قراءة في عزمي بشارة: الطائفة في سياق تاريخي
A Reading in Azmi Bisharaʼs Book Sects in Historical Context
الملخّص
المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: بيروت/ الدوحة. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 927 صفحة.
Abstract
Author: Azmi Bishara. Place of Publication: Beirut/Doha. Publisher: Arab Center for Research and Policy Studies. Pages: 927.
- الطائفة الدينية
- الطائفية السياسية
- الأقليات
- الهوية
- Religious Sects (Ṭa’ifiya)
- Citizenship
- Political Sectarianism
- Minorities
- Identity
A researcher who holds diplomas in higher education and philosophy from Damascus University.
شتاء winter 2019
مراكمًا جهوده البحثية، ومستكمل مشروعه المعرفي الهادف إلى دراسة الظاهرة الدينية
وعلاقتها بالعلمنة، يتناول عزمي بشارة، في مُؤلَّف جديد، علاقة الطائفية السياسية بتشك ل
الطوائف الدينية، بوصفها كيانات اجتماعية سابقة عليها، لتبدو الإشكالية المركزية في هذا الكتاب «كيفية تشكيل الطائفية لطوائف دينية معاصرة، هي في الحقيقة كيانات متخيّلة»، فيتعامل «مع طوائف
هذا العصر الدينية كواقع متخيّل يقوم على انتماءات قائمة فعلً ‘تبعثها’ الطائفية السياسية انطلاقًا من
عناصر انتقائية في تاريخ الجماعة، وتُعيد إنتاجها على مستوى مختلف كليًا، في شروط تاريخية –
سياسية جديدة، وبوظائف جديدة». تجمع هذه المحاولة البحثية بين علم الاجتماع التطبيقي والتاريخ، فيتناول بشارة موضوع بحثه نظريًا، وعلى مستوى مناهج البحث أول، ثم يعرض لحالات تاريخية، محلّلً إيّاها في ضوء أدواته
المفهومية التي تم التوصل إليها في المستوى الأول. ويطبّق منهجيته في البحث عن نماذج تاريخية في
مجتمعات مختلفة، ولا سيما المجتمعات العربية الإسلامية، في مراحل تاريخية متعددة. بذلك يضمن بشارة أن تخرج المساهمة النظرية الرئيسة، وما تقتضيه من تطوير للمفاهيم، من التجربة الخاصة في تلك المجتمعات، مع المحافظة على التفاعل مع المفاهيم النظرية التي ط وِّرت أوروبيًا على صعيدي
البحث والواقع، والتي كانت الأدوات المفهومية الضرورية لدراسة تطور الجماعات الدينية في سياقها الغربي، مبيّنًا صلاحيتها التنميطية من عدمها، في السياق العربي الإسلامي.
أولا: في أطروحة الطائفة المتخيّلة
تمثّل أطروحة الطائفة المتخيّلة نقطة انطلاق أساسية، لدى بشارة، في دراسته ظاهرتَي الطائفة
والطائفية، ليبيّن كيف تُنتج الطائفية، ولا سيما الطائفية السياسية، طوائف متخيّلة (مثل الشيعة والسنّةِ)،
ويدرس آليات إنتاجها في مجتمعات عدة، وتأثير ذلك في فهم التاريخ باعتباره تاريخ طوائف. لكن المتخيّل لا يعني بأي حال ما هو مختلق، بل هو ظاهرة حقيقية قائمة وفاعلة في الحياة الاجتماعية؛
(((عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي: الدين والتدين، ج 1 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة
السياسات، 2013)؛ عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية، ج 2، مج 1
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)؛ عزمي بشارة، الدين والعلمانية في سياق تاريخي: العلمانية
ونظريات العلمنة، ج 2، مج 2 (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2015 (((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2018 (((المرجع نفسه، ص.65 (((يعلن بشارة أنه استند في أطروحته هذه إلى مفهوم الجماعة المتخيّلة، الذي طوّره على نحو أولي بندكت أندرسن، وطبّقه على
الأمة بوصفها جماعة متخيّلة. لكن بشارة يذهب إلى أن التمييز بين الجماعة والجماعة المتخيّلة، في حالة الطائفة، أكثر صعوبة
وتعقيدًا منه في حالة الأمّة، انظر: المرجع نفسه، ص 79. واعتبر أندرسن أصغر الأمم جماعة متخيّلة، إذ يقول: «الأمّة هي جماعة
سياسية متخيّلة، حيث يشمل التخيل أنها محددة وسيّدة أصل. وهي متخيّلة، لأن أفراد أي أمّة، بما فيها أصغر الأمم، لن يمكنهم قط
أن يعرفوا معظم نظرائهم، أو أن يلتقوهم، أو حتى أن يسمعوا بهم، مع أن صورة تشاركهم تعيش حيّة في ذهن كل واحد منهم»، انظر:
بندكت أندرسون، الجماعات المتخيّلة: تأم ت في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة (بيروت: شركة
قدمس للنشر والتوزيع،.)2009
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
إذ ينحاز بشارة إلى الدراسات السوسيولوجية التي تؤكد دور المتخيّل في بناء الحقائق الاجتماعية،
والذوات التي تعيشها وتُعيد إنتاجها. مع ذلك، لا يعالج بشارة المتخيّل الاجتماعي في عموميته،
بل على نحو أقرب إلى الدور الذي يُفرده له تشارلز تايلر، ويقصد به طريقة تخيّل الناس العاديين
محيطهم الاجتماعي، محمولً في صور وقصص وأساطير، تجعل الممارسة الاجتماعية ممكنة، وتُضفي إحساسًا مشتركًا بالمشروعية، بل تتجاوزه، في نظر بشارة، في الوقت ذاته، لإنتاج الجماعات
المتخيّلة. المتخيّل الاجتماعي، في حالة الطائفة، كما يُحدّده بشارة هو «تصور التبعية (المولودة غالبًا) ل دين أوِ
مذهب بالاشتراك مع ملايين البشر، الذين لا يعرف بعضهم، ولم يشكّلوا يومًا جماعة بوصفها انتماء
إلى طائفة اجتماعية دينية كبرى بناءً على ماضٍ مشتركٍمن المرويات والقصص والأساطير، وما يترتب
عليه من ممارسات وفهم محدد للمشروعية». وفي هذا السياق، يُعد التنبّه إلى الفرق بين الجماعة والجماعات المتخيّلة، عند بشارة، أمرًا لا بد
منه، بالاعتبارين المنهجي والمعرفي؛ «فيمكن ألا تكون ثمّة جماعات حصرية في الواقع، ولكن تقوم
سياسات الهوية بإنتاج جماعات متخيّلة ذات حدود حصرية موضوعة». تبدو الطوائف المُنتجَة في عصرنا انتماءاتٍ متجاوزة للجماعة الأهلية، أو المجتمع المحلي، إلى
جماعات كبرى، هي في الحقيقة غير قائمة على شكل كيانات اجتماعية، لولا تخييلها وإعادة تخيّلها
وإنتاجها بوساطة الطائفية، كأنها جماعة متجانسة بقواسم مشتركة من تاريخ ومصالح، تُصبح عنوان انتماء الفرد المُوَجِّه لمواقفه، على الرغم من أن الانتماء هو ما يصنع الجماعة بنسب هذه المعاني
إليها، ومن دونه لما كانت قائمة. فإذا كانت الجماعات العضوية تنتج حدودها مع الخارج، فإن الفئوية والطائفية ترسمان الحدود التي تُنتج الجماعة. لا تنتج الطوائف الطائفية، بل على العكس؛ الطائفية تنتج الطوائف، وذلك «بتحويل الانتماءات الدينية والمذهبية إلى جماعات متخيلة تشكّل مرجعية سياسية للأفراد الذين ينتمون إليها، وذلك في بلدان انقرضت فيها الطوائف ككيانات اجتماعية، وأيضًا في بلدان أخرى لم تتشكل فيها طوائف دينية كبرى ككيانات اجتماعية من قبل أصلً. الطائفية في عصرنا تنتج طوائف هي جماعات متخيلة ». إن مهمة الطائفية الأولى استدعاء الانتماء إلى ‘نحن’ في مقابل ‘هم’، عبر استثمار الماضي بفرض سردية محددة لاستخلاص رموز قادرة على منحه معاني جديدة. إذا كانت المصطلحات المجموعاتية أدائية غالبًا، وكانت الإثنية والعرق والقومية، معرفيًا، ليست
(((تشارلز تايلر، المتخي ت الاجتماعية الحديثة، ترجمة الحارث النبهان، مراجعة ثائر ديب، سلسلة كتب ترجمان
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)؛ وانظر أيضًا: بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، ص.64 (((المرجع نفسه، ص.64 (((المرجع نفسه، ص.87 (((المرجع نفسه، ص.79
شتاء winter 2019
وجودًا متعيّنًا، بل زوايا نظر إلى هذا العالم، أي هي أشكال في فهم الواقع الاجتماعي وتفسيره، يقترح
بشارة أن على العلوم الاجتماعية إدراك أن النزاعات الإثنية والعرقية والقومية، قد تتحوّل فعل إلى
صراع بين جماعات، بدل من اكتفاء تلك العلوم بالبحث عن أصحاب المصلحة في الصراع وفاعليه السياسيين، وكيفية نشأة هذا الصراع. فهذا الصراع قد يحصل فعلً في النهاية ويطوّر دينامية خاصة به. بناءً على ذلك، يجب أل تقتصر مهمة بعض المتخصصين في العلوم الاجتماعية على تفكيك الظواهر
الاجتماعية واكتشاف القوى والمصالح «الحقيقية» خلفها، مع تجاهلهم (وربما جهلهم، نضيف) قدرة المتخيّل على تطوير قوى ومصالح حقيقية، وأنه لا يختفي بتحليله نظريًا. هذه، بحسب بشارة، ليست مسألة نظرية، فالصراعات الطائفية تنتج جماعة فعلً. وكونها متخيّلة،
لا يعني أنها غير قائمة. ولتفكيكها لا تكفي استنتاجات نظرية معتمدة على تحليل تاريخي فحسب، بل إنها تتطلب أكثر من إستراتيجيات نقد الخطاب، لأنها تتعلق فعليًا بمدى النجاح في تأسيس المواطنة
السياسية والاندماجية والعدالة، أو باستمرار الصراع والانفصال، ونجاح التفوّق بين الجماعات. يأمل بشارة أن يساهم ذلك في النقد العملي النظري لعملية تشكّل الجماعات وزيف الأيديولوجيا الجماعتية (الطائفية)، حين تجد حواملها الاجتماعية الثقافية، عبر نخب قادرة على التعبير عنه في قنوات ثقافية رائجة، لتسود في الخطاب السياسي والأدب والفن والوسائل الإعلامية، وغيرها.
ثانيًا: الطائفة المتخيّلة: الهوية في غياب مكوّنات موضوعية للجماعة
يحافظ بشارة على التمييز بين الطائفة، بوصفها جماعة عضوية (أي مجتمعًا محلّيًا)، والطائفة بوصفها
جماعة متخيّلة، هي غالبًا نتاج الطائفية، وليس العكس. فعدا حالات عينية لطوائف دينية محلّية مغلقة،
ليست الطائفة الدينية في عصرنا جماعة أهلية عضوية محلّية Gemeinschaft، ولا جماعة حديثة Community من النوع الذي تناولته السوسيولوجيا الأميركية في القرن العشرين. فهي لا هذا ولا ذاك، إنها جماعة متخيّلة تنجم عن عنصر واحد فقط، هو الهوية الناجمة عن قناعة أن الاشتراك في الإيمان
بالعقيدة، أو الولادة لعائلة تنتمي إليها من دون إيمان بها، يشكّل هوية. فكيف يؤدي الشعور بالانتماء إلى هوية ناتجة من تذوّت الجماعة، دورَه في تشكيل جماعات غير
محلّية ولا أهلية في الواقع، لا تتوافر فيها المكوّنات الموضوعية للجماعة؟ علينا البحث، إذ ا، في الظروف الاجتماعية والسياسية التي تجعل هذه المجموعة من الناس تُعرّف
نفسها، أول، على أساس الاشتراك في العقيدة، سواء أكان أعضاؤها جميعهم مؤمنين فعلً أم لا، والتي تجعل هذا المشترك محددًا مهمًا لسلوكها ومواقفها من الآخرين و«لا سيما بعد أن يتذوّته الأفراد في
فهمهم لذاتهم وفي تحديد مواقفهم من الآخرين».
(((المرجع نفسه، ص.164
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
لم تنشغل الجماعات العضوية التراحمية الحقيقية بالبحث عن هويتها، لكن في الحداثة ولمواجهة اغتراب الفرد وتذرّره، يتم استحداث جماعات وبلورة واعية للهوية. ففي حين عاش الفرد في الفرقة
الدينية والطائفة الدينية المحلية، بوصفه جزءًا عضويًا منها، فإنه في حالة الطائفية لا يعيش في جماعة،
بل «تعيش الجماعة فيه، إنها تسكنه حتى لو لم يتشارك القيم معها بالضرورة. المهم هو الهوية الناتجة من تذوّت الجماعة، ولذلك تصبح الطائفية أساسية في إنتاج هذا النوع من الطائفة». في عصرنا، أعادت الطائفة الدينية «بناء منشئها وأصولها ونصوصها وسلسلة مؤسسيها وموروثها الشفهي والروحي بما يسبغ عليها بواسطة التخيل سمات التماسك والوحدة»، لتعني الطائفة «أتباع الديانة أو المذهب نفسه فقط، سواء أكانوا قد تشكلوا اجتماعيًا فعل أم لا، إنهم يتخيّلون أنفسهم كأنهم
جماعة، مع أنهم ليسوا كذلك. ولذلك نقول طائفة متخيّلة». الطائفة عند بشارة ليست مصطلحا دينيًا، أو ثيولوجيًا، بل هي مصطلح سوسيولوجي، وهي فعليًا ليست
تجمّعًا اختياريًا على أساس ديني حصري ميّز الفِرَق الدينية التي قام الانتماء إليها على التحلل من
الروابط الاجتماعية غير الدينية، وتحويل الرابطة الدينية إلى هوية الفرد الرئيسة عند تأسيس الديانات التي طالبت أتباعها غالبًا بنقل الولاء من القبيلة وجماعات القرابة والدم، إلى جماعة تقوم على الإيمان؛
أي Sect وفق المصطلح الفيبري. الطائفة، إذ ا، ليست فرقة دينية بأيّ معنى من المعاني، لكنها تتخيّل نفسها جماعة متجانسة متراصة بفعل
الانتماء إلى عقيدة، كأنها فرقة دينية، مع إبراز مكوّن الهوية، وتهميش مكوّن العقيدة، إنها فرقة افتراضية
متخيّلة، عقيدتها الفرقة ذاتها بوصفها إثنية، وعقيدتها الدين بوصفها طائفة دينية. عبر الشعائر، يقوم الدين بإعادة إنتاج الجماعة الأهلية وتقديس إيقاع حياتها وذاكرتها التاريخية التي تشكّل هويتها. هنا، لا يكون ثمّة حاجة إلى وعي طائفي منفصل قائم بذاته، على مستوى الهوية،
ليستنتج بشارة أن ثمّة علاقة بين الطائفية وانفصال الوظائف التي يؤديها الدين؛ أي صيرورة العلمنة. على غرار غيرها من الجماعات الوشائجية، تفك كت الجماعات الدينية، أو اتّسعت، على نحو يتجاوز الجماعة، عبر شعائر وطقوس مشتركة، مع أناس لا يعرفونهم بالضرورة، سواء اجتمعوا لأداء شعائر أم لم يجتمعوا، وتوسّعت الاستعارة للدلالة على فئة واسعة من الناس مشتركاتها الداخلية هي أقل
من الوشائج التي تحافظ على تماسك المجتمع الأهلي أو المحلي. فالتبعية لدين أو مذهب، في العصر الحديث، ما عادت عضوية في جماعة تنتج حياتها المادّية وتُدير نفسها في علاقات التبادل مع
الجماعات الأخرى؛ إذ بات أفرادها ينتمون إلى جماعات غير جماعات المذهب، وإلى المجتمع كله. مع تطوّر الاقتصاد وقيام الدولة وغيرها، تتراجع أهمية الرابط الديني بالتدرج، وتتغلّب عليه روابط
أخرى أصبحت أكثر أهمية في حياة الفرد؛ مثل المهنة، والمكانة الاجتماعية، والقومية، والوطنية،
(((1 المرجع نفسه، ص.31 (((1 المرجع نفسه، ص.217
شتاء winter 2019
والأيديولوجيا السياسية، وغيرها. هذا الرابط لا يتلاشى، بل يُغيّر وظيفته. وحتى في العصور القديمة،
لا يكفي الرابط الروحي وحده للحفاظ على الجماعة من دون توافر مصالح مشتركة. الرابط العقائدي الموروث نفسه يصبح رابطًا بين أفراد يجمعهم الانتماء إليه، لا الإيمان به، مع أن أمورًا
كثيرة أخرى تفرّقهم. يتساءل بشارة ما إذا كانت هذه الرابطة (وهي الأقرب بحسب رأيه إلى مفهوم الطائفة
في مجتمعاتنا) جماعة دينية بمعنى Community أم هي شيء آخر. لا يجدها بشارة كذلك، وإنما يحدّدها
بوصفها رابطة معنوية، تقوم على الانتماء بين أفراد لا يشكّلون جماعة، بل يعيشون هذا الانتماء في مجتمع، وحتى في مجتمع جماهيري في عصرنا، وينشأ إمكان أن يطوّر أفرادها جماعة على سبيل الاستعارة. في المجتمع الأهلي أو المحلي، حيث المشاركة المعيشية اليومية والشعور بالانتماء المباشر، يتحدد الفرد بوصفه عضوًا في الجماعة، لا فردًا مستقل بذاته، أما الانتماء المباشر إلى مجتمعات أكبر، فيتشكّل
حين يكون في إمكان الناس تخيّلها بوصفها مجتمعات أهلية أو محلية، أو الشعور تجاهها أنها كذلك. إذًا، الانتماء عنصر أساسي في الفهم؛ فبه وحده، على الرغم من عدم توافر المكوّنات الموضوعية
للجماعة، يصبح في الإمكان تشكيل جماعات في الحداثة غير محلّية، ولا أهلية في الواقع. وعندما يتموضع هذا المتخيّل، أي الطائفة الكبيرة غير المحلّية، كأنها جماعة أهلية، فنحن أمام واقع جديد
يصبح فيه ما تخيَّله الناس وأنشؤوه بتخيّلهم، يتحكم فيهم. هكذا يصبح الذاتي موضوعيًا. لكن
مسألة استعادة الجماعة في الحداثة ضد الاغتراب وتذرّر الفرد والبلورة الواعية للهوية مشروطة بزوال
الجماعات العضوية التراحمية الحقيقية التي لم تنشغل بالبحث في هويتها. في سياق دينامية التخيّل وإعادة إنتاج الظاهرة في الوعي، تتم عملية إسقاط مصطلح الطائفة الدينية
والطوائف بمعناه المعاصر، على ظواهر اجتماعية بأثر رجعي. فربما شك لت الفرق الدينية في الماضي والطوائف المحلّية، جماعات من خلال الارتكاز على بنى اجتماعية؛ مثل العشيرة، والقبيلة أو القرية. ومثّلت الجماعات المحلّية، أو الأهلية، مرجعية للعضو فيها على مستوى الفضائل والواجبات والعلاقات الداخلية والخارجية بالجماعات الأخرى، لكن من الواضح أن الطوائف الدينية، كما نفهمها
اليوم في المشرق العربي، ليست كذلك. إنها نتيجة للطائفية الحديثة التي تُحيِي بعض العناصر المؤل فة للجماعة، لتخيّل الطائفة الدينية كأنها جماعة من هذا النوع، ويساهم الانتماء إليها في تحديد الذات
والآخر، وفي التمييز من الجماعات الأخرى.
ثالثًا: تطييف الطائفة الدينية
كيف تتحول الطائفة الدينية التي قامت في الماضي على المستوى المحلّي إلى طائفية في الحداثة؟ وكيف يُصبح الانتساب إلى المذهب أو الدين، محددًا اجتماعيًا وسياسيًا، يتحوّل في المجتمعات
(((1 اضطر البابا أوربان الثاني إلى شرح فوائد التوسّع الإقليمي من أجل الأجيال المقبلة، ولم يكن ممكنًا الاكتفاء بالشعارات
الدينية لتعبئة المقاتلين في الحملات الصليبية. كما كان للغنائم دورٌ في تحفيز المؤمنين المسلمين على قتال الممالك المحيطة
بصحراء الجزيرة العربية؛ إذ حلّت الغنيمة مكان الغزو الذي حرّمه الإسلام بين القبائل، انظر: المرجع نفسه، ص 31 وما بعدها.
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
المتديّنة والمتعددة الديانات، في الوقت ذاته، إلى كيان اجتماعي سياسي، له دور في المجال
العمومي؟ يشرح بشارة أن في الممارسات الدينية «ما قبل النصّية» تواشجت العبادة في مجتمعات الصيد والرعي،
مع أصناف النشاط العملي المعيشي، وكانت جزءًا لا يتجزأ من النشاط الإنساني الطبيعي، فلم يكن ثمّة
تديّن قائم بذاته إلا عند رجال الدين بعد نشوء هذا الاختصاص. لم تكن هذه الجماعات طوائف، بل
جماعات وكفى، أما تسمية الجماعات بموجب مذهبها أو معتقداتها، بدلً من أصلها وانتمائها القبلي، فكان شرطه تمايز الدين عن باقي الممارسات الاجتماعية، ليصبح أعمّها وأعلاها شأنًا. فالدين جماعي
بالضرورة، «إنه دين لأن ثمة جماعة بشرية تديّنت به، وتقدّس مقدَّسه». الجماعات الدينية، هي كيانات اجتماعية تجمعها التبعية لدين معين، أو الانتماء إلى مذهب (طائفة دينية بلغة عصرنا)، وذلك قبل ظهور الطائفية بوصفها أيديولوجيا حديثة، تُنتج طوائف من نوع جديد. وفي مرحلة هيمنة الثقافة الدينية، انقسمت تلك الجماعات اجتماعيًا وسياسيًا، تبعًا لانقسامها عقيديًا،
على خلفية الموقف من تأويل النصوص، وفي ممارسة الطقوس. هنا يتحوّل المذهب إلى هوية دينية،
هي انتماء إلى جماعة أو فئة؛ أي طائفة من البشر. في حال انقسام الجماعة على خلفيات لا علاقة لها بالدين، لكن الانقسام بُرّر بالخلاف العقيدي،
يتحوّل الانقسام إلى مذهب، وبتوافر ظروف تاريخية محدَّدة يتحول إلى طوائف دينية، أو جماعات
اعتقادية، أو مقالة مختلفة عن مقالات الجماعات أو الطوائف الأخرى، وقد يمتد ليتحوّل المذهب
إلى كيان اجتماعي من المؤمنين وغير المؤمنين به، لكنهم يتبعونه ويعرّفون أنفسهم والآخرين بموجب
انتمائهم إليه. وحين تُطلق تسمية الدين على الجماعة ذاتها، فنحن أمام ملّة أو أمّة، كما في الاستخدام
الإسلامي الكلاسيكي، حتى أواخر العهد العثماني. إذا كانت الطائفة قد قامت في الماضي على مستوى محلّي، فإنها تتحوّل إلى طائفية في الحداثة، بعد
تطييفها سياسيًا في خضمّ الصراع مع الهويات الأخرى في عصرنا الذي شهد نشأة فردٍ ذي «انتماءات
متعددة، ووعي اجتماعي قابل لرفع هوية واحدة فوقها جميعًا، ولإخضاع الهويات الأخرى لها». مع الطائفية السياسية، تتحوّل الهوية إلى جماعة سياسية، ليتحوّل الدين من عقيدة إلى هوية دنيوية
لطائفة متخيّلة. ومن ثم، يتم التشديد عند ممارسته على جانبه الاجتماعي المتعلّق بإعادة إنتاج
الجماعة. وبعد أن كان هدف الدين ذوبان الجماعات في أمّة تُعلن الطائفية في صيرورة تاريخية مضادة
نهاية الأمة الدينية، حين تحوّل الدين أو المذهب إلى جماعة أو طائفة، يمكن للأفراد تخيّل انتمائهم
إليها، متجاوزين الإطار المحلّي إلى دولة، أو دول كأنها قومية، ثم تنافسها على مستوى الطموح السياسي لتشكيل هوية الأفراد الكبرى.
(((1 المرجع نفسه، ص.213 (((1 المرجع نفسه، ص.81
شتاء winter 2019
الطائفة الدينية جماعة تقوم على أساس الانتماء إلى دين أو مذهب مصوغٍ أيديولوجيًا، تؤدي عناصر
التخيّل في تلك الأيديولوجيا دورها في إنتاج السرديات وإدراك الذات من خلال الانتماء إلى جماعة،
وبفضل سياسات الهوية، ومنها الطائفية، تعبُر الطائفة الدينية المحلّي، وتقوم «في سياق الدولة ووعي
المجال العمومي، وكذلك في التمثيل الضمني المضبوط لها في بنية النظام السياسي (كما في حالة النظام السوري)، أو على نحو محزّب، أو مقنّن، عبر الطائفية السياسية (كما في حالتَي العراق ولبنان)،
أو على مستوى التطلّع إلى مكانة في الدولة، وكذلك الطوائف العابرة للدول». في ظل واقع وخطاب سياسيَّين، باعتباره بنية محدِّدة للقوة والسلطة، تتحوّل حتى الأكثرية (السُنّة مثالً)
إلى طائفة، ليخلص بشارة إلى أن المسألة لا تتعلّق بوجود الطوائف في حد ذاته، بل بأزمة الدولة ونظام الحكم، وهو ما سنتطرق إليه لاحقًا.
رابعًا: سياسات الهوية: الهوية مختزلة في الجماعة
كي يعي أتباع ديانة ما، والمؤمنون بها، أنفسهم بوصفهم جماعة في التمايز عن الجماعات الأخرى، في المجتمع نفسه، أي تحوّلها إلى طائفة اجتماعية مميزة، فهذا يحتاج إلى أجيال عدة من تطوّر الجماعة،
ومأسستها وبلورة هويتها. ويذهب بشارة إلى أن المجتمعات التقليدية شهدت عملية تكوين طائفية اجتماعية، بوصف الأخيرة صيرورة جرى من خلالها تحوّل التبعية الاجتماعية الهوياتية، إلى جماعة
من أتباع المذهب أو الديانة. على الرغم من أن الهوية مصطلح غامض غير واضح المعالم، كما يذهب إلى ذلك تشارلز تيلي في كتابه المواطنة، الهوية، التاريخ الاجتماعي، مؤكّدًا أنه لا يمكن الاستغناء عنه؛ لكونه يحدّد تجربة فاعل اجتماعي وتنظيم مقرون بتمثيل عمومي لهذه التجربة، فلا يُبقي بشارة على التصنيف السابق
بعموميته، لذلك يميّز بين حالة الجماعة الأهلية التي يتفاعل فيها العضو مع جماعته بوصفه جزءًا منها
في علاقة التمايز مع الآخر (تعايشًا أم صراعًا)، وبين حالة الجماعات المستحدثة التي تقوم على تحوّل
الإنسان إلى فرد، حيث تُصاغ العلاقة بوصفها هوية. فكيف تُصاغ تلك العلاقة، وكيف تُصبح (سواء أكانت الجماعة أهلية أم متخيّلة) انعكاسية ومدركة،
ليصبح التعايش والصراع مع الآخر، على حد سواء، سياسات هوية؟ في حالة الانتماء إلى جماعة محلّية، وليس إلى جماعة متخيّلة، تشك ل الطائفية الاجتماعية هنا حماية
للفرد ومرجعية سلوكية وأخلاقية. وعلى الرغم من إدراك أفراد الطائفة المحلّية لانتمائهم المشترك مع معتنقي الديانة نفسها في بلدان أخرى، فإنهم كانوا لا يشك لون معهم جماعة أهلية؛ فلا يكفي، بحسب
(((1 المرجع نفسه، ص.37 ((1(نقلً عن المرجع نفسه، ص 223، انظر:
Charles Tilly, «Citizenship, Identity and Social History,» in: Charles Tilly (ed.), Citizenship, Identity and Social History , International Review of Social History, Supplement 3 (Cambridge: Cambridge University Press, 1996).
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
بشارة، التأدية المشتركة لشعائر في المواعيد ذاتها لتشكيل هذه الجماعة؛ إذ لا تتيح وسائل التواصل التي قامت في الماضي إمكان تخيّل هذه الجماعات كلها جماعةً واحدة. مورست الطائفية الاجتماعية في المجتمعات التقليدية من خلال الحفاظ على الحدود بين أتباع الديانات الأخرى، لكن في تلك المجتمعات ما قبل الحديثة، لا تنفصل العناصر الاجتماعية في الجماعات الأهلية، ولم تكن السياسة، بما هي كذلك، شأنًا عموميًا، ولا معنى للفصل في المجتمع
التقليدي بين طائفة سياسية وأخرى اجتماعية، وحتى بين طائفة وطائفة، ولا وجود لطائفية بوصفها أيديولوجيا منفصلة عن البنية الاجتماعية ذاتها. يذهب بشارة إلى أن الفارق يبقى ضئيلً بين الطائفة والطائفية الاجتماعية؛ ذلك أن الطائفة تنظيم اجتماعي يُنتج وعيه الاجتماعي أيضًا، وليست كائنًا دينيًا محضًا، أما الطائفية السياسية، فظاهرة جديدة،
مع إمكان تلمّس جذورها في الحركات السياسية الأولى في الإسلام التي كانت فِرقًا دينية، «ولكن
عناصر السياسي والديني والقبلي لم تنفصل في الظاهرة، أو في الوعي، بل كانت وحدة واحدة، وما يميز الطائفية السياسية هو الوعي بالطائفة الدينية كيانًا اجتماعيًا وتسييسه، وهذا ما يُعيد إنتاجها ظاهرة
جديدة». يحدد بشارة ما يميز الطائفية الدينية الحديثة من التعصب لمذهب أو لفرقة دينية، في العصر الوسيط، على النحو الآتي: 1. تراجع أهمية الفوارق الدينية والتفسيرات المذهبية المتباينة لمصلحة تمايز بين ذاكرات تُركّب لتبدو متمايزة، انطلاقًا من مصلحة هويات مصنوعة بوساطة هذه الفوارق، لتتحوّل الخلافات المذهبية
إلى أداة في تأجيج الخلاف بين الطوائف بوصفها جماعات. 2. قمع الخيار الإيماني الفردي المتولّد في ظروف الحداثة الذي أنتج الطائفية السياسية. 3. منافسة الانتماء إلى الجماعة الوطنية الأوسع القائمة في هذه الأثناء. 4. أصبحت الطائفة مركّبًا اجتماعيًا أيديولوجيًا فاعل في خصومة مع المواطنة وضد الدولة، لا فِرقة
منعزلة عنها وعن المجتمع. إذا كانت الطائفة في الأصل جماعة أهلية، فإن ميزة الطائفية في الحداثة وداخل الدولة، هي تغلّب الانتماء الطائفي على الهويات الأخرى للفرد، مستعيدًا معه مفردات الطوائف الدينية التقليدية ورموزها، لإنشاء جماعة متخيّلة هي ليست «كيانًا اجتماعيًا متجانسًا أو ذا مصالح مشتركة، بل تتغذى على الانتماء
وحده، وبناء مفهوم المصلحة الجماعية على أساس وحدة الانتماء الطائفي».
(((1 بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، ص.340 (((1 المرجع نفسه، ص.448 (((1 على غرار التذكّر، يؤدي النسيان دوره، ويذهب بندكت أندرسن إلى أنه ما من تغيّر عميق في الوعي إلا يجلب معه، بحكم
طبيعته ذاتها، ضروبًا مميّزة من النسيان. تنبع عنها، في ظروف تاريخية معينة، روايات وسرديات، انظر: أندرسون، ص.187
(((2 بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، ص.81
شتاء winter 2019
يذهب بشارة إلى أن سياسات الهوية، ومنها الطائفية السياسية، تُعيد تشكيل الهويات. فإذا كانت الطائفة الدينية جماعة أو جماعة متخيّلة، فإن الطائفية السياسية أيديولوجيا موجّهة إلى جماعة معينة «بناء على
مخاطبة الهوية القائمة على الدين أو المذهب، وذلك من أجل تجنيدها في خدمة مصالح سياسية، تُقدّم كأنها مصالحها بما هي ‘طائفة’. وتجمع هذه الأيديولوجيا وخطابها الطائفي مقاولي مصالح الطائفة مع جمهورها». لكن، ما العلاقة بين سياسات الهوية، ومنها الطائفية، بالحداثة ودخول العامة في المجال السياسي؟ من خلال المدخل الطائفي، تمثّل الطائفية السياسية، بوصفها سياسات هوية، شكل من أشكال المشاركة الشعبية، تشرك عموم أبناء الطائفة في الشأن العمومي، إذ يستوعب الخطاب الطائفي مطالب عمومية، مثل الاعتراف بكيان الطائفة وحقها في التمثيل السياسي. يريد هذا الخطاب أن يبدو ديمقراطيًا
بربطه حقوق الطائفة بحقوق عامة لغيرها من الطوائف، و«ما دام الناس قد خرجوا للمشاركة على
نحو ‘شرعي’ عبر سياسات الهوية، فلا تلبث هذه الهوية المشتركة بين العامة والنخبة أن تشك ل قاعدة لمطالبة العامة بحقوق في إطار الطائفة ذاتها، وليس ضد الطائفة الأخرى فقط». لكن لا تقف الأمور عند هذا الحد، فمن خلال تدخّل سياسات الهوية أيضًا، «ينتقل التنافس إلى داخل جماعة الهوية، ويتّخذ المتنافسون مواقف أشد تطرّفًا في إطار ديماغوجيا الهوية والمواقف ضد الآخر». فما الذي يفسر انجرار الفئات المهمّشة والفقيرة وراء ديماغوجيا الهوية أيًّا كان نوعها؟ بحسب رأي بشارة، لا يكفي تفنيد التعلّق بالهوية أكاديميًا، بأن نبيّن أنها مركّبة ومصنوعة؛ فهناك وظائف
اجتماعية تعزّزها. وآلية صنع الهويات من أهم أنماط تجسيد المظلومية والمطلبية الاجتماعية، أو
الثقافية، أو الاعتقادية، أو السياسية، أو جميعها، في حالات معينة. أما التفسير الثاني المحتمل، فهو الرغبة في التعويض عن بؤس الواقع الاجتماعي لتلك الفئات بالكبرياء على مستوى الهوية. إن الفجوة
بين أحوال البشر توجِد دوافع لتأكيد الهوية من ناحيتين: • المقارنة على مستوى أبناء الهوية الواحدة، وتأكيد الانتماء إلى هذه الهوية، ما يُبرّر رفع المطالب. • حين تُعبّر الفجوة بين منتمين إلى فئات مختلفة عن استغلال اقتصادي أو تهميش أو احتلال أو
تفاوت اقتصادي واجتماعي، فإن التعويض المعنوي النفسي عن الواقع الاجتماعي وعن البؤس في الواقع، يجري بالكبرياء على مستوى الهوية والتمايز عن الآخر، ومحاولة تثبيت مكانة التفوّق مقارنة
بهذا الآخر. عبر المقارنة، يصبح التشابه والاختلاف أساسًا لهوية مشتركة، يترتب عليها شعور بالظلم أو التفوّق
(((2 المرجع نفسه، ص.468 (((2 المرجع نفسه، ص.469 (((2 المرجع نفسه، ص.594 (((2 المرجع نفسه، ص.224
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
أو التساوي. في بعض المجتمعات، اتّخذ الحراك الاجتماعي السياسي داخل فئات اجتماعية شكل التشابه عبر الهوية الطائفية المشتركة والاختلاف مع الآخرين. وفي مستوى الدولة، تنافست نخب سياسية واجتماعية من طوائف منوّعة في تأكيد حصة الطائفة التي تشكّلت بهذه الطريقة. هذا الوعي الهوياتي «المعبّر عنه في سياسات الهوية يرتكز على مغالطة استنتاج التساوي في الحقوق
من التشابه في صفات معينة، فهي تقوم بتبرير التطلّع إلى المساواة مع الشبيه عبر تأكيد التشابه (أي الهوية)، سواء أكان تشابهًا في الدين أم الإثنية أم غيرها». بحسب بشارة، حين يُصبح الانتماء إلى دين أو مذهب، في الحيّز العمومي، هويةً تتغذّى على إعادة
تمثيل نفسها ذاتيًا، تتحوّل تلك المقارنات إلى أداة بِيد المستوى السياسي، تعينه على الربط بين الحالة
الاجتماعية والانتماء المذهبي أو الطائفي؛ لاحتواء فئات اجتماعية في النظام القائم أو تعبئته ضدها، وصوغ الوعي الطائفي عبر استثمار تلك الهوية للنطق باسمها، وكتابة التاريخ بوصفه تاريخ طوائف. وهكذا يتحوّل المدخل الطائفي الذي فتح الباب لمشاركة العموم في المجال العمومي، عائقًا في وجه
هذه المشاركة. يخلص بشارة إلى أن اختزال الفرد في هويته الجماعية يُلغيه بوصفه مواطنًا، وإحلال التفاعل بين
جماعات مكان التفاعل بين إرادة المواطنين أفرادًا، يشوّه بلورة الإرادة والمصلحة العموميتين. وفي
خضمّ عملية الصراع للسيطرة على الدولة أو للتحشيد ضدها، بدعوى قيادتها من طائفة بعينها، تتبلور
الطائفية السياسية؛ ما يعني العودة إلى الصراع على الدولة والمشاركة فيها عبر المحاصصة. لنجد أنفسنا، والصراع قد صيغ على هذا النحو، أمام وطنيات منوّعة، الأمر الذي يراه البعض أمرًا بنيويًا في
حالتَي العراق ولبنان، مع أنه، في نظر بشارة، نتاج تاريخي لاستمرار الطائفية السياسية ودسترتها.
خامسًا: الصيرورة العربية الإسلامية بين التمذهب والتطييف
يُدرك بشارة صعوبة إقناع أيّ إنسان في عصرنا، ينتمي إلى طائفة دينية (هي متخيّلة) عابرة للحدود،
سواء أكان سنّيًا أم شيعيًا أم مسلمًا، أم منتميًا إلى طائفة مسيحية ما، بأنه يؤمن بدين أو مذهب مشترك.
أما الطائفة التي ينتمي إليها فما هي إلا جماعة متخيّلة يصنعها هذا الانتماء نفسه. وما يريد بشارة إثباته
هو أن الطائفة التي تعرّف نفسها كيانًا اجتماعيًا يحمل مظلومية مزعومة، إنما تهدف إلى التأسيس لهوية
سياسية، بكتابة التاريخ بأثر رجعي، عبر الطائفية السياسية. يمضي بشارة في تفكيك الانقسام السُنّي – الشيعي، مؤكدًا أن الإسقاط على التاريخ ليس سمة الحداثة
وحدها، فمسلمو القرنين الثالث والرابع الهجريَّين، حوّلوا الخلاف على الإمامة إلى خلاف عقيدي
متواصل، على نحو متجسّد في سردية تاريخية، حين تذكّروا التاريخ وكتبوه من زاوية نظر صراعاتهم،
وبإسقاط رؤيتهم للعالم على بدايات الإسلام.
(((2 المرجع نفسه، ص.225
شتاء winter 2019
مرّت الصيرورة التاريخية العربية الإسلامية بمرحلتين: التمذهب والتطييف. فمن خلال إعادة صوغ
الهوية المذهبية ضد الفرق الشيعية والعلوية الغالية في المشرق، تمأسست الحدود المذهبية الواضحة للسُنّة في ظل حكم المماليك للشام ومصر، في مرحلة الصراع مع المغول تحديدًا. لتبدأ هذه العملية،
في حالة الشيعة، في بغداد في ظل حكم البويهيين، وتكتمل وتتمأسس إبّان حكم الصفويين. في ظل هذا الانقسام المذهبي (وقبله وبعده)، لا يجد بشارة صحة في افتراض انقسام ديني سياسي في الحضارة العربية الإسلامية، باعتبارها ظاهرة أيديولوجية، أو واقعًا اجتماعيًا متميزًا بثبات نسبي في
شكل طوائف، إلا خلال القرنين السابع والثامن الهجريَّين (لكن من دون أن نستخدم المصطلحات
والمفردات ذاتها)، وصول إلى العهد العثماني – الصفوي، في القرن السادس عشر الميلادي؛ إذ أدى التمذهب، وعملية مذهبة الجمهور من أعلى، إلى نشوء الطوائف الدينية. ففي ظل هيمنة الثقافة الدينية اجتماعيًا، انقسم المجتمع في تأييده ومعارضته للحكم القائم في شكل جماعات، راحت تبرر ذاتها
وتُشَرْعِن اختلافاتها مع الآخرين، بتفسيرات مختلفة للدين، انتهت إلى تبرير ذاتها بحقوق مسلوبة،
ومظلومية تاريخية، وغيرها. ساهمت المؤسسة الدينية في تشكّل الطائفة الدينية، شيعية وسنّية، لكن من دون أن تتحوّل إلى
أيديولوجيا سياسية ونظام اجتماعي سياسي. فلم تكن الطائفية السياسية ممكنة؛ لأن السياسة لم تقم في حينه بوصفها مجالً عموميًا، في عهود الخلافة الإسلامية والدولة السلطانية، حتى العثمانية ما قبل
التنظيمات الحديثة، ليتجلّى الممكن في التنافس بين الزعامات التي انتمت إلى جماعات إثنية أو قبلية أو دينية، في النفوذ والمواقع والحظوة عند السلطان. تسييس العموم أو تطييف طوائفهم سياسيًا، لم
يخطر ببال تلك الزعامات، فتسييس الطوائف عموديًا هو نتاج العصر الحديث.
سادسًا: الطائفية السياسية بوصفها نظامًا
يركّز بشارة على عناصر أزمة الطائفية في العالم العربي وإسقاطاتها الاجتماعية الأخلاقية؛ إذ يفحص نماذج تاريخية ومعاصرة ودور العوامل الداخلية والخارجية، فضل عن التنافس بين النخب السياسية في صوغ الهوية الطائفية. يمضي بشارة في تحليل تاريخي لملابسات الصراع الطائفي في بلاد الشام، مبيّنًا أن «الصراع الاجتماعي
بين الأعيان في مرحلة الشهابيين، وانتفاضة الفلاحين المسيحيين ضد الأعيان بالتحالف مع الرهبان بعد المرحلة المصرية ودخول مرحلة التنظيمات، والتدخل الأوروبي بالتحالف مع ‘طوائف’ ضد أخرى، أهم مولدات الفرز الطائفي في جبل لبنان، وأصبح نظام القائمقاميتين إطارًا لإعادة إنتاجها، إلى
أن تثبّت في نظام المتصرفية الطائفي بعد عام »1860.
(((2 المرجع نفسه، ص 249؛ وبحسب بشارة أيضًا، تبلوَر مع التنظيمات العثمانية الفضاءُ السياسي مجال قائمًا بذاته في المشرق
العربي، برزت نوياته في المجتمعات العربية العثمانية، خصوصًا، ومعه فكرة «العموم» فضاء للسياسة، ومفهوم المصلحة العامة
بوصفها مصلحة خيرية أو عامّة، انظر: المرجع نفسه، ص.36
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
إن ظهور نظم سياسية تقوم على التمثيل، وإن لم يكن انتخابًا بالضرورة، حسم الأمر في اتجاه إعادة
تشكّل الطوائف عبر الصفة الطائفية للممثل وجمهوره. نحن هنا أمام تمثيل جماعة أو هوية، تحقّق في المتصرفية التي يَعدّها بشارة أول نظام طائفي سياسي، تمثّلت فيه الطوائف الدينية، وساهمت إدارته
المتألفة من ممثلين للطوائف، في إعادة تشكيل الطوائف بوصفها كيانات اجتماعية سياسية «كانت هذه بداية تاريخ الطائفية السياسية بوصفها نظامًا».
سابعًا: أزمة الدولة الوطنية وإخفاقات بناء الأمّة
فشلت محاولة آباء التنظيمات العثمانية التي أتت متأخرة، في إنشاء أمّة عثمانية تقوم على التعددية
والمواطنة. وعلى الرغم من توافر مقوّمات النجاح في المشرق العربي بداية، فإن الحماية والامتيازات
الغربية سبقت تشكّل حقوق المواطنة العثمانية التي تمسّكت بها نخب عربية مسيحية ومسلمة ضد
الطائفية، قبل صعود القومية العربية. وحوّل التأثير الأوروبي، بأحد وجوهه، الملل العثمانية إلى
كيانات تُخاطبها الدول الغربية على مستوى الإمبراطورية. وأثار التدخّل الأوروبي والإصلاح العثماني المتضمن امتيازات الأقليات، ردّات الفعل المحافظة. أما التيارات القومية، تركية وعربية، فتجاوزت العثمانية والطائفية معًا. في مقابل النجاح في تأسيس أمّة تركية في دولة وطنية، لم تتشك ل دولة/ أمّة عربية، بل خضع العرب
للانتداب، لتتشك ل بعدها دول وطنية تفاعلت داخلها المسألة الطائفية. فلم تكن الطائفية، ولا حتى المظلومية الطائفية، تحتل مكان الصدارة في المشرق العربي في الماضي القريب؛ إذ حيّدتها تفسيرات
أخرى لطبيعة الدولة وسياساتها، مسنودة بأيديولوجيات غير طائفية غالبًا، وانتماءات أخرى همّشت
الطوائف بين الانتماء المحلي والانتماء القومي والوطني، وتغلّب عليها أحيانًا حتى الانتماء الحزبي السياسي، القومي أو اليساري، وبدا أن الطوائف الدينية بوصفها كيانات اجتماعية سياسية متّجهة إلى زوال. لكن بقيت الطائفية قائمة صراحة أو مُضمرَة، تتحيّن الفرصة لتتحوّل إلى خطاب سياسي ووعي
يحكم السلوك اليومي، وتُعيد إنتاج الطوائف؛ لكن بوصفها طوائف متخيّلة. على الرغم من وجود ثقافة وأحزاب وحركات وطنية ضد الطائفية، فقد برزت قواعد اجتماعية جديدة للطائفية، تمك نت من إحياء الندوب الطائفية جروحًا في حالات الهزات الاجتماعية والحراك
الجماهيري غير المنظم، فلم يخلُ الحراك الوطني في عشرينيات القرن الماضي من «احتكاك طائفي وهجمات على قرى مسيحية وربط المسيحيين بالمستعمرين وخوف الأقلّية من الأكثرية واحتمائها
بالمستعمِر، وادعاء المستعمِر، خصوصًا الفرنسي، أنه يحمي الأقليات ويمنع تكرار أحداث عام 1860
(((2 المرجع نفسه، ص.272 (((2 بحسب بشارة، حين يشارك الغوغاء في اضطرابات فإنهم يستسهلون استهداف مدنيين آمنين؛ على أساس تميّزهم الديني، أو
المذهبي. تتطوّر مع هذه الاضطرابات دينامية تصبح قائمة بذاتها يصعب تفكيك عقدها، وهي متمثلة بخليط من الشعور بالظلم،
والمخاوف والشائعات التي توجّه النقمة إلى عنوان سهل، والتنفيس عن العنف المتراكم، والسادية، والجشع، والرغبة في السلب
والنهب، انظر: المرجع نفسه، ص.258
شتاء winter 2019
ذات السرديات المتناقضة والجروح الغائرة في الذاكرة، بحيث يسهل استدعاؤها واستخدامها في إنتاج المخاوف والطائفية». مثّل تأسيس الدولة الحديثة، بعد الاستقلال، قطعًا لعلاقات أقاليم دولها بأقاليم مجاورة لها، كانت
تشكّل معها وحدة جغرافية وديموغرافية، فأصبحت هذه الأقاليم خارج حدودها السياسية. وساهم القطع مع أقاليم والدمج في أخرى في توليد الشعور بالمظلومية الجهوية، أو الإقليمية التي لا تلبث أن تشهر اختلافها الديني أو المذهبي، مع الأقاليم الأخرى في الدولة، ولا سيما في حالة الجهات التي تطغى عليها إثنية أو مذهب. وتتضخّم المظلومية في حالة التفاوت في التمثيل السياسي. يتساءل بشارة عن مدى تغلغل الخطاب الوطني والقومي المعادي للطائفية الذي ساد مع بدايات الدولة الوطنية، بعد أن أخفق استبداد الدولة في دمج أمّة مواطنية تُحترم فيها الفوارق الدينية والهويات الفرعية.
ويرى أن حكم العسكر عمل على مطابقة الفوارق الاجتماعية مع الطائفية؛ ما عرقل الروح الوطنية. في المقابل، نشأت «الأكثريات» و«الأقلّيات»، بتحويل الأكثرية إلى طائفة في الموقف من النظام السائد، بوصفه نظام أقلّية، حين استند قادة هذا النظام إلى ولاءات وشائجية ومحلّية توسّعت إلى ولاءات
طائفية. على الرغم من سيادة الخطاب الرسمي المعادي للطائفية، ركّزت المواقف من النظام على التناقضات بين قمعية الدولة وخطابها غير الطائفي والمعادي للطائفية، ما جعل هذا الخطاب ضحيّة لموقف
الناس المغترب عن خطاب الدولة الرسمي، ووجد عقل المُضط هَد الطريق لربط الاضطهاد بجماعات
هوية حاكمة (طائفية، أم جهوية، أم غيرها). وفي خضمّ الصراع للحفاظ على قاعدة النظام الاجتماعية،
لم تتورّع الدولة عن استخدام الانتماءات الطائفية والأهلية، كما استخدمت الخطاب الديني حين لزم
الأمر. الدين، بدوره، يتحوّل على يد المعارضة، بعد تسييسه وتشويهه، إلى أداة سياسية تعبوية. غابت مشاركة المواطنين سياسيًا، وثقافيًا. وفي غياب التمثيل، ظلّت الدولة بنية خارجية، وفي مناخ
انتهى فيه الأمر إلى استثارة عصبيات طائفية، على يد الحكم والمعارضة، مثّلت الجماعات الأهلية والمجتمعات المحلّية القائمة (والمتخيّلة)، بالنسبة إلى المواطن الفرد، بديلً أخلاقيًا، ومرجعًا قيميًا،
لكنه لا يقوم، في هذه الحال، على عرف الجماعة وتقليدها، بل على سرديات مستحدثة عن ماضيها
المركّب بفعل هذه السرديات، وع بَرٍ قيمية مستنسخة منه، كما يقوم على التمييز من الجماعات الأخرى
ب «التآخي» و«التنافر.»
(((2 المرجع نفسه، ص 277 وما بعدها. (((3 يذهب بشارة إلى أن الدولة الحديثة ليست سلالة حاكمة، ترتكز على عصبية متغلبة (كما في تحليل ابن خلدون للدولة في عصره)، بل كيان سياسي يعبّر عن عموم تجسد في المواطنة والسيادة الإقليمية على أرض محددة، وحين يحيي الحاكم عصبية قديمة
مضفيًا عليها معاني ووظائف جديدة، فإنها تستدعي عصبيات أخرى ضدّها، ما يؤدي إلى صراع اجتماعي يهمّش السياسي؛ أي
الدولة التي تتحول نخبتها المسيطرة إلى جماعة من الجماعات، انظر: المرجع نفسه، ص.286
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
تبني تلك السرديات الهوية، مول دة جماعات متخيّلة تقمع الخيار الإيماني الفردي، لتنافس الانتماء إلى
الجماعة الوطنية الأوسع، وهكذا تصبح الطائفة، في مرحلة متقدمة، مركّبًا اجتماعيًا أيديولوجيًا فاعلً
في خصومة مع المواطنة، وضد الدولة الحديثة في الوقت ذاته.
ثامنًا: إشكالية التعددية: تطييف الدولة
لا تنتج تعددية الطوائف طائفية بالضرورة؛ إذ لا تكمن المشكلة، بحسب بشارة، في التعددية في حد ذاتها، بل في عملية بناء الأمّة وآليات تنظيم قواعد الاختلاف عبر مؤسسات وقوانين. فحين لا تمثّل
السلطة جميع مواطنيها، عبر مشروع للأمّة، ولم تمثّل المعارضة الأمّة كلها، وكانت مصادر الشرعية
لكل منهما تتلخص في قطاعات اجتماعية متمايزة عموديًا، بوصفها انتماءات تُبنى عليها سياسات الهوية، فنحن هنا لسنا أمام تعددية، بل تنازع جماعات. في حال فشل بناء الأمّة/ الدولة بوصفها كيانًا مواطنيًا اندماجيًا عابرًا للجماعات، تُصبح الطائفية نتاجًا
لعلمنة معوّقة: هناك دولة لكن من دون جامع وطني عبر مؤسساتها، وهناك دين تدفعه الدولة إلى
الحيّز الخاص، من دون مشاركة سياسية. يعود الدين مقتحمًا المجال العام بوصفه حركة سياسية دينية،
أو هوية جماعية معارضة (طائفة)، عبر تفريغ الدين من محتواه القيمي، واستغلاله أداة تبريرية من أجل استثارة عصبية الهوية، لتبرز الطائفية السياسية صراعًا بين الطوائف على اقتسام الدولة، ونسب المحاصصة فيها. من جهة أخرى، وفي غياب تعددية الطوائف، تصلح عوامل صعود الطائفية ذاتها أدوات لتفسير صعود النزعات العشائرية والجهوية والإثنية. فمع توافر العوامل ذاتها في غياب التعددية، تتحوّل العشيرة، أو
أي جماعة تستند إليها السلطة لكسب الولاء والتعاطف، إلى طائفة بوصفها كيانًا اجتماعيًا سياسيًا في
إطار الولاء للنظام مثلً، في مقابل تحوّل المعارضة إلى «طائفة» باستنادها إلى جماعة أو جماعات
هوية، في معارضتها للنظام في سياق الصراع على الدولة، وفيها. يخلص بشارة إلى أن تدويل الطائفة يأتي من تطييف الدولة بإخضاعها، جزئيًا أو كليًا، لمصالح فئة
معينة، سواء أكانت اجتماعية أم مذهبية، لا فرق. لا ينطبق ذلك على أي جماعة، بل «تلك الجماعات التي يمكن تمييزها من محيطها بهوية محددة، ولا يهم، بالنسبة إلى المنتمين إليها أو خصومهم، إذا كانت قائمة فعلً أو متخيّلة ». بناءً على هذا، فإن الصراع على الدولة، بوصفها غنيمة مادية ومعنوية، لا يجري اليوم بوصفه صراعًا بين قبائل لإقامة الدولة بالغلبة (وفق تعبير ابن خلدون)، بل بوصفه صراعًا بين جماعات متخيّلة للسيطرة
على دولة حديثة.
(((3 المرجع نفسه، ص.285
شتاء winter 2019
تاسعًا: الصراع على الدولة: العراق نموذجًا
منهجيًا، يحدد بشارة مؤشرات رئيسة لفهم الطائفية عربيًا: • الظروف التاريخية لنشوء الدولة. • التنظيم الاجتماعي والسياسي الموروث والمستحدث للجماعات نفسها. • تفاعل نشوء الدولة في هذه الظروف التاريخية مع البنية التقليدية للمجتمع وانقساماته العمودية. • عملية بناء الأمّة ونجاح الاندماج (أو فشله)، ومدى تقاطع الفروق الاجتماعية المختلفة في مرحلة
ما بعد الاستعمار مع الفروق الطائفية. • الصراعات السياسية، ودور النخب في استثمار الطائفة، وإعادة إنتاج الطوائف، من حيث هي جماعات متخيّلة. لا يبقى بشارة عند حدود النظرية، بل يطبّق ما سبق على النموذج العراقي، حين يبحث فيه بوصفه حالة
عينية، يراها الأكثر راهنية، وأهمية، في صعود الطائفتين السنّية والشيعية؛ إذ أصبح الصراع الدائر هناك أحد أهم مصادر الاستقطاب السنّي – الشيعي، وبناء الطوائف المتخيّلة، قبل بروز الاستقطاب بشأن
الصراع على نظام الحكم في سورية. فعراق اليوم نموذج لطائفية مقنّنة سياسيًا. إذا كان هناك من يصرّ على قراءة تاريخ العراق طائفيًا، فإن بشارة يذهب إلى أن «الحديث عن تمييز
طائفي منظومي أو سياساتي هو قراءة مفروضة على التاريخ بأثر رجعي». وعلى سبيل المثال، كان الصراع الصفوي – العثماني من أهم عناصر تشكيل الطوائف والطائفية في العراق، لكن تلته مراحل تاريخية، ولّدت عوامل اجتماعية وسياسية، وصيرورات بنيوية مضادة للبنية الطائفية في المجتمع، أما العنف الطائفي في التاريخين الحديث والمعاصر للعراق، فلم يكن معزول عن عوامل إقليمية وخارجية. تاريخيًا، سبقت الإثنية السياسية المقومنة (القومية الكردية) الطائفية السياسية. وقبل سنوات الصراع مع
النظام العراقي أثناء فترة الحصار، بعد انتفاضة عام 1991 وهزيمة صدّام حسين في الكويت، اقتصر الخطاب الطائفي السياسي على أحزاب وتيارات مذهبية سياسية، شكت ظلمًا طائفيًا، لكنها لم تطالب
بنظام قائم على طائفية سياسية. لاحقًا ط رَحت الطائفية السياسية، الناطقة بأسماء طوائف من أتباع
مذاهب سنّية وشيعية، نفسها في المجال السياسي. فالأدوات الخطابية التي صاغت فئات اجتماعية
تشعر بالظلم لمطالبها، ومنها القومية والقبلية والطائفية التي ظلّت قائمة في بنية الدولة، جميعها نتاج بنية حديثة. فما الذي حدث؟
(((3 المرجع نفسه، ص.578 (((3 المرجع نفسه، ص.590
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
منذ تأسيس الدولة العراقية في عام 1921 وباستثناء العهد المَلكي، كانت عملية بناء الأمّة محكومة
بمنطق اندماجي من الأعلى، لا يعترف بالتنوع الطائفي. حزب البعث وأيديولوجيته الاشتراكية القومية العربية، الجيش، الاقتصاد الريعي الناجم عن استثمار الثروة النفطية تنمويًا، والذي سرّع بنشوء طبقة
وسطى مرتبطة بجهاز الدولة؛ كل ذلك كان أدوات للاندماج، عمومًا، سقطت بعد عام 2003 بهزيمة
العراق عسكريًا واحتلاله. يحافظ بشارة في حالة عراق 2003 على جدلية «الداخل والخارج»، باعتبارها أحد العوامل المهمّة في
صعود الطائفية، وهي تقوم على أن الخارج لا يمكن أن يؤثر في الداخل إلا من خلال هذا الداخل نفسه، وبتوجيه منه؛ إذ تعاملت القوى الخارجية مع الطائفة الدينية بوصفها مرجعية اجتماعية سياسية من جهة، كما توافرت نخب محلية لها مصلحة في تلك المرجعية الطائفية من جهة أخرى، ما وجّه العامل الخارجي
إلى مثل هذه المقاربة. فالهوية الجماعية الطائفية تتعزز حين تعتمدها «قوى دولية خارجية مهمّة وفاعلة في
السياسة الداخلية إطارًا ومرجعية في مقاربة الأفراد [...] أما إذا تبنّت الدولة نفسها هذه المقاربة في التعامل
مع مواطنيها، وقامت بمأسستها، فإن التخلص من الطائفية السياسية يصبح صعبًا». على الرغم من أن بوادر التطييف السياسي بدأت منذ تأسيس العراق، فإنها بقيت على هامش المجتمع والسياسة، وتلقّت دفعة قوية بعد الثورة الإيرانية التي لم تستطع، على الرغم من تأثيراتها، دفع النظام العراقي إلى انتهاج سياسة تمييز طائفي ضد الشيعة أو تهميشهم بعيدًا عن مراكز القوى داخل الدولة، كما لم تستطع، مع استثناءات مهمة، اقتلاع الجنود والضباط العراقيين الشيعة من ولائهم للدولة. لكن الطائفية السياسية اقتحمت الحياة السياسية بقوة بعد حرب عام 1991 إبّان مرحلة إحكام الحصار على
العراق، لتبرز هنا نتائج «الحملة الإيمانية» التي انتهجها صدّام حسين أثناء الحصار. لكن الطائفية أصبحت بعد الاحتلال عملية سياسية ممأسسة. بعد الاحتلال الأميركي للعراق، انفجرت الصراعات، واتّخذ التنافس الحزبي شكل طائفيًا، وليس حزبيًا
أيديولوجيًا، ولا حتى مصلحيًا، كما كانت الحال قبل دكتاتورية صدّام حسين، بين زعامات تقليدية،
ولا سيما في المرحلة المَلكية. وفتحت الصياغة السياسية من الاحتلال للواقع العراقي، ولغة المعارضة
العراقية لنظام البعث، الباب لادعاء مفاده أن ما كان يُعدّ سابقًا حزبيًا أيديولوجيًا، كان طائفيًا، وجرت
محاولات إعادة قراءة الماضي كلّه وكأنه ماضٍ طائفي، في عملية إسقاط على التاريخ وتخيلّات طائفية
مستعادة لصراعاته وانقساماته، وصلت إلى حدّ التزوير، والتلاعب بالوقائع التاريخية. بعد عملية تحديث اجتماعي واقتصادي وثقافي، بدت فيها الطوائف تندثر، كونها كيانات اجتماعية
قائمة بذاتها، تتحكم في سلوكيات الأفراد، ولها ممثلوها السياسيون، تمّ تخيّل طوائف العراق كياناتٍ
تاريخيةً ثابتة، من خلال مأسسة الأحزاب الطائفة.
(((3 بعد عام 2003، بُني الجيش على أساس تشكيلات ميليشياوية شيعية، انضمت إلى الأجهزة الأمنية، ليتحول الجيش، من أداة
إدماج ضامنة لوحدة العراق، إلى مؤسسة تقوم على حسابات طائفية تعيينًا وترقية، انظر: المرجع نفسه، ص 764 وما بعدها. (((3 المرجع نفسه، ص.598
شتاء winter 2019
وبذريعة اجتثاث البعث من العراق، تمّ تحطيم الدولة بوصفها إطارًا لانقسام على أساس سياسي،
ليتعامل الاحتلال مع قادة طائفيين. ومثّلت فرضية أن أقلّية سنّية كانت تحكم أكثرية شيعية ادعاءً سياسيًا
في الصراع السياسي مع النظام الدكتاتوري، مع أن النظام العراقي لم يكن نظام «الطائفة السنّية»، ولا «المكوّن السنّي»، بتعابير مرحلة ما بعد عام 2003، حتى حين استخدم صدّام حسين «الحملة الإيمانية»،
بغية الضبط والتعبئة الاجتماعية السلطوية في شروط الحصار. لقد فشلت المواطنة الجمهورية في تحقيق الاندماج، والاعتراف بالتعددية مع المساواة في المواطنة. يخلص بشارة إلى أن طوائف العراق لا تقوم بذاتها، بل عبر الانتماء إليها، ل «تبدو دينامية الطائفية في العراق في سياق مأسسة الطوائف وتحاصصها وتشكّل القوى السياسية على أساسها مثل نبوءة تحقّق
نفسها. لكنها لم تحقّق نفسها من فراغ، إذ لم تُخلَق الطائفية من لا شيء. إنها ليست مؤامرة فحسب، فلها حوامل طائفية اجتماعية – تاريخية تسمح الطائفية الممأسسة والمنفلتة من عقالها بتخيّلها من
جديد وإعادة إنتاجها في الحاضر». لا تقتصر هذه الطوائف المزعومة من أتباع مذاهب لا يشكّلون كيانًا اجتماعيًا، على منطقة أو مدينة
أو إقليم، لهذا لم يكتب لها النجاح بعدُ في التحوّل إلى نظام سياسي في العراق، على الرغم من أن
قيادة طائفية لا تزال تقاتل من أجل استخدام الطائفة لفرض محاصصة على الدولة. ويبقى ديدنها التشظي والانقسام الداخليَّين في معرض التنافس على تمثيل «الطائفة»، ليتمّ إنتاجها «من خلال هذا
التنافس بصفتها طائفة متخيّلة يشكّل تمثيلها وتمثيل مصالحها المفترضة موضوع هذا التنافس. وتجري
محاولات لكتابة تاريخها وترسيخ رموزها المشتركة من خلال الاستعانة بجهاز الدولة».
خاتمة
لعلّنا نخلص مع بشارة إلى بعض الاستنتاجات المهمة الآتية: 1. لا يعني المتخيّل الاجتماعي ما هو مختلق، بل ظاهرة حقيقية قائمة وفاعلة في الحياة الاجتماعية.
والطوائف المتخيّلة هي نتاج عملية إنتاج تصوّرات عند أناس ينتمون إلى جماعة، تبدأ تصوّراتهم عن
الآخرين الذين تضمّهم الجماعة من هذا الانتماء المشترك. وهي غير متعيّنة بوصفها كيانات اجتماعية
حقيقية، أو بنية هي ذاتها مصدر التصورات المتشكّلة عنها. ومع ذلك، فهي تمارس تأثيرها في الواقع. 2. الرابطة بين أبناء الطائفة، بمعناها الحديث، هي علاقة معنوية تقوم على الانتماء بين أفراد لا يشك لون جماعة، بل جماعة متخيّلة، وشرطها هو أفول الجماعات بمعناها القديم. 3. لا تستند الطائفة، بمعناها الحديث، إلى نوع من الروابط التقليدية، بل هي أحد أشكال الروابط الحديثة المنشأ. وفي سعي بشارة للتأصيل المفهومي لمصطلح الطائفة، لا يتعامل معها باعتبارها
(((3 المرجع نفسه، ص.349 (((3 المرجع نفسه، ص.593
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
مفهومًا دينيًا، بل بوصفها نظامًا اجتماعيًا، مبيّنًا اختلافها عن مفاهيم: الف رق والمذاهب والنِّحل
والملل، باستعمالاتها الإسلامية الكلاسيكية، وعن مفهومَي الإثنية، والمجتمع الأهلي، وعن مفهوم
«الفرقة» Sect الفيبري، والمفهوم الخلدوني للعصبية. 4. ينبغي التمييز بين الطائفة بوصفها كيانًا اجتماعيًا، والطوائف المتخيّلة التي هي نتاج للطائفية
بوصفها سياسات هوية. ففي الحيّز العمومي، يتحوّل الانتماء إلى دين، أو مذهب، أو هوية تتغذى
على إعادة تمثيل نفسها ذاتيًا، بتوافر مستثمرين سياسيين، يصوغون الوعي الطائفي، ويكتبون التاريخ
بوصفه تاريخ طوائف. 5. تبدو الطائفة في سياقها التاريخي العربي عند بشارة، وقد شهدت صيرورة، انتقلت بموجبها من حالة اجتماعية (جماعة محلية)، إلى حالة دينية (طائفة دينية متخيّلة تقوم على الانتماء)، إلى حالة
سياسية مؤدلجة (طائفية سياسية). وهكذا يسقط وهْم الطائفية باعتبارها ظاهرة أصيلة في المجتمعات العربية، وأنها تبقى ملازمة لها. ومعها يتّضح زيف الطائفية بوصفها أيديولوجيا جماعاتية. 6. لا تكمن المشكلة في تعددية الطوائف، بل في أزمة بناء الأمّة/ الدولة. فتاريخيًا، وحّد نشوء الدولة
العربية الطوائف ضدّ الاستعمار، ولم تكن دولة طائفة بعينها. وفي وقت لاحق جرى محاولة تحويلها إلى دولة طائفة ضدّ طائفة، أو طوائف أخرى. 7. في ظل التوتاليتارية العربية، تصبح الطائفية الأداة الإجرائية التي يجري تفسير نشاط الأفراد وسلوكهم وتأويلهما، بناءً عليها. وأدّى التغييب المتعمّد للدولة المدنية، التي لا تقوم على الفرز الطائفي، ولا
الولاءات الأقلّوية، إلى تضاؤل الشعور بالانتماء الوطني، لتواجه المجتمعات العربية تهديدًا وجوديًا
حقيقيًا، حين أصبحت الطائفية أزمة في هيكلية النظام السياسي العربي. 8. مع فشل بناء الأمّة/ الدولة، حكمت الطائفية المكوّنات الاجتماعية داخل كيانات مغلقة هشّة
وضعيفة، شعرت بالتهميش، لتخترق احتجاجاتها الكبرى نزعات انفصالية وأصوليات دينية، في مواجهة العنف الممنهج للأنظمة في مجتمعات انتفضت فيها «الأكثريات» حفاظًا على وجودها، وسعت «الأقلّيات» للحفاظ على مكاسبها ومصالحها، وبات الجميع في حرب ضدّ الجميع. 9. في غياب دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها، فإن الاحتراب الأهلي ودولة التعاقدات الطائفية والجهوية، هي البديل الحتمي. فلا حلول للمسألة الطائفية خارج الدولة والمواطنة الديمقراطية ومفهومها. 10. أدّى ازدياد اعتماد الدولة العربية على قوى أهلية ومحلية، بعد إدراكها شرعيتها المتأكلة في مواجهة موجات الربيع العربي، إلى صعود قوى التضامن الأهلية الاجتماعية والتعبيرات الطائفية. وأدّت الطائفية السياسية إلى انحراف الثورات العربية عن الحراك المدني الأصلي، وسادت بوصفها
خطابًا صداميًا بين الموالاة والمعارضة؛ ما عوّق تحولً ديمقراطيًا، وأدّى إلى إخفاق هذه الثورات.
شتاء winter 2019
أخيرًا، يهدف بشارة في هذا الكتاب، إلى تطوير نظرية في الطائفة والطائفية، تسدّ الفراغ البحثي في
تناول الظاهرة، وتستكمل محاولات بحثية سابقة، عند باحثين من أمثال برهان غليون، ووجيه كوثراني، وأسامة مقدسي، وربما غيرهم. لا يدّعي بشارة التوصل إلى النظرية المتكاملة، لكنه يؤسّس لها منهجيًا، حين يرسم المحدّدات المنهجية
العامة للمصطلحات الرئيسة التي تناولها البحث، مثل: «الطائفة» و«الطائفية» و«الطائفة المتخيّلة»،
ضابطًا دلالاتها وحيّزها البحثي. وبتعرية الطائفية بوصفها إستراتيجية مضادة لبناء الأمّة، يمكن تذليل
العقبات أمام سوسيولوجيا عربية، ولا سيما في حقل دراسات فوق وطنية، لحل الإشكاليات النظرية والعملية التي تواجه عملية بناء الأمّة، عبر كشف الديناميات الخاصة التي تتفاعل من خلالها الهويات التقليدية من جهة، والهوية الوطنية الناشئة من جهة أخرى.
References
المراجع
العربية
أندرسون، بندكت. الجماعات المتخيّلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها. ترجمة ثائر ديب. تقديم
عزمي بشارة. بيروت: شركة قدمس للنشر والتوزيع،.2009 بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي: الدين والتدين. ج 1. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013.________ الدين والعلمانية في سياق تاريخي: العلمانية والعلمنة: الصيرورة الفكرية. ج 2. مج.1 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015.________ الدين والعلمانية في سياق تاريخي: العلمانية ونظريات العلمنة. ج 2. مج.2 الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015.________ الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 تايلر، تشارلز. المتخيلات الاجتماعية الحديثة. ترجمة الحارث النبهان. مراجعة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015
(((3 على سبيل المثال لا الحصر، انظر: برهان غليون، نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة (بيروت: المركز الثقافي العربي،
1990)؛ برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، ط 3 (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات،
2012)؛ وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين، العثمانية والصفوية – القاجارية
(الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)؛ أسامة المقدسي، ثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في
لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني، ترجمة ثائر ديب (بيروت: دار الآداب،.)2005
يخيرات قايس يف ةفئاطلا:ةراشب يمزع يف ةءارق
غليون، برهان. المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. ط 3. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012.________ نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة. بيروت: المركز الثقافي العربي،.1990 كوثراني، وجيه. الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين، العثمانية والصفوية – القاجارية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 المقدسي، أسامة. ثقافة الطائفية: الطائفة والتاريخ والعنف في لبنان القرن التاسع عشر تحت الحكم العثماني. ترجمة ثائر ديب. بيروت: دار الآداب،.2005
الأجنبية
Tilly, Charles (ed.). Citizenship, Identity and Social History. International Review of Social History. Supplement 3. Cambridge: Cambridge University Press, 1996.