رأس المال الاجتماعي: أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحديث
Social Capital: Its Origins and Applications in Modern Sociology
الملخّص
* سوسيولوجي أميركي. ** مترجم وكاتب سوري. *** نشرت هذه المقالة في الأصل في:
Abstract
This paper reviews the origins and definitions of social capital in the writings of Bourdieu, Loury, and Coleman, among other authors. It distinguishes four sources of social capital and examines their dynamics. Applications of the concept in the sociological literature emphasize its role in social control, in family support, and in benefits mediated by extrafamilial networks. I provide examples of each of these positive functions. Negative consequences of the same processes also deserve attention for a balanced picture of the forces at play. I review four such consequences and illustrate them with relevant examples. Recent writings on social capital have extended the concept from an individual asset to a feature of communities and even nations. The final sections describe this conceptual stretch and examine its limitations. I argue that, as shorthand for the positive consequences of sociability, social capital has a definite place in sociological theory. However, excessive extensions of the concept may jeopardize its heuristic value.
- الضبط الاجتماعي
- الدعم الأسري
- الشبكات
- الترابط الاجتماعي
- Social Control
- Family Support
- Networks
- Sociability
ملخص: تستعرض هذه الدراسة أصول رأس المال الاجتماعي وتعريفاته في كتابات بورديو
ولوري وكولمان، ومؤل فين آخرين. وهي تميّز أربعة مصادر لرأس المال الاجتماعي وتتفحّص
دينامياتها. أمّا تطبيقات هذا المفهوم في أدبيات علم الاجتماع فتؤكّد دوره في الضبط
الاجتماعي والدعم الأسري، وفي المنافع التي تتوسطها شبكات خارج الأسرة. وسوف أقدّم
أمثلة عن كلّ وظيفة من هذه الوظائف الإيجابية. لكنّ العواقب السلبية المترتّبة على هذه
السيرورات ذاتها تستحق الاهتمام أيضًا بغية التوصّل إلى صورة متوازنة للقوى الفاعلة. وسوف
أقوم بمراجعة أربع عواقب من هذا القبيل، وأوضحها من خ لاا الأمثلة المناسبة. وكانت
الكتابات عن رأس المال الاجتماعي مؤخّرًا قد وسّعت هذا المفهوم بعيدًا عن أصله الفردي
لتجعل منه خصيصة للجماعات بل ل مأأم. ولذلك تصف الأقسام الأخيرة من الدراسة هذا
التمدد المفهومي وتتفحص ضروب محدوديته.
Abstract: This paper reviews the origins and definitions of social capital in the writings of Bourdieu, Loury, and Coleman, among other authors. It distinguishes four sources of social capital and examines their dynamics. Applications of the concept in the sociological literature emphasize its role in social control, in family support, and in benefits mediated by extrafamilial networks. I provide examples of each of these positive functions. Negative consequences of the same processes also deserve attention for a balanced picture of the forces at play. I review four such consequences and illustrate them with relevant examples. Recent writings on social capital have extended the concept from an individual asset to a feature of communities and even nations. The final sections describe this conceptual stretch and examine its limitations.
* سوسيولوجي أميركي.
American Sociologist.
** مترجم وكاتب سوري.
Syrian Writer and Translator.
*** نشرت هذه المقالة في الأصل في:
Annual Review of Sociology , vol. 24, (August 1988), pp. 1-24.
شتاء winter 2019
مدخل
بات مفهوم رأس المال الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة واحدًا من الصادرات الأكثر شعبية التي صدّرتها النظرية الاجتماعية إلى اللغة اليومية. وقد تطوّر رأس المال الاجتماعي،
عبر نشره من خلال عدد من الدوريات المعنيّة بالسياسة العامة ومجلات التداول العام، ليصبح
أشبه بدواء لجميع علل المجتمع في الداخل والخارج. ومثل مفاهيم علم الاجتماع الأخرى التي اتخذت مسارًا مماثلً، يخضع المعنى الأصلي للمصطلح وقيمته الاستكشافية لاختبارات قاسية في
تطبيقاته المتنوعة المطّردة. وكما هو حال تلك المفاهيم السابقة، فإنّنا نكاد نبلغ حدًّا يجري عنده تطبيق رأس المال الاجتماعي على كثير من الأحداث وفي كثير من السياقات المختلفة بحيث يفقد كلَّ معنى يميّزه. لا يجسّد هذا المصطلح، على الرغم من شعبيته الحالية، أيّ فكرة جديدة حقًّا بالنسبة إلى علماء
الاجتماع. فالتصور الذي مفاده أنّ الانخراط والمشاركة في مجموعات يمكن أن يعودا بنتائج إيجابية على الفرد والجماعة هو تصور أساسيّ، يرجع إلى تأكيد دوركهايم على حياة الجماعة بوصفها ترياقًا
للّمعيارية Anomie والتدمير الذاتي، وإلى تمييز ماركس بين طبقة بذاتها مذرّرة وطبقة لذاتها معبّأة
وفعّالة. وبهذا المعنى، فإنّ مصطلح رأس المال الاجتماعي يعيد، فحسب، التقاط تبصّرٍ حاضرٍ منذ
بدايات هذا الفرع المعرفيّ. وتتبُّع الخلفية الفكرية لهذا المفهوم إلى الفترة الكلاسيكية هو نوع من
إعادة النظر في مصادر علم الاجتماع الرئيسة في القرن التاسع عشر. لكنّ ذلك لن يكشف عن سبب
التقاط هذه الفكرة في السنوات الأخيرة والاهتمام بها أو عن سبب تحميلها ثقلً غير عادي من التّبعات المتعلقة بالسياسات. تتأتى جدّة رأس المال الاجتماعي وقدرته الاستكشافية من مصدرين. أولهما هو أنّ هذا المفهوم يركّز الاهتمام على العواقب الإيجابية للترابط الاجتماعي، في حين يضع جانبًا خصائصه الأقل جاذبية.
وثانيهما هو أنّه يضع تلك العواقب الإيجابية في إطار مناقشة أوسع لرأس المال ويلفت الانتباه إلى أنّ هذه الأشكال غير النقدية من رأس المال يمكن أن تكون مصادر مهمّة للسلطة والنفوذ،
شأنها شأن حصص المرء من الأسهم أو حسابه المصرفي. وقابلية النقل التي تتسم بها مصادر رأس المال المتنوعة تقلّل المسافة بين المنظور العلم – اجتماعي والمنظور العلم – اقتصادي، وتلفت في الوقت ذاته انتباه صنّاع السياسة كي يسعوا وراء حلول غير اقتصادية وأقل تكلفة للمشكلات الاجتماعية. أَقْصرُ النقاشَ، في سياق هذه المراجعة، على البروز المتجدد المعاصر لفكرة رأس المال الاجتماعي
تفاديًا للاستطراد المسهب في ما يتعلّق بأسلافها الكلاسيكيين. فهذه المراجع وضروب التوازي بين
مناقشات رأس المال الاجتماعي الحالية وبعض المقتطفات في الأدبيات الكلاسيكية لا بدّ أن تكون
واضحة لدى جمهور من المشتغلين في علم الاجتماع. وما أتفحّصه، أول، هو الكتّاب الرئيسون الذين
لهم صلة بالاستخدام المعاصر لمصطلح رأس المال الاجتماعي ومقارباتهم المختلفة التي قاربوه بها.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
وأقوم من ثمّ بمراجعة الآليات المختلفة التي أدّت إلى بروز رأس المال الاجتماعي وتطبيقاته الرئيسة
في الأدبيات البحثية. وأتفحّص، بعد ذلك، تلك العواقب غير المرغوبة كثيرًا المترتبة على الترابط
الاجتماعي والتي عادةً ما تحجبها الأدبيات المعاصرة التي تتناول هذا الموضوع. وما يهدف إليه هذا النقاش هو إضفاء بعض الاتزان على النبرة الاحتفالية التي عادةً ما تكتنف هذا المفهوم. وتُلحَظ هذه
النبرة، على وجه الخصوص، في تلك الدراسات التي مط ت المفهوم من خاصيّة للأفراد والأسر إلى
خصيصة للجماعات والمدن وحتى الأمم. كما يتطلب الاهتمام الذي تحظى به تطبيقات رأس المال الاجتماعي على هذا المستوى الموسّع بعض النقاش، لا سيما في ضوء المخاطر المحتملة التي قد
تترتّب على هذه التوسعة المفهومية.
تعريفات
قدّم بيير بورديو أول تحليل منهجي معاصر لرأس المال الاجتماعي، وعرّف المفهوم بأنّه إجمالي
الموارد الفعلية أو المحتملة المرتبطة بحيازة شبكة متينة من علاقات المعرفة المتبادلة أو الاعتراف المتبادل المُمَأسَسة إلى هذا الحدّ أو ذاك. ظهرت هذه المعالجة الأولية للمفهوم في مقالة بورديو
«رأس المال الاجتماعي: ملاحظات تمهيدية» التي نُشرت في الفصليّة Actes de la Recherche en
Sciences Sociales في عام 1980. ولأنّ المقالة كانت باللغة الفرنسية، لم تحظ باهتمام واسع في العالم الناطق بالإنكليزية؛ شأنها شأن الترجمة الإنكليزية الأولى التي انطوت عليها صفحات نصّ حول
علم اجتماع التربية. يبقى هذا النقص في الاطّلاع على المقالة مؤسفًا، لأنّ من الممكن وصف تحليل بورديو بأنّه الأشدّ صقلً نظريًا بين تلك التحليلات التي أدخلت المصطلح في الخطاب الاجتماعي المعاصر.
فتعامله مع المفهوم هو تعامل أداتيّ، يركّز على المنافع التي تعود على الأفراد بفضل مشاركتهم في
مجموعات، كما يركّز على البناء المتعمَّد للترابط الاجتماعي بقصد إقامة هذا المورد. وهو يبلغ، في
الصيغة الأصلية، حدّ تأكيد أنَّ «الأرباح الناجمة عن العضوية في مجموعة هي أساس التضامن الذي يجعلها ممكنة»ً. ليست الشبكات الاجتماعية مُعطى طبيعيًا، ويجب أن تُبنى من خلال إستراتيجيات
استثمارية موجَّهة إلى مَأْسسَة علاقات المجموعة، تلك العلاقات التي يمكن استخدامها مصدرًا
موثوقًا لمنافع أخرى. ويوضح تعريف بورديو أنّ رأس المال الاجتماعي يمكن تجزئته إلى عنصرين: أولهما العلاقة الاجتماعية ذاتها التي تتيح للأفراد النفاذ إلى موارد يمتلكها شركاؤهم، وثانيهما كمية تلك الموارد ونوعيتها.
(1) Pierre Bourdieu, «The forms of capital,» in: J. G. Richardson (ed.), Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education (New York: Greenwood, 1985), p. 248; Pierre Bourdieu, «Le capital social: Notes provisoires,» Actes de la recherche en sciences sociales , vol 31.(Janvier 1980), pp. 2–3. (2) Bourdieu, «The forms of capital.» (3) Ibid., p. 249.
شتاء winter 2019
يلحّ بورديو طوال الوقت على قابلية النقل التي تتمتع بها شتّى أشكال رأس المال، وعلى رد
جميع هذه الأشكال في النهاية إلى رأس المال الاقتصادي، المعرَّف بوصفه عملً بشريًا متراكمًا.
هكذا يمكن للفاعلين، من خلال رأس المال الاجتماعي، أن يكسبوا منفذ ا مباشرًا إلى الموارد
الاقتصادية (قروض مدعومة، ونصائح استثمارية، وأسواق محمية)، ويمكنهم أن يزيدوا رأس مالهم الثقافي من خلال صلات بخبراء أو أفراد ذوي صقل وإحكام (رأس مال ثقافي متجسّد)،
أو يمكنهم، بدل من ذلك، أن ينتسبوا إلى مؤسسات تمنح أوراق اعتمادٍ لها قيمتها (رأس مال ثقافي مُمَأسَس.) يقتضي التحصّل على رأس مال اجتماعي، من جهة أخرى، استثمارًا متعمّدًا لكلٍّ من الموارد الاقتصادية
والثقافية. وعلى الرغم من تشديد بورديو على أنّ الثمار المتأتية من حيازة رأس المال الاجتماعي أو الثقافي يمكن ردّها إلى رأس مال اقتصادي، فإنّ العمليات التي تفضي إلى هذه الأشكال البديلة لا
يمكن ردّها مثل هذا الردّ؛ ذلك أنّ لكلٍّ منها دينامياتها الخاصة، وتتّسم، قياسًا بالتبادل الاقتصادي، بقدر
أقلّ من الشفافية وبمزيد من انعدام اليقين. على سبيل المثال، تميل التعاملات المشتملة على رأس مال اجتماعي إلى الاتّسام بواجبات غير محددة، وآفاق زمنية غير مؤكدة، وانتهاك محتمل للتوقعات المتبادلة. لكن هذه التعاملات قد تعمل، من خلال عدم وضوحها ذاته، على تمويه ما كان يمكن بغير ذلك أن يكون مجرّد تبادلات سوقيّة بسيطة. أما المرجع الثاني المعاصر فهو أعمال الاقتصادي غلين لوري، الذي صقل المصطلح في سياق نقده النظريات الكلاسيكية الجديدة في تفاوت الدّخل على أساس عرقي وآثارها السياسية المحتملة. رأى لوري أنّ النظريات الاقتصادية الأرثوذكسية كانت فردانية جدًا، تركّز حصريًا على رأس المال البشري
الفردي، وعلى خلق مجال متكافئ للمنافسة قائم على مثل هذه المهارات. ووجد كذلك أنّ الموانع القانونية ضد ميول أرباب العمل العرقية ووضع برامج لتكافؤ الفرص لا تقوى، في حدّ ذاتها، على الحد من ضروب التفاوت العرقي. ويمكن لهذا الأخير، بحسب لوري، أن يستمر إلى الأبد، وذلك لسببين؛ أولهما، هو فقر الآباء السود الموروث الذي سوف يُنقل إلى أبنائهم على هيئة موارد مادية وفرص
تعليمية أقلّ، وثانيهما، صلات العمال السود الشباب الفقيرة بسوق العمل وافتقارهم إلى المعلومات في شأن الفرص التي تُتاح: إنّ مفهوم الجدارة الذي مفاده أنّ كلّ فرد، في مجتمع حرّ، سوف يرتقي إلى المستوى المتوافق مع
كفاءته، ليتعارض مع ملاحظة أنّ ما من أحد يسلك هذا الدرب وحده وبمفرده. فالسياق الاجتماعي
(4) Pierre Bourdieu, «Les trois états du capital culturel,» Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 30 (November 1979), pp. 3–6; Bourdieu, «Le capital social.» (5) Glenn Loury, «A Dynamic Theory of Racial Income Differences,» in: P. A. Wallace & A. M. LaMond (eds.), Women, Minorities and Employment Discrimination (Lexington, MA: Heath, 1977), pp. 153–186; Glenn Loury, «Intergenerational Transfers and the Distribution of Earnings,» Econometrica , vol. 49, no. 4 (July 1981), pp. 843–867.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
الذي يجري فيه نضج الفرد يشترط بقوة ما يمكن أن يحققه الأفراد المتّسمون بالقدر ذاته من الكفاءة. وهذا يعني أن المساواة المطلقة في الفرص ليست سوى مَثلٍ أعلى لا يمكن تحقيقه. يستشهد لوري بأدبيات علم الاجتماع التي تتناول النقل بين الأجيال ووراثة العرق كي يوضح نقاشه المناهض للفردانيّة. لكنه لا يصل إلى الحدّ الذي يطوّر عنده مفهوم رأس المال الاجتماعي أي
تطوير مفصّل. ويبدو أنّه وقع على الفكرة في سياق معارضته اقتصاديات العمل الأرثوذكسية، لكنه
لا يذكرها سوى مرة واحدة في مقالته الأصلية ليأتي عليها من ثمّ بعبارات مترددة. وهو يلتقط بهذا
المفهوم النفاذَ المتفاوت إلى الفرص من خلال الصلات الاجتماعية للشباب أبناء الأقلية وأبناء سواها، لكننا لا نجد هنا أي معالجة منهجية لعلاقات رأس المال الاجتماعي بالأشكال الأخرى من رأس المال. بيد أنّ عمل لوري هو الذي مهّد الطريق لتحليل كولمان الأشدّ إحكامًا للعملية ذاتها، أعني
دور رأس المال الاجتماعي في خلق رأس المال البشري. ويعترف كولمان، في تحليله المبدئي
للمفهوم، بمساهمة لوري كما بمساهمات الاقتصادي بن بوراث وعال مَي الاجتماع نان لين وماركِ
غرانوفيتر. واللافت أنّ كولمان لا يذكر بورديو، على الرغم من أنّ تحليله الاستخدامات المحتملة لرأس المال الاجتماعي في اكتساب مؤهلات تعليمية يوازي إلى حدّ كبير ذلك التحليل الذي كان
رائده عالم الاجتماع الفرنسيِ. ويعرّف كولمان رأس المال الاجتماعي من خلال وظيفته بأنّه
«مجموعة متنوعة من الكيانات تحتوي عنصرين مشتركين: فهي جميعًا تشتمل على جانب من
البنى الاجتماعية، وهي تيسّر عملً معيّنًا للفاعلين – سواء كانوا أشخاصًا أم فاعلين مشتركين –
ضمن البنية». فتح هذا التعريف المبهم الطريق أمام إعادة تسمية عدد من العمليات المختلفة، بل المتناقضة، باسم رأس المال الاجتماعي. بدأ كولمان نفسه هذا التوسيع بإدراجه تحت هذا المصطلح بعض الآليات التي تولّد رأس المال الاجتماعي (مثل التوقعات المتبادلة وفرض المجموعة للمعايير)، وعواقب تملّكه (مثل النفاذ المميَّز إلى المعلومات)، والتنظيم الاجتماعي «القابل للتملّك» الذي يوفّر سياق
التجسّد لكلٍّ من المصادر والآثار. وللموارد التي يُحصَل عليها من خلال رأس المال الاجتماعي طابع
الهبة، من وجهة نظر متلقّيها. ولذلك من المهم التمييز بين الموارد نفسها وقدرة الحصول عليها بفضل
(6) Loury, «A Dynamic Theory.» p. 176. (7) Ibid.
(((المكافئ الأقرب لرأس المال البشري في تحليل بورديو هو رأس المال الثقافي المتجسّد الذي يُعرَّف بأنّه سجيّة Habitus
الممارسات الثقافيّة والمعرفة والسلوكات التي يجري تعلّمها من خ لاا التعرّض لنماذج الأدوار في العائلة وسواها من الأوساط،
انظر:
Bourdieu, «Les trois.» (9) James Samuel Coleman, «Social Capital in the Creation of Human Capital,» American Journal of Sociology , vol. 94 (1988), pp. 95–121; James Samuel Coleman, Foundations of Social Theory (Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University, 1990), p. 302.
شتاء winter 2019
العضوية في بنى اجتماعية مختلفة، وهو تمييز واضح لدى بورديو بخلاف كولمان؛ ذاك أنّ مساواة رأس المال الاجتماعي بالموارد المكتسبة من خلاله يمكن أن تؤدي بسهولة إلى أقوال هي من قبيل اللغو وتحصيل الحاصل. من المهمّ بالمثل أن يُميَّز بين دوافع المتلقّين والمانحين في التبادلات التي يتوسّطها رأس المال
الاجتماعي. وإذا ما كان من المتيسّر فهم رغبة المتلقّين في النفاذ إلى أصول قيّمة، فإنّ الأكثر تعقيدًا هو
دوافع المانحين الذين يُطلب منهم توفير هذه الأصول من دون أيّ عائد فوريّ. وهذه الدوافع متعددة
وتستحق التحليل لأنّها العمليات الأساسية التي يسعى مفهوم رأس المال الاجتماعي لالتقاطها. وهذا ما يوجب على التناول المنهجي للمفهوم أن يميّز بين: أ. حائزي رأس المال الاجتماعي (أصحاب
المطالب)، ب. مصادر رأس المال الاجتماعي (من يوافقون على هذه المطالب)، ج. الموارد نفسها. غالبًا ما تختلط هذه العناصر الثلاثة في مناقشات المفهوم التي تتبع كولمان، ما يفسح المجال للخلط
في استخدامات المصطلح ومداه. على الرغم من هذه المحدودية، تتمتع مقالات كولمان بفضيلة لا يمكن إنكارها، تتمثّل في إدخال المفهوم إلى علم الاجتماع الأميركي وإبرازه، وتسليط الضوء على أهميته في الحصول على رأس المال البشري، وتحديد بعض آليات توليده. وفي هذا الصدد الأخير، فإنّ تناول كولمان للانغلاق مثقِّف ومفيد على نحو خاص. يعني الانغلاق وجود روابط بين عدد معيّن من الأشخاص تكفي
لضمان احترام المعايير. وعلى سبيل المثال، فإنّ احتمال القيام بفعل محظور ضمن جماعة تجّار
الماس اليهود المترابطة بشدّة في مدينة نيويورك ينخفض إلى أدنى حدّ بسبب الصلات الكثيفة بين أعضاء هذه الجماعة والتهديد الدائم بنبذ المخالفين. ومن ثم، فإنّ وجود مثل هذا المعيار القوي هو أمر يلائم جميع أفراد الجماعة، ما يسهّل تعاملاتهم من دون اللجوء إلى عقود قانونية مرهقة. بعد بورديو ولوري وكولمان، نُشِرَ عدد من التحليلات النظرية لرأس المال الاجتماعي. ففي عام 1990،
عرّف واين بيكر هذا المفهوم بأنّه «مورد يستمدّه الفاعلون من بنى اجتماعية بعينها ثم يستخدمونه
لتحقيق مصالحهم؛ وهو يتأتّى من تغيرات في العلاقة بين الفاعلين». ويعرّف موريس شيف هذا
المصطلح تعريفًا أوسع بأنّه «مجموعة عناصر البنية الاجتماعية التي تؤثر في العلاقات بين البشر
((1(القول، مثل، إنّ الطالب (أ) يحوز رأس مالٍاجتماعيًا نظرًا إلى امتلاكه نفاذًا إلى قرض تعليمي كبير من أقربائه، وإنَّ الطالب
(ب) لا يحوز ذلك بسبب فشله في أن يحوزه هو قول يتجاهل احتمال أن تكون شبكة أقرباء (ب) حريصة بالمثل أو أكثر على إعانته
لكنها تفتقر إلى وسائل فعل ذلك. هكذا يغدو تعريف رأس المال الاجتماعي على أنّه مساوٍ للموارد التي يُحصَل عليها على هذا
النحو مكافئًا للقول إنَّ الناجح ينجح. وتتضح هذه الحلقة المفرغة مزيدًا من الاتضاح في تطبيقات رأس المال الاجتماعي التي تعرّفه
بأنّه ملكية جموع. وسوف نراجع ذلك أدناه.
(11) Coleman, «Social capital.» (12) Wayne E. Baker, «Market networks and corporate behavior,» American Journal of Sociology , vol. 96, no. 3 (November 1990), p. 619.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
وتكون عبارة عن مدخلات أو وسائط لوظيفة الإنتاج و/ أو المنفعة». ويرى رونالد بيرت أنّ رأس المال الاجتماعي هو «الأصدقاء والزملاء والصلات الأكثر عمومية التي تتحصّل من خلالها على
فرص استخدام رأس مالك المالي والبشري». وفي حين شدد كولمان ولوري على الشبكات الكثيفة بوصفها شرطًا ضروريًا لظهور رأس المال الاجتماعي، يسلّط بيرت الضوء على العكس؛ فهو يرى أنّ
الغياب النسبي للروابط، ما يدعوه «الثقوب البنيوية»، هو ما يسهّل الحراك الفردي، وذلك لأنّ الشبكات
الكثيفة تميل إلى نقل معلومات زائدة عن الحاجة، في حين يمكن للروابط الضعيفة أن تكون مصادر لمعارف وموارد جديدة. على الرغم من هذه الاختلافات، يتنامى إجماع الأدبيات على أنّ رأس المال الاجتماعي يمثّل قدرة الفاعلين على تأمين المنافع بفضل عضويتهم في الشبكات أو سواها من البنى الاجتماعية. وهذا هو المعنى الذي شاع تطبيقه في الأدبيات التجريبية، على الرغم من أنّ الاستخدامات الممكنة التي يُستخدَم بها تتنوّع، كما سنرى، أشدّ التنوّع.
مصادر رأس المال الاجتماعي
يؤكّد بورديو وكولمان الطابع غير الملموس لرأس المال الاجتماعي قياسًا على الأشكال الأخرى من
رأس المال. ففي حين يكون رأس المال الاقتصادي في حسابات البشر المصرفية ويكون رأس المال البشري في داخل رؤوسهم، فإنّ رأس المال الاجتماعي يلازم بنية علاقاتهم. فكي يحوز شخصٌ رأس
مالٍاجتماعيًا، لا بدّ أن يكون مرتبطًا بآخرين، وأولئك الآخرون، وليس هو نفسه، هم المصدر الفعلي
لفائدته. وكما ذكرتُ من قبل، فإنّ دافع الآخرين لجعل الموارد متاحة بشروط ميسّرة ليس بالدافع
الموحَّد. ويمكن أن نميّز، على المستوى الأوسع، بين دوافع كمالية Consummatory ودوافع أداتية
تقف وراء القيام بذلك. ومثالً على الدوافع الأولى، قد يسدّد البشر ديونهم في الوقت المناسب، ويتصدّقون، ويطيعون قواعد
المرور لأنّهم يشعرون بواجب التصرف على هذا النحو. ومن ثمّ يمكن لآخرين أن يتملّكوا المعايير
المستدخَلة التي تجعل مثل هذه التصرفات ممكنة بوصفها موردًا. وفي هذه الحالة، يكون حملة رأس المال الاجتماعي أعضاءً آخرين في الجماعة يمكنهم أن يقدّموا القروض من دون أن يخشوا عدم الدفع، أو
يمكنهم أن يفيدوا من الصدقات الخاصة، أو أن يرسلوا أطفالهم كي يلعبوا في الشارع من دون قلق. ويشير كولمان إلى هذا المصدر في تحليله المعايير والعقوبات: «المعايير الفعالة التي تمنع الجريمة تمك ن من السير بحرّية في المدينة ليلً وتمكّن كبار السن من مغادرة منازلهم من دون خوف على سلامتهم.»
(13) Maurice Schiff, «Social Capital, Labor Mobility and Welfare,» Rationality and Society , vol. 4, no. 2 (February 1992), p. 161. (14) Ronald S. Burt, Structural Holes: The Social Structure of Competition (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992), p. 9. (15) Coleman, «Social Capital.» p. 104.
شتاء winter 2019
وكما هو معلوم، فإنّ التركيز المفرط على عملية استدخال المعايير هذه أدى إلى تصور للفعل البشري في علم الاجتماع هو تصور مفرط في اجتماعيته، ونال نقدًا بالغ الحدّة من رونغ. ثمة مقاربة في الاقتصاد الحديث أقرب إلى نظرةٍ إلى الطبيعة البشرية مقلّةٍ في اجتماعيتها، ترى رأس المال الاجتماعي، في المقام الأول، أنّه تراكم التزامات أو واجبات من طرف الآخرين وفقًا
لمعيار التبادل. وفي هذه الصيغة، يوفّر المانحون نفاذ ا متميّزًا إلى الموارد على أمل أن يتمّ سدادهم
بالكامل في المستقبل. ويختلف تراكم الفواتير الاجتماعية هذا عن التبادل الاقتصادي البحت في أمرين؛ أولهما أنّ العملة التي تُسدَّد بها الالتزامات قد تختلف عن تلك التي اقتُرِضَ بها في الأصل وقد تكون غير ملموسة مثل منح القبول أو الولاء، وثانيهما أنّ توقيت السداد غير محدد. فحين يكون ثمّة جدول للسداد، تُعرَّف المعاملة بمزيد من الدقّة على أنّها تبادل في السوق أكثر منها تبادل
يتوسّطه رأس المال الاجتماعي. ومثل هذا التعامل الأداتي مع المصطلح مألوف تمامًا في علم
الاجتماع، ويعود إلى تحليل جورج سيمل الكلاسيكي للتبادل الاجتماعي، كما يعود مؤخّرًا إلى
تحليل جورج كاسبر هومانز وبيتر بلاو والعمل المكثف الذي قام به بعض كتّاب مدرسة الفعل العقلاني على مصادر التبادل ودينامياته. ثمّة مصدران آخران لرأس المال الاجتماعي يتناسبان مع ثنائية الكمالي مقابل الأداتي، إنّما بطريقة
مختلفة. يجد الأول أسسه النظرية في تحليل ماركس للوعي الطبقي الطارئ لدى البروليتاريا الصناعية. فالعمال الذين يُلقى بهم معًا في وضع مشترك متماثل، يتعلمون التماهي مع بعضهم
ودعم مبادرات واحدهم الآخر. وهذا التضامن ليس نتيجة استدخال لمعايير معيّنة يجري في
الطفولة، بل هو نتاج طارئ لمصير مشترك. وهذا ما يجعل السجايا الإيثارية للفاعلين في هذه الأوضاع محدودة بحدود جماعتهم وليست كونية شاملة. ويمكن، من ثمّ، لأعضاء آخرين في
الجماعة ذاتها أن يتملّكوا مثل هذه السجايا والأفعال التي تتأتى منها بوصفها مصدرًا من مصادر
رأس مالهم الاجتماعي. التضامن المحدود هو المصطلح المستخدم في الأدبيات الحديثة للإشارة إلى هذه الآليّة. وهو مصدر
رأس المال الاجتماعي الذي يسوق أبناء أثرياء لكنيسة من الكنائس إلى تمويل مدارس الكنيسة
(16) Dennis H. Wrong, «The Oversocialized Conception of Man in Modern Sociology,» American Sociological Review , vol. 26, no. 2 (April 1961), pp. 183–193. (17) Georg Simmel, «The Metropolis and Mental Life,» in: K. H. Wolff (ed. & trans.), The Sociology of Georg Simmel (New York: Free Press, 1964 [1902]), pp. 409–424. (18) George C. Homans, Social Behavior: Its Elementary Forms (New York: Harcourt, Brace & World, 1961). (19) Peter Blau, Exchange and Power in Social Life (New York: Wiley, 1964). (20) Schiff, pp. 157–175; James Samuel Coleman, «A Rational Choice Perspective on Economic Sociology,» in: N. J. Smelser & R. Swedberg (eds.), Handbook of Economic Sociology (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994), pp. 166–180. (21) Karl Marx, Capital , vol. 3 (New York: International, 1967 [1894]); Karl Marx & Friedrich Engels, The German Ideology (New York: International, 1947 [1848]).
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
ومستشفياتها في الخفاء بلا إعلان، ويسوق أبناء هوية قومية مقموعة لأن يلتحقوا طوعًا بنشاطات
عسكرية خطرة دفاعًا عنها، ويسوق البروليتاريا الصناعية إلى المشاركة في مسيرات احتجاجية أو
إضرابات تعاطفية دعمًا لزملائهم. ويمكن لتماهي المرء مع مجموعته أو طائفته أو جماعته أن يكون
قوة محفّزة شديدة. ويشير كولمان إلى أشكال متطرّفة من هذه الآلية مثل «الحماسة» ويعرّفها بأنّها
ترياق ضد ركوب الآخرين المجاني في الحركات الجمعية. يضرب المصدر الأخير لرأس المال الاجتماعي بجذوره الكلاسيكية في نظرية دوركهايم في الإدماج الاجتماعي وما تمتلكه شعائر المجموعة من مقدرة عقابية. وكما في حالات التبادل المتقابلة، فإن دافع مانحي الهبات ذات التوسّط الاجتماعي هو دافع أداتي، لكن توقّع السداد لا يقوم، في هذه
الحالة، على معرفة المتلقي، بل على اندراج كلا الفاعل ين في بنية اجتماعية مشتركة. وثمّة نتيجتان
تترتّبان على انغراس معاملة من المعاملات في مثل هذه البنية؛ أولاهما أنّ عوائد المانح قد لا تأتي من المتلقي مباشرة بل من المجموعة على هيئة مكانة أو شرف أو استحسان، وثانيتهما أنّ المجموعة ذاتها تعمل ضامنًا لسداد أيّ ديون يجري إقراضها. ومثالً على النتيجة الأولى، قد يمنح عضو في مجموعة إثنية منحة للطلاب الشباب من إثنيته، ولا يتوقّع سداد المستفيدين، بل القبول والمكانة لدى الجماعة. وهنا لا يكون رأس مال الطلاب الاجتماعي رهن
معرفتهم المباشرة بمتبرعهم، بل رهن انتمائهم إلى المجموعة ذاتها. ومثال على النتيجة الثانية، قد يقدّم
مصرفيّ قرضًا من دون ضمانات لعضو من الجماعة الدينية ذاتها متوقّعًا سداده كاملً بسبب التهديد بأن
تفرض الجماعة عقوباتها ونبذها في حال عدم السداد. بعبارة أخرى، توجد الثقة في هذه الحالة نظرًا
إلى إلزامية الوفاء بالالتزامات، ليس باللجوء إلى القانون أو العنف بل بقوة الجماعة. عادةً ما يختلط في الممارسة هذان الأثران المترتبان على الثقة المرعيّة، كما هو الحال عندما يتفضّل
شخصٌ على واحد من مجموعته متوقّعًا السداد المضمون والقبول لدى المجموعة. هكذا تكون الثقة
المرعيّة، بوصفها مصدرًا لرأس المال الاجتماعي، قابلة للتملّك من طرف كلٍّ من المانحين والمتلقين:
فمن الواضح، بالنسبة إلى المتلقّين، أنّها تيسّر الوصول إلى الموارد؛ وهي بالنسبة إلى المانحين، توفّر
القبول وتسهّل المعاملات إذ توفّر ضمانًا ضد ارتكاب المحظور. ولا حاجة إلى توكيل محامٍ في
المعاملات التجارية التي يكفلها هذا المصدر من مصادر رأس المال الاجتماعي. ويلخّص الجانب
(((2 يشير الركوب بالمجان، Free Riding، إلى الانتفاع من الخير الجمعيّ من دون تحمّل تكاليف المساهمة في إنتاجه. وربما
كان عالم الاقتصاد السياسي الأميركي مانكور أولسن في كتابه منطق الفعل الجمعيّ: الخيرات العامة ونظرية المجموعات)1965(
أول من صاغ ذلك تحليليًا بوصفه إشكالية، مستندًا إلى التصور الأداتيّ للعقلانية الذي يرى أنّ الأفراد العقلانيين يتخذون الخيارات
التي يعتقدون أنها ستعود عليهم بأفضل النتائج، ما دفع أولسن إلى أن يرى أنّ ما من دافع عقلاني كبير يدفع الأفراد ليساهموا في إنتاج الخير العام أو المشترك، نظرًا إلى التكاليف التي سيتحملونها في إنتاجه، كونهم سينتفعون به سواء ساهموا في إنتاجه أم لم
يساهموا ما دام خيرًا عامًا. (المترجم)
(23) Coleman, Foundations of Social Theory , pp. 273–282; Alejandro Portes & Julia Sensenbrenner, «Embeddedness and Immigration: Notes on the Social Determinants of Economic Action,» American Journal of Sociology , vol. 98, no. 6 (May 1993), pp. 1320–1350. (24) Émile Durkheim, The Division of Labor in Society (New York: Free Press, 1984 [1893]).
شتاء winter 2019
الأيمن من الشكل نقاش هذا القسم من ورقتنا هذه. والإبقاء على ضروب التمييز هذه هو أمر مهم
لتجنّب الخلط بين الدوافع الكمالية والدوافع الأداتية أو الخلط بين التبادلات الثنائية البسيطة وتلك المنغرسة في البنى الاجتماعية الأكبر التي تضمن قابلية التنبؤ والمسار. المكاسب والخسارات الفعلية والمحتملة التي يتوسّطها رأس المال الاجتماعي
آثار رأس المال الاجتماعي: الأبحاث الحديثة
عواقب رأس المال الاجتماعي متعددة أيضًا، شأنها شأن مصادره. وتشتمل الأدبيات التجريبية تطبيقات للمفهوم بوصفه مُتنَبِّئًا بالتسرّب المدرسي والأداء الأكاديمي، وتطوّر الأطفال الفكري،
ومصادر العمالة والتحصيل المهني، وجنوح الأحداث والوقاية منه، ومشاريع المهاجرين والإثنيات، وسواها. ويمضي تنوّع الآثار أبعد من تلك المجموعة الواسعة من المتغيرات
المترابطة المحددة التي سبق أن طُبِّق رأس المال الاجتماعي عليها ليشمل، علاوة على ذلك،
طبيعة العواقب المتوقَّعة ومعانيها. وتتيح مراجعة الأدبيات التمييز بين ثلاث وظائف أساسية لرأس المال الاجتماعي، تنطبق على مجموعة متنوعة من السياقات: أ. وظيفته بوصفه مصدرًا للضبط
الاجتماعي، ب. وظيفته بوصفه مصدرًا للدعم الأسري، ج. وظيفته بوصفه مصدرًا للمنافع من
خلال شبكات خارج الأسرة. من الأمثلة على الوظيفة الأولى سلسلة الدراسات التي تركّز على فرض القواعد. فرأس المال
(((2 لا ترمي المراجعة التالية إلى تغطية الأدبيات التجريبية تغطية شاملة. فمثل هذه المهمة باتت متقادمة بعد قيام بحوث المواضيع
المحوسبة. وغرضي، بدلً من ذلك، هو توثيق أنماط تطبيق المفهوم الأساسية وتسليط الضوء على علاقاتها البينيّة في تلك الأدبيات.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
الاجتماعي الذي تنشئه الشبكات الجماعية الضيقة مفيد للآباء والمدرسين وسلطات الشرطة في سعيهم للحفاظ على الانضباط وتشجيع الامتثال بين من يخضعون لسلطتهم. وعادةً ما توجد مصادر هذا النمط من رأس المال الاجتماعي في التضامن المحدود والثقة المرعيّة، وتتمثّل نتيجتها الرئيسة في
جعل الضوابط الرسمية أو العلنية غير ضرورية. وثمة مثال على هذه العملية في دراسة جو وبانكستون للجالية الفيتنامية المتماسكة في نيو أورليانز: «ثمة رصد دائم لكلٍّ من الآباء والأبناء كما لو كانوا تحت ‘مجهر فيتنامي’. فإذا ما رسب طالب أو أ خرج من المدرسة، أو انضوى صبي إلى عصابة أو غدت فتاة حامل من دون زواج، فهو أو هي لا يجلبان العار لنفسيهما فحسب، بل للعائلة أيضًا». تظهر الوظيفة ذاتها في تحليل هاغان وآخرين للتطرف اليميني بين شباب ألمانيا الشرقية. فهؤلاء الكتّاب الذين وسموا التطرف اليميني بالتقليد الباطني في المجتمع الألماني، سعوا لتفسير صعود تلك الأيديولوجيا، التي عادة ما تصاحبها مطامح الثراء اللامعيارية بين المراهقين الألمان. وتشتدّ هذه النزعات على نحو خاص بين أبناء الدول الشرقية الشيوعية السابقة. ويُفسَّر هذا الاتجاه باعتباره الثمرة
المشتركة لإزالة الضوابط الاجتماعية (انخفاض رأس المال الاجتماعي)، متضافرًا مع ضروب الحرمان
المديد الذي تحمّله الألمان الشرقيون. وقد أفضى الاندماج في الغرب إلى ظهور حالات جديدة
من انعدام اليقين وتهلهل الاندماج الاجتماعي، ما سمح للتقاليد الثقافية الألمانية الباطنية بأن تعاود الظهور. الضبط الاجتماعي هو أيضًا محور عدد من المقالات الباكرة التي كتبها كولمان، ويأسف فيها على اختفاء تلك البنى العائلية والجماعية غير الرسمية التي أنتجت هذا النمط من رأس المال الاجتماعي، ويدعو إلى إقامة مؤسسات رسمية تحلّ محلّها. وهذه أيضًا هي وجهة الخطاب الرئاسي الذي ألقاه كولمان في عام 1992 أمام الجمعية الأميركية لعلم الاجتماع، وتتبّع فيه تدهور المؤسسات «البدئيّة»
القائمة على أساس الأسرة وحلول المنظمات المبنيّة على نحو هادف محلّها. من هذا المنظور، تغدو مهمة علم الاجتماع الحديث توجيه عملية الهندسة الاجتماعية هذه التي ستستبدل بأشكال الضبط
القديمة القائمة على أساس روابط بدئية حوافز مادية وحوافز مكانة مبتكرَة بصورة عقلانية. كما
تتجلّى وظيفة الضبط الاجتماعي التي يمارسها رأس المال الاجتماعي كلما نوقش هذا المفهوم في
(26) M. Zhou, C. L. Bankston, «Social Capital and the Adaptation of the Second Generation: The Case of Vietnamese youth in New Orleans,» in: A. Portes (ed.), The New Second Generation (New York: Russell Sage Foundation, 1996), p. 207. (27) John L. Hagan, Hans Merkens & Klaus Boehnke, «Delinquency and Disdain: Social Capital and the Control of Right–wing Extremism among East and West Berlin Youth,» American Journal of Sociology , vol. 100, no. 4 (January 1995), pp. 1028–1052. (28) James Samuel Coleman, «The Creation and Destruction of Social Capital: Implications for the Law,» Notre Dame Journal of Law, Ethics & Public Policy , vol. 3, no. 3 (1988), pp. 375–404; James Samuel Coleman, «The Rational Reconstruction of Society: 1992 Presidential Address,» American Sociological Review , vol. 58, no. 1 (February 1993), pp. 1–15.
شتاء winter 2019
صلاته بالقانون. وهو كذلك مناط التركيز حين يتحدد بوصفه ملكًا لجموع مثل المدن أو الأمم.
وهذه المقاربة الأخيرة، المرتبطة أساسًا بكتابات باحثي العلوم السياسية، هي ما نناقشه في مقطعٍ تالٍ. يتجلّى تأثير كتابات كولمان أيضًا في وظيفة رأس المال الاجتماعي الثانية، أعني وظيفته بوصفه مصدرًا
لدعم الوالدين والأقرباء. فالأسر السليمة وتلك التي تكون فيها المهمة الرئيسة لأحد الوالدين هي تربية الأطفال تمتلك من أشكال رأس المال الاجتماعي ما يزيد على ما تمتلكه الأسر وحيدة الوالد أو تلك التي يعمل فيها كلا الوالدين. والمستفيدون الأساسيون من هذا المورد هم، بطبيعة الحال، الأطفال الذين يتمّ بذلك إثراء تعليمهم وتطور شخصيتهم. هكذا، يشير كولمان محبّذًا إلى ممارسة الأمهات
الآسيويات المهاجرات اللواتي لا يلزمن المنزل فحسب، بل غالبًا ما يشترين نسخًا ثانية من الكتب
المدرسية لمساعدة أبنائهن في واجباتهم المدرسية. نجد مثالً ثانيًا على هذه الوظيفة في دراسة سارا ماكلاناهان وغاري ساندفور الترعرع مع والد واحد
التي تتفحّص عواقب الوالديّة الوحيدة على الإنجاز والتسرّب المدرسيَّين، وعلى حمل المراهقات،
وغيرها من ثمرات المراهقة. إذ يميل رأس المال الاجتماعي إلى أن يقلّ بالنسبة إلى أطفال الأسر ذات الوالد الواحد لأنهم يفتقرون إلى مزايا وجود الوالد الثاني ولأنّهم كثيرًا ما يغيّرون أماكن سكناهم، ما
يقلّل روابطهم ببالغين آخرين في الجماعة. وهذا الافتقار ليس العامل المسبب الوحيد، لكنه يؤدي دورًا مهمًا مؤكَّدًا في إحداث نتائج تعليمية وشخصية غير مرغوبة لدى الأطفال وحيدي الوالد. وعلى
المنوال ذاته، أجرت توبي بارسيل وإليزابيث ميناغن تحليلات كمية مكثّفة لمسوحات وطنية بغية تفحّص أثر عمل الوالدين في تطور الأطفال الإدراكي والاجتماعي. وهما تخلصان إلى أن موارد
الوالدين الفكرية وسواها تساهم في أشكال رأس المال العائلي المفيدة في تحقيق الأطفال نتائج إيجابية، لكنهما تفرطان في تعميم تلك المعتقدات الشائعة عن التأثير السلبي لعمل الأم في أثناء مرحلة الرضاعة المبكرة. مثال ثالث هو تحليل هاو لدعم الأقارب والأمومة خارج نطاق الزواج. فرأس المال الاجتماعي، شأنه شأن رأس المال المالي، يؤثّر في تحويلات الوالدين إلى البنات وفي ثمرات سلوكهن مثل حمل المراهقات، والتحصيل العلمي، والمشاركة في قوة العمل. ورأس المال الاجتماعي أكبر في الأسر ذات الوالدين، والأسر التي يقلّ فيها عدد الأطفال، وتلك التي لدى الوالدين مطامح رفيعة لأبنائهم.
(29) Alan Smart, «Gifts, Bribes, and Guanxi: A Reconsideration of Bourdieu’s Social Capital,» Cultural Anthropology , vol. 8, no. 3 (August 1993), pp. 388–408; E. Weede, «Freedom, Knowledge and Law as Social Capital,» International Journal on the Unity of the Sciences , vol. 5, no. 4 (1992), pp. 391–409. (30) Coleman, «Social capital.» p. 110. (31) Sara McLanahan & Gary Sandefur, Growing Up with a Single Parent: What Hurts, What Helps (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1994). (32) Toby L. Parcel & Elizabeth G. Menaghan, «Early Parental Work, Family Social Capital and Early Childhood Outcomes,» American Journal of Sociology , vol. 99, no. 4 (January 1994), pp. 972–1009. (33) Lingxin Hao, Kin Support, Welfare, and Out–of–Wedlock Mothers (New York: Garland, 1994).
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
فهذه الشروط تعزّز اهتمام الوالدين، وتزيد الساعات التي يقضيانها مع الأطفال، وتدفع إلى ظهور توجّه
بين المراهقين يميل إلى الإنجاز. ثمة مثالان أخيران لافتان يسلّطان الضوء على دور الدعم الأسري بوصفه قوة مقابلة لفقدان روابط الجماعة. ففي دراستهم الطويلة المدى للمراهقين في تورنتو، يؤكّد جون هاغان وآخرون ما اكتشفه كولمان في شأن الأثر الضار لكثرة تنقلات العائلة في تكيّف الأطفال العاطفي وإنجازهم التعليمي. فمغادرة الجماعة
تنزع إلى تدمير الروابط القائمة، وحرمان الأسرة والأطفال تاليًا من مصدر رئيس لرأس المال الاجتماعي.
لكنّ هؤلاء المؤلّفين يجدون أثرًا تفاعليًا يفضي إلى مفاقمة الفقدان بين الأطفال الذين يوفّر لهم آباؤهم
دعمًا ضعيفًا وإلى تحييد جزئي بين من هم في الوضع المعاكس. يؤدي دعم الوالدين إلى إنجازات
تعليمية أرفع، سواء على نحو مباشر أو غير مباشر من خلال التعويض عن فقدان الجماعة بين المهاجرين. على الغرار ذاته، يبرز ستيفن غولد التغيير في أدوار الوالدين بين الأسر الإسرائيلية المهاجرة في الولايات المتحدة. ففي إسرائيل، تسهّل الروابط الاجتماعية الوثيقة الإشراف على الأطفال وتربيتهم،
لأنّ بالغين آخرين يعرفون الأصغر سنًّا ويتحمّلون مسؤولية رفاههم. أمّا في البيئة الأميركية اللامعيارية،
فيُسْنَد إلى الأمهات دور التعويض عن غياب روابط الجماعة وتكريس أنفسهن لأطفالهن فحسب.
ولذلك فإنّ مشاركة المرأة في القوة العاملة هي أكبر بكثير في إسرائيل منها بين الإسرائيليين في الولايات المتحدة، حيث تسعى الأمهات للحفاظ على بيئة ثقافية ملائمة لصغارهن. وما يلُاحظ في
هذين المثالين، هو أنّ انخفاض رأس المال الاجتماعي في شكله الأول، روابط الجماعة الاجتماعية وضبطها، إنّما يُعوَّض جزئيًا بزيادة رأس المال الاجتماعي في شكله الثاني، الدعم الأسري. لكنّ الوظيفة الأكثر شيوعًا التي تُعزى إلى رأس المال الاجتماعي هي وظيفته بوصفه مصدرًا للمنافع
التي تتوسطها شبكات أبعد من الأسرة المباشرة. وهذا التعريف هو الأقرب إلى تعريف بورديو الذي يعتبر دعم الأبوين لتطور الأطفال مصدرًا لرأس المال الثقافي، في حين يشير رأس المال
الاجتماعي إلى الأصول المكتسبة من خلال العضوية في الشبكات. ويوضح هذه الوظيفة الثالثة استخدام هيلموت إنهاير وآخرين تقنيات التجميع والنمذجة لرسم خريطة الروابط الاجتماعية بين الفنّانين والمثقّفين في مدينة كولونيا الألمانية. وتُظهر نتائج تحليلهم وجود شبكات قوية جدًا بين نخبة المدينة المثقفة مع تضييق مجال النفاذ إليها على أولئك الذين يمارسون نشاطات هامشية وتجارية. وتُعَدّ هذه المقالة، من الناحية المنهجية، واحدًا من أشدّ التطبيقات حنكةً وإتقانًا لأفكار
بورديو في علم اجتماع الثقافة.
(34) John Hagan, Ross MacMillan & Blair Wheaton, «New Kid in Town: Social Capital and the Life Course Effects of Family Migration in Children,» American Sociological Review , vol. 61, no. 3 (June 1996), pp. 368–385. (35) Steven J. Gold, «Gender and Social Capital among Israeli Immigrants in Los Angeles,» Diaspora: A Journal of Transnational Studies , vol. 4, no. 3 (Winter 1995), pp. 267–301. (36) Bourdieu, «Les Trois.»; Bourdieu, «Le capital social.» (37) Helmut K. Anheier, Jurgen Gerhards & Frank P. Romo, «Forms of Social Capital and Social Structure in Cultural Fields: Examining Bourdieu’s Social Topography,» American Journal of Sociology , vol. 100, no. 4 (January 1995), pp. 859–903.
شتاء winter 2019
لكنّ الاستخدام الأكثر شيوعًا لهذا الشكل الثالث من رأس المال الاجتماعي هو في مجال التراتب
الطبقي. وكثيرًا ما يُستحضَر هنا بوصفه تفسيرًا للنفاذ إلى العمالة، والترقّي المهني، ونجاح المشاريع.
فالفكرة القائلة إنّ الصِلّات أداة لتعزيز الحراك الفردي هي فكرة أساسية في تحليل لوري، كما رأينا
سابقًا، وتوجد أيضًا لدى عدد من المؤل فين الذين لا يصوغونها مفهوميًا على نحو واضح بوصفها
رأس مالٍاجتماعيًا. وعلى سبيل المثال، فقد سكّ غرانوفيتر مصطلح «قوة الروابط الضعيفة» كي
يشير إلى قدرة التأثيرات غير المباشرة، الواقعة خارج الدائرة المباشرة للعائلة والأصدقاء المقرَّبين، في
العمل بوصفها نظام ترشيحٍ للعمالة غير رسمي. وقد اتّسمت هذه الفكرة بالأصالة لأنها تسير عكس الفهم الشائع الذي يرى أنّ الشبكات الكثيفة، كتلك التي تتيحها الدوائر العائلية، أكثر فاعلية في إيجاد وظائف. وبعد حوالى عقدين، بنى رونالد س. بيرت على تبصّر غرانوفيتر بتطويره مفهوم «الثقوب
البنيوية». وكما رأينا، فقد استخدم بيرت مصطلح رأس المال الاجتماعي، وتعريفه له هو تعريف أداتي، مثل تعريف بورديو. لكنّ رأس المال الاجتماعي يقوم في حالة بيرت على الندرة النسبية للروابط
الشبكية وليس على كثافتها. من الجهود الباكرة الأخرى الجديرة بالاهتمام جهد نان لين ووالتر إنسل وجون سي فوغن، «الموارد الاجتماعية وقوة الروابط»، إذ يشيرون إلى الاتجاه المعاكس تمامًا. وعلى الرغم من أنّ نان لين وزملاءه
لم يستخدموا مصطلح رأس المال الاجتماعي، نجد أنّ كولمان يستشهد بعملهم محبّذًا بسبب
التشديد المشترك على الشبكات الكثيفة بوصفها موردًا. وهذا الموقف البديل الذي يمكن أن نَس،ُ مَه
بعكس غرانوفيتر وبيرت، ب «قوة الروابط القوية»، يتجلّى أيضًا في مجالات أخرى من أدبيات الشبكات الاجتماعية والحراك الاجتماعي. ومن أكثرها جدارة بالملاحظة دراسة مشاريع المهاجرين والإثنيات التي يُعرَّف ما يجري فيها من شبكات ورأس مال اجتماعي بأنّه مورد أساسي لإقامة المشاريع الصغيرة.
وقد سُلِّط الضوء، مثلً، على أهمية جمعيات الإقراض الدوّار RCAs في رسملة شركات المهاجرين
الآسيويين في الولايات المتحدة. وشركات الإقراض الدوّار هي ﻣﺟﻣوﻋﺎت ﻏﯾر رﺳﻣﯾﺔ تلتقي بصورة
دورية، ويسهم كلّ عضو بمبلغ محدد لصندوق عام يذهب لكلّ منهم بدوره. ويتأتى رأس المال الاجتماعي في هذه الحالة من الثقة بأنّ كلّ مشارك له في مساهمة الآخرين المستمرة حتى بعد تلقّيهم الأموال المجمعة. ومن دون هذه الثقة، ما كان أحد ليساهم، وكانوا ليحرمون جميعًا من هذه الوسيلة
الفعالة في النفاذ إلى التمويل.
(38) Mark Granovetter, Getting a Job: A Study of Contacts and Careers (Cambridge, MA: Harvard University Press,
(39) Burt, Structural Holes. (40) Nan Lin, Walter M. Ensel & John C. Vaughn, «Social Resources and Strength of Ties: Structural Factors in Occupational Status Attainment,» American Sociological Review , vol. 46, no. 4 (August 1981), pp. 393–405. (41) Coleman, «Social capital.» (42) Ivan Light, «Immigrant and ethnic enterprise in North America,» Ethnic and Racial Studies , vol. 7 (1984), pp. 195–216; Ivan Light & Edna Bonacich, Immigrant Entrepreneurs: Koreans in Los Angeles 1965–1982 (Berkeley, CA: University of California Press, 1988).
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
يحظى دور الشبكات الاجتماعية بأهمية مماثلة في الدراسات التي تتناول جيوب الأعمال الإثنية وقطاعاتها. والجيوب هي عبارة عن تجمعات كثيفة لشركات المهاجرين أو الشركات الإثنية التي تستخدم نسبة كبيرة من القوة العاملة المنتمية إلى إثنيتها، وتبدي حضورًا ماديًا مميزًا في الفضاء المديني. وتسلّط
الدراسات التي تتناول الحيّ الصيني في نيويورك، وليتل هافانا في ميامي، والحي الكوري في
لوس أنجلوس الضوء على دور شبكات الجماعة بوصفها مصدرًا للموارد الحيوية لهذه الشركات
الإثنية. وتشمل هذه الموارد رأس مال الإقلاع من دون أن تقتصر عليه؛ فثمة موارد أخرى على هيئة نصائح حول فرص العمل، والنفاذ إلى الأسواق، وقوة العمل المطواعة والمنضبطة. تنشأ القطاعات الإثنية عندما تتمكن مجموعة ما من احتلال مجال معيّن من مجالات العمالة على نحو
يتيح للأعضاء نفاذًا مميّزًا إلى فرص عمل جديدة، مع إغلاق تلك الفرص في وجه الأجانب. تُراوح أمثلة
ذلك الموثقة في الأدبيات بين عمل المطاعم ومصانع الملابس وصولً إلى أقسام الشرطة والإطفاء وبعض فروع الخدمة المدنية في نيويورك وميامي، وكما هو الحال في الجيوب، فإن فرص الحراك عبر قطاعات معيّنة تكون مدفوعة بالكامل بالشبكة. ويجد الأعضاء وظائف للآخرين، ويعلمونهم المهارات اللازمة،
ويشرفون على أدائهم. وتكون قوة سلاسل الشبكات على نحوٍ عادةً ما يحظى فيه بالفرص الجديدة أقرباء
وأصدقاء في أماكن أجنبية نائية بدلً من استغلال عمال محليين آخرين متاحين. نقيض هذا الوضع هو ندرة الصلات الاجتماعية في جماعات فقيرة معيّنة أو طابعها المبتور. ومنذ نشر
كتاب كارول ستاك الموسوم جميع أقربائنا، يَعرف علماء الاجتماع أنّ البقاء اليومي في الجماعات
المدينية الفقيرة عادةً ما يتوقف على التفاعل الوثيق مع أقرباء وأصدقاء في أوضاع مماثلة. المشكلة هي
(43) Min Zhou, New York’s Chinatown: The Socioeconomic Potential of an Urban Enclave (Philadelphia: Temple University Press, 1992). (44) Alejandro Portes, «The Social Origins of the Cuban Enclave Economy of Miami,» Sociological Perspectives , vol. 30, no. 4 (October 1987), pp. 340–372; Alejandro Portes & Alex Stepick, City on the Edge: The Transformation of Miami (Berkeley, CA: University of California Press, 1993); Lisandro Pérez, «Cuban Miami,» in: Guillermo Grenier & Alex Stepick (eds.), Miami Now! (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1992), pp. 83–108. (45) Light & Bonacich; Victor Nee, Jimy M. Sanders & Scott Sernau, «Job Transitions in an Immigrant Metropolis: Ethnic Boundaries and the Mixed Economy,» American Sociological Review , vol. 59, no. 6 (December 1994), pp. 849–872. (46) M. Waters, «West Indian Immigrants, African Americans, and Whites in the Workplace: Different Perspectives on American Race Relations,» Presented at the Meeting of American Sociological Association, Los Angeles, 1994; Peter B. Doeringer, Philip I. Moss & David G. Terkla, «Capitalism and Kinship: Do Institutions Matter in the Labor Market?» ILR Review , vol. 40, no. 1 (October 1986), pp. 48–60; Thomas Bailey & Roger Waldinger, «Primary, Secondary, and Enclave Labor Markets: A Training System Approach,» American Sociological Review , vol. 56, no. 4 (August 1991), pp. 432– 445; Roger Waldinger, Still the Promised City? African–Americans and New Immigrants in Post–Industrial New York (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996); Alex Stepick, «Miami’s two informal sectors,» in: Alejandro Portes, Manuel Castells & Lauren A. Benton (eds.), The Informal Economy: Studies in Advanced and Less Developed Countries (Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1989), pp. 111–134. (47) Saskia Sassen, «Immigration and Local Labor Markets,» in: Alejandro Portes (ed.), The Economic Sociology of Immigration: Essays on Networks, Ethnicity, and Entrepreneurship (New York: Russel Sage Foundation, 1995), pp. 127–187. (48) Carol B. Stack, All Our Kin (New York: Harper & Row, 1974).
شتاء winter 2019
أنّ مثل هذه الروابط نادرًا ما تبلغ أبعد من داخل المدينة، ما يحرم سك انها من مصادر المعلومات حول
فرص العمل في مكان آخر وطرق الحصول عليها. ويشدد أيضًا كل من لويك فاكون ووليم ويلسون ووليم ويلسون على أنّ مغادرة الأسر العاملة الصناعية وأسر الطبقة الوسطى مناطق داخل المدينة السوداء تركت السكّان الباقين محرومين من رأس المال الاجتماعي، ما أدى إلى مستويات مرتفعة جدًا من البطالة والاعتماد على دعم الدولة. يحتل هذا الأمر ذاته موقعًا مركزيًا لدى ميرسِر سوليفان في الإثنوغرافيات المقارنة للشباب
البورتوريكيين والسود والبيض من الطبقة العاملة في ثلاث جماعات في نيويورك. يتحدّى سوليفان اليقينيات العامة في شأن ثقافات الشباب الفرعية، بوصفها محددات السلوك المنحرف، بإظهاره أن النفاذ إلى الوظائف المنتظمة والمشاركة في النشاطات المنحرفة كلاهما تتوسطه الشبكات. وكما سبق أن لاحظ غرانوفيتر، فإن المراهقين نادرًا ما يجدون وظائف؛ بل تأتيهم الوظائف بتوسّط الآباء
وغيرهم من البالغين في جماعتهم المباشرة. ويبيّن سوليفان أن مثل هذه الشبكات أضعف في حالة
الشباب السود بسبب ندرة من يشغلون مواقع مؤثرة في جيل الكبار. ونادرًا ما يكون المراهقون السود،
المعتمدون على مواردهم الخاصة، قادرين على كسب التنافس على وظائف منتظمة جيدة؛ ما يجعلهم متاحين لأشكال بديلة من كسب الدخل. في تحليلها حمل المراهقات في غيتو بالتيمور، تلاحظ باتريشيا فيرنانديز كيلي أنّ الشبكات الكثيفة، إنّما المبعثرة للأسر السوداء داخل المدينة، لا تقطع الأعضاء عن المعلومات حول العالم الخارجي
فحسب، بل تعزّز في الوقت ذاته أنماط ا ثقافية بديلة تجعل النفاذ إلى العمالة السائدة أشدّ صعوبة. في هذا السياق المعزول، لا يكون حمل المراهقات ثمرة اللامبالاة أو الإفراط الجنسي، بل يكون في العادة وسيلة متعمّدة للحصول على مكانة الكبار ومحاولة للاستقلال. قام ريكاردو ستانتون سالازار وسانفورد دورنبوش، بالمثل، بتحرّي العلاقة بين الشبكات الاجتماعية
الخارجية والإنجاز والطموح الأكاديميَّين بين طلاب الثانوية المكسيكيين في منطقة سان فرانسيسكو.
ووجدا ترابطات إيجابية بين هذه المتغيرات، لكن أقوى ضروب الاقتران كانت مع الثنائية اللغوية، ما
(49) Loïc J. D. Wacquant & William Julius Wilson, «The Cost of Racial and Class Exclusion in the Inner City,» The Annals of the American Academy of Political and Social Science , vol. 501, no. 1 (January 1989), pp. 8–25. (50) William Julius Wilson, The Truly Disadvantaged: The Inner–City, the Underclass, and Public Policy (Chicago: University of Chicago Press, 1987); William Julius Wilson, When Work Disappears: The World of the New Urban Poor (New York: Knopf, 1996). (51) Mercer L. Sullivan, Getting Paid: Youth Crime and Work in the Inner City (Ithaca, NY: Cornell University Press,
(52) Granovetter, Getting a Job. (53) M. Patricia Fernández Kelly, «Social and Cultural Capital in the Urban Ghetto: Implications for the Economic Sociology of Immigration,» in: Portes (ed.), The Economic Sociology of Immigration , pp. 213–247. (54) Ricardo D. Stanton–Salazar & Sanford M. Dornbusch, «Social Capital and the Reproduction of Inequality: Information Networks among Mexican–origin High School Students,» Sociology of Education , vol. 68, no. 2 (April 1995), pp. 116–135.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
يشير إلى دور رأس المال الثقافي في تحقيق المكانة. وفي مقالة ذات صلة، سلّطت أنجيلا فالينزويلا وسانفورد دورنبوش الضوء على دور الشبكات الأسرية وعلى توجّه أسرويّ في التحصيل الأكاديمي
لدى الطلاب من أصل مكسيكي. وهاتان المقالتان، بالتوازي مع دراستَي هاغان وآخرين وغولد، تشيران إلى تعويض الأسر المهاجرة عن غياب الشكل الثالث من أشكال رأس المال الاجتماعي، الشبكات الخارجية، بالتركيز على رأس المال الاجتماعي الذي يتّخذ شكل الدعم الأسري، بما في
ذلك الحفاظ على التوجهات الثقافية للبلد الأم.ّ كما في حالة المصادر المختلفة لرأس المال الاجتماعي المبيّنة سابقًا، من المهم أيضًا أن نُبقي في
أذهاننا وظائف المفهوم المختلفة تجنّبًا للخلط وتسهيلً لدراسة العلاقات المتبادلة بينها. على سبيل
المثال، قد يتصادم رأس المال الاجتماعي في شكل الضبط الاجتماعي مع رأس المال الاجتماعي في شكل المنافع التي تتوسطها الشبكات، إذا ما كان الأخير متمثّل، تحديدًا، في القدرة على تجاوز المعايير القائمة. وبذلك يمكن لقدرة السلطات على إنفاذ القواعد (الضبط الاجتماعي) أن تتعرض للخطر بسبب وجود شبكات محكمة وظيفتها على وجه التحديد تيسير انتهاك تلك القواعد من أجل المنفعة الخاصة. وما تشير إليه هذه النتائج المتناقضة هو الحاجة إلى إلقاء نظرة فاحصة على الرابحين والخاسرين الفعليين والمحتملين في المعاملات التي يتوسّطها رأس المال الاجتماعي. ويلخص
الجانب الأيسر من الشكل المناقشة السابقة ومناقشة القسم التالي.
رأس المال الاجتماعي السلبي
تلحّ الأدبيات البحثية في رأس المال الاجتماعي بقوة على عواقبه الإيجابية. والحال أنّ تحيّزنا
السوسيولوجي هو الذي يجعلنا نرى الأشياء الحسنة تنجم عن نزعة الاجتماعي Sociability، ونرى
الأشياء السيئة قرينة سلوك الإنسان الاقتصادي Economicus Homo في العادة. لكنّ الآليات ذاتها
التي يتملّكها الأفراد وتتملّكها الجماعات، بوصفها رأس مال اجتماعيًا، يمكن أن تكون لها عواقب
أخرى، غير مستحبّة. وهي عواقب من المهم الإلحاح عليها لسببين: أول، لتجنّب الوقوع في فخ تقديم
الشبكات الجماعية والضبط الاجتماعي والعقوبات الجمعية على أنّها نعَم صافية لا تشوبها شائبة؛ِ
ثانيًا، كي نبقي التحليل ضمن حدود التحليل العلم – اجتماعي الجاد بعيدًا عن الأحكام الأخلاقية.
وكانت الدراسات قد حددت مؤخّرًا ما لا يقل عن أربع عواقب سلبية لرأس المال الاجتماعي: إقصاء
الغرباء، والتطلّب الزائد حيال أعضاء المجموعة، والقيود المفروضة على الحريات الفردية، وخفض معايير الترقّي. وسوف أتكلم باختصار عن هذه العواقب.
(55) Angela Valenzuel & Sanford M. Dornbusch, «Familism and Social Capital in the Academic Achievement of Mexican Origin and Anglo Adolescents,» Social Science Quarterly , vol. 75, no. 1 (March 1994), pp. 36–75. (56) Hagan, MacMillan & Wheaton, pp. 368–385. (57) Gold.
(((5 يقوم هذا القسم في جزء منه على:
Alejandro Portes & Patricia Landolt, «The Downside of Social Capital,» The American Prospect , vol. 26 (May 1996), pp. 18–22; Portes & Sensenbrenner.
شتاء winter 2019
أولً، إنَ الروابط القوية التي تجلب المنافع لأعضاء مجموعةٍ ما عادةً ما تمكّنها هي ذاتها من الحيلولة دون نفاذ الآخرين إليها. يصف روجر د. والدنغر ما تمارسه الإثنيات البيضاء، ذرّية المهاجرين
الإيطاليين والأيرلنديين والبولنديين، من سيطرة صارمة على مهن البناء ونقابات الإطفاء والشرطة في نيويورك. وتشمل حالات أخرى سيطرة المهاجرين الكوريين المتزايدة على أعمال الإنتاج في عدد من مدن الساحل الشرقي، واحتكار التجار اليهود التقليدي تجارة الماس في نيويورك، وتحك م الكوبيين في قطاعات عديدة من اقتصاد ميامي. وفي كل حالة من هذه الحالات، يكون رأس المال الاجتماعي الناجم عن التضامن والثقة المحدودَين بحدود الجماعة في صميم التقدم الاقتصادي لهذه الأخيرة. لكن «العلاقات الاجتماعية التي [...] تيسّر التبادلات الاقتصادية وتزيدها فاعلية بين أفراد الجماعة هي
ذاتها التي تقف في وجه الغرباء والخارجيين»، كما يشير والدنغر. ليست المجموعات الإثنية بالمجموعات الوحيدة التي تستخدم رأس المال الاجتماعي لتحقيق فائدة اقتصادية. منذ قرنين من الزمان، اشتكى آدم سميث من أنّ اجتماعات التجار كانت تنتهي حتمًا
مؤامرةً ضد الجمهور. والجمهور، بطبيعة الحال، هو جميع أولئك الذين أ قصوا عن الشبكات والمعرفة
المتبادلة التي تربط المجموعات المتآمرة. ضعوا بدل من «التجار» مقاولي البناء البيض أو رؤساء النقابات الإثنية أو متعهّدي الأعمال المهاجرين، وسوف تتضح الأهمية المعاصرة لشكوى سميث. إنّ الأثر السلبي الثاني لرأس المال الاجتماعي هو مقلوب الأول؛ لأنّ انغلاق مجموعة أو جماعة يمكن، في ظروف معيّنة، أن يحول دون نجاح المبادرات والمشاريع بفعلٍ من أعضاء فيها. لاحظ
كليفورد غيرتز، في دراسته صعود المشاريع التجارية في بالي، كيف كان الأقرباء الباحثون عن الوظائف والقروض يتعدّون باستمرار على رجال الأعمال الناجحين. وكانت هذه المطالب مدعومة بمعايير قوية تُلزِم بتبادل العون داخل الأسرة الممتدة وبين أبناء الجماعة عمومًا. وكانت النتيجة تحويل مشاريع
واعدة إلى جمعيات خيرية، وإعاقة توسّعها الاقتصادي. يلاحظ غرانوفيتر الذي لفت الانتباه إلى هذا المثال، أنّه حالة من حالات المشكلة التي أشارت إليها نظرية التنمية الاقتصادية الكلاسيكية في المشاريع التقليدية. وكان ماكس فيبر قد أشار إلى الأمر ذاته حين أكّد أهمية التعاملات الاقتصادية غير الشخصية التي يوجّهها مبدأ الكونيّة بوصفها واحدًا من
الأسباب الرئيسة لنجاح المشاريع البوريتانية. هكذا، يمكن للعلاقات الحميمة من النوع الذي يوجد
(59) Roger Waldinger, «The Other Side of Embeddedness: A Case Study of the Interplay between Economy and Ethnicity,» Ethnic and Racial Studies , vol. 18, no. 3 (July 1995), pp. 555–580. (60) Ibid., p 557. (61) Adam Smith, The Wealth of Nations (Baltimore, MD: Penguin, 1979 [1776]). (62) Clifford Geertz, Peddlers and Princes (Chicago: University of Chicago Press, 1963). (63) Mark Granovetter, «The Economic Sociology of Firms and Entrepreneurs,» in: Portes (ed.), The Economic Sociology of Immigration , pp. 128–165. (64) Max Weber, The Theory of Social and Economic Organization (New York: Free Press, 1965). Originally published as Wirtschaft und Gesellschaft , Part I (1947 [1922]).
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
لدى الجماعات شديدة التضامن أن تولّد مشكلة ركوبٍ بالمجّان هائلة، إذ يفرض الأعضاء الأقلّ
اجتهادًا على الناجحين جميع صنوف المطالب التي تدعمها بنية معيارية مشتركة. وقوام رأس المال
الاجتماعي الخاص بهؤلاء المطالبين هو على وجه الدقّة نفاذهم المميَّز إلى موارد أبناء جماعتهم. وفي
هذه السياق، تُبدَّد فرص التراكم ونجاح المشاريع. ثالثًا، تخلق مشاركة الجماعة أو المجموعة بالضرورة مطالبات بالامتثال. ففي بلدة أو قرية صغيرة، يعرف فيها جميع الجيران بعضهم بعضًا، يمكن للمرء أن يحصل على مؤونة بالاستدانة من المتجر، ويمكن لأطفاله أن يلعبوا في الشوارع بحرّية تحت أنظار البالغين الآخرين الحريصة. ومستوى الضبط الاجتماعي
في مثل هذه الأوضاع قوي، وهو أيضًا مقيِّد تمامًا للحريات الشخصية، وهذا ما يدفع الشباب وذوي
التفكير المستقل إلى أن يغادروا. ويشير جيريمي بويسيفن إلى مثل هذا الوضع في دراسته حياة قرية في
جزيرة مالطة، حيث أوجدت الشبكات الكثيفة والمتعددة التي تربط السكّان معًا الأساس لحياة جماعية
مستحكمة وفرضٍ قوي للمعايير المحلية؛ الأمر الذي حدّ من خصوصية الأفراد واستقلالهم. هذا تعبير عن المعضلة القديمة بين تضامن الجماعة وحرّية الفرد التي حلّلها سيمل في مقالته الكلاسيكية
عن «المتروبول والحياة العقلية». في تلك المقالة، خلص سيمل إلى تحبيذ الاستقلال الشخصي والمسؤولية. أمّا الآن، فعاد البندول إلى الوراء، إذ يدعو عدد من الكتّاب إلى شبكات جماعية أقوى وإلى
التزام القواعد والمعايير بغية إعادة ترسيخ الضبط الاجتماعي. وقد يكون هذا أمرًا مرغوبًا في كثير من
الحالات، لكن الجانب السلبي لهذه الوظيفة من وظائف رأس المال الاجتماعي يجب أن يبقى في الذهن. قد تكون القيود المفروضة على الحرّية الفردية هي المسؤولة عمّا وجده رَمبوت من أنّ مستويات
التضامن الأسروي المرتفعة بين الطلاب المهاجرين حديثًا ترتبط على نحو سلبي بأربع نتائج تعليمية مختلفة، بما في ذلك الدرجات ونتائج الاختبارات القياسية. وبحسب رمبوت، فإنّ «الروابط العائلية تربط، لكن هذه الروابط تقيّد في بعض الأحيان ولا تيسّر أمر نتائج معينة».
((6(لوحظت مشكلة مرتبطة بهذا في أحياء داخل المدينة حيث تشكّل شبكات القرابة موردًا أساسيًا للبقاء من خلال العون المتبادل
والنفاذ الجاهز إلى صدقات وقروض صغيرة. لكنّ المعيار الذي يملي مشاركة موارد الدخل (كجائزة نقدية مث) مع الأقرباء
والأصدقاء يحول بقوة دون أي تراكم مطّرد أو استثمار منظّم يقوم به الأفراد. وأولئك الذين يودّون اتّباع هذا السبيل عليهم أن ينأوا
بأنفسهم عن شركائهم السابقين، انظر:
Kelly; Stack. (66) Jeremy Boissevain, Friends of Friends: Networks, Manipulators, and Coalitions (New York: St. Martin’s Press,
(((6 يشير التعدد هنا إلى شبكات اجتماعية متداخلة يرتبط فيها البشر أنفسهم معًا من خلال أدوار مختلفة. ففي البلدات الصغيرة،
مثلً، قد يكون الأشخاص أنفسهم أقرباء وجيرانًا وزملاء عمل في آن معًا، ما يزيد من شدّة وقدرة الرقابة المتبادلة التي يسلطونها على
روابطهم، انظر:
Ibid, p. 31–33. (68) Simmel, «The Metropolis.» (69) Rubén G. Rumbaut, «Ties that Bind: Immigration and Immigrant Families in the United States,» in: Alan Booth, Ann C. Crouter & Nancy Landale, Immigration and the Family: Research and Policy on US Immigrants (Mahwah and New Jeresy: Lawrence Erlbaum Associates, 1997), pp. 3–45.
شتاء winter 2019
رابعًا، ثمة حالات يتوطد فيها تضامن المجموعة من خلال محنة مشتركة ومعارضة للمجتمع السائد.
في هذه الحالات، تقوّض قصص النجاح الفردي تماسك المجموعة لأنّ هذه الأخيرة تقوم تحديدًا
على استحالة مزعومة تتصف بها مثل هذه الأمور. والنتيجة هي هبوط معايير الترقّي الذي يعمل على إبقاء أعضاء مجموعة مظلومة على حالهم ودفع الأكثر طموحًا إلى الهروب منها. وكان فيليب بورجوا
قد لفت الانتباه في بحثه الإثنوغرافي بين تجار الكوكايين البورتوريكيين في البرونكس، إلى النسخة المحلية من هذه العملية، وهي نسخة ترمي إلى مهاجمة الأفراد الذين يسعون للانضمام إلى اتجاه الطبقة الوسطى السائد. وهو ينقل آراء واحد من مخبريه: حين تجد من يمضون إلى وسط المدينة ويحصلون على وظيفة جيدة، إذا كانوا بورتوريكيين، ستراهم يسرّحون شعورهم ويضعون عدسات لاصقة. ثم يتلاءمون ويتغيرون! لقد رأيتُ ذلك! انظر إلى جميع
من في ذلك البناء، جميعهم «انقلبوا». هؤلاء يريدون أن يكونوا بيضًا. يا رجل، إن ناديتهم بالإسبانية ستثير مشكلة. خذ مثل الاسم بيدرو – وهذا مجرد مثال أضربه لك – وسوف تجد بيدرو يقول لك (بلهجة البيض) «اسمي بيتر». أين بيتر من بيدرو؟ ثمة أمثلة مشابهة ذكرها أليكس ستيبيك في دراسته الشباب الأميركي الهاييتي في ميامي، وذكرتها كارولا سواريز أوروزكووماريا إوجينيا ماتوتي بيانكي بين المراهقين الأميركيين المكسيكيين في جنوب كاليفورنيا. وفي كل حالة، كانت تسبق ظهور معايير الترقّي الهابطة فترات طويلة، غالبًا ما تدوم
أجيالً، يعوق فيها تمييزٌ خارجيّ حراك مجموعة معينة. وما تبرزه تلك التجربة التاريخية هو ظهور
موقف معارض للاتجاه السائد وتضامن قائم على تجربة الخضوع المشتركة. لكنّ هذه النظرة المعيارية
تعمل، في الواقع، على إدامة الحالة ذاتها التي تشجبها. لاحظوا أنّ رأس المال الاجتماعي، في هيئة الضبط الاجتماعي، لا يزال حاضرًا في هذه المواقف،
لكن آثاره هي، على وجه التحديد، عكس تلك التي تحتفي بها الأدبيات في العادة. ففي حين يوفّر
(70) Philippe Bourgois, «Search of Respect: The New Service Economy and the Crack Alternative in Spanish Harlem,» Presented at the Conference on Poverty, Immigration, and Urban Marginality in Advanced Societies, Maison Suger, Paris, 10–11 May 1991; Philippe Bourgois, In Search of Respect: Selling Crack in El Barrio (New York: Cambridge University Press, 1995). (71) Bourgois, In Search of Respect , p. 32 (72) Alex Stepick, «The Refugees Nobody Wants: Haitians in Miami,» in: Grenier & Stepick (eds.), pp. 57–82. (73) Marcelo Suarez–Orozco, «Towards A Psychosocial Understanding of Hispanic Adaptation to American Schooling,» in: Henry Trueba (ed.), Success or Failure? Learning and the Languages of Minority Students (New York: Newbury House, 1987), pp. 68–156. (74) Maria Eugenia Matute–Bianchi, «Ethnic Identities and Patterns of School Success and Failure among Mexican– descent and Japanese–American Students in a California High School: An Ethnographic Analysis,» American Journal of Education , vol. 95, no. 1 (November 1986), pp. 233–255; Maria Eugenia Matute–Bianchi, «Situational Ethnicity and Patterns of School Performance among Immigrant and Non–immigrant Mexican–descent Students,» in: Margaret A. Gibson & John U. Ogbu (eds.), Minority Status and Schooling: A Comparative Study of Immigrant and Involuntary Minorities (New York: Garland, 1991), pp. 47–205.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
التضامن والثقة المحدودان مصادر للصعود الاجتماعي الاقتصادي وتطور الأعمال والمشاريع لدى بعض المجموعات، نجد أنّ لهما أثرًا معاكسًا تمامًا لدى مجموعات أخرى. الترابط الاجتماعي سيف
ذو حدّين. ففي حين يمكن أن يكون مصدر خيرات عامة، كتلك التي احتفى بها كولمان ولوري وغيرهما، يمكن أن يؤدي أيضًا إلى «أضرار» عامة. وتقدّم العائلات المافيوية، والبغاء وحلقات القمار، وعصابات الشباب كثيرًا من الأمثلة على أنّ الانغماس في البنى الاجتماعية يمكن أن يفضي إلى نتائج
غير مرغوبة اجتماعيًا. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة عندما ننتقل إلى صيغ رأس المال الاجتماعي
الأحدث عهدًا والأشدّ احتفاءً بها.
رأس المال الاجتماعي بوصفه خصيصة جماعات وأمم
كما رأينا في الأقسام السابقة، لطالما قامت التحليلات العلم – اجتماعية لرأس المال الاجتماعي على العلاقات بين فاعلين أو بين فاعل فرد ومجموعة. وكان التركيز طوال الوقت على الفائدة التي يمكن أن تعود على الفاعلين بسبب اندراجهم في شبكات أو بنى اجتماعية واسعة. وأدخل باحثو العلوم السياسية انعطافة مفهومية لافتة، إذ ساووا بين رأس المال الاجتماعي ومستوى «المواطنة المدنية» في جماعات مثل البلدات أو المدن أو حتى بلدان بأكملها. وما يعنيه رأس المال الاجتماعي بالنسبة إلى روبرت بوتنام، أبرز المدافعين عن هذه المقاربة، هو «خصائص التنظيمات الاجتماعية، مثل الشبكات والمعايير والثقة، التي تسهّل العمل والتعاون من أجل المنفعة المتبادلة». ويتضح الطابع الجمعي لهذه
الصيغة من صيغ المفهوم في الجملة التي تلي هذه: «العمل معًا يكون أسهل في جماعة تنعم بمخزون
كبير من رأس المال الاجتماعي». يُساوى، من الناحية العملية، بين هذا المخزون ومستوى الانخراط الجمعي والسلوك التشاركي في
جماعة ما، ويُقاس بمؤشرات مثل قراءة الصحف، والعضوية في جمعيات تطوعية، وضروب التعبير
عن الثقة بالسلطات السياسية. ولا يتردد بوتنام في شأن المدى والأهمية المتوقعَين لهذه الصيغة من
صيغ رأس المال الاجتماعي: «يتبيّن أنّ لهذ التبصّر نتائج عملية قوية في كثير من القضايا الموجودة على الأجندة الوطنية الأميركية:
في كيفية التغلب على الفقر والعنف في جنوب وسط لوس أنجلوس [...] أو في رعاية الديمقراطيات الناشئة في الإمبراطورية السوفياتية السابقة». استرعى احتمال تشخيص مشكلات البلد تشخيصًا بسيطًا وتقديم الحلول اليسيرة لها اهتمامًا عامًا
(((7 يستند هذا القسم في أجزاء منه إلى:
Portes & Landolt, pp.18–22. (76) Robert Putnam, «The Prosperous Community: Social Capital and Public Life,» The American Prospect , vol. 4, no. 13 (Spring 1993), pp. 35–42. (77) Ibid., p. 36; Robert Putnam, «The Strange Disappearance of Civic America,» The American Prospect , vol. 7, no. 24 (Winter 1996), pp. 34–48.
شتاء winter 2019
واسعًا. وكان لمقالة بوتنام الموسومة «لعب البولينغ منفردًا: تدهور رأس المال الاجتماعي الأميركي»
التي نُشرت في Journal of Democracy في عام 1995، أن تحدث ضجة كبيرة وتجلب لكاتبها لقاء
وجاهيًا مع الرئيس كلينتون ولمحة عن الكاتب في مجلة People. ووجدت الصورة النوستالجية التي
أثارها لاعب البولينغ الوحيد صدى لها لدى كثير من المسؤولين الأميركيين البارزين، بل ألهمت مقاطع من خطاب كلينتون عن حال الاتحاد في عام 1995. ودعّم بوتنام وجهة نظره بأرقام عن الانخفاض
المتسارع في مستويات التصويت والعضوية في منظمات مثل جمعية الآباء والمدرّسين PTA ونادي
الأيائل Club Elks The ورابطة النساء الناخبات والصليب الأحمر. ثم حدد العامل المحدِّد المباشر لانخفاض المخزون الوطني من رأس المال الاجتماعي، ألا وهو الانتقال من مشهد الجيل المدني
الذي نشط خلال عشرينيات القرن العشرين وثلاثينياته إلى جيل غير مدني – طفرة المواليد – وُلدِ
وترعرع بعد الحرب العالمية الثانية:... العقود التي شهدت تدهورًا وطنيًا في رأس المال الاجتماعي هي العقود ذاتها التي حلّت فيها محل
السيطرة العددية لجيل واثق ومدني، هذه السيطرة لجماعات ما بعد مدنية... هكذا يفضي تحليلٌ جيليّ
بصورة تكاد تكون حتمية إلى الاستنتاج الذي مفاده أنّ التقهقر الوطني في الثقة والمشاركة يُرجَّح أن
يستمر. ركّز النقّاد على مسألة ما إذا كانت الطوعيّة والروح المدنية قد انحدرتا بالفعل في أميركا، وعلى التحيز
الطبقي غير المعترف به في أطروحة بوتنام. تساءل مراجعون من غير الاختصاصيين مثل ليمان في The Atlantic Monthly وبوليت في The Nation ما إذا كانت الفضيلة المدنية الأميركية في طريقها إلى الزوال أم أنّها اتّخذت فحسب أشكالً جديدة مختلفة عن المنظمات القديمة الطراز المذكورة في مقالة بوتنام. كما أشاروا إلى نخبوية النقاش، إذ تُلقى مسؤولية التدهور المزعوم في رأس المال الاجتماعي مباشرة على عاتق سلوك الجماهير الترفيهي، وليس على التغيرات الاقتصادية والسياسية التي أحدثتها الشركات والمؤسسة الحكومية. ولقد ألحّت ثيدا سكوكبول، في مراجعتها اللاذعة لأطروحة بوتنام
على هذا الأمر أيضًا: كم هو مثير للسخرية أن تلتفت نخب رجال الأعمال والنخب المهنية التي مهّدت طريق الانكفاء
المدني المحلي، بعد أن انسحبت من الجمعيات ذات الجذور المحلية، لتجادل بأنّ الأميركيين الأقل حظًّا الذين تركتهم وراءها هم الذين يجب أن يصلحوا ترابط الأمّة الاجتماعي... هذه الانتقادات محقّة لكنّها لا تتناول مشكلةً أهمّ في نقاش بوتنام، هي كونها تدور في حلقة منطقية
مفرغة. فرأس المال الاجتماعي، بوصفه ملك ا للجماعات والأمم وليس للأفراد، هو سبب ونتيجة في
(78) K. Pollitt. «For Whom the Ball Rolls,» The Nation , vol. 262, no. 15 (April 1996), p. 9; Nicholas Lemann, «Kicking in Groups,» Atlantic , vol. 277, no. 4 (April 1996), pp. 22–26. (79) Putnam, «The Strange.» (80) Theda Skocpol, «Unravelling from Above,» The American Prospect , vol. 7, no. 25 (Spring 1996), pp. 20–25.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
آن معًا. فهو يفضي إلى ثمرات إيجابية، مثل التنمية الاقتصادية وانخفاض الجريمة، كما يُستنتَج وجوده
من هذه الثمرات ذاتها. فالمدن ذات الحكم الصالح وتبلو اقتصاديًا بلاءً حسنًا إنّما تفعل ذلك لأنّها
تتمتع برأس مال اجتماعي مرتفع؛ في حين تفتقر المدن الفقيرة إلى هذه الفضيلة المدنية. وثمة مقاطع توضح هذا الدوران جيدًا، كالمقطع التالي: بعض مناطق إيطاليا... لديها كثير من المنظمات الجماعية النشطة... هذه «الجماعات المدنية» تعلي من شأن التضامن والمشاركة المدنية والاستقامة. وهنا تعمل الديمقراطية. في الطرف الآخر هناك مناطق «غير مدنية»، مثل كالابريا وصقلية، يصفها بحقّ المصطلح الفرنسي Incivisme. حتى مفهوم المواطنة متعثّر هنا. بعبارة أخرى، إن كانت بلدتك «مدنية»، فإنّها تفعل أشياء مدنية، وإن كانت «غير مدنية»، فإنّها لا تفعل. ينجم اللغو أو تحصيل الحاصل في هذا التعريف لرأس المال الاجتماعي عن قرارين تحليليين؛ أولهما، البدء من النتيجة (أي المدن الناجحة مقابل المدن غير الناجحة) والعمل بأثر رجعي لمعرفة ما يميّزها.
وثانيهما، محاولة شرح كلّ الاختلافات الملحوظة. من المشروع، من حيث المبدأ، السعي لتحديد أسباب الحوادث بعد وقوعها، شريطة أخذ التفسيرات البديلة في الحسبان. ومن الإنصاف القول إن بوتنام يفعل ذلك في تحليله الاختلافات بين المدن ذات الحكم الصالح في الشمال الإيطالي ومدن الجنوب سيئة الحكم. لكنّ هذه التفسيرات الارتجاعية لا يمكن أن تكون إلا مؤقتة ومشروطة،
لأنّ المحلِّل لا يمكنه البتّة أن يستبعد أسبابًا محتملة أخرى ولأنّ هذه التفسيرات تبقى غير مُخْتبرَة في
حالات غير تلك التي دُرِسَت. لكنّ الأنكى هو البحث عن تفسير تام لجميع الاختلافات الملحوظة، لأنّ البحث عن هذا المحدِّد
الأساسي غالبًا ما ينتهي بإعادة تصنيف المشكلة الأصلية المطلوب تفسيرها. يحدث هذا عندما تعمل
إزالة الاستثناءات على الحدّ من المسافة المنطقية بين السبب المزعوم والنتيجة، بحيث يكون القول التنبئي النهائي إمّا بدهيًا أو دائريًا. وفي تحليل بوتنام للمدن الإيطالية، ثبت أنّ عوامل مثل الاختلاف
في مستويات التنمية الاقتصادية، أو التعليم أو التفضيلات السياسية هي متنبّئات قاصرة. هكذا، ضاق
البحث عن محدد رئيس بالتدريج، وتحوّل إلى شيء وُس مَ (على أثر مكيافيلي) بالفضيلة المدنية Vertu
(81) Putnam, «The Prosperous Community.» p. 36. (82) Ibid.; Lemann.
(((8 قامت منهجية الاستنتاج التحليلي، ذات الشعبية في علم الاجتماع الأميركي في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، على هذه العملية بالضبط من السعي لتفسير جميع الحالات وإزالة جميع الاستثناءات بالتدريج. لكنّها ما لبثت أن فقدت حظوتها حين
اكتُشِفَ أنّها تفضي إلى ضروب من تحصيل الحاصل بإعادتها تعريف الخصائص الأساسية للظاهرة المطلوب تفسيرها. وتبيّن أنّ
الطريقة الوحيدة لضمان بلوغ النهاية أو تصفير الاستثناءات هي تفسيرٌ يكون لازمةً منطقية للنتيجة المطلوب تفسيرها. حول الاستنتاج
المنطقي، انظر:
Ralph H. Turner, «The Quest for Universals in Sociological Research,» American Sociological Review , vol. 18, no. 6 (December 1953), pp. 604–611; W. S. Robinson, «The Logical Structure of Analytic Induction,» American Sociological Review , vol. 16, no. 6 (December 1951), pp. 812–818.
شتاء winter 2019
Civile. وهي موجودة في تلك المدن التي يقترع سكّانها ويطيعون القانون ويتعاونون مع بعضهم، ويكون قادتهم صادقين وملتزمين الصالح العام. تواصل النظرية من ثمّ لتؤكّد أنّ الفضيلة المدنية هي العامل الأساسي الذي يميّز الجماعات ذات
الحكم الصالح من المجتمعات المحكومة حكمًا بائسًا. ويصعب أن يكون الأمر على غير هذا النحو
بالنظر إلى تعريف المتغيّر السببي. هكذا، تكون المدن التي يتعاون فيها الجميع في الحفاظ على
حكومة صالحة ذات حكم صالح. وكي يتجنّب محلِّل رأس المال الاجتماعي قول الشيء ذاته مرتين، عليه أن يتّخذ بعض ضروب الحيطة المنطقية: أولها فصل تعريف المفهوم، نظريًا وتجريبيًا، عن آثاره
المزعومة. ثانيها وضع بعض الضوابط المتعلقة بالاتجاه بحيث يكون حضور رأس المال الاجتماعي سابقًا بوضوح على النتائج التي يُتوقَّع أن ينتجها. ثالثها الانتباه إلى وجود عوامل أخرى غير التي يمكن
أن تُعزى إلى رأس المال الاجتماعي وآثاره المزعومة. ورابعها تحديد الأصول التاريخية لرأس مال الجماعة الاجتماعي بطريقة منهجية. هذه المهمة قابلة للتنفيذ، لكنّها تستغرق وقتًا طويل. وبدلً من ذلك، نزعت الرحلة الفكرية التي حوّلت
رأس المال الاجتماعي من ملكية فردية إلى خصيصة من خصائص المدن والبلدان إلى الاستخفاف بهذه المعايير المنطقية. كانت الرحلة سريعة، فسّرت النتائج الاجتماعية الكبرى بإعادة وسمها بمصطلح
جديد ثم استخدمت المصطلح ذاته لصوغ وصفات سياسة شاملة. ومع أنني أعتقد أنّ الوعد النظري الأعظم لرأس المال الاجتماعي يكمن في المستوى الفردي، كما تمثّل له تحليلات بورديو وكولمان، فإنّه ما من خطأ جوهري في إعادة تعريفه بوصفه ملكية بنيوية لتجمعات كبيرة. لكنّ هذا الافتراق
المفهومي يتطلب من العناية والصقل النظريَّين أكثر مما بُذل إلى الآن.
خاتمة
من غير المرجّح أن يهدأ قريبًا ما نشهده من حماسة حالية حيال المفهوم الذي راجعناه في هذه المقالة
وحيال تطبيقاته المتكاثرة على مشكلات وعمليات اجتماعية مختلفة. وما يفسّر جزءًا من هذه الشعبية
أنّ المفهوم يلفت الانتباه إلى ظواهر واقعية ومهمة. لكنها تبقى أيضًا شعبية مبالغًا فيها، وذلك لسببين. أولهما هو أنّ مجموعة العمليات التي يشملها هذا المفهوم ليست جديدة وسبقت دراستها في الماضي تحت تسميات أخرى. وتسميتها رأس المال الاجتماعي هي، إلى حدّ بعيد، مجرد وسيلة لعرضها في
(84) Putnam, «The prosperous community.»; Robert Putnam, «Bowling Alone: America’s Declining Social Capital,» Journal of Democracy , vol. 6, no. 1 (January 1995), pp. 65–78.
(((8 من الجهود الواعدة في هذا الاتجاه ما بذله مايكل وولكوك الذي سعى لتطبيق مفهوم رأس المال الاجتماعي على تحليل التنمية الوطنية وتنمية الجماعات في بلدان العالم الثالث. وهو يلاحظ، بعد مراجعة مستفيضة للأدبيات، أنّ تعريفات رأس المال
الاجتماعي يجب أن تركّز في المقام الأول على مصادره وليس على عواقبه، لأنّ المنافع طويلة الأمد إذا وقعت، وحين تقع تكون
نتيجةً لتضافر أنواع مختلفة من العلاقات الاجتماعية، تضافرات سوف تتغير أهميتها النسبية، بلا شك، بمرور الزمن.
Michael Woolcock, «Social Capital and Economic Development: Towards A Theoretical Synthesis and Policy Framework,» Theory and Society , vol. 27, no. 2 (April 1998), p. 35.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
إهاب مفهومي أشدّ جاذبية. وثانيهما هو أنّ ما من أساس كبير للاعتقاد أنَّ رأس المال الاجتماعي سيوفّر دواءً ناجزًا للمشكلات الاجتماعية الكبرى، على نحو ما وعد أنصاره الأشدّ جرأة. والتصريحات
الأخيرة بهذا الخصوص ليست أكثر من إعادة صوغ للمشكلات الأصلية لم يرافقها إلى الآن أيّ سرد
مقنع لكيفية تحقيق القدر المرغوب من المدنية العمومية. على المستوى الفردي، تبقى العمليات التي يلمح إليها المفهوم سيفًا ذا حدّين. فالروابط الاجتماعية يمكن أن تؤدي إلى قدر أكبر من ضبط السلوك الضار وتوفير نفاذ مميَّز إلى الموارد، كما يمكن أيضًا
أن تقيّد الحريات الفردية وتمنع الغرباء والخارجيين من النفاذ إلى الموارد ذاتها من خلال تفضيلات
خصوصية. ولهذا السبب، يبدو من الأفضل مقاربة هذه العمليات المتنوعة على أنّها وقائع اجتماعية تجب دراستها بكامل تعقيداتها، وليس على أنّها أمثلة على قيمة من القيم. وسوف يسمح الموقف
المتجرّد للمحلّلين بأن يأخذوا في الحسبان جميع أوجه الحدث المعني ويحول دون تحويل الأدبيات
الناجمة عن ذلك إلى احتفاء صارخ بالجماعة. فالتحزّب الجماعتيّ هو موقف سياسي مشروع، لكنه
ليس علمًا اجتماعيًا جيدًا. ورأس المال الاجتماعي، بوصفه تسميةً لما للترابط الاجتماعي من آثار
إيجابية، له، في رأيي، مكانة في النظرية وفي البحث شريطة أن تُدرَك مصادره وآثاره المختلفة وتُتفحَّص
جوانبها السلبية بالقدر ذاته من الاهتمام.
شكر
أشكر باتريشيا لاندولت وكليمينسيا كوسينتينو على العون الذي قدّمتاه في إعداد هذه المقالة، كما أشكر جون لوغان وروبرت ك. ميرتون على تعليقاتهما على نسخة سابقة منها. أمّا المسؤولية عن
محتوياتها فتقع على عاتقي وحدي.
References
المراجع
Anheier, Helmut K., Jurgen Gerhards & Frank P. Romo. «Forms of Social Capital and Social Structure in Cultural Fields: Examining Bourdieu’s Social Topography.» American Journal of Sociology. vol. 100. no. 4 (January 1995). Bailey, Thomas & Roger Waldinger. «Primary, Secondary, and Enclave Labor Markets: A Training System Approach.» American Sociological Review. vol. 56. no. 4 (August
Baker, Wayne E. «Market Networks and Corporate Behavior.» American Journal of Sociology. vol. 96. no. 3 (November 1990). Blau, Peter. Exchange and Power in Social Life. New York: Wiley, 1964. Boissevain, Jeremy. Friends of Friends: Networks, Manipulators, and Coalitions. New York: St. Martin’s Press, 1974. Booth, Alan, Ann C. Crouter & Nancy Landale, Immigration and the Family: Research and Policy on US Immigrants. Mahwah and New Jeresy: Lawrence Erlbaum Associates,
شتاء winter 2019
Bourdieu, Pierre. «Les trois états du capital culturel.» Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 30 (November 1979). ________. «Le capital social: Notes provisoires.» Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 31 (Janvier 1980). Bourgois, Philippe. «Search of Respect: The New Service Economy and the Crack Alternative in Spanish Harlem.» Presented at the Conference on Poverty, Immigration, and Urban Marginality in Advanced Societies. Maison Suger, Paris, 10–11 May 1991. Bourgois, Philippe. In Search of Respect: Selling Crack in El Barrio. New York: Cambridge University Press, 1995. Burt, Ronald S. Structural Holes: The Social Structure of Competition. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1992. Coleman, James Samuel. «Social Capital in the Creation of Human Capital.» American Journal of Sociology. vol. 94 (1988). ________. «The Creation and Destruction of Social Capital: Implications for the Law.» Notre Dame Journal of Law, Ethics & Public Policy. vol. 3. no. 3 (1988). ________. Foundations of Social Theory. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University, 1990. ________. «The Rational Reconstruction of Society: 1992 Presidential Address.» American Sociological Review. vol. 58. no. 1 (February 1993). Doeringer, Peter B., Philip I. Moss & David G. Terkla. «Capitalism and Kinship: Do Institutions Matter in the Labor Market?» ILR Review. vol. 40. no. 1 (October 1986). Durkheim, Émile. The Division of Labor in Society. New York: Free Press, 1984 [1893]. Geertz, Clifford. Peddlers and Princes. Chicago: University of Chicago Press, 1963. Gibson, Margaret A. & John U. Ogbu (eds.). Minority Status and Schooling: A Comparative Study of Immigrant and Involuntary Minorities. New York: Garland,
Gold, Steven J. «Gender and Social Capital among Israeli Immigrants in Los Angeles.» Diaspora: A Journal of Transnational Studies. vol. 4. no. 3 (Winter 1995). Granovetter, Mark. Getting a Job: A Study of Contacts and Careers. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1974. Grenier, Guillermo & Alex Stepick (eds.). Miami Now! Gainesville, FL: University Press of Florida, 1992. Hagan, John L., Hans Merkens & Klaus Boehnke. «Delinquency and Disdain: Social Capital and the Control of Right–wing Extremism among East and West Berlin Youth.» American Journal of Sociology. vol. 100. no. 4 (January 1995).
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
Hagan, John, Ross MacMillan & Blair Wheaton. «New Kid in Town: Social Capital and the Life Course Effects of Family Migration in Children.» American Sociological Review. vol. 61. no. 3 (June 1996). Hao, Lingxin. Kin Support, Welfare, and Out–of–Wedlock Mothers. New York: Garland,
Homans, George C. Social Behavior: Its Elementary Forms. New York: Harcourt, Brace & World, 1961. Lemann, Nicholas. «Kicking in Groups,» Atlantic , vol. 277, no. 4 (April 1996). Light, Ivan. «Immigrant and ethnic enterprise in North America.» Ethnic and Racial Studies. vol. 7 (1984). Light, Ivan & Edna Bonacich. Immigrant Entrepreneurs: Koreans in Los Angeles 1965– 1982. Berkeley, CA: University of California Press, 1988. Lin, Nan, Walter M. Ensel & John C. Vaughn. «Social Resources and Strength of Ties: Structural Factors in Occupational Status Attainment.» American Sociological Review. vol. 46. no. 4 (August 1981). Loury, Glenn. «Intergenerational Transfers and the Distribution of Earnings.» Econometrica. vol. 49. no. 4 (July 1981). Marx, Karl. Capital. vol. 3. New York: International, 1967 [1894]. Marx, Karl & Friedrich Engels. The German Ideology. New York: International, 1947
Matute–Bianchi, Maria Eugenia. «Ethnic Identities and Patterns of School Success and Failure among Mexican–descent and Japanese–American Students in a California High School: An Ethnographic Analysis.» American Journal of Education. vol. 95. no. 1 (November 1986). McLanahan, Sara & Gary Sandefur. Growing Up with a Single Parent: What Hurts, What Helps. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1994. Nee, Victor, Jimy M. Sanders & Scott Sernau. «Job Transitions in an Immigrant Metropolis: Ethnic Boundaries and the Mixed Economy.» American Sociological Review. vol. 59. no. 6 (December 1994). Parcel, Toby L. & Elizabeth G. Menaghan. «Early Parental Work, Family Social Capital and Early Childhood Outcomes.» American Journal of Sociology. vol. 99. no. 4 (January
Pollitt. K. «For Whom the Ball Rolls.» The Nation. vol. 262. no. 15 (April 1996).
شتاء winter 2019
Portes, Alejandro (ed.). The Economic Sociology of Immigration: Essays on Networks, Ethnicity, and Entrepreneurship. New York: Russel Sage Foundation, 1995. ________ (ed.). The New Second Generation. New York: Russell Sage Foundation,
________. «The Social Origins of the Cuban Enclave Economy of Miami.» Sociological Perspectives. vol. 30. no. 4 (October 1987). Portes, Alejandro & Alex Stepick. City on the Edge: The Transformation of Miami. Berkeley, CA: University of California Press, 1993. Portes, Alejandro & Julia Sensenbrenner. «Embeddedness and Immigration: Notes on the Social Determinants of Economic Action.» American Journal of Sociology. vol. 98. no. 6 (May 1993). Portes, Alejandro & Patricia Landolt. «The Downside of Social Capital.» The American Prospect. vol. 26 (May 1996). Portes, Alejandro, Manuel Castells & Lauren A. Benton (eds.). The Informal Economy: Studies in Advanced and Less Developed Countries. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1989. Putnam, Robert. «The Prosperous Community: Social Capital and Public Life.» The American Prospect. vol. 4. no. 13 (Spring 1993). ________. «Bowling Alone: America’s Declining Social Capital.» Journal of Democracy. vol. 6. no. 1 (January 1995). ________. «The Strange Disappearance of Civic America.» The American Prospect. vol. 7. no. 24 (Winter 1996). Richardson, J. G. (ed.). Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York: Greenwood, 1985. Robinson, W. S. «The Logical Structure of Analytic Induction.» American Sociological Review. vol. 16. no. 6 (December 1951). Schiff, Maurice. «Social Capital, Labor Mobility and Welfare.» Rationality and Society. vol. 4. no. 2 (February 1992). Skocpol, Theda. «Unravelling from Above.» The American Prospect. vol. 7. no. 25 (Spring 1996). Smart, Alan. «Gifts, Bribes, and Guanxi: A Reconsideration of Bourdieu’s Social Capital.» Cultural Anthropology. vol. 8. no. 3 (August 1993). Smelser, N. J. & R. Swedberg (eds.). Handbook of Economic Sociology. Princeton, NJ: Princeton University Press, 1994.
أصوله وتطبيقاته في علم الاجتماع الحد: رأس المال الاتج ماعي
Smith, Adam. The Wealth of Nations. Baltimore, MD: Penguin, 1979 [1776]. Stack, Carol B. All Our Kin. New York: Harper & Row, 1974. Stanton–Salazar, Ricardo D. & Sanford M. Dornbusch. «Social Capital and the Reproduction of Inequality: Information Networks among Mexican–origin High School Students.» Sociology of Education. vol. 68. no. 2 (April 1995). Sullivan, Mercer L. Getting Paid: Youth Crime and Work in the Inner City. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1989. Trueba, Henry (ed.). Success or Failure? Learning and the Languages of Minority Students. New York: Newbury House, 1987. Turner, Ralph H. «The Quest for Universals in Sociological Research.» American Sociological Review. vol. 18. no. 6 (December 1953). Valenzuel, Angela & Sanford M. Dornbusch. «Familism and Social Capital in the Academic Achievement of Mexican Origin and Anglo Adolescents.» Social Science Quarterly. vol. 75. no. 1 (March 1994). Wacquant, Loïc J. D. & William Julius Wilson. «The Cost of Racial and Class Exclusion in the Inner City.» The Annals of the American Academy of Political and Social Science. vol. 501. no. 1 (January 1989). Waldinger, Roger. «The Other Side of Embeddedness: A Case Study of the Interplay between Economy and Ethnicity.» Ethnic and Racial Studies. vol. 18. no. 3 (July 1995). Waldinger, Roger. Still the Promised City? African–Americans and New Immigrants in Post–Industrial New York. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1996. Wallace, P. A. & A. M. LaMond (eds.). Women, Minorities and Employment Discrimination. Lexington, MA: Heath, 1977. Waters, M. «West Indian Immigrants, African Americans, and Whites in the Workplace: Different Perspectives on American Race Relations.» Presented at the Meeting of American Sociological Association. Los Angeles, 1994. Weber, Max. The Theory of Social and Economic Organization. New York: Free Press, 1965. Originally published as Wirtschaft und Gesellschaft , Part I (1947 [1922]). Weede, E. «Freedom, Knowledge and Law as Social Capital.» International Journal on the Unity of the Sciences. vol. 5. no. 4 (1992). Wilson, William Julius. The Truly Disadvantaged: The Inner–City, the Underclass, and Public Policy. Chicago: University of Chicago Press, 1987. ________. When Work Disappears: The World of the New Urban Poor. New York: Knopf, 1996.
Wolff, K. H. (ed. & trans.). The Sociology of Georg Simmel. New York: Free Press, 1964
Woolcock, Michael. «Social Capital and Economic Development: Towards A Theoretical Synthesis and Policy Framework.» Theory and Society. vol. 27. no. 2 (April 1998). Wrong, Dennis H. «The Oversocialized Conception of Man in Modern Sociology.»
Zhou, Min. New York’s Chinatown: The Socioeconomic Potential of an Urban Enclave.
شتاء winter 2019
American Sociological Review. vol. 26. no. 2 (April 1961).
Philadelphia: Temple University Press, 1992.