العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المغرب النباتي: القرون الـ 15-18، التاريخ والبيولوجيا

المغرب النباتي: القرون الـ 15-18، التاريخ والبيولوجيا

Vegetarian Morocco: 15 th –18 th Century, History and Biology

محمد مزيان | Mohammed Meziane *

الملخّص

عنوان الكتاب الأصلي : Le Maroc Végétarien: 15 ème -18 ème Siècles Histoire et Biologie, Histoire et Biologie . المؤلف : محمد حبيدة. الناشر : منشورات ملتقى الطرق، الدار البيضاء. سنة النشر : 2018. عدد الصفحات : 200 صفحة.

Abstract

Assistant Professor, specialized in Contemporary History at Faculty of Humanities and Literature, Kenitra.

الكلمات المفتاحية:
  • المغرب النباتي
  • البيولوجيا
  • التاريخ
Keywords:
  • Vegetarian Morocco
  • History
  • Biology

عنوان الكتاب الأصلي:

المؤلف:

محمد حبيدة. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

002 صفحة.

Le Maroc Végétarien: 15 ème –18 ème Siècles Histoire et Biologie, Histoire et Biologie

منشورات ملتقى الطرق، الدار البيضاء.

هذا الكتاب هو عمل جديد قديم (فقد صدرت النسخة باللغة الفرنسية سنة 0082 عن دار ولّدة) ولقي ترحيبًا واستحسانًا

من الباحثين والمهتمين والمشتغلين بالمجال التاريخي والسوسيولوجي والأنثروبولوجي، ثم أعاد المؤلف صياغته باللغة العربية؛ ليمنحه حياة جديدة وليوسع من دائرة قرائه. تتقاطع، في هذا العمل، تخصصات متعددة، رغم انتماء صاحبه إلى حقل التاريخ، فهو أستاذ التاريخ الاجتماعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في القنيطرة، وأستاذ زائر بجامعة فرانسوا رابلي، في تور بفرنسا (موسم 0122)، وله مؤلفات عدة في مسائل كتابة التاريخ. هذا الكتاب مُهدى إلى أجيال من المغاربة

الذين ترعرعوا على مكونين أساسيين هما الخبز والزيتون، ويحمل دلالات رمزية وإشارات إلى طبيعة المجتمع المغربي في مرحلة طويلة من تاريخه، وهو إهداء إلى المهمّشين أو الفاعلين

في التاريخ من أسفل. جاء الكتاب في طبعة أنيقة من الحجم المتوسط، تمثّل صورة غلافه منظرًا لمشهد زراعي للفنان

المغربي محمد كريفلة. أما متنه فقد قُسِّم إلى

خمسة فصول مسبوقة بمقدمة، ومذيّلة بخاتمة

وسَمها الكاتب بآفاق، يهدف من ورائها إلى فتح

آفاقٍ جديدة للبحث في هذا المجال، كما تضمّن

الكتاب لائحة بيبليوغرافية موسعة ومتخصصة، وشرحًا قاموسيًا ووظيفيًا للمصطلحات الدارجة

الموظفة، ثم ملحقًا تضمن 52 نصًا مرتبطًا بالزراعة والأغذية، ومقتبسًا من مصادر مغربية وأجنبية.

قدّم لهذا العمل الأستاذ عبد الأحد السبتي الذي اعتبره مساهمة ثمينة في ورشات تاريخ الأغذية في المغرب؛ لما يتيحه من إمكان الاهتمام بتاريخ

الحياة اليومية أو ما يصطلح على تسميته ب «الثقافة المادية». تنضبط مراجعتنا هذه وفق تقسيم منهجي، نبحث في المحور الأول بنية الكتاب ومضامينه، ونبرز في المحور الثاني مجموعة من القضايا المنهجية والمعرفية.

أولا: تاريخ التغذية وتقنيات المائدة وعادات الأكل بالمغرب

بتحليل بنية العنوان، يظهر أن العنوان الرئيس «المغرب النباتي» لا يبوح بجميع مكنوناته، ولا يوضح للقارئ موضوع الكتاب، لهذا وظّف المؤلف عنوانًا فرعيًا هو «الزراعة والأغذية

قبل الاستعمار» لتوضيح أن الأمر يتعلق بتاريخ الأغذية بالمغرب وبتمثّل المغاربة طقس الأكل وعاداته اليومية والموسمية، لذا فهو يندرج ضمن الأنثروبولوجيا التاريخية، التي يعتبرها أندري بورغيار تحديثًا للتسمية القديمة «تاريخ العادات». وتعرف الأنثروبولوجيا التاريخية بأنها تاريخ للعادات: عادات فيسيولوجية وحركية غذائية وعاطفية وذهنية. كما يعتبر بورغيار التغذية ظاهرة ثقافية واقتصادية تبرز عبر تطور محكوم مباشرة بتغيير في التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، علاوة على ذلك، فهي مؤشر بارز على مستوى المعيشة. إذًا، هذه هي الأرضية التي انطلق منها المؤلف ليوضح عبر ثنايا كتابه تاريخ التغذية في المغرب قبل الاستعمار. يغطي الكتاب فترة زمنية تقارب ثلاثة قرون، وسمها المؤلف بحقبة «ما قبل الاستعمار».

(((أندري بورغيار، «الأنثروبولوجيا التاريخية»، في: جاك

لوغوف (مشرف)، التاريخ الجديد، ترجمة وتحقيق محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 0072)، ص.251–247

ويهدف من وراء هذا التحديد إلى إبراز طبيعة المجتمع المغربي قبل أن يصطدم بالتحديث الذي أدخلته الآلة الاستعمارية على البنيات الاجتماعية المغربية لتحدث تأثيرًا ثقافيًا واسعًا.

كما انطلق من مفهوم «ما قبل الاستعمار»، بوصفه صيغة تحقيبية إجرائية جديدة لتتبع بنيات المغرب العتيق ما بين «العصر الوسيط» والقرن التاسع عشر. وبذلك، فهو يندرج ضمن الزمن الطويل أو ما يسمى «العصور الوسطى الممتدة»؛ فمفهوم «ما قبل الاستعمار» يتسم بالتغير بحسب الموضوعات والإشكاليات. وتوظيف الكاتب له، في نظري، هو رغبته في الانفلات من مأزق التحقيب الكلاسيكي وضغطه، والذي يُعتبر غير إجرائي تمامًا، وفي الآن نفسه، ليظل وفيًا

لمنهجه ورؤيته التاريخية التي تنهل من مناهج مدرسة الحوليات، وهي مسألة تُظهر وضوح رؤاه المنهجية وخطه التحريري الذي أوضحه في كتاباته السابقة الذكر، بحيث سمح له هذا المفهوم بالتعامل بمرونة مع الزمن الذي أخضعه للمفهوم البروديلي ومكّنه من دراسة العادات والسلوكيات الغذائية للمجتمع في فترات طويلة من تاريخه. يطرح اعتماد المؤلف على مفهوم «ما قبل الاستعمار» إشكاليات منهجية حول مدى ملاءمة التحقيب التاريخي الكلاسيكي للتاريخ المغربي،

(((محمد حبيدة، بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات (الرباط: دار الأمان، 0152)، ص.31–19 (((اعتمد المؤرخ فرناند بروديل تقسيمًا ثلاثيًا للزمن التاريخي:

الزمن الحدثي، والزمن الدوري، والزمن الطويل المدى، وهو الذي ينسجم مع دراسة البنيات الاقتصادية والاجتماعية والإيكولوجية والتقنية، ويتميز بتغيره البطيء، انظر:

Fernand Braudel, La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II (Paris: Armand Colin, 1990).

فالمسألة تحتاج إلى تعميق النقاش حولها أكثر؛ من أجل إيجاد تحقيب بديل يتماشى وطبيعة المجتمع المغربي وسيرورته التاريخية.

1. بنية الكتاب

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول، عُنْوِن أولها ب: «الإنتاجات النباتية»، مشيرًا إلى أن المجتمع

المغربي، قبل الاستعمار، كان مجتمعًا زراعيًا، إذ

مثّلت الزراعة مشهدًا رئيسًا في البوادي والمدن التي احتضنت بساتين كثيرة، لذلك مثّلت الأرض أساس الإنتاج الذي اتسم بعدم الاستقرار، ويُرجع الكاتب ذلك إلى أن المجتمع المغربي عانى سلسلتين مترابطتين من الأزمات البنيوية، تتكون السلسلة الأولى من: • نظام ديموغرافي يعرف تعاقب فترات «التراجع المباغت»، ومراحل «النمو البطيء» ما يؤدي إلى تجدد ضعيف للأجيال. • عتاقة الوسائل والأدوات الزراعية، وجميع مراحل العملية الإنتاجية ووسائلها. • هيمنة المِلكيات الصغيرة، وتركّز المِلكيات الكبيرة في يد موظفي المخزن، وشيوخ الزوايا وكبار التجار الذين يديرونها بواسطة مزارعين في إطار شركات الخمّاسة. أما السلسلة الثانية من الأزمات البنيوية فتتلخص في نمط الاستغلال الزراعي وطريقته، والاضطرابات والتمردات التي ميّزت فترات طويلة

من تاريخ المغرب، ثم النظام الجبائي الثقيل. كل هذه العوامل، أعاقت تطوير الإنتاج الزراعي،

(((نظام قائم على تفويض استغلال الأرض الفلاحية من طرف مالكها إلى الف حاا الذي يقوم بكل الأشغال مقابل خُمس

الإنتاج.

كما انقسمت الأراضي الزراعية في ذلك الوقت إلى مجالات بورية وأخرى سقوية، تنتج الأولى الشعير لأنه يستجيب لحاجات الإنسان والحيوان على السواء، كما تنتج القمح الذي اعتُبر رمز الثراء، فقيمته التجارية تعادل ضعف قيمة الشعير. أما الثانية، فهي المجالات السقوية التي كانت مخصصة لإنتاج أصناف زراعية عديدة كالدُخن والذرة البيضاء والعدس والخُضر والفواكه. كما احتلت البساتين المنتجة للخُضر والفواكه مساحة كبيرة من المجال الحضري. وفي الفصل الثاني الذي عنونه المؤلف ب: «الأطعمة اليومية»، فقد شرح فيه اعتماد المغاربة في مرحلة ما قبل الاستعمار على ثلاثية غذائية، تتكون من الخبز والكسكس واللحم. أما الخبز فميّز فيه المؤلف بين الخبز الأبيض الذي انتشر

استهلاكه في الحواضر، وكان مؤشرًا على التمايز

الاجتماعي، إذ تؤكد النصوص البيولوجية التي اعتمدها الكاتب أن الخبز الأبيض له وجهان: هو لذيذ، شهي، ولكنه فقير من حيث القيمة الغذائية، بسبب عملية الطحن والغربلة التي تقتل العنصر الحيوي في القمح المتمثل بطبقات الخلايا المحيطة بالحب، الغنية بالبروتينات والثيامين وفيتامين « 1 B »، وبين الخبز الأسود المكون من الشعير أو الدُخن أو من خليطهما، وهو غني بالبروتينات، وبالفوسفور، وبالماغنيسيوم، وبفيتامينَي « 1 B «» و 3 B »، وبالمواد السكرية، وخاصة النشويات والسيليلوز وحتى الكالسيوم. وقد استهلكه أهل البادية بأشكال مختلفة. أما الكسكس، فقد أظهرت الأبحاث الإثنوغرافية حضور «الكسكاس»، وهو الآنية الضرورية

(((انظر مثلً:

Louis Genevès, Biologie cellulaire (Paris: PUF, 1983).

لتحضير هذا الطعام، في مدافن رؤساء القبائل الأمازيغية منذ القرن الثالث. ويدعم المؤلف رؤيته بسرد مجموعة من النصوص التي تتحدث عن حضور الكُسكس في الموائد المغربية منذ القرن الثالث عشر. «ومنذ ذلك الحين لم يكف الكسكس عن إثارة اهتمام عشاق الطبخ، واكتساح الأذواق والسفر في الزمان والمكان» (ص. 66). في حين يتساءل المؤلف عن الحصة التي احتلها اللحم في النظام الغذائي المغربي، وعن أنواع اللحوم المُستهلكة وطريقة تحضيرها،

مستدلً على ذلك بثلاثة مؤشرات هي: أولً، المجازر، فقد وُجد بفاس في نهاية القرن السابع عشر نحو 501 مجزرة. ثانيًا، عيد الأضحى الذي

كان فرصة أمام المغاربة لاستهلاك اللحم بكثرة، وتظهر فيه عادات استهلاكية «موسمية». ثالثًا، عملية «الوزيعة» التي اتخذت شكلًاجتماعيًا

واقتصاديًا من أجل الحصول على نصيب من اللحم، وهذا يعني أن اللحم لم يكن في متناول الجميع الحصول عليه، في ظل اقتصاد القلة، بل كان دليلً على التراتبية المجتمعية. أما الفصل الثالث الذي جاء بعنوان «الأطعمة القحطية» فيرصد فيه المؤلف تكيّف العادات

الغذائية مع فترات القحط، حين يحاول الإجابة عن تساؤلاتٍ من قبيل: كيف لجأ الناس وقت الجوع إلى البراري للحصول على الطعام؟ وكيف اضطروا إلى العودة إلى نمط اقتصادي بدائي يعتمد على الالتقاط والقنص؟ من جانب آخر، يبرز المؤلف أن المبدأ البيولوجي القائل إن الطعام هو «كل مادة غير سامة قادرة على تلبية الحاجيات الغذائية للجسم، وهي

(((يتشارك مجموعة من الأفراد في شراء خروف أو عجل ثم يذبحونه ويوزعونه بينهم بالتساوي.

الحاجة إلى المادة، وإلى الحرارة، وإلى الطاقة» (ص. 88)، يصبح وظيفيًا حين يغيّر الناس عاداتهم

الاستهلاكية ويستهلكون البلوط واليرني والبقول هروبًا من المجاعة. ومن المثير كذلك في هذا

التحول، استهلاك لحم الآدمي في المجاعات التي تدوم أكثر من سنة، كما كان الحال في مجاعة (663–16611)، (ص 95. كما أفرزت) المجاعات أيضًا فوضى اجتماعية، كبيع الأطفال والدعارة والتفكك الأسري وتنامى دور الزوايا بوصفها مؤسسة دينية واجتماعية. ثم قارب المؤلف في الفصل الرابع المعنون ب «النباتات والتغذية» مسألة التوازن الغذائي الذي عرفه النظام الغذائي المغربي المرتكز بالأساس على الأغذية النباتية المتنوعة والقطاني، مثل: الحمص والعدس والفول، الغنية بالحديد وفيتامينات A« «» و 11 B «» و 22 B «» و 3 B »، وهو ما دفع الباحثين إلى نعتها ب «لحم الفقير». كما ساهمت الخضر الطرية في إغناء المائدة المتقشفة لتمنح الجسم الأملاح وفيتامينَي A« » و C« » وعنصر «الفينول»، والموجودة بكثرة في الثوم والبصل واللفت والجزر والقرع (ص. 08)1 كما أدّى الحليب أيضًا دورًا مكملً بفضل

ما يحتويه من «بروتين» و«ليسين». كما استُهلك السكر والعسل بوصفهما مصدرين للسكريات. وإن كان يبدو نقص هذا النظام الغذائي، فإن

(((تحتفظ كتب المناقب وتاريخ المغرب بمشاهد مؤلمة من هذا النوع، نذكر على سبيل المثال: عبد الله العياشي، «الإحياء والانتعاش في تراجم سادات زاوية آيت عياش»، مخطوط الخزانة الوطنية بالرباط رقم 4331، ص 58–2482، جاء فيه عن المجاعة الكبرى (663–16611) التي اضطر فيها الناس إلى أكل

كل ما وقعت عليه أيديهم: «[اشتد الجوع] إلى أن أُكلت في مدينة فاس لحوم الحمر الإنسية توزن جهارًا لاخفية، بل قد

أكلت فيها لحوم الآدميين» (ص 60 1)؛ وانظر أيضًا محمد

الضُعيف الرباطي، تاريخ الدولة السعيدة، تحقيق أحمد العماري (الرباط: دار المأثورات، 9861)، ص.32

رؤية الأمور من منظور علم الأحياء تغيّر هذا

التصور. ثم في الفصل الخامس المعنون ب «تراتبيات الموائد»، يربط المؤلف بين ما يأكله الناس في الأيام العادية والمناسبات الكبرى وأوقات الشدة بأشكال متعددة من أنساق القيم والتقاليد، مفسّرًا

التمايزات الاجتماعية والمجالية، إذ تنكشف العلاقة بين الأغذية وإيقاعات الفصول ووتيرة الحياة اليومية. كما تسير الطقوس الغذائية الاحتفالية في الاتجاه نفسه، مستنتجًا أن الناس لا

يأكلون لتلبية حاجاتهم البيولوجية فحسب، ولكن أيضًا استجابة لعاداتهم ودوافعهم السوسيو–ثقافية ولتأثير الوسط الاجتماعي.

2. ملاحظات بانورامية

ينطلق المؤلف من الزمن الراهن حين يشير إلى مشكلة الوفرة الغذائية في عالمنا المعاصر، وما تسببه من مشكلات وأزمات صحية دقت ناقوس الخطر، ونبّهت الباحثين وعلماء البيولوجيا

إلى ضرورة الأخذ بنمط غذائي صحي، يعتمد أساسًا على المنتوجات النباتية وتغيير المقاييس التقليدية، وعدم النظر إلى الأشياء من زاوية الرخاء والهشاشة، وإنما من خلال الفسيولوجيا البشرية. ثم ينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن خصائص الإنتاج النباتي بالمغرب، فيشير إلى علاقات الإنسان بالمجال بقسميه السقوي والبوري، ثم تقنيات الزراعة وأطر المعيش اليومي والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وكذا بين الشرائح الاجتماعية. أما موضوع التغذية، فيكشف عن تناقضات وتراتبية المجتمع، ويترجم بنياته السلوكية ورموزه الثقافية. يقول المؤلف: «إن الغذاء يعتبر مظهرًا

أساسيًا من مظاهر الهوية الثقافية، كما أن طبق

الكسكس ذاع صيته في أماكن متعددة واختلفت تهيئته من منطقة إلى أخرى ومن طبقة اجتماعية إلى أخرى. شكل هذا الطبق مرجعية ثقافية للمغاربة» (ص. 69)، فهو الطبق المفضل لديهم، وخاصة في الوجبة الرئيسة، ألا وهي وجبة العَشاء لأسباب اقتصادية واجتماعية، زد على ذلك، أن انتظام الوجبات اليومية الثلاث لم يكن في متناول الجميع، فقد كانت الحاجة الاجتماعية والاقتصادية محددة على نحو بعيد. نلامس عبر فصول هذا العمل محاولة إعادة رسم وتقديم للنظام الغذائي الذي ارتكز على الأشكال الزراعية المهيمنة وعلى العادات الاستهلاكية للفرد المغربي، والذي اعتمد أساسًا على ما

تجود به الأرض. تمكّن الكاتب من الغوص في ذهنية المغاربة من خلال نظرتهم إلى الأكل وإلى نظامهم الغذائي، فقد فكك بنياته ومكوناته التي اختلفت بحسب المناطق والفئات الاجتماعية، كما ارتبط بقوة الدولة وضعفها؛ فطبيعة النظام الجبائي مثلً أعاقت على نحوٍ ما تطور البنية الإنتاجية للاقتصاد الذي لم يتمكن من الاندماج في النظام الرأسمالي حتى بعد الحماية، إذ ظل الإنتاج يتسم بطابع القلة رغم خصوبة الأرض. لكن ونظرًا إلى عدة صعوبات لم تتحقق الوفرة،

ظل الاقتصاد المغربي قبل الاستعمار، كما يقول التوفيق، اقتصاد قلة لأنه كان دومًا على حافة المجاعة، وفي ضوء ذلك، يمكن فهم الدينامية الاجتماعية للمغرب. من القضايا التي يبرزها المؤلف قضية «الوزيعة» التي شملت الغنم والبقر على السواء، بوصفها شكلً من أشكال التضامن الاجتماعي، علاوة على دورها الاقتصادي، فقد نعتها جاك بيرك

بالمؤسسة الغنية من الناحية السوسيولوجية، إذ لم يكن باستطاعة جميع فئات المجتمع اقتناء اللحم، لهذا جرى اللجوء إلى هذه الصيغة التضامنية لتجاوز الحاجة وتدبير الواقع المتأزم. فاستهلاك اللحم كان رمزًا إلى التميز الطبقي؛ ذلك أنه أثّث مائدة خاصة الناس، أما عامتهم فقد ارتبط عندهم استهلاك اللحم بالمناسبات والأعياد والاحتفالات في الأرياف والمدن، ويزداد الأمر سوءًا وتفاقمًا بالواحات، لهذا وجب تحليل هذه

المسألة مع الأخذ في الاعتبار المراتب الاجتماعية والمناطق الجغرافية، وكذلك المناسبات. أما في أوقات المسغبة، فقد كان المغاربة يتحوَّلون من نباتيين إلى لاحمين، وهذه مفارقة في نظام الأكل عندهم إذ يأكلون مواشيهم الجائعة، ويتمردون على قواعد الشريعة بأكل لحم الخنزير ولحوم محظورة أخرى، وجدوا لها مسوغًا شرعيًا قرآنيًا؛

لأن المجاعات خلقت سلوكًا غذائيًا خاصًا بها،

وصل في بعض الأحيان إلى التخلي عن آداب الطعام وأكل ما هو غير اعتيادي. يشير المؤلف إلى العديد من الأغذية المفيدة للجسم التي تمده بالطاقة والفيتامينات والبروتينات، لكن الملاحظ أن الفرد المغربي تناول هذه الأطعمة من أجل سدّ الرمق والإفلات من المسغبة فحسب، حين تعامل معها وفق ما جادت به الطبيعة استنادًا إلى مبدأ الاستعاضة، لأننا سنجد أن سلوكيات الإنسان المغربي غالبًا

ما تتغير وتتكيف مع المحيط ومع ما تفرضه الظروف، فالسلوكيات الغذائية في أوقات الرخاء أو الأوقات العادية تختلف عنها في أوقات القحط، إذ يتحول الإنسان إلى نمط اقتصادي بدائي يعتمد على جمع الثمار البرية؛ تظهر فيها جميع أنواع البؤس الاجتماعي والأخلاقي.

عمومًا، تميّز الأكل المغربي بهيمنة البروتينات،

وبفضل هذا النظام الغذائي عاش المغاربة وضمنوا بقاء كيانهم البيو–كيميائي. ومن الغريب أن المغاربة أداروا ظهورهم للبحر ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى الغذائي، إذ كان استهلاك السمك لديهم ضعيفًا إن لم نقل منعدمًا، وخاصة في بعض القرى، إما لبعدهم عن الأنهار أو المراسي أو لدوافع سيكولوجية. أما في المدن، فقد اشتهرت بعض الأطباق مثل طبق سمك «الشابل» الذي كان يُعدّ

على نحو بارع، مُحلّى بالتمر والقرفة، وكان جزءًا

من التقاليد المطبخية في البيوتات الفاسية. كما تمكّنت الخاصة أيضًا من تقديم أطباق ذوقية استطاعت السفر عبر الزمن والمجال، وانتقلت خارج الحدود بواسطة قناصل الدول الأوروبية وتجارها الذين زاروا المغرب خلال الفترة التي يغطيها البحث. يقارن المؤلف بين ما ورد في المصادر وكتب النوازل الفقهيةوما توصلت إليه الأبحاث المخبرية حول البيولوجيا والتغذية، كأن يقارن، مثلً، بين ما ورد عند شارد كيزر في كتابه «الفيسيولوجيا»، وما جاء عند ابن خلدون (في القرن 41) مثلً في باب «في اختلاف أحوال العمران في الخصب والجوع وما ينشأ عن ذلك من آثار في أبدان البشر وأخلاقهم».

ثانيًا: في المنهج

العمل الذي بين أيدينا كبير الفائدة؛ لأن صاحبه يجسد رؤية مدرسة الحوليات في كتابة التاريخ، إذ يقول لوغوف: «دور التاريخ في نحت المشهد الطبيعي وأنظمة الزراعة، فالمزارع المغروسة

(((مثل: عبد القادر الفاسي، الأجوبة الكبرى، طبعة حجرية.

بالأشجار والمسيّجة ليست من إنتاج التربة وإنما

من إبداع الإنسان». من جانب آخر، ليس الماضي وثائق تتكلم وتنطق بذاتها فحسب، بل إنها أيضًا مشبعة بلغة الذاكرة، فهي تُستنطق وتُستقرأ لتصبح معطيات مفيدة لإعادة بناء الماضي، بما في ذلك ماضي الذاكرة. لهذا نستشفّ من صفحات هذا الكتاب تقاطعًا بين عدة تخصصات؛ فزيادة على التاريخ، ينفتح الكاتب على علم الاقتصاد، بدراسته مجموعة من البيانات حول وضعية التجارة عام 6717 مثلً، وصادرات القمح خلال سنة 4177 (ص. 54)، وكذا وضعية الأسواق خلال الأزمات أو الجفاف، والسوق السوداء، وأسعار المواد الغذائية التي تعرف ارتفاعًا إما بفعل الاحتكار أو الأزمة، غير أن هذه الأرقام لم تكن دقيقة وكافية تسمح بوضع تصور إحصائي واضح عن الوضعية الاقتصادية للمغرب خلال تلك الفترة. كما يوظف المؤلف علم الجغرافيا لتحديد الأماكن والمجالات الزراعية، وطبيعتها السقوية والبورية. ولم يخلُ هذا العمل أيضًا من الاستفادة من البيولوجيا لفهم التوازن الغذائي، وسوسيولوجيًا بربط ذلك بتمثلات المجتمع حول

الأكل والمتخيل الجماعي. أما على مستوى لائحة البيبليوغرافيا، فقد جال المؤلف ونقّب ورصد وحلل وفسّر كثيرًا

من الإشارات المتفرقة في متون المصادر والمراجع والمظانّ المتعددة والدراسات الفرنسية والإنكليزية والمغربية. فقد أورد الكاتب نصوصًا متعددة المشارب والتخصصات: نوازل فقهية واقتباسات أنثروبولوجية، ونتائج أبحاث

(((لوغوف، ص.79 (1((وجيه كوثراني، «التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية، دراسة نماذج: سايكس بيكو، الخلافة، ذاكرات طوائف لبنان»،

مجلة أسطور، العدد 4 (تموز/ يوليو 0162)، ص.14

بيولوجية، إضافة إلى أدب الرحلات. ولا يغفل المؤلف البعد التاريخي الذي ظل حاضرًا على

امتداد صفحات هذا العمل حين التقط إشارات تاريخية ما زال امتدادها حاضرًا إلى يومنا هذا. يساهم هذا الكتاب في إسقاط «الجدران العازلة التي تجاوزها الزمن» على حد تعبير لوسيان فيفر، محاولًالبحث في المكان وفي الحاضر عن بقايا ماضٍ دائم الحضور، ما مكّنه من تقديم قراءة تاريخية من زاوية مختلفة، زاوية البنية الطويلة الأمد، بعيدًا عن التحيزات السياسية والذاتية، متجاوزًا التاريخ السياسي والعلائقي للدولة المغربية، سواء في فترات ازدهارها أو انحطاطها، ومتجهًا صوب البحث في تاريخ المغرب اعتمادًا على تاريخ الأغذية والغذاء، وما يرافقها من إنتاج وإعداد وخزن وعادات استهلاكية ومزايا ذوقية. توصّل المؤلف إلى سيطرة نظام التغذية النباتي على المطبخ المغربي الذي ارتكز أساسًا على الحبوب والخضروات الطازجة والثمار، مطعّمًا بمنتوج الحليب ومشتقاته ليعوّض نقص الدهنيات «الإدام» الناتجة من ندرة استهلاك اللحوم التي اتخذت طابعًا احتفاليًا وموسميًا. ينبه المؤلف إلى ضرورة أخذ الحيطة في إطلاق أحكام متسرعة على طبيعة النظام الغذائي المغربي؛ لأن معايير التصنيف المعمول بها اليوم لم تكن متوافرة ومعروفة سابقًا، ثم إن كل ما توصّل إليه يبقى نسبيًا، وعليه تبدو حصص

الأكل وطبيعة النظام الغذائي النباتي بالأساس فقيرًا وناقصًا وهشًا. غير أن رؤية الأشياء من

منظور علم الأحياء تغيّر هذا التصور، فقد أثبتت

(((1 لوغوف، ص.84 (((1 المرجع نفسه، ص.247

التجارب المخبرية أن سلامة البدن تكمن في قلة الأكل، كما أن طبيعة الأكل ونوعيته تؤثران في نفسية الإنسان وطاقته وحيويته. من جانب آخر، يمكن الحديث عن ذاكرة مطبخية وثقافة المطبخ والأكل، ويستمد ذلك مشروعيته من الذاكرة الفردية والجماعية التي احتفظت بأنواع من القواعد والطقوس المؤسسة للمائدة المغربية والكيفية التي يُتناول بها الغذاء، فقد يصل إلى مرتبة التقديس «نعمة الله». كما سجّلت الذاكرة

مجموعة من الممارسات والعادات، وتظل بعض الأماكن شاهدة على ذلك، إذ يمكن اعتبارها أماكن للذاكرة – على حد تعبير بيير نورا – مثل «المطامير» التي اختلفت في شكلها وهندستها من منطقة إلى أخرى، لكن وظيفتها ظلّت واحدة وهي لتخزين الحبوب وحفظها آمادًا متوسطة أو طويلة بحسب الحاجة إليها.

خاتمة

يعكس المطبخ بنية مجتمع وتناقضاته، كما يبرز الغذاء بوصفه حاجة اجتماعية حين يطوّر

المجتمع ثقافته الخاصة به التي تقررها الغرائز البشرية والإرادة والمصير التاريخي والظروف الجغرافية والمناخ، وهو ما عمل المؤلف على إبرازه وتحليل منعطفاته. لهذا، فالعمل الذي بين أيدينا هو تجميع وتوليف للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي، اعتمادًا على البحث في تاريخ التغذية. إذ يمكن استثمار هذا الجهد الأكاديمي في مواضيع لا تقل أهمية؛ كالبحث في تاريخ العائلة المغربية التي ظلت غائبة عن مختبر البحث التاريخي، رغم أهميتها في فهم بنية المجتمع المغربي في فتراته التاريخية المختلفة وتفسيرها.

إذا كانت هذه وضعية المغرب ما قبل الاستعمار، فما وضعيته بعد الاستعمار؟ هل حصل تبدّل وتغيّر

أم ظل الأمر على حاله؟ هل حدثت رجّة زلزلت

بنيات المغرب وعاداته الغذائية والاستهلاكية؟ ألم تتأثر هذه العادات بتيارات الهجرة المتعددة التي

المراجع

العربية

حبيدة، محمد. بؤس التاريخ: مراجعات ومقاربات. الرباط: دار الأمان،.2015

بالرباط رقم.1433 الفاسي، عبد القادر. الأجوبة الكبرى. طبعة حجرية.

طوائف لبنان». مجلة أسطور. العدد 4 (تموز/ يوليو.)2016

الحميد هنية. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2007

الأجنبية

تقاطرت على المغرب، وبالروافد المتنوعة التي مثّلت الثقافة المادية المغربية؟ أسئلة كثيرة وغيرها يمكن أن تمثّل دروبًا بحثية مستقبلية وتطرق

مواضيع جديدة تزيد من وعينا ورؤيتنا للتاريخ المغربي بعيدًا عن الاجترار والتكرار.

References

________. المغرب النباتي: الزراعة والأغذية قبل الاستعمار. الدار البيضاء: منشورات ملتقى الطرق،

الرباطي، محمد الضُعيف. تاريخ الدولة السعيدة. تحقيق أحمد العماري. الرباط: دار المأثورات،

العياشي، عبد الله. «الإحياء والانتعاش في تراجم سادات زاوية آيت عياش». مخطوط الخزانة الوطنية

كوثراني، وجيه. «التاريخ والذاكرة والكتابة التاريخية، دراسة نماذج: سايكس بيكو، الخلافة، ذاكرات

لوغوف، جاك (مشرف). التاريخ الجديد. ترجمة وتحقيق محمد الطاهر المنصوري. مراجعة عبد

Braudel, Fernand. La Méditerranée et le monde méditerranéen à l’époque de Philippe II. Paris: Armand Colin, 1990. Genevès, Louis. Biologie cellulaire. Paris: PUF, 1983.