العودة إلى تفاصيل المؤلَّف هل تحكم تكنولوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار؟

هل تحكم تكنولوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار؟

Can Information Technology Bring Capitalism to an End? A treatment based on a Critical Analysis of Paul Mason’s Book: Postcapitalism

إبراهيم العيسوي | Ibrahim El–Issawy *

الملخّص

تسعى هذه الدراسة للتعرف إلى أثر تكنولوجيا المعلومات في مستقبل الرأسمالية، انطلاقًا من فحص الحجج التي قدمها بول ماسون في كتاب ما بعد الرأسمالية: دليل لمستقبلنا باعتباره أنموذجًا للتفكير في هذه المسألة. وتبدأ الدراسة بعرض أسس ادعاء أن الرأسمالية قد دخلت مرحلة الأفول، خاصة أنها تعاني تناقضًا جوهريًا بين نظام للسوق يقوم على الندرة واقتصاد قائم على المعلومات التي تتميز بالوفرة. وقد ناقشت الدراسة ما قدمه ماسون وآخرون من حجج وتنبؤات، وفحصت «الأنماط الجديدة للاقتصاد ما بعد الرأسمالي». وتبين أن المجال لم يزل رحبًا للتعايش السلمي بين الرأسمالية وتكنولوجيا المعلومات وما أفرزته من نماذج جديدة للأعمال. وهذا الاستنتاج لا ينفي أن للرأسمالية تناقضات جسيمة تهدد مستقبلها.

Abstract

Abstract: The aim of this article is to examine the consequences of information technology for the future of capitalism. Paul Mason’s book: Postcapitalism is taken as the paper’s point of departure because it represents the common thinking on this issue. The article starts by outlining the main arguments for Mason’s prediction of capitalism’s eclipse, especially the mismatch between a market system based on scarcity and an economy based on information which is abundant, and the accelerating exhaustion of capitalism’s capacity to adapt to InfoTech. Examination of these arguments and predictions, and of the nature of the «postcapitalist modes of production» that are said to be emerging within capitalism, showed that the scope is still wide for a peaceful coexistence between capitalism and InfoTech and the emerging business models. This conclusion does not negate the thesis that capitalism generates drastic contradictions which threaten its future.

الكلمات المفتاحية:
  • تكنولوجيا المعلومات
  • الاقتصاد التشاركي
  • ما بعد الرأسمالية
Keywords:
  • Capitalism
  • Information Technology
  • Sharing Economy
  • Post-Capitalism

Can Information Technology Bring Capitalism to an End? A treatment based on a Critical Analysis of Paul Mason’s

Book: Postcapitalism

ملخص: تسعى هذه الدراسة للتعرف إلى أثر تكنولوجيا المعلومات في مستقبل الرأسمالية،

انطلاقًا من فحص الحجج التي قدمها بول ماسون في كتاب ما بعد الرأسمالية: دليل لمستقبلنا باعتباره أنموذجًا للتفكير في هذه المسألة. وتبدأ الدراسة بعرض أسس ادعاء أن الرأسمالية

قد دخلت مرحلة الأفول، خاصة أنها تعاني تناقضًا جوهريًا بين نظام للسوق يقوم على الندرة

واقتصاد قائم على المعلومات التي تتميز بالوفرة. وقد ناقشت الدراسة ما قدمه ماسون وآخرون من حجج وتنبؤات، وفحصت «الأنماط الجديدة للاقتصاد ما بعد الرأسمالي». وتبين أن المجال لم يزل رحبًا للتعايش السلمي بين الرأسمالية وتكنولوجيا المعلومات وما أفرزته من نماذج جديدة

للأعمال. وهذا الاستنتاج لا ينفي أن للرأسمالية تناقضات جسيمة تهدد مستقبلها.

Abstract: The aim of this article is to examine the consequences of information technology for the future of capitalism. Paul Mason’s book: Postcapitalism is taken as the paper’s point of departure because it represents the common thinking on this issue. The article starts by outlining the main arguments for Mason’s prediction of capitalism’s eclipse, especially the mismatch between a market system based on scarcity and an economy based on information which is abundant, and the accelerating exhaustion of capitalism’s capacity to adapt to InfoTech. Examination of these arguments and predictions, and of the nature of the «postcapitalist modes of production» that are said to be emerging within capitalism, showed that the scope is still wide for a peaceful coexistence between capitalism and InfoTech and the emerging business models. This conclusion does not negate the thesis that capitalism generates drastic contradictions which threaten its future.

Emeritus Professor of Economics at the Institute of National Planning in Cairo. ​

شتاء   winter 2019

مقدمة

بعدما انتهيت من قراءة كتاب بول ماسون ما بعد الرأسمالية: دليل لمستقبلنا، قررت أن أكتب مراجعة للكتاب على النمط الموجز المعتاد. وعندما شرعت في الكتابة وجدت أنني في حاجة إلى قراءة ثانية للكتاب، بل إلى قراءة ثالثة لبعض أقسامه. وأثناء إعادة القراءة كنت أرجع إلى كتابات أخرى كثيرة ذات صلة بموضوع الكتاب وإلى بعض ما أثاره الكتاب ذاته من تعليقات، وذلك لاستيضاح بعض القضايا، وللتعرف على وجهات نظر مؤيدة أو معارضة لتحليلات الكتاب ونتائجه.

وأدركت حينئذ أن هذا الكتاب يحتاج إلى ما هو أوسع وأكثر تفصيلً من المراجعات المعتادة. ولا يرجع هذا فقط إلى كثرة ما تناوله الكتاب من قضايا وسعي المؤلف لتأسيس مقولاته وتنبؤاته على أساس من بعض نظريات تطور النظم الاجتماعية، واستنادًا إلى معرفته الواسعة بتطورات تكنولوجيا المعلومات،

ولا إلى ما أثارته هذه القضايا لدي من كمٍّ وفير من الملاحظات. بل إنه يرجع أيضًا إلى أن الكتاب

لا يقدم أفكارًا ينفرد بها مؤلفه، بل إنه يمثل نمط ا من أنماط التفكير في علاقة التطور التكنولوجي بتطور

النظم الاجتماعية يتشارك فيه مع كُتّاب آخرين بدرجة أو بأخرى. إن موضوع الكتاب هو المصير المتوقع للنظام الرأسمالي، وذلك بالنظر إلى ما يظهر فيه من مستحدثات تكنولوجية، ولا سيما تكنولوجيا المعلومات، وكذلك بالنظر إلى ما يعانيه من أزمات اقتصادية وتحديات اجتماعية وبيئية. وهو موضوع قديم وجديد في آن معًا. فقد توالى طرحه منذ الثورة الصناعية وما

صاحبها من مآسٍ اجتماعية وما تبعها من تقلبات وأزمات اقتصادية. كما أن الموضوع يطرح في كثير من الأوقات التي يتعرض فيها النظام الرأسمالي لأزمات حادة. وقد تناوله كتّاب ومعلقون وناشطون

سياسيون كثر، ذوو نزعات اقتصادية واجتماعية متنوعة. نذكر منهم الاشتراكيين المثاليين/ الطوباويين، والاشتراكيين الماركسيين، والتعاونيين، ودعاة الإصلاح الداعين إلى اقتصاد سوق اجتماعي والداعين

إلى دولة الرعاية الاجتماعية State Welfare المعروفة خطأً ب «دولة الرفاه»، أو إلى الديمقراطية الاجتماعية، والمروجين فكرة الاقتصاد التشاركي أو فكرة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ومنهم أيضًا المهمومون بقضايا البيئة والتغير في مناخ العالم الذين بحثوا هذا الموضوع وطرحوا تساؤلات

مهمة حول إمكانية استدامة الرأسمالية. وثمة تنبؤات بأن الرأسمالية إلى زوال عاجل أو آجلً. منها ما هو قديم كتنبؤ كارل ماركس وتنبؤ جوزيف شومبيتر، ومنها ما هو حديث كتنبؤ جيريمي ريفكن، وإن تباينت أسباب توصلهم إلى هذه التنبؤات. بل إن لفظ «ما بعد الرأسمالية» Postcapitalism الذي جعله ماسون عنوانًا لكتابه ليس بالجديد. فقد استعمله آخرون من قبل، أبرزهم بيتر دركر الذي قدم في سنة 1994 استشرافًا مستقبليًا لمجتمع ما بعد الرأسمالية. كما أن هذا اللفظ صار متواترًا في

الكثير من الكتابات الحديثة مثل كتاب بيتر فريز: أربعة مستَقبلَات: الحياة ما بعد الرأسمالية)2016(،

(((من أبرز هؤلاء ليستر براون. انظر:

Lester Brown, Plan B 3.0: Mobilizing to Save Civilization (New York: Norton, 2008). (2) Jeremy Rifkin, The Zero Marginal Cost Society: The Internet of Things, the Creative Commons and the Eclipse of Capitalism (New York: Palgrave Macmillan, 2014). (3) Peter Drucker , Post–Capitalist Society (New York: Harper Collins, 1994). (4) Peter Frase, Four Futures: Life after Capitalism (New York: Verso Books, 2016).

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

وكتاب نيك سرنسيك وألكس وليامز: اختراع المستقبل: ما بعد الرأسمالية وعالم بلا عمل)2016(، وكتابَيْ أنتوني سنيوريللي: تأملات في ما بعد الرأسمالية، ومانفيستو ما بعد الرأسمالية. ومع ذلك؛

ثمة خلاف بين هذه الكتابات حول ما إذا كان نظام «ما بعد الرأسمالية» يعدّ نظامًا لارأسماليًا أم هو

نوع جديد من الرأسمالية. كما أنه لم يزل هناك من الكتابات ما يعارض هذه التنبؤات ويذهب إلى أن الرأسمالية تمتلك القدرة على الصمود أمام التحديات الراهنة. وثمة سبب آخر للانطلاق من كتاب بول ماسون في مناقشة السؤال الذي اتخذته عنوانًا لهذا المقال، وهو التميز في أسلوب تناول المؤلف للموضوع. ومصدر هذا التميز هو أن ماسون يجمع بين خَصلتين: الأولى هي القدرة على متابعة الأحداث الاقتصادية والسياسية وتحليلها بحكم عمله الصحفي والإعلامي. فالكاتب صحفي بريطاني صاحب عمود في جريدة ذي غارديان The Guardian الشهيرة، كما أنه إعلامي اقتصادي مرموق، حيث يعمل منذ سنة 2014 محررًا للشؤون الثقافية والرقميات في

القناة الرابعة البريطانية، ويقدم برنامجًا تلفزيونيًا يكتسب نسبة مشاهدة عالية، وكان قد عمل ثلاث

عشرة سنة محررًا للشؤون الاقتصادية في قناة 2 BBC. ومن خلال عمله الصحفي والإعلامي أتيحت

للمؤلف تغطية كثير من الأحداث الاقتصادية والسياسية في عديد من دول العالم، مثل أزمة سنة 2008 المالية والاقتصادية العالمية، والأزمة الاقتصادية في اليونان – وهو ما جعله على معرفة عملية دقيقة بكيفية عمل النظام الرأسمالي بوجه عام وبدقائق عمل النظام المالي في الرأسماليات المعاصرة بوجه خاص – وكذلك الثورات العربية في سنة 2011، وغيرها من الأحداث الجسام. أما الخصلة الثانية فهي القدرة على البحث العلمي الدقيق والعميق. فالكاتب وإن لم يكن من الأكاديميين، فهو باحث متمكن كما يظهر من طريقة كتابته وأسلوب تحليله ومن تعدد مصادر الكتاب الذي بين أيدينا وتنوعها، فضلً عن كتب أخرى ألفها وذاع صيتها. والجمع بين ممارسة الصحافة الاستقصائية والبحث العلمي جعل

(5) N. Srnicek & A. Williams, Inventing the Future: Postcapitalism and a World without Work (New York: Verso Books,

(6) A. Signorelli, Speculations on Postcapitalism (Create Space Publishing Platform, 2017); A. Signorelli, The Postcapitalist Manifesto , accessed on 29/12/2018, at: https://bit.ly/2Fx1uhN

(((انظر مثلًالإنتاج الفكري لأعضاء جمعية مونت بيليرن Mont Pelerin Society التي أسسها فردريك هايك في سنة 1947 لتكون منتدى للدفاع عن اقتصاد السوق الحر والتنديد بالتوجهات الاشتراكية. ومن أبرز أعضائها فرانك نايت وجورج ستغلر وميلتون فريدمان وديباك لال. انظر الموقع الخاص بهم: https://montpelerin.org وانظر أيضًا الكتابات الصادرة عن معهد الشؤون الاقتصادية في بريطانيا Institute of Economic Affairs، بخاصة المنشورة في مجلتها العلمية The Journal of Economic Affairs، والتي ينسب إليها الفضل في تأسيس الثاتشرية Thatcherism؛ راجع كذلك المنشورات العلمية الوفيرة لمعهد كاتو الأميركي Institute Cato بخاصة كتاب جوهان

نوربيرج Norberg Johan الصادر عنه في سنة 2001 والمعنون ب: في الدفاع عن الرأسماليّة العالمية In Defense of Global Capitalism.

(((من هذه الكتب كتاب: عِش تعمل أو مُتْ وأنت تحارب (2007) Live Working or Die Fighting الذي يحكي قصة نضال عمال

المناجم في أميركا ضد الاستغلال الرأسمالي ووقائع محاكمة قائد عمالي ونقابي شهير في سنة 1907. ومنها كتاب: الانصهار: نهاية

عصر الطمع (2009, updated 2010) The Meltdown: The End of the Age of Greed الذي يتناول الأزمة المالية والاقتصادية العالمية

الأخيرة ويحلل أسبابها ونتائجها، لا سيما آثارها في العقيدة الرأسمالية وآثارها السياسية بوجه عام. ومنها أيضًا كتاب: لماذا تركل في كل

مكان؟ الثورات العالمية الجديدة (2011– updated 2013) Why it’s Kicking Everywhere: The New Global Revolutions الذي يرصد

الأحداث التي عصفت بالعالم في سنتي 2010 و 2011، بما فيها ثورة كانون الثاني/ يناير 2011 في مصر، ورد الفعل الشعبي في اليونان تجاه السياسات التقشفية الصارمة، والاحتجاجات الطلابية والعمالية في أنحاء أخرى من العالم، وكلها من الأحداث التي تابعها الكاتب في أوقات وقوعها وأماكنها.

شتاء   winter 2019

المؤلف يتحرر من كثير من القيود التي عادة ما تكبل الأكاديميين وتجعلهم يتحرجون من نقد مفاهيم أو فروض ونظريات مستقرة في الفكر السائد وإن كانت بعيدة عن الواقع. ولذا فهو يظهر في سياق تناوله لمستقبل الرأسمالية جرأة محمودة في التعامل مع الفكر الاقتصادي السائد وفي الكشف عن مثالبه وتناقضاته. ولعل ما تقدم ذكره بشأن تميز ماسون ضاعف من أهمية كتابه إلى درجة جعلت جيليان تت الكاتبة ومحررة شؤون التمويل في جريدة فايننشال تايمز Financial Times المعروفة بتوجهاتها الرأسمالية تنهي مراجعتها للكتاب بقولها: «حتى إذا كنت تعشق النظام الرأسمالي القائم، فإنه سيكون من الخطأ أن تتجاهل هذا الكتاب»، لأن بول ماسون «ينسج خيوط ا ثقافية عديدة معًا وينتج منها مجموعة من

الأفكار المدهشة» ويقدمها «بطريقة جذابة وذكية»، ولذا فإن ما يطرحه ماسون بشأن ما بعد الرأسمالية «جدير بالقراءة المتمعنة من جانب اليمين واليسار على السواء». وبالنظر إلى الاعتبارات المذكورة آنفًا، وجدت من الملائم التحول من فكرة مراجعة الكتاب إلى اتخاذه مرتكزًا لدراسة القضية التي طرحها، ولفحص ما قدمه من تنبؤات بشأن النظام الجديد الذي سيخلف الرأسمالية.

عناصر رئيسة لنظرية ما بعد الرأسمالية

السؤال الرئيس الذي يطرحه كتاب ماسون ونظراؤه هو: هل للرأسمالية مستقبل في عصر يشهد تطورات مذهلة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ويتحول فيه الاقتصاد، خاصةً في الدول المتقدمة، إلى

اقتصاد قائم على المعرفة؟ ويتصل بذلك السؤال سؤالٌ ثانٍيتعلق بصورة مجتمع المستقبل، وسؤال ثالث حول كيفية الوصول إلى هذا المجتمع. وفي سعيه للإجابة عن هذه الأسئلة، يقدم الكتاب لنا في الجزء الأول منه فحصًا دقيقًا لحاضر الرأسمالية بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والبيئية

والسياسية، كما يقدم تحليل للأزمة الأخيرة للنظام الرأسمالي في سياق إعادة قراءة وتقييم وتطوير لبعض النظريات التي قدمت لتفسير الدورات الاقتصادية القصيرة والطويلة. وفي الجزء الثاني من الكتاب يرسم المؤلف ملامح ما يعتبره «نظرية جديدة وشاملة لما بعد الرأسمالية». أما الجزء الثالث والأخير من الكتاب فقد خصصه المؤلف لاستكشاف مسار التحول إلى ما بعد الرأسمالية. إن المقولة الرئيسة للكتاب هي أن الرأسمالية في مرحلة الأفول. وأساسها أن الرأسمالية تعاني تناقضًا جوهريًا اليوم، هو التناقض بين الوفرة والندرة (ص. 144). فثمة عدم توافق بين المعرفة التي صارت،

بفضل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تتسم باللامحدودية أو الوفرة، وبين اقتصاد السوق الرأسمالي الذي يقوم على الندرة وعلى الملكية الخاصة التي هي محدودة أو نادرة، حيث تختص بها

(((انظر:

Gillian Tett, «‘PostCapitalism: A Guide to our Future, by Paul Mason’,» Financial Time s, 7/8/2015, accessed on 1/1/2019, at: https://on.ft.com/2TkFUk7

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

قلة من أفراد المجتمع دون غيرهم. بعبارة أخرى، يتعرض النظام الرأسمالي للتناقض بين إمكانية إنتاج معلومات ومنتجات وفيرة مجانًا للكافة، وبين منظومة من الشركات الاحتكارية والبنوك والحكومات التي تعمل على الاحتفاظ بكل شيء – بما في ذلك النفوذ والسلطة والمعلومات – في المجال الخاص وفي نطاق عالم الندرة. وثمة وصف آخر للتناقض الجوهري للرأسمالية المعاصرة يستخدمه ماسون، وهو التناقض بين الشبكات networks والتراتبية hierarchy، وذلك باعتبار الشبكات هي السمة المميزة لتكنولوجيا المعلومات (كشبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر والواتس آب، والشبكات التي تربط الناس بالأشياء والأشياء بالأشياء Things of Internet)، وأن التراتبية – وجوهرها السلطة المركزية – هي السمة المميزة لمنظمات الرأسمالية. ولذا لا يصف المؤلف الاقتصاد البازغ بأنه اقتصاد المعلومات، وإنما بأنه اقتصاد الشبكات (ص. 125)–124 والخطير في الأمر – فيما يرى ماسون – هو أن الرأسمالية التي تميزت بالقدرة على التكيف أو التواؤم مع المستجدات، ولا سيما المستجدات التكنولوجية، على امتداد ما يربو على قرنين من الزمان، أوشكت أن تفقد هذه القدرة مع الانتشار الواسع النطاق لتكنولوجيا المعلومات وامتداد تطبيقاتها إلى كثير من مجالات الحياة. ويُرجع المؤلف تضاؤل قدرة الرأسمالية على التكيف مع التغير التكنولوجي المتمثل

في تكنولوجيا المعلومات إلى أن هذه التكنولوجيا مختلفة جوهريًا عن كل ما سبقها من تكنولوجيات.

ووجه الاختلاف هو أن لدى تكنولوجيا المعلومات ميلً تلقائيًا إلى الإجهاز على الأسواق، وتدمير

مفهوم الملكية وكسر العلاقة بين العمل والأجر. وهذه التغيرات هي ما يشكل، في تقدير المؤلف، خلفية الأزمة الحالية للنظام الرأسمالي، وهي في الوقت ذاته ما يمهد لحلول نظام اقتصادي واجتماعي محل النظام الرأسمالي، وهو النظام الذي يطلق عليه ماسون: «ما بعد الرأسمالية.» يرى ماسون أن الرأسمالية لن تستطيع التعايش مع التطور التكنولوجي الذي كان لها الفضل في إنجازه، وخاصة تكنولوجيا المعلومات. ويستنتج المؤلف أن نظام ما بعد الرأسمالية سيفرض نفسه حتمًا وذلك

انطلاقًا من ثلاثة آثار لتكنولوجيا المعلومات: • أولها أن تكنولوجيا المعلومات قد قللت الحاجة إلى العمل، وذلك من خلال الرقمنة Digitization والذكاء الاصطناعي (AI) والأتمتة Automation واستخدام الروبوتات Robotization وإنترنت الأشياء (IoT) والطباعة الثلاثية الأبعاد Printing D 3 – وهي ما تعرف أيضًا بأنها عملية تصنيع بالإضافة Manufacturing Additive – وما إلى ذلك مما صار يوضع تحت عنوان «الثورة الصناعية الرابعة» بحسب المنتدى الاقتصادي العالمي أو «الثورة الصناعية الثالثة» وفقًا لجيريمي ريفكن. وقد صار هذا الموضوع محل بحث جهات متعددة. فعلى سبيل المثال يشكل هذا الموضوع القضية الرئيسة في تقرير البنك الدولي عن التنمية في العالم لسنة 2019 (الصادر في تشرين الأول/ أكتوبر 2018 بعنوان الطبيعة المتغيرة للعمل). كما أن هذا الموضوع يشكل إحدى المبادرات التي دشنتها منظمة العمل الدولية (مبادرة مستقبل العمل) وذلك في سياق الاحتفال بمئوية المنظمة هذا العام. وإضافة إلى توقع الاتجاه التنازلي للعمل، فقد أدت تكنولوجيا المعلومات إلى شحوب الحد الفاصل بين وقت العمل

شتاء   winter 2019

ووقت الفراغ. ويترتب على هذا اضمحلال العلاقة بين العمل والأجر. ولدعم مقولاته في هذا الشأن يستدعي ماسون إسهامات كارل ماركس، ولا سيما نظرية العمل للقيمة وتوقعه في اتجاه معدل الربح للانخفاض وملاحظاته بشأن ما يترتب على حلول الآلة محل العمل من تهميش دور العمل في العملية الإنتاجية. فما دام العمل هو المصدر النهائي للأرباح، فإن الميل للميكنة والأتمتة سيؤدي إلى تقليص معدل الربح، وذلك إذا لم تبتكر الرأسمالية أساليب مُعوِضة عن هذا التقليص. • ثانيها هو أن ما أنتجته تكنولوجيا المعلومات من سلع معلوماتية Goods Information جعلت قدرة الأسواق على تحديد الأسعار تتعرض للتأكل؛ إذ إن آلية السوق تفترض الندرة، بينما صارت المعلومات تتسم بالوفرة (ص 119 وما بعدها). فكثير من المنتجات المعلوماتية أو الرقمية صارت التكلفة الحدية لإنتاجها صفرًا أو ما يقرب من الصفر. فما إن يقدر المرء على نسخ أي منتج معلوماتي

ولصقه، كالكتب الإلكترونية والأفلام والموسيقى الرقمية والفيديوهات، فإنه يمكن إعادة إنتاجها وتوزيعها بأي عدد مجانًا. كما صار من السهل إنتاج كثير من البرمجيات، لا سيما برمجيات تشغيل الحاسب والموبايل، تطوعيًا وتعاونيًا والحصول عليها مجانًا أو بمقابل يسير، كما هو الحال مع حركة

البرمجيات الحرة Movement Software Free The ومبادرة برمجيات المصدر المفتوح Open Software Source. أضف إلى ذلك العدد الوفير من التطبيقات المتاحة مجانًا. وإذا كان خط دفاع الرأسمالية قد تمثل في تكوين الاحتكارات – ومن ثم التحكم في الأسعار بعيدًا عن التكلفة الحدية للمنتجات – ووضع تشريعات حماية حقوق الملكية الفكرية وابتداع تقنيات للحيلولة دون التنزيل أو النسخ المجاني للمعلومات، فإن ماسون يرى أن هذه الوسائل ليس من الصعب التحايل عليها وتعطيلها، كما أنها سرعان ما تصبح غير قابلة للاستدامة. وما يدفع أيضًا في اتجاه تخفيض التكلفة والسعر أن تكنولوجيا المعلومات قد أضافت محتوىً معلوماتيًا كبيرًا إلى الكثير من السلع المادية،

وجعلت قيمة هذه السلع ترتبط بفكرة الماركة Brand أو العلامة التجارية، لا بكلفة الإنتاج. • أما الأثر الثالث لتكنولوجيا المعلومات فهو أنها يسرت ظهور أشكال جديدة للإنتاج غير سوقية، أي إنها تعمل خارج نطاق السوق market – non، وهي الأشكال القائمة على التعاون والتعاضد والتشارك. ومن أمثلتها مشروع ويكيبيديا Wikipedia الذي يقدم مجانًا كمًا ضخمًا من المعلومات بالاعتماد

(((1 ففي وقت العمل قد يكتب الموظف رسائل إلكترونية خاصة أو يمارس التجارة الإلكترونية أو يجري بحثًا على غوغل عن موضوعات لا تخص العمل. كما أنه قد يؤدي مهمات تخص الشركة التي يعمل بها في وقت فراغه أو أثناء إجازته أو خلال سفره كالرد على المكالمات أو إرسال رسائل إلكترونية أو استكمال العمل الخاص بالشركة من أجل الإسراع بتحقيق هدف ما لصالحها. (((1 وردت هذه الملاحظات في قصاصة ماركس عن الآلات «Fragment on Machines» التي كتبها في سنة 1858 مع مجموعة

مساهمات أخرى لم تنشر في حياته، ولم تكتشف إلا في سنة 1939، وقد جمعت في كتاب بعنوان: أسس الاقتصاد السياسي

Foundations of Political Economy نشر في ستينيات القرن العشرين في أوروبا، ولم ينشر في بريطانيا إلا في سنة.1973 (((1 بل إن بعض الألبومات الموسيقية والغنائية صارت تتاح مجانًا من جانب أصحابها الذين يأملون في تحصيل العائد من حصيلة شراء تذاكر الحفلات التي يحيونها أمام جمهور كبير ممن سبق إغراؤهم بالاستماع المجاني لهذه الألبومات على الإنترنت. وبعض

الكتب صارت تطرح من جانب مؤلفيها مجانًا وفق نظام ترخيص المشاعات الخلاقة Creative Commons License الذي يمنح حق

نسخ الكتاب وتوزيعه بأي طريقة لأي شخص. كما صار من اليسير إتاحة بعض الكتب مجانًا على الإنترنت بعد ساعات من طرحها في المكتبات وغيرها من منافذ البيع، وذلك دونما قيد على نسخها وتشاركها مع آخرين («تشييرها:» sharing.)

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

أساسًا على العمل التطوعي ونظام إنتاج النظراء Production Peer – to – Peer، وبنوك الوقت Time

Banks ومؤسسات نقل الأشخاص باستخدام تطبيقات الحاسوب مثل أوبر وكريم، ومؤسسات حجز الرحلات وأماكن الإقامة غير التجارية مثل Airbnb، والتعاونيات الإنتاجية والاستهلاكية، ومن أشهرها تعاونية موندراغون في إسبانيا. ومن الأشكال الجديدة غير السوقية ما سبق الإشارة إليه في مجال البرمجيات كحركة البرمجيات الحرة وبرمجيات المصدر المفتوح. ويعتبر ماسون أن هذه الأشكال غير

السوقية للإنتاج والتبادل التي تتوالد في إطار النظام الرأسمالي هي لَبِنات بناء اقتصاد تشاركي وتشييد لمجتمع ما بعد الرأسمالية. وثمة قضايا أخرى يبرزها ماسون لإظهار ما دبَّ في الرأسمالية من وهن ولما يتوالد داخلها من أزمات

تعجل بهدمها، ومن ثم تستدعي قيام نظام ما بعد الرأسمالية: القضية الأولى هي تعرض الرأسمالية لحالة من الركود المزمن أو الممتد، أي الطويل المدى Stagnation Secular. ويشير المؤلف في هذا الشأن إلى دراسة صادرة في عام 2014 عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (وهي منظمة لا يمكن اتهامها بمعاداة الرأسمالية) توقعت استمرار بطء النمو الاقتصادي حتى عام 2060. كما توقعت أن الدينامية الملحوظة الآن في بعض الدول الصاعدة والنامية ستختفي بنهاية العقد السادس من هذا القرن. وعمومًا ربما لا يزيد معدل النمو السنوي المتوسط في الاقتصاد العالمي الذي تهيمن عليه

الرأسمالية على 0.75 في المئة (ص. 28). ويذكر المؤلف أن توقعات الركود المزمن قد صدرت عن اقتصاديين ليبراليين مشهورين مثل لورنس سمرز وزير الخزانة في عهد بيل كلينتون، وروبرت غوردن المصنف من جانب مؤسسة بلومبيرغ ضمن الخمسين شخصية الأقوى تأثيرًا في العالم في سنة.2016

ويرى المؤلف أنه لا مخرج من هذا الركود المزمن في الإطار الرأسمالي كما حدث في أزمان سابقة. وهنا يعود بنا المؤلف إلى نظرية الدورات أو الموجات الطويلة التي صاغها الاقتصادي الروسي نيكولاي كوندراتييف، والتي أكد وجودها شومبيتر، كما أكدت صحتها دراسات أحدث أشار إليها المؤلف (ص 48–44). وبقدر ما كشفت هذه الدورات عن أزمات طاحنة تعرض لها النظام الرأسمالي، فإنها كشفت عن قدرة الرأسمالية على الصمود والبقاء. وبحسب النمط المعتاد، كان من المقدر أن تنطلق دورة طويلة خامسة مع بداية القرن الحادي والعشرين، لكن هذا النمط قد انكسر، فيما يرى المؤلف، ومن ثم امتنع انطلاق دورة خامسة، ودخل الاقتصاد الرأسمالي في ركود طويل الأمد. ويرجع ماسون توقف نمط الدورات الطويلة إلى نجاح الحكومات التي تبنت النيوليبرالية في كسر شوكة الطبقة العاملة وتفتيتها وسحق منظماتها النقابية في الطور الأخير للدورة الرابعة، ومن ثم تضاءل ما كانت تمتلكه في الدورات السابقة من قدرة على صد هجمات القوى الرأسمالية ومقاومتها لفرض سياسات تلقي بعبء حل الأزمات على الطبقة العاملة، كتخفيض الأجور وتخفيض الإنفاق الاجتماعي على الإعانات والمعاشات والضمان الاجتماعي، والاستغناء عن العمالة الماهرة المرتفعة التكلفة بإدخال تكنولوجيا يمكن تشغيلها بعمالة نصف ماهرة أو غير ماهرة منخفضة التكلفة، وهي الظاهرة

التي يطلق عليها Deskilling (ص 93–91). وقد كان تضعضع المقاومة العمالية هو ما مك ن الاقتصاد

(((1 الدورات الأربع كانت من 1790 إلى 1848، ومن 1848 إلى 1898، ومن 1898 إلى 1948، ثم من 1948 إلى 2000 أو.2008

شتاء   winter 2019

العالمي من أن يستعيد التوازن لمصلحة رأس المال في العقدين الأخيرين، حيث أخذت الأرباح في

التصاعد، ولا سيما عن طريق الأَمْوَلة؛ حيث يقدر أن 40 في المئة من أرباح الشركات الأميركية في عام

2002 قد تحققت في القطاع المالي. ولكن الوجه الآخر لارتفاع الأرباح ونمو ثروات الرأسماليين كان هو تعاظم اللامساواة على النحو الذي يرصده الكتاب، والذي رصده بالتفصيل كتاب رأس المال في القرن الحادي والعشرينللاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي. لقد اتسعت الفوارق في توزيع الدخل إلى مستوى قريب مما كان سائدًا قبل قرن من الزمان. وهذه هي القضية الثانية التي تشكل تحديًا خطيرًا لبقاء الرأسمالية. ويضيف

المؤلف ثلاث قضايا/ تحديات أخرى (في الفصل التاسع)، وهي: استنزاف مصادر الطاقة والتغير في مناخ العالم إلى درجة باتت تهدد الحياة على ظهر الأرض، وشيخوخة السكان في الدول المتقدمة، وتدفقات المهاجرين من الجنوب إلى الشمال. ويعتبر المؤلف هذه التحديات الثلاثة بمنزلة «صدمات خارجية» تعزز اتجاه الرأسمالية للاضمحلال. والمعنى أن هذه الصدمات ليست من إفرازات النظام الرأسمالي، وإنما هي صدمات أتت من خارجه. وقبل بيان الملامح التي وضعها ماسون لنظام ما بعد الرأسمالية، تجدر الإشارة إلى أنه قد استبعد نظمًا

أخرى تخلف النظام الرأسمالي قدمها من يتفقون معه في الرأي بأن الرأسمالية بصورتها الحالية غير قابلة للاستمرار. فقد استبعد قيام نوع جديد من الرأسمالية يكون على وفاق مع تكنولوجيا المعلومات،

وهو ما أُطلقت عليه أسماء مختلفة كالرأسمالية المعلوماتية Capitalism – Info، ورأسمالية تكنولوجيا المعلومات Capitalism tech – Info، والرأسمالية المعرفية أو الإدراكية Capitalism Cognitive. وهذا الاستبعاد مفهوم بالنظر إلى ما يراه ماسون صدامًا أساسيًا بين جوهر الرأسمالية وتكنولوجيا

المعلومات. واستبعد ماسون البديل الاشتراكي لأنه يرى أن الاشتراكية قد فشلت فشل ذريعًا عندما

طبقت فيما كان يعرف بالكتلة الاشتراكية، ولأنه يعتقد أنه لم يعد من الوارد التعويل على الطبقة العاملة وصراعها مع القوى الرأسمالية من أجل إقامة الاشتراكية، وذلك بعدما تلقته الطبقة العاملة من ضربات قاصمة على أيادي الحكومات التي تبنت النيوليبرالية. بل إنه استبعد ما يطلق عليه اشتراكية جديدة بما فيها الاشتراكية الشبكية Socialism Networked التي دعا إليها بعض اليساريين كاشتراكية ديمقراطية

(14) Thomas Piketty, Capital in the Twenty First Century (Harvard: The Belknap Press of Harvard University Press,

انظر أيضًا الدراسة الأحدث التي شارك فيها بيكيتي لاستقصاء اتجاهات اللامساواة في روسيا منذ الثورة البلشفية حتى انهيار الاتحاد السوفياتي وعودة الرأسمالية:

F. Novokmet, T. Piketty & G. Zucman, «From Soviets to Oligarchs– Inequality and Property in Russia: 1905–2016,» NBER, August 2017, accessed on 29/12/2018, at: https://www.nber.org/papers/w23712

(((1 انظر على سبيل المثال الكتاب التالي الذي ناقشه ماسون (ص 128–127) والذي يقدم نوعًا جديدًا من الرأسمالية:

Y. Benkler, The Wealth of Networks: How Social Production Transforms Markets and Freedoms (New Haven: Yale University Press, 2006);

وفي شأن الرأسمالية المعرفية أو الإدراكية، انظر:

Y. Moulier Boutang, Cognitive Capitalism (Cambridge: Polity Press, 2011).

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

معززة للحرية والمساواة ومحتضنة لتكنولوجيا المعلومات. ومع ذلك، فإن رغبة ماسون في تمييز مشروعه لما بعد الرأسمالية من المشروعات البديلة جعلته يجنح إلى المبالغة والتشدد. وكما سنرى بعد قليل؛ إن مشروع ماسون يتسع لبعض عناصر من الرأسمالية؛ حيث إنه لا يستبعد المشروعات الرأسمالية، وإن كان يعتبر أن دورها سيكون هامشيًا. كما أن مشروعه يتسع لبعض عناصر من الاشتراكية

مثل الملكية العامة لبعض وسائل الإنتاج وسيطرة الدولة على مرافق أساسية، وخاصة لمواجهة التغير في المناخ، ومثل التخطيط واستهداف إشباع الحاجات الأساسية. وقد أطلق ماسون على تصوره لما بعد الرأسمالية: «المشروع الصفري» Zero Project، وذلك في إشارة إلى أن هذا المشروع يستهدف وصول ثلاثة أشياء إلى الصفر أو ما يقرب من الصفر، وهي: التكلفة الحدية لإنتاج الآلات والمنتجات والخدمات، والمحتوى الكربوني لنظام الطاقة، ووقت العمل الضروري لإنتاج السلع والخدمات (ص. 266). والسير في الطريق المؤدية إلى تصفير هذه الأشياء يعني أن عددًا كبيرًا من السلع سيصبح وفيرًا إلى درجة أن يتاح بثمن زهيد أو بالمجان، وأن فرص

الحياة السليمة على ظهر الكوكب سوف تتحسن كثيرًا، وأن الحدود الفاصلة بين وقت العمل ووقت

الفراغ ستزداد شحوبًا، وهو ما يؤدي إلى انفصام العلاقة بين العمل والأجر، وأن يصبح العمل اختياريًا

أو طوعيًا. وعندما يتحقق ذلك ستتحول المشكلة الاقتصادية من مشكلة الاختيار بين «الخبز والسلاح»

إلى مشكلة الاختيار بين «النمو والاستدامة». وستصبح مشكلة الإدارة الاقتصادية ليست «رأس المال والعمل» وإنما «الطاقة والموارد» (ص. 145)–144 ويرى ماسون أن القوى الاجتماعية التي سيقع على كاهلها مهمة الانتقال إلى مجتمع ما بعد الرأسمالية هي القوى التي أنتجتها الرأسمالية خلال العقدين الماضيين والتي تزداد قوةً يومًا بعد يوم، وهي تتجسد

في الأفراد المتشابكين من خلال تكنولوجيا المعلومات Individuals Networked The. فهؤلاء هم الذين تظاهروا واعتصموا في دول شتى احتجاجًا على مظالم الرأسمالية/ النيوليبرالية وتوحشها، خاصة

في مناسبة الاجتماعات التي تعقدها المؤسسات المدافعة عن الرأسمالية: البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والمنتدى الاقتصادي العالمي. وهؤلاء هم من فجروا الثورات العربية وعسكروا في الميادين ونظموا مسيرات احتجاجية وإضرابات في أميركا وتركيا واليونان والبرازيل وهونغ كونغ والصين، وغيرها من الدول المتقدمة والنامية على السواء. ويرى ماسون أن هؤلاء هم من سيحفرون قبر الرأسمالية لأنهم وإن كانوا ذوي مصالح مختلفة، فإنهم غير مقتنعين بالنظام الرأسمالي القائم، ويتفقون في الحاجة إلى الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية (ص. 212). ويبذل ماسون قصارى جهده لدحض المقولة الماركسية بأن الطبقة العاملة هي القوة التي ستطيح الرأسمالية. ومصدر خطأ هذه المقولة عنده أمران: أولهما أن الطبقة العاملة لم تكن معنية طوال القرنين الماضيين بإسقاط الرأسمالية، وإنما كان كل همّها مركّزًا على تحسين أحوالها المعيشية في الإطار الرأسمالي

(ص. 177). وثانيهما أن القول بأن الطبقة العاملة هي القوة الوحيدة المنوط بها هزيمة الرأسمالية

(((1 انظر هذا النوع من الاشتراكية في المقال التالي:

Donald Gillies, «Paul Mason’s Postcapitalism,» Real–World Economic Review , no. 73 (December 2015), pp. 110–119.

شتاء   winter 2019

يتجاهل ملمحين مهمين للعالم المعاصر، وهما أن الطريق إلى ما بعد الرأسمالية ليست طريق الصراع الطبقي كما تصورت الماركسية، وأن القوة الكامنة للتغيير والانتقال إلى ما بعد الرأسمالية صارت تشمل كل شخص على وجه الأرض، أي الناس المتعلمين والمترابطين من خلال الشبكات (ص. 180)–178 وفيما يتعلق بالانتقال إلى ما بعد الرأسمالية، يعتقد ماسون أنه سيتم من خلال مسارين: المسار الأول تلقائي، وهو يتمثل في الأشكال المؤسسية الجديدة التي برزت في الاقتصاد الرأسمالي تحت تأثير تكنولوجيا المعلومات وانتشارها المتسارع. وهي أشكال النشاط الاقتصادي التي يعتبرها ماسون وآخرون مكونات لاقتصاد تشاركي Economy Sharing. والمسار الثاني إرادي أو تخطيطي، وذلك

اتصالً برؤية ماسون لنظام ما بعد الرأسمالية على أنه مشروع مستقبلي يجب حشد الجهود من أجل تحقيقه. بعبارة أخرى ثمة حاجة إلى تعزيز ما بدأ تلقائيًا من أشكال وتنظيمات للاقتصاد التشاركي،

والعمل على تسريع مساره ومنع أي ارتداد عنه. وهذا الأمر يحتاج إلى مزيج من التخطيط وتدخل الدولة وحركة الأسواق (ص. 243). ولذا يتوقع ماسون من الدولة أن تقوم بدور مهم في إقامة الإطار الملائم لقطاع الإنتاج ما بعد الرأسمالي الذي نما فعلً في قلب الاقتصاد الرأسمالي والذي قد يتعايش مع قطاع السوق لعدة عقود. وأول مهمة يجب أن تقوم بها الدولة في رأي ماسون هي وقف تيار الخصخصة النيوليبرالية، لأن الهدف الذي يجب السعي لتحقيقه أثناء عملية الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية هو تقليص قوى السوق، لا توسيعها. كما يقترح ماسون أن تنشئ الدولة ما أسماه «مكتب الاقتصاد غير السوقي» للمساعدة في تنمية المشروعات التي تنتج منتجات مجانية أو يكون التعاضد والتشارك مكونًا أساسيًا فيها. والمهمة الثانية المتوقعة من الدولة هي إعادة هيكلة الأسواق حتى تصبح معززة للوصول

إلى نتائج تعاونية عادلة ومستدامة (ص. 276)–273 وللبرهنة على أهمية دور الدولة يقول ماسون إنه من الحماقة الاعتقاد أن آلية السوق والحوافز السوقية سوف تعالج مشكلة تغير المناخ، أو الاعتقاد أن الرأسمالية يمكن أن تتعايش مع هذه المشكلة. ومن هنا تظهر أهمية التخطيط من أجل التوصل إلى مزيج طاقة نظيفة يحد من الانبعاثات الضارة، وأهمية تدخل الدولة بما في ذلك من خلال الملكية العامة لمصادر الطاقة ذات المحتوى العالي من الكربون (ص 249–247، 252). ويذكر ماسون أن ثمة حاجة أيضًا إلى تشريعات وضوابط بقصد تمكين العمال في الشركات الكبيرة من الحصول على حقوق عمل قوية من خلال رفع الأجور وجعل هذه الشركات

تتبنى تكنولوجيات جديدة بدلً من الاعتماد على العمالة غير الماهرة، الرخيصة (ص 277). ولمواجهة دفاع الشركات الكبرى عن مصالحها بتكوين الاحتكارات يتعين على الدولة التصدي لها بقوانين تجرم الاحتكار، أو بالتأميم إذا تعذر كسر الاحتكارات الكبيرة (ص. 278). ومن الاقتراحات الأخرى التي يقدمها ماسون لتمهيد طريق التحول إلى ما بعد الرأسمالية أن تقوم الدولة بمنح دخل أساسي لكل فرد في سن العمل. وهذا هو اقتراح الدخل الأساسي المعمم Income Basic Universal الذي يدرك ماسون أنه صار يدرج ضمن مشروعات يمينية ويسارية على السواء بدعوى أنه أقل تكلفة من إعانات البطالة وصور الدعم المختلفة، ولكنه يتبناه بهدف توكيد انفصام العلاقة بين الأجر والعمل الذي يعد ملمحًا من ملامح تصوره لمجتمع ما بعد الرأسمالية (ص. 284)

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

وحريٌّ بالذكر أن ماسون لا يزعم الوضوح التام بشأن مسار الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية. ولذا فقد دعا إلى التدرج وتجريب الاقتراحات قبل تطبيقها على نطاق واسع. كما دعا إلى إنشاء معهد عالمي أو شبكة عالمية لنمذجة عملية الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية ومحاكاتها، مع تطبيق تقنيات المصدر المفتوح بحيث يتاح لأي شخص أن يستخدم النموذج ويقترح ما يراه من تعديلات، وذلك على غرار ما هو متبع في ويكيبيديا (ص 266، 272). وأخيرًا نشير إلى توقع ماسون أن مسار الانتقال إلى ما بعد

الرأسمالية لن يكون مسارًا سلسًا. بل إنه يتوقع أن النخب المسيطرة في الرأسمالية المعاصرة ستواجهه

بمقاومة شديدة، وأنها لن تتورع عن التضحية بالديمقراطية واللجوء إلى العنف والقهر وغيرها من الأساليب البوليسية لعرقلة عملية الانتقال.

تحليل نقدي لنظرية ما بعد الرأسمالية

إذا تركنا جانبًا ومؤقتًا ما يعتبره ماسون التناقض الرئيس في رأسمالية اليوم بين عالم الوفرة الذي يقوم

على تكنولوجيا المعلومات وبين عالم الندرة الذي يقوم على الملكية الخاصة وآلية السوق والعمل المأجور، فإنني أرى أن ماسون قد أصاب في تشخيصه وتحليله أسبابَ كثير من مشكلات الرأسمالية المعاصرة عمومًا والأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة خصوصًا، بما في ذلك مشكلة تباطؤ وتيرة النمو

الاقتصادي والاتجاه نحو ركود طويل، فضل عن استمرار تعرض الاقتصادات الرأسمالية للدورات القصيرة، ومشكلات اللامساواة المتزايدة، ومشكلات البيئة وتغير مناخ العالم، وشيخوخة سكان الدول المتقدمة وتبعاتها المالية، ومشكلة الهجرة من الجنوب إلى الشمال. غير أن تحليلات ماسون لهذه الأمور لم تخلُ من هنات. أبرزها اعتباره المشكلات الثلاث الأخيرة التي تواجه الرأسمالية مجرد «صدمات خارجية». وهذا غير صحيح. فمشكلات البيئة وتغير المناخ وشيخوخة السكان والهجرة ليست إلا إفرازات للنظام الرأسمالي. إنها مشكلات لصيقة بآليات عمل هذا النظام المدفوعة بالجري وراء الأرباح وبالسعي المحموم لزيادتها. فما المشكلات البيئية إلا انعكاس لهذه النزعة الرأسمالية، ولما تؤدي إليه من نهم شديد للنمو الاقتصادي. وهو ما يؤدي بدوره إلى استنزاف للموارد الطبيعية والطاقة، وارتفاع مستوى انبعاثات الغازات الضارة وزيادة درجة حرارة الأرض إلى مستويات باتت تهدد بكوارث عظيمة. أما مشكلة شيخوخة السكان وما يرتبط بها من صعوبات في تمويل خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية والتأمينات والمعاشات، وما نتج من ذلك من خلل في صناديق التأمينات والمعاشات وعجوزات في الموازنات العامة يجرى تمويلها بالاقتراض، فهي نتاج لاتجاهين في الرأسمالية: أولهما ما حققته الرأسمالية ذاتها من نجاح في رفع مستويات المعيشة في البلدان المتقدمة، وما نجم عنه من تخفيض في معدلات المواليد وارتفاع في متوسط العمر، ومن ثم ازدياد النفقات المطلوبة لتدبير الخدمات الاجتماعية والتأمينات والمعاشات. وثانيهما عجز النظم الضريبية في تلك البلدان عن تأمين موارد كافية لتمويل هذه الألوان من الإنفاق الاجتماعي، وذلك بسبب مقاومة الرأسماليين الضرائب المرتفعة، وتذرعهم بأن زيادة الضرائب سيكون لها تأثير سلبي في النمو وفي التنافسية. وفي النظم الرأسمالية التي تسيطر فيها الطبقة الرأسمالية على الحكم، عادة

شتاء   winter 2019

ما ترضخ الحكومات لضغوط هذه الطبقة في هذا الشأن. ولا تفهم مشكلة الهجرة من الجنوب إلى الشمال على أنها من إفرازات النظام الرأسمالي إلا إذا أخذت في الحسبان عالمية هذا النظام وما يتسم به من نمو غير متكافئ بين شمال مهيمن وجنوب خاضع لاستغلال الشمال ومشدود إليه بقيود التبعية، وهي من سمات الرأسمالية التي لم يولها ماسون ما تستحقه من اهتمام. فهذا هو ما يولد ردود أفعال للتعويض بعض الشيء عن الاستغلال وعدم التكافؤ، ومنها تدفقات الهجرة الشرعية وغير الشرعية من الجنوب إلى الشمال. ثمة، إذ ا، ما يستوجب وضع هذه المشكلات الثلاث على المستوى ذاته الذي توضع عليه مشكلات بطء النمو والركود الطويل الأمد واللامساواة، والتعامل معها جميعًا بوصفها تناقضات تتولد داخل

النظام الرأسمالي العالمي وتدعو للنأي عن نمط الإنتاج الرأسمالي. فقدرة النظام الرأسمالي على التعامل مع هذه المشكلات محدودة جدًا، ومن ثمَّ فإن قدرته على الاستدامة ضعيفة. وهذا ما توصل

إليه اقتصاديون لا يمكن وصفهم باليسارية. منهم أمارتيا سن الذي قال في كتابه التنمية حرية إن حل مشكلات كاللامساواة والفقر وتوفير السلع العامة – ومن بينها البيئة – تستدعي قيام مؤسسات سوف تأخذنا بعيدًا عن اقتصاد السوق الرأسمالي. ومنهم غوستاف سبث الذي قال إن الرأسمالية كما نعرفها اليوم غير قادرة على تحقيق الاستدامة البيئية. ومنهم أيضًا جويل كوفيل الذي قال إن أعدادًا متزايدة من

الناس صارت تدرك أن الرأسمالية هي القوة المنفلتة التي تدفع العالم نحو كارثة إيكولوجية. واتصالً بالإشارة أعلاه إلى عالمية النظام الرأسمالي، فالملاحظ كما سبق ذكره أن ماسون لم يوجه عناية تذكر لهذه الخاصية من خصائص الرأسمالية المعاصرة. والظاهر أنه قد حصر اهتمامه في شؤون الشمال المتقدم وتجاهلت تحليلاته شؤون الجنوب وانعكاسات ما يحدث في الشمال على الجنوب

الذي كان – ولم يزل – خاضعًا لهيمنة الشمال، والذي كان – ولم يزل – مجال خصبًا لتنمية أرباح

الشركات الاحتكارية وتتعرض عمالته للاستغلال – بالتعهيد Outsourcing تارة، وبالعمل في ما يطلق عليه «مصانع الشقاء» Shops Sweat تارة أخرى. كما تتعرض بيئة الجنوب للتلوث من جراء انتقال عديد من صناعات الدول المتقدمة الأكثر تلويثًا للبيئة إليه. وربما يكون في حديث ماسون عن مآل الرأسمالية افتراض ضمني باستمرار هيمنة الشمال على الجنوب، وتبعية مستقبل الجنوب للمستقبل الذي تصوره للشمال. وهو افتراض تعسفي بالطبع. لا شك في أن التغير التكنولوجي، خاصةً عندما يترجم إلى تغير في قوى الإنتاج، عامل رئيس في تغير النظم الاجتماعية. وهذا ما أوضحته المادية التاريخية التي اعتبرت التطور في قوى الإنتاج محرك التغير في النظام الاجتماعي، وذلك من خلال ما يثيره من تناقض مع علاقات الإنتاج القائمة، وتحديدًا علاقات ملكية وسائل الإنتاج. وهذا التناقض لا حل له إلا بتغيير علاقات الإنتاج لتصبح متوافقة مع

(((1 كلام سن وسبث وكوفيل مقتبس في الصفحات: 6740 و 6748 و 6751 من المقال التالي:

D. Schweickart, «Is sustainable capitalism possible?» Procedia – Social and Behavioral Sciences , vol. 2, no. 5 (2010), pp. 6739–6752.

(((1 المقصود بمصانع الشقاء هي تلك المصانع أو الورش في دول الجنوب التي يكدُّ فيها العمال ساعات عمل طويلة في ظروف

عمل بائسة ويكدحون لقاء أجور بالغة الانخفاض، ولا سيما في صناعة الملابس والأحذية الرياضية.

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

قوى الإنتاج المتطورة. وهو ما ينتج قاعدة اقتصادية جديدة، أو نمط إنتاج جديدًا، لا يلبث أن يدخل في تناقض مع البنية الفوقية للمجتمع التي تشتمل على أشكال الحكم والتشريعات والثقافة والقيم. وتكتمل عملية الانتقال إلى نظام اجتماعي جديد عندما تتغير بعض عناصر البنية الفوقية بما يتوافق مع التغير في القاعدة الاقتصادية للمجتمع. غير أنه ليس أي تغير في التكنولوجيا ومن ثم في قوى الإنتاج يستدعي تغيرًا في علاقات الإنتاج، ومن ثم تغيير القاعدة الاقتصادية ثم البنية الفوقية للنظام الاجتماعي.

إذ إن التغير التكنولوجي يجب أن يكون تغيرًا جوهريًا من جهة أولى، وأن يترجم فعليًا إلى تغير جوهري

في قوى الإنتاج من جهة ثانية (فما أكثر الابتكارات التكنولوجية التي لا يقدر لها التحول إلى مجال الإنتاج)، وأن تمتد تطبيقاته إلى معظم القطاعات الإنتاجية من جهة ثالثة (بعض التكنولوجيات الجديدة قد ينحصر تطبيقه في نطاق إنتاجي محدود ولا يتعداه إلى غيره). وما أكثر التغيرات في التكنولوجيا وفي قوى الإنتاج التي زادت من الإنتاجية وحسنت النمو الاقتصادي، وتعايشت في الوقت نفسه مع علاقات إنتاج قائمة أو لم تستدعِ سوى تغيرات محدودة فيها. وهكذا كان حال الرأسمالية طوال تاريخها، حيث شهدت تطورات تكنولوجية ضخمة واستطاعت أن تتكيف معها وتجدد نفسها دونما تغيير في علاقات الإنتاج الرأسمالية. وبالنظر إلى ما تقدم؛ ثمة أربعة أمور (سأعرضها في الفقرات التالية) لا تدفع إلى تأييد ما ذهب إليه ماسون من أن تكنولوجيا المعلومات قد أدخلت النظام الرأسمالي في تناقض جوهري بين واقع الندرة الغالب في الرأسمالية القائمة وعالم الوفرة ما بعد الرأسمالي البازغ في قلب الرأسمالية ذاتها. إن تحليل ماسون ينطوي على ضرب من الحتمية التكنولوجية Determinism Technological، بمعنى أن التغير التكنولوجي المتمثل في تكنولوجيا المعلومات هو تغير محتوم، وأن البشر جميعًا يجب أن

يأخذوا بكل صوره وأن يترجموه إلى تغير في قوى الإنتاج، وأن الدول جميعًا سواء أكانت متقدمة أم

نامية لا خيار أمامها غير الأخذ بالأحدث من التكنولوجيا، وذلك بغض النظر عن الاختلافات في قواعد مواردها وفي مستويات تطورها الاقتصادي. وفي الحقيقة؛ إن فكرة الحتمية التكنولوجية تتصادم مع حقيقة أن التكنولوجيا لا تهبط على البشر من السماء، وإنما البشر هم من يصنعون التكنولوجيا. وبعض ما يبتكره البشر قد يستجيب لحاجة فعلية لمجتمعاتهم فيجد طريقه بيسر إلى التطبيق في مجال الإنتاج، والبعض الآخر قد يبقى محجوبًا عن مجال الإنتاج لعدم توافقه مع حاجة المجتمع. وليس من المحتم

أن ما يطبق من تكنولوجيات مستحدثة في الدول المتقدمة لا بد أن يمتد تطبيقه إلى الدول النامية. فثمة مجال لاختيار ما هو أشد ملاءمة لكل دولة في زمن معين في ضوء مرحلة التطور التي بلغتها وفي ضوء الوفرة النسبية لمواردها المختلفة. فالأشد ملاءمة في ظروف الدول النامية الغنية بالعمالة هو ما يطلق عليه التكنولوجيا الملائمة Technology Appropriate. وهذا الخيار لا يقاطع التكنولوجيا الحديثة تمامًا، وإنما يأخذ منها بالقدر الضروري في بعض القطاعات وعلى النحو الذي لا يكرس تبعية

الجنوب للشمال، وذلك في إطار السياسة التي كانت الصين تطلق عليها سياسة «السير على قدمين.» وربما لم يعن ماسون بهذه المسألة، وذلك لأنه – كما سبق ذكره – كان مهمومًا بقضايا المجتمعات

الرأسمالية المتقدمة، ولأنه لم يوطن تحليلاته في إطار عالمية النظام الرأسمالي.

شتاء   winter 2019

إن التغير في قوى الإنتاج وفي النظام الاجتماعي كله ليس مجرد انعكاس للتغير التكنولوجي وحده، على أهميته. ولذا، ليس من الصواب اختزال قوى التغيير في هذا العامل بمفرده. فالتغيير حصيلة صراع طبقي ونضال سياسي بالضرورة، وذلك لأنه ينطوي على تعارض مصالح طبقات وفئات مختلفة في المجتمع، ولا يتصور أن يتنازل أي منها عن مصالحه بلا مقاومة. استبعد تحليل ماسون أي دور للصراع الطبقي، بالرغم من إدراكه أن القوى الرأسمالية والنخب المتحالفة معها لن تتوانى عن تسخير كل الوسائل – بما في ذلك الوسائل البوليسية والاستبدادية – للحيلولة دون توسع نظم الإنتاج غير السوقي أو التشاركي. ويرجع ذلك إلى تصوره للصراع الطبقي كصراع بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة الصناعية وحدها، وإلى افتراضه أنه لم يعد في الإمكان أن تقوم للطبقة العاملة قائمة في المستقبل بعدما نالها من ضربات في الحقبة النيوليبرالية. وفي الحقيقة أن نطاق الصراع الطبقي أوسع من النطاق الضيق الذي تصوره ماسون، وذلك لاتساع دائرة الطبقات والفئات الاجتماعية المتضررة من الرأسمالية عمومًا ومن النيوليبرالية خصوصًا. ووراء هذا الاتساع في مفهوم

الصراع الطبقي اللامساواة المتزايدة في الدخول والثروات والإفقار الحادث لقطاع واسع من الناس في الدول الرأسمالية المتقدمة والنامية على السواء. ولا حاجة بنا إلى البرهنة على تفاقم اللامساواة بعدما قدمه ماسون من شواهد وبعدما أفاض بيكيتي في رسم خريطة اللامساواة في العالم. وحسبي أن أضيف بعض الشواهد الحديثة على الإفقار المتزايد في أحد المراكز العريقة للرأسمالية، وهو المملكة المتحدة. إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 20 في المئة من السكان فقراء، وأن هذه النسبة قد ارتفعت كثيرًا في السنوات الخمس الأخيرة، وذلك بالرغم من أن معدل البطالة محدود، حيث

لم يزد على 4 في المئة في الفترة تموز/ يوليو – أيلول/ سبتمبر 2018. وينسب المراقبون ارتفاع نسبة الفقراء إلى تدني مستوى الأجور من جهة، وإلى الضغط المتزايد لنفقات الرعاية الاجتماعية التي تقدمها الدولة من جهة أخرى. كما تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من ألف شخص يفقدون مساكنهم كل شهر، وأن واحدًا من بين كل 200 شخص (أي 300 ألف شخص) ينامون في الشوارع أو في أماكن إيواء مؤقتة، وذلك بسبب ارتفاع إيجارات المساكن والتخفيضات في نفقات الرعاية الاجتماعية وعدم توافر الإسكان الاجتماعي. وفيما يتعلق بافتراض ماسون بشأن التوقف النهائي لنضال الطبقة العاملة، فإنه افتراض يصعب قبوله. فالهزيمة الحالية للطبقة العاملة في الدول المتقدمة ليست بالضرورة نهائية، وصحوة هذه الطبقة يمكن أن تحدث كرد فعل لما أشرنا إليه من تركز شديد في توزيع الدخول والثروات ومن إفقار متزايد. فالصراع الطبقي قائم دائمًا في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة (مجتمع الواحد في المئة أو في الألف الذين

يحصلون على نصيب هائل من الدخل والثروة)، ولكنه قد يكون مستترًا أو هادئًا في بعض الأوقات

التي تزداد فيها ضغوط السلطة أو يزداد فيها ما يصيب الطبقة العاملة بمعناها الواسع من إجهاد. ومع

(19) May Bullman, «Fifth of UK population now in poverty,» The Independent , 4/12/2017.

(((2 وردت هذه الإحصاءات في مقال:

May Bullman, «More than 1000 people become homeless every month, figures reveal become homeless every month, figures reveal,» The Independent , 22/11/2018.

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

ذلك فإن الإضرابات لم تتوقف تمامًا في الحقبة النيوليبرالية ولم تكن مقصورة على أصحاب الياقات

الزرقاء، بل امتدت إلى قطاعات كثيرة من أصحاب الياقات البيضاء كالمدرسين والأطباء والممرضين في المستشفيات الحكومية والفنيين بالمطارات وغيرهم. ثمة مبالغة شديدة في اعتقاد ماسون وفرة المنتجات المعلوماتية واقتراب تكلفتها من الصفر. وليس في الحديث عن التكلفة الحدية للمنتجات ما ينفي هذه المبالغة، لأنه يحصر الأمر في التكاليف المتغيرة ويتجاهل التكاليف الثابتة التي كثيرًا ما يكون لها وزن كبير في إجمالي التكاليف. ثم إن ميل التكلفة

الحدية للانخفاض لا يعني بالضرورة رخص المنتجات. وإذا كان المنتج لا يتوقف عن الإنتاج في الأجل القصير في ظروف المنافسة التامة طالما غطى السعر التكلفة الحدية للمنتَج، فإنه لا بد له في الأجل الطويل من اقتضاء سعر يفي بالتكلفة الكلية للإنتاج بعناصرها المتغيرة والثابتة. وعمومًا فإن

المنافسة التامة حالة نادرة، والشائع في الكثير من الأسواق هو الاحتكار، وفيه تنفصم العلاقة بين السعر والتكلفة الحدية للمنتج ويكون السعر أعلى من التكلفة الحدية حتى في حالة اتجاه التكلفة الحدية للتناقص. وفي سوق المنتجات المعلوماتية حيث تسيطر قلة من الشركات العملاقة على السوق مثل غوغل وياهو ومايكروسوفت وأبل، فإن الاحتكار هو الأمر السائد والذي يتعذر إنتاج هذه المنتجات وتوزيعها في غيابه. وهذا ما توصل إليه سمرز ودي لونغ في دراستهما المنشورة في سنة 2001، عندما لاحظا ميل التكلفة الحدية للمنتجات المعلوماتية إلى التناقص. فقد رأيا أنه إذا كان

على المنتج تصريف هذه المنتجات بسعر معادل للتكلفة الحدية كما في السوق التنافسية، فإن إنتاجِ هذه المنتجات سيتوقف؛ نظرًا إلى عدم تحقق إيرادات تغطي النفقات الثابتة. وقد رفضا، لأسباب

أيديولوجية تسترت بالخشية من التعقيدات البيروقراطية للتدخل الحكومي، أن تدعم الحكومة شركات تكنولوجيا المعلومات بما يمكنها من الوفاء بهذه النفقات. ولم يجدا من حل لهذه المشكلة سوى أن

تكون هذه الشركات شركات احتكارية، وهو الحاصل فعلً. وهكذا وجد الاحتكار تبريرًا «علميًا»

لوجوده واستمراره في ما صار يعرف باقتصاد المعلومات. وفي الحقيقة، ليس هناك شيء مجاني تمامًا في عالم تكنولوجيا المعلومات. فالالتحاق بعالم

((2(لا شك في وجود اتجاه تنازلي ل ضإإرابات العمالية، ولكنها لم تختف. راجع بالنسبة إلى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إحصاءً للسنوات:2015–1985

«Industrial Disputes,» OECD, September 2017, accessed on 7/1/2019, at: https://bit.ly/2RafpBa;

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، انظر إحصاءً للسنوات 2017–1947 في:

Bureau of Labour Statistics, «November jobless rates down in 6 states, up in 2; payroll jobs up in 4 states,» 21/12/2018, accessed on 1/1/2019, at: https://www.bls.gov/

لاحظ أن هذين المصدرين يقران بأن هذه التقديرات غير شاملة لكل أنواع الإضرابات العمالية وأن قياسها يفتقر إلى الدقة من بعض الوجوه. ((2(انظر شرحًا مبسطًا ودقيقًا لشروط توازن المحتكر في حالات تزايد التكلفة الحدية وثباتها وتناقصها في:

Nipun S., «Equilibrium of the Monopolist | Markets | Economics,» Economics Discussion, accessed on 6/1/2019, at: https://bit.ly/2CR4JyT (23) Rifkin , pp. 12–13.

شتاء   winter 2019

تكنولوجيا المعلومات يقتضي ابتداءً تحمّل قدر غير قليل من النفقات الثابتة متمثلً في حيازة

حاسوب أو لاب توب أو موبايل، أو الأجهزة الثلاثة في آن معًا بالنسبة إلى من يرغبون في التواصل

الدائم مع الشبكات، والتزود بالبرمجيات اللازمة لتشغيل الحاسوب أو اللاب توب مثل ويندوز وحزمة برمجيات للكتابة أو الحساب وإنتاج العروض التقديمية مثل ميكروسوفت أوفيس، وكذلك التزود ببرنامج للوقاية من الفيروسات أو لعلاجها. كما يستلزم الأمر التزود بوسيلة اتصال بالإنترنت مثل WIFI أو USB وهو ما قد يتطلب دفع اشتراك خط هاتف أرضي وشراء جهاز توجيه (راوتر)، فضلً عن دفع اشتراك شهري لإحدى شركات تكنولوجيا المعلومات للحصول على خدمة الإنترنت عن طريق الراوتر أو عن طريق باقة إنترنت. أضف إلى ما تقدم تكلفة الكهرباء اللازمة لتشغيل الأجهزة وتكلفة صيانة الأجهزة ذاتها وتكلفة الأحبار وورق الطباعة. كما أن المنتجات المعلوماتية لا تنتج مرة واحدة ثم يجري استنساخها، بل إن هناك تجديدات مستمرة؛ حيث تستحدث صيغ جديدة للبرامج ويجري تسويقها بأسعار ليست زهيدة في غالب الأحوال. وهذه من خطوط الدفاع التي تشيدها شركات المعلومات في وجه الاستنساخ المجاني لمنتجاتها والأشكال المختلفة للقرصنة. فما تحصل عليه من منتجات معلوماتية بلا مقابل من محرك بحث غوغل أو ياهو ليس مجانيًا

تمامًا في حقيقة الأمر، حيث إن له نصيبًا مما تتحمله من نفقات ثابتة وجارية. وبالطبع ليست كل

المنتجات المعلوماتية متاحة أو يمكن الاستيلاء عليها. فمنها الكثير الذي له ثمن يتعين دفعه للمنتج أو الموزع كما في حالة الشراء Online للنسخ الرقمية من الكتب أو المقالات العلمية أو الموسيقى وغير ذلك. وخلافًا لما يظنه كثيرون من مستخدمي فيسبوك وأخواته مثل إنستغرام وواتس آب من أنهم يحصلون على خدمات هذه الشبكات الإلكترونية مجانًا، فإن ثمة ثمنًا يدفع بصورة غير مباشرة – إضافة طبعًا إلى النفقات الثابتة والجارية التي يتحملها المستخدم وفق ما سبق ذكره – للاستفادة من هذه

الخدمات. وهذا الثمن يتمثل فيما يقدمه المستخدم من معلومات شخصية عند التسجيل في هذه الشبكات، والتي تقوم الشركات المعنية بتجميعها وتحليلها وتصنيفها بالأساليب المستحدثة لمعالجة البيانات الضخمة Data Big، ثم تقوم ببيعها لراغبي الإعلان عن منتجاتهم وترويجها على الشبكات التي يتردد عليها مليارات البشر. ولا يتوقف الأمر عند التكسب من الإعلانات أو بيع ما أطلق عليه البعض «خدمات الترويج» Services Promotion. بل إن شركة مثل فيسبوك قد تبيع معلومات المترددين على شبكاتها أو فئات منهم لشركات متخصصة في الترويج التجاري أو السياسي، كما ظهر في فضيحة فيسبوك مع شركة كمبردج أناليتيكا التي استدعت مثول مؤسس فيسبوك مارك زوكربيرغ للتحقيق أمام الكونغرس في صيف 2018؛ الأمر الذي كانت له تداعيات سلبية على أسعار أسهم الشركة في البورصة. المهم في الأمر أن ما يقدمه المترددون على فيسبوك وأخواتها من ثمن يتمثل فيما يضعونه تحت تصرف الشركة من معلومات شخصية، هو ما يمكن هذه الشركة من تحقيق

(((2 هذا هو اسم المنتج الذي تبيعه شركات مثل فيسبوك وغوغل بحسب ما جاء في المقال التالي:

Shahram Azhar, «The Fourth Industrial Revolution and Labour, a Marxian Theory of Digital Production,» Review of Socio–Economic Perspectives , vol. 2. no. 1 (June 2017), pp. 103–124.

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

أرباح فلكية. فقد بلغ إجمالي إيرادات فيسبوك في سنة 2017 مبلغ 40.6 مليار دولار (منها 39.9 مليار دولار حصيلة الإعلانات بزيادة 49 في المئة على العام السابق)، بينما بلغت نفقاتها 20.4 مليار دولار، وبذلك كان العائد الصافي للشركة 20.2 مليار دولار في تلك السنة. وثمة سبب آخر لنعت حديث ماسون عن الانتقال إلى عالم الوفرة في نظام ما بعد الرأسمالية بالحديث المسرف في المبالغة وفي التعميم. فالعالم لن يعيش على المنتجات المعلوماتية أو الرقمية وحدها حتى إذا كانت وفيرة أو مجانية، بل إنه سيظل في حاجة إلى منتجات مادية كالمأكل والمشرب والملبس والمسكن والسيارات وعربات النقل والقطارات والسفن والطائرات والطرق والجسور، وما يستلزمه إنتاج هذه الأشياء من قوة عمل ومستلزمات سلعية وطاقة وسلع رأسمالية كالآلات ومعدات ووسائل الانتقال والاتصال، ومن مصانع تنتج هذه الأشياء. هذا فضل عن احتياج قطاع تكنولوجيا المعلومات ذاته إلى عديد من السلع المادية. فالبرمجيات Software لا تعمل من دون عتاد حاسوبي Hardware تتولى إنتاجه شركات رأسمالية. ويقينًا فإن هذه الأشياء لن تنخفض تكلفة إنتاجها ولا عمالتها إلى الصفر أو تقترب منه، حتى إذا افترضنا أن إنتاجها سيستفيد من تكنولوجيا المعلومات والثورة الصناعية الرابعة أكبر استفادة. واستكمالً لنقد نظرية ماسون لما بعد الرأسمالية، فثمة نقاط إضافية: من الصعب قبول تنبؤ ماسون بأن عالم ما بعد الرأسمالية المتميز بالوفرة سوف تقترب فيه الحاجة إلى العمل من الصفر. فإنتاج ما أشرنا إليه من منتجات مادية وتوزيعها وكذلك إنتاج المنتجات المعلوماتية وتوزيعها لن يستغنيا عن العمالة حتى مع الأتمتة وإنترنت الأشياء والطباعة الثلاثية الأبعاد. فالقطاع المعلوماتي يستخدم أعدادًا كبيرة ومتزايدة من البشر، وهو ما يتضح مثل من العمل في منشآت إنتاج السلع المعلوماتية وفي محلات بيع وصيانة الحاسبات والموبايلات والطابعات وما إليها، وكذلك العمل في مراكز خدمات شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وفي مراكز التدريب الخاصة بهذا المجال. ويقدر أن عدد ساعات العمل في قطاع تكنولوجيا المعلومات في ألمانيا قد ازداد من 765 مليون ساعة عمل في سنة 2000 إلى أكثر من مليار في سنة 2010. ومع

(((2 هذه البيانات متاحة في:

«Facebook Fourth Quarter and Full Year 2017 Financial Highlights,» Investor Relations, 31/1/2018, accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2RkM0Ur

وقد تكشف مؤخرًا أن تربح فيسبوك من معلومات المستخدمين لم يقتصر على كمبردج أناليتيكا، بل تبين أن بيع الشركة هذه

المعلومات لعملاء كثيرين مثل Airbnb، و Lyft التي تقدم خدمات مناظرة لأوبر، و Netflix المتخصصة في تقديم خدمات مشاهدة المسلسلات التلفزيونية والأفلام وغيرها مقابل اشتراكات مالية. انظر:

A. Satariano & M. Isaac, «Facebook used people’s data to favor certain partners and punish rivals– Documents show,» The New York Times , 5/12/2018.

(((2 وردت هذه المعلومة في:

Christian Fuchs, «Henryk Grossmann 2.0: Postcapitalism: A Guide to Our Future,» Triple C , vol. 14, no. 1 (2016), pp. 232–243.

شتاء   winter 2019

أن بعض الدراسات تتوقع أثرًا سلبيًا حادًا لتكنولوجيا المعلومات في التوظيف، فثمة ما يشكك في

صحة هذه التوقعات. ويتضح ذلك، مثل، من ملاحظة أن معدلات البطالة في عدد من الدول المتقدمة ذات النصيب الوفير من تكنولوجيا المعلومات، إنتاجًا واستهلاكًا، في حدود لا تشي

بالاتجاه نحو تقلص شديد في فرص العمل. فطبقًا لأحدث التقديرات المتاحة في سنة 2018 بلغ

معدل البطالة في سنة 2017 نحو 4.4 في المئة في كل من المملكة المتحدة (هبوطًا من 7.8 في

المئة في سنة 2010) والولايات المتحدة (هبوطًا من 9.6 في المئة في سنة 20103.8)، و في المئة

في ألمانيا (هبوط 7 في المئة في سنة 20102.8) وًا من في المئة في اليابان (هبوطًا من 5.1 في المئة في سنة 2010). وهذه المعدلات تقل عمّا يعرف بالمعدل الطبيعي للبطالة في الاقتصادات

الرأسمالية. وربما يكون قد ساعد في الحد من ارتفاع معدلات البطالة ما لاحظه أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة لندن ديفيد غريبر من تنامٍ ملحوظ في الوظائف الضعيفة القيمة أو غير الضرورية أصلً، ومنها

الوظائف في مجالات التسويق وأبحاث السوق واستطلاعات الرأي بالهاتف، ووظائف الخدم وأتباع الأغنياء، والوظائف المرتبطة بجماعات الضغط والعلاقات العامة، والوظائف المرتبطة بتوفير مكانة اجتماعية عالية وصورة ذهنية مواتية للشركات. وهو ما يشير إلى أمرين؛ أولهما أن هذا النوع من الوظائف يعود بنا إلى التمييز القديم بين العمل المنتج والعمل غير المنتج، وإلى أن هذه الفكرة لم تفقد صلاحيتها. وثانيهما أن هذه الأعمال غير المنتجة تشكل حيلة من حيل الرأسمالية لتفادي معدلات البطالة المرتفعة، ومن ثم لإطالة عمرها. ومهما يكن من أمر، فإن ما تقدم في هذه الفقرة وسابقتها يدل على غياب دلائل مقنعة على اتجاه المجتمعات الرأسمالية للتحول إلى مجتمعات بلا عمل. إن ماسون غير محق في إطلاق صفة التشارك والتعاون والتعاضد على الكثير من النشاطات الاقتصادية التي أدرجها ضمن ما يصفه بالاقتصاد التشاركي البازغ في قلب الرأسمالية المعاصرة، والذي يفترض

(((2 يقدر أن تطور تكنولوجيا المعلومات يهدد بفقدان 47 في المئة من الوظائف في الولايات المتحدة، و 77 في المئة في الصين و 69 في المئة في الهند، و 65 في المئة في نيجيريا. وقد وردت هذه التقديرات في: كارن أبو الخير، «فائزون وخاسرون: تيارات

تعصف بالعالم في القرن الحادي والعشرين»، اتجاهات الأحداث (أبوظبي)، العدد 25 (كانون الثاني/ يناير 2018)، نقل عن كتاب إيان بريمر الصادر في سنة 2018 (بعد نشر كتاب ماسون:)

Ian Bremmer, US vs. Them: The Failure of Globalism (New York: Portfolio/ Penguin, 2018).

(((2 هذه الإحصاءات مستمدة من قاعدة بيانات التوظف في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المتاحة في:

https://bit.ly/1X4B2Mt

(((2 يعرف المعدل الطبيعي للبطالة بأنه مزيج من البطالة الاحتكاكية والبطالة الهيكلية، ويراوح أحدث تقدير له في الولايات المتحدة بين 4.5 في المئة و 5 في المئة. انظر:

Kimberly Amadeo, «Natural Rate of Unemployment, Its Components and Recent Trends,» The Balance, 16/11/2018, accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2DOTuWg

(((3 انظر عرض رغدة البهي لكتاب غريبر هراء الوظائف Bullshit Jobs: A Theory، في: رغدة البهي، «هراء الوظائف: تبعات لجوء الاقتصادات الرأسمالية للتوظيف غير المنتج»، مركز المستقبل ل بأأحاث والدراسات المتقدمة، 2018/12/4، شوهد في

2019/1/1، في: https://bit.ly/2CIWWmq

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

ابتعاده منطق الربح والملكية الخاصة الحاكم لاقتصاد السوق الرأسمالي، كما يفترض أنه يتحول من عالم التراتبية إلى عالم الشبكية أو ما اعتبره البعض عالمًا بلا سلطة. والواقع أن كثيرًا من نماذج

الأعمال التي يعتبرها ماسون غير سوقية ليست مختلفة جوهريًا عن الشركات الرأسمالية أو لا تقدر

على التوافر والاستمرار إلا في جوار مشروعات رأسمالية. لقد رأينا كيف تعمل شركة مثل فيسبوك كشركة رأسمالية تحقق أرباحًا خيالية. وليس من شك في أن الشركات الرقمية الأخرى مثل غوغل وأبل

وأتش بي وما شابهها هي شركات رأسمالية بامتياز، وأنها لا تنتمي بأي حال إلى ما يسمى «الاقتصاد التشاركي». والآن فلنأخذ حالة ويكيبيديا أو ما يعرف بدائرة المعلومات الحرة أو المجانية التي بدأت في سنة 2001. صحيح أن من يكتبون ويحررون المواد التي تتاح على هذا الموقع لا يتلقون أجورًا، وربما

يفعلون ذلك بدافع من روح الخدمة العامة، أو لأن نشر أعمالهم يمنحهم عائدًا معنويًا إيجابيًا كالإشباع

النفسي. ولكن هؤلاء الناس ما كانوا يستطيعون المساهمة بإنتاجهم الطوعي في ويكيبيديا ما لم يكن لهم دخل يحصلون عليه من وظائف أو ملكية أصول في الاقتصاد الرأسمالي؛ أي إن الاقتصاد الرأسمالي يساهم بطريق غير مباشرة في تمكين ويكيبيديا من العمل والاستمرار. ولكن وجود ويكيبيديا وتشغيلها يحتاجان إلى أجهزة وحواسيب وخوادم وبرمجيات تشغيل والاحتفاظ بقواعد معلومات وتحديثها وصيانتها، كما يحتاج هذا العتاد والبرمجيات إلى صيانة وتجديد من حين إلى آخر. وفضلً عن قوة العمل التطوعي التي تمكن ويكيبيديا من العمل، فإنها تحتاج إلى قوة عمل دائمة من الفنيين والمختصين بتكنولوجيا المعلومات، وهي قوة عمل مأجورة. وتقدر هذه العمالة الدائمة ذات الأجور المرتفعة بحكم التخصص بنحو 300 شخص في الوقت الراهن. والسؤال المهم الآن هو: من، يا ترى، يتكفل بهذه النفقات؟ الإجابة المعتادة هي: التبرعات والهبات والمنح المالية والعينية التي تحصل عليها المؤسسة المسؤولة عن إدارة ويكيبيديا وهي مؤسسة ويكيميديا Foundation Wikimedia غير الهادفة إلى الربح من الأفراد والشركات والوقفيات والجمعيات الخيرية. ولكن من يقدم الجزء الأكبر من هذه الأموال؟ إنها شركات تكنولوجيا المعلومات الكبرى مثل غوغل وأبل وميكروسوفت وإنتل وأتش بي وأوراكل، وشركات الخدمات المالية الكبرى مثل غولدمان ساكس، وشركات تجارية كثيرة أخرى. وهكذا نعود إلى الاقتصاد الرأسمالي مرة أخرى، وإلى الأفراد العاملين فيه وإلى شركاته الكبرى في مساندة ويكيبيديا، وفي تمكينها من الحياة. وكما هو معروف فإن التبرعات تخفف عبء

(31) Signorelli, The Postcapitalist Manifesto. (32) Azhar.

(((3 يبدو أن هذه الدوافع قد وهنت بعض الشيء كما يتضح من إقدام مؤسسة ويكيميديا (المسؤولة عن إدارة ويكيبيديا) على تقديم هدايا لبعض من يتطوعون للنشر فيها. ويتم ذلك عن طريق إنشاء متجر يعرض منتجات متنوعة (قمصان وحقائب وأقلام وأكواب ولعب أطفال وغيرها ويظهر عليها اسم ويكيبيديا) يمكن مستخدمي ويكيبيديا شراء بعضها واقتراح إهدائها

لكاتب معين من كتّاب الموقع، كما يمكن بيع هذه المنتجات للجمهور والاستفادة من عائداتها في تقديم هدايا للك. تّاب

انظر: https://store.wikimedia.org

(((3 قائمة المتبرعين لويكيبيديا متاحة على الموقع التالي: https://bit.ly/2SN9y1o

شتاء   winter 2019

الضرائب عن كاهل الأفراد والشركات في الولايات المتحدة بحسمها من الدخل الخاضع للضرائب، فضلً عن تحسين الصورة الذهنية للشركات لدى الجمهور. ومن المؤسسات الأخرى التي يدرجها ماسون ضمن الاقتصاد التشاركي مؤسسة Breakfast) and Bed – Air (Airbnb. وهي مؤسسة تشتغل بحجز الشقق والفيلات والشاليهات واليخوت...إلخ، وكذلك حجز تذاكر السفر والبرامج السياحية والترفيهية وحجز المطاعم وغير ذلك من الخدمات المتعلقة بالسفر والسياحة في 192 دولة. وكانت البداية بالنشاط الأول، وهو الذي استرعى انتباه المهتمين بالاقتصاد التشاركي وجعلهم يصنفون Airbnb على أنها تقوم بنشاط تشاركي. ولكن هذا النشاط هو في الواقع نشاط تجاري يتمثل في خدمة وساطة بين من لديه مسكن يرغب في تأجيره للباحثين عن مكان يقيمون فيه أثناء إجازتهم بسعر أقل من أسعار غرف الفنادق. ويتم التوفيق بين رغبات العارضين والطالبين من خلال سوق إلكتروني يقوم على قاعدة بيانات ضخمة. وهذه الوساطة ليست مجانية، حيث يتقاضى الوسيط نسبة من قيمة الإيجار (3 في المئة) علاوة على جزء آخر من نسبة تراوح بين 6 في المئة و 12 في المئة لتغطية خدمة العملاء والتأمين لمصلحة المؤجر. وتقدم خدمات الوساطة المتعلقة بالنشاطات الأخرى للمؤسسة بالطريقة نفسها. وفي الحقيقة؛ ليست مؤسسة Airbnb إلا شركة رأسمالية تقوم على استغلال تكنولوجيا المعلومات في مباشرة نشاطها. وقد قدرت قيمة الشركة في سنة 2017 بنحو 38 مليار دولار، وبلغت إيراداتها في تلك السنة 448 مليار دولار. وثمة نشاطات أخرى يدرجها ماسون ضمن الاقتصاد التشاركي، مثل أوبر وكريم وما إليها التي تعمل من خلال تطبيقات على الإنترنت وقواعد بيانات لتقديم خدمة بديلة لسيارات الأجرة لراغبي التنقل أو السفر. وهذه الخدمة تقدم بمقابل يدفعه الراكب وتتقاسمه أوبر مع مالك السيارة. مرة أخرى نحن أمام أنموذج للأعمال قائم على تكنولوجيا المعلومات، ويتمثل في أول الأمر وآخره في شركة رأسمالية كبرى تأسست في سنة 2010، وقد قدرت قيمتها في سنة 2017 بنحو 70 مليار دولار. ومن غير السائغ استناد ماسون إلى أنموذجَي أوبر وكريم غيرهما من ممارسات تقديم

خدمة التنقل في القول بالاستغناء عن الملكية الخاصة للسيارات والاكتفاء بالحصول على خدمتها من هذه المؤسسات Ownership of Instead Access. فهناك من يملكون سيارات ويفضلون عدم

(((3 لاحظ أن لدى مؤسسة ويكيميديا وفرة من الأموال، وهي مؤسسة معفاة من الضرائب على مستوى الولايات وكذلك على المستوى الفدرالي. فقد بلغت أصولها الصافية ما يزيد على 77 مليون دولار في نهاية حزيران/ يونيو 2015. وقد ارتفعت هذه الأصول إلى 113.3 مليون دولار في /2017 2018. وبحسب البيانات المالية للعام /2016 2017 فقد بلغت إيرادات ويكيميديا (من التبرعات والمنح وعائد استثمار ما تتلقاه من أموال وغيرها) 91.2 مليون دولار، بينما بلغت مصروفاتها 69.1 مليون دولار، وهو ما جعلها تحقق فائضًا قدره 22.1 مليون دولار. انظر في الشأن المالي لويكيميديا: https://bit.ly/2RFChIi؛ انظر كذلك:

Caitlin Dewey, «Wikipedia has a ton of money, so why it is begging you to donate yours?» The Washington Post ,

(36) Jean Folger, «The pros and cons of using Airbnb,» Investpedia, 22/10/2017, at: https://bit.ly/2o4B7Fk (37) J. B. Maverick, «How does Uber make money?» Investpedia, 18/12/2017, accessed on 1/1/2019, at: https://bit. ly/2Tn0lwN; «How Uber Works?» Jungleworkes, accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2GOs2gM

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

استخدامها في بعض الأوقات كأوقات الذروة وفي الأماكن المزدحمة ومن ثم يستخدمون البديل

المؤقت الذي تقدمه هذه المؤسسات بدلً منها، تمامًا مثلما يلجأ مالكو السيارات في المدن

الكبرى إلى استخدام المترو في بعض الرحلات تجنبًا لعناء القيادة الخاصة في أوقات الذروة.

بل إن توافر خدمات أوبر وكريم قد شجع بعض الناس على شراء سيارات خاصة والتكسب منها من خلال إلحاقها للعمل مع هذه الشركات. وغياب صفة التشارك بالمعنى المعتاد، غير الربحي أو غير التجاري، عن نشاطات Airbnb وأوبر وكريم ينطبق على نشاطات أخرى يذكرها ماسون مثل بنوك الوقت Banks Time، واقتراض النظراء Lending Peer – to – Peer، وإنتاج الطاقة بوضع ألواح الخلايا الشمسية على سطح منزلك ثم بيع جزء منها للشبكة العامة (وهو ما يسهم في تقليل انبعاثات الكربون)، وغير ذلك من النشاطات. لعله قد اتضح مما تقدم أن الكثير من النشاطات التي يعتبرها ماسون نماذج بازغة للاقتصاد التشاركي هي نشاطات لا تعيش منعزلة عن الاقتصاد الرأسمالي، ولا تتنافر معه بالضرورة. فبعض هذه النشاطات مثل ويكيبيديا لم تكن لتنشأ ولم تكن لتملك أي قابلية للاستمرار في غياب ما تتلقاه من أموال من الشركات الرأسمالية، لا سيما الشركات الاحتكارية الكبرى، سواء أكانت في صورة الأجور التي يتلقاها موظفو هذه الشركات والتي تمكنهم من تقديم مواد للنشر في ويكيبيديا من دون مقابل، أم اتخذت شكل هبات وتبرعات ومنح مالية أو عينية لوقفية ويكيميديا التي تدير ويكيبيديا. والبعض الآخر مثل Aiabnb وأوبر وكريم وغيرها هي من حيث الجوهر شركات رأسمالية ولكنها تسير وفق نموذج أعمال مستحدث قائم بالأساس على تكنولوجيا المعلومات وشبكاتها. ولذا فليس صحيحًا،

كما يزعم ماسون، أن هذه الأنماط الجديدة سوف تزيح الشركات الرأسمالية وتحكم عليها بالفناء، لأن وجودها واستمراريتها مرتبطان بوجود الشركات الرأسمالية. بل إن بعض المنظمات الأخرى الأقرب في فكرتها للتشارك كالجمعيات التعاونية لم تشكل تهديدًا حقيقيًا للمنظمات الرأسمالية، فضل عن

أن تزيحها من الساحة الاقتصادية، وأنها بقيت تعمل إلى جانبها زمنًا طويل، واضطرت في كثير من

(((3 للمزيد حول أن ما يوصف بالاقتصاد التشاركي هو نشاطات ربحية/ رأسمالية تقوم على استخدام تطبيقات وشبكات تكنولوجيا المعلومات، انظر:

T. Ogden, «No Value,» Stanford social Innovation Review (Fall 2014), accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2Ribr9M

(((3 لاحظ أن الجدل محتدم منذ فترة حول تعريف الاقتصاد التشاركي وقياسه، وحول مدى اختلافه عن الاقتصاد الرأسمالي،

فهناك من يوسع التعريف ليشمل خليطًا من النشاطات والممارسات الربحية وغير الربحية. ولكن بعض ما يشار إليه من ممارسات غير ربحية مثل بنوك الوقت هو ممارسات تعتمد على تبادل غير نقدي كمقايضة وقت أداء خدمة لشخص ما بوقت تلقي خدمة من هذا الشخص، أو مقايضة الطعام Food Swaps. ويقال إن الصين قد أخذت بمفهوم شديد الاتساع للاقتصاد التشاركي يكاد يتطابق مع ما يطلق عليه الاقتصاد الرقمي، وتستهدف الوصول بنصيبه في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المئة بحلول سنة 2020. وقد اعتبر المقال المشار إليه أدناه لمجلة The Economist أن جوهر الاقتصاد التشاركي هو تأجير الأشياء واستئجارها بين الناس. ويقدم

جيريمي ريفكن تعريفًا فضفاضًا ل قااتصاد التشاركي المكون مما يسميه مشاعات تشاركية Collaborative Commons ويؤكد اختلافه جوهريًا عن الممارسات الرأسمالية. انظر:

Rifkin, p.p. 19–20; J. Schor, «Debating the sharing economy,» Great Transformation Initiative (October 2014), accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2SvuYQI; A. Rinne, «What exactly is the sharing economy?» World Economic Forum, 13/12/2017, accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2IdofWU; «The rise of the sharing economy,» The Economist , 9/3/2013, accessed on 1/1/2019, at: https://econ.st/2LDBthh

شتاء   winter 2019

الأحيان إلى مسايرتها والابتعاد عن جوهر المبادئ التعاونية، للتمكن من مواجهة المنافسة من جانب المنظمات الرأسمالية. والظاهر مما تقدم أن التناقض بين تكنولوجيا المعلومات والرأسمالية بالمعنى الذي أشار إليه ماسون، أي بوصفه تناقضًا بين عالم الوفرة وعالم الندرة؛ هو تناقض لا وجود له. فعالم الوفرة (التكلفة الحدية صفر) لا وجود له، وما يسمى الاقتصاد التشاركي ليس تشاركيًا حقًا. والحاصل أن ثمة توافقًا كبيرًا بين

تكنولوجيا المعلومات والنظام الرأسمالي. فقد استوعبت الرأسمالية تكنولوجيا المعلومات، كما أن تكنولوجيا المعلومات قد يسرت ظهور نماذج أعمال جديدة تعمل وفق المبادئ الرأسمالية أو تتوافر الموارد اللازمة لتشغيلها بفضل الدخول المتولدة في القطاع الرأسمالي، وبفضل ما يقدمه لها من موارد في صورة منح وهبات نقدية وعينية، وفي صورة إعلانات لمنتجاته، وفي صورة إيرادات لبيع معلومات مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، لشركات رأسمالية تتكسب من ورائها. ولكن التناقض قائم

بمعنى آخر، وهو أن الرأسمالية التي نجحت في إحراز تقدم علمي وتكنولوجي مرموق يَع دُ بتطور

هائل في قوى الإنتاج ويمكن أن يسهم في حل مشكلات البشرية، هي ذاتها التي تعترض تحقق هذا الوعد، وتعوق استفادة قطاع واسع من المجتمع من ثمرات التقدم العلمي والتكنولوجي. ويأتي العائق من خلال علاقات الإنتاج الرأسمالية، ولا سيما الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والتنظيم الاحتكاري للإنتاج، ومن خلال الميل إلى كبت الأجور، ومن ثم ضعف القوى الشرائية للعمال، وهو ما يساعد

على الاحتفاظ بدرجة عالية من اللامساواة، وعدم القدرة على تشكيل طلب فعّال كاف لاستيعاب

الإنتاج المتحقق. ومن هنا حدث التحول إلى الأَمْوَلة ووقعت أزمات حادة كأزمة سنة 2008. ومن هنا

أيضًا تلوح الآن في أفق الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة والاقتصاد العالمي نذُ رُ ركود جديد، وذلك

حتى قبل أن تلتئم جراح أزمة سنة 2008. وفيما يتعلق بتصور ماسون للقوى الحاملة للمشروع الصفري والتي سيقع على كاهلها عبء نقل المجتمع الرأسمالي إلى ما بعد الرأسمالية، وهي جموع المتعلمين والمتشابكين من خلال

تكنولوجيا المعلومات، فإنه تصور مجاف للواقعية. كما أنه من المبالغة الشديدة قوله إن الاتصالية Connectedness التي أتاحتها تكنولوجيا المعلومات قد أضفت هوية جديدة على الأفراد المتشابكين، أهم كثيرًا من الهوية الطبقية. صحيح أن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور

مؤثر في التعبئة والحشد للثورات العربية وللأعمال الاحتجاجية والتظاهرات التي وقعت في أنحاء

(((4 حول ضآلة فرص بقاء الجمعيات التعاونية كمنظمات تشاركية في اقتصاد رأسمالي، انظر:

P. Gasper, «Are workers coops the alternative to capitalism?» International Socialist Review , no. 93 (Summer 2014), accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2LMsJFS

(((4 بحسب تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يتوقع انخفاض معدل نمو الاقتصاد العالمي من 3.7 في المئة في سنة 2018 إلى 3.5 في المئة في سنة 2019، وذلك مع تراجع النمو في أميركا والصين وأوروبا، وعلى الرغم من انخفاض أسعار البترول (التي يبدو لي أنها لا ترجع إلى زيادة المعروض من جانب السعودية استجابة للضغوط الأميركية فحسب، بل إنها قد ترجع أيضًا إلى

انكماش الطلب)، وثمة ركود في الأجور (مثل متوسط الأجر الحقيقي للعامل في بريطانيا لم يشهد أي زيادة خلال أكثر من عشر سنوات) وكذلك في الإنتاجية. وهو ما يفاقم مشكلة اللامساواة وانكماش الطلب. حول هذه التوقعات ومعلومات إضافية. انظر:

P. Goodman, «As the global economy cools, millions are still short of a full recovery,» The New York Times , 2/12/2018.

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

متفرقة من العالم. ولكن ماسون يبالغ كثيرًا عندما يقول إن الجيل المتشابك يرفض الرأسمالية، وإن

لديه شهية واضحة للتغيير الاقتصادي الجذري (ص. 213). ويدرك أن المتعلمين والمتشابكين ذوو مصالح متباينة. ومع ذلك فهو يرى أنهم يتفقون في الحاجة إلى ما بعد الرأسمالية. وفي الحقيقة؛ إن هذا الاتفاق مستحيل بين طبقة الواحد في المئة والتسع وتسعين في المئة الباقية من المجتمع. بل إن الشريحة الأخيرة بينها من الفوارق الدخلية والطبقية ما يحول دون هذا الاتفاق. قد يكون هناك احتمال للتوافق على رفض عيب أو آخر من عيوب الرأسمالية كالفساد والفقر واللامساواة. ولكن هذا لا يكافئ بالضرورة رفض الرأسمالية والرغبة في الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية، ولا سيما أن مشروع ما بعد الرأسمالية الذي يقترحه ماسون فيه كثير من الغموض. وقد كان غياب مشروع مجتمع بديل محل توافق بين الجماهير التي خرجت في الثورات العربية، وكذلك غياب قيادة موحدة لهذا المشروع، من أسباب الهزائم التي أصابت هذه الثورات، إلى جانب أسباب أخرى أهمها الثورات المضادة التي شنتها القوى التي كانت مستفيدة من الوضع القائم. وما يسترعي الانتباه أن جزءًا

كبيرًا من التشابك/ التواصل يدور حول موضوعات بعيدة عن السياسة وقضايا التغيير الاجتماعي

كالموضوعات الترفيهية والدينية والعائلية...إلخ. ومن الملاحظ أيضًا أن نسبة كبيرة من المترددين على مواقع التواصل الاجتماعي يكتفون بالمتابعة السلبية (المشاهدة أو الإعجاب من دون تسجيل رأي مؤيد أو معارض.) وفي الحقيقة، إن الاتصالية ليست بديل من الطبقية، وإن التواصل شبكيًا لا يعني بالضرورة امتلاك الوعي

الطبقي والسياسي الذي لا غنى عنه في قضايا التغيير الاجتماعي، بخاصة عندما يتعلق الأمر بالانتقال إلى نظام اجتماعي جديد. ونقطة الانطلاق نحو التغيير الاجتماعي الجذري هي الصراع الطبقي بين القوى ذات المصالح المتباينة في الرأسمالية، أي بين من يملكون وسائل الإنتاج ويريدون الإبقاء على الوضع القائم، وبين من لا يملكون غير قوة عملهم وهم من يشكلون أصحاب المصلحة في التغيير والقوة المنوط بها إحداث التغيير إلى مجتمع ما بعد الرأسمالية الاشتراكي. وهذا هو التصور اليساري التقليدي الذي يرفضه ماسون لأسباب سبقت مناقشتها. ويقابله تصور شومبيتر بأن الرأسمالية ستنهار من جراء توقف القوة الدافعة لتطويرها، وهي قوة التدمير الخلاق المتمثلة في التطوير التكنولوجي، وذلك عندما يحل الاحتكار محل المنافسة، وعندما يحل الاسترخاء محل الابتكار والتجديد في الشركات الاحتكارية التي تختفي فيها الوظيفة الحقيقية للمنظمين أو رواد الأعمال، ومن ثم تدار بطريقة بيروقراطية. كما تؤدي الأوضاع الاحتكارية إلى تزايد اللامساواة والبطالة، ومن ثم يتلاشى جزء كبير من الدعم السياسي الذي كانت الرأسمالية تحظى به، وتشيع مظاهر السخط على الرأسمالية. وهو ما يؤدي بدوره إلى تزايد قوة أحزاب الديمقراطية الاجتماعية وشعبيتها على نحو يمكنها من كسب أصوات الغالبية ونقل المجتمع بالطريق البرلمانية إلى الاشتراكية. وهذا التصور مرفوض أيضًا

(((4 وجهة نظر شومبيتر معروضة في الفصل الأخير من كتابه الشهير Capitalism, Socialism and Democracy الذي أعيد نشره

منفصلً عقب وقوع أزمة سنة 2008 في الكتاب التالي:

Joseph Schumpeter, Can Capitalism Survive? Creative Destruction and the Global Economy (New York: Harper Perennial Modern Classics, 2009).

شتاء   winter 2019

من جانب ماسون لاعتقاده أن لا شيء يمكن أن يوقف قطار التغير التكنولوجي، وأنه هو ما سيحمل المجتمع إلى ما بعد الرأسمالية القائمة على اقتصاد تشاركي. وفيما يتعلق بمسار التحول إلى ما بعد الرأسمالية، يعوّل ماسون كثيرًا على مساهمة الدولة في إنجاز هذا

التحول. ويقول في حوار له حول كتابه إن علينا إعادة النظر في الدولة وإعادة تخيل دورها من مُدافع

عن الوضع القائم إلى مُحرك للتغيير والانتقال إلى ما بعد الرأسمالية. وهو قول غريب بالنظر إلى ما

ذكرناه سابقًا من توقع ماسون مقاومة شرسة من جانب القوى الرأسمالية لمشروعات الاقتصاد التشاركي التي يرى أنها آخذة في الظهور في عقر دار الرأسمالية. وهو في مطالبته للدولة بدعم المشروعات التشاركية يبدو كأنه يتعامل مع الدولة الرأسمالية كما لو كانت طرفًا محايدًا في صراع المصالح الدائر في المجتمع الرأسمالي، وليس على أنها دولة مهيمن عليها من جانب القوى الرأسمالية حيث القاعدة المرعية هي اقتران السلطة بالثروة. كما أن تصور أن الشبكات ستساعد القوى التي أناط بها ماسون الانتقال إلى ما بعد الرأسمالية في التعبئة والحشد الجماهيري هو تصور يتجاهل حقيقة أن عالم الشبكات لم يعد حرًا كما كان في

بداياته، ولم تعد الديمقراطية في أمان معه. فقد صارت دول كثيرة تلجأ إلى الحد من حرية التواصل عبر الشبكات، وتفرض رقابة على ما يدور فيها، وتشوه حسابات المعارضين، وتحجب المواقع التي تعتبرها مناوئة لها، بل تشترط حصول المواقع الإعلامية على تراخيص مقابل سداد مبالغ مالية كبيرة. وقد كثرت التدخلات المغرضة في الفضاء المعلوماتي مؤخرًا، نذكر منها التدخل الروسي في انتخابات

الرئاسة الأميركية في سنة 2016، والتدخل من جانب دولة الإمارات بدس تصريحات مغلوطة على موقع وكالة الأنباء القطرية في سنة 2016، والتدخل برسائل على الواتس آب لصالح المرشح اليميني في البرازيل في سنة 2018. وما يسترعي الانتباه تراجع بيل غيتس عن توقعه بأن الشبكة العنكبوتية ستعمل على بروز الديمقراطية المباشرة وعلى قيام رأسمالية خالية من النزاع، وذلك بعدما لاحظ شيوع المعلومات المغلوطة والبيانات الفاسدة على شبكة الإنترنت. وقد أكد ريفكن هذا التهديد لعالم الشبكات عندما لاحظ انتشار الجريمة الإلكترونية أو ما أطلق عليه الإرهاب السيبراني– Cyber terrorism، وذلك في سياق بيانه أن نتائج تكنولوجيا المعلومات ليست كلها إيجابية.

(((4 انظر:

Simon Childs, «How is capitalism going to end? An interview with journalist Paul Mason,» Vice, 25/8/2015, accessed on 1/1/2019, at: https://bit.ly/2RrGwqO

(((4 كلام بيل غيتس بشأن المردود الإيجابي للإنترنت على الديمقراطية مقتبس في:

J. F. Scotton, Review of Dan Schiller’s book: Digital Capitalism (Massachusetts, The MIT Press, 1999);

ويصف سكوتون أقوال غيتس بأنها رؤية طوباوية؛ أما تراجع غيتس عن رؤيته المتفائلة فقد ورد في المقال التالي:

Charlie Sorrel, «Bill Gates on how the Internet has damaged democracy,» Fast Company, 28/2/2017, accessed on 6/1/2019, at: https://bit.ly/2FaMRBh;

ويذكر الكاتب أن غيتس يدرك أن وسائل التواصل الاجتماعي قد ساعدت في نشر المعلومات المغلوطة، وأنه يعترف بأنه ليس لديه حل لهذه المشكلة، ولكنه يفكر فيها.

(45) Rifkin, pp. 232–233.

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

خاتمة

لا شك في أن الرأسمالية ليست خالدة. فهي مرحلة تاريخية ستنقضي في وقت ما، ليس بتأثير تكنولوجيا المعلومات بحسب نبوءة ماسون، وإنما تحت وطأة تناقضاتها الداخلية وما نتج منها من لامساواة وعجز عن استئصال شأفة الفقر حتى في الرأسماليات المتقدمة، ومن تدمير للبيئة وعجز عن وقف هذا التدمير. كما أن الرأسمالية ستنهار تحت ضغط ما ولدته من علاقات غير متكافئة بين الشمال والجنوب، وردة فعل لفشل محاولات التنمية الرأسمالية/ النيوليبرالية في الجنوب وسعيها للبحث عن طريق أفضل للتنمية. وإذا كانت الكتابات حول ما بعد الرأسمالية مثل كتاب ماسون (وكتابات ريفكن وسرنسيك وسنيوريللي أيضًا) قد وجدت في التطور المتسارع لتكنولوجيا المعلومات بابًا ملكيًا للخروج

من الرأسمالية، فإنه من المهم ملاحظة أن غالبية هذه الكتابات قد انطلقت من واقع مجتمعات رأسمالية متقدمة من جهة أولى، وأنها هونت كثيرًا من قدرة الرأسمالية على التكيف مع تكنولوجيا المعلومات

من جهة ثانية، وأنها أضفت على نماذج الأعمال الجديدة القائمة على تكنولوجيا المعلومات صفة التشاركية من دون مبررات مقنعة، مع تجاهل أن استدامة النماذج الجديدة مرهونة باستدامة الرأسمالية من جهة ثالثة، وأنها لم تأخذ في الحسبان عالمية الرأسمالية وعلاقات استغلال الشمال للجنوب من جهة رابعة، وأنها قدمت تصورات لعالم ما بعد الرأسمالية مفرطة في المثالية أو الطوباوية ولا تخلو من غموض في الوقت ذاته من جهة خامسة. ومن الملاحظ – كما سبق ذكره – أن كتاب ماسون وبعض الكتابات الأخرى بشأن ما بعد الرأسمالية يستبعد البديل الاشتراكي للرأسمالية. وهذا الاستبعاد يستند فيما أرى إلى افتراض خاطئ للهزيمة النهائية للطبقة العاملة على أيدي الرأسمالية النيوليبرالية من جهة أولى، وانطلاقًا من مفهوم ضيق للطبقة العاملة يكاد يحصرها في عمال الصناعة، ربما كأثر للتوسع في قطاع الخدمات من جهة ثانية. كما أنه، من جهة ثالثة، مبني على تشخيص غير صائب لانهيار النظم الاشتراكية يتجاهل حقيقة أن ما نخر في عظام هذه النظم هو سوس الاستبداد وغياب المشاركة، وما أسفر عنه من فساد ومن تداعيات سلبية على التخطيط وعلى النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. وفي تقديري أنه ليس في الظروف الموضوعية لدول الشمال ما يحول دون قيام البديل الاشتراكي، وأن ما يؤخر التحول إليه هو عدم نضج العوامل الذاتية. كما أن البديل الاشتراكي هو أيضًا البديل الأنسب لدول الجنوب على

((4(يشهد على ذلك عدد من الدراسات والتقارير الحديثة وتصريح الأمين العام ل مأأم المتحدة في المؤتمر الرابع والعشرين للمناخ المنعقد في بولندا في كانون الأول/ ديسمبر 2018 بأن العالم في مأزق شديد فيما يتعلق بتغير المناخ، وذلك على الرغم مما يلحق بالعالم من تأثيرات سلبية ضخمة من جراء هذه الظاهرة. ومن الملاحظ أن الدول الرأسمالية المتقدمة المسؤولة عن النسبة الأكبر من الانبعاثات الكربونية وغيرها من الغازات الضارة لا تتحرك بما يكفي لمواجهة هذه الكارثة. بل إن الولايات المتحدة أقوى اقتصادات العالم والركن الأعظم للرأسمالية تتهرب من الالتزام بالاتفاقيات البيئية الدولية، وأحدث مظاهر ذلك هو انسحابها من اتفاقية باريس للتغير المناخي. وتشير القياسات الحديثة إلى جمود الانبعاثات الكربونية عند مستواها المرتفع خلال 2016–2014، وإلى اتجاه هذا المستوى نحو المزيد من الارتفاع (بمعدل 1.6 في المئة في سنة 2017 متوقع ازدياده إلى 2.7 في المئة بنهاية سنة 2018). انظر هذه المعلومات وتفاصيل أخرى مهمة في:

B. Dennis & C. Mooney, «We are in trouble– Global carbon emissions reached a record high in 2018,» The Washington Post, 5/12/2018.

شتاء   winter 2019

المدى الطويل، والذي يمكن التمهيد له في المدى القريب بمرحلة للتنمية المستقلة/ المعتمدة على الذات.

References

المراجع

العربية

أبو الخير، كارن. «فائزون وخاسرون: تيارات تعصف بالعالم في القرن الحادي والعشرين.» اتجاهات الأحداث. العدد 25. كانون الثاني/ يناير.2018 البهي، رغدة. «هراء الوظائف: تبعات لجوء الاقتصادات الرأسمالية للتوظيف غير المنتج.» مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. 2018/12/4:. في https://bit.ly/2CIWWmq سعد الدين، إبراهيم (محرر ومؤلف مشارك.) أزمة النظام الاشتراكي وتطور مساهمات مصرية حول النظام الرأسمالي واشتراكية المستقبل. كتاب الأهالي. العدد 79. القاهرة: مؤسسة الأهالي،.2008 العيسوي، إبراهيم. نموذج التنمية المستقلة. سلسلة أوراق عربية، العدد 29. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 مرسي، فؤاد. التخلف والتنمية: دراسة في التطور الاقتصادي. القاهرة: دار المستقبل العربي،.1982

الأجنبية

Azhar, Shahram. «The Fourth Industrial Revolution and Labour, a Marxian Theory of Digital Production.» Review of Socio–Economic Perspectives. vol. 2. no. 1 (June 2017). Brown, Lester. Plan B 3.0: Mobilizing to Save Civilization. New York: Norton, 2008. Bureau of Labour Statistics. «November jobless rates down in 6 states, up in 2; payroll jobs up in 4 states.» 21/12/2018. at: https://www.bls.gov/ Drucker, Peter. Post–Capitalist Society. New York: Harper Collins, 1994. Frase, Peter. Four Futures: Life after Capitalism. New York: Verso Books, 2016. Fuchs, Christian. «Henryk Grossmann 2.0: A critique of Paul Mason’s Book: Postcapitalism: A Guide to Our Future.» Triple C. vol. 14. no. 1 (2016). Gasper, Phil. «Are workers coops the alternative to capitalism?» International Socialist Review. no. 93 (Summer 2014). at: https://bit.ly/2LMsJFS

(((4 لا مجال في هذه الدراسة للخوض في هذه المسألة. ويمكن لمن يريد أن يستزيد الرجوع إلى: فؤاد مرسي، التخلف والتنمية:

دراسة في التطور الاقتصادي (القاهرة: دار المستقبل العربي، 1982)، ص 96–89، 250–234؛ إبراهيم سعد الدين (محرر ومؤلف

مشارك)، مساهمات مصرية حول أزمة النظام الاشتراكي وتطور النظام الرأسمالي واشتراكية المستقبل، كتاب الأهالي،

العدد 79 (القاهرة: مؤسسة الأهالي، 2008)؛ إبراهيم العيسوي، نموذج التنمية المستقلة، سلسلة أوراق عربية، العدد 29 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2012

لوجيا المعلومات على الرأسمالية بالاندثار ونكتمكحت له

Gillies, Donald. «Paul Mason’s Postcapitalism.» Real–World Economic Review. no. 73. (December 2015). Mason, Paul. Postcapitalism: A Guide to Our Future. London: Allen Lane, 2015. OECD. «Industrial Disputes.» September 2017. at: https://bit.ly/2RafpBa Ogden, Timothy. «No Value.» Stanford social Innovation Review (Fall 2014). at: https://bit.ly/2Ribr9M Piketty, Thomas. Capital in the Twenty First Century. Harvard: The Belknap Press of Harvard University Press, 2014. Rifkin, Jeremy. The Zero Marginal Cost Society: The Internet of Things, the Creative Commons and the Eclipse of Capitalism. New York: Palgrave Macmillan, 2014. Schumpeter, Joseph. Can Capitalism Survive? Creative Destruction and the Global Economy. New York: Harper Perennial Modern Classics, 2009. Schweickart, David. «Is sustainable capitalism possible?» Procedia – Social and Behavioral Sciences. vol. 2. no. 5 (2010). Scotton, James. F. Review of Dan Schiller’s book: Digital Capitalism. The MIT Press, 1999. at: https://bit.ly/2VONiX4 Signorelli, Anthony. Speculations on Postcapitalism. Create Space Publishing Platform,

________. The Postcapitalist Manifesto. at: https://bit.ly/2Fx1uhN Srnicek, Nick & Alex Williams. Inventing the Future: Postcapitalism and a World without Work. New York: Verso, 2016.