التحولات الاجتماعية التاريخية لمدينة المنامة: معادلات الديموغرافيا والأسلمة والتسويق
Transformations of Manama: Equations of Demography, Islamization and Commercialization
الملخّص
تتناول الدراسة كيف أسهمت عوامل كثيرة، بداية من كساد تجارة اللؤلؤ واكتشاف النفط إلى الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينيات، في النمو العمراني الكبير والمتسارع لمدينة المنامة في البحرين، وكيف فتح هذا النمو الباب واسعًا أمام قدوم أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية الفقيرة وغير المدرّبة ومن أبناء الطبقة الوسطى، راحت تزحف فارضة وجودها المهيمن على الجزء الأكبر من المدينة القديمة وضواحيها. وجدت الدراسة أنه، في خضمّ هذه التحولات، شهدت الساحة السياسية ديناميكية غير مسبوقة، أهمها نمو تيارات الإسلام السياسي بعد انحسار المدّ القومي واليساري، وبروز تحديات ثقافية تتعلق بالهوية البحرينية، ومحاولة تحويل المنامة القديمة إلى وجهة أساسية للسياحة الداخلية والخارجية.
Abstract
Abstract: This study explores how many factors, beginning with the recession of the pearl trade and the discovery of oil to the oil boom since the mid–1970s, contributed to the rapid urbanization of the Bahraini capital Manama. It looks at how this growth has opened the door to the arrival of large numbers of foreign workers, including the poor, unskilled or middle class, who have been inching towards having the dominant presence in much of the old city and the surrounding area. The study found that in the midst of these transformations, the political arena witnessed new, unprecedented dynamics, the most important of which was the growth of political Islam currents after the decline of nationalist and leftist trends, the emergence of cultural challenges related to the Bahraini identity, and the attempt to transform old Manama into a popular destination for domestic and foreign tourism.
- الإسلام السياسي
- الديموغرافيا
- العمالة الأجنبية
- التيارات الشيعية
- Foreign Employment
- Political Islam
- Shia Currents
- Demography
ملخص: تتناول الدراسة كيف أسهمت عوامل كثيرة، بداية من كساد تجارة اللؤلؤ واكتشاف النفط إلى الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينيات، في النمو العمراني الكبير والمتسارع لمدينة المنامة في البحرين، وكيف فتح هذا النمو الباب واسعًا أمام قدوم أعداد كبيرة من
العمالة الأجنبية الفقيرة وغير المدرّبة ومن أبناء الطبقة الوسطى، راحت تزحف فارضة وجودها
المهيمن على الجزء الأكبر من المدينة القديمة وضواحيها. وجدت الدراسة أنه، في خضم
هذه التحولات، شهدت الساحة السياسية ديناميكية غير مسبوقة، أهمها نمو تيارات الإسام السياسي بعد انحسار المدّ القومي واليساري، وبروز تحديات ثقافية تتعلق بالهوية البحرينية، ومحاولة تحويل المنامة القديمة إلى وجهة أساسية للسياحة الداخلية والخارجية.
Abstract: This study explores how many factors, beginning with the recession of the pearl trade and the discovery of oil to the oil boom since the mid–1970s, contributed to the rapid urbanization of the Bahraini capital Manama. It looks at how this growth has opened the door to the arrival of large numbers of foreign workers, including the poor, unskilled or middle class, who have been inching towards having the dominant presence in much of the old city and the surrounding area. The study found that in the midst of these transformations, the political arena witnessed new, unprecedented dynamics, the most important of which was the growth of political Islam currents after the decline of nationalist and leftist trends, the emergence of cultural challenges related to the Bahraini identity, and the attempt to transform old Manama into a popular destination for domestic and foreign tourism.
Professor of Cultural Studies in the Department of Social Sciences/Faculty of Arts, University of Bahrain.
ربيع Spring 2019
أسئلة المشهد الإمبريقي
في عام 2004، قررت طائفة «السيخ» الهندية بناء معبد لها في مدينة المنامة، وتم بالفعل استئجار الأرض، وبوشر في عملية التدشين، إلا أن البناء توقّف فجأة، والسبب أن أهالي المنامة اعترضوا على ذلك. وكان «أحد علماء المنطقة، الشيخ باقر الحواج، وبعض الأهالي اجتمعوا مع ممثلين عن إدارة المعبد المعتزم بناؤه، وأخبروهم بأن هذا المعبد مرفوض من قبل الأهالي الذين رفعوا رسالة احتجاج إلى رئيس بلدية العاصمة». وافق ممثلو السيخ على وقف البناء، احترامًا
لمشاعر الأهالي كما جاء في الخبر. إلا أن السؤال هو: أين كانت مشاعر الأهالي قبل مئة أو مئتي سنة، حينما أ سس المعبد الهندوسي والكنائس المسيحية والكنيس اليهودي في وسط المنامة؟ لماذا تعايش الأهالي قديمًا مع الهندوس
والمسيحيين واليهود، في حين أن أهالي المنامة اليوم يعتبرون بناء معبد سيخي جرحًا لمشاعرهم؟
هذا مؤشر يكشف حجم التغير الذي طرأ على المنامة وتوجهات أهلها، وهو تغيّر أسهمت فيه عوامل
كثيرة. لكن سأحاول هنا إعادة تركيب مسار هذا التغير، من خال التركيز على تجلّياته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والسكانية.
1. ذاكرة الانتخابات: من مدينة التجار إلى مدينة الإسلام السياسي
يمكن لتاريخ الانتخابات، الانتخابات البلدية والنيابية وانتخابات مجالس بعض الإدارات الحكومية مثل مجلسي الصحة والتعليم، أن يكون كاشفًا عن حجم التحولات الاجتماعية والأيديولوجية في مجتمع المنامة. وفي تاريخ انتخابات المنامة (والبحرين بوجه أعم) أربع محطات أساسية: الأولى مرحلة انتخابات بلدية المنامة التي أنشئت في عام 1919، وتحوّلت إلى نظام الانتخاب في عام 1926،
وقد ألغي العمل بانتخابات البلدية في أواخر الستينيات. والثانية مرحلة التمثيل الشعبي من دون انتخابات اعتمادًا على التفويض الشعبي المتأتّي من الاجتماعات الحاشدة أو حملة جمع التواقيع أو
حتى من انتخابات مجلسي التعليم والصحة، وذلك زمن هيئة الاتحاد الوطني في منتصف الخمسينيات، ثم تجمّدت التجربة بعد القضاء على الهيئة حتى بدأت مرحلة ثالثة، وهي مرحلة
انتخابات المجلس التأسيسي والنيابي مطلع السبعينيات. أما الرابعة، فهي الانتخابات النيابية منذ عام 2002، والانتخابات التي تعنينا هي انتخابات 2006 و 2010، أي بعد مشاركة قوى المعارضة التي قاطعت انتخابات.2002 كانت انتخابات بلدية المنامة انتخابات محاصصة بين الجماعات الأساسية في المنامة، وتحديدًا بين البحارنة والعرب والعوضية والنجديين والعجم والهنود واليهود، ثم أصبحت فيما بعد انتخابات
(((حيدر محمد، «‘السيخ’ يوقفون بناء معبد في المنامة»، صحيفة الوسطالبحرينية، العدد 673، 2004/7/9، شوهد في 2019/4/10،
في: http://bit.ly/2J3UFpF
(((هذه هي الجماعات الرئيسة التي كوّنت النسيج الاجتماعي لمدينة المنامة خال القرن العشرين، ويُقصد بالبحارنة الشيعة
العرب، وبالعرب السنة العرب، وبالعوضية السنة من أصول فارسية، وبالعجم الشيعة من أصول فارسية، في حين تعود أصول النجديين إلى نجد بالمملكة العربية السعودية.
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
وهي الأحياء التي تظهر في الخريطة.)1(
(كانون الثاني/ يناير.)1933
الجدول.)1(
السنة
| السنة | الجماعة |
|---|---|
| 1926 | ثاثة من العرب، ثاثة من البحارنة، واحد من النجادة، واحد من العجم، واحد من العوضية، واحد من الهنود المسلمين. |
| 1934 | اثنان من العرب، اثنان من البحارنة، واحد من العوضية، واحد من النجادة، واحد من العجم، واحد من اليهود. |
| 1938 | ثاثة من العرب، ثاثة من البحارنة، واحد من العوضية، واحد من العجم، واحد من النجادة، اثنان من الهنود (مسلم وهندوسي)، واحد من اليهود. |
المصدر: من إعداد الباحث.
مناطقية بحسب أحياء المنامة من حيّ الفاضل وكانو إلى الحورة وحالة بن أنس والقضيبية، مرورًا
بأحياء المخارقة والحمام وأبو صرة والنعيم والزراريع والسوق ورأس رمان والعوضية والذواودة، الخريطة (1) خريطة تفصيلية للمنامة القديمة
المصدر: سجات مكتب الهند، الملف رقم:IOR/L/PS/12/2160B, f 58، قسم الاستخبارات البحرية في الجيش البريطاني
ومع هذا، فقد كانت هذه الانتخابات انتخابات للنخبة التجارية في مجتمع المنامة بالدرجة الأولى، وهي النخبة التي كانت تحصد الأصوات لتفوز بكل الدورات الانتخابية منذ أول انتخابات، انظر
الجدول (1) تشكيلات النخب التجارية الفائزة في انتخابات مجلس بلدية المنامة الجماعة
ربيع Spring 2019
وقد ظلّت النخبة التجارية ذات الحضور الأقوى، ومستأثرةً بانتخابات مجلس بلدية المنامة منذ بدايتها حتى منتصف الخمسينيات، إلا أن حقبة الخمسينيات قلبت الموازين؛ إذ دخل على خط منافسة النخبة التجارية نخبةٌ من نوع آخر، نخبة سياسية ذات أيديولوجيا قومية متحمّسة، وهي النخبة المؤل فة من
«البرجوازية الصغيرة» التي شكّلت هيئة الاتحاد الوطني في منتصف الخمسينيات. والغريب حقًا أن الخمسينيات بدأت بأزمة تمثيل في مجلس بلدية المنامة وبعض المجالس الأهلية. يذكر تشارلز بلغريف Belgrave Charles، مستشار الحكومة في الفترة 1957–1926، أن الشيخ سلمان بن حمد، حاكم البحرين آنذاك، اجتمع في 21 نيسان/ أبريل 1951 ب «زعماء البحارنة، وكان النقاش حول استقالتهم من البلدية [...] وطالبوا أن يكون لهم عدد أكبر من المشاركين في المجالس الأخرى». لقد كانت استقالة ممثلّي البحارنة الثاثة من المجلس (منصور العريض، وحسن المديفع، ومحسن التاجر) مؤشرًا على استفحال الأمر كما فهم بلغريف؛ إذ سرعان ما تطورت الأحداث واندلعت
المناوشات حول تمثيل السنة والشيعة في البلدية في نهاية عام 1952. وقد كانت هذه المناوشات نقطة الانطاق في مسار ستتغيّر خاله حصص التمثيل وخرائط توزيعه. وقد مثّلت الهيئة نقطة تحوّل من
مجتمع تمثّله النخبة التجارية إلى مجتمع تمثّله نخبة القوى الجديدة الصاعدة من أبناء الطبقة الوسطى المدينيين ذوي الميول القومية الناصرية. تشكّلت الجمعية العامة لهيئة الاتحاد الوطني (1956–1954) من 120 ا من هاتينعضوًا يمثّلون خليطً
النخبتين: التجارية و«البرجوازية الصغيرة». ومن الافت أن أزمة التمثيل الشعبي داخل أوساط الهيئة قد بدأت في وقت مبكر. وفي هذا السياق، يذكر عبد الرحمن الباكر، سكرتير الهيئة، أن أول نجاح مبدئي حققه في مسار تأسيس الهيئة وتجاوز «فتنة محرم» 1953، كان عبر اجتماع في شهر رمضان 1954 في بيت الحاج حسن العرادي بمنطقة رأس رمان. وقد ضم الاجتماع «زعماء الشيعة» كما سمّاهم الباكر، و«شباب السنة» الذين قال عنهم الباكر «إنهم يمثلون طبقات الشعب ولهم مكانتهم
المرموقة بين سائر الفئات». إلا أن هذا الادعاء بأن هؤلاء الشباب يمثّلون «طبقات الشعب» لم يكن ليُرضي «زعماء الشيعة»،
وتحديدًا محسن التاجر الذي كان يصرّ على معرفة جهة التمثيل. كان محسن التاجر وعبد علي
العليوات اثنين من نخبة بحارنة المنامة التي كان لها حضور منذ عريضة مطالب البحارنة في عام 1934، وحركة المطالب الوطنية في عام 1938 التي تزعّمتها النخبة من وجهاء المنامة بالدرجة الأولى:
علي بن خليفة الفاضل، ومنصور العريض، وخليل المؤيد، وعبد علي العليوات، ومحمد الفاضل،
(((ورد هذا التوصيف الطبقي في: مي محمد الخليفة، تشارلز بلجريف: السيرة والمذكرات (1957–1926)، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2000)، ص.424 (((المرجع نفسه، ص.362 (((عبد الرحمن الباكر، من البحرين إلى المنفى «سانت هيلانة» (طهران: منشورات إسماعيليان، 1994)، ص.46
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
ويوسف كانو، ومحسن التاجر، ومحمد علي التاجر، وعبد الرحمن الزياني، والسيد سعيد بن السيد خلف، وسعد الشمان، والسيد أحمد العلوي، وأحمد الشيراوي، وحاجي أحمد بن خميس، والشيخ عبد الله بن محمد صالح (القاضي الجعفري آنذاك.) ويبدو أن محسن التاجر كان يتوقّع خال الاجتماع الأوّلي لتكوين هيئة الاتحاد الوطني أنه أمام حركة
شبيهة بحركة عام 1938، وكان ينتظر أن يرى أمامه النخبة القديمة من وجهاء السنة؛ ولهذا كان يتساءل «أين كبار الجماعة كالمؤيد، وفخرو، ومسلّم، ومحمد الفاضل، وسعد بن شمان، وغيرهم؟»، فما كان من الطرف الآخر إلا أن ردّ مستفزًا ومشدّدًا على أن الموجودين يمثلون «سائر طبقات الشعب،
أما الذين سميتهم بالكبار فهم كبار لأنفسهم، لكنهم لا يمثلون أحدًا». من الواضح أن هذه أزمة تمثيل، وهي أزمة تُنبئ بأن المدينة على عتبة تحوّل اجتماعي مهم من نخبة الوجهاء القديمة إلى نخبة
«البرجوازية الصغيرة» الصاعدة. لم تكن الهيئة منتخبة من الشعب، بل كانت تكتسب شرعيتها بضرب من التفويض الشعبي العام، والذي كان يتجلّى في اجتماعات الهيئة الحاشدة (وصلت في اجتماع مسجد العيد إلى أكثر من 20 ألفًا بحسب تقديرات الباكر)، أو عبر حملة جمع التواقيع التي جمعت 25« ألف توقيع، وهذا عدد ضخم بالنسبة لسكان البحرين الأصليين الذين لا يزيد عددهم على ثمانين ألفًا» آنذاك. ليس معنى هذا أن الهيئة لم تخُض الانتخابات ولم تحظَ بحق تمثيل الشعب بصورة شرعية، بل على العكس تمامًا، لأن هذا الحق احتكرته الهيئة بصورة كلية في كل الانتخابات التي كان تجري آنذاك.
لقد دعت الهيئة إلى مقاطعة انتخابات البلدية في 9 شباط/ فبراير 1955، إلا أنها شاركت في انتخابات مجلسي التعليم والصحة، إذ وافقت الحكومة على تشكيل مجلسين يتألف كل منهما من ثمانية أعضاء، خمسة منتخبين وثاثة معيّنين، وقد فاز مرشحو الهيئة بكل المقاعد الخمسة في مجلسي
التعليم والصحة في 10 شباط/ فبراير.1956 تم القضاء على الهيئة وحلّها واعتقال قادتها ونفيهم وتشتيت كوادرها في تشرين الثاني/ نوفمبر.1956 ومرّت السنوات حتى جاء الاستقال في عام 1971، وما تاه من انتخاب المجلس التأسيسي
والبرلمان. وعاد، آنذاك، من بقي حيًّا من رجال الهيئة من منافيهم، وظهر على الساحة من كان غائبًا أو
مغيّبًا، وانخرط بعضهم في انتخابات المجلس التأسيسي. في دوائر المنامة وحدها انخرط ثاثة من
أعضاء الهيئة ال 120 في انتخابات المجلس التأسيسي في عام 1972، إلا أن المفاجأة الكبرى كانت أن الثاثة خسروا الانتخابات، وخرجوا من دائرة المنافسة بنتائج متدنية، فقد حصل الأول على 171 صوتًا في الدائرة الأولى، أما الثاني فحصل على 134 صوتًا في الدائرة الرابعة، في حين حصل الثالث
(((المرجع نفسه، ص.46 (((المرجع نفسه، ص.68 (((اعتمدنا، في تحليل نتائج انتخابات المجلس التأسيسي، على البيانات المذكورة في: إميل نخلة، البحرين: التطور السياسي في
مجتمع متحدّث، ترجمة عبد النبي العكري، تصحيح وتدقيق المركز الوطني للدراسات (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 2006) ص.259–258
ربيع Spring 2019
على 65 صوتًا في الدائرة الرابعة؛ الأمر الذي يعني أن الوضع الاجتماعي – السياسي كان على أعتاب تحوّل آخر، سيأتي هذه المرة بنخبة من نوع آخر، نخبة سياسية هي عبارة عن مزيج من التوجهات
العلمانية المتباينة، ويأتي البعثيون واليساريون ومستقلون لادينيون في المقدمة. لقد نشطت، بعد حل الهيئة، ثاثة تيارات سياسية كانت تعمل سرًّا: البعثيون، والقوميون العرب، والشيوعيون، وهي
التيارات الثاثة التي اشتركت في انتفاضة آذار/ مارس 1965 من خال «جبهة القوى القومية» و«جبهة القوى التقدمية». وكانت انتخابات المجلس التأسيسي في عام 1972 أول اختبار لقوة هذه التيارات وحضورها الشعبي بعد القضاء على انتفاضة آذار/ مارس.1965 جاءت نتائج انتخابات المجلس التأسيسي في عام 1972 متداخلة وخاصة بعد مقاطعة قوى اليسار لها (جبهة التحرير البحرانية، والجبهة الشعبية لتحرير البحرين؛ وريثة حركة القوميين العرب). وقد فاز في دوائر المنامة ثمانية مرشحين، إلا أن الجديد هو فوز رسول الجشي، أحد رموز حزب البعث في البحرين، بأعلى الأصوات بحصده 885 صوتًا في الدائرة الأولى. إلا أن انتخابات المجلس الوطني في عام 1973 كانت هي الكاشف الحقيقي عن نوعية التحول الذي جرى في المنامة؛ إذ حصدت كتلة الشعب وكتلة الوسط (يساريون وبعثيون) معظم الأصوات، وفازت بثمانية مقاعد من بين عشرة مقاعد كانت مخصصة لدوائر المنامة السبع. ومن الافت في انتخابات السبعينيات قصيرة العمر، ذلك الحضور الكاسح للتيارات العلمانية بتوجهاتها الوطنية والتقدمية التي كانت تراهن على انتماء وطني أكبر من الطوائف، وهو ما سمح بفوز مرشح شيعي (رسول الجشي) في دائرة سنية (حيّ الفاضل)، ومرشح سني (خالد الذوادي) في دائرة
شيعية (رأس رمان). وعلى الضد من هذا الحضور الكاسح، كان هناك غياب لافت للتيارات الدينية في المنامة، ومن الشواهد الكاشفة هنا أن دائرة النعيم في المنامة انتخبت مرشحًا من كتلة الشعب هو محمد سلمان حماد، على حساب مرشح التيار الديني، وهو السيد عبد الله الغريفي الذي أصبح فيما بعد أحد الأسماء البارزة في التيار الديني الشيعي. لكن هذه الأيام ولّت، ولم يبقَ منها سوى الذكرى والحنين في نفوس الجيل الذي عاصر انتخابات السبعينيات. ولو عادت الأسماء نفسها للترشح في الدوائر ذاتها الآن، لكانت النتيجة مغايرة تمامًا
بحكم التحولات الكبيرة وانقاب ميزان القوة ومراكز الثقل وخرائط التوزيع، والذي حدث بعد حل المجلس الوطني في آب/ أغسطس 1975 حتى مطلع الألفية الجديدة. وهي تحولات كبيرة فعلً، وستظهر انعكاساتها في اتجاهات الكتلة التصويتية لسكان المنامة في انتخابات مجلس النواب لعامي 2006 و 2010؛ ففي انتخابات مجلس النواب لعام 2006 فاز مرشحو جمعية الوفاق الإسامية بخمسة
(((لاحظ فؤاد الخوري أنه باستثناء عضو واحد، فإن أعضاء كتلة الشعب لا ينتمون إلى أسر تقليدية بارزة، «بل يأتون من جذور
اجتماعية عادية من السنة والشيعة سكان مدينتي المحرق والمنامة»، انظر: فؤاد إسحاق الخوري، القبيلة والدولة في البحرين: تطور
نظام السلطة وممارستها (بيروت: معهد الإنماء العربي، 1983)، ص.334
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
مقاعد من بين ثمانية مقاعد مخصصة لمحافظة العاصمة، كما فازت الجمعية الإسامية ذاتها في انتخابات 2010 بستة مقاعد. نحن، هنا، أمام ثاث نقات أساسية، الأولى حوّلت توجهات أهل المنامة من تأييد النخبة التجارية
إلى تأييد هيئة الاتحاد الوطني، والثانية حوّلت التوجهات من رجال الهيئة إلى النخبة السياسية العلمانية
القومية (البعثيون) واليسارية (الشيوعيون)، في حين حوّلت الثالثة هذه التوجهات من تأييد النخبة
السياسية العلمانية ببعثييها وشيوعييها إلى تأييد مرشحي جمعيات الإسام السياسي (جمعية الوفاق على نحو خاص). ولنبدأ في محاولة تفسير هذه النقلة الأخيرة.
2. محاولة أسلمة المدينة بأثر فوري
هناك قصة قصيرة لمحمد عبد الملك، وهو روائي وقاصّ بحريني من جيل الروّاد، بعنوان «عباس»،
وهي منشورة في مجموعته القصصية الأولى موت صاحب العربة (1972)، تدور حول المفارقات
التي كان يعيشها أهل القرى حين يزورون المنامة أو يفكّرون في العيش فيها. وعباس شاب من بني جمرة، كان أبوه مزارعًا قبل أن يقعده المرض، وقبل أن يصبح على عباس أن يتدبّر أمره وأمر أسرته.
كانت المنامة مدينة الأحام والفرص بالنسبة إلى عباس، إلا أنها مكان مغاير بالنسبة إلى الأب، وتقع على النقيض من قريته الوادعة. فإذا كانت القرية مكانًا للأمن والسكينة والتديُّن والورع، فإن المنامة
مكان محفوف بالخطر والبعد عن الدين! أقول «البعد عن الدين» حتى لا أقول «الانحال»
و«الانحراف» و«التفسّخ» و«الفسق»، وكلها معان ربما دارت في رأس والد عباس وهو ينصح ابنه
فيقول له: «لا تشرب الخمر يا عباس.. في المنامة يشربون الخمر.. لا تضاجع النساء.. في المنامة يضاجعون النساء.. لا تُحدّث امرأة.. في المنامة تتحدث النساء مع الرجال.. لا تدخل دور السينما.. وابحث عن مسجد صغير واركع لله بخشوع»! ربما كانت هذه النصيحة في محلها خال الستينيات والسبعينيات، حينما كانت ثقافة التديُّن بعيدة عن
عالم شباب المدن، وشباب المنامة تحديدًا، بحيث ظلّ كثير من هؤلاء ينظرون بشيء من السخرية إلى أمثال عباس المسكين من الشباب المتديّنين الذين كانوا يازمون المساجد أو يترددون على «المكتبة
العامة للثقافة الإسامية» التي تأسست وسط المنامة في عام 1969. وكان من الواضح أن ثمة دعمًا
متبادلً بين ثقافة التحرر الشخصي السائدة بين شباب المنامة، وموجة اليسار والقوميين التي كانت تكتسح المنامة خال السبعينيات. إلا أن الحال تغيّرت خال الثمانينيات، ودار الزمان دورته الكاملة، ويبدو أن نصيحة والد عباس لم
تكن تختلف كثيرًا عن تلك الحرب التي شنّتها مجلة المواقف، ذات التوجهات الإسامية، على ثقافة
التحرّر الشخصي آنذاك، لكن والد عباس كان مهمومًا بسلوك ابنه أكثر من أيّ شيء آخر؛ فعباس لم
(((1 تجدر الإشارة إلى أن جمعية الوفاق الإسامية لم تدفع بأي مرشح في الدائرة السابعة من العاصمة في انتخابات 2006، إلا أنها دعمت عبد العزيز أبل، المرشح الليبرالي المستقل والقريب منها آنذاك، والذي فاز في انتخابات هذه الدائرة بفضل هذا الدعم. (((1 محمد عبد الملك، موت صاحب العربة، ط 2 (بيروت: منشورات دار المشرق العربي الكبير، 1979)، ص.38
ربيع Spring 2019
يرَ في حياته فتيات المدينة الجريئات وهنّ يلبسن فساتين فوق الركبة، ويتركن شعورهن المذهبة
الشقراء تتطاير في الهواء، بل إنه لم يرَ مثل هؤلاء الفتيات الجميات سوى في الصور، صور «المجات
التي تصل القرية، أو في سيارات مسرعة في الشارع الكبير» الذي كان يمرّ شمال القرية. هذا هو الخطر الذي كان يشغل بال والد عباس، ولم يكن ليخطر بباله أن رأس عباس يمكن أن يكون هدفًا لأفكار «منحرفة» كانت تغزو المنامة آنذاك. نعم، يمكن لهذه الأفكار المنحرفة أن تعشّش في رؤوس شباب المنامة، لا رأس عباس الفاح المسكين الذي لم يحسن فكّ الخط حتى يفهم شيئًا عن الشيوعية وصراع الطبقات والبرجوازية والبروليتاريا، وعن البعث والأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة، فضل عن العلمانية وفصل الدين عن الدولة. إلا أن هذا الذي لم يكن يخطر ببال والد عباس لن تغفل عنه مجلة المواقفالتي نذرت نفسها، منذ البداية، لمواجهة هذه الأفكار، بل واجهتها بصورة أشدّ وأعنف مما واجهت به ثقافة التحرر الشخصي. وبالنسبة إلى الشهيد عبد الله المدني فإن «الجماهير العربية ترفض الدولة العلمانية»، بل إن «العلمانية = الإلحاد»، هكذا باختصار؛ وهذا عنوان إحدى مقالاته الافتتاحية في المجلة، والتي قدّم فيها صياغة تيار الدعوة/ التوعية الخاصة من شعار الإخوان المسلمين الشهير: «الإسام هو الحل»، كتب فيها: «ليس ثمة منقذ للإنسانية إلا الدين الإسامي الحنيف». أما الشيوعية فقد كانت الموضوع الأثير الذي استهدفته المواقفعلى نحو خاص. وبدت المواقف وإجمالي المواقف المتناقضة بين التيار الديني والشيوعيين داخل برلمان 1973 كأنها تحاكي تلك المواجهة التي دارت بين حزب الدعوة والحزب الشيوعي العراقي منذ انتصار ثورة تموز/ يوليو.1958 لقد استفحلت هذه المواجهة في ظل هذه السياقات المضطربة، وكانت تتصاعد مع تزايد الاضطرابات التي أطلقتها ثورة 1958، وقد كانت، في أحد أبعادها، رد فعلٍ مباشرًا على الثورة وانعكاساتها، من
تراجع الطبقات القديمة، بما فيها طبقة كبار رجال الدين، إلى صعود الشيوعيين وأيديولوجيتهم وتوسّع قاعدتهم الشعبية في المناطق الشيعية بما فيها النجف، أضف إلى هذا، إقدام الجمهورية
الأولى على إصدار قانون الأحوال الشخصية المدني. كانت البحرين، في الستينيات والسبعينيات، سياقًا مغايرًا للعراق في كثير من النواحي، إلا أن شكل
التصادم بين التيارين كان شبيهًا بالنموذج العراقي مع اختاف المواقع بين السياقين؛ فقد كان الحزب
الشيوعي شريكًا أساسيًا في النظام الجمهوري الجديد، في حين كانت التيارات اليسارية في البحرين
خارج الدولة وفي خانة المعارضة وتنشط داخل تنظيمات سرية مناهضة. اقترح اليساريون، داخل برلمان 1973، على سبيل المثال، اعتماد الأول من أيار/ مايو عطلة رسمية في الدولة، فما كان من التيار الديني إلا التصدي لهذا الاقتراح بحجة أن «أول مايو مخالفة صريحة للدستور»، كما أنه «يؤجج الصراع الطبقي»، وكذلك، وهذا هو الأهم، عيد ينبع من تاريخ «غريب عن
(((1 مجلة المواقف، العدد 137 (5 تموز/ يوليو.)1976 (((1 مجلة المواقف، العدد 133 (7 حزيران/ يونيو.)1976
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
أمتنا وتاريخنا». بل وصل الأمر إلى درجة تحريض الحكومة على ضرب الشيوعية «الهدّامة»، والقضاء على الشيوعيين عن بكرة أبيهم. وبلغة تذكّر بمكارثية جوزيف مكارثي McCarthy Joseph، راحت مجلة المواقفتحرّض الحكومة على شنّ حملة تصفية لغربلة أجهزة الدولة من كل الشيوعيين
والعناصر «الهدّامة» و«الدخيلة.» وبحسب المواقف، فإن «الشيوعية جريمة بحد ذاتها»، وهذه جريمة ينبغي القضاء عليها واقتاعها من جذورها. فما العمل إذ ا؟ هل المطلوب أن تقوم الحكومة باعتقال كل من يعتنق الأفكار الشيوعية؟ ربما يتبادر إلى الذهن أن الجواب سيكون بالنفي، إلا أن جواب المواقفبالغ حتى في الإثبات! فبالنسبة إليها، فإن «مناهضة الشيوعيين لا ينبغي أن تقتصر على اعتقالهم لفترة ثم يطلقون، ويظهرون أمام المواطن اليسير بأنهم أبطال ومكافحون»، وإذا أرادت الدولة مناهضة الشيوعيين فعل، فإن عليها أن «تقوم بالكثير الكثير من الإجراءات». وهذه عينة مختارة من الإجراءات المكارثية الجديدة المقترحة: «على الدولة أن تُنقّي أجهزتها الحسّاسة والمهمة من العناصر التي يثبت أنها شيوعية. على
الدولة أن تُعنى بالإشراف على الطاب الجامعيين الذين أصبحوا فريسة للأفكار الدخيلة والهدامة. على الدولة أن تُعنى بأنشطة الأندية والمكتبات والمؤسسات الاجتماعية وتقضي على العناصر الهدّامة». بدت هذه المواقف الحادة والهجومية كأنها تصفية حساب أو انتقام متأخر لما كان يتمتّع به اليسار من قاعدة شعبية عريضة، وداخل المنامة تحديدًا. وهي القاعدة التي مك نت النخبة السياسية العلمانية (الشيوعيون والبعثيون) من الفوز في انتخابات 1972 و 1973 في معظم دوائر المنامة، بما يوحي بأن التيار الديني الذي كانت المواقفبمنزلة الناطق الرسمي باسمه، كان غائبًا أو ضعيف الحضور آنذاك،
بدليل أنه لم يتمكن من الفوز حتى بمقعد واحد في المنامة. ومع كل هذا، فإن هذه الانتخابات كشفت عن التناقض الذي كان يتبلور في نسيج المنامة الاجتماعي، وهي حالة «الاستقطاب الطائفي العميق بين الشيعة والسنة» كما لاحظ إميل نخلة في وقت مبكر. وينبغي لنا أن نشير إلى أن هذه كانت، في البداية، مجرد حالة من الاستقطاب الطائفي – الاجتماعي لا الطائفي المسيّس على طريقة حركات
الإسام السياسي، إذ كانت أجواء التعايش الاجتماعي غالبة ومهيمنة في منامة الستينيات والسبعينيات. وعلى الرغم من بقاء المنامة القديمة بعيدة عن نفوذ تيارات الإسام السياسي السنّي (الإخوان المسلمون والتيار السلفي) الذي كانت مدينة المحرق ساحة نشاطه الأساسية، فإنها لم تكن بمنأى عن تأثيرات الإسام السياسي الشيعي التي بدأت تطلّ برأسها في المنامة منذ أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات.
(((1 مجلة المواقف، العدد 78 (28 نيسان/ أبريل.)1975 (((1 مجلة المواقف، العدد 97 (8 أيلول/ سبتمبر.)1975 (((1 نخلة، ص.250
ربيع Spring 2019
والبدايات، في ما يبدو، كانت صغيرة وتأثيرها محدود، بل ربما كان الشباب المتدينون، أول الأمر، موضوعًا للسخرية والاستهزاء في ظل الانتشار الواسع للتيارات العلمانية (القومية واليسارية) وشباب
«الهيبيز». في البداية كوَّنت مجموعة من الشباب المتديّن النواة الأولى لأول جمعية إسامية في
المنامة، وقد أعلنت عن نفسها في عام 1969، وعرفت باسم «جمعية شباب الإرشاد الإسامي» التي تولّت القيام بفعاليات دينية ونشاطات ثقافية عامة (إقامة احتفالات ومهرجانات دينية). تا ذلك تأسيس «الصندوق الحسيني» وسط المنامة في عام 1972، الذي مارس نشاطه، في البداية، تحت مظلة «المكتبة العامة للثقافة الإسامية»، وذلك قبل أن ينفصل عنها، ويستقل بنفسه في عام 1976، وأصبح يعرف باسم «الصندوق الحسيني الاجتماعي» الذي اتخذ من «مأتم القصاب» مقرًا له. وأخذ الصندوق على عاتقه مهمة كبيرة اشتقّها من مخياله السياسي والاجتماعي الواسع، وهي أسلمة المجتمع أو «بناء مجتمع إسامي»، مستفيدًا من وجود شخصية حركية نشطة بين صفوفه آنذاك هي السيد هادي المدرسي، زعيم «التيار الشيرازي» قبل ترحيله في عام 1979، وقبل إغاق «الصندوق الحسيني الاجتماعي» بالشمع الأحمر واعتقال العشرات من كوادره في العام ذاته، ولاحقًا بعد عملية الانقاب الفاشلة التي قادها هذا التيار في أواخر عام 1981، وذلك حينما كانت عاقة هذا التيار جيدة
بنظام الجمهورية الإسامية الفتي آنذاك، وقبل أن تتفكك روابط هذه العاقة وصول إلى القطيعة الكاملة في عام.1987 والافت، هنا، أنه في الوقت الذي كان تيار حزب الدعوة/ التوعية و«الكتلة الدينية» ظاهرة شيعية ريفية، فإن التيار الشيرازي كان، في المقابل، ظاهرة شيعية مدينية وإن لم تكن على نحو صرف، ويرجع الفضل في خلق نواتها الأولى في المنامة إلى أفراد من عائلة العلوي المنامية العريقة، وتحديدًا إلى السيد محمد العلوي (والسيد جعفر العلوي لاحقًا) الذي زار كرباء في أواخر الستينيات، والتقى مرجع التيار الشيرازي السيد محمد حسين الشيرازي، وابن أخته الشاب المتحمّس السيد هادي
المدرسي، و«تأثر عميقًا بهذا العالم الشاب الذي كان في نفس عمره، وهو يتكلم عن إفساد المجتمع تحت الانتهاك الأجنبي المتنامي». وتذكُر لورنس لوير أن السيد محمد العلوي أسّس، حين عاد إلى البحرين، أول جمعية إسامية للتيار
الشيرازي وهي «جمعية الإرشاد الإسامي» التي كانت تضم 200 عضو. وهو، كذلك، الذي رتّب لزيارة السيد هادي المدرسي إلى البحرين في عام 1970، وهيّأ له المكان ليقيم في وسط المنامة
القديمة. ومن قلب المنامة، ومن مأتم العجم ومسجد مقبرة الحورة وحتى شاشة تلفزيون البحرين التي كانت تبثّ بعض محاضراته، راح المدرسي يمارس نشاطه الحركي وخطابه الثوري والحماسي الذي انتهى بإعداد الكوادر الأولى التي ستكوّن «الجبهة الإسامية لتحرير البحرين»، والتي أعلن عن
(((1 فاح المديرس، الحركات والجماعات السياسية في البحرين، 2002–1938 (بيروت: دار الكنوز الأدبية، 2003)، ص.96 (((1 المرجع نفسه، ص.97
(19) Laurence Louer, Transnational Shia Politics: Religious and Political Networks in the Gulf (London: Hurst, 2008), p. 129.
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
تأسيسها في عام 1979. وفي تلك الفترة كذلك، كانت المنامة مركز استقطاب للعديد من رموز التيار الشيرازي، وقد زار البحرين، في نيسان/ أبريل 1973، السيد حسن الشيرازي، شقيق السيد محمد حسين الشيرازي المرجعية الدينية لهذا التيار، وألقى العديد من المحاضرات في مأتم الأحسائيين ومأتم القصاب ومأتم العجم الكبير. ماذا يعني كل هذا؟ إنه يعني ما سبق واستنتجه باحث اجتماعي مثل فؤاد الخوري حين تحدث عن الطابع الشيعي الريفي ل «الكتلة الدينية»، وهو الاستنتاج ذاته الذي تؤيده لورنس لوير حين قارنت بين تيار حزب الدعوة و«التيار الشيرازي» في البحرين. وتاحظ هذه الباحثة الفرنسية مفارقة غريبة متمثلة في أن حزب الدعوة كان ينبغي أن يكون حزبًا مدينيًا على نحو جوهري لأنه كان، بحسب نشأته
العراقية الأولى، حركة دينية مدينية تعارض حركات سياسية مدينية علمانية قومية ويسارية، إلا أن «حزب الدعوة في البحرين بدأ كظاهرة ريفية، وهي ظاهرة لم تتوسع لتمتدّ إلى المدن إلا في مرحلة لاحقة». وفي المقابل من هذا النمط من الانتشار الذي كان يتوسع من القرى إلى المدن، كان «التيار الشيرازي ينتشر من المدن إلى القرى»، وذلك في اتجاه معاكس بدأ من المنامة إلى القرى مثل قرية بني جمرة التي كانت معقلً أساسيًا لكوادر هذا التيار. إلا أن الثمانينيات عرفت منعطفًا آخر خلط الأوراق بين هذين التيارين. فقد شهدت أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات حدثين مهمين ميّعا الحدود الحضرية (القروية والمدينية) بين التيارين الشيعيين
الرئيسين، وأزّما عاقة الإسام السياسي الشيعي بالحكومة على نحو حاد وغير مسبوق. لقد انتصرت الثورة الإسامية في إيران في عام 1979، وتفاعلت تيارات الإسام السياسي الشيعي في البحرين معها على اختاف انتماءاتها بين الشيرازي والدعوي والمحافظ. ومثّل هذا التفاعل بداية تشك ل ما صار يعرف لاحقًا بتيار «خط الإمام» أو تيار «الولائيين» المناصرين للثورة الإسامية والإمام الخميني وولاية الفقيه، الذي كان حتى ذلك الوقت يحتفظ بمسافة بينه وبين تيار الدعوة/ التوعية. بعد أقل من عام على انتصار الثورة في إيران، فوجئت التيارات الدينية الشيعية، وتحديدًا في نيسان/ أبريل 1980 بإقدام حكومة صدام حسين بالعراق على إعدام المرجعية الدينية لحزب الدعوة السيد محمد باقر الصدر وأخته آمنة بنت الهدى. كانت الأخبار، في البداية، متضاربة، فصحيفة القبسالكويتية تنقل عن مصادر مطّلعة أنه أُعدم، في حين تؤكد وزارة الإعام الإيرانية أن هذه أخبار غير مؤكدة، لكن مصادر أخرى، ومن طهران كذلك، نقلت أنه لم يعدم، وأنه ما زال على قيد الحياة في بغداد. وفي ظل هذه الأجواء الملبّدة بالاحتمالات
المتناقضة، نشرت مجلة المواقفبرقية أرسلها علماء البحرين ممن أسمتهم «أنصار السيد الصدر »، ناشدوا فيها العالم التدخّل لإنقاذ حياة الصدر «الذي اعتقل بواسطة السلطات العراقية مع عائلته يوم السبت »1980/4/8، كما ناشدت المجلة، كذلك، المسؤولين في العراق تأمين حياته. وعلى إثر
(20) Ibid., p. 140.
(((2 مجلة المواقف، العدد 322 (21 نيسان/ أبريل.)1980
ربيع Spring 2019
ذلك أخذت حالة الغليان الديني الشيعي في التصاعد حتى بلغت حدّ الانفجار عندما تأكّد خبر الإعدام. وفور تأكّد الخبر، اجتمع علماء الدين في البحرين، ومعظمهم كان من تيار الدعوة/ التوعية، وأصدروا بيانًا دانوا فيه الحكومة العراقية، ودعوا الشعب إلى إعان الحداد. وصدر العدد 323 من مجلة المواقف وصورة الصدر على غافه مع تغطية مقتضبة عن حالة الغليان التي كانت تعيشها الباد، حيث «جميع المآتم بالبحرين فتحت أبوابها» للتعزية باستشهاد الصدر، كما «خرجت بعض المسيرات التي طافت ببعض شوارع المدن والقرى معلنة استنكارها واحتجاجها لإعدام الإمام الصدر وشقيقته». وتنقل المجلة عن مصدر مسؤول بوزارة الداخلية يبدي أسفه «لقيام بعض المتظاهرين بالخروج عن خط سير هذه المسيرات». إلا أن اللهجة المخففة في هذه التغطية لم تكن تخلو من تضليل؛ لأن الذي حصل فعلً هو حالة من الاضطراب الواسع الذي انتشر في القرى الشيعية، إلا أن أكبر المظاهرات وأهمها هي تلك التي طافت في حيّ المخارقة وسط المنامة، لما أعقبها من حملة اعتقالات واسعة،
وكان الشاب جميل العلي (1980–1957) أحد الذين تم اعتقالهم في المنامة، وما هي إلا أيام حتى
أُعلن خبر وفاته. وكانت هذه بداية المواجهات التي استمرت حتى نهاية التسعينيات من القرن الماضي. توزّعت ساحات عمل التيارات الدينية بين التيارات الشيعية الثاثة: حيث كان مأتم القصاب وموكب عزائه ساحة عمل «التيار الشيرازي»، في حين كان مسجد مؤمن و«موكب مأتم الشهيد» (قبل أن ينحل ليندمج في موكب عزاء بن سلوم مطلع التسعينيات) ساحة عمل «تيار خط الإمام أو الولائيين». أما مسجد الخواجة في وسط المنامة القديمة، فقد تحوّل إلى ساحة أساسية لنشاط تيار الدعوة/ التوعية،
وذلك منذ أن تولّى السيد أحمد الغريفي إمامة الناس في صاة الجماعة منذ مطلع الثمانينيات وحتى وفاته في عام 1985 في حادث مروري مروّع. وبعد وفاة السيد أحمد الغريفي غير المتوقعة، تصدّى
الشيخ عيسى أحمد قاسم لإمامة الصاة في مسجد الخواجة، واستمر على ذلك حتى مغادرته إلى مدينة قم لمواصلة دراسته الدينية مطلع التسعينيات، ليحلّ محله الشيخ علي سلمان، أحد القادة الدينيين والسياسيين البارزين في أحداث التسعينيات التي اندلعت في عام 1994، وتواصلت حتى انتهت مع الإصاح السياسي الذي قاده جالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة مطلع الألفية الجديدة. ومن المفارقات أن أحداث التسعينيات قد حوّلت مركز ثقل الإسام السياسي الشيعي الحركي من
المنامة إلى مناطق أخرى، إلى قرى باد القديم وبني جمرة والسنابس والنويدرات وقرى سترة وغيرها. وبدت المنامة كأنها خارج اهتمام هذا التيار بعد أن بدأت المنامة ذاتها تفقد الكثير من بريقها وأهميتها.
(((2 مجلة المواقف، العدد 323 (28 نيسان/ أبريل.)1980
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
والحاصل أن تاريخ أسلمة المنامة الذي بدأ سريعًا وجارفًا في الثمانينيات، انتهى، كذلك، سريعًا في
التسعينيات. إنه تاريخ قصير العمر، ولم يكتب له أن يعمّر طويل لأسباب كثيرة، يتصل بعضها بالتشديد
الحكومي على ضرورة تجنيب المنامة، عاصمة الباد، أيّ قاقل أو اضطرابات. إلا أن بعضها الآخر يتصل، مباشرة، بمعطيات ديموغرافية مستجدّة، فقد أخذت التركيبة السكانية للمنامة تتغيّر على نحو
سريع وشامل، إلى درجة أن الكثير من أحيائها أ فرغت من سكانها الأصليين الذين شرعوا في خروجهم الكبير مع موسم الهجرة إلى خارج المنامة القديمة.
3. الخروج الكبير: موسم الهجرة إلى ضواحي المنامة الجنوبية
في وقت كانت المنامة تتحول إلى ساحة أساسية للحراك السياسي، منذ حراك هيئة الاتحاد الوطني حتى حراك التيار الإسامي الشيعي، كانت ثاثة تحولات ديموغرافية تجري على الأرض بهدوء في البداية، إلا أنها تسارعت وغيّرت وجه المنامة كليًّا. بدأ التحول الأول مع طفرة المواليد والزيادة السكانية في مرحلة ما بعد النفط في الثاثينيات؛ الأمر الذي جعلها تشكّل، مع هجرة داخلية محدودة من القرى إلى المدن، ضغطًا كبيرًا على الخدمات التي
كانت تقدّمها الدولة في المنامة مثل الصحة والتعليم، وهما القطاعان اللذان كانا موضع شكوى دائمة في الخمسينيات، ما اضطر الحكومة إلى تشكيل لجنة للنظر في هذه الشكوى، وانتهت إلى الموافقة على تشكيل مجلس للتعليم ومجلس للصحة في خريف.1955 لم يكن التعليم، على سبيل المثال، يعاني أزمة حادة حتى أواخر الأربعينيات، وقبل هذا كانت أوضاع التعليم تسير على نحو جيد، إذ يذكر التقرير السنوي لحكومة البحرين لعام 1942 أن عدد كل طاب المنامة لم يكن يتجاوز 425 طالبًا (45 منهم في المدرسة الثانوية) في الفصل الأول، و 485 (55 منهم
في المدرسة الثانوية) في الفصل الثاني. ثم بدأ هذا القطاع يعاني ضغط الطلب الكبير عليه بدءًا من
أواخر الأربعينيات، إذ يشير أحمد العمران (2007–1909)، مدير التعليم آنذاك، في تقرير التعليم لعام 1948–1947، إلى الضغط الذي صارت تعانيه مدارس المدن، حتى إن إدارة التعليم لم تستطع «قبول 600 طالب مستجد لعدم وجود أماكن شاغرة في المدارس». ويشير، كذلك، في تقرير التعليم لعام 1951–1950، إلى أن ثلث سكان البحرين يقيمون في القرى، «ولكن مع الوقت أصبحت مدينتا المنامة والمحرق أكثر ازدحامًا من القرى، وذلك لانتقال الناس
للسكن هناك بسبب عدم اتساع القرى وامتدادها». وهي أزمة استمرت بذيولها حتى عام 1958، وقد أدلى أحمد العمران ببيان أمام مجلس المعارف في نيسان/ أبريل 1958، وأوضح فيه عن حجم الزيادة الكبيرة في عدد الملتحقين بالتعليم الثانوي، وأن كل الخطط والحلول التي وُضعت سابقًا للتغلب
(((2 مي محمد الخليفة، مائة عام من التعليم النظامي في البحرين: السنوات الأولى للتأسيس (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999)، ص.391 (((2 المرجع نفسه، ص.423–422
ربيع Spring 2019
على هذه المشكلة لم تعد مجدية، نظرًا إلى الزيادة الكبيرة المط ردة في عدد المتعلمين، الأمر الذي
أدى، كما يقول، إلى «حشر الطاب في الفصول حشرًا يتنافى مع ما هو متبع في الأصول التربوية.» ثم التحول الثاني الذي بدأ منذ الخمسينيات، وأخذ يتسارع بتسارع حركة نزوح أسر الوجهاء وتجار المنامة من الشيعة والسنة والعجم وحتى الهنود، وهي الجماعات التاريخية المقيمة في المنامة والتي أعطت هذه المدينة هويتها المتنوعة والمميزة. لقد شرعت هذه الأسر التجارية في النزوح عن المنامة إلى مناطق أكثر حداثة، وأبعد عن اختناق المدينة القديمة وضجيج تسييسها المتنامي. لم تكن الخمسينيات التي حوّلت المنامة من مدينة التجار إلى مدينة الهيئة، وجعلت منها الميدان الرئيس
للقومية العربية في البحرين، سوى البداية لتحوّل سكاني كبير غيّر وجه المنامة كليًا. بدأ التغير حين فرّت العائات اليهودية إلى خارج المنامة، وبعضها إلى خارج البحرين مع تصاعد
الأحداث بعد قرار تقسيم فلسطين في عام 1947. ثم توسّعت العملية لتأخذ شكل حركة نزوح واسعة
ومتسارعة من جانب العائات التجارية الأساسية إلى خارج المنامة، إلى الجنوب حيث الضواحي الجديدة القريبة من المنامة في البداية مثل ضواحي القضيبية والقفول والعدلية والصالحية والسقية والسلمانية والجفير والماحوز وأم الحصم وأبو غزال وأبو عشيرة، أو إلى المناطق السكنية الجديدة أو مداخل قرى جرداب وجنوسان والسهلة الشمالية، أو الرفاع الشرقي ومدينة عيسى وحتى عوالي، انظر الخريطة.)2(الخريطة (2) خريطة حديثة للمنامة تظهر فيها الضواحي الجديدة
المصدر: Google Maps، شوهد في 2019/4/10، في: http://bit.ly/2V119bg
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
لقد كانت القضيبية أول منطقة حديثة، وأول ضاحية يتم تعميرها من ضواحي المنامة الجنوبية، وكانت تاريخيًا، كما يذكر محمد علي التاجر، «مصيفًا لتجار اللؤلؤ من أهل المحرق»، ثم تأسّس فيها
المحجر الصحي في عام 1909. إلا أنها اكتسبت أهمية كبيرة في ما بعد، وخاصة بعد أن شيّد فيها
الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة القصر القديم في عام 1927 (قصر الشيخ حمد أو قصر المنامة) قبل أن يتحوّل إلى مبنى لمعهد المعلمين أواخر الستينيات، كما أقام فيها الممثّل المقيم لبابكو، إدوارد
سكينر Skinner Edward، وبيته المشهور لدى أهل المنامة يقع الآن في موقع مقر المجلس الوطني، وكان يطلّ على البحر مباشرة آنذاك. ثم سرعان ما تحوّلت القضيبية من «مساحة رملية قاحلة، وأرض سبخة يتكاثر فيها البعوض»، كما
وصفها جيمس بلغريف مطلع الخمسينيات، إلى «أول ضاحية ذات شعبية واسعة في المنامة الجديدة»، بحيث كانت «تتطور سريعًا لتتحوّل إلى مركز للسكنى والترفيه». وكانت، منذ الخمسينيات، منطقة
تضجّ بالحياة والحيوية، لكونها تحولت إلى مركز أساسي لصناعة الترفيه في المنامة آنذاك؛ إذ يوجد
فيها «ست سينمات والعديد من المقاهي الحديثة، وماعب لكرة القدم». أما السلمانية فقد كانت أحدث من القضيبية، وأعلن عن تسميتها بهذا الاسم في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1957 تيمنًا بزيارة الشيخ سلمان بن حمد، حاكم البحرين آنذاك، بالتزامن مع افتتاح المرحلة الأولى من مستشفى السلمانية. ثم سرعان ما أخذت السلمانية تتحول إلى منطقة سكنية مرغوبة من العديد من الأجانب المقيمين في البحرين، والعديد من الأسر الثرية، إضافة إلى العديد من الشباب البحرينيين الذين وصفهم جيمس بلغريف بأنهم «جيل الشباب الذين هجروا تقاليد العيش في البيوت الواسعة مع آبائهم وأجدادهم، وقرروا، بدل ذلك، أن يستقلوا بمنازلهم الخاصة»، في إشارة واضحة إلى بدايات تكوّن الأسر
النووية الصغيرة في البحرين. أما ضاحية القفول، فقد كانت منطقة غنية بالبساتين، إلا أنها تحوّلت إلى موقع مرغوب، فجرى
تحويلها إلى منطقة سكنية مع تقدّم عجلة التوسع العمراني خال الستينيات، إذ جرى تقسيمها إلى أراضٍ وفق نمط الشبكة بحيث تكون كل «أربع قطع من الأراضي في مجمع سكني واحد تحيط به أربع طرق من كل الجهات، مع طريق رئيسة بعرض 20 قدمًا، وطريقين بعرض 30 قدمًا من الشمال إلى الجنوب، وآخر من الشرق إلى الغرب». وفي عام 1970 تم «تقسيم الجزء الشمالي من هذه
(((2 محمد علي التاجر، عقد اللآل في تاريخ أوال، إعداد وتقديم إبراهيم بشمي (المنامة: مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر، 1994)، ص.29
(26) James Belgrave, Welcome to Bahrain , 8 th ed. (Manama: The Augustan Press, 1973), p. 146. (27) Ibid., p. 145. (28) Mohammad Noor Al–Nabi, The History of Land Use and Development in Bahrain (Manama: Information Affairs Authority, 2012), p. 35.
ربيع Spring 2019
المنطقة حتى شارع البديع إلى 70 قطعة أرض مرة أخرى». ويذكر المهندس المدني محمد نور النبي أن المخطط الأصلي للمنامة والذي أعدّه المهندس أ. م. مونرو Monroe. M. A كان يقضي بتحويل الحدائق والبساتين الخاصة الممتدة من شمال الحديقة المائية إلى شارع البديع، إلى متنزه عام. وكان اقتراح مونرو يستند إلى حقيقة أن «نحو أربعين ألف شخص يعيشون في قلب المنامة القديمة في ذلك الوقت، مع عدم وجود مساحة ترفيهية مفتوحة». ولاحقًا تقدّم محمد نور النبي نفسه بمخطط يقترح تخصيص نصف المساحة المذكورة ليتم استخدامها لتوسيع الحديقة المائية، كما اقترح موقعًا لمدرسة، وموقعين آخرين لمساحات صغيرة مفتوحة مع شبكة طرق للمنطقة. وعند
تقديم المخطط إلى مجلس تنسيق التخطيط آنذاك، اعترض السيد ماجد جواد الجشي، وكان وقتها مدير التخطيط في وزارة التنمية، على هذا المقترح الذي يقضي بتوسيع الحديقة المائية لتمتد على الممتلكات الخاصة، إلا أن الاقتراح حاز على موافقة أغلبية المجلس. أما أصحاب الممتلكات الخاصة داخل المساحة المعنية فقد تم تعويضهم بأراضٍ في الحورة. إلا أن الغريب أن عدد سكان المنامة، وقت قدوم محمد نور النبي إلى البحرين، أي في عام 1971، كان قد زاد على الضعف. وإذا كان مقترح مونرو قد استند إلى أن عدد سكان المنامة كان أربعين ألفًا في عام 1968، فإن الحقيقة أن عدد سكان المنامة كان قد قارب تسعين ألفًا في عام 1971 (89728 تحديدًا)؛ الأمر الذي كان يعني انفجار المكان ما لم يجرِ التوسع إلى خارج المنامة، وهذا ما حدث فعلً. والحاصل أن كل هذا التوسع العمراني لم يكن سوى إشارة البداية لذلك الخروج الكبير وموسم هجرة عائات المنامة التجارية الأساسية إلى الجنوب، إلى الضواحي الجديدة في المنامة. ومن الصعب تحديد بداية زمنية دقيقة لهذه الحركة الواسعة من النزوح السكاني، إلا أنه يمكن القول إن الخمسينيات كانت تمثل البداية الأولية، ثم اشتدت حركة النزوح في الستينيات والسبعينيات؛ وهي حركة نزوح واسعة، يرجعها البعض إلى حاجة كثير من هذه العائات، والتي كان معظمها عائات تجارية، إلى الأمن والهدوء، وإلى الحاجة إلى التوسّع في المكان بعد زيادة معدّل عدد أفراد الأسرة. لكن حركة النزوح قد تُعتبر مؤشرًا على ما حلّ بالمنامة من تحولات كبيرة. وهي تحولّات ستتسارع
مع موجة نزوح كبيرة أخرى لفئات الطبقة الوسطى التي ستشرع في خروجها الكبير مع موسم هجرتها إلى خارج المنامة لتستقر في مدينة عيسى، وغيرها من المشاريع الإسكانية الجديدة في القرى والمدن الجديدة آنذاك (إسكان جدحفص، وإسكان السنابس، وإسكان عالي، وإسكان الدراز... إلخ)، وذلك منذ منتصف الثمانينيات فصاعدًا. وأصبحت عاقة الكثير من أبناء هذه الأسر بالمنامة ذات طابع اجتماعي مناسباتي، وتكاد تنحصر في زيارات أسبوعية لمن تبقّى من أهاليهم القليلين الصامدين في المنامة القديمة (ومعظمهم من النساء كبيرات السن)، أو في المناسبات الدينية (عاشوراء، وشهر رمضان، والوفيات والموالد، والأعياد). لقد أصحبت المنامة أشبه بمنطقة طاردة لسكانها إلى درجة
(29) Ibid., p. 80. (30) Ibid.
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
أن العديد من أحيائها أُفرغت من أهاليها من حيّ الفاضل إلى حيّ كانو والشيوخ والعوضية
وأبو صرة والزراريع ومشبر وحتى الحورة وسنككي وغيرها. ينطوي هذا الخروج الكبير على ثاث مفارقات صارخة، تتعلق الأولى بتقلّب أحوال المنامة، فبعد تلك الهجرة الكبيرة التي شهدتها هذه المدينة منذ ظهورها حتى النصف الأول من القرن العشرين، وذلك عندما كان الناس يتوافدون عليها للسكن والتجارة والمعامات فرادى وجماعات، إذا بها تشهد حركة نزوح معاكسة وواسعة إلى خارجها. أما المفارقة الثانية، فتتصل بنمط الهجرة الغريب وغير المألوف عالميًا، إذ من المعتاد أن تشهد البلدان هجرة من القرى والأرياف إلى المدن، في حين أن
المنامة تشهد الآن هجرة معاكسة من المدينة إلى خارجها، إلى الضواحي والقرى والمدن الجديدة. وتتجلى المفارقة الثالثة في موجات الاستيطان الجديدة التي راحت تتمدد في كل أحياء المنامة القديمة، وحتى ضواحيها التي استقرت فيها عائات التجار أول مرة مثل القضيبية والعدلية والقفول والسلمانية. ففي الوقت الذي كان أهالي المنامة ينزحون إلى خارجها، راحت المدينة تكتظ بأعداد غفيرة من الجاليات الآسيوية (الهنود والبنغاليون والباكستانيون والتايلنديون والفلبينيون) من ذوي الأعمال الوسطى والدنيا، حتى صارت المنامة تبدو لزائرها في عطل نهاية الأسبوع كأنها قد تحولت إلى بومباي أو إلى «هند صغيرة». وهذا هو التحول الديموغرافي الثالث الذي شهدته المنامة.
4. إحصاء النفوس/ اختناق المدينة
يبدو المشهد لمن يتأمل الصورة الكاملة للتحولات الكبيرة التي عصفت بالمنامة كأننا أمام عملية استبدال وإحال، بحيث يتم تفريغ المنامة من أهلها، لتحلّ مكانهم أعداد هائلة من العمالة الأجنبية من شبه القارة الهندية من الهند وبنغاديش وباكستان بالدرجة الأولى، وهي الجنسيات التي تحتل المراكز الأولى في سوق العمل في البحرين، حيث بلغ حجم العمالة الهندية 223998 عاملً، وحجم العمالة البنغالية 154740 عاملً، في حين بلغ حجم العمالة الباكستانية 45346، أي بمجموععاملً يربو على 424 ألفًا من بين 597465 عاملً هم مجموع قوة العمل في القطاع الخاص بحسب الإحصاءات الصادرة عن هيئة تنظيم سوق العمل.
(((3 في لقاء تمّ في 8 حزيران/ يونيو 2018، مع عدد من أبناء وبنات عائلة المرحوم محمود حمود، وهي من العائات البحرينية
القليلة التي ما زالت تقيم في حيّ الفاضل، أفادني أفراد العائلة أن عدد الأسر البحرينية التي ما زالت تقيم في حيّ الفاضل لا يتجاوز
عشرين أسرة. في حين أفادني جعفر بن حسن رجب، في مقابلة معه كانت في 23 حزيران/ يونيو 2018، أن عدد الأسر البحرينية التي ما زالت تقيم في حيّ الحطب لا يتجاوز عدد الأصابع. أما عيسى أمين فقد أفادني، في مقابلة معه في 27 حزيران/ يونيو 2018، أن
كل العائات الأصلية تقريبًا لم تعد تقيم في حيّ العوضية. كما أفادني أحد الذين أشرفوا على حملة انتخابية لأحد مرشحي المنامة
في انتخابات عام 2010، أن المجمعين السكنيين (301 و 302، أي حيّ الحمام والمخارقة) هما أكثر مجمعين ما زالا يضمّان أكبر
عدد من العائات البحرينية بحسب مسح الناخبين التقديري الذي اعتمدوه دليلً إرشاديًا في حملتهم آنذاك. وقد تمّت المقابلة مع
مشرف هذه الحملة الذي رفض ذكر اسمه في 16 حزيران/ يونيو.2018 (((3 انظر: عارف الحسيني، «المصريون أكبر جالية عربية، 161 جنسية عاملة في المملكة.. والصدارة للهنود»، جريدة الأيام، 2018/1/29، شوهد في 2019/4/10، في: http://bit.ly/2GM34LI
ربيع Spring 2019
وقد بلغ الاختال السكاني أوجه في المنامة التي تجاوز عدد سكانها، في عام 2017، أربعمئة ألف نسمة (411200) بحسب بيانات الأمم المتحدة. وقد تدنّت نسبة المواطنين المقيمين في المنامة، وصارت لا تتعدى، بحسب تصريح لعبد المجيد السبع، ممثل الدائرة السابعة بمجلس بلدية العاصمة في أيار/ مايو 2010، %12«، فيما لا يقل عدد السكان الأجانب عن %88، منهم %75 عزابًا، وهم في تزايد مستمر». وبحسب النائب المذكور فإن المنامة أصبحت تضم نحو 450 ألف عامل أجنبي، ومنطقة النعيم وحدها يسكنها 200 ألف عامل أجنبي. ومقارنة سريعة بين عدد سكان المنامة من عام 1904 إلى عام 1923 إلى عام 1941 وحتى عام 1981، وبين ما وصل إليه الحال الآن، سندرك حجم التحولات الكبيرة التي عصفت بهذه المدينة، كما يبيّن
الجدول.)2(الجدول (2) عدد سكان المنامة بحسب تعدادات مختلفة السنة
عدد سكان المنامة
الملاحظات
| الملاحظات | عدد سكان المنامة | السنة |
|---|---|---|
| تقدير ثيودور بنت | 8000 | 1889 |
| تقدير صمويل زويمر | 10000 | 1896 |
| تقدير لوريمر | 25000 | 1904 |
| تقدير ناصر الخيري | 25000 | 1923 |
| بيانات رسمية | 27835 | 1941 |
| بيانات رسمية | 39648 | 1950 |
| بيانات رسمية | 55541 | 1959 |
| بيانات رسمية | 79098 | 1965 |
| بيانات رسمية | 89728 | 1971 |
| تإقدير جيمس بلغريف (((3 | 100000 | 1972 |
| تقدير موسوعة الإسام (((3 | 121000 | 1981 |
| بيانات رسمية | 153395 | 2001 |
يتبع
(((3 انظر بيانات البحرين على موقع الأمم المتحدة، شوهد في 2019/4/10، في: https://bit.ly/2I6QgCw (((3 محمد القصاص، «عضو بلدية العاصمة: الأجانب يمثلون %88 من سكان المنامة»، جريدة أخبار الخليج،.2010/6/17 وتجدر الإشارة إلى أن بيانات النائب البلدي تختلف عن بيانات الجهاز المركزي للمعلومات، والتي سنذكرها بعد قليل. (((3 بحسب جيمس بلغريف، فإن عدد سكان المنامة في عام 1971 بلغ 88785، وارتفع إلى 100000 في عام 1972، انظر:
Belgrave, pp. 16, 144. (36) C.E. Bosworth et al., «The Encyclopaedia of Islam,» vol. 6 (Leiden: E. J. Brill, 1991), p. 358.
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
تابع
394386 بيانات رسمية
| بيانات رسمية | 394386 | 2010 |
|---|---|---|
| بأيانات رسمية | 383595 | 2013 |
| بيانات الأمم المتحدة | 411200 | 2017 |
المصدر: من إعداد الباحث.
قدّر ثيودور بنت وزوجته عدد سكان المنامة، في عام 1889، ب 8000 نسمة، في حين قدّر صمويل زويمر، في عام 1896، عدد سكان البحرين ب 60000، ومن بينهم 10000 نسمة يعيشون في المنامة. وبعدها ببضع سنوات أشارت تقديرات جون غوردون لوريمر Lorimer. G. J، في 1905–1904، إلى أن عدد سكان المنامة بلغ 24800 إضافة إلى 200 شخص من غير المسلمين أي بمجموع 25000 نسمة. وهو عدد لم يتغيّر كثيرًا حتى عام 1923 عندما كان ناصر الخيري يكتب كتابه قلائد النحرين
في تاريخ البحرين، وقدّر، فيه، عدد سكان المنامة ب 25 ألف نسمة، موزعين بين 20 ألف مواطن، و 5 آلاف أجنبي بمن فيهم «العربي النجدي، والعراقي، والعجمي، والهندي، وغيرهم». كانت كل هذه تقديرات غير رسمية، أما الإحصاء الرسمي الأول فكان في عام 1941، إذ يشير إحصاء النفوس لعام 1941 إلى أن عدد سكان المنامة قد بلغ 27835 من بين 89970 هو مجموع سكان البحرين. ويتوزع سكان المنامة بين 17815 بحرينيًا، و 10020 أجنبيًا، غالبيتهم العظمى من الإيرانيين
(7547 نسمة). في حين كان عدد الهنود، في كل البحرين، لا يتجاوز 1424. ثم أخذ عدد سكان المنامة يتزايد كل عقد بوتيرة متسارعة، إذ ارتفع العدد بنسبة 43 في المئة في عام 1950 ليصل إلى 39648 من بين مجموع عدد السكان البالغ 109650 نسمة. وتضاعف العدد عما كان عليه في عام 1941، ليرتفع بنسبة 40 في المئة، إذ بلغ العدد، في عام 1959، 55541 من مجموع عدد السكان البالغ 143135 نسمة. وظل العدد يرتفع حتى بلغ 79098 في عام.1965 وفي عام 1971، عام الاستقال، وصل العدد إلى 89728؛ أي بما يقارب عدد سكان البحرين قاطبة في عام 1941، موزعين بين 59496 بحرينيًا، و 29903 من غير البحرينيين. ثم قفز العدد، في عام 1972،
ليبلغ 100000. وتجاوز حاجز مئة ألف نسمة في عام 1981، ليزيد على 121000. وتشير بيانات الجهاز
(37) S.M. Zwemer, Arabia: The Cradle of Islam (New York, Chicago and Toronto: Fleming H. Revell company, 1900), p. 99.
(((3 انظر: ج. ج. لوريمر، دليل الخليج: القسم الجغرافي، ترجمة قسم الترجمة بمكتب أمير قطر، ج 1 (الدوحة: مطابع علي بن علي، [د. ت.])، ص.300 (((3 ناصر الخيري، ق ئااد النحرين في تاريخ البحرين، تقديم ودراسة عبد الرحمن الشقير (المنامة: مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر، 2003)، ص.432 (((4 استقينا بيانات سكان المنامة للأعوام منذ 1950 حتى 1971 من:
Penelope Tuson (ed.) , Records of Bahrain, 1820–1960 , vol. 8 (Slough: Archive Editions, 1993), p. 733; Mahdi Abdalla Al–Tajir , Language and Linguistic Origins in Bahrain: The Baharnah Dialect of Arabic (London: Kegan Pual International, 1982) , pp. 6, 7, 177.
ربيع Spring 2019
المركزي للمعلومات إلى أن عدد سكان المنامة بلغ، في عام 2001، 153395 نسمة موزعين بين 45452 بحرينيًا، و 107943 أجنبيًا. وتضاعف العدد، في عام 2010، ليصل إلى 394386 نسمة، موزعين
بين 67861 بحرينيًا بنسبة 17 في المئة، و 326525 أجنبيًا. في حين ارتفع العدد، في عام 2013، إلى
383595 نسمة، موزعين بين 64575 بحرينيًا بنسبة 17 في المئة، و 319020 أجنبيًا. ويكشف هذا الجدول أن سكان المنامة كانوا يتزايدون بسرعة كبيرة منذ إحصاء عام 1941، إلا أن العدد قفز بصورة لافتة في عام 1981 كجزء من مفاعيل الطفرة النفطية، وتحوّل المنامة إلى مركز
إقليمي للعديد من البنوك والشركات الكبرى، وخاصة بعد الحرب الأهلية في لبنان في عام.1975 ومنذ الثمانينيات ظلّ سكان المنامة يتزايدون بوتيرة متسارعة وغير طبيعية حتى وصل العدد إلى 411200 نسمة في عام 2017، والغالبية العظمى من هؤلاء السكان أجانب، ومن العمالة الآسيوية تحديدًا. وهذه زيادة كبيرة جدًا بكل المقاييس، وهي زيادة أكبر من طاقة المنامة على الاستيعاب؛ الأمر الذي يعني بداية التدهور العام للخدمات والأوضاع والمرافق في المنامة التي أصبحت تفيض بسكانها حدّ الاختناق. والأهم أن هذه الزيادة المهولة تشير إلى أننا أمام تحوّل شامل في تركيبة سكان المنامة الإثنية، بل إن
المشهد ليبدو كأن المنامة، مدينة التجار ذات التنوع الكوزموبوليتاني، قد ضاعت، وضاعت معها المدينة العروبية، تلك المدينة التي حلمت بها هيئة الاتحاد الوطني منتصف الخمسينيات، أو حلم بها قادة الهيئة الرئيسون على نحو أدق، وأصبحت المنامة بمنزلة «الهند الصغيرة في البحرين» بحسب اسم المهرجان الذي نظمته هيئة البحرين للثقافة والآثار في كانون الأول/ ديسمبر 2015 في منطقة سوق المنامة القديمة. فما الذي جرى لتتحول المنامة من «مدينة التجار»، و«مدينة العالم»، ثم «مدينة الهيئة» العروبية إلى «الهند الصغيرة في البحرين»؟ ينبغي لنا أن نذكّر، هنا، بأن المنامة، على الرغم من كل هذه التحولات، لم تعرف تصادمات واضطرابات كبيرة بين مجموعاتها السكانية. غير أن الوجود الكبير لعمالة آسيوية فقيرة تعيش في ظروف معيشية وصحية صعبة، قد فتح باب شكوى الأهالي واسعًا، وأصبحت هذه الشكاوى ثيمة متكررة على ألسنة
الأهالي كما على صفحات الصحف اليومية، وهي شكاوى تتفاوت بين تجارة الدعارة، ومصانع الكحول غير المرخّصة، والتحرّش الجنسي، وبعض الاعتداءات، ومخاوف من ضياع الهوية الوطنية.
5. من مدينة الخيال المبلّطة بالذهب إلى واقع «الهند الصغيرة»
يذكر تشارلز بلغريف، في مذكراته، أن اكتشاف النفط، في ثاثينيات القرن العشرين في البحرين، فتح سوق العمل للعمالة الوافدة التي كانت «شوارع البحرين بالنسبة إلى هؤلاء الوافدين مبلّطة بالذهب»! وأخذ هؤلاء الوافدون الحالمون بالثراء السريع، والهنود على نحو خاص، في التكاثر بصورة تدريجية
(((4 انظر: «الإحصاءات الديموغرافية والضمان الاجتماعي»، منصة البحرين للبيانات المفتوحة، 2019/3/17، شوهد في
2019/4/10، في: https://bit.ly/2WRBSS6
(((4 الخليفة، تشارلز بلجريف، ص.206
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
حتى جاء عصر الطفرة النفطية منذ عام 1973 وارتفاع أسعار النفط، وما صاحبه من تحولات هائلة في اقتصادات دول الخليج وبُناها الاجتماعية والسياسية وأساليب الحياة ومنظومة القيم، فإذا بكل شيء
يتغيّر. والحقيقة أن عاقة المنامة بسكان شبه القارة الهندية مرّت بثاث مراحل أساسية، فقد استغرقت
المرحلة الأولى حقبة اللؤلؤ بأكملها حتى بدأت هذه التجارة في الكساد منذ أواخر العشرينيات من القرن العشرين، في حين امتدت المرحلة الثانية منذ اكتشاف النفط في الثاثينيات حتى الطفرة النفطية في عام 1973، لتبدأ، منذ منتصف السبعينيات، المرحلة الثالثة التي ما زالت مستمرة حتى الآن. كانت المنامة كما البحرين، في المرحلة الأولى، «هي في الحقيقة قبرص الخليج» كما سمّاها
ثيودور بنت وزوجته في عام 1889، وهي، كذلك، المصدر الأساسي للنخبة العربية التي كانت تقيم تواصلً كثيفًا وعميقًا مع بومباي التي كانت تمثل «بالنسبة إلى عرب البحرين، مركز عالم الحضارة » كما كتب صمويل زويمر في عام 1896. فقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر والعقود الثاثة الأولى من القرن العشرين، حركة تواصل واسعة بين البحرين وبومباي منذ أن ترسخت المنامة بوصفها حلقة ربط أساسية على خطوط التجارة الكولونيالية الممتدة من بومباي حتى البصرة. كانت المنامة، باختصار، قبلة العديد من التجار الهنود الذين استقرّوا فيها، وأقاموا، في القلب منها،
معبدهم العريق (معبد كريشنا)، وكان لهم ممثل منتخب في مجلس بلدية المنامة، وقاموا بأدوار كبيرة في «تحديث المكان» بما كانوا يجلبونه إلى البحرين، والخليج عمومًا، من أنواع عديدة من السلع
والمستلزمات الغربية مثل الأحذية والجوارب والمظات والماعق والسكاكين والمرايا وغيرها. كما أنهم كانوا، طوال هذه الفترة، يتمتعون باحترام كبير بين الناس في المنامة وفي الخليج عمومًا. وهو ما
أشار إليه التجار الهندوس في المنامة، في خطابهم إلى اللورد كرزون في عام 1903، حين كتبوا: «ونحن نتمتع في الخليج عمومًا بالاحترام وبعض الهيبة». على صعيد آخر، كانت بومباي، كذلك، قبلة البحرينيين من وجهاء المنامة والمحرق وتجارها للدراسة والتجارة والسياحة والاستشفاء وحتى منفى سياسي. ويبدو أن الهند كانت مقصدًا لوجهاء البحرين وتجارها وعلمائها منذ مدة طويلة، مثلها في ذلك مثل بقية إمارات الخليج. وترجع العاقات التجارية بين الهند والخليج إلى جذور بعيدة ضاربة في القدم. أما في العصر الحديث فقد توسّعت هذه العاقات بالتزامن مع ازدهار تجارة اللؤلؤ وتجارة الترانزيت،
وخاصة أن البحرين كانت، منذ القرن التاسع عشر، مركزًا أساسيًا في هذه التجارة، بل «كان أهل البحرين
عندئذٍ يسيطرون سيطرة شبه كاملة على تجارة اللؤلؤ في الخليج. وكانت وارداتهم من الهند تقدّر في
(43) Theodore Bent & Mrs. Theodore Bent, Southern Arabia (London: Smith Elder and Waterloo Place, 1900), p. 9. (44) Zwemer, p. 109.
(((4 ج. ج. لوريمر، دليل الخليج: القسم التاريخي، ترجمة قسم الترجمة بمكتب أمير قطر، ج 7 (الدوحة: مطابع علي بن علي، [د. ت.])، ص.3871
ربيع Spring 2019
ذلك الوقت بحوالي 10 لاكات [مئة ألف بالروبية الهندية] من الروبيات كل سنة»؛ ما سمح بهجرات وإقامات متبادلة بين أبناء الإقليمين. وفي هذا السياق، يكتنز التاريخ بقائمة طويلة من أسر البحرين التجارية والوجهاء الذين أقاموا في الهند أو تردّدوا عليها، إلى درجة أن المبشّر والطبيب بيورسيم كان
يشكو، في عام 1914، من هجرة الطاب البحرينيين إلى مدرسة الإرسالية الأميركية، حيث «صار الأولاد يتركون مدرستنا، ويذهبون إلى الهند أو بيروت لمزيد من الدراسة». لقد كانت بومباي مقصد العديد من أهل المنامة الذين درسوا وأقاموا وولدوا ودفنوا هناك منذ عام 1858 حتى عشرينيات القرن العشرين.
ويكفي أن نذكر أن واحدًا من أشهر شعراء البحرين (وهو إبراهيم العريض) وُلد في بومباي في عامِ 1908،
و«توفيت عنه أمه وهو رضيع، فنشأ في أحضان المربيات الهنديات، وتعلّم وتثقّف في مدارس بومباي الهند»، ولم يستقر في البحرين إلا وهو شاب في عام.1922 كما أن التأثير الهندي كان جليًّا في الطعام البحريني وفي كام أهل البحرين منذ قديم الزمان، حتى إن
مصطفى صادق الرافعي ذكر أن اللغويين العرب الأوائل مضوا إلى القبائل العربية في قلب البادية لتقعيد قواعد اللغة العربية، إلا أنهم لم يأخذوا من لغة القبائل في البحرين وعُمان «من عبد القيس وأزد
عمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين للهند والفرس». وكان التأثير اللغوي ظاهرًا وجليًا في القرن
التاسع عشر، حيث لاحظ صمويل زويمر أن هذا الاتصال القريب من الهند ترك أثره الواضح «في
الكام العربي في الجزيرة، والذي أصبح – حتى لو لم يشك ل لهجة خاصة – مليئًا بالكلمات الهندية». ثم توقفت هذه الحركة بعد كساد تجارة اللؤلؤ، ومجيء عصر النفط، واستقال الهند لاحقًا، ما حوّل
أنظار نخبة التجار البحرينيين عن الهند إلى البلدان الرأسمالية الصناعية في الغرب (أميركا وإنكلترا وإيطاليا وسويسرا وفرنسا وألمانيا والسويد وغيرها)، وفي الشرق الصناعي في ما وراء الهند، إلى اليابان بعد طفرة الإنتاج وصناعة السلع اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية. والجدير بالذكر أن أول شحنة نفط من شركة نفط البحرين «بابكو» تم تصديرها إلى اليابان. ويكفي أن نُلقي نظرة سريعة على ماركات السلع التي كان تجار البحرين يستوردونها من هذه البلدان في الأربعينيات والخمسينيات، حتى نتحقق من هذه الحقيقة، وهي أن بلدان الصناعة الرأسمالية الرئيسة أصبحت هي المصدر الرئيس
(((4 نورة محمد القاسمي، الوجود الهندي في الخليج، 1947–1820 (الشارقة: منشورات دائرة الثقافة والإعام، 1996)، ص.31 (((4 كانت الإقامة في الهند قاسمًا مشتركًا بين تجار الخليج من الكويت حتى عُمان. للتوسع في هذا الموضوع انظر: المرجع
نفسه، ص.40–35
(48) G.J. Van Peursem, «The Geography and Climate of Bahrein,» Neglected Arabia , no. 88 (January–March 1914(, p. 7.
(((4 انظر: عبد الكريم العريض، نافذة على التاريخ: بيت العريض (المنامة: المؤسسة العربية للطباعة والنشر، 1999)، ص 35، 40، (((5 محمد علي بن أحمد بن عباس التاجر البحراني، منتظم الدرين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين، تحقيق ضياء بدر آل سنبل، مج 1 (بيروت: مؤسسة طيبة لإحياء التراث، 2010)، ص.33 (((5 مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، راجعه وضبطه عبد الله المنشاوي ومهدي البحقيري، ج 1 (المنصورة: مكتبة الإيمان، [د. ت.])، ص.283
(52) Zwemer, p. 109.
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
لمعظم السلع الاستهاكية في الباد، وإن كان التعامل التجاري مع الهند لم ينقطع، إلا أنه تراجع واقتصر على السلع الغذائية الأساسية (الرز والسكر والطحين... إلخ). إلا أن هذه الفترة الانتقالية لم تكن سوى البداية لتحوّل طبقي واضح كان يغيّر تركيبة المنامة، وتركيبة الجالية الهندية القادمة إلى
البحرين منذ ثاثينيات القرن العشرين. فبعد أن كانت المنامة قبلة التجار والطبقة الإدارية الهندية المدرّبة من الذين استقروا في وسطها، إذا بها تتحوّل، منذ الثاثينيات، إلى قبلة أبناء الطبقة الوسطى
من الموظفين الهنود العاملين في شركة نفط البحرين أو في مكاتب البريد والجمارك أو في المحات التجارية. إلا أن توافد هذا العدد الكبير من العمالة الهندية المدرّبة في ظل زيادة عدد الشباب البحرينيين
العاطلين عن العمل آنذاك، جعل العاقة بهؤلاء الوافدين متوترة جدًا. وظلّ هؤلاء الوافدون يثيرون حفيظة النخب المحلية منذ الثاثينيات حتى عام 1971، ومرورًا بحركة المطالب الوطنية في عام
1938، وسنوات الهيئة (1956–1954)، وانتفاضة آذار/ مارس 1965. وفي الوقت الذي كان هذا التغيير الطبقي داخل الجالية الهندية يأخذ مجراه ويتوسع مع الزمن، كانت المنامة، كمدينة كوزموبوليتانية، آخذة في التغيّر والتحول من «قبرص الخليج» و«بومباي العربية» إلى «مدينة القومية العربية». وهو
تغيّر بلغ أوجه في الخمسينيات، إلا أن جذوره القريبة ترجع إلى الثاثينيات بعد اكتشاف النفط، وإلى
حركة المطالب الوطنية في عام 1938 على نحو خاص. فقد كان من بين مطالب هذه الحركة إعطاء الأولوية للبحرينيين للعمل في شركة نفط البحرين والدوائر الحكومية، كما طالبت الحركة بالمساواة الكاملة بين العمال البحرينيين والأجانب، والهنود على نحو خاص، في شركة نفط البحرين، وكان ذلك يشمل المساواة في الرواتب وجميع الحقوق الأخرى التي كان يتمتع بها الأجانب مثل المواصات وماء الشرب والوقود والإضاءة والإجازات والتعليم والتعويضات وعدم الفصل التعسفي. وبقي الكثير من هذه المطالب قائمًا إلى سنوات الهيئة، وحتى انتفاضة آذار/ مارس.1965 إلا أن الطفرة النفطية في عام 1973 غيّرت سوق العمل في البحرين، والخليج عامة، تغييرًا بنيويًا،
وغيّرت معه تركيبة الجالية الهندية التي أصبحت تأتي، في غالبيتها، من فقراء الطبقات الدنيا غير
المدرّبة، والتي احتلّت سوق العمل حتى صارت تمثّل «في منتصف السبعينيات أكثر من %60 من
القوى العاملة في الباد»، وتتركّز، على نحو خاص، في قطاع مقاولات البناء والإنشاءات. وقد أظهر إحصاء عام 1971 أن الحكومة كانت هي أكبر مستخدم للعمال في الباد، فكانت الحكومة تتألف من «أكثر من 10000 موظف، ويأتي بعدها مصنع النفط ب 6940 عاملً. أما قطاعات العمل المهمة الأخرى فكانت مقاولات الإنشاء والبناء التي تشغّل 8328 عاملً»، كانت غالبيتهم العظمى
(((5 الخوري، ص 341. تمثل ظاهرة الخلل السكاني معضلة عامة في بلدان الخليج العربية، وقد تفاقمت هذه المعضلة بصورة سريعة بعد الطفرة النفطية، وخال الفترة 1985–1975، كان معدل نمو مواطني الخليج قد بلغ 3.9 في المئة، بينما وصل معدل النمو السنوي للوافدين إلى 11.1 في المئة، أي نحو ثاثة أضعاف نسبة معدل نمو المواطنين؛ الأمر الذي جعل الوافدين يمثلون ما يقارب
70 في المئة من الأيدي العاملة في المنطقة في منتصف الثمانينيات. للتوسع في هذا الموضوع. انظر: عمر الشهابي (محرر)، اقتلاع
الجذور: المشاريع العقارية وتفاقم الخلل السكاني في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تقديم علي خليفة الكواري وعلي فهد الزميع (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص.64–57
(54) Belgrave, p. 16.
ربيع Spring 2019
من الآسيويين. إلا أن هذه البيانات تحوّلت، بصورة جذرية، بعد الطفرة النفطية، وبعد انطاق ورشة
العمل الضخمة لمشاريع التخطيط العمراني الكبيرة خال السبعينيات والثمانينيات. وهو ما استدعى
الحاجة إلى أيدٍ عاملة رخيصة وبأعداد كبيرة لتقوم بكل هذه المشاريع التي كانت تعيد هيكلة البلد بأكمله آنذاك. وقد جاءت هذه العمالة الرخيصة من شبه القارة الهندية، واستقرّت في المنامة، ثم أخذت تتمدّد في
معظم أحياء المنامة بعد أن هجرها أهلها إلى الضواحي الجديدة، والحدائق السكنية المرفهة، والمدن والمشاريع الإسكانية الجديدة، ثم راحت تتمدد حتى في الضواحي التي كانت، خال الخمسينيات والستينيات، مناطق سكنية راقية، ومسكن العديد من الوجهاء وعائات البحرين التجارية. وفي سياق هذه التطورات الأخيرة، أقامت هيئة البحرين للثقافة والآثار، في كانون الأول/ ديسمبر 2015، مشروعًا سمّته «الهند الصغيرة في البحرين» في منطقة السوق وباب البحرين، وهو مهرجان
متنوع الفعاليات والنشاطات، إذ عُرضت فيه حفات موسيقية هندية، ومأكولات هندية متنوعة،
وعروض فنية واستعراضات هندية، كما أن هذا المهرجان احتفى، في عام 2016، بمناسبات هندوسية خاصة كعيد «الهولي» الذي يحتفل به الهنود استعدادًا لدخول فصل الربيع. وعلى الرغم من أن هذا المهرجان جاء جزءًا من حملة ترويج للمنامة كعاصمة للسياحة العربية والآسيوية والخليجية، فإنه
يأتي، كذلك، إشارةً واضحة إلى تحوّل المنامة إلى «هند صغيرة.» ويمكن أن يكون الإحصاء مؤشرًا كاشفًا عن حجم التحول الطبقي لتركيبة الجالية الهندية في المنامة،
فحين كانت الجالية الهندية تتألف من نخبة التجار كان العدد محدودًا جدًا، ولم يكن يتجاوز المئات، إلا أنه قفز إلى الآلاف بعد اكتشاف النفط، فارتفع العدد في عام 1959 بنسبة 179 في المئة عما كان عليه في عام 1941. ثم حصلت الطفرة السكانية المهولة بعد الطفرة النفطية ليتجاوز العدد حاجز مئة ألف كما يبين الجدول.)3(الجدول (3) أعداد الوافدين من شبه القارة الهندية في المنامة بحسب تعدادات مختلفة عدد الوافدين من شبه
| الملاحظات | عدد الوافدين من شبه القارة الهندية (((5 | السنة |
|---|---|---|
| تقدير الكابتن جورج بروكس | 400 | 1825 |
| تقدير لوريمر | 200 | 1905/1904 |
| بيانات رسمية | 1424 | 1941 |
| بيانات رسمية | 3043 | 1950 |
يتبع
(((5 يشمل عدد الهنود والبنغاليين والباكستانيين.
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
تابع
6762 بيانات رسمية
| بيانات رسمية | 6762 | 1959 |
|---|---|---|
| بيانات رسمية | 12034 | 1971 |
| تقديرات من مصادر متنوعة | 69950 | 1980 |
| تقديرات من مصادر متنوعة | 150000 | 2002 |
| تقديرات من مصادر متنوعة | 170000 | 2004 |
| بيانات رسمية | 374734 | 2015 |
| بيانات رسمية | 424084 | 2018 |
المصدر: من إعداد الباحث.
وتبدو المنامة اليوم نموذجًا صارخًا عن تقلّب الأحوال وانقاب المصائر، فبعد أن كان رجال هيئة
الاتحاد الوطني، خال منتصف الخمسينيات، يجتهدون ويكافحون من أجل تعريب المدينة على نحو شامل لتكون كل البحرين جزءًا من «الوطن العربي الكبير»، وبعد سياسات التعريب النشطة التي قامت
بها الحكومة، إذ بالمنامة اليوم أصبحت، وبقوة الوجود الآسيوي الفعلي الهائل على الأرض، أشبه ب «هند صغيرة»، ولكن با شوارع مبلّطة بالذهب!
خاتمة
حاولت هذه الدراسة رسم المسار التاريخي للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والديموغرافية التي مرّت بها عاصمة خليجية هي مدينة المنامة بمملكة البحرين طوال قرن من الزمان. وسعت، كذلك،
إلى وضع كل هذه التحولات في سياقها الأشمل الذي أسهمت فيه عوامل ومعطيات كثيرة، من كساد تجارة اللؤلؤ أواخر عشرينيات القرن العشرين إلى اكتشاف النفط في الثاثينيات، إلى الطفرة النفطية منتصف السبعينيات، إلى الزيادة السكانية الكبيرة التي فرضت ضرورة النمو العمراني الكبير والمتسارع للمدينة، إلى توافد أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية التي كانت القوة الأكبر في سوق العمل منذ منتصف السبعينيات حتى الآن، والتي كانت قد استقرت في الجزء الأكبر من المدينة القديمة وضواحيها بعد أن هجرها سكانها الأصليون إلى المدن والضواحي الجديدة. أضف إلى كل هذا نمو تيارات الإسام السياسي بعد انحسار المدّ القومي واليساري، وبداية تحوّل المنامة القديمة إلى مدينة عتيقة، وأخيرًا
محاولة تحويل هذه المدينة القديمة إلى وجهة أساسية للسياحة الداخلية والخارجية.
References
المراجع
العربية
الباكر، عبد الرحمن. من البحرين إلى المنفى «سانت هيلانة.» طهران: منشورات إسماعيليان،.1994 البحراني، محمد علي بن أحمد بن عباس التاجر. منتظم الدرين في تراجم علماء وأدباء الأحساء والقطيف والبحرين. تحقيق ضياء بدر آل سنبل. بيروت: مؤسسة طيبة لإحياء التراث،.2010
التاجر، محمد علي. عقد اللآل في تاريخ أوال. إعداد وتقديم إبراهيم بشمي. المنامة: مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر،.1994 الخليفة، مي محمد. تشارلز بلجريف: السيرة والمذكرات (1957–1926). بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2000.________ مائة عام من التعليم النظامي في البحرين: السنوات الأولى للتأسيس. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.1999 الخيري، ناصر. قلائد النحرين في تاريخ البحرين. تقديم ودراسة عبد الرحمن الشقير. المنامة: مؤسسة الأيام للصحافة والطباعة والنشر،.2003 الخوري، فؤاد إسحاق. القبيلة والدولة في البحرين: تطور نظام السلطة وممارستها. بيروت: معهد الإنماء العربي،.1983 الرافعي، مصطفى صادق. تاريخ آداب العرب. راجعه وضبطه عبد الله المنشاوي ومهدي البحقيري. المنصورة: مكتبة الإيمان، [د. ت.]. الشهابي، عمر (محرر.) اقتلاع الجذور: المشاريع العقارية وتفاقم الخلل السكاني في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. تقديم علي خليفة الكواري وعلي فهد الزميع. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 عبد الملك، محمد. موت صاحب العربة. ط 2. بيروت: منشورات دار المشرق العربي الكبير،.1979 العريض، عبد الكريم. نافذة على التاريخ: بيت العريض. المنامة: المؤسسة العربية للطباعة والنشر،
القاسمي، نورة محمد. الوجود الهندي في الخليج،.1947–1820 الشارقة: منشورات دائرة الثقافة والإعام،.1996 لوريمر، ج. ج. دليل الخليج: القسم التاريخي. ترجمة قسم الترجمة بمكتب أمير قطر. ج 7. الدوحة: مطابع علي بن علي، [د. ت.]..________ دليل الخليج: القسم الجغرافي. ترجمة قسم الترجمة بمكتب أمير قطر. ج 1. الدوحة: مطابع علي بن علي، [د. ت.]. المديرس، فاح. الحركات والجماعات السياسية في البحرين، 2002–1938. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.2003 نخلة، إميل. البحرين: التطور السياسي في مجتمع متحدّث. ترجمة عبد النبي العكري. تصحيح وتدقيق المركز الوطني للدراسات. بيروت: دار الكنوز الأدبية،.2006
ربيع Spring 2019
تل
معادلات الديموغرافيا والألسمة او: التحولات الاجتامعية التاريخية لمدينة المنامة
الأجنبية
Al–Nabi, Mohammad Noor. The History of Land Use and Development in Bahrain. Manama: Information Affairs Authority, 2012. Al–Tajir, Mahdi Abdalla. Language and Linguistic Origins in Bahrain: The Baharnah Dialect of Arabic. London: Kegan Pual International, 1982. Belgrave, James. Welcome to Bahrain. 8 th ed. Manama: The Augustan Press, 1973. Bent, Theodore & Mrs. Theodore Bent. Southern Arabia. London: Smith Elder and Waterloo Place, 1900. Bosworth, C.E. et al. «The Encyclopaedia of Islam.» vol. 6. Leiden: E. J. Brill, 1991. Louer, Laurence. Transnational Shia Politics: Religious and Political Networks in the Gulf. London: Hurst, 2008. Peursem, G.J. Van. «The Geography and Climate of Bahrein.» Neglected Arabia. no. 88 (January–March 1914). Tuson, Penelope (ed.). Records of Bahrain, 1820–1960. vol. 8. Slough: Archive Editions, 1993. Zwemer, S.M. Arabia: The Cradle of Islam. New York; Chicago and Toronto: Fleming H. Revell Company, 1900.