التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي: نحو تجديد أشكال المشاركة السياسية في الجزائر
Protest and Rage through Social Networks: Towards Renewed Forms of Political Participation in Algeria
الملخّص
تبحث هذه الدراسة سيرورة انتقال التنديد والاحتجاج السياسي الذي يأخذ تقليديًا شكل المظاهرات والاعتصامات ونحوهما، إلى الفضاء الرقمي بواسطة صفحات التواصل الاجتماعي. من الناحية الإجرائية يعالج البحث حالة أربع صفحات فيسبوكية لأربع جرائد يومية تصدر في الجزائر، ويتم التركيز على تفاعل القراء فيما بينهم عبر تعليقاتهم على محتويات هذه الصفحات. وتسعى الدراسة للإجابة عن السؤالين التاليين: كيف استطاع القراء، عبر تعليقاتهم على ما تنشره هذه الصفحات الافتراضية، بناء خطاب احتجاجي يمكن اعتباره مشاركة سياسية من نوع جديد في ظل فضاء عمومي مادي شبه مغلق؟ وكيف يصبح ذلك مصدرًا لالتزام السياسي أثناء الممارسة الميدانية لهذا النشاط؟
Abstract
Lecturer at the Faculty of Humanities and Social Sciences, University of Bejaia, Algeria.
- شبكات التواصل الاجتماعي
- التنديد السياسي
- الخطاب الاجتماعي
- احتجاج
- Social Media Networks
- Political Rage
- Social Discourse
- Protest
ملخص: تبحث هذه الدراسة سيرورة انتقال التنديد والاحتجاج السياسي الذي يأخذ تقليديًا
شكل المظاهرات والاعتصامات ونحوهما، إلى الفضاء الرقمي بواسطة صفحات التواصل الاجتماعي. من الناحية الإجرائية يعالج البحث حالة أربع صفحات فيسبوكية لأربع جرائد يومية تصدر في الجزائر، ويتم التركيز على تفاعل القراء فيما بينهم عبر تعليقاتهم على محتويات هذه الصفحات. وتسعى الدراسة للإجابة عن السؤالين التاليين: كيف استطاع القراء، عبر تعليقاتهم على ما تنشره هذه الصفحات الافتراضية، بناء خطاب احتجاجي يمكن اعتباره مشاركة سياسية من نوع جديد في ظل فضاء عمومي مادي شبه مغلق؟ وكيف يصبح ذلك مصدرًا ل لااتزام
السياسي أثناء الممارسة الميدانية لهذا النشاط؟
Abstract: This article examines the shift of political outrage and protest, which have traditionally taken the shape of demonstrations, occupations and so forth, into the digital space by way of social media pages. The research is based on the Facebook pages of four daily newspapers in Algeria, focusing on reader interaction through their comments on page content. The study seeks to answer two main research questions: How were readers, through their commentary on a given page, able to build a protest discourse that could be considered a new type of political participation in response to an almost entirely closed physical public space? Secondly, how does this become a source for political engagement in the field?
شتاء winter 2019
مقدّمة
تحلل هذه الدراسة شكلً جديدًا من أشكال المشاركة السياسية غير التقليدية والبديلة يتمثل في التنديد في الشبكات الاجتماعية الرقمية. وتَكمُن أهمية هذا الفضاء الافتراضي، بوصفه
ملجأً وشكلً خطابيًا، في إمكان تفسيره من خلال السياق الانتقالي للإعلام السياسي في الجزائر الذي
يتميّز بمجاله العمومي وبقائه مراقبًا وصامدًا أمام الخطابات المناقضة للخطاب الرسمي. ومع تصاعد
موجة «الربيع العربي» تفاقمت حالة الغضب على شبكات التواصل الاجتماعي الرقمية. إن التّجلي المادي للغضب بوصفه مفهومًا عاطفيًا حول شبكات التواصل الرقمية، يمكن تقديمه على أنه شعور
بالغضب ورفض موقف متنازع عليه، وبوصفه ممارسة بديلة من التعبير والنقاش. تجري معالجة نوعين من الشعور في مجال علم النفس العاطفي: شعور الغضب المعبّر عنه بالعدوانية،
وشعور الاستسلام المترجم بالخمود. ويندرج هذا الغضب السياسي عبر شبكات التواصل الرقمي في منتصف الطريق بين رؤيتين للمقاربة الاجتماعية–السياسية لمستخدمي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات: رؤية انتصارية، تمجّد طوباوية ثورة الفيسبوك المزعومة التي يحرّكها ناشطو الإنترنت
والباحثون والتقنيون. ورؤية أخرى تمجّد شعور الإحباط أمام عجز شبكات التواصل الاجتماعي عن
تحقيق تقدّم ملموس في معركة الحريات والتغيير الديمقراطي الموعود. في مرحلة أولى، قمت ببناء إشكالية الدراسة وذلك من خلال تأكيد العناصر السياقية التي ميّزت
الوضعية الاجتماعية السياسية في الجزائر ما بعد «الربيع العربي». وفي مرحلة ثانية، وبعد طرح أسئلة البحث، أوضحت المنهجية المتبعة وآليات البحث المستعملة وكذلك مقاربة تحليل العينة. أمّا في
المرحلة الثالثة، فراجعت عناصر النظريات المستعملة والبحوث السابقة التي أطرت الموضوع: المشاركة السياسية في شبكات التواصل الرقمي والغضب في شبكات التواصل الاجتماعي بوصفها مصدر التزام وتعبئة، لأختم في المرحلة الأخيرة بوصف وتحليل الخطاب الاجتماعي الفضاء العمومي الواقعي نحو الفضاء الافتراضي لشبكات التواصل الرقمي. وقد قمت بفحص تصادم الخطابات الاجتماعية خلال المناقشات على الفيسبوك لعيّنة من المقالات المعقّب عليها، وذلك من خلال
التعليقات على المستجدات الإخبارية، وتحليل العملية الخطابية التي سمحت ببناء خطاب الغضب. وتمحور الاهتمام أيضًا حول الإستراتيجيات الخطابية للغضب التي تضفي شرعية على موقف الاحتجاج وفكرة التغيير.
المشاركة السياسية عبر الشبكات الاجتماعية الرقمية: عندما لا يكون لدينا سوى الغضب
مرّت الجزائر بسلسلة من الحركات الاحتجاجية في الشارع تزامنت مع ثورات الربيع العربي وحركات
الغضب في العالم التي انتشرت أيضًا عبر الإنترنت، من خلال أعمال التعبئة الإعلامية والغضب الجماعي على شبكات التواصل الرقمي. فقد تفاقمت وضعيات التعبير والمشاركة السياسية بعد
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
موجة ثورات 2011، مقابل انغلاق تام للمشهد السياسي وتجميدٍ للمعارضة وجعل المجتمع المدني محايدًا. وأمام هذه القيود السياقية التي ميّزت النظام الاستبدادي الجزائري الذي خرج معزّزًا، وُجدت
فضاءات خطابية بديلة تخلّصت من الرقابة ومن دوامة الصمت، وذلك بفضل أجهزة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بما في ذلك الشبكات الاجتماعية الرقمية. اتضح واقعيًا أنّ أيّ محاولة
للتعبئة الجماعية في الميدان غير مجدية، خاصة مع منع المظاهرات في الجزائر منذ حزيران/ يونيو 2001. وفي ضوء غياب فضاء شعبي يسمى «احتجاجيًا»، وفضاء عمومي منفتح وقابل لربط
الحركات الاحتجاجية وهيكلتها، فقد مثّل الغضب على شبكات التواصل الرقمي المكان الافتراضي الأخير الممكن بلوغه للتعبير وآخر شكل للمشاركة السياسية. يمثل هذا الفضاء الافتراضي للتعبير ملاذًا للخطابات المناوئة للخطاب الرسمي. فقد سُمح للفاعلين
الاجتماعيين بنشر آرائهم والتعبير عن مشاعر غضبهم ورفضهم الوضع المتنازع عليه القابل للتغيير. ورغم الاكتفاء في البداية بهذه المشاعر الشخصية الموسومة بالعجز، فإن الغاضبين من الناشطين الإلكترونيين يقومون بتغذية شعور مركّب من الغضب الجماعي الواعي والشرعي ونقله. أي إن هؤلاء الناشطين شرعوا في إنجاز إستراتيجيات خطابية للغضب بوصفه شكلً للالتزام والتعبئة من أجل التغيير. واتسم هذا الحراك على شبكات التواصل الاجتماعي بخطاب غضب المواطنين المتدخلين في موضوعات تهتم بالأجندة وأخبار البلاد الاجتماعية والسياسية. وتُناقش المستجدات على شبكات التواصل الرقمي بواسطة الضغوطات الناجمة عن ردود أفعال القراء على الخطّ من خلال التعليقات. فبالنسبة إلى آرسان سيفرين «تقتصر ردود الفعل عمومًا على بعض الجمل القادرة على التعبير عن
الاتفاق أو الخلاف، ‘القول الحسن!’ أو ‘السيئ للغاية’ وتشابه وضعية وقع التصدّي لها (‘هذا ما حدث لي أيضًا’) أو أيضًا أثر عاطفة ‘هذا مثير للاشمئزاز’، ‘أحبّ»’. مكنتني معاينة عشرات الصفحات على شبكات التواصل الاجتماعي في الفيسبوك لعديد الفاعلين السياسيين والاجتماعيين المهتمين بمناقشة المستجدات الوطنية، من معرفة عدد التدخلات ومعدّلها على المنشورات وردود الفعل المرسلة والمشتركة والمعلق عليها. وأمام الوضعية الاجتماعية والسياسية السائدة في الجزائر، المرفوضة والمتنازع عليها، يغضب مستخدمو الإنترنت، الناشطون على شبكات
(1) Louisa Aït–Hamadouche & Cherif Dris , «De la résilience des régimes autoritaires: La complexité Algérienne,» L’Année du Maghreb , no. 8 (2012), pp. 279–301. (2) Aissa Merah, «Discours de changement dans les discussions juvéniles en ligne: Cas des commentaires de l’actualité,» in: Fathallah Daghmi, Farid Toumi & Abderrahmane Amsidder (eds.), Médias et changements Formes et modalités de l’agir citoyen (Paris: L’Harmattan, 2015), pp. 197–212. (3) Nabila–Aldjia Bouchaala, «L’émergence du concept d’espace public dans les contextes sociopolitiques maghrébins: Réflexions sur le cas algérien,» MULTIMED , Revue du Réseau méditerranéen du centre d’études et de formation, no. 2 (2012), p. 8. (4) Séverine Arsène, «Les ‘réactions spontanées’ sur internet: Le contexte autoritaire comme ren–versement de perspective sur des formes problématiques d’action collective,» Congrès de l’Association Française de Science Politique, France, Septembre 2011, p. 1.
شتاء winter 2019
التواصل الرقمي خاصة، من تسيير الشؤون العامة وتصرفات المسؤولين. ويبلغ هذا الشعور المتفاقم
بالغضب، أحيانًا، مستوى الازدراء المعل ن تجاه المسؤولين عن القطاعات والمرتبطين بموضوع الإشكالات التي هي محلّ النقاش. ويتطوّر هذا الخطاب الغاضب من طرف متدخلين غاضبين أمام
وضعيات تُعدّ خطِرة وغير مقبولة. ويكون الغضب، في أغلب ما يجري نشره من تعليقات، ناتجًا من
ردود الفعل والتعليلات الرسمية المعبّئة للعثور على أعذار أمام المشكلات المثارة من طرف السكان:
فضائح التسيير العمومي (الطريق السريعة شرق – غرب)، والتصريحات الاعتباطية للمسؤولين (تنكيت الوزير الأوّل)، وقمع الشرطة (مسيرة الأطباء)، وقضايا الارتشاء في الشركة الوطنية للنفط (سوناطراك)،
وحالات موثقة من الظلم الاجتماعي (تحويل وجهة إعانات اجتماعية)، وجودة الخدمات الاجتماعية (فضيحة عيادة للأمومة بأكبر المدن الجزائرية)، وغير ذلك. والسؤالان المطروحان هما: كيف يتجلى خطاب الغضب السياسي من خلال التعليقات على المستجدات على شبكة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك)؟ وهل يمثل الغضب على شبكات التواصل الرقمي مصدرًا للالتزام السياسي؟
عناصر المنهجية
اخترت من بين شبكات التواصل الرقمي، الشبكة الأكثر استعمال في الجزائر وهي الفيسبوك. وركزت على أربع صفحات على الفيسبوك خاصة بجرائد إخبارية: اثنتان إلكترونيتان واثنتان هما واجهتان رقميتان لجريدتين ورقيتين يوميتين. ونظرًا إلى طبيعة التعليقات على المقالات، كونها في تجدد وتغير
دائمين، وخاضعة للتعديل بل الحذف، استخدمت طريقة أخذ صور من الشاشة للتعليقات ثم طبعها
لتحليلها في شكلها وترتيبها. وأشير هنا إلى أن التحليل أ جري على المحتوى المكتوب فحسب؛ أي جرى إقصاء الصور والدعائم السمعية البصرية من تسجيلات ومشاهد؛ كونها في حاجة إلى مناهج تحليلية من علوم دلالة الصورة أساسًا. ونظرًا إلى صعوبة تحديد موضوع التحليل والمناقشات بحكم
تطوّرها المتواصل من حيث العدد والمحتوى والشكل، ارتأيت أن أعدّ التعليقات المحتفظ بها للتحليل
مجموعةً أو مدوّنةً مختارةً وليس عينةً تمثيلية، وهذا ما يبرر ترجيح التحليل النوعي. وقد تطرق عديد
من المنظرين، بإسهاب، إلى هذه الصعوبات المنهجية لهذه الطريقة التحليلية للتعليقات الرقمية، ولكن أكدوا في الوقت نفسه فاعليتها في تعيين وصف مؤشرات الخطاب المنبعث من التعليقات. كما أن تجربة البرمجيات المعلوماتية في التحليل الكمي للمحتوى، على الرغم من أهميتها في تحديد الاتجاهات العامة للموضوعات والخطابات، تعجز عن إعطاء معنى وتفسير للتعليقات؛ كون
(5) Merah, pp. 197–212. (6) Gersende Blanchard, Simon Gadras & Stéphanie Wojcik, «Analyser la participation politique en ligne: Des traces numériques aux pratiques sociales,» in: Christine Barats (dir.), Manuel d’analyse du Web en Sciences Humaines et Sociales (Paris: Armand Colin, 2013), pp. 166–178; Baudouin Dupret, Enrique Klaus & Zouhair Ghazzal, «Commenter l’actualité sur Internet,» Réseaux , vol. 160–161, no. 2 (2010), pp. 285–317; Michel Marcoccia, «L’analyse Conversationnelle des Forums de Discussion: Questionnements Méthodologiques,» Les Carnets du Cediscor , no. 8 (2004); Guillaume Carbou, «Analyser les Commentaires d’actualité sur le Web: Difficultés Méthodologiques et Intérêt Sociopolitique,» Actes en ligne Congrès national de la SFSIC, 2014, accessed on 11/1/2019, at: https://bit.ly/2AOcu7d
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
البرمجيات لا تأخذ في الحسبان الشروط النسقية لإنتاج المحتوى ولا العوامل الظرفية لموضوع المقالة المعلق عليها ولا الخصائص الفنية للتفاعلية الرقمية بالتعليق، خاصة عندما يتعلق الأمر بالإنتاج
التعبيري الانفعالي من تنديدٍ بمعنى التعليق الغاضب والسخط. وبناءً على ما سبق، اخترت ثماني مساهمات من المقالات الموزّعة على حسابات الفيسبوك الخاصة
بجرائدها، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى، والأكثر قراءة وتعليقًا. ووصفت المناقشات وطرق مناقشة المتدخلين الذين صاغوا خطاب الغضب، وذلك بتحليل مجموعة مستهدفة ومعللة ومتكوّنة من مئة تعليق تمثل مؤشرًا على الغضب. أخذت عن جون جاستيل، بوصفه نموذجًا تحليليًا، شبكته للمداولة المثالية المرتكزة على ممارسات
التعبير والنقاش السياسي. وشرعت في وصف مظاهر الغضب عادًّا إياها وضعيات للحديث والجدال
على مستويين: الأول تحليلي والثاني اجتماعي. ويسمح هذان المستويان الأخيران، في وقت واحد، بإجراءين: أولهما تحقيق مسار استطرادي اجتماعي، وثانيهما بناء خطاب اجتماعي غاضب. يتمثل
المستوى الأوّل المشار إليه ب «التحليلي» في وصف معلومات المُعل ق وتصوّراته حول موضوع المقالة
المنشورة والمعقّب عليها في صفحات الفيسبوك الخاصة بالجرائد. ويتمثل المستوى «الاجتماعي»، بالاستفسار عما يدور حول الترسيخ الاجتماعي لمحتويات التعليقات المرسلة بقدرتها على تمثيل الواقع المعيش. ويؤكّد هذا الترسيخ الطابع الاجتماعي والجماعي لأفكار المتدخلين المستمدّة من الخطابات الاجتماعية المتداولة في المجتمع. كما قمت بتحليل مجموعة من صفحات الفيسبوك للصحافيين الذين حرروا المقالات المذكورة المتشاركة في شبكاتهم الخاصة للتواصل الرقمي، معتمدًا على أسلوب تحقيقي. فيما يتعلق بالنظرية، تبنيت الرؤية الفعّالة لشعور الغضب التي دعا إليها بول ريكور وجون كابوتو
واستخدمها كايث بوت، بوصفها مقاربة شارحة تعتبر أن مثل هذه المشاعر من شأنها أن تدفع بالمواطن الواعي بوجود وضعية مؤسفة معينة إلى التنديد بها وبمسؤوليها، ثم تحويل شعور السخط إلى فعل الاحتجاج وسلوك الالتزام بضرورة التجند لتغييرها. وفي الواقع، فإنّ شعور الغضب وتضمينه في خطاب سياسي له تقليد خطابي طويل في الحركات الاجتماعية والاحتجاجية. وقد تبنى العديد من
(7) John Gastil, Political Communication and Deliberation (California: Sage Publications, Inc., 2008).
(((إنّ المؤشرات المحتفظ بها للتحليل في مستويين، تمّ تطويرها وتصويرها في القسم الخاص بما هو عملي.
(9) Keith Putt, «Indignation toward Evil: Ricoeur and Caputo on a Theodicy of Protest,» Philosophy Today , vol. 41, no. 3 (1997), pp. 460–471. (10) Elżbieta Pachocińska, «Les Politiques Indignés Sur les Sites Internet,» Studia Romanica Posnaniensia, vol. 42, no. 4 (2015); Anne–Claude Ambroise–Rendu & Christian Delporte (eds.), L’indignation. Histoire d’une Emotion Politique et Morale (XIXe–XXe siècles), (Paris: Nouveau monde éditions, 2008); Marion Ballet, Peur, Espoir, Compassion, Indignation. L’appel aux émotions dans les campagnes présidentielles (1981–2007) , (Paris: Dalloz, 2012); Marc Angenot, «Six communications pour le prix d’une,» La grosse TINA: Archéologie littéraire et artistique de l’indignation politique, Colloque organisé par CRIST, Centre de recherche interuniversitaire en sociocritique des textes, Montréal, Université de Montréal, 25/8/2012.
شتاء winter 2019
الباحثين هذه المقاربة النفسية والسياسية لدراسة الفعل الاحتجاجي وتوصلوا إلى تأكيد أهمية الغضب بوصفه شكلً تعبيريًا ساخطًا، ومصدرًا ومنطلقًا لصيرورة شعور الوعي بالمشكل لدى المواطن، ومن
ثمّ تشكل لديه مسار الالتزام والتعبئة السياسيين بوصفه مناضلً مهيكلً أو فاعلًاجتماعيًا مستقلً.
وقد سمحت هذه الدراسات بتراكم مفاهيمي مهمّ متصل بالسخط والالتزام، كما في كتابات جورج
ماركيس، وليليان ماتيو، وكريستوف تريني، وأليكسي فرتشاك. والجديد في هذا الشكل من المشاركة، أنه لا يتموضع في مستوى الغضب، بل في مستوى جهازه التقني وشكله الاستطرادي. وطوّر هذه الرؤية جان–فيليب بيارون Pierron Philippe – Jean الذي يعد
هذا الشعور مصدر التزام سياسي، ويرى أنّ الأفراد الغاضبين الباحثين عن العدالة مدفوعون بشعور أخلاقي ومعنوي. ويعدّ الغضب لدى هؤلاء الكتاب مرادفًا لوجود الشرّ والانزعاج منه. لذلك يرى
هؤلاء أنّ التعبير عن الغضب وممارسته يظلان من دون فائدة إن لم يكونا مصحوبَين بأمل التغيير
والاحتجاج النشيط والتعبوي. هذه الرؤية نفسها نجدها لدى ستيفان هيسل الذي يرى أنّ أسوأ المواقف هو اللامبالاة، بينما تمثّل ملكة الغضب والالتزام عنصرًا يميز الإنسان. وبالنسبة إلى هذا الشكل من
حركة الغضب، فهو علامة التزام قضايا المجتمع، «فعندما نغضب على شيء مثل سخطي على النازية، عندها نصبح مناضلين، أشداء وملتزمين».
الخطابية الاجتماعية عبر شبكات التواصل الرقمي
للإجابة عن السؤالين المطروحين تبنّيتُ المقاربة البنائية التي طوّرها برنار ديلفورس وجاك نوايي لتحليل
البناء الإعلامي للمشكلات العمومية؛ أي الدلالة الاجتماعية. يُفسّر تبني هذه المقاربة المتعدّدة
الاختصاصات بقدرتها على التكفل بالعناصر السياقية المحدّدة لشروط التدخل والمشاركة الاستطرادية أو الخطابية على شبكات التواصل الرقمي من خلال التعليق على المستجدات الإعلامية. إنّ الفرضية المستمرة والمميزة بوضوح في البحث في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتي تحظى بدعم مجلة «شبكات» Réseaux ترى أنّ هنالك دومًا استمرارية بين مؤانسة الوجه لوجه والمؤانسة التي
تتوسطها أدوات التواصل. وعلاوة على ذلك، «مثل الغالبية العظمى لأعمال علم الاجتماع المرتكزة
(11) George Marcus, Le Citoyen sentimental. Émotions et politique en démocratie (Paris: Presses de Sciences Po, 2008). (12) Lilian Mathieu, «Les ressorts sociaux de l’indignation militante,» Sociologie , vol. 1, no. 3, 21/10/2010, accessed on 11/1/2019, at: https://bit.ly/2QLfZAA (13) Christophe Traïni, «Entre dégoût et indignation morale. Sociogenèse d’une pratique militante,» Revue française de science politique , vol. 62, no. 4 (2012), pp. 559–581. (14) Alexis Feertchak, «L’indignation créatrice,» Après–demain , vol. 3. no. 27–28 (2013), pp. 20–21. (15) Stéphane Hessel, Indignez–vous! (Montpellier: indigène éditions, 2011), p. 3. (16) Bernard Délforce & Jacques Noyer, «Pour une approche interdisciplinaire des phénomènes de médiatisation: Constructivisme et discursivité sociale,» Études de communication , no. 22 (23/5/1999), accessed on 10/1/2019, at: https://bit.ly/2tl5L0B; Aurélie Tavernier et al., Figures sociales des discours: Le discours social en perspectives , coll. Travaux & recherches UL3 (Lille: Université Charles de Gaulle, 2010).
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
على الدراسات الميدانية، دافعت مجلة ‘شبكات’ عن تصوّر استمراري للمؤانسة ‘الاجتماعية’ خارج
الشبكة وداخلها». وترى هذه الفكرة أن الحياة اليومية والالتزام بمنزلة استمرارية لأشكال الالتزام في الواقع «والفصل التحليلي بين الحراك ‘على الخطّ’ و‘خارج الخط’ تحيل على ثنائية زائفة أخرى »، بمعنى الانتقال من الحراك في الواقع إلى الحراك عبر الشبكات الاجتماعية. وفي هذا الشأن، كتبت سهام النجار قائلة: «إنّ قضية الحركات الاجتماعية على الخط والحراك السيبراني هي ثنائية القطب (هجينة)، لكونها تُحيل على التزام اجتماعي يمرّ عبر الافتراضي للتأثير
في الواقع». ففي تقديمها الكتاب الذي أشرفت عليه، أكدت المؤلفة أنّ هذا الاهتمام بالطابع ثنائي القطبية، الظاهري الحقيقي يجري تفسيره ب: • تغلغل الالتزام على الخطّ، خاصة عبر شبكات التواصل الرقمي، في الواقع الاجتماعي. • قدرة شبكات التواصل الرقمي على خلق ترابط بين مستخدمي الإنترنت في مجموعة حركات الناشطين الإلكترونيين المعبئين. • مواكبة «المشاريع الاحتجاجية الموجودة في الميدان» بتوافر الشفافية والوضوح للقضايا المدافع عنها لفاعليها الاجتماعيين ولخطابهم الترويجي. وتقوم هذه المقاربة المرتكزة على الخطاب الاجتماعي بتوسيع موضوع البحث ليشمل المناقشات الواردة في شكل تعليقات على الخطّ وخصوصًا على شبكات التواصل الرقمي. وفي نصّ حول التحليل الاستطرادي، اقترحت ماري–آن بافو، إضافة إلى عرض جرد نقدي للأعمال
المنجزة، مقاربة لغوية، تنعت ب «البيئية»، تتقاطع مع المقاربة السوسيو خطابية حول الخطابية الاجتماعية. فهذه المختصة اللغوية تفضل الحديث عن خطاب رقمي–اجتماعي عوضًا عن الخطاب الاجتماعي كما يظهر في قولها: «إن التواصل عبر الإنترنت لا يعني العلاقة الاجتماعية والرقمية الخاصة بشبكات التواصل الرقمي: فالوسيط الاجتماعي هو عندما يتم بناء شكله ومحتواه من خلال العلاقات التي يبنيها المستخدمون ويحافظون عليها». ومن هنا، ترى أنّ تحليل هذا الخطاب يمرّ، بالأخذ في الحسبان
الخصائص التقنية الاجتماعية لهذا الشكل من الخطاب، والتقنية التحادثية والتحقيقية التي تحدّد
جهاز الإنتاج اللغوي والخطابي. ومن خلال التكفل بهذه المواصفات، تمك ن المقاربة الاجتماعية
(17) Dominique Cardon & Zbigniew Smoreda, «Réseaux et les mutations de la sociabilité,» Réseaux , vol. 2, no. 184– 185 (2014), p. 166. (18) Geoffrey Pleyers, «Présentation,» Réseaux , vol. 5, no. 181 (2013), pp. 9–21. (19) Sihem Najar (ed.), Le Cyberactivisme au Maghreb et dans le Monde Arabe (Paris: IRMC–Karthala, 2013), p. 14. (20) Ibid., pp. 5–13. (21) Marie–Anne Paveau, «Technodiscursivités natives sur Twitter. Une écologie du discours numérique,» Revue internationale de sciences humaines et sociales appliquées (2013), p. 146. (22) Ibid., p. 140.
شتاء winter 2019
الاستطرادية من وصف التجارب المدروسة وغير المدروسة لعمليات الخطاب الاجتماعي وفهمها عبر الإنتاجات اللغوية والإستراتيجيات الناتجة من الحجج: وهي التعليقات. وتتيح هذه المناقشات عن طريق التعليقات حالات مواجهة لمختلف العمليات الاستطرادية التي تتجسّد بسيل من التعليقات
المتقاربة والمتباعدة والمتنافسة مع معالجة النّص. تتوافق فئات التعليقات مع الخطابات الاجتماعية الجارية حول الموضوعات في المجتمع. إذ يعبر كاتب التعليق، عن دراية أو غير دراية، عن تصوّراته الاجتماعية ومعارفه حول الموضوعات الصحافية
التي شاركها وعلّق عليها في صفحات الفيسبوك الخاصة بعيّنة الجرائد. تمارس لعبة الجدل الاجتماعي
هذه، وبحسب المقاربة التي تم توظيفها، من خلال تعليقات متابعي صفحات الجرائد. ووفقًا للنهج المعبأ، تقتبس هذه التعليقات دومًا من مختلف الخطب الاجتماعية المتداولة في المجتمع: الحكومة،
والمجالس المنتخبة، والمنظمات السياسية، و«المجتمع المدني»، ووسائل الإعلام؛ وبعبارة أخرى، يتوافر دومًا نوع من عقد للقراءة يجب احترامه. ولا يمكن أن يكون للتعليق معنىً، أو أن يُفهم ويُقبل
ويكون شرعيًّا، إلا إذا نهل من أحد الخطابات الاجتماعية الموجودة والمعترف بها في المجتمع. إذ، ا
ليس المُعلِّق هنا غير ممثلٍ لفاعلين اجتماعيين، خاصة السياسيين والإعلاميين الذين لهم خطبهم
الخاصة، ينزلونها ويطورونها بالتعبير عن المسائل الراهنة.
من ثورات «الفيسبوك» إلى السخط السياسي على شبكات التواصل الاجتماعي
أود أن أشير إلى أن هذه الدراسة والتحليلات التي أجريتها، لا تندرج ضمن المقاربة التقنوية التي تتأسس على فرضية الدور الكبير للتقنية التي ينادي بها النهج الاجتماعي–السياسي السائد لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ويؤكد استعراض النتائج التجريبية حول هذا الموضوع، حتى مع الفوارق الدقيقة، مساهمة هذه الشبكات في أعمال التعبئة المعلوماتية والجماعية. ويتموقع هذا الإسهام، وفق تصنيف المشاركة السياسية في الديمقراطية التي اقترحها بيار روزانفالون، في المستوى الأوّل،
أي مستوى المناقشة. فبالنسبة إليه «تتوافق ديمقراطية التعبير، عند أخذ كلام المجتمع وإظهار شعور جماعي وإبداء إطلاق حكم على أصحاب السلطة وعلى أفعالهم، أو أيضًا عند عرض المطالب». يُفهم التعبير هنا، على أنه النشاط القاعدي لأيّ مشاركة سياسية: تناول الكلمة ومناقشة المواطن
المسائل العمومية. كما يمكن مقارنتها بتعبئة المعلومات التي حددها فابيان غرانجون. فبالنسبة إليه
(23) Thierry Vedel, «l’idée de Démocratie Electronique: Origines, Visions, Questions,» in: Perrineau Pascal (dir.), Le Désenchantement Démocratique (La tour d’aigues: Editions de l’aube, 2003), pp. 243–266; Fathallah Daghmi & Farid Toumi & Abderrahmane Amsidder, Les Médias font–ils les Révolutions? Regards critiques sur les soulèvements Arabes (Paris: L’Harmattan, 2013); Peter Dahlgren, «Web et participation politique: Quelles promesses et quels pièges?» Questions de communication , no. 21 (2012), pp. 13–24; Pleyers; Fabienne Greffet & Stéphanie Wojcik, «Parler politique en ligne: Une revue des Travaux français et anglo–saxons,» Réseaux, no. 150 (2008), pp. 19–50.
(((2 إنه يدعو إلى ثلاثة أنواع من التفاعل: التعبير والتضمين والتدخل. انظر:
Pierre Rosanvallon, La contre–démocratie: La politique à l’âge de la défiance (Paris: Seuil, 2006), p. 26.
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
«تظهر النشاطات على الخط شاجبة تجاوزات الأنظمة الدكتاتورية تعبيرًا عن مشروع مضاد تجاه عالم
السلطة الهرمي، واحتفالاتها الرسمية وانضباطها اليومي». إن الفيسبوك «قد يكون ساهم إذ ا، بوصفه بنية إعلامية واتصالية، في بناء السخط وفي تقارب المعنى على شبكات التواصل الرقمي ‘لتكوين توافق’، ولكن أيضًا في بناء جهد إيجابي للتعبئة ولتنشيط ثورة ‘التجنيد بالعمل»’. وبالعودة إلى عنوان دراسة دومينيك بوليي، «منصات الشبكات الاجتماعية وفهارس العمل الجماعي»، أتاحت شبكات التواصل الرقمي إمكانات وفرصًا للتعبير والنقاش
والمشاركة السياسية. وركّز هذا المؤلف رؤيته في ثلاثة عناصر تعزّز التعبئة الجماعية لشبكات التواصل
الرقمي، وهي: منطق العدد، وخطاب الخبرة، واللجوء إلى الفضائح. ولأسباب سياقية، نرى أن عدة أعمال ميدانية أنجزت ونُشرت حول الموضوع تستحق الذكر. فبالنسبة
إلى فاطمة بن سعد دوسو إنّ التفكير في شبكات التواصل الرقمي يمرّ بالعودة إلى علم التحكّم
الذي «يتصوّر ‘الشبكة’ باعتبارها منظومة مقاربة ويعالجها من خلال تحليل شامل للعناصر في حضرة
تفاعلاتها». وترى المؤلفة أنّ هذا المفهوم المؤسس بصفة متكرّرة «يجد صدى لدى عديد من
الأوساط النشيطة في المجتمع المعاصر»، ومنها الأوساط التي كرّست نفسها للنشاط السياسي
على الخطّ، والمطروحة عاملَ تفسير لحركات الناشطين الإلكترونيين الذين رافقوا موجة ثورات الربيع العربي وتابعوها. أمّا زينب التواتي، فهي ترى أنّ شبكات التواصل الرقمي، ومنها الفيسبوك، تمثل
وسائل إعلام بديلة للمناضلين الحرفيين والمنظمين وفضاءات التعبير للمناضلين الهواة بوصفهم أناسًا عاديين. وتدافع عن الرؤية نفسها مريم عاشور قلال التي تؤكد في نصّها «كتابات عادية حول
الفيسبوك: الأعمال الإلكترونية والنضال البرمجي»، أنّ الثورة التونسية تعد بمنزلة أوّل ثورة رقمية في
القرن الحادي والعشرين، واصفة شبكات التواصل الرقمي، الفيسبوك وتويتر، «كمتعهدي الثورات». وقد حلّل الصادق الهمامي في نصّ حول شبكات التواصل الرقمي، خصوصًا الفيسبوك، بوصفه
فضاءً عموميًا في سياق تاريخ العالم العربي، مساهمة هذه الشبكات في بناء مجال عمومي. فبالنسبة
إليه، يرتبط المجال العمومي بمجال الفيسبوك الذي «عرف بذلك ثلاثة عصور كبرى متطابقة مع
(25) Fabien Granjon, «Des mobilisations informationnelles du web participatif aux mobilisations l’action dans les rues,» in: Najar, p. 248. (26) Ibid. (27) Dominique Boullier, «Plates–formes de réseaux sociaux et répertoires d’action collective,» in: Sihem Najar (ed.), Les réseaux sociaux sur internet à l’heure des transitions démocratiques (Paris: Editions Karthala, 2013), p. 37. (28) Ibid., pp. 38–40. (29) Fatma Bensaad–Dusseaut, «La consommation des Réseaux Numériques en Tunisie: Un usage Socio–culturel dans un Pays en Mutations,» in: Daghmi, Toumi & Amsidder, Les Médias font–ils les révolutions? p. 186. (30) Ibid. (31) Ibid., p. 169. (32) Myriam Achour–Kallel, «Des écritures ordinaires sur facebook: Cyberactivités et cyberactivisme,» in: Najar, Le cyberactivisme , p. 227.
شتاء winter 2019
ثلاثة تحولّات»؛ العصر الاجتماعي: الفيسبوك بوصفه مسرحًا لإشهار العالم الاجتماعي، والعصر
الثوري: الفيسبوك باعتباره مسرحًا ثوريًا، والعصر السياسي: الفيسبوك حال كونه مجالً عموميًا مجزأً.
ويتماشى هذا التصنيف الإجرائي، على نحو مضاعف، مع الرؤية التفاؤلية والفعالة للغضب المجنّد.
أوّلً، تعدّها بمنزلة المرجع للالتزام ولبروز حركة التعبئة. ثانيًا، بتطابق التصنيف الأوّل مع سياق الدراسة
وذلك أخذًا في الحسبان المعطيات الوضعية لما بعد الربيع العربي، حيث «برز الفيسبوك تدريجيًا
فضاء للتعبير والتواصل ووسّع الفضاء العمومي الافتراضي بصفة ضخمة. فقد دعّم فعل أشكالً ورؤى جديدة لعوالم شخصية واجتماعية». وفي خاتمة عرض الأعمال حول الأشكال الجديدة للمشاركة على الإنترنت للشباب في الجزائر، ميزنا بين ثلاثة «أوجه للأشكال الأكثر تداول والمجهزة خصوصًا بقدرات مؤكدة ومحتملة في شأن التعبئة والاحتجاج الملتزمين من أجل التغيير»: الهيكلة في شبكات اجتماعية رقمية، وحركات تعبئة المواطنة، ومناقشات الوقائع الإعلامية. فبالنسبة إليه، «أساليب المشاركة عبر الإنترنت توسع الأشكال المتفق عليها وتنوعها وتحقق عمليات التثاقف السياسي». وتسمح شبكات التواصل الرقمي لعمليات التثاقف السياسي بأن تتحوّل إلى موارد وكفاءات تمثّل إمكانات قابلة للتطوير وجعلها مربحة،
وذلك عن طريق حركات الالتزام والتعبئة.
السخط السياسي على شبكات التواصل الاجتماعي: من النقاش إلى الالتزام
في هذا السياق، نعمل على وصف العناصر المادية لتعليقات المقالات الصحفية على المنصات الرقمية بوصفها محتوىً تفاعليًا خطابيًا بين الصحافي والقراء ثم القراء فيما بينهم ثم تحليله، وهذا من
خلال التركيز في مؤشرات خطاب السخط وبحسب عناصر شبكة التحليل المتبناة.
1. مادية خطاب السخط
سمحت لي دراسة سابقة بأن أختار الموضوعات الأوسع مشاركة والمعلق عليها من طرف القراء على الخطّ. إنّ الموضوعات الأربعة التي تم اختيارها والتي طبعت الأحداث المروّجة إعلاميًا في الفترة أيار /
(33) Sadok Hamami, «Facebook et sphère publique,» in: Sami Zlitni & Fabien Liénard, La communication électronique dans la société de l’information quels usages, quelles pratiques? (Normandie: Université Le Havre, éditions Klog, 2012), p. 231. (34) Ibid., p. 232. (35) Aissa Merah, «Nouvelles formes de participation en ligne des jeunes en Algérie. Entre démarches stratégiques et impensées pour le changement,» REFSICOM , Dossier: Communication et changement, 24/10/2016, accessed on 2019/1/10, at: http://www.refsicom.org/177 (36) Ibid.
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
مايو – تمّوز/ يوليو 2016، هي: عمل نواب الشعب، وتدخلات الرئيس، والسنّ المتقدمة للمسؤولين،
وحريّة التعبير. فالاختيار معلل بمتغيّرات الدراسة التي تتمثل في: الشحنة الرمزية للموضوعات التي
من المرجح أن تثير السخط، وعدد المشاركات والتعليقات على شبكات التواصل الرقمي. وقد قمت بتحميل 87 مقالة معالجة للموضوعات الإعلامية الأربعة خلال فترة الدراسة في حسابات الفيسبوك، لأربع جرائد إخبارية موزّعة على النحو التالي: 19 لموقع com. liberté، و 22 لموقع com. Elwatan، و 29 لموقع Algérie – SA، و 17 لموقع focus – Algérie. إنّ الملاحظة المقارنة لعمليات التوزيع على الخطّ التي استخدمتها الجرائد الأربع سمحت بملاحظة أنّ المقالات وقع تداولها والتعليق عليها على نحو واسع على صفحاتها في الفيسبوك، وكذلك على بواباتها الرقمية. توفّر المقالات المتداولة والمختارة للتحليل صفحات نموذجية من التعليقات المحرّرة بعبارات تمثل
مجالً معجميًّا ودلاليًّا مزدوجًا للسخط. وتقدّم هذه المقالات حالات من الجدل الإعلامي يعلّق
عليها متابعو الصفحات ومن أعضاء الشبكات الذين يتشاركونها. ونظرًا إلى الطبيعة المتغيّرة للمدوّنة
المكتشفة وحجمها المعتبر، المتكوّن من 87 مقالة وأكثر من 20 ألف ردة فعل من بين التعليقات،
وإرسال الرابط للغير، ومشاركة، وإعجاب أو «لايك»، خصّ التحليل أربع مقالات، أي بمعدّل مقالة
لكلّ جريدة. ويعود تحديد هذه المدوّنة هذا أيضًا إلى طبيعة المقاربة وإلى شبكة التحليل النوعي
المعتمد، أي المداولة المثالية التي اقترحها جون جاستيل. للإجابة عن سؤال حول ظهور خطاب الغضب من خلال التعليقات على المستجدات في شبكات التواصل الرقمي، يركّز التحليل في وصف الملاحظات المستهدفة والمنجزة على جذور الكلمات ومشتقاتها التي تعبّر عن الغضب ومستوياته من الشدة. ويتجسّم الغضب من خلال عبارات عاطفية
تكون الكلمة المفتاح فيها عنصرًا للمجال أو الحقل المعجمي لموضوع الغضب أو السخط المعبر عنه
بالتعليقات المكتوبة باللغة الفرنسية. وقد استخدم المعلقون الساخطون مختلف أنواع الكلمات من أفعال، وأسماء بسيطة ومركبة ومشتقات. وجاء هذا الحقل المعجمي في شبكة كلمات مرتبطة بالفعل غضب indigner ’ S، وغاظ بمعنى أغضب Indigner، واغتاظ بمعنى غضب بشدة أو سخط. وكذلك الأوصاف: ناقم، غاضب Indigné، ومغتاظ، والمصادر من قبيل: دناءة، شناعة، ونقمة Indignité. كما جاءت صفة Indigne للتعبير عن شخص غير جدير بمنصبه أو مسؤوليته أو شخص حقير لتورطه أو لسكوته أمام الوضعيات موضوع السخط والتنديد. جاء الاسم المصدري للغضب في أشكال مختلفة وخاصة بمعانٍشديدة، وتقع قراءته من خلال آثار
(((3 عمليات تسريب موضوعات امتحانات البكالوريا، وفضائح الأوراق المالية لبنَما التي ذكرت العديد من المسؤولين الجزائريين،
خاصة وزير الصناعة المكلف بالاستثمار، وشهر رمضان المرتبط بارتفاع أسعار المواد الاسته كااية وفضائح عمليات التضامن العمومي، خاصة عملية «قفة رمضان.» (((3 انظر:
Riyad Hamadi, «Gestion de la manne pétrolière: Bouteflika défend son bilan, affiche son optimisme face à la crise,» TSA, 4/7/2016; «Il s’appelle Boualem Bessaiah/ Bouteflika a un nouveau ‘représentant personnel’,» Algérie–focus, 11/6/2016, accessed on 3/2/2019, at: https://bit.ly/2StkDrS
شتاء winter 2019
العبارات السياقية التي تشكل حقلً دلاليًا وتسمح بتشخيص شعور الغضب، خاصة مع صور السخرية
والتنكيت والازدراء من المسؤولين بوصفهم بالفاشلين والمتخلفين واتهامهم والقرف من الوضعية والتنديد بها وبمسؤوليها.
2. مستويان لخطاب الغضب
عند تطبيق شبكة المداولات المثالية لجون جاستيل، فإن تحليل التعليقات يتحقق وفق مسارين: تحليلي واجتماعي.
أ. المسار التحليلي
تضع شبكة التحليل في الصدارة ستة مؤشرات تقييمية للمداولات المثالية: السرد، والأحداث، والمصادر، والمواقف، والقيم، والأسباب. لقد تعلق وصف محتويات التعليقات بالمؤشرات الثلاثة
الأخيرة فحسب التي تناولت العناصر الرمزية والتفسيرية للمعلِّق: المواقف والقيم والأسباب. وسمح تحليل المؤشرات المذكورة بالظهور المادي لخطاب الغضب. • المواقف إنّ العنصر الرئيس لأي تعليق سواء أكان ردة فعل تلقائية أم مدروسة في القراءة، وأهميته في الالتزام بالمناقشة وتثبيتها، هو انحراف موقف ما، يتعلق بمحتوى المقالة المشتركة وموقف الصحافي/ الناشر. يتفاعل أحد القراء مع مقالة حول حصيلة بوتفليقة، فيعلّق «إنّه الخزي». ويجيب آخر: «مسكينة الجزائر!». ويغتاظ ثالث: «حصيلة خزي! أكثر من مليار و 300 ألف من الدولارات ذهبت هباء وقد ساءت الحياة اليومية لعامة الجزائريين: هذه حصيلتكم سيدي الرئيس». ويعلق متتبع للصفحة على منع بثّ برنامج ساخر قائلً: «عمل شائن: العمل على إسكات وسائل الإعلام في سنة 2016»، وكتب
مواطن ناقم متفاعلً مع تعيين وزير دولة في سنّ ال 86: «منتدب جديد في حديقة المرادية سنة قائلً
للديناصورات: هذا محزن». ويواصل آخر: «إنّ الجزائر محكومة بهؤلاء المومياء، فأصبحنا أضحوكة العالم». ووقع تخصيص الغضب نفسه عند المطالبة بالترفيع في جرايات نوّاب البرلمان: «وبالأحرى،
ربما أقول بني نعم نعم منشغلون بتقاعدهم. ما من كرامة!» وأثار آخر زوبعة قبل أن يندفع في السخرية. وجرى أيضًا استعمال تعليقات بعبارات مجازية: «ليس هنالك ما نحسد عليه كوريا الشمالية [...] نعم: القنبلة النوويّة!»، و«في جميع أنحاء العالم، كلّ بلد له مافيا، وفي الجزائر فإن المافيا لها بلد.» في الواقع هذه المواقف الصريحة أو الضمنية يعبر عنها فاعلوها من المعلقين الساخطين في صيغة الجمع على نحو يعني امتلاكها قاعدة شعبية ذات رأي عام وخطاب جمعي واجتماعي مبررين لهما صداهما الواسع في المجتمع. فغياب التباين والتنوع في الخطاب والمواقف لا يستطيع تأسيس النقاش والتداول العموميين، وهذا لتعبير فاعليه عن الرأي نفسه. وهذا ما يعني انعدام الجدوى من التناقش. ثم إن الواقع أصلً ينفي وجود وضعية التطابق في المواقف والخطابات المتداولة في المجتمع. كما
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
تعلمنا هذه المواقف بحالات التوافق أو التقاطع التي يعبر عنها المعلقون الأشد سخطًا والتزامًا بصراحة
وبلهجة شديدة. ينبع موقف هؤلاء المعلقين الساخطين من مبدأ المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية تجاه ضحايا الوضعيات المؤسفة المندد بها. وتكون قاعدة هذا الموقف الرافض موضوع الغضب هو الحكم القيمي والأخلاقي الذي يحدد ويغذي منطق الخطابية الاجتماعية التي يشرع فيها عند الشعور بالسخط والتعبير عنه بالتنديد والاحتجاج. • القيم إن طبيعة الغضب التي نتكلم عنها هي كونه شعورًا ذاتيًا يناشد القيم الإنسانية لإضفاء الشرعية عليه
ومشاركته الآخر. فالموقف المعرب عنه يحتاج دائمًا إلى عملية شرح لتوضيحه، وهذا باستعمال
الحجج والأمثلة، آخذ ا في الحسبان المواقف التنافسية والمتباينة الأخرى حول المقالة نفسها المعلق عليها. ولهذا السبب، عند التعبير عن مواقف الجميع ومناقشتها، من الضروري تعبئة القيم الاجتماعية. وفي استطراد المجتمع حول تلك المواقف والتحدث عنها، تجري تعبئة عناصر القيمة المتعلقة بالدين والأخلاق. يغضب المعلّق أمام وضعية عدم احترام قيمة ما، مثل: العدالة، والقانون، والمساواة، والتسامح، وغيرها. وبغضبه يدعو إلى إعادة تأهيله وترويجه. كما يفسر القيم الاجتماعية التي يدافع عنها ويرفض اللامبالاة وعدم الارتباط بها. فعديد من القيم جرى طرحها في التعليقات: «يجب أل تكون تضحية الشهداء عبثًا!»، «مبادئ الاستحقاق والعدل وحدها ستكون قادرة على تجسيد التناوب على السلطة»، «هناك خطر على تقاليدنا التضامنية»، «لا يمكننا دعم الظلم: الحقيقة، لا شيء سوى الحقيقة»، «لحسن الحظ، هناك العدالة الإلهية لتذكيرنا: بالأكاذيب، لا يمكننا الذهاب بعيدًا.» • الأسباب الغضب تعبير ذاتي لرفض وضعية تعدّ مخزية ورافضة التغيير. لذلك فهذه المشاعر الشخصية تحتاج إلى مشاركتها مع الآخر. وبناءً عليه، فإن عملية التفسير والحجاج تتأسس عبر الرجوع إلى خطاب
عقلاني. ويتحقق هذا الرجوع عبر تعبئة أسباب موضوعية تبرر موقف الاستنكار والحاجة التي تلح
في إيجاد وعي جماعي حول انتهاكها المبادئ العقلانية. فالمغتاظ لا يحدّد تعليقاته بنماذج تغيير الوضعية التي يستنكرها، بل بالأسباب المنطقية والتربوية المعبئة التي تجعل شعور الغضب واضحًا.
يمارس الاستطراد إثر جعل خطاب الغضب مفهومًا بتقديم سبب الغضب وضرورة الانخراط فيه.
وتختلف أسباب الغضب المقدمة في المقالات التي جرى تحليلها، بحسب الموضوعات، ولكن أيضًا إتقان المعلقين: «إنّ حرية التعبير مرادفة للديمقراطية»، «شجب الفساد، هو فرض الشفافية كنمط للتصرّف»، «بذلك الكمّ من المداخيل النفطية، يجب أن نتفوّق على إسبانيا»، «إنّ الشباب ورقة رابحة،
وليسوا عائقًا!»، «يتجرّأ بالحديث عن حصيلة! لنتحدّث عن الحسابات وعن الصناديق النقدية: بمعنى
الشفافية.»
شتاء winter 2019
ب. المسار الاجتماعي
يتحقق تحليل هذا المسار أيضًا بوصف ثلاثة مؤشرات تقييمية: الاستشهادات، والأسئلة، والتساؤلات المأخوذة جميعًا من المجتمع من خلال خطاباته الاجتماعية وفاعليه. • الاستشهادات يحتاج المعلّق الغاضب، ليدعم إستراتيجيته الدلالية، إلى استشهادات ملموسة ليصوّر وضعية الغضب
(عناصر عاشها ومعروفة للجميع) ويجعل موقفه شرعيًا. وتتدخل هذه الاستشهادات لمؤازرة الموقف
المعبر عنه وحجج القيم والأسباب المعبئة. ويتمثل هذا العمل في استحضار أقوال شخصية أو أقوال أخرى للشهود أو الضحايا لحدث مرفوض. فالاستشهادات المستعملة كثيرًا، والأشد صدقية، هي التي
تأتي من خبراء والمأخوذة من مصادر إعلامية. لقد استعار قارئ عبارة خبير، قائلً: «هذا كثير جدًّا، جدًّا! أتساءل: لماذا الدرك؟». والاستشهادات الأكثر تكرارًا هي: «إلى أين تسير الجزائر؟»، «مسكينة الجزائر»!
و«سعداء الشهداء لأنّهم لم يروا شيئًا». يختار الساخط، باللجوء إلى هذه العملية الجدلية، الاستشهادات
الأكثر احتمالً بالنسبة إلى الخطب الاجتماعية المهيمنة في النقاشات. ويلجأ المعلق، مواصلً سعيه الانتقامي، إلى الحكايات الساخرة والأحداث الإجرامية بالمراوحة بين الاشمئزاز والسخرية. • الأسئلة لا تكفي التعليقات الواردة في «المونولوج» لتكوين مضامين نقاشية. وللحديث عن نقاشات يجب أن تتوافر مواقف مضادة، خصوصًا لعبة الأسئلة والإجابات: أي النقاش. يجب على المعلق إضفاء الشرعية على غضبه المعبر عنه في موقفه وقيمه وأسبابه المحظورة، يسأل دائمًا أسئلة تزعزع إجابات مُحاوره وتشكك في موقفه. إنّ الإجابات عن هذه الأسئلة «المفخخة»
معروفة مسبقًا، يقع طرحها في عمليات مشبعة بالإثارة، والسخرية والتحدي. وعلاوة على ذلك، يقع فيها إدراج مقتطفات من تصريحات رسمية وروابط مقالات لدعم الأسئلة وجعل الإجابات المتوافرة مضطربة. تستحق أسئلة مشحونة غضبًا وإثارة أن يقع ذكرها هنا: «ولكن لماذا يكرهون الشبان؟»، ويتفاعل قارئ
قد يكون أصيب بخيبة أمل عند تعيين وزيرٍ شيخ، فيجيبه آخر: «ماذا يستطيع أن يفعل وعمره 86 سنة؟ (ضحكة مدوية). إنّهم يضحكون على ذقوننا». وتساءل مواطن، مستفسرًا في الجدال حول
مرتبات نواب البرلمان ومزاياهم، بل عن جدواهم: «لماذا هنالك نوّاب في الجزائر؟.» ربما تكون الأسئلة موجهة إلى متدخلين يتشاركون معهم في الموقف نفسه. وبذلك تكون الإجابات المرغوب فيها مستلهمة من الخطاب الاجتماعي الخاص بالمشارك. وتهدف هذه الإستراتيجية إلى تعبئة منطق تكرار الموقف، وتكديس الحجج والمراهنة على عدد المشاركين.
(((3 في الواقع، توفي هذا الوزير البالغ من العمر 86 عامًا، بعد شهر من تعيينه في حزيران/ يونيو.2016
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
• التساؤلات هناك مشاركون في النقاشات غاضبون على محتوى المقالة التي تجري مشاركتها، ولكن على نحو خاص في التعليقات المعارضة موقفهم وخطاباتهم، ومشمئزون بسبب شفقتهم على الضحايا أو بسبب وعيهم بخطورة الحدث المفنّد، حيث يطرحون تساؤلاتهم. ولا تتعلق هذه الأسئلة بموضوع الاستنكار، بل بالاستعجال في التصرف وتغيير الوضع السائد والمغضوب عليه. ويمكن ترجمة كثافة الغضب بتساؤل في شكل نداء يؤكد رفض الوضعية، ويشدد على ضرورة التعبئة الجماعية لتغييره. ونظرًا إلى السياق السياسي والاجتماعي، يكون التساؤل، فعل، نداءً ضمنيًا، مدركًا شمولية ظاهرة
الغضب ومتحديًا السياسات العامة ومتهمًا السلطات العمومية بالفشل. ويجسّد هذه الفكرة هذا التعليق: «الخزي! يجب أن نتجنّد ضدّ هذا الاستبداد». وذلك قبل أن تحتد
لهجة مشارك آخر: «يجب على الجميع أن يخرجوا إلى الشوارع ضدّ نظام بوتفليقة هذا». ودعا ساخط
بعد أن انزعج من قارئ عاد إلى سجل الرئيس، إلى ضرورة التعبئة: «يجب على المجتمع أن ينظ م نفسه ويستفيق من سباته العميق ويتجند لوضع حدّ لتخريب البلاد. فالوضعية صعبة وخطرة.» ليست التساؤلات بخصوص الغضب بمنزلة استسلام صامت، بل هي إدانة عارمة ومغذية للالتزام الجماعي؛ فطرح التساؤلات مع الضمير «نحن» يخلق مزيدًا من اللحمة والترابط بين من يتفقون في الرأي ويضفي هيئة صارمة على التعليق.
النتائج
إنّ نقطة انطلاق أي مسار للتعليقات هي إعادة نشر المقالة عبر الشبكات الاجتماعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعالجة الجدلية التي تتحول أحيانًا وبسرعة إلى أشكال تعبيرية استفزازية. ومن المؤكد أن هذه المقالات تتناول، غالبًا، موضوعات إخبارية عادية، تنشر الفضائح والتصريحات
الرسمية التقريبية وحالات القمع وأوضاع الظلم وأخبارًا مختلفة. ويُفسّر انطلاق هذا المسار أساسًا
بعاملين غير حصريين: ردة فعل عاطفية على خبر أو أحد عناصره الجانبية من ناحية، وكثافة التناقض بين التعليقات من ناحية أخرى. وفي جلّ المقالات المعلق عليها، تقع إثارة السخط الذي يتجلّى في ردود الفعل والتبريرات الرسمية المستنفرة أمام المشكلات التي يثيرها السكان والصحافيون. وفضلً عن ذلك، تثير التدخلّات المناوئة لمحتوى المعلق الناقد، والتي تساند الخطاب الرسمي، أحيانًا، ردود فعل ساخطة ومنددة بها وبأصحابها المتهمين بالكذب والتملق للنظام الحاكم على حساب مصالح الشعب. يتشكل الغضب، ويزداد ويتغذّى في تواصلٍ، ولكن بإيقاعات متغيّرة. فيتزايد بعدد التعليقات في
حمولة تعبيرية رمزية، وفي طول ردود الفعل الاستطرادية، وفي عمق الحجج المعبئة. وتتخذ حركات
(((4 تجدر الإشارة إلى أن مشاركة مقالة عبر شبكات التواصل الاجتماعي لا تؤدي دائمًا إلى مناقشات: فعدة مقالات لم تثر ردة
فعل.
شتاء winter 2019
الغضب مسارات حدث إعلامي على الخطّ ولحظاته، بحسب عدد مشاركة المقالة على الحسابات الشخصية للمعلقين على الفيسبوك. ويرتفع تواتر التعليقات المعبرة عن الغضب، حول المقالات وعددها، إلى مستوى الشؤون والمشكلات العمومية. وتحدّد كثافة الغضب والموارد المعبئة في التعليقات طبيعة خطاب الاشمئزاز الذي يكون، أحيانًا، مرفقًا بالخطابات الأخرى المعارضة للخطاب المنتصر الرسمي «كلّ شيء على ما يرام»: نقد العمل الحكومي، والاحتجاج على شرعية التمثيل السياسي للحكومة، ورسوم الكاريكاتير التي تعبر عن عجز المسؤولين، والتضامن مع المواطنين ضحايا أوضاعهم. مكّنت نتائج تحليل ستّة مؤشرات، لا سيما المتعلقة بالتساؤلات، من تحديد الانزلاق في مستوى النقاشات مرورًا بالغضب إلى النداءات ضدّ اللامبالاة، والالتزام الجماعي في النقاش وفي العمل
الميداني. فعل، يمثّل الغضب الذي يعدّ سياسيًّا ردة فعل على الخنوع، شكلً من أشكال المقاومة
المواطنية. ويتطابق هذا المستوى للنقاش على شبكات التواصل الرقمي مع المسائل الاجتماعية التي عالجها الصحافيون فيما يخص مستوى المساهمة السياسية الممكنة، بحسب الظروف السياقية التي يسمح بها منتجو الخطاب الرسمي، والتي ينتزعها مواطنون ناقمون، أصبحوا مناضلين.
الحصيلة
بحسب المقاربة الميدانية التي تركز على الممارسات السياسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يمكن القول إن شبكة الفيسبوك سمحت بتداول مكثف للأخبار، وعزّزت هذه الممارسة من لامركزية الكلمة، وكذلك من مساهمة العامّة في المشاركة السياسية منذ ثورات اليقظة العربية، واحتلال وول
ستريت، إلى الناقمين في أوروبا وعملياتهم «الاحتجاجات الليلية.» تؤدي هذه التجربة في بناء المشترك إلى خطاب مهيمن ضدّ وضعية سياسية واجتماعية سائدة في
الجزائر. وفعل، يتكثف هذا الشكل من النقاش السياسي على شبكات التواصل الرقمي لإقامة مسارات التعبئة الإعلامية، خاصة خلال الأحداث المعروفة بشحنة رمزية قوية تثير غضبًا جماعيًا. ففي
هذه الصفحات لشبكات التواصل الرقمي، تتقابل مسارات التعبئة تلك في مواجهة أهمّ الخطابات
الاجتماعية حول الأخبار الجارية لتتكوّن منها مشارب النقاشات وموضوعات التوجهات السياسية
والاجتماعية. إنّ الرسائل الاجتماعية التي جرى إيصالها والإستراتيجيات الخطابية التي اتبعت أعادت صوغ الغضب ليأخذ وجهة الاحتجاج السياسي. وصار هذا التغيير الواعد واضحًا من خلال سَريَان التعبير عن
الغضب، والحجة المحتشدة، وتجذرهما الاجتماعي. وفي الحصيلة تشرّع هذه العناصر الغضب،
وتشحذ الوعي بالالتزام الجماعي وتجديد أشكال الفعل السياسي، وهذا ما يشي ببزوغ بوادر واعدة بالوعي بالواقع وبحركية تغيير الوضع القائم.
نحو تجيدد أشكال المشاركة السياسية في الجز ا: التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي
References
المراجع
Aït–Hamadouche, Louisa & Cherif Dris. «De la résilience des régimes autoritaires: La complexité Algérienne.» L’Année du Maghreb. no. 8 (2012). Ambroise–Rendu, Anne–Claude & Christian Delporte (eds.). L’indignation. Histoire d’une émotion politique et morale (XIXe–XXe siècles). Paris: Nouveau monde éditions,
Angenot, Marc. «Six communications pour le prix d’une.» La grosse TINA: Archéologie littéraire et artistique de l’indignation politique. Colloque organisé par CRIST, Centre de recherche interuniversitaire en sociocritique des textes. Montréal, Université de Montréal. 25/8/2012. Arsène, Séverine. «Les ‘réactions spontanées’ sur Internet: Le contexte autoritaire comme ren–versement de perspective sur des formes problématiques d’action collective. Congrès de l’Association Française de Science Politique. France. Septembre, 2011. Ballet, Marion. Peur, Espoir, Compassion, Indignation. L’appel aux émotions dans les campagnes présidentielles (1981–2007). Paris: Dalloz, 2012. Barats, Christine (dir.). Manuel d’analyse du web en sciences humaines et sociales. Paris: Armand Colin, 2013. Bouchaala, Nabila–Aldjia. «L’émergence du concept d’espace public dans les contextes sociopolitiques maghrébins: Réflexions sur le cas algérien.» MULTIMED, Revue du Réseau méditerranéen du centre d’études et de formation. no. 2 (2012). Carbou, Guillaume. «Analyser les commentaires d’actualité sur le web: difficultés méthodologiques et intérêt sociopolitique.» Actes en ligne Congrès national de la SFSIC. 2014. at: https://bit.ly/2AOcu7d Cardon, Dominique & Zbigniew Smoreda. «Réseaux et les mutations de la sociabilité.» Réseaux. vol. 2. no. 184–185 (2014). Daghmi, Fathallah & Farid Toumi & Abderrahmane Amsidder. Les Médias font–ils les Révolutions? Regards Critiques sur les Soulèvements Arabes. Paris: L’Harmattan, 2013. ________. Médias et changements Formes et modalités de l’agir citoyen. Paris: L’Harmattan, 2015. Dahlgren, Peter. «Web et participation politique: Quelles promesses et quels pièges?» Questions de communication. no. 21 (2012). Délforce, Bernard & Jacques Noyer. «Pour une approche interdisciplinaire des phénomènes de médiatisation: Constructivisme et discursivité sociale.» Études de communication. no. 22 (23/5/1999). at: https://bit.ly/2tl5L0B. Dupret, Baudouin & Enrique Klaus & Zouhair Ghazzal. «Commenter l’actualité sur internet.» Réseaux. vol. 160–161. no. 2 (2010). Feertchak, Alexis. «L’indignation créatrice.» Après–demain. vol. 3. no. 27–28 (2013).
شتاء winter 2019
Gastil, John. Political communication and deliberation. California: Sage Publications, Inc., 2008. Greffet, Fabienne & Stéphanie Wojcik. «Parler politique en ligne: Une revue des travaux français et anglo–saxons.» Réseaux. no. 150 (2008). Hessel, Stéphane. Indignez–vous! Montpellier: Indigène éditions, 2011. Marcoccia, Michel. «L’analyse conversationnelle des forums de discussion: questionnements méthodologiques.» Les Carnets du Cediscor. no. 8 (2004). Marcus, George. Le Citoyen sentimental. Émotions et politique en démocratie. Paris: Presses de Sciences Po, 2008. Mathieu, Lilian. «Les ressorts sociaux de l’indignation militante.» Sociologie. vol. 1. no. 3. 21/10/2010. at: https://bit.ly/2QLfZAA Merah, Aissa. «Nouvelles formes de participation en ligne des jeunes en Algérie. Entre démarches stratégiques et impensées pour le changement.» REFSICOM , Dossier: Communication et changement. 24/10/2016. at: http://www.refsicom.org/177 Najar, Sihem (ed.). Le cyberactivisme au Maghreb et dans le monde arabe. Paris: IRMC– Karthala, 2013. ________. Les réseaux sociaux sur internet à l’heure des transitions démocratiques. Paris: Editions Karthala, 2013. Pachocińska, Elżbieta. «Les politiques indignés sur les sites internet.» Studia Romanica Posnaniensia. vol. 42. no. 4 (2015). Paveau, Marie–Anne. «Technodiscursivités natives sur Twitter. Une écologie du discours numérique.» Revue Internationale de Sciences Humaines et Sociales Appliquées. (2013). Perrineau, Pascal (dir.). Le désenchantement démocratique. La tour d’aigues: Editions de l’aube, 2003. Pleyers, Geoffrey. «Présentation.» Réseaux. vol. 5. no. 181 (2013). Putt, Keith. «Indignation Toward Evil: Ricoeur and Caputo on a Theodicy of Protest.» Philosophy Today. vol. 41. no. 3 (1997). Rosanvallon, Pierre. La contre–démocratie: La politique à l’âge de la défiance. Paris: Seuil, 2006. Tavernier, Aurélie et al. Figures sociales des discours: Le discours social en perspectives. coll. Travaux & recherches UL3. Lille: Université Charles de Gaulle, 2010. Traïni, Christophe. «Entre dégoût et indignation morale. Sociogenèse d’une pratique militante.» Revue française de science politique. vol. 62. no. 4 (2012). Zlitni, Sami & Fabien Liénard. La communication électronique dans La société de L’information quels usages, quelles pratiques? Normandie: Université Le Havre, éditions Klog, 2012.
فوزية برج | Fouzia Borj *
بيئوية الفقراء: ديناميات التكي ف وممارسات العيش: مقاربة أنثروبولوجية **
Ecology of Poverty: An Anthropological Approach to Adaptive Dynamics and Living Practices
ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الديناميات الاجتماعية المرتبطة بممارسات إدارة
الموارد وأشكال التنافسية وأنماط المشروعية المرافقة لعملية الوصول إلى الموارد. كما تبحث
في التمظهرات الاجتماعية التي رافقت التحوّل من الملكية المشتركة إلى الملكية الخاصة في
سياق ازدياد هيمنة السوق الحديثة في منطقة الواحة بتافيلالت جنوب شرق المغرب. وتعمل
الدراسة على تتبّع تحولات طرق الوصول إلى الموارد وإستراتيجيات الأسر للعيش، وذلك من
منظور الإيكولوجيا الثقافية التي تدرس تفاعلات الطبيعة مع المجتمعات من خ لاا ثقافتهم
ومعارفهم المحلية، وتاريخهم في استخدام الموارد (الأرض والماء). وتفترض هذه الدراسة أن
اللامساواة في استخدام الموارد البيئية قد تُعتبر انعكاسًا لأنماط وصول الفاعلين إلى الموارد
المرتبطة بنظام اجتماعي متناقض بين المحلّي والحديث.
Abstract: This study analyzes the social dynamics associated with resource management practices, the forms of competitiveness as well as the different patterns of legitimacy associated with access to resources. It also examines the social phenomena that accompanied the shift from common to private ownership in the context of the growing dominance of the modern market in the Tafilalt area of south–eastern Morocco. The study tracks the shifts in access to resources and households’ livelihood strategies, from a cultural ecology perspective. This studies the interactions of nature with communities through local culture and knowledge, and their history of utilizing resources (land, water). This study contends that inequality in the distribution of environmental resources is a reflection of patterns of access to resources, which in turn are linked to a social system that is seemingly caught between the contradictions of local and modern systems.
Professor of Sociology and Anthropology, Faculty of Arts and Human Sciences – Aïn Chock Campus of University of Hassan II Casablanca.
الثالثة.)2017(