Citizenship Formation,» Journal of Philosophy of Education , vol. 47, no. 1 (2013), pp. 124–125.
عهد الرئيس السابق محمد مرسي، وأجريت الانتخابات فعلً في صيف 0122، لكن تمّت العودة إلى
الترتيبات السابقة عام 0142، بعد عشرين يومًا من تولّي عبد الفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، وهي السارية حاليًّا. وفي الأردن، يُعيَّن رئيس الجامعة الحكومية «بإرادة مَلكية سامية بناءً على تنسيب مجلس التعليم
العالي». ويُعيِّن مجلس الأمناء نواب الرئيس والعمداء والقائم بأعمال العميد، بناءً على تنسيب الرئيس.
والرئيس هو الذي يعيِّن مساعد العميد ورئيس القسم (بناءً على تنسيب العميد)، علمًا أن الملك هو
الذي يعيِّن أعضاء مجلس التعليم العالي ومجالس الأمناء. وكما هي الحال في مصر، لا ترد في قانونَي
التعليم العالي والجامعات الأردنيَّين عبارة «ترشيح» أو «انتخاب» لأي من المناصب القيادية. نجد هذا
النموذج الفوقي في تعيين القيادات الجامعية في سائر الدول العربية، مع تلاوين متنوعة. يختلف المغرب لجهة أن المرشَّحين للمناصب القيادية يتنافسون بطريق تحضير ملفات تتضمن تصور المرشَّح لما يسعى لتحقيقه في الجامعة. ويختلف لبنان لجهة حصول ترشيحات وانتخابات على مستوى الجامعة والكلية، ثم ينتقي مجلس الوزراء أحد المرشَّحين الواردة أسماؤهم في لائحة الترشيحات التي ينقلها إليه وزير الوصاية (وزير التعليم العالي). لكن كل شيء يجري في لبنان والمغرب وكأن الترشيحات وتحضير الملفات أمران شكليان، وأن القرار الذي سيُتخذ على مستوى
السلطة العليا يُصنَع في الكواليس؛ بحيث لا يفوز بالمنصب إلا من كان مقررًا له مسبقًا أن يفوز. الاستثناء الوحيد الحقيقي هو تونس. كان القانون رقم 91 لعام 0082 قد نص على تعيين رئيس الجامعة بأمر رئاسي، وكذلك نائبَي الرئيس، ومجلس الجامعة، في حين يتم اختيار العمداء بانتخابهم من جانب
«المدرسين القارِّين»، أي المعيَّنين المتفرغين للتعليم، إلا إذا تعذّر انتخابهم، فيتم تعيينهم. بعد ثورة
الياسمين، صدر مرسوم في العام نفسه (0112) يتعلق بتنظيم الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، عمَّم قاعدة الانتخاب على مختلف المستويات: رئيس الجامعة ينتخبه أعضاء مجلس الجامعة، والعميد ينتخبه المجلس العلمي، ورئيس القسم ينتخبه زملاؤه في القسم أو مجلسُ القسم. بل تكررت في هذا
المرسوم المكوَّن من أربع صفحات كلمة «منتخَب» 82 مرة، وكلمة «مجلس» 41 مرة، في حين ورد
تعبير الوزير المكلَّف بالتعليم العالي 12 مرة (لاستكمال الأعمال المتعلقة بالتعيينات بعد الانتخابات، وبعمل المجالس). ولكن، على الرغم من اختيار القيادات بالانتخاب في الجامعة التونسية الحكومية، تُتَّخذ القرارات المالية خارج الجامعة (في وزارة المالية)، كما أن رئاسة القسم ضعيفة. بل يمكن القول إن عميد الكلية أشدّ نفوذًا من رئيس الجامعة في تونس؛ بسبب أن الجامعات هي جمعٌ للكليات (التي
تسمَّى أيضًا مؤسسات)، أكثر من كون الكليات منبثقة من الجامعات، وهذا ما يُفقِد الجامعة التونسية جزءًا من صفتها جامعة شاملة، ويجعلها جمعًا لمعاهد عليا، مهتمة بتكوين القوى العاملة. أي النماذج المذكورة سابقًا ينطبق على حكامة الجامعات العربية الحكومية: الأكاديمي، أم التسييري، أم النابوليوني، أم الموجَّه نحو السوق؟ كان يمكن وضعها تحت النموذج النابوليوني، لو
كانت «الدولة» هي المسيِّرة لها، بطريقة بيروقراطية بالمعنى الفيبري للكلمة (الاستحقاق، والفاعلية،
وتوزيع الأدوار... إلخ)، لكن الوقائع التي جُمعت وعُرضت سابقًا، تفضي إلى القول إن ما ينطبق
عليها هو نموذج لم يرد سابقًا، ونسميه «النموذج السياسي». تقع السياسة في المقام الأول في اختيار القيادات، من خلال اختيار الموالين للحاكم (الرئيس، الملك... إلخ)، ومن يعيَّنون يختارون الموالين أيضًا، وهكذا، في سلسلة تبدأ من أعلى السلطة،
نزولً حتى رئاسة القسم. وأحيانًا تكون السياسة من فوق متصلة بالسياسة من تحت، كما هي الحال في لبنان؛ فالقوى السياسية الفاعلة في الحكم لها امتداداتها في مجالس الجامعات ومجالس الكليات، وهذا ما يسهِّل اختيار القيادات من تحت، بالطريقة نفسها التي كان يمكن أن تفعلها الطبقة
السياسية من فوق. أما مصر فتقدم النموذج الأكثر شيوعًا: لعل السيسي قدَّر أن إبقاء الانتخابات سوف يسهّل السياسة من تحت بزعامة الإخوان المسلمين، فحسم الخيار لصالح السياسة من فوق.
وفي العموم، تحتاج السياسة من فوق إبان صراعها مع ما هو تحت إلى دعم أجهزة الاستخبارات. تبقى السياسة هي المحرك الرئيس لحكامة الجامعات العربية الحكومية. وهذا ليس عنصرًا طارئًا على
الجامعات الحكومية العربية؛ فتاريخ الجامعات الحكومية الكبرى يشهد على قوة السياسة فيها منذ زمن بعيد، تحت شعارات مطلبية وحزبية ووطنية وعربية. ويشهد أيضًا على أن الحكام، في عدد من الدول العربية، جاؤوا من صفوف القيادات الطلابية في مراحل سابقة. والتاريخ الحديث يشهد على أن الجامعة ما زالت، بالنسبة إلى الجهة السياسية الحاكمة، أهم منصة لتأمين سلطتها بوساطة شباب الجامعات، الآتين من أوساط اجتماعية وجغرافية متنوعة، الذاهبين لممارسة أدوار اجتماعية ومهنية وسياسية في تلك الأوساط. الشباب الذي يحب التغيير يصبح عبر الجامعة أداة للإخضاع والخضوع. أما الجامعات الخاصة فينطبق عليها النموذج الموجَّه نحو السوق في معظم الدول العربية، مع «رقابة»
سياسية في البلدان التي تكون فيها للحكومة كلمة في اختيار القيادات واتخاذ القرارات، كما هي الحال في مصر والأردن. ويخرج عن هذا النموذج نوعان من الجامعات: أولهما الجامعات التي تتبع جماعات وطوائف، كما هي الحال في لبنان، وهذه الجامعات تقترب من النموذج السياسي. والنوع الثاني هو الجامعات التي أنشئت على النموذج الغربي وتتمتع بالاستقلالية بضمانة خارجية، كالجامعة الأميركية في بيروت، والجامعة الأميركية في القاهرة، وهذه الجامعات المحدودة العدد ينطبق عليها النموذج التسييري.
ب. الحريات الأكاديمية
لا يرد في القوانين والمراسيم التي راجعناها في تونس أي ذكر للحرية الأكاديمية، ولا تتكلم هذه النصوص عن حقوق الطلاب والأساتذة في الانضمام إلى منظمات، و/ أو تشكيل منظمات تمثلهم، وهو أمر مفارق؛ ذلك أن تونس ربما تكون البلد العربي الأشدّ نضجًا وتمرسًا بالعمل النقابي عمومًا،
والعمل النقابي في التعليم الجامعي وما قبل الجامعي خصوصًا. بل إن بعض التحليلات يبين أن اتحاد الشغل في تونس هو الذي حوَّل الامتعاض من حادثة (احتراق البوعزيزي) إلى ثورة منظمة.
(((2 منصف القابسي، «النقابات في الوطن العربي بين مقاومة الفقر والثورة: قراءة تحليلية وتقويمية لتجربة الاتحاد العام التونسي
للشغل»، مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 94 (0152)، ص.183–123
وهذه أيضًا حال لبنان؛ فقانون الجامعة اللبنانية وتعديلاته لا ترد فيه إشارة إلى الحريات الأكاديمية، ولا إلى حرية التنظيم النقابي. هناك إشارة حديثة وردت في قانون التعليم العالي الذي صدر عام 0142، وهي إشارة تشمل التعليم العالي بقطاعيه الحكومي والخاص. العمل النقابي في لبنان قائم بموجب أنظمة أخرى؛ فرابطة الأساتذة المتفرغين في الجامعة اللبنانية هي شبه نقابة، تمثِّل جميع الأساتذة في الجامعة، وتقود تحركات مستمرة، دفاعًا عن مصالحهم، وقد أنشئت عام 9751 بموجب قانون الجمعيات. من جهة ثانية، يتمتع أساتذة الجامعة اللبنانية بحريات تعبير عالية؛ إذ ينشرون آراءهم وأفكارهم المتنوعة والمتصارعة بصور شتى، ومن ذلك مواقفهم من الجامعة نفسها، بسبب الرابطة، وبسبب تسيُّس الجامعة، وبسبب
السياق اللبناني عمومًا، وذلك من دون أن يكون في مقدورنا وضع هذه الحريات في باب الحريات الأكاديمية إذا ما اعتمدنا تعريفات غوتمان وداونز ووايت الواردة سابقًا. قوانين مصر لا تأتي بدورها على الحريات الأكاديمية، ولا على حق التنظيم، ولا توجد عمليًّا نقابة
للأساتذة الجامعيين هناك. هناك تشكيل يسمَّى «نحو نقابة لأساتذة الجامعات»، وهو شكل تعبوي لم يُشهر قانونيًّا. من جهة أخرى، هناك تقارير متتالية، أصدرتها منظمة «هيومن رايتس واتش»، عن قمع
الحريات الأكاديمية في هذا البلد، تناولت فرض الرقابة على الكتب الدراسية، وحظر الأبحاث التي تتناول قضايا مثيرة للجدل، وترهيب ناشطي الطلبة، وكذلك القيود الحكومية المستمرة على المناقشات داخل الفصول الدراسية، والمشاريع البحثية، والنشاطات الطلابية، والمظاهرات داخل الحرم الجامعي، وإدارة شؤون الجامعات. ويتخذ المنع أشكالً عدة؛ منها القمع المباشر، بطريق ما تمارسه الأجهزة الأمنية من اعتقال وتعذيب، ومنها المنع والضغوط التي يفرضها العمداء على الأساتذة، أو الإغراءات والتسهيلات التي يحظى بها «المطيعون». وبموجب هذه الضغوط يسدد العمداء فاتورة تعيينهم وتجديد تعيينهم في مناصبهم. كما يأتي القمع «من تحت» بطريق الضغوط التي يمارسها الإسلاميون المتشددون على الطلاب والأساتذة، بتوجيه الإهانات اللفظية والاعتداءات البدنية، ورفع الدعاوى القضائية ضدهم، لمنعهم من بحث قضايا دينية أو أخلاقية مثيرة للجدل. كانت هذه الانتهاكات شائعة قبل عام 0112، وفي تلك الفترة كانت السلطة السياسية تتعاون وتتكافل مع المتشددين الإسلاميين. يثير الإسلاميون القضية في وسائل الإعلام وفي المساجد، والحكومة تستجيب وتعتمد الشريعة الإسلامية (الحسبة)، لا القانون الوضعي (المدني)، في مقاضاة «المرتدِّين». ومن أشهر حالات «التعاون» القمعي بين السلطة وقوى الضغط قصة نصر حامد أبو زيد، التي تورط فيها رئيس الجامعة وأساتذة ورجال دين ومحامون في حملة عارمة ضد أبو زيد، الأستاذ الجامعي، أفضت إلى قبول محكمة الاستئناف، في 41 حزيران/ يونيو 9951، دعوى الحسبة، وحكمت برِدَّة الدكتور نصر حامد أبو زيد، وبالتفريق بينه وبين زوجته.
(((2 الجمهورية اللبنانية، مجلس النواب، «قانون الأحكام العامة للتعليم العالي وتنظيم التعليم الخاص»، رقم 852 بتاريخ 014/4/302، المادة.3 2(((هيومن رايتس ووتش، القراءة بين الخطوط الحمراء: قمع الحرية الأكاديمية في الجامعات المصرية (حزيران/ يونيو 2005)،
شوهد في 018/9/5:2، في https://bit.ly/2QsCCtw
ويلحظ نبيل نوفل كيف تدهورت الحريات الأكاديمية في مصر، مع التقدم في الزمن، مقارِنًا بين قضية طه حسين في العشرينيات وقضية أبو زيد بعد سبعين سنة. وكيف أن «التكفير» و«التحريم» كانا القاعدة الأيديولوجية التي قام عليها قمع الحريات الأكاديمية، ومن ذلك منع استخدام عدد من الكتب في الجامعات الخاصة والحكومية؛ منها كتاب مكسيم رودنسون بعنوان محمد، وكتاب الخبز الحافي للكاتب المغربي محمد شكري، وكتاب النبيلجبران خليل جبران. بعد وصول السيسي إلى سدة الرئاسة، أصبح الإخوان المسلمون عدوًّا للحكومة، ثم توسَّع نطاق
أعداء الحكم بسرعة قياسية نحو جميع غير المطيعين للسلطة البحتة للسيسي والجيش، وانتشر ترهيب الأكاديميين والطلاب والفنانين والصحافيين وغيرهم، وأصبح الاختفاء والاعتقال والأحكام القضائية التعسفية من يوميات الحياة الأكاديمية والسياسية في مصر. وتوثق مؤسسة حرية الفكر والتعبير هذه الانتهاكات، وتصدر تقريرًا ربع سنوي بعنوان «حرية الفكر والإبداع في مصر»، يتضمن خمسة أبواب؛
منها باب خاص بالحريات الطلابية والأكاديمية، توثَّق فيه انتهاكات هذه الحريات. ويبيّن أحد
تقارير عام 0162 أن الحكومة تسعى للمزيد من الرقابة على مؤسسات التعليم العالي والتحكم فيها. لا يعني كل ذلك أن مصر هي أكثر البلدان العربية انتهاكًا للحريات الأكاديمية، ولكنه يعني فقط أن مصر هي أكثر بلد عربي كُتب عنه وفيه حول منع الحريات الأكاديمية، وهو الأكبر حجمًا والأشد
عراقة في العمل الأكاديمي العربي، والأعمق إرثًا في النزاع حول الحريات السياسية والأكاديمية، منذ بداية القرن الماضي. وبخلاف القانون المصري، يتضمن القانون الأردني عبارة صريحة ومتبلورة حول الحريات الأكاديمية، تقول: «يهدف التعليم العالي إلى رعاية النهج الديمقراطي وتعزيزه بما يضمن حرية العمل الأكاديمي، وحق التعبير، واحترام الرأي الآخر، واستخدام التفكير العلمي الناقد». ويوجد في هذا البلد مركز اسمه «مركز عمَّان لدراسات حقوق الإنسان»، وهو الذي عقد عددًا من المؤتمرات حول الحريات الأكاديمية، وأصدر أعمال هذه المؤتمرات في كتب. لكننا لا نجد في ثنايا هذه الكتب معلومات واضحة حول أحوال الحريات الأكاديمية في الأردن، قد نجد ورقة تتخذ من موضوع الحريات الأكاديمية مناسَبة للحديث عن أمور أخرى، أو ورقة (أعدَّها المركز نفسه) مشغولة بالبحث عن الفروق الدالة بين المستجيبين الذين يجيبون عن أسئلة عامة، يفهمها كل منهم بطريقته. يجب أن نتابع أخبار حملة «ذبحتونا» التي نشأت عام 0072، دفاعًا عن «حقوق الطلبة في التعليم الجامعي»،
(2((نبيل نوفل، «الحرية الأكاديمية بين النظرية والتطبيق: قراءة في الواقع المصري»، ورقة غير منشورة،.1999 (2((انظر: موقع مؤسسة حرية الفكر والتعبير، في: https://goo.gl/pdVJzP (2((المملكة الأردنية الهاشمية، «قانون التعليم العالي والبحث العلمي لسنة 009»2، المادة 3 ج. (((2 لبنى عكروش، «الحريات الأكاديمية في الجامعات الأردنية»، في: مجموعة مؤلفين، الحريات الأكاديمية في الجامعات
العربية، الكتاب الثالث، إشراف وتحرير نظام عساف (عمان: مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان، 0092)، ص.224–213 (2((المرجع نفسه، ص.270–227
لتكوين فكرة عن المناخ الجامعي في الأردن، أو نقرأ أخبار الطلاب في وسائل إعلام خارجية. ولا توجد نقابة للأساتذة الجامعيين في الأردن. وبحسب أستاذ جامعي سُئل في ندوة علمية عن سبب تغييبه للنزاعات العشائرية التي تحصل في الجامعات في ورقته عن تطور حكامة الجامعة الأردنية، قال: «إذا كتبتُ عن هذا الموضوع أو ما يشبهه، فسوف تستدعيني المخابرات فورًا، وتوجِّه لي تهمة إثارة النعرات العشائرية والطائفية في البلاد». كل شيء يشير إلى أن الحديث عن الحريات الأكاديمية في الأردن هو صنعة أكثر مما هو تفكير نقدي لما يجري في الجامعات، والصانع في هذه الصنعة منشغل بتلميع أدواته أكثر من انشغاله بإنتاج شيء مفيد. إذا انتقلنا نحو دول الخليج العربية، يختفي التعبير من الأدبيات الصادرة هناك. من أصل 33 دراسة عن الحريات الأكاديمية موجودة في قاعدة بيانات «شمعة»، وجدنا أربع دراسات من السعودية، وواحدة من الكويت. ثم إن هذه الدراسات أجريت على النمط الشائع في الأردن، أي بطريق توزيع استمارات على طلاب أو أساتذة، وطرح أسئلة عامة عليهم، ثم البحث عن الفروق الدالة بينهم. الحريات الأكاديمية في مثل هذه الدراسات ليست موضوعًا يُختار لأن فيه قضية، ولكن لتُطبَّق عليه
«قواعد البحث العلمي» الشائعة القائمة على إمبيريقية فارغة، كأي موضوع آخر. كذلك، يختفي التعبير في الدراسات التربوية التي أجريت في سورية. وجدنا مقالً واحدًا ورد تعبير الحريات الأكاديمية في عنوانه، وعمليًّا، لم نجد شيئًا فيه عن الموضوع بوصفه قضية. هناك، أخيرًا، مجموعة من البلدان العربية تشهد أخبارًا عن الحريات الأكاديمية؛ ليس بسبب انتهاك
السلطة للحريات، بقدر ما تشهدها بسبب نزاعات سياسية عميقة بين الجماعات، وهذه حال البحرين واليمن وليبيا مثلً. وعادة ما تقوم السلطة بمنع جماعة معينة من التعبير الحر، وتسمّي المنع استقرارًا،
أو تقوم بذلك جماعة تسيطر على الجامعة تجاه جماعة أخرى، كما يحدث في اليمن.
(2((عز الدين الناطور، «الأردن: عودة للتضييق على الحريات السياسية داخل الجامعات»، الفنار للإعلام، 015/8/12، شوهد في
018/9/19:2، في https://goo.gl/TN5pys
((3(نتيجة بحث المؤلف في الموقع الرسمي لمؤسسة «شمعة»: شبكة المعلومات العربية التربوية، في: https://goo.gl/dC7yzU (3((فادية المليح حلواني، «الحرية الأكاديمية والتعليم العالي في سورية: تاريخ – مقومات – واقع – آفاق»، مجلة جامعة دمشق
للآداب والعلوم الإنسانية، مج 92، العدد 4–3 (0132)، ص.45–11 ((3(نصَّ قرار وزير التربية والتعليم رقم 1 لسنة 0112 في البحرين على ما يلي: «ز– الامتناع عن ممارسة أي نشاط سياسي أو
طائفي يخالف القوانين والأنظمة والتعليمات المعمول بها في الجامعة. ح– الامتناع المدبَّر عن إعطاء المحاضرات وتعطيل الدراسة
والتحريض عليه. ط– الامتناع عن الدعوة إلى أي تنظيم داخل الجامعة أو المشاركة فيه أو الاشتراك بأي نشاط فيه مساس بأمن الدولة والمجتمع. ي– الامتناع عن الاشتراك في مظاهرات داخل الجامعة أو مظاهرات خارج الجامعة غير مرخصة، وتضر بسمعة البحرين في الداخل والخارج وتضر بسمعته الأكاديمية. ك– الامتناع عن القيام بأي عمل فيه مساس بالثوابت الوطنية وهيبة الدولة أو الجامعة أو فيه مساس بالمجتمع البحريني أو فيه مساس بهيبة عضو هيئة التدريس نفسه سواء كان ذلك داخل الجامعة أو خارجها.» ((3(انظر: طارق عبد الله المجاهد، «جامعة صنعاء: النشأة والتطور والتحديات، 016–1970 »2، في: مجموعة مؤلفين، سير عشر
جامعات حكومية عربية، تحرير عدنان الأمين (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0182)، ص 504–457؛
محمد فرج صالح رحيل، «الجامعة الليبية: ستون عامًا من مسيرة أمة (نظرة تحليلية نقدية)»، في: مجموعة مؤلفين، سير عشر
جامعات حكومية عربية، ص 2.51–207
لا نستطيع أن نقول إن هناك قضية حريات أكاديمية في البلدان التي توثق أخبارَها هيومن رايتس ووتش
أو غيرها (مصر مثلً)، ولا وجود لمثل هذه القضية في بلدان لا نسمع عنها في تقارير هيومن رايتس ووتش، ولا في الدراسات الأكاديمية (مثل سورية والجزائر ومعظم دول الخليج). تستعمل هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنظمات تعبير «الرقابة الذاتية» Self–control للدلالة على الأكاديميين الذين يمتنعون من تلقاء أنفسهم عن استفزاز أجهزة القمع أو السلطات العليا في الجامعة، فيتكلمون ويبحثون وينشرون ويعلِّمون ضمن الحدود المسموح بها. وهذا ما يقلل "الانتهاكات" فعلً أو في الإعلام. وتقول المنظمة في هذا الصدد إنه في مقابلاتها «ذكر الأساتذة والطلاب مرارًا أن الجامعات
المصرية لم تعد مراكز للتفكير الإبداعي، كما أصبح التعليم العالي يقوم في معظمه على التلقين، وغدا العاملون به يُؤْثرون السلامة». هذا في البلدان التي تعتمد القمع الكلاسيكي (القانوني وغير القانوني) في ملاحقة المعارضين أو مثيري الشكوك تجاه الأفكار والقيم السائدة، وهذا في نحو نصف البلدان العربية (مصر، والجزائر، والأردن، والسودان، وسورية، والعراق، وليبيا، وتونس، واليمن). وفي هذه البلدان، ثمة أكاديميون ملاحَقون أو معاقَبون، وغيرهم صامتون، وفئة واسعة من المطيعين، وهؤلاء هم صلب الجسم
الأكاديمي. وكلما طال الزمن وجرى الإمعان في إغلاق الحدود الفكرية مع الخارج، أصبحت الطاعة تقليدًا وتَعطَّل التفكير. وهذا هو المعنى النهائي لرداءة نوعية التعليم، وضخّ نخب (خريجو جامعات) في المجتمع عاجزة عن التطوير أو التغيير الاجتماعي. الامتثالية في الجامعة تفضي إلى امتثالية في المجتمع. أما في البلدان التي «يسير فيها المواطنون وحدهم» من دون قمع، فإن الامتثاليين يكوِّنون جوهر
النخب أيضًا، وفيها لا توجد قضية اسمها الحريات الأكاديمية، ولا توجد انتهاكات ولا تقارير دولية حولها. والامتثالية لا تحصل هنا من القمع، بل بالتجنب والصمت، فالطاعة المستدامة. الامتثالية هنا هي الأصل، وهي ناجمة عن ثقافة سائدة محافظة ذات مادة دينية أو أخلاقية تجعل موضوع الحرية
(والحريات الأكاديمية) أمرًا مستنكَرًا. والاستنكار يشمل التقصي وطرح الأسئلة والنقد والاكتشاف
وأولوية المعرفة. أما السائد فهو اليقينية والجواب الجاهز المتوافر عند الآباء ورجال الدين والحكام. وفي حين يكون الأساتذة عادة أشد ميلً إلى الامتثال، والطلاب أشد قابلية للتمرد، فإن الامتثال في هذه البلدان يشمل الأساتذة والطلاب على السواء.
ثانيًا: ضعف الثقافة المدنية
يسود النظام عادة، أي نظام، بفضل قوَّتين متضافرتين: قوة العقاب (لمن يخالفه)، وقوة التشرب (للانضواء إليه). أما قوة العقاب فتمارسها قوى الأمن، استنادًا إلى القانون، أو تعسفًا محضًا. وأما قوة التشرُّب فتحصل بالتنشئة، وهي أشد عمقًا، وأكثر أمانًا واستدامة، وأقل تكلفة على المدى البعيد.
((3(هيومن رايتس ووتش.
وتتم التنشئة في مؤسسات عديدة؛ أبرزها المؤسسات التعليمية، ومنها الجامعة التي تتميز من المراحل التعليمية التي تسبقها بزيادة متصاعدة لدورها في التغيير الاجتماعي. لكن مع امتثالية الحكامة في الجامعات الحكومية العربية يطغى دور التنشئة على دور التغيير، وتطغى التنشئة الامتثالية على التنشئة النقدية. والثقافة المدنية مثال لذلك. الثقافة المدنية هي، تعريفًا، غير امتثالية، بقدر ما تزوِّد الأفراد بفرص المشاركة والمحاججة والنقد والمرافعة، وتقديم التفسيرات غير الشعبوية... إلخ. وقد سبق أن اخترنا سبعة أبعاد تعبِّر عن الثقافة المدنية، ونشرنا عنها سبع مقالات؛ وهذه الأبعاد هي: المواطنة، والالتزام المدني، وثقافة القانون، والديمقراطية، وتعليم الإنسانيات، وخدمة المجتمع، وبيداغوجيا التقصِّي والمداولة. بُنِيت هذه المقالات على تحليلِ ما جمعناه من خطب وردت على ألسنة القيادات الجامعية (رؤساء، وعمداء، ورؤساء أقسام)، وفي وثائقها الرئيسة (رسالة، ورؤية، وإستراتيجية) في 36 جامعة عربية، في 51 دولة عربية من المشرق والمغرب والخليج؛ منها 42 جامعة حكومية، و 12 جامعة خاصة. وقد بلغ مجموع كلمات خطاب الجامعات ال 36 معًا 542157 كلمة، بما يوازي 51 ألف كلمة للجامعة الواحدة، وهذا ما يساوي مقالتين في مجلة أكاديمية. وكان المتوسط الحسابي لخطاب الجامعات الحكومية يساوي ضِعفَي خطاب الجامعات الخاصة (18.59 ألف كلمة مقابل 7.99 آلاف كلمة). أجري هذا الاستقصاء خلال الفترة.2016–2014 لست هنا بصدد استعادة ما جرى نشره سابقًا أو تلخيصه، ولكني سأقوم باستعادة البيانات الأساسية وقراءتها بما يتلاءم ونطاق الورقة الحالية. وأستبعد منها تلك المتعلقة ب «خدمة المجتمع»، بعد أن تبيَّن لي أن ممارستها الشائعة غير صالحة للكشف عن الثقافة المدنية، وخصوصًا في الجامعات الحكومية.
(3((هويدا عدلي، «قيمة المواطنة لدى الجامعات العربية»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 2017)، ص.45–17 (3((غادة جوني، «الالتزام المدني في الجامعات العربية»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 0172)، ص.71–46 (3((عدنان الأمين، «ثقافة القانون في الجامعات العربية»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 0172)، ص.100–72 (3((منير السعيداني، «الديمقراطية في الجامعات العربية»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 0172)، ص.135–100 (3((خالد عبد الفتاح عبد الله، «تعليم الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في خطاب الجامعات العربية ومقرراتها»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 0172)، ص.170–137 (4((علي عريفة، «مدى التزام الجامعات العربية بخدمة المجتمع: تقييم سجلات الجامعات المتاحة للجمهور»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 0172)، ص.203–171 (4((كمال أبو شديد، «بيداغوجيا التقصي والمداولة في التعليم العالي في المنطقة العربية»، مجلة إضافات، العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء 0172)، ص.228–204
1. خطاب الديمقراطية
ظهرت فكرة الديمقراطية في الخطاب الجامعي في سبعة أشكال أو أنواع تعبير: تعبير الديمقراطية، وحرية التعبير، والحريات الأكاديمية، والمشاركة في اتخاذ القرارات، والانتخابات والتمثيل، وحق تشكيل المنظمات والانتساب إليها، والحوار. وكان هذا الظهور خجولً؛ فنِصْف الجامعات الحكومية لم يلفظ القائمون عليها كلمة الديمقراطية، مقابل 01 من 12 جامعة خاصة. أما تعابير «المشاركة في اتخاذ القرارات»، و«الانتخابات والتمثيل»، و«حق تشكيل المنظمات والانتساب إليها» فتكاد تكون غائبة تمامًا في القطاعين. في المقابل، كانت تعابير الحريات، والحريات الأكاديمية، أكثر ظهورًا في القطاع الخاص منها في الجامعات الحكومية. الجامعتان الخاصتان اللتان أحدثتا هذا الفرق هما جامعة سيدة اللويزة والجامعة الأميركية في بيروت.
2. خطاب القانون
ظهر خطاب القانون في الجامعات في ثلاث صيغ: • حكم القانون، مثال: «تراعي الكلية التطبيق التام للقوانين المالية المنظِّمة للعمل بالكلية، وتخضع للجهاز المركزي للمحاسبات» (جامعة القاهرة). • أخلاق المهنة، مثال: «تعزيز قيم وآداب وأخلاقيات المهنة» (جامعة عين شمس). • الشفافية والمساءلة، مثال: «السهر على شفافية التسيير» (جامعة الحسن الثاني). ولم يرد تعبير «ثقافة القانون» في أي جامعة، فهو غير متداوَل. أما فكرة «حكم القانون» فلم ترد في 5
جامعات خاصة، في حين وردت في جميع الجامعات الحكومية. و«الشفافية» لم ترد في 7 جامعات حكومية، كذلك لم يظهر تعبير «أخلاق المهنة» في 01 جامعات حكومية من 42 جامعة، وفي 7 جامعات خاصة من 12 جامعة.
3. خطاب الالتزام المدني
يتمثل الالتزام المدني في ثلاثة معانٍ؛ هي: • التعبير نفسه (الالتزام المدني)، وكان حضوره ضعيفًا (بمعدل 0.5 جملة في الجامعات الحكومية). • مساهمة الجامعة في وضع السياسات الحكومية، وكان هذا المعنى غائبًا في 9 جامعات حكومية. • المسؤولية الاجتماعية، وكان هذا المعنى غائبًا في خطاب 11 جامعة حكومية.
4. خطاب المواطنة
الكلام عن المواطنة أغزر بكثير من الكلام عن أي من الأبعاد الثلاثة السابقة. لكن هذا ينحصر في الجامعات الحكومية، ومن المرجَّح أن ذلك يعود إلى التصرف مع هذا المفهوم من باب التنشئة التي
تكلّف الجامعات الحكومية نفسها مهمة القيام بها. والدليل على ذلك غلبة معنى «الهوية» (23.17
جملة للجامعة الواحدة) على ما عداه من المعاني الأربعة لهذا البعد، وهي: تعبير المواطنة (4.1 جُمل في الجامعة الواحدة)، وحقوق الفرد (11)، والتنوع والتسامح والحوار (9). والمعدل في جميع
الجامعات الحكومية المدروسة (47.6) كان أكثر من ضِعفَي المعدل في الجامعات الخاصة 21.7(جملة في الجامعة الواحدة) لحاصل المعاني الأربعة.
5. خطاب الإنسانيات
تمثَّل خطاب الإنسانيات في الحديث عن ثلاثة معانٍ؛ هي: المعارف الإنسانية، والعلوم الإنسانية، والآداب الحرة Arts Liberal. وبطبيعة الحال، فإن الجامعات الحكومية تحدثت عن المعنيَيْن الأول
والثاني، ولم يرد المعنى الثالث إلا في الجامعات الخاصة. لكن، في الحصيلة النهائية، وصل مجموع الجمل في الجامعات الحكومية إلى 58 جملة فقط؛ أي بمعدل جملتين ونصف في الجامعة الواحدة. والمفارقة أن المعدل في الجامعات الخاصة وصل إلى 5.5 جمل، أي أكثر بمرتين من الجامعات الحكومية. وسبب هذه المفارقة أن الجامعات الخاصة ليست جميعها «تجارية» كما يحلو للبعض أن يعمِّم. وسوف نعود إلى هذه النقطة في القسم الثالث من الورقة.
6. خطاب بيداغوجيا التقصي والمداولة
اعتبرنا أن بيداغوجيا التقصِّي Inquiry والمداولة Deliberation أو المناقشة جزء لا يتجزأ من «الثقافة المدنية» للجامعات، باعتبار أن هذا هو جوهر الحريات الأكاديمية والتفكير النقدي، بدلً من اليقينية والتلقين والامتثالية البيداغوجية. وقد وجدنا خمسة أشكال من الصيغ تمثِّل هذه البيداغوجيا في خطاب الجامعات؛ وهي: التعاون (التعلم التعاوني)، وحل المشكلات، والتفكير النقدي، والتطبيق، والمناقشة والمداولة. واقع الحال أن أقل الصيغ انتشارًا في الجامعات هي الأخيرة، المناقشة والمداولة. وهذا الغياب هو العنوان الحقيقي للخطاب الذي يسود الجامعات العربية حول طرق التعليم. التعاون أيضًا غائب، لأنه، كما النقاش، يقوم على التفاعل بين الأقران وليس بين الملقي (الأستاذ) والطالب.
7. حصيلة الخطاب المدني الجامعي
إذا جمعنا كلمات جميع اقتباسات الثقافة المدنية في أبعادها الستة، فسنحصل على ما مجموعه 43740 كلمة في الجامعات الحكومية. لنقارن حصة الخطاب المدني بحصة خطاب آخر مثل «الجودة» (أو النوعية والتميز وما إليه)، فماذا نجد؟ نجد أن المتوسط الحسابي للخطاب المدني في جميع أبعاده ومعانيه يبلغ 8221 كلمة للجامعة الواحدة، أي نصف المتوسط الحسابي لخطاب موضوع واحد هو الجودة (3161 كلمة للجامعة الواحدة). ومن حيث النسبة المئوية، تبلغ حصة الخطاب المدني 9.8 في المئة مقابل 17 في المئة
لخطاب الجودة. خطاب الجودة هو خطاب الساعة، الخطاب المسموح، هو المسعى الذي تريده الجامعات، ولو كان تعبيرًا عن النيات، أكثر منه تعبيرًا عن مشروع عمل. في القطاع الخاص، تتقارب حصة الخطاب المدني وحصة خطاب الجودة، سواء من حيث المتوسط الحسابي (4551 كلمة، مقابل 6851 كلمة)، أو من حيث النسب (18.2 في المئة للخطاب المدني، مقابل 21.8 في المئة لخطاب الجودة). انظر الجدول. الخطاب المدني في الجامعات العربية نسبةً إلى مجموع الخطاب ومقارنة بخطاب الجودة
| % | المتوسط الحسابي | المجموع | خطاب الجودة | الخطاب المدني | |||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| % | المتوسط الحسابي | مجموع الكلمات | % | المتوسط الحسابي | مجموع الكلمات | القطاع | |||
| 100 | 18593.9 | 446255 | 17.0 | 3161.5 | 75876 | 9.8 | 1822.5 | 43740 | الحكومي |
| 100 | 7991.8 | 95902 | 21.1 | 1685.0 | 20220 | 18.2 | 1455.0 | 71460 | الخاص |
| 100 | 15059.9 | 542147 | 17.7 | 2669.3 | 96096 | 11.3 | 1.700.0 | 61200 | المجموع |
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى خطب وردت على ألسنة القيادات الجامعية، جمعها الباحث من 36 جامعة عربية في 15
دولة عربية.
خلاصة الأمر أن الخطاب المدني هامشي الوجود في الجامعات الحكومية، على الرغم من تعدُّد أبعاده. وإذا وضعنا حديث المواطنة جانبًا، فإن الجوانب المختلفة للثقافة المدنية مترابطة. وهي ترتبط
أيضًا بموضوع الجندر كما بيَّنت إحدى الدراسات، وخطاب الجندر هذا كان يجب أن يشمله
استقصاؤنا. هامشية خطاب الثقافة المدنية هي نتيجة منطقية لحكامة امتثالية، ولتهميش الإنسانيات.
ثالثًا: تهميش الإنسانيات وإعداد طبقتين من النخب
1. ثنائية العلوم والإنسانيات
يشيع في الأدبيات الأكاديمية استعمال تعبير العلوم الصلبة Hard أو البحتة Pure أو الدقيقة Exact؛ للإشارة إلى الحقل المعرفي الذي يضم فروعًا معرفية مثل الرياضيات والعلوم الطبيعية والفيزيائية والكيمياء والتكنولوجيا وغيرها. في المقابل، يُستعمَل تعبير العلوم الرخوة أو الناعمة Soft للإشارة إلى الحقل المعرفي الذي يضم الإنسانيات (مثل اللغات، والفنون، والفلسفة، والتاريخ) والعلوم الاجتماعية (مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والاقتصاد، وإدارة الأعمال). وتحمل التسمية في حد ذاتها (رخوة –
(42) Helen Rizzo, Abdel–Hamid Abdel–Latif & Katherine Meyer, «The Relationship between Gender Equality and Democracy: A Comparison of Arab Versus Non–Arab Muslim Societies,» Sociology , vol. 41, no. 6 (2007), pp. 1151– 1170, accessed on 5/9/2018, at: https://bit.ly/2Nlb0EY
صلبة) المعنى المجازي الذي يُضمِر النظرة إلى هذه العلوم؛ فالصلابة تحيل إلى الثبات والدقة والقطع (صح – خطأ، أو أسود – أبيض)، والرخاوة تحيل إلى الليونة، وعدم الثبات، وعدم الدقة، وعدم القطع (البقاء في المنطقة الرمادية). ويشهد التعليم العالي ظاهرتين تتسقان وهذا التصنيف: الأولى تتعلق بارتفاع معدلات قبول الطلاب في برامج العلوم – التكنولوجيا مقارنة بمعدلات القبول في العلوم الإنسانية – الاجتماعية، وذلك بغضّ النظر عن القطاع الذي تنتمي إليه المؤسسة (خاص – حكومي). والثانية تتعلق بنزعة عدد من مؤسسات التعليم العالي إلى تهميش برامج العلوم الإنسانية، بل حتى الاستغناء عنها تحت وطأة «متطلبات السوق». في كتاب بعنوان «آخر الأساتذة: الجامعة الشركة ومصير الإنسانيات»، يبيّن المؤلف أن الاعتبارات
الاقتصادية تطغى اليوم على تسيير الجامعات، وعلى ملامح الخريجين الذين يجب تكوينهم، مع التركيز على الاختصاصات «المفيدة» في السوق. وفي هذا الصدد تقول نوسباوم: «ليس علينا أن نعترض على تعليم جيد للعلوم والتكنولوجيا، وليس عليَّ أن أقترح أن تتوقف الأمم عن التقدم في هذا المضمار. إن ما يقلقني أن هناك قدرات أخرى، على
المستوى نفسه من الأهمية، معرَّضة لخطر الضياع في خضم التنافس، قدرات بمنتهى الأهمية لصحة
أي ديمقراطية داخليًّا، ولخلق ثقافة لائقة للعالم، قادرة على مواجهة المشكلات الأشدّ ضغطًا. هذه
القدرات مرتبطة بالإنسانيات والفنون: القدرة على التفكير نقديًّا، والقدرة على التسامي عن الولاءات المحلية، ومقاربة مشكلات العالم من زاوية ‘مواطن العالم’، وأخيرًا، القدرة على تخيل مأزق الآخر
بتعاطف». يمكننا إعادة صياغة ما سبق على النحو التالي: إذا كان العلم والتكنولوجيا يوفران التقدم التقني للبشر، فإن الإنسانيات توفر لهم الحكمة اللازمة لإدارة شؤونهم. وعلى الرغم من المرافعات العديدة دفاعًا عن تعليم الإنسانيات في أميركا في وجه النزعات النيوليبرالية، فلا بد من الإشارة إلى الموقع المرموق الذي ما زالت تحتله الإنسانيات في الدول المتقدمة، وهو الذي تظهره مبيِّنات عدة؛ أبرزها: • أن تعليم الإنسانيات في الجامعات تحميه أنظمة ضمان الجودة في أوروبا، والاعتماد في الولايات المتحدة الأميركية. • أن هناك جامعات نخب في أوروبا وأميركا الشمالية واليابان، ومعدلات القبول فيها أعلى من سائر الجامعات، وهذا ينطبق على العلوم والإنسانيات. وتزود جامعات النخب هذه المجتمع بقيادات من المستوى العالي، فكرية وسياسية وقانونية واقتصادية وتربوية وغيرها، من حمَلة الشهادات في العلوم
(43) Frank Donoghue, The Last Professors: The Corporate University and the Fate of the Humanities (New York: Fordham University Press, 2008). (44) Martha Craven Nussbaum, Not for Profit: Why Democracy Needs the Humanities (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2010), p. 7.
الإنسانية. بمعنى آخر، إن ترتيب النخب في طبقات في هذه البلدان مبنيّ على الجامعات ورأس المال
الاجتماعي، لا على الاختصاص. • أن خريجي العلوم البحتة والتطبيقية (المهنية) يتابعون، منذ السنة الأولى في الجامعة، مقررات في العلوم الإنسانية، من باب ما يسمَّى «متطلبات الجامعة». ويصح هذا بصورة خاصة على الجامعات
الأميركية والإنكليزية والمدارس العليا الفرنسية (التي تكوِّن النخب العليا). • أن مراكز البحوث الوطنية تغطي حقلَي المعرفة العلمي، والإنساني. ومن ذلك: المركز الوطني للبحوث في فرنسا CNRS، والوقف الوطني للإنسانيات the for Endowment National Humanities في الولايات المتحدة، ومجلس البحث في الفنون والإنسانيات Humanities and Arts AHRC – Council Research في المملكة المتحدة. وبينما تموِّل الشركات الكبرى مشاريع البحث
في العلوم البحتة والتطبيقية في الولايات المتحدة، فهناك كثير من المؤسسات Foundations والأوقاف Endowments والمستوعبات أو المراكز الفكرية Tanks Think التي تموِّل البحوث
الإنسانية والاجتماعية أو تجريها في هذه البلاد، وتصدر التقارير ذات الطابع الوطني في شؤون الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية، كما تدعم بحوثًا إنسانية واجتماعية في بلدان أخرى. وهذه الدراسات والتقارير لها أثر في السياسات واتجاهات الرأي العام، وكثيرًا ما تبوّأ أصحابها مراكز القرار
في قطاعات مختلفة، ومنها أجهزة الدولة. • أن دولً متقدمة كثيرة تطلق سياسات ومشاريع، وتضع تقارير وطنية يُقصَد منها دعم الإنسانيات في
مجابهة قوة السوق. وهذا ما شهدته إيرلندا مثلً ودول آسيوية.
2. تهميش منتظم للإنسانيات في الجامعات العربية
يختلف وضع الإنسانيات في البلدان العربية عن نظيره في البلدان المتقدمة. تهميش الإنسانيات في الجامعات العربية أمر بنيوي أو منتظم Systematic، كما تدل عليه مبيِّنات، أهمّها: • غياب جامعات النخب العليا التي تضم جميع الاختصاصات، بل إن النخب فيها هي نخب تخصصات. في بلد مثل مصر، أو غيره من البلدان التي يجري فيها انتقاء الطلاب بطريقة مركزية (كتونس، وسورية، والعراق، والجزائر، والمغرب) تكون معدلات القبول مرتفعة في الاختصاصات العلمية والتطبيقية (كالطب، والهندسة)، وتصل إلى ما فوق 95 في المئة، وتهبط في الفروع الإنسانية إلى ما دون 80 في المئة أو حتى 07 في المئة. وتنطبق قاعدة الترحيل Relegation هذه على جميع الجامعات الحكومية في البلد المعني من دون استثناء.
(45) Royal Irish Academy, Advancing Humanities and Social Sciences Research in Ireland (Dublin: 2007), accessed on 19/9/2018, at: https://goo.gl/uDfdqV (46) Philipp Altbach, «The Humanities and Social Sciences in Asia: Endangered Species?» International Higher Education , no. 52 (Summer 2008), p. 4–6.
• أن معدل الكليات الإنسانية والاجتماعية يمثّل نحو 45 في المئة من مجموع الكليات في الجامعات الحكومية العربية، وأن البرامج الإنسانية المتوافرة في هذه الكليات تمثّل نحو 01 في المئة فقط من مجموع برامج هذه الجامعات، لكن هذه البرامج تستقبل 65 في المئة على الأقل من الطلاب فيها. ولا تصل الجامعات إلى هذه النتيجة بإرادتها (فليست هي التي تختار طلابها)، ولكن بامتثالها للقرارات المركزية. وتلبية لهذه القرارات، ترتفع كثافة الطلاب في الفصول بصورة تفوق الحدود المقبولة بكثير، بينما لا تسمح الموارد المالية المتاحة بتحسين ظروف التعليم، ولا تكون هيئات ضمان الجودة الوطنية معنية بهذا الموضوع، وخصوصًا أن هذه الهيئات تابعة للسلطة المركزية نفسها التي تقرر
الموارد المالية للجامعات، وتقرر أعداد الطلاب فيها وتوزيعهم على الاختصاصات. • أنه عندما قررت بعض الحكومات العربية «تحسين النوعية» في جامعاتها بطريق الظهور في تصنيفات شانغهاي وغيرها، فإنها، إضافة إلى العقود الخارجية، وفَّرت الموارد المالية والحوافز المادية لأساتذة الأقسام العلمية من أجل النشر في الخارج، ولم تمثّل الاختصاصات الإنسانية يومًا
موضوع اهتمام مماثل. • أن شروط الترقية في الاختصاصات العلمية تتضمن النشر في الخارج، في المجلات المسمّاة
«دولية»، في حين أن هذا الشرط ليس قائمًا في تقييم الملفات العلمية لأساتذة الإنسانيات الذين
ينشرون محليًّا. ويخضع النشر محليًّا لضغوط الحكامة الامتثالية، ومجاملات الزمالة؛ إذ تنشر كل كلية
لأهلها، وحيث تقوم التقاليد البحثية المحلية على اعتبارات شكلية. • وجود ثقافة منتشرة في المجتمع ولدى أهل الحكم، بأن الإنسانيات هي معرفة «من الدرجة العاشرة». ربما يعزى ذلك إلى قوة الثقافة الدينية، أو الحزبية، أو العسكرية، أو القبلية، بحسب البلد، أو كلها مجتمعة. وعندما يجتمع وزراء التعليم العالي العرب ليبحثوا أمور «التعليم العالي والبحث العلمي لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين»، مثلً، ويتكلمون عن «العقول العربية» و«العلماء العرب» و«دعم البحث العلمي» فإنهم يقصدون العلوم البحتة أو الصلبة. ومن أصل عشرة مؤتمرات عقدها هؤلاء الوزراء، لم يَرِد تعبير العلوم الإنسانية والاجتماعية إلا
مرة واحدة، في سياق الكلام عن الهوية. وعندما تُقرِّر حكومة أن تنظر في إصلاح التعليم مثلً،
فإنها تفضل الإصغاء إلى «الخبراء الأجانب» أو قراءة تقاريرهم، ولا تنتظر شيئًا من الجامعات ومراكز البحوث المحلية. وفي هذا السياق تُخصَّص الأوقاف لإنشاء الجوامع والمساجد، ولإنشاء
المدارس بقدر أقل، ونادرًا ما تُخصَّص لتمويل البحث في العلوم الإنسانية. التفكير الديني والحزبي
من جهة، والتفكير العلم – اجتماعي من جهة أخرى لا يلتقيان. وإذا قامت جهات خارجية بتمويل جمعيات محلية ومشاريع بحثية إنسانية واجتماعية فإنها تُرمَى بحجارة التكفير والعمالة للخارج.
(4((عدنان الأمين، «الاتجاهات البحثية في المقالات العربية في موضوع الإنصاف في التعليم»، مجلة إضافات، قيد النشر (4((عدنان الأمين، «التعليم العالي في البلدان العربية»، في: مجموعة مؤلفين، التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية (بيروت: مؤسسة الفكر العربي، 0082)، ص.114–113
أما مراكز البحوث الوطنية، فإما أن تكون للعلوم البحتة فقط، وإما أن تكون للإنسانيات وإنما ضمن الموضوعات والمقاربات التي تقبلها السلطة «من فوق» و«من تحت». • أن نظم التعليم في عديد الجامعات الحكومية العربية ما زالت تقوم على الفصل التام بين الاختصاصات، على طريقة النظام الفرنسي القديم؛ إذ لا يتابع طلاب العلوم البحتة والتطبيقية أي مقرر في العلوم الإنسانية والاجتماعية. وإذا ما حصل شيء من هذا القبيل، كما في دول الخليج، فتكون المقررات الإنسانية متعلقة بالهوية (الوطنية والدينية)، لا بالنظريات الفكرية التي هي جوهر العلوم الإنسانية. لا تقتصر المشكلة الناجمة عن هذه الطبقية بين العلوم والإنسانيات في البلدان العربية على تهميش الإنسانيات، ولكنها مشكلة مزدوجة، تشمل أهل الإنسانيات وأهل العلوم على السواء، ويجب البحث عن نتائجها في المجتمع عامة، وبصورة محددة في نخبه. أما من جهة النخب العلمية المرموقة، فهي تكون مؤهلة لممارسة المهن التي أعِدت لها، ولكنها تفتقد الخلفية الفكرية الدنيا التي تسمح لها بالقيادة في المجتمع. ثم إن تكوينها استنادًا إلى قالب صح – خطأ يجعلها أقرب إلى تصديق أصحاب هذا القالب في المجتمع والسير وراءهم: رجال الدين، ورجال الأمن، ورجال السياسة. وأما من جهة النخب الإنسانية، غير المرموقة، أو التي هي من الطبقة «العاشرة»، فإن تعرُّضها لتعليم
ذي نوعية متدنية يجعلها غير مؤهلة للقيادة والتغيير في المجتمع أيضًا، بسبب محدودية الرصيدين المعرفي والاجتماعي اللذين تتمتع بهما. بل تتركز هواجس أهل الإنسانيات على كسب الاعتراف بهم اجتماعيًّا ووظيفيًّا من أصحاب السلطة. وفي هذه الشروط، وبسبب اختصاصاتهم، يكونون مؤهلين
لأداء دور وكلاء التنشئة الاجتماعية، في المدارس والإعلام والإدارات العامة والمساجد والكنائس وأحزاب السلطة، ويكونون معادين لأي تغيير اجتماعي. وأما قيادات الجامعات العربية، كما بيَّنه تحليل خطابها، فيبدو أنها لا تدرك بالأصل وظيفة تعليم
الإنسانيات في المجتمع، أو لا «تراها»، لأنها تَعُدّها في قرارة نفسها استمرارًا للتنشئة التي بدأت في التعليم العام، وترى أن التغيير الاجتماعي يحدث فقط بطريق العلوم والتكنولوجيا.
خلاصة ومناقشة
حاولت هذه الورقة فحص الوظيفة الاجتماعية للجامعات في البلدان العربية، بحثًا عن التنشئة والتغيير الاجتماعي. وبيَّنت أن النماذج التي صُنِّفت على أساسها الجامعات، أي النموذج الهامبولتي،
والنموذج النابوليوني، والنموذج التسييري، والنموذج الموجه نحو السوق، لا تصلح للإحاطة بحكامة الجامعات الحكومية العربية التي يلائمها نموذج لم يأتِ على ذكره الباحثون في حكامة التعليم العالي،
((4(ملكاوي؛ Shattock White; & O’Connor Vögtle; & Knill.Dobbins,
يمكننا تسميته «النموذج السياسي». في هذا النموذج تُمسِك الجهة السياسية الحاكمة (وليس الدولة كما في النموذج النابوليوني) بزمام الأمور في تعيين القيادات الجامعية، وتمنع الحريات الأكاديمية، وتمارس الرقابة، عبر القيادات أو عبر الأجهزة الأمنية، على كل نشاطات الجامعة وثقافتها. كما بيَّنت أن الحكامة تكون امتثالية في هذا النموذج، ما يعني أن عدم صدور تقارير عن قمع الحريات
الأكاديمية لا يعني وجود هذه الحريات؛ فالامتثالية تقوم على الرقابة الذاتية، وعلى عدم «رؤية» موضوع اسمه الحريات الأكاديمية بالأصل. وقد ظهرت البيِّنات على ذلك من ضعف الثقافة المدنية
في خطاب القيادات الجامعية ووثائقها الرئيسة في مسائل مثل الديمقراطية، وثقافة القانون، والالتزام المدني، والإنسانيات، وبيداغوجيا التقصي والمناقشة. بيَّنت الورقة، أخيرًا، أن هناك تراتبية في الجامعات العربية بين العلوم والتكنولوجيا، بوصفها طبقة «أولى»،
والعلوم الإنسانية والاجتماعية بوصفها طبقة «عاشرة». هذه التراتبية أعطاها الدارسون والمسؤولون الحكوميون وجملة الرأي العام نوعًا من الشرعية، أو القالب الذي لا فكاك منه. وهي لم تكن موضوع مساءلة في أي تقرير إقليمي أو عربي أو سياسة معلنة أو مشاريع مقررة. بل إن الإنسانيات ما زالت منطقة خطر في النموذج السياسي. لذلك، تعمل القيادات السياسية والجامعية على ربط الأبحاث والتعليم في العلوم والتكنولوجيا بالخارج، تمويلً ونشرًا وتقييمًا، في حين تعتبر ذلك محظورًا في العلوم
الإنسانية. إن تهميش الإنسانيات ومراقبتها خشية ظهور الأفكار «الشريرة» فيها، وإبعادها عن أهل المعارف «النبيلة» (العلوم والتكنولوجيا)، يفضيان إلى تردِّي نوعية التعليم والبحث فيها. في الوقت نفسه، يعتمد النظام السياسي خريجي هذه الاختصاصات تحديدًا، بوصفهم وكلاء للتنشئة الاجتماعية، في المدارس والإدارات العامة ووسائل الإعلام والمساجد... إلخ. لذلك، عندما يتخرج الطلاب، ويغادرون عمر الشباب الذي هو عمر التمرد الذي لم يمارسوه فيه، يصبحون دعاة مغالين في الامتثالية. وبما أن التغيير الاجتماعي تراهن فيه القيادات السياسية والاجتماعية على العلوم والتكنولوجيا، وبما أن هذا الأمر غير حاصل، فإن الجامعة العربية «النموذجية» تكتفي بدورين؛ أولهما هو التنشئة، من أجل تأمين النظام الاجتماعي Order Social، والثاني هو تزويد المجتمع بالقوى العاملة (على طريقة المعاهد التقنية). وكأن التغير أو التقدم الاجتماعي لا شأن للجامعة به. ما سبق استخلاصه مبنيّ على الجامعات الحكومية ويصح عليها بالدرجة الأولى. وعلى كل حال،
فهذه الجامعات هي الجسم الأعظم للتعليم العالي عندنا (في مصر، يمثّل طلاب هذه الجامعات 97 في المئة من مجموع طلاب الجامعة)، والجامعات الحكومية هي التي توفر معظم برامج الإنسانيات، وتستقبل الحجم الأكبر من طلاب الإنسانيات. وفي هذا السياق بيَّنت الورقة أن ما يشيع في الأدبيات
العربية اليسارية حول سيطرة النيوليبرالية على التعليم العالي لا ينطبق على جامعات بلداننا، بسبب سيطرة النموذج السياسي على الجامعات الحكومية، ولو كانت هناك مظاهر نيوليبرالية فيها (مثل التعليم الموازي المدفوع، كما في الأردن ومصر). وهكذا، يجب البحث عن النموذج التجاري والنيوليبرالية في القطاع الخاص.
لكن القطاع الخاص نفسه ليس متجانسًا. قد يصح النموذج التجاري على الجامعات والمعاهد الخاصة في البلدان التي تجنبت من الأصل النموذج الأهلي خوفًا من «لبْنَنته»، كما قيل يومًا، مثل مصر
وسورية والأردن ودول الخليج وبلدان شمال أفريقيا. لكن هناك النموذج الأهلي الذي نجده في لبنان والسعودية والسودان ومصر أيضًا (الأزهر). وهناك الجامعات التي نشأت بالتعاون مع دول أخرى، كالجامعة الروسية، والجامعة الألمانية، والجامعة الفرنسية (في مصر والأردن). وهناك المؤسسات التي هي فروع لجامعات عالمية في بعض دول الخليج. وهناك الجامعات الأميركية التي تمثِّل النموذج، أي التي تهتم كثيرًا بالآداب الحرة Arts Liberal وتعتمد الحكامة التسييرية. جميع هذه الأنواع من
الجامعات لا ينطبق عليها القالب التجاري، وهي تعلِّم الإنسانيات. ربما يجب التفتيش عن جذور النموذج السياسي في الجامعات العربية في تاريخ الجامعات نفسها، وقد جرى التفتيش فعلً عن هذه الجذور في كتاب عنوانه سيرة عشر جامعات عربية حكومية. لكن البحث في طبيعة هذا النموذج وتطوراته واختلافات مظاهره بين البلدان ما زال مفتوحًا، مثلما أنه ما زال مفتوحًا البحث عن المزيج القائم بين النماذج الثلاثة المتوافرة في العالم العربي: السياسي، والتسييري، والنيوليبرالي. والجوانب الأشدّ غموضًا وحاجة إلى كشف وقائعها تتعلق بالأدوار الاجتماعية التي تقوم بها النخب التي تكوِّنها هذه النماذج.
المراجع
References
العربية
أبو شديد، كمال. «بيداغوجيا التقصي والمداولة في التعليم العالي في المنطقة العربية». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء.)2017 الأمين، عدنان. «ثقافة القانون في الجامعات العربية». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 –شتاء.)2017 ________. «الاتجاهات البحثية في المقالات العربية في موضوع الإنصاف في التعليم». مجلة إضافات. قيد النشر 2).018(جوني، غادة. «الالتزام المدني في الجامعات العربية». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء.)2017 حلواني، فادية المليح. «الحرية الأكاديمية والتعليم العالي في سورية: تاريخ – مقومات – واقع – آفاق». مجلة جامعة دمشق للآداب والعلوم الإنسانية. مج 9.2 العدد 4–3.)2013(
(50) Rasmus Bertelsen, «The Effect of Public and Private Decisions on University Governance on the Transnational Relations of American–Associated Universities in the Middle East,» Revue des Mondes Musulmans et de la Méditerrané , no. 131 (Juin 2012), pp. 45–63.
(5((مجموعة مؤلفين، سير عشر جامعات حكومية عربية.
السعيداني، منير. «الديمقراطية في الجامعات العربية». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء.)2017 عبد الله، خالد عبد الفتاح. «تعليم الإنسانيات والعلوم الاجتماعية في خطاب الجامعات العربية ومقرراتها». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء.)2017 عدلي، هويدا. «قيمة المواطنة لدى الجامعات العربية». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء.)2017 عريفة، علي. «مدى التزام الجامعات العربية بخدمة المجتمع: تقييم سجلات الجامعات المتاحة للجمهور». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء.)2017 القابسي منصف. «النقابات في الوطن العربي بين مقاومة الفقر والثورة: قراءة تحليلية وتقويمية لتجربة الاتحاد العام التونسي للشغل.» مجلة الدفاع الوطني اللبناني. العدد 2).015(94 مجموعة مؤلفين. التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية. بيروت: مؤسسة الفكر العربي،.2008 مجموعة مؤلفين. سير عشر جامعات حكومية عربية. تحرير عدنان الأمين. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 مجموعة مؤلفين. الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية. إشراف وتحرير نظام عساف. الكتاب الثالث. عمان: مركز عمان لدراسات حقوق الإنسان،.2006 ملكاوي، أسماء حسين. «فكرة الجامعة عند هابرماس: نظرية الفعل التواصلي وإصلاح الجامعات». مجلة إضافات. العددان 37–36 (خريف 0162 – شتاء.)2017 نوفل، نبيل. «الحرية الأكاديمية بين النظرية والتطبيق: قراءة في الواقع المصري». ورقة غير منشورة. هيومن رايتس ووتش. القراءة بين الخطوط الحمراء: قمع الحرية الأكاديمية في الجامعات المصرية. حزيران/ يونيو 005:.2 في MOAFKR /2 ly. bit:// https
الأجنبية
Altbach, Philipp. «The Humanities and Social Sciences in Asia: Endangered Species?.» International Higher Education. no. 52 (Summer 2008). Bertelsen, Rasmus. «The Effect of Public and Private Decisions on University Governance on the Transnational Relations of American–Associated Universities in the Middle East.» Revue des Mondes Musulmans et de la Méditerrané. no. 131 (Juin
Chiang, Li–Chuan. «The Relationship between University Autonomy and Funding in England and Taiwan.» Higher Education. vol. 48. no. 2 (2004). Chomsky, Noam. «The Death of American Universities.» Jacobin. 3/3/2014. at: https:// goo.gl/BYOcVF
Dobbins, Michael, Christoph Knill & Eva Maria Vögtle. «An Analytical Framework for the Cross–Country Comparison of Higher Education Governance.» Higher Education. vol. 62. no. 5 (2011). Donoghue, Frank. The Last Professors: The Corporate University and the Fate of the Humanities. New York: Fordham University Press, 2008. Downs, Donald A. «Civic Education versus Civic Engagement.» Academic Questions. vol. 25. no. 3 (2012). Ehrlich, Thomas. (ed.). Civic Responsibility and Higher Education. Phoenix, AZ: American Council of Education and the Oryx Press, 2000. Gutmann, Amy. Democratic Education. Princeton, NJ: Princeton University Press,
Krieger, Zvika. «Saudi Arabia Puts its Billions behind Western–Style Higher Education.» Chronicle of Higher Education. vol. 54. no. 3 (September 2007). Le Feuvre, Nicky & Milka Metso. The Impact of the Relationship between the State and the Higher Education and Research Sector on Interdisciplinarity in Eight European Countries. Toulouse: 2005. Magalhães, Antonio et al. «Creating a Common Grammar for European Higher Education Governance.» Higher Education. vol. 65. no.1 (2013). Middlehurst, Robin. «Changing Internal Governance: Are Leadership Roles and Management Structures in United Kingdom Universities Fit for the Future?.» Higher Education Quarterly. vol. 67. no. 3 (2013). Nussbaum, Martha Craven. Not for Profit: Why Democracy Needs the Humanities. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2010. O’Connor, Pat & Kate White. «Similarities and Differences in Collegiality/ Managerialism in Irish and Australian Universities.» Gender & Education. vol. 23. no. 7 (December 2011). Rizzo, Helen, Abdel–Hamid Abdel–Latif & Katherine Meyer. «The Relationship between Gender Equality and Democracy: A Comparison of Arab Versus Non–Arab Muslim Societies.» Sociology. vol. 41. no. 6 (2007). Royal Irish Academy. Advancing Humanities and Social Sciences Research in Ireland. Dublin: 2007. Shattock, Michael. «University Governance, Leadership and Management in a Decade of Diversification and Uncertainty.» Higher Education Quarterly. vol. 67. no. 3 (2013). White, Morgan. «Higher Education and Problems of Citizenship Formation.» Journal of Philosophy of Education. vol. 47. no. 1 (2013). Yokoyama, Keiko. «Entrepreneurialism in Japanese and UK Universities: Governance, Management, Leadership, and Funding.» Higher Education. vol. 52. no. 3 (2006).