مفهوم الطائفية في الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة لعزمي بشارة من إعادة التعريف إلى الابتكار: قراءة في الحقل الدلالي وتحولاته
The Concept of Sectarianism in Sect, Sectarianism, and Imagined Sects by Azmi Bishara From Redefining to Conceptualisation: A Reading and Analysis of the Semantic Field
الملخّص
المؤلف: عزمي بشارة. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: بيروت/ الدوحة. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات: 927 صفحة.
Abstract
Director of the Arab Center for Research and Policy Studies in Tunisia and Professor in the Department of Sociology at the Tunisian University.
- النظرية
- المصطلح
- المفهوم
- الدلالة
- الطائفة
- Theory
- Terminology
- Concepts
- Semantics
- Sect
شتاء winter 2019
مقدمة
هل يمكن أن نفكر خارج المفاهيم إذا ما تعلق الأمر بالمعرفة العلمية؟ عن هذا السؤال المربك تعددت الإجابات؛ إذ تذهب أطروحات إلى تأكيد أن التفكير العلمي لا يمكن أن يصاغ إلا توسلً بالمفاهيم، وأن خطى العلم لا تتقدم لتثبت وترسخ إلا استنادًا إليها؛ فهي التي تمنح
الفكر علميته وتميزه من أنماط التفكير الأخرى، حتى لا يرتد إلى فكر عادي ordinaire Pensée، بينما
تبدي أطروحات أخرى تحفظًا تجاه ما تنعته ب «استبداد المفاهيم»؛ إذ تتحول المفاهيم أحيانًا إلى ما يشبه قوالب الفولاذ، فتحرم الفكر من حيويته وتدفقه، وقد عبر الفيلسوف فيتجنشتاين Wettgenstein مثلً عن تبرمه حين اعتبر أن فرط الاعتقاد في اللغة، ومنها المفاهيم، يسجن الفكر ويعزله، حين يحرمه من منابع أخرى، أهمها منبعَا الصورة والتخيل اللذان يضمنان تجدده وتدفقه وحيوته. ومع أهمية هذا الجدل الذي يتواصل محتدمًا، فإن هناك شبه إجماع عبَّر عنه عالم الاجتماع الفرنسي
باسرون حين أقر بهشاشة العلوم التاريخية، الناجمة عن معضلة هشاشة الحقول الدلالية للمفاهيم. يجوز لنا استعادة استعارة غيرتز التي بها يشبِّه اللغة بشبكة العنكبوت، وسحْبُها على المفاهيم أيضًا؛
فكما تنسج العنكبوت من لعابها سجنها، أي بيتها الحيوي، لتتنقل وتتغذى، فإن الفكر ينسج من تخيله المفاهيم التي بها يتجدد داخل تلك الأطر ذاتها. ضِمن هذا النموذج من التفكير، يندرج عمل عزمي بشارة الوارد في كتابه: الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، الصادر مؤخرًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وقد بنى عزمي بشارة هذا
الكتاب على عماد منهجي مركزي، أساسه أن الكتابة العلمية تقتضي التزام صرامة المفاهيم، ولكن من دون أن يكف المؤلف عن إثراء التفكير في مفهوم الطائفية بمصادر تُجدِّد النظر فيه، من خلال المنافذ التي فتحها المؤلف على اللغة والتاريخ والأدب وغيرها. لذلك، آثرنا أن نتناول منزلة المفاهيم في هذا العمل، مختارين لأسباب علمية وأخرى بيداغوجية التركيز على مفهوم الطائفية الذي منحه المؤلف شرف العنوان تقريبًا. يعي المؤلف جيدًا أن التفكير في الطائفية لا يتم إلا عبر المفاهيم الدقيقة والصارمة، ولكنه يدرك أيضًا أنها مفاهيم منفتحة على حيوية منابع التفكر فيها: تاريخ الطائفية، وخطابها، وممارساتها، وجملة تطوراتها المثيرة عبر مقارنات عديدة لسياقات الطائفية وتجاربها المختلفة داخل العالم العربي وخارجه. يحرص بشارة في مسعاه هذا على تحقيق هدفين أساسيين: أولهما تجاوز ندرة الكتابات العربية حول موضوع الطائفية، وهي ندرة تقابلها في مفارقة غريبة وفرة خطاب طائفي يحضر مكثفًا فيما تجري به
(((اعتقد جان كلود باسرون أن علم الاجتماع يعاني، على غرار بقية العلوم التاريخية الأخرى، هشاشة مفاهيمية، مرَدها إلى عسر
تحديد الحقول الدلالية للمفاهيم والإحاطة بها، انظر كتابه:
Jean Claude Passeron, Le raisonnement sociologique: L’espace non poppérien du raisonnement naturel (Paris: Nathan,
(2) Clifford Geertz, «La description dense,» Enquête , no. 6 (1998), 15/7/2013, accessed on 29/8/2018, at: https://goo.gl/uvR1jU
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
اللغة المتداولة سياسيًّا وإعلاميًّا؛ فالعالم العربي يُعَدّ من بين الفضاءات الأكثر إنتاجًا للثقافة الطائفية؛
وذلك بقطع النظر عن كيفيات إنتاجها والمحافظة على استثمارها وإحيائها، أو حتى التلاعب بها وتوظيفها. أما الهدف الثاني فهو المساهمة في التنظير للطائفة والطائفية، وقد بدا بشارة منذ الصفحة الأولى معلنًا بالكثير من الثقة والجرأة عن عزمه الشديد على المساهمة الفكرية المتقدمة في صياغة نظرية ما حول الطائفية. يقرّ بشارة في هذا الصدد بأن كتابه هذا هو من بين الكتب القليلة التي حاولت التنظير للطائفية، «ربما
كان أكثر المحاولات قربًا من التنظير في الموضوع كتابَي برهان غليون المسألة الطائفية ومشكلة
الأقليات، نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة و ». غير أن اهتمام بشارة بالمفاهيم لم يكن أمرًا طارئًا
تجلى في هذا الكتاب، ولكنه كان سمة لازمت جل أعماله مبكرًا. ولعلنا نذكر من بين المؤل فات التي
حضر فيها الاشتغال بالمفاهيم غرضًا أساسيًّا في الكتابة عنده: طروحات عن النهضة العربية المعاقة،
والمجتمع المدني: دراسة نقدية، الدين والعلمانية في سياق تاريخي و. وإذا كان مفكر مثل عبد الله العروي قد أعلن صراحةً عنايته بالمفاهيم من خلال عناوين كتبه، فإن بشارة قد أبدى عناية غير مسبوقة بالمفاهيم، ولكن من خلال سياقاتها العديدة، حتى لا تبدو اشتغالً نظريًا بالمفهوم يظل تجريدًا محضًا. لقد كان المفهوم في كتاب الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، شرطًا علميًّا، وليس غرضًا في حد
ذاته بالمعنى المدرسي للكلمة. كان جهد بشارة يندرج ضمن مسارات المَفهَمة، أي بناء المفاهيم، من
خلال تشكيل أطروحة نظرية سنسعى لرسم ملامحها لاحقًا؛ فالمفاهيم عند بشارة لا تظل منغرسة في نظرياتها، بل هي شرط تشَكُّلها، فكأنه لا نظرية من دون مفاهيم. يستأنف بشارة على هذا النحو، ومن خلال مؤل فه هذا، الاشتغال بالمفاهيم، بالمعنى الذي أشرنا إليه آنفًا، حتى يتسنى له الإسهام البارز في التنظير، على أن نفهم من ذلك أن صياغة نظرية حول الطائفة لا تكون تكرارًا لما تم إنجازه في الحقول المعرفية «الغربية»، تجنبًا لمخاطر الإسقاطات المتعسفة
على خصوصية السياقات العربية، ولا تنظيرًا يتوهَّم محلية المعرفة تحت مسوغات عديدة تم تقديمها
في كتابات متنوعة؛ لعل أخطرها «أسلمة المعرفة» أو «تعريبها»؛ فعلى خلاف ذلك، تظل المعرفة في اعتقادنا إنسانية، ومن هذه الإنسانية ما يستوجب أخذ تلك الخصوصيات في الحسبان، من دون تحويلها إلى سمات جوهرانية تتعالى على التاريخ بل تظل فوقه؛ فعلى خلاف هذا التوجه، يستأنف عمل بشارة جهد المساهمة النظرية في تطوير الدراسات المتعلقة بالطائفية، معلنًا بصراحة بدءًا من
الصفحة الأولى من هذا العمل المهم، كما أشرنا سابقًا، ما يلي: «كتابي هذا هو محاولة للجمع بين جهد في تطوير نظرية في الطائفة والطائفية من جهة، ودراسة تاريخية سوسيولوجية لنشوء الطوائف
(((عزمي بشارة، الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (بيروت/ الدوحة: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.14
شتاء winter 2019
المتخيَّلة»، فضل عن أهداف أخرى لا تقل قيمة، على غرار تحليل السيرورات المعقدة في تحوُّل
الطائفية الاجتماعية إلى طائفية سياسية تحديدًا. لعل أهم المبررات التي يوردها بشارة لإنجاز عمله هذا أن الكتابات العربية حول الطائفة والطائفية، وتحديدًا فيما يتعلق بالمفاهيم والتنظير، تظل نادرة، كما أشرنا. ولعلنا نتذكر في هذا الغرض فترة الستينيات من القرن العشرين التي تصدى فيها المفكر المغربي عبد الله العروي لهذه المهمة، حين اشتغل بالمفاهيم، فخصص كثيرًا من الكتب لهذه المسائل، مساهمةً منه في تحديد المفهوم
والتجديد النظري. وعلى الرغم من استناد المشروعَين إلى الأرضية البيداغوجية نفسها، أي اليقظة الإبستيمولوجية، والحذر العلمي في استعمال المفاهيم، فإن المشروعين يختلفان نسبيًّا؛ فإذا كان
العروي يؤكد غربة بعض المفاهيم داخل الثقافة العربية، على غرار مفاهيم الحرية والعقل والأيديولوجيا، فإن بشارة يؤكد خلاف ذلك؛ إذ يبدو مفهوم الطائفة متجذرًا ومنغرسًا في تربته اللغوية والثقافية عمومًا،
فضلً عن اختلاف المناهج والأدوات التي استعملها كلّ من المفكرَين. أما المبرر الثاني لتأليف الكتاب فهو شيوع الاستعمال المتسيِّب لمفاهيم الطائفية من دون ضابط
دلالي، على نحو يجعل الخطابات العربية (السياسية والإعلامية، وحتى العلمية) حول الطائفية تتسم بالغموض واللَّبس، وقد يكون ذلك مما ساهم في ضعف الإنتاج المعرفي العربي حول هذه المسألة، في حين يفترض أن يكون هو المعني بها أكثر من غيره. ويظل المبرر الأخير مرتبطًا، كما أشرنا، بخصوصيات الطائفة والطائفية في العالم العربي التي تقتضي مساهمة مفكرين عرب في هذا الجهد التنظيري؛ إذ تظل تلك التنظيرات الغربية قاصرة عن فهم تلك الخصوصيات أحيانًا؛ ولذا، من شأن المساهمة العربية أن تبرز معاني تلك الخصوصيات التاريخية التي هي نتيجة تراكمات تاريخية، وليست ميزات جوهرانية متعالية. يقول بشارة متحدثًا عن منهجية عمله: «بلورة مفاهيم الطائفة والفرقة في السياق العربي الإسلامي، بعد مقارنتها مع المفاهيم المستقرة من السياق الأوروبي، وبناءً على هذه المفاهيم، يدحض البحث أن الشيعة أو السنة هما عبارة عن
طوائف بمعنى جماعات». ولإنجاز كل ذلك يَع د المؤلف القارئ مباشرة بأنه «سيجد في هذا
الكتاب محاولات للإجابة عن أسئلة نظرية فكرية وأخرى تاريخية». يطمح بشارة، إذ ا، من خلال مؤلفه هذا إلى إدراك جملة من الأهداف؛ لعل أهمها المساهمة النظرية في تطوير الدراسات المتعلقة بالطائفية؛ فهو يعلن صراحة منذ الصفحة الأولى من هذا العمل ما
(((المرجع نفسه. (((من أبرز كتابات عبد الله العروي التي خصصها للمفاهيم، انظر: عبد الله العروي، مفهوم الدولة، ط 10 (الدار البيضاء: المركز
الثقافي العربي، 2014)؛ عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2012)؛ عبد الله العروي،
مفهوم الإيديولوجيا، ط 8 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،2012)؛ عبد الله العروي، مفهوم العقل، ط 5 (الدار البيضاء: المركز
الثقافي العربي،2012)؛ عبد الله العروي، مفهوم التاريخ، ط 5 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2012 (((بشارة، ص.16 (((المرجع نفسه، ص.15
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
يلي: «كتابي هذا هو محاولة للجمع بين جهد في تطوير نظرية في الطائفة والطائفية، ودراسة تاريخية سوسيولوجية لنشوء الطوائف المتخيلة»، فضل عن أهداف أخرى لا تقل قيمة، على غرار تناول العملية المعقدة والمركبة لتحوُّل الطائفية الاجتماعية إلى طائفية سياسية. كيف حوّل بشارة مؤلَّفه إلى ما يشبه ورشة، نحتَ فيها مفهوم الطائفية؟ وما التقنيات المنهجية التي
استعملها لتحديد مفهوم الطائفية باعتباره المفهوم الرئيس في هذا العمل؟ وما تبعات تحديد المفهوم على النظرية التي صاغها حول الطائفية عمومًا؟ حتى نجيب عن هذه الأسئلة التي يلتف جلُّها حول مفهوم الطائفية، سنسعى أولً لتتبع مسالك تحديد
المفاهيم عند بشارة؛ فالرجل يدرك تمامًا أهمية تحديد المفاهيم بوصفه شرط ا من شروط إنتاج خطاب
علمي حول الطائفية. كما سنعمد في خطوة ثانية إلى عرض ملامح النظرية استنادًا إلى هذه المفاهيم تحديدًا، في علاقة بالمقاربة التي توخاها خلال تناوله مسألة الطائفية؛ إذ لا يمكن أيضًا أن نحدد تلك
المفاهيم من دون الاستناد إلى نظرية ما، نظرًا إلى ترابطهما الوثيق. لذلك، سنعرض أول الإستراتيجية
التي توخاها بشارة في بلورة المفاهيم، وثانيًا النظرية التي اعتمدها، وانعكاساتها في مستوى إعادة قراءة
الظاهرة الطائفية في عالمنا العربي.
أولا: أركان مفهوم الطائفية
يقتضي تحديد المفهوم، وفق ما استقرت عليه الدراسات المتعلقة بالمفاهيم وعلاقة الألفاظ بالمعاني عمومًا – بقطع النظر عن المناهج والمقاربات العديدة، سواء القديمة منها أو الحديثة – ثلاثة أبعاد أشار
إليها كل من أودغن Odgen وريتشاردز Richards في كتابهما معنى المعنى، هي: التسمية، والفهم، والتوسع، وهي الأركان التي توافرت في بلورة مفهوم الطائفية الذي اشتغل به بشارة.
1. التسمية
تنشأ المفاهيم عادة من ألفاظ (مبتكرة أو مركبة) لتسمِّي ظواهر وأشياء أنتجتها المجتمعات قبل أن تُطوَّر
لتغطي أفكارًا ومعاني شديدة التجريد أحيانًا (مثل الحرية، والفردانية). ولا بد لاستواء مفهوم الطائفية
من أن يكون اسمًا يشير إلى شيء ما إشارة لا يدل عليها أي لفظ آخر. لذلك يُفترَض في مفهوم الطائفية
أن يدل حصريًّا وتحديدًا على شيء ما لم تسمِّه كما أشرنا آنفًا ألفاظ أخرى. يقوم ذلك على ضرب من
التطابق، بحيث يكون المعنى بلغة القدامى ساكنًا في المبنى، طردًا وعكسًا، وهذه الوحدة الصماء بين
الدال والمدلول تثبت صلابتها والحاجة إليها، خصوصًا كلما تعلق الأمر بالمفاهيم تحديدًا؛ إذ لا تنشأ
المفاهيم إلا لحاجة دلالية؛ فهي تملأ فراغًا في الذهن واللغة. فما هذا الذي نسميه طائفية؟ هذا هو السؤال ذاته الذي طرحه عزمي بشارة في أكثر من موضع، ضمنيًّا تارة، وصراحة تارة أخرى.
(((المرجع نفسه، ص.14
(9) Charles Kay Odgen & Ivor Armestrong Richards, The Meaning of Meaning: A Study of the Influence of Language upon Thought and of the Science of Symbolism (New York: A Harvest Book/ HBI, 1923).
شتاء winter 2019
يعمد بشارة، حتى يعثر على طبقات المعاني المتراكمة للفظ الطائفة، إلى توخّي مقاربة أركيولوجية، فيها حفر دؤوب يتقصد معنى كل من الطائفة والطائفية وتحولاتهما، و«يتطلب هذا الجهد بحثًا مقارنًا بين بعض النماذج التاريخية». وقد انتقى بعناية فائقة عددًا من النصوص المرجعية، مبتدئًا بالقرآن بصفته أحد النصوص التأسيسية للغة العربية، ويضيف إليها نصًا لاحقًا هو لسان العربلابن منظور، وغيره. «الصنف في اللغة هو الطائفة من كل شيء. وكل ضرب من الأشياء يصنَّف على حدة». وعلى الرغم من أن للألفاظ ذاكرة، برهن عزمي بشارة، من خلال الحرص على إدراك القاع الدلالي السحيق للفظ الطائفة ذاته، على أن التحولات الدلالية لبعض الألفاظ، ومنها الطائفة، قد تكون في شكل طفرات وقطائع لم تزل محل سؤال من جانب مختصي اللسانيات. وبهذا الحفر، يسعى لكشف المفهوم في لحظة تأسيسه الأولى؛ إذ يبدو أن لفظ الطائفة، كما هو مستعمل حاليًّا، لا علاقة له بما كان
يعنيه عند نزول القرآن؛ إذ أضيفت معان ومضامين معيارية لاحقة تعكس مختلف التجارب الحياتية التي عاشتها الجماعة اللسانية كما سنرى لاحقًا. المهم في كل ذلك أن لفظ الطائفة كان في أصله خاليًا تمامًا مما يعنيه حاليًّا، بل إن تلك التحولات الدلالية التي عرفها، أو التي سيعرفها، لم تكن تشير
تقريبًا إلى تلك الدلالة، وهذا ما يبرهن على أن الانفصال الدلالي الحاد كان قد حدث في مجرى تاريخ
اللفظ. يبدأ بشارة في بلورة مفهوم الطائفية على نحو متدرج، كما أشرنا آنفًا، منطلقًا من التعريف وصول إلى المفهوم، مرورًا بالمصطلح؛ فيقول: «الطائفة في الأصل جماعة محلية أهلية. ولكن الطائفية داخل
الدولة الوطنية الحديثة تعني جماعة كبيرة من السكان لا يلتقيها الإنسان في حياته اليومية ولا يتواصل معها بوصفها جماعة مباشرة، بل يتخيلها كأنها جماعة كهذه بالانتماء بواسطة الطقوس والشعائر والأعياد الدينية المتزامنة؛ كما يجري تخييل مصلحة واحدة للطائفة في العلاقة بالدولة لناحية حساب حصتها في الدولة ونصيب أعضائها فيها». وننتهي معه في خاتمة الفصل الثاني تقريبًا إلى استنتاج
مهم، يفيد أن لفظ طائفة كان خاليًا من أي دلالة معيارية، بل لقد كان محايدًا، وربما خاليًا أيضًا من أي
إشارة إلى صنف اجتماعي أو فئة اجتماعية ذات خصوصية ثقافية أو اجتماعية؛ على غرار ما تم اعتماده في المدن العربية إبان العصر الإسلامي الوسيط مع الخلافة العباسية، وتواصل الأمر فيما بعد، تحديدًا مع الخلافة العثمانية، حين تشابك تدريجيًّا التمذهب والتطيُّف مع الدولة السلطانية، و«خلال الحرب
العثمانية – الصفوية التي كرست المؤسستين السنية – العثمانية والشيعية – الصفوية بدءًا من القرن
السادس عشر الميلادي [...] هذه بالضبط أجواء تشَك ل المذاهب ومأسستها؛ وذلك أولً لتثبيت شرعية السلطان، وثانيًا لضبط التدين الشعبي الخارج عن تأثير الحاكم، والذي لا يضمن شرعيته». واستمر
(((1 بشارة، ص.65 (((1 المرجع نفسه، ص.105 (((1 المرجع نفسه، ص.80 (((1 المرجع نفسه، ص.130–129
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
الأمر حتى العصر العثماني إلى منتصف القرن التاسع عشر. غير أن التحولات السياسية والعمرانية تحديدًا هي التي دفعت إلى انتقاء هذا اللفظ وتضمينه ذلك المعنى. على ذلك النحو كانت تلك أولى المحطات الدلالية للفظ، وهي نقلته الحاسمة كما سنرى لاحقًا. لقد حدثت في مجرى تاريخ اللفظ ودلالاته تحولات دلالية لا نجد لها مبررًا موضوعيًّا، حتى غدا
اللفظ دالًّ على أشياء لم يكن يعنيها؛ فقد أصبح دالًّ، مثلً، على الفئات الحِرفية كما أشرنا سابقًا، وهي الخطوة الأولى التي يعتبرها بشارة في معيارية المفهوم، حين يُسَن ضرب من التمييز الاجتماعي ضمن
المنطق الانقسامي نفسه الدال على الفرز الاجتماعي للمجموعات، وهو المعنى الذي ظل ملازمًا
للفظ ضمن الاستمرارية الدلالية التي اشتغل على نحوها. ستتسع دلالة اللفظ اتساعًا يقتضي ضمنيًّا
إقصاء بقية الفئات التي لم يشر إليها. يرسم لفظ الطائفة الحدود، ويسيج جغرافيات ثقافية لمجموعات اجتماعية بعد أن كان قد رسم جغرافية مكانية لتلك المجموعات الاجتماعية حين حصرها في فئات
الحِرَف داخل المدينة العربية منذ بداية العصر العباسي، «حتى الحقب المبكرة من التاريخ الحديث
وتحديدًا مرحلة التنظيمات العثمانية»، ستُلبَّس معان جديدة للفظ القديم، وسيصبح الوحيد القادر
على ذلك. فاللفظ في الأصل، خصوصًا في اللغة العربية، مفردة دالة على معنى قل أن ينافسه فيه لفظ
آخر. وعلى الرغم من تحولات الفضاءات الدلالية، قد يكون لفظ الطائفية ظل محافظ ا على بعض نواته الدلالية المبكرة التي تشكلت ملامحها في الفترة الممتدة بين القرنين الثاني والرابع الهجريين. يمسك بشارة بهذا المنعرج الدلالي البكر والمبكر، ليبني عليه كل ما سيرد لاحقًا من تحولات دلالية عميقة؛ إذ إن اللفظ، وقد غدا مصطلحًا دال على نحو خاص فيما بعد على مجموعة من السلوكات
والتصرفات والقيم الخاصة بمجموعة اجتماعية ما، تخل ص من إرثه من دون أن يهدر ذاكرته الدالة على القلة من الكثرة على غرار ما ورد في القرآن الكريم، أو في أشعار العرب ومعاجمهم، حتى المتأخرة منها. يغادر اللفظ دلالته من دون أن يقطع معها، كما أشار بشارة، وربما ظل هذا النسل الدلالي متواصلً
ضمنيًّا. ولقد اقترن ذلك التحول الدلالي بتطورات العمران العربي – الإسلامي أول، وجملة الصراعات
السياسية التي عرفتها بعض المجتمعات المحلية العربية، أو تدخُّل السلطان العثماني في تقسيم الحرف خصوصًا؛ فلقد كان لهذا الأمر دور في تغيير هذه الدلالة، ليتحول اللفظ فيما بعد تدريجيًا إلى الحقل
الديني مع صعود الصوفية التي شكلت حاضنة للحرف؛ ففي المدينة الإسلامية في العصور الوسيطة، «غالبًا ما تنظمت المهن في زوايا أو طرق صوفية خاصة بها، في ترسيخ للطائفية المهنية كأخوية»،
فالمدينة العربية لم تكن مجرد مجال يحدد أنماط العمارة الجديدة، ولكنها كانت عمارة تنشئ الألفاظ وتعيد تضمينها ضمن سجلات جديدة. لقد جادت المدينة العربية الناهضة التي فيها ازدهرت الصنائع
(((1 المرجع نفسه، ص،.105 (((1 المرجع نفسه، ص.107 (((1 المرجع نفسه.
شتاء winter 2019
والحرف بمعنى جديد وهبته للفظ، فغدا، كما أشار بشارة، مصطلحًا جديدًا، وذلك برهان على حيوية
اللغة وقدرتها على التقاط المعنى. لم يكن المصطلح ترفًا لغويًّا، ولكنه كان حاجة لغوية لنعت المستجد من الظواهر، أي تلك
المجموعات الحِرفية والمهنية التي أبدت تكاتفًا وتضامنًا منقطعَي النظير، قائمين علي قيم جماعية
تؤكد، إلى حد بعيد، وحدة التصور والقيم. يذكر بشارة أن اللفظ كان يُعنى في العصر الوسيط
بوصف الأصناف والحرف المتوارثة التي مثَّلت حجر الأساس في بنية المدينة الإسلامية؛ فلا توجد
مرادفات كما يذهب إلى ذلك ستيفن بنكر. وإذا استعملنا ألفاظ ا متعددة بصفتها مترادفات دالة على الشيء ذاته، فذلك لكسل فينا يعجز عن إدراك تفاصيل تتسع لتصبح فوارق شاسعة أحيانًا تميز الألفاظ بعضها من بعض. ويتأكد هذا الأمر كلما تعلق الأمر بألفاظ اللغة العربية. يقول عزمي بشارة في تفصيل ذلك: «كانت المعاجم العربية دقيقة في شرح الأصل الدلالي للفظ. فبموجب لسان العرب، ‘الطائفة من الشيء: جزء منه’ [...] فالمقصود به فئات على أساس الانقسام إلى جماعات مميزة دينيًّا أو مذهبيًّا أو مهنيًّا». يلخص بشارة هذه التحولات فيقول: «لم يتطور مفهوم الطائفة
من مضمونه الوصفي لتبيان ملامح مضمونه المعياري السلبي إلا في مراحل متأخرة. ويصعب العثور عليها حتى في العصر العباسي الثاني، وتحديدًا القرن الرابع الهجري. لقد تطور المفهوم السلبي للطائفة في ضوء تحولات الاجتماع السياسي الإسلامي بعد نشوء الأمة الإسلامية وتفرقها
إلى ملوك وطوائف بمعنى السلالات الحاكمة. ولاحقًا أ سقط المصطلح السلبي على انقسام الأمة إلى فرق».
2. الفهم
تؤدي المفاهيم جملة من الوظائف؛ لعل أهمها أنها تتيح للفكر إمكان فهم الظواهر وصياغة تصور لها في خطاب معقول؛ فخارج تلك المفاهيم لا يمكن أن تبدو الظواهر الطبيعية وحتى الإنسانية والاجتماعية مفهومة، ففي الكثير من الأحيان بدت المفاهيم بمنزلة نحو Grammaire، وقد بدا هذا جليًّا في المفاهيم الرياضية وغيرها. لذلك، فإن مفهوم الطائفية قد مد البحث بقدرات وكفاءات عالية
لإدراك الوقائع والظواهر على نحو دقيق وصائب، بما يجعل ظاهرة الطائفية ظاهرة قابلة للإدراك والتفسير والتحليل. تشكِّل المفاهيم لغة النظرية تقريبًا؛ فهي التي تمدها بالقدرات التفسيرية للظواهر. لذلك، سيبدو لنا من
خلال هذا العمل أن الطائفية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بغيرها من المفاهيم؛ فهي تمد البحث بقدرات معرفية أدناها شبكة قراءة قادرة على تفسير الظاهرة الطائفية في العالم العربي بدقة، وتوخِّي الوضوح الذي من شأنه تجنب التناقض وكل أشكال الخطأ التي تضر بالنظرية عمومًا.
(17) Steven Pinker, Words and Rules, The Ingredients of Language (New York: Basic books, 1999), pp. 2–3.
(((1 بشارة، ص.103 (((1 المرجع نفسه، ص.189–188
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
3. التوسع
يفيد التوسع الحالات العملية الواقعية التي يغطيها المفهوم، فلئن كان المفهوم بناءً ذهنيًّا تجريديًّا فإن
خصوبته وقدرته تكمنان تحديدًا في إدراك الواقع؛ إذ يكون التجريد في العلوم الإنسانية والاجتماعية
دومًا غير مكتمل، وهذه ليست مذَمة لهذه العلوم، ولكنها إحدى خصوصياتها؛ فهي تحتفظ، بالضرورة،
بارتباطات ضمنية بسياقات فضائية – زمنية. لذا يكون من المهم استعراض الحالات التي يتسع فيها المفهوم ويمتد. غير أنه من المهم أيضًا التعرض للحالات التي لا ينطبق عليها، فهذا التوضيح مهم. ولقد وقف بشارة طويلً على حالات الخلط الكثيرة في الكتابات العربية؛ على غرار الخلط بين
التمذهب والطائفية والفِرَق والجماعات الدينية والإثنية. ولا تزال كتابات عربية كثيرة ترتكب أخطاء
علمية فادحة في هذا الأمر، وهو ما يستوجب التمييز بين كل هذه المفاهيم على الرغم من الصلة الوثيقة بينها، وهذه مسائل سنتعرض لها لاحقًا. ينتهي البحث إلى بلورة رؤية ومنهج وأدوات، بمقتضاها سيبدو التمييز واضحًا بين الطائفية وما شابهها
من مفاهيم وظواهر؛ فالمفهوم في العلوم الإنسانية والاجتماعية ينتهي ملتبسًا بظواهر اجتماعية متعينة.
على سبيل المثال، لن يظل مفهوم الانتحار أو التضامن مثل بناءً ذهنيًّا مجردًا، ولكنه سيتعين في ظواهر
بوسع البحث الميداني أن يجد لها متغيرات ومؤشرات ومحددات وتمظهرات، وذلك ما ينطبق على الطائفية أيضًا؛ فهي مفهوم وظاهرة في الآن نفسه. يتسع المفهوم ويمتد لفهم ظاهرة الطائفية في حالات عربية عدة؛ منها خصوصًا لبنان وسورية والعراق، علاوة على حالات أخرى خارج المجال العربي.
ثانيًا: مفهوم الطائفية في أحواضه الدلالية المفتوحة
يتجه الاعتقاد لدى كثير من اللسانيين إلى أن المضمون لا يتحدد بما تحتويه الألفاظ فحسب، ولكن بما
يجري بينها أولً من علاقات، وما يجري ثانيًا بين تلك الألفاظ ومستعمليها ثانيًا، من خلال حاجاتهم
وسياقات استعمالاتهم لها، وخصوصًا تجاربهم المعيشة، حتى غدا ذلك نظرية لا ترى في المفهوم
مضمونًا إلا ما أودعته التجارب والخبرات المعيشة فيه. لقد بدا ذلك واضحًا من خلال مفهوم
الطائفية كما عرضه بشارة منذ الفصل الأول من الكتاب. إن عزل مفهوم الطائفية عن بقية المفاهيم الأخرى (كالجماعة، والهوية، والإثنية) لن يكون إلا من قبيل الإجراء المنهجي الاحترازي؛ ذلك أن
المفهوم مرتبط ارتباطًا وثيقًا بجملة هذه المفاهيم، وخصوصًا السياقات الحافة بالتحولات الدلالية التي
طرأت عليه. سيبدو مهمًّا إعادة التذكير ببعض البدهيات التي ترسَّخت في البحث العلمي؛ ولعل أهمها ضرورة
التمييز بين التعريفات والمصطلحات والمفاهيم. وهذا التذكير ضروري؛ ذلك أنه كان في إمكان بشارة أن يعرّف الطائفية بإيجاز كما تفعل كتابات كثيرة، ويقدمها منذ الصفحات الأولى، أما أن يخصص لها
بشارة ما يقارب نصف الكتاب، فذلك أمر يحتاج إلى كثير من الفهم والتوضيح؛ حتى نقف على حجم
(20) Yves–Marie Visetti, «Le Continu en sémantique: une question de Formes,» Cahiers de praxématique , no. 42 (2004), pp. 39–73.
شتاء winter 2019
أهمية تعريف المفهوم واستتباعاته النظرية والعلمية اللاحقة؛ فقد ظل بشارة إلى الخاتمة يجتهد في تعريف المفهوم وإعادة تعريفه على نحو مضنٍ في كثير من المواقع، بل حرص على ابتكاره على نحو مغاير. وليس الأمر ترفًا نظريًّا أو ولعًا بالتنظير، ولكنه حاجة معرفية ملحَّة اقتضتها السياقات السياسية
والثقافية في تناول المسألة الطائفية. ولعلنا نستحضر ثلاثة مبررات أشار إليها بشارة صراحة طورًا وضمنيًّا
طورًا آخر؛ لذلك اشتغل بثلاث واجهات من أجل الإلمام بفيض دلالة الطائفية، وهو ما عسَّر مهمة رسم
حدود المعنى التي أشرنا إليها، باعتبارها المهمة الرئيسة في كل عملية مَفهَمة Conceptualisation،
وذلك استنادًا إلى أهمية الرهانات المعقودة على هذا العمل. لقد احتاج بشارة إلى استدعاء شبكة مفاهيمية ضخمة تلتف حول المفهوم الرئيس، أي الطائفية، غير أن الاشتغال بالطائفية – باعتبارها المفهوم الرئيس – يقتضي، كما أشرنا، الاشتغال بمفاهيم أخرى لا تقل أهمية عن مفهوم الطائفية، بالمنهج نفسه والعمق ذاته. وليس هذا الاشتغال من باب التوسع النظري أو المفهومي، كما سنبين لاحقًا، ولكنه ضرورة منهجية وعلمية؛ إذ لا تُنتَزع المفاهيم من سياقاتها المتنوعة، فالمفاهيم هي في الأصل كائنات رخوة ترتبط بغيرها من المفاهيم في أحواض دلالية على نحو يعسِّر على الباحث رسم حدودها، إنها حدود سائلة ومتحركة، ومع
ذلك يظل الاشتغال بالمفاهيم يستوجب في كل هذه الحالات التعرض للنظريات فيما يتعلق بالهوية والجماعات الإثنية والجماعات المتخيلة والمجتمع؛ فالتعرض بالتفصيل لتلك المفاهيم من شأنه أن يمنح القارئ متنًا نظريًّا واسعًا وثريًّا، على نحو يمكن أن يغطي كامل الأحواض الدلالية المجاورة
لمفهوم الطائفية. تغدو المفاهيم وفق هذه المقاربة الشاملة شبكة تُنسَج خيوطها (النص في الأصل اللغوي نسيج)
نسجًا، فتشد مفاهيم الطائفة والطائفية إلى مفاهيم أخرى هي من قبيل المذهب والهوية والجماعة؛
لذلك لما كان العمل عبارة عن أحواض دلالية يفضي بعضها إلى بعض في سيولة وانسياب نظريين،
فقد يشكِّل خطرًا حين يستعصي على الباحث تسييج الحدود القائمة بين المفاهيم حتى نستطيع أن نميز
بدقة بينها؛ لما بينها من جوار ووشائج قربى؛ لذلك أبدى بشارة، وهو يحدد مفهوم الطائفية، انشغالً مماثلً بمفاهيم أخرى لا تقل أهمية عن مفهوم الطائفية؛ لعل أهمها: الجماعة، والمذهب، والإثنية، والهوية؛ فإذا كانت هذه المفاهيم مختلفة عن مفهوم الطائفية، فإنها لا يمكن أن تظل بعيدة عنه بل تبادلت معه معاني كثيرة في سيولة غزيرة أحيانًا، عن دراية أحيانًا وعن غير دراية أحيانا أخرى؛ إذ لا يمكن مثلً أن نعرِّف الطائفية دون استدعاء ما كانت تعنيه الجماعة مثلً. يتبين لنا من عمل بشارة أن دلالة المفاهيم لا يمكن تحديدها إلا في مناخات من السيولة الدلالية التي تيسِّر التبادل والتداخل بين المعاني والمضامين. يقول بشارة معترفًا بعسر المهمة، سواء على
الباحث أو المفهوم ذاته: «رسم حدود جماعة وأتباع دين أو مذهب من أهم مميزات الفئوية الطائفية.
(((2 انظر فصل «نص» في دائرة المعارف الإنسانية. ويذهب رولان بارت هذا المذهب في تعريف النص. وعلينا أن ننتبه لأن لفظ
النص في اللاتينية Textum قد أُطلق أيضًا على النسيج.
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
فالطائفية لا تكون في مرحلة الانتشار والدعوة، بل في مرحلة رسم الحدود ووضع التمايز بين ‘النحن’ و‘الآخرين’ على أساس الفرز نفسه [...] والتمايز على درجات من الاختلاف إلى الصراع الاجتماعي، فالسياسي». ومع إقرارنا بما ذهب إليه بشارة حين أكد في مواضع عدة أهمية استحضار المفهوم في أحواضه الدلالية المفتوحة، فإن الوقوف الصارم على تحديد المعنى اقتضى ثلاث مبادرات منهجية؛ نوجزها فيما يأتي.
1. التمييز بين معاني المفهوم
ترتبط المفاهيم بعضها ببعض، غير أن هذا الترابط يدفع في كثير من الأحيان إلى الالتباس؛ ما يقتضي
الفصل بين معانٍمتشابهة للمفهوم الواحد، تقدَّم أحيانًا على أساس أن بعضها مرادف لبعض. لذلك سعى بشارة لأن يميزها. والتمييز هو شكل من فك الارتباط وإعادة رسم الحدود المتداخلة بين المفاهيم. وقد يكون عسيرًا، كما أشرنا، أن ننجز ذلك في ظل استعمالات منفلتة أو غموض نظري
حقيقي. يقول بشارة في هذا الشأن: «نحن نميز بين الطائفية الاجتماعية والطائفية السياسية، على الرغم من التداخل بينهما في المجتمعات التقليدية ما قبل الحديثة»، ويقول: «الهدف من هذا التمييز هو توضيح المصطلحات نظريًّا. فعلى الرغم من كون هذه الظواهر متداخلة واقعًا وتاريخًا، فإننا نحتاج
إلى هذا التمييز بعد التسليم بتداخل الظواهر، وذلك لتوضيح المفاهيم المنفصلة بغية فهم تداخلها وتمايزها». ويضيف بشارة تمييزًا بين صنفين من الجماعات، وهو تمييز ضمني يرى في الطائفية
هوية وانتماءً إلى الجماعات المتخيَّلة، قائل: «إن مهمة التمييز بين الجماعة والجماعة المتخيلة في
حالة الطائفة هي أكثر صعوبة وتعقيدًا من التمييز بينهما في حالة الأمة، لأنه حتى أصغر الأمم هي جماعة متخيلة». كما يستبعد بشارة أن تكون الطائفية جماعة، بل تحديدًا لجماعة؛ لأن الجماعة تتضمن أكثر من الحدود التي تفصلها عن غيرها. ويشدد أيضًا على ضرورة التمييز بين الطائفية والإثنية: «لقد استخدمت السوسيولوجيا الأميركية مصطلح ‘الإثنية’ [...] لتمييز الجماعات المهاجرة إلى أميركا والمنحدرة من ثقافات وقوميات مختلفة عن الأميركيين الأفارقة من جهة، وعن الأمة الأميركية التي تجمع المواطنين من جهة أخرى». وأخيرًا يقر بشارة بوجود «تشابه بين العنصرية والطائفية، ولا سيَّما
إذا عرَّفنا العنصرية تعريفًا ثقافيًّا. الفرق الرئيس هو أنه يمكن للإنسان، نظريًّا، أن يغير طائفته، ولكن ليس
بإمكانه أن يغير عرقه. ومع ذلك تعدّ العنصرية تركيبًا اجتماعيًا لتكريس الاختلاف وجعله أساسًا لبناء
السياسات والتمييز بين البشر على أساس هذه الفوارق».
(((2 بشارة، ص.121 (((2 المرجع نفسه، ص.64 (((2 المرجع نفسه، ص.101 (((2 المرجع نفسه، ص.79 (((2 المرجع نفسه، ص.82 (((2 المرجع نفسه، ص.123
شتاء winter 2019
2. التفريق بين المفاهيم
لكي يستعيد مفهوم الطائفية صفاءه ووضوحه النظري، يعمد بشارة إلى التفريق بين المفاهيم التي تتشابك معه أحيانًا، ويعوض بعضها بعضًا على سبيل الخطأ، فيُستعمَل مصطلح إثنية بديل من مصطلحي
الأعراق والأجناس، بعد أن تسربت إليه دلالات معيارية شوهت المعرفة الإنسانية والاجتماعية أحيانًا بما في ثناياها من دلالات تَفوُّق عرقي وتحقير للآخرين. يعمد بشارة، على سبيل المثال، إلى التفريق بين مفهوم الإثنية والطائفية، ناقدًا في الآن ذاته تعريف دونالد هورفيتس للإثنية، وذلك استنادًا إلى أمرين اثنين؛ أولهما نظري، وثانيهما تاريخي، من خلال الاستشهاد بافتقاد التطابق في الحالة العربية، وتحديدًا في سورية ولبنان، بين الإثنية والانتماء الديني؛ فهذا التطابق يظل مسألة متغيرة، غير أنها مختلفة كليًّا مع الحالات الأوروبية التي تطابقت فيها الإثنية
والطائفية. ويقدم بشارة تعريفه للإثنية، فيقول: «الإثنية، بحسب تعريفنا في هذا الكتاب، هي جماعة كبيرة من البشر ذات سمات مشتركة، ثقافيًّا غالبًا، يسل م المنتمون إليها بأنها معطيات موروثة بسبب
أصل مشترك، وهمي غالبًا، أو تاريخ مشترك، وللدقة ذاكرة تاريخية مشتركة (تشمل تذكرًا ونسيانًا،
وحقائق وأوهامًا، وتاريخًا صحيحًا ومتخيلً»). ويعمد بشارة إلى التفريق بين العصبية والطائفية أيضًا؛ فالعصبية بالمعنى الخلدوني تظل مؤقتة وعارضة حين يتم شدها إلى الدولة تحديدًا. يقول: «الفرق بين الطائفية والعصبية الخلدونية في علاقتهما بالدولة». وعلى المنوال نفسه يميِّز عزمي بشارة بين الفئة والطائفة، فيقول: «وبهذا المعنى، فإن
الفرق بين الفئة والفئوية، والطائفة والطائفية، هو بالضبط أن الفئوية والطائفية ترسمان الحدود، وتُنتجان جماعة من خلال رسم الحدود ذاتها، جماعة متخيلة. وذلك خلافًا للجماعة العضوية التي تُنتج هي حدودها من الخارج».
ثالثًا: إجرائية مفهوم الطائفية
لم يكتفِ بشارة بتدقيق المعنى وتحديد دلالة مفهوم الطائفية؛ وذلك لاعتقاده أن ظاهرة الطائفية تتحدد «بالسياقات التاريخية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبدرجة التنافس والصراع بين قوى اجتماعية، وأنماط الوعي السائد خلال الصراع، وهي متبدلة ومتغيرة، أي إنها ليست نفسها في كل مرحلة تاريخية».
(((2 ذكر بشارة تعريف دونالد هورفيتس للإثنية، فكتب: «يشمل هورفيتس في تعريفه للإثنية الفوارق المعرَّفة باللون واللغة والدين
أو أي صفات أخرى تتعلق بأصل مشترك»، انظر: بشارة، ص.83 (((2 المرجع نفسه، ص.85 (((3 المرجع نفسه، ص.17 (((3 المرجع نفسه، ص.89 (((3 المرجع نفسه، ص.302
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
لهذا حرص المؤلف على اختبار قدرة المفهوم على فهم الطائفية في الواقع العربي حتى تبرز تعبيراته وممارساته العملية، وعلى هذا النحو لن يظل المفهوم مجرد بناء تجريدي لا صلة له بالواقع. وهذه المراوحة المضنية أحيانًا بين التجريد الذهني والواقع الاجتماعي بتعقيداته هي التي تجعل المفهوم خصبًا قادرًا على جعل الواقع مقروءًا. من وجهة نظر الطائفية، يقول مثل: «ساهمت الطائفة، بهذا
المعنى، في تحديد شخصية المواطن الاجتماعي والفضائل التي يُفترَض أن يصبو إليها، والأخلاق
والمعايير التي يلتزمها. فالجماعة التي ينتمي إليها الإنسان، ليس كفرد بل بوصفه عضوًا في جماعة،
تحدد أيضًا المتوقَّع منه، ومناقبه المرجوة، وسلوكياته، إنها مرجعية الفضائل». ويضيف مدققًا خصوصيات السياقات العربية التي يمكن أن تمنح مفهوم الطائفية كفاءة في قراءة الواقع الطائفي: «الطائفة تتبلور بداية حول صياغة محددة للعقيدة والعبادات والشعائر والمؤسسة الدينية، ولكن الانتماء إلى الطائفة الدينية يكون غالبًا انتماءً قائمًا بذاته، حتى عند أوساط نسيت العقيدة[...]
وربما تصبح هذه الهوامش هي القاعدة وهي الأغلبية». ويضيف بشارة في تفصيل القول حول هذا المفهوم في السياق العربي: «ولا شك في أن المقصود بالطائفة هو جماعة منتمية إلى دين أو مذهب. ولكنها في الحالات العربية موضوع بحثنا خلّفت النقاش المذهبي من ورائها، واستمرت كطائفية، كانتماء إلى جماعة يشبه القبيلة كثيرًا». إن المراوحة المضنية والمستمرة بين التجريد الذهني والوقائع التاريخية الاجتماعية تثري المفهوم، وذلك ما حرص عليه بشارة؛ إذ ظل يتردد باستمرار بين أقصى التجريدات الذهنية وأدق التفصيلات التاريخية المتعلقة بالطائفية، وخصوصًا خلال عرض التجارب التاريخية في العصر الوسيط، ومثال ذلك تنظيم
الحِرف والمهن في المدينة العربية خلال العصور الوسيطة، والفِرق الدينية في الحضارة الإسلامية، والمذاهب الدينية في أوروبا، والاحتراب الطائفي والنزاعات الطائفية في العالم العربي راهنًا. وعلى هذا الأساس، تتجلى إجرائية مفهوم الطائفية كما صاغه بشارة في ثلاثة مستويات: • تعيين الظاهرة؛ فالطائفية – وهي المفهوم النظري كما وقفنا على خصائصه – تتجسد في ظاهرة تاريخية اجتماعية لها تعبيراتها السلوكية والشعورية الفردية والجماعية. إنها تضامن وعنف، تمرد وتعصب، مجموعة من السلوكات الفردية والجماعية تجسدت تاريخيًّا في جملة من الانتماءات
الحادة والانتفاضات والتحركات التي لم تَخْلُ من عنف، خصوصًا في العقود الأخيرة، كلما تعلق
الأمر بالطائفية السياسية الحديثة التي نشطت فيها حركة الاستثمار في صناعة الطائفية. لقد غدا التطييف إحدى الإستراتيجيات التي ترسمها الجماعات الاجتماعية من أجل احتلال مكانات محددة في حقل السلطة عمومًا، والدولة بشكل خاص. ويسجل المؤل ف جملة الإخفاقات التي يقول بشارة
إنها: «خطر الطائفية السياسية. لقد حوَّل الدين الصراع القبلي إلى مذهبي، وحولت السياسة الحديثة
(((3 المرجع نفسه، ص.107 (((3 المرجع نفسه، ص.113 (((3 المرجع نفسه، ص.114
شتاء winter 2019
(المعلمنة) والصراع على الدولة الخلافات الممذهبة إلى قبائل حديثة، لكنها متخيلة، وهي الطوائف الشيعية والسنية». • يكون تقدير الظاهرة وقياسها أحيانًا عبر جملة من المؤشرات والمتغيرات الدالة (الشعور بالانتماء القوي إلى الطائفة، والتعصب لها، والشعور بالمظلومية، ونبذ الآخر الطائفي واعتباره خطرًا) بلغة علم
الاجتماع، وهي تقنيات منهجية تجيز لنا تحديد ما هو طائفي وما هو غير طائفي، فضل عن تمييزها من جملة من أشكال الانتماءات الاجتماعية المختلفة، وخصوصًا ما يتعلق بالجماعات الأولية، كالدين،
والمذهب، والقومية، والإثنية. وقد استفاد بشارة كثيرًا من المعطيات الإحصائية الثرية التي راكمها
المؤشر العربيخلال سنوات عديدة خصص فيها حيزًا مهمًّا للمسألة الطائفية. • بناء أنماط مختلفة للطائفية تأخذ في الاعتبار خصوصيات معقدة يكون فيها تاريخ المجتمع المحلي إحدى مواد بناء تلك الطائفيات؛ حيث بدا واضحًا أن الطائفية اللبنانية تختلف عن الطائفية العراقية
وغيرها.
رابعًا: من إعادة تعريف مفهوم الطائفية إلى ابتكاره
لا شك في أن بشارة قد واجه حالة من التسيب المفاهيمي المعمم، راج فيها استعمال مفهوم الطائفية من دون ضابط، لذلك رسم لعمله هذا منهجًا قائمًا على أربعة أركان، تجل ت في هذا العمل؛ فبناء
المفاهيم يستدعي عادة جهدًا نظريًّا كانت مداراته، كما تعرضنا لها سابقًا، هي: • التمييز، أي الوقوف على الفويرقات Nuances النظرية والالتباسات والتعقُّدات والتفاصيل المضللة أحيانًا بين مفهوم وآخر شبيه به أو مرادف له قد شاع خطأ استعماله، وخصوصًا في ظل التناول
الإعلامي لمسألة الطائفية وغيرها؛ حيث يستعمل «الخبراء» في الجملة الواحدة سيل من المفاهيم
التي تُقدَّم خطأً؛ كأنها متطابقة. • التفريق بين مفهومين أو أكثر شاع أن أحدهما يعوض الآخر، والحال أنهما مختلفان ولا يتطابقان. فيخيَّل إلينا من فرط ذلك أن مفهوم الغير هو الآخر مثلً، وأن مفهوم اللغة هو اللسان، وأن الطائفة هي
المذهب أو الجماعة الدينية. • الوقوف على الترابط الضروري بين المفاهيم، واستحضار الشبكة المفاهيمية، واستعادة كل، يَّتها
تجاوزًا لما شهدته من تمزيق أخلَّ بوحدتها الدلالية؛ إذ لا يمكن أن نعرِّف مفهوم الحداثة من دون
استحضار مفهوم العقلانية أو الفردانية مثلً، وهذا ما ينطبق أيضًا على مفهوم الطائفية الذي يحتاج إلى استحضار مفاهيم أخرى على غرار الهوية، والجماعة المتخيَّلة؛ فالمفاهيم، إذ تُحدَّد، ينفتح بعضها
على بعض في الوقت ذاته في مفارقة عجيبة. ولا يعني تحديد المفاهيم تسييجها وغلقها ومحاصرة ديناميكيتها المتجددة، ولكنه يعني التفطن إلى تلك الأبواب المشرعة التي تتنافذ فيها الدلالات وينفتح بعضها على بعض.
(((3 المرجع نفسه، ص.408
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
• بلورة مدلول جديد للمفهوم، وإعادته إلى صفائه النظري المطلوب؛ إذ انتهى عزمي بشارة، كما سنبين لاحقًا، إلى إعادة المفهوم إلى مداره الدلالي، وذلك بتخليصه من الالتباسات التي أفسدت وضوحه وعمقت غموضه. والحق أن هذا الأمر لم يكن يسيرًا، ولا سيَّما في ظل مسألة طائفية عربية معقَّدة
ومركَّبة، لذلك اختار بشارة في الكثير من المواضع شد المفهوم إلى السياقات التاريخية المتعرجة والمركبة؛ فعاد مثل إلى العصور الوسيطة للمدينة العربية الإسلامية، وتعقُّد التطورات الحاسمة التي عرفتها منطقة الشام في العصور الحديثة، وانتهى إلى تفجُّر الطائفية بمعناها السياسي مؤخرًا في
العراق ولبنان وسورية. وإضافة إلى البعد البيداغوجي الذي جعل الاشتغال بالمفاهيم التي هي في الأصل مجردة خالصة أمرًا لا يخلو من واقعية، فإن هذه الواقعية لا تُدرَك إلا في ضوء تلك المفاهيم
التي كانت تجريدات نظرية لها تجذيرات واقعية؛ فالتنظير هنا ليس التجريد الذي يقطع صلته بالواقع، ولكنه تلك التجريدات الذهنية التي تجعل الواقع مقروءًا على نحو عقلاني خالص. وهذه المسائل
سنعود إليها بكثير من التحليل حين نتعرض لنظرية بشارة حول الطائفية. وأخيرًا، انتهى بشارة إلى ابتكار مفهوم جديد عبر مفاعيل إعادة التعريف ومنح الدلالة؛ إذ إنه لم يُنْهِ
ما تشكَّل من مفاهيم جاهزة، وخصوصًا فيما يتعلق بالطائفة والطائفية، ولكنه أعرض عنها، إما كليًّا أو
جزئيًّا، مفضل أن يُعرِّفها تعريفًا آخر في ابتكار جديد، آخذًا في الاعتبار التحولات الدلالية التي شهدها
المفهوم، وتطورات العلوم الاجتماعية والسياسية من جهة، وتعقُّد المسألة الطائفية في العالم العربي من جهة أخرى. وهي ثلاثة محددات أفضت في النهاية إلى ابتكار جملة من المفاهيم؛ لعل أهمها مفهوم الطائفية. هذه هي جملة الآليات التي اشتغل وفقها بشارة في صياغة المفاهيم وبلورتها من حيث هي تنظيمات نظرية، ومن حيث هي محركات التنظير التي عادة ما تعتمد في مثل هذه المشاريع. على هذا النحو يخلص عزمي بشارة إلى تحديد مفهوم الطائفة من حيث هي «جماعة تقوم على أساس الانتماء إلى دين أو إلى مذهب مصوغ أيديولوجيًّا، بما في ذلك الوزن الكبير لعناصر التخيل
في الأيديولوجيا [...] ودور هذه العناصر في إنتاج السرديات وإدراك الذات من خلال الانتماء إلى جماعة». غير أن التحديد يظل جزئيًّا، وينزل إلى مرتبة التعريف Définition، إذا لم نضف إليه جملة
الوظائف العملية التي تؤديها الطائفية. يقول بشارة: «إنّ مهمة الطائفية الأولى هي استدعاء الانتماء الطائفي لدى الفرد، ومنح الانتماء هذه المعاني، وفي مقدمتها ال ‘نحن’، ودائمًا مقابل ال ‘هم’. يحتاج
ذلك إلى أدوات مثل استثمار الماضي، وفرض سردية محددة عليه واستخلاص رموز ومنحها معاني جديدة وكذلك صنع رموز في الحاضر، مثلما تشكلت الطائفية الدينية في الماضي من إيمان بدين أو مذهب، وطقوس دينية مشتركة تعيد تصوير العقيدة وتتيح للفرد ممارستها». ويُدفَع هذا المفهوم إلى أقصاه التجريدي حتى يبلغ مرتبة البراديغم تقريبًا: «الطائفية داخل الدولة
(((3 المرجع نفسه، ص.302 (((3 المرجع نفسه، ص.80
شتاء winter 2019
الوطنية الحديثة تعني جماعة كبيرة من السكان لا يلتقون في حياتهم اليومية، ولا يتواصل معهم الإنسان مباشرة، بل يتخيلها كأنها جماعة بالانتماء بواسطة الطقوس والشعائر [...] في علاقة بالدولة، وتخييل ماضٍ مشترك للطوائف [...] مظلوميات، وشهداء أبطال [...] وأماكن مقدسة دينية أو علمانية[...] وتنمية ذاكرة مشتركة حيّة لا علاقة لها بالتاريخ الحقيقي». لا يمكن حينئذ أن نستحضر مفهوم الطائفة من دون شده إلى الجماعة المتخيلة، وهو ما يدل على
ضرب من القطع الدلالي مع المتداوَل خطأً من المفهوم. ويشير بشارة في هذا السياق إلى أن «الطائفة
الدينية كما نستخدم المفهوم هنا، قد تكون جماعة، وربما تكون جماعة متخيّلة، والمهم أنها جماعة
تميِّز نفسها عبر الانتساب إلى العقيدة أو المذهب، إذ تعده محددًا اجتماعيًّا وسياسيًّا ذا أهمية. وهي
تتحول في المجتمعات المتدينة، والمتعددة الديانات في الوقت ذاته، إلى كيان اجتماعي – سياسي له دور في المجال العمومي». على هذا النحو ينغرس المفهوم مجددًا في منابت نظرية جديدة تفتح
أفقًا لفهم ما يجري على نحو مختلف تمامًا؛ فإذا كان الناس قد ألفوا أن الطائفة تنشئ الطائفية، فإن
العكس صحيح تمامًا، وهو معنى القلب الذي انتهي إليه بشارة؛ أي إن الطائفية تخلق الطوائف.
خامسًا: الطائفية من المفهوم إلى النظرية
يقول بشارة: «يهدف هذا البحث إلى تطوير نظرية تتناول علاقة الطائفة بالطائفية ونشوء الطوائف المتخيلة»، ويضيف معلنًا طموحه النظري: «نحاول في هذا الكتاب تطوير نظرية في الطائفية وعلاقتها بالطائفة من جهة، ونشوء الطوائف المتخيَّلة من جهة أخرى». إن النظرية الصلبة لا تفصل بين المفاهيم والتعريفات والتطبيقات العملية لها؛ فهي مطال بة أولً بأن تفسر وتبرر الترابط الضروري بين المفاهيم المستعمَلة في كامل النظرية، حتى لا تكون مشتتة متناثرة،
وهي مطالَبة ثانيًا بتبيان قدرة تلك المفاهيم على فهم الظواهر والوقائع والأحداث المدروسة. لا تكمن صلابة النظرية وصوابها في قدرتها على عرض المفاهيم بالدقة والصرامة المطلوبتين فقط، مع ما يقتضيه ذلك من تعريفات وتجريدات ومراوحة ثرية بين النظر والعمل، ولكن في القدرة على تفسير الظاهرة المدروسة أيضًا، وهي الطائفية في هذه الحال؛ ففي العلوم الاجتماعية، يكون التفسير قائمًا
على العثور على جملة الانتظامات والمتغيرات المتحكمة في الظاهرة المدروسة، أي جملة القوى والفاعلين الاجتماعيين الذين يحددون إنتاج تلك الظواهر ويكيفونها ويمنحونها معنى. فدلالة الطائفية خلال القرن التاسع عشر مثلً ليست نفسها في العقود الأخيرة، وتحديدًا منذ سقوط النظام العراقي واحتدام الصراع السني – الشيعي.
(((3 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه، ص.122 (((4 المرجع نفسه، ص.79 (((4 المرجع نفسه، ص.19 (((4 المرجع نفسه، ص.63
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
تنهض النظريات عمومًا على ركنين اثنين، أشرنا إليهما سابقًا، هما: المفاهيم، والتفسيرات، أي تلك
الكفاءة والجدارة العلمية التي تيسر للمفهوم إدراك الواقع أو تفسيره على وفق المقاربات المتبعة، سواء أكانت كمية أم كيفية. وبصفة عامة، لا يتأسس المفهوم إلا داخل لغة علمية تستمد من النظرية مفرداتها ومنهجها. يختلف المفهوم في مجال العلوم عمومًا عن المفهوم في اللغة المتداوَلة العادية، بل يتناقض معه؛ إذ
تجري فيها أشباه مفاهيم لا تفسر الظواهر، ولكنها تعتِّمها، ولا تعين على الفهم، بل تضلل الفكر أصلً. وحتى يستوفي المفهوم شروط علميته، لا بد أن يكون دقيقًا واضحًا خاليًا من التناقض والالتباس، أي
له معنى واحد، ولا يمكن أن يجمع معنيين متناقضين متباينين؛ فالمفاهيم لا تولد على شكل فطريات لغوية أو طحالب، ولكنها ابتكار ونحتٌ واشتغال نسَقيٌّ حذر، تُوَل د فيها المفاهيم توليدًا. لذلك ينكب
جهد بشارة على التوضيح؛ إذ سعى لإجلاء ما غمض أو التبس في مفهوم الطائفة وبقية المفاهيم التي ترابطت أو تشابكت معه، إما صوابًا وإما التباسًا، وهي التباسات ناجمة عن سوء استعمال خطاب
الطائفية من دون ضابط حتى صارت الكلمة دالة على الشيء وعلى نقيضه. وهو أمر لا يخلو من مكر أحيانًا؛ فقد يكون ذلك إستراتيجية قائمة على إفراغ المفهوم من دلالته، وتمييع محتواه، وإعادة شحنه حتى يفقد حدَّته الدلالية ويتيسر أمر توظيفه في ظل تهييج متصاعد لمفردات الطائفة ورموزها، وذلك ما وصفه بشارة ب «التطييف.» ومع ذلك، تنقسم المفاهيم في العلوم الاجتماعية والإنسانية عادة، إلى قسمين: مفاهيم نظرية «محضة» ومفاهيم إجرائية؛ فإذا كانت الأولى تتجه عمومًا إلى التجريد المطلق الذي يتم تعديله وتدقيقه، ولو
مؤقتًا، بمقتضى تعقُّد الحالات الواقعية، كما هي الحال في الرياضيات أو علوم المنطق عادة، فإن
الثانية تستند إلى مسلَّمات نظرية، ولكنها تكون دليلً موجهًا للملاحظة ولقراءة الظاهرة الاجتماعية
المدروسة، فضل عن استخلاص النتائج. وقد اشتغلت المفاهيم التي عرضها بشارة ضمن هذه الثنائية؛ إذ بدأ بعرض مفاهيم نظرية محضة، استنادًا إلى مدوَّنة نظرية عمومًا، متجذرة في متون نظرية غربية
عدة لا يتسع المقال إلى سردها جميعًا، ولكنه توقف توقفًا خاصًّا على المساهمة الفيبرية التي لا
يعتقد أنها قادرة، على الرغم من أهميتها، على فهم راهن الطائفية. لذلك وجه بشارة نظره إلى رصد تعبيرات الطائفية وممارساتها في المجتمعات الغربية والعربية. وهو ما يمثّل جهدًا بحثيًّا مهمًّا، وزَّعه
على التاريخ الوسيط والحديث والمعاصر، ليقرأ وينتقي من كل ذلك أحداثًا مهمة في تطور الظاهرة الطائفية؛ فالمفاهيم الإجرائية تتجه إلى قيس درجة الانطباق مع خصوصيات المجتمعات، وسماتها الذاتية. ولا شك في أن قارئ الكتاب يقف على خصوصيات ميلاد الطائفية في المجتمعات العربية، وخصوصًا تلك التواريخ المهمة التي شكلت منعرجات حاسمة، يذكر منها بشارة في القرن العشرين
حصريًّا: ثورة العشرين بالعراق، وحكومة البعث بكل من العراق وسورية، والحرب العراقية – الإيرانية،
وسقوط النظام العراقي، والثورة السورية، وغيرها. وعلى الرغم من تلك الثنائية التي تسم المفهوم (النظري والإجرائي)، لا يدعو كثير من الباحثين إلى
شتاء winter 2019
الفصل بين هذين المفهومين، بل يعدُّونهما مترابط ين؛ فهما، من وجهة نظرهم، بمنزلة الوجه والقفا في النظرية. إن دأب النظرية في العلوم الإنسانية والاجتماعية أن تسعى تحديدًا لفهم الظواهر المدروسة، بقطع النظر عن طبيعة النظرية وخلفياتها الميتا–نظرية؛ فالنظرية تظل تفسيرًا أو محاولة فهم، وهي تستدعي
بالضرورة جملة من المفاهيم؛ إذ لا يمكن أن نستند إلى نظرية أو نصوغها من دون استدعاء جملة من المفاهيم. وإننا لنؤيد رأي من يرى أن أهمية النظرية تعود إلى صرامة صياغة المفاهيم التي تكوِّنها،
لذلك يربط بشارة منذ استهلال كتابه طموحه النظري بما سيعيد تعريفه من مفاهيم تصل في الكثير من الأحيان إلى درجة نحتها من جديد، وإعادة صياغتها على نحو ابتكاري. إن النظرية ليست في النهاية سوى جملة المفاهيم التي يسعى من خلالها البحث لتفسير ظاهرة ما،
وهي مترابطة ترابطًا وثيقًا ودالًّ يمكِّن من تفسير الظاهرة (أو فهمها) على نحو تبدو فيه معقولة خالية من الغموض والالتباس. لقد استعرض عزمي بشارة جملة من النظريات المختلفة والمتنوعة، حتى غدا الكتاب أحيانًا مناظرة
لأهم منظِّري الهويات الجماعية (فرق، وطوائف، وإثنيات، وجماعات متخيلة)؛ مثل ابن خلدون، وماكس فيبر، وأنتوني سميث، وبندكت أندرسن، وفرديناند تونيز، وجان بروار، وغيرهم، وهو ما أضفى على العمل متانة نظرية، ولا سيما بما أبداه بشارة من نقد لبعض الأطروحات ذات الرواج الواسع، ونخص بالذكر أطروحة ماكس فيبر حول «السكت» Secte، وهو ما اقتضى منه التعرض لأهم النظريات السوسيولوجية وحتى الفلسفية التي تناولت تشكل الجماعات وعلاقاتها بالمجتمع الأشمل، ومسألة الهوية، وخصوصًا في سياقات عربية اتسمت بضعف ثقافة المواطنة، وضعف الدولة، وانحسار الفضاء
العمومي، وصعود الهويات التحتية الأخرى، ومنزلة الفرد، وتوظيف الطائفية في الصراعات الإقليمية والدولية. يقول بشارة: «الطائفة الدينية كما نستخدم المفهوم هنا، قد تكون جماعة، وربما تكون جماعة متخيلة، والمهم أنها جماعة هوية تميز نفسها عبر الانتساب إلى العقيدة أو المذهب، إذ تعده محددًا
اجتماعيًّا وسياسيًّا ذا أهمية. وهي تتحول في المجتمعات المتدينة، والمتعددة الديانات في الوقت
ذاته، إلى كيان اجتماعي – سياسي له دور في المجال العمومي، وقد يتصدر مجموعة الانتسابات (أو الهويات لمن يشاء استخدام هذا التعريف) التي تحدد تعريف الفرد لذاته، وتحدد سلوكه، وموقف الآخرين منه بسبب انتمائه إلى طائفة بعينها». لقد وسَّع عزمي بشارة مفهوم الطائفية الذي هو دال في أصله على جماعات ضيقة (أقلية)، ففتحه على
فضاءات مادية ورمزية شاسعة ضِمن تحولات كبرى شقَّت قرونًا طويلة من الاجتماع العربي الإسلامي، فانتهي إلى تجديد المتن النظري لمفهوم الطائفة وجملة المفاهيم الأخرى المجاورة لها، وحتى تلك التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة (كالصراعات الإقليمية والدولية)، حتى انتهى نظريًّا إلى اعتبار الطائفة
جماعة متخيلة، وقل ب تلك البدهية المتهافتة التي ترى أن الطائفة تُنتج الطائفية، فإذا بنا نكتشف عكس
(((4 المرجع نفسه، ص.122
قراءة يف الحقل الدلالي وتحول: لى الابتكار إ فيرتعلا ةداعإ نم
ذلك، أن الطائفية تنتج الطوائف. وهذا القلب الخطير يقوم على اعتبار أن الوقائع في الفضاء الذهني هي التي تشكّل العالم. ولعلنا بهذا نتجه إلى إنزال نظرية بشارة في الطائفية ضمن تيارات الأنثروبولوجيا الثقافية التأويلية.
خاتمة
تقوم الإستراتيجية التي اعتمدها بشارة في تعريف/ إعادة تعريف مفهوم الطائفية على السعي لمحاصرة المفهوم من جهات متعددة؛ لعل أهمها مَنْفَذا اللغة والسياقات التاريخية والسياسية بالمعنى
السوسيولوجي للكلمة؛ فاللفظ في الأصل، مهما حقق مفهومه من تحولات، يظل حامل لبصمات المعنى اللغوي الذي سكنه من حيث هو مفردة قبل تحولاته الدلالية التي عرفها بصفته مصطلحًا
أو مفهومًا. لذلك يعيدنا بشارة إلى أصل اللفظ. لقد غطى عمل بشارة فيما يتعلق بمفهوم الطائفة
تلك الفضاءات الدلالية الشاسعة الممتدة من التعريف الأدنى للمفهوم du minimale Définition
concept إلى التعريفات العليا منه، أي تلك المفاهيم التي بُنيت ضمن تحولات دلالية مهمةِ. لقد تبينت من خلال عمل بشارة أدوات التفكير الضرورية التي لا يمكن أن ينتُج في غيابها خطاب
علمي؛ فحين يخلو الخطاب حول الطائفية من المفاهيم مثل، ينحدر التفكير إلى مرتبة الانطباع والحس المشترك. لقد بدأ عزمي بشارة مؤلَّفه الطائفة، الطائفية الطوائف المتخيلة، بالإشارة إلى التباس مفهوم الطائفية، مفسرًا ذلك بأن استعمالاته وسَّعت معناه والتباساته على نحو يستدعي تعريف المفاهيم، وهو عمل
شاق لا يقل مشقة عن ابتكار مفاهيم جديدة؛ فابتكار المفهوم يتيح لناح ته حرية تضمينه المعنى الذيِ يشاء، غير أن إعادة تعريف المفاهيم تواجه صعوبة تحريرها من معانيها ودلالاتها التي سبق أن جرت على الألسن، مقاوِمة كل جهود إعادة ضبط الدلالة. ومع ذلك، ينتهي القارئ – بعد رحلة شاقة وممتعة في تتبع تحولات معاني الطائفية ودلالاتها وممارساتها ضمن منهج منفتح على سياقات مختلفة وأخرى متشابهة – إلى نتائج دقيقة تميز الطائفية من غيرها من الانتماءات، وتُجذ رها في متن نظري متين، لا يكون تجريدًا محضًا، ولا وصفًا لوقائع وأحداث، ولكن مراوحة خصبة بين هذين البعدين الضروريين في كل تنظير عميق. قد يستكثر البعض تخصيص بشارة أكثر من نصف مؤلَّفه الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة، لشبكة المفاهيم المعقدة الملتفة حول مفهوم الطائفية وما جاورها، ولكن علينا أن نتذكر ما كتبه باتريك شامبانيو في تقديمه المطوَّل لعدد من مجلة علمية مرموقة بعنوان «مفهوم الحقل» الذي كان قد
أسسه بيير بورديو؛ حيث يرى أن بلورة مفهوم الحقل قد استغرقت من بورديو أكثر من ثلاثة عقود تقريبًا،
عرف فيها الباحث ترددًا وحيرة وتراجعًا وإعادة تعديل مستمرة. كان بشارة حتى آخر صفحات مؤل فه هذا
(45) Pierre Bourdieu, «Séminaires sur le concept de champ, 1972–1975,» Introduction de Patrick Champagne, Actes de la recherche en sciences sociales , no. 200 (2013), pp. 4–37.
شتاء winter 2019
منشغلً بالمفهوم؛ لأنه على يقين بأن الطائفية تحتاج منه كل هذا التردد والحيرة والشك والحذر، وقد يعود مرة أخرى لإعادة مساءلتها مجددًا من حيث هي مفاهيم ومعتقدات وممارسات في سياق عربي
كل مؤشراته تؤيد فرضية تصاعدها.
References
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة. بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 العروي، عبد الله. مفهوم الإيدولوجيا. ط 8. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2012.________ مفهوم الحرية، ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2012.________ مفهوم العقل. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2012.________ مفهوم التاريخ. ط 5. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2012.________ مفهوم الدولة، ط 10. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2014
الأجنبية
Bourdieu, Pierre. «Séminaires sur le concept de champ, 1972–1975.» Introduction de Patrick Champagne. Actes de la recherche en sciences sociales. no. 200 (2013). Geertz, Clifford. «La description dense.» Enquête. no. 6 (1998). 15/7/2013. at: https://bit.ly/2C0mM7m Odgen, Charles Kay & Ivor Armestrong Richards. The Meaning of Meaning: A Study of the Influence of Language upon Thought and of the Science of Symbolism. New York: A Harvest Book/ HBI, 1923. Passeron, Jean Claude. Le raisonnement sociologique: L’espace non poppérien du raisonnement naturel. Paris: Nathan, 1991. Pinker, Steven. Words and Rules, The Ingredients of Language. New York: Basic books, 1999. Visetti, Yves–Marie. «Le Continu en sémantique: une question de Formes.» Cahiers de praxématique. no. 42 (2004).