شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية في مجتمعات هجينة: قراءة في دور منصة تويتر في قطر
Social Networks and Communication Culture in Hybrid Societies: A Reading in the Role of Twitter in Qatar
الملخّص
تسعى هذه الدراسة إلى فهم الأثر العميق لتحول الفضاء العمومي الاتصالي في دولة قطر في عصر الرقمنة والتشبيك، ودوره في تغيير الثقافة التواصليّة. يقوم الباحث، مستفيدًا من نظريات الاتصال، برصد دور شبكات التواصل الاجتماعي في تنشيط الاتصال والتواصل، وبروز هذه الشبكات بوصفها مجالًا عامًا يتجاوز العوائق البنيوية التي ينتجها نمط التمدين في الخليج العربي. وتتوصل هذه الدراسة إلى أنَّ هنالك مؤشرات تدل على أن المجال العام الافتراضي في قطر ساهم في تحدّي هرم التواصل التقليدي الذي طالما هيمنت عليه الدولة. وعملت الدراسة على تتبع حالتين "هاشتاغين" أثارا متابعة وردودًا مختلفة على صفحات تويتر، وهما انتقاد محتوى مقرر التربية الإسلامية، واستنكار استضافة وفد رياضي إسرائيلي.
Abstract
Abstract: This study explores the profound impact of the transformation of the public communication space in Qatar in the era of digitization and social networking, and its role in changing the culture of communication. Based on communication theories, the research monitors the role of social networks in activating communication, and the emergence of these networks as a public domain to transcend the structural obstacles produced by urbanization patterns in the Arab Gulf Countries. The study concludes that there are indications that the public domain in Qatar has contributed to challenging the classic communication hierarchy that has long dominated the country. The study tracked two cases of «Hashtag» follow–up effects and various responses on Twitter, namely criticism of the content of the Islamic education curriculum and the condemnation of hosting an Israeli sports delegation.
- شبكات التواصل الاجتماعي
- التغيير الاجتماعي
- الفضاء العمومي
- Social Networks
- Social Change
- Public Space
ملخص: تسعى هذه الدراسة إلى فهم الأثر العميق لتحول الفضاء العمومي الاتصالي في دولة قطر في عصر الرقمنة والتشبيك، ودوره في تغيير الثقافة التواصليّة. يقوم الباحث، مستفيدًا من
نظريات الاتصال، برصد دور شبكات التواصل الاجتماعي في تنشيط الاتصال والتواصل،
وبروز هذه الشبكات بوصفها مجالً عامًا يتجاوز العوائق البنيوية التي ينتجها نمط التمدين
في الخليج العربي. وتتوصل هذه الدراسة إلى أنَّ هنالك مؤشرات تدل على أن المجال العام الافتراضي في قطر ساهم في تحدّي هرم التواصل التقليدي الذي طالما هيمنت عليه الدولة. وعملت الدراسة على تتبع حالتين «هاشتاغين» أثارا متابعة وردودًا مختلفة على صفحات
تويتر، وهما انتقاد محتوى مقرر التربية الإسامية، واستنكار استضافة وفد رياضي إسرائيلي.
Abstract: This study explores the profound impact of the transformation of the public communication space in Qatar in the era of digitization and social networking, and its role in changing the culture of communication. Based on communication theories, the research monitors the role of social networks in activating communication, and the emergence of these networks as a public domain to transcend the structural obstacles produced by urbanization patterns in the Arab Gulf Countries. The study concludes that there are indications that the public domain in Qatar has contributed to challenging the classic communication hierarchy that has long dominated the country. The study tracked two cases of «Hashtag» follow–up effects and various responses on Twitter, namely criticism of the content of the Islamic education curriculum and the condemnation of hosting an Israeli sports delegation.
Researcher holds a doctorate in communications from the Faculty of Humanities and Literature at the University of Hassan II in Casablanca.
ربيع Spring 2019
مقدمة
تروم هذه الدراسة تتبّع التغيرات الملموسة التي شهدتها سياسة ربط الفضاء العمومي
للمجتمع القطري بالإنترنت، والتي هدفت أساسًا إلى تحديث هياكل الدولة الوطنية ومؤسساتها الامركزية، وتطوير عاقتها بالفاعلين المجتمعيين، الذين يتأثرون بدورهم بالتحولات الاجتماعية العميقة التي تخلّفها عملية التمدين، والتحديث الفوقي، إضافةً إلى تحسن مستويات التعليم؛ حيث ساهمت هذه العوامل في تيسير استخدام الإعام بتحكم أكبر في التقنية والتلقي وإنتاج المحتوى. وهذا ما يبرز جليًا في استخدامات منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تمثل مجالً
للتعبير والنقاش بين فاعلي المجتمع المدني والحكومة والمواطن العادي. وتساهم هذه البرامج في تأطير المشاركة، وفي التعبئة السياسية Mobilisation Political، وفي إنتاج أشكال جديدة من المواطنة التي تتفاعل مع الأحداث الداخلية والخارجية وتناقشها، ومن ثمّ المساهمة في تشكيل الرأي
العام. سمحت ثورة منصات التواصل الاجتماعي في قطر ببلورة تصوّرات جديدة للفضاء العمومي، أنتجت
مساحات جديدة يتفاعل فيها السياسي مع التواصلي، منتجًا شريحةً جديدة من الفاعلين الاجتماعيين وقادة الرأي الجدد. ولأجل ذلك، عملت الدراسة على تتبع حالتين «تغريدتين» أثارتا متابعة وردودًا محلية مختلفة على صفحات تويتر في قطر، وهما انتقاد محتوى مقرر التربية الإسامية، واستنكار التطبيع إثر استضافة وفد رياضي إسرائيلي. وقد تمّ التوصل إلى أن هذه الوسائط الاتصالية الجديدة، أضحت عامل مؤثرًا في شكل العاقة
وأنماطها بين الدولة والمجتمع بمواطنيه وفاعليه. وهذا يعني تحول هذه الشبكات التفاعلية إلى مصدر للمعلومة، وحلبة للحجاج بالأفكار ولممارسة الحق في الاتصال والمتابعة والمساءلة. وقد انطلقت الدراسة من فرضية أهمية هذه الوسائط في تشييد عناصر جديدة للتداول داخل المجال العام، من خال التركيز على قابلية المجتمع القطري، بتنوعه الثقافي والاجتماعي، للتفاعل مع التقنية والاستفادة منها لتوسيع مساحة الفعل التواصلي. وتستند هذه الدراسة إلى مقاربات عاماتية اتصالية لتحليل معالم معالجة الإشكالية، ومن ثمّ رسم محددات التغيير وإمكانية الانتقال من السلبية إلى
التفاعلية المجتمعية.
مشكلة الدراسة
موضوع هذه الدراسة هو تحديد دور الوساطة الذي أصبحت تضطلع به منصات التواصل الاجتماعي في دولة قطر؛ باعتبار هذه المنصات أدوات وسائطية رقمية يعتمدها المستخدم المتواصل القطري في متابعة الأحداث الراهنة. والسؤال الرئيس الذي نطرحه هو التالي: هل ساهم التفاعل عبر شبكات التواصل الاجتماعي في تشكل فضاء اتصالي تداولي عمومي في قطر؟
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
نفرّع السؤال الرئيس إلى عدة أسئلة متكاملة تسعى إلى الإلمام بسياق الظاهرة وأبعادها: كيف تمارس
التفاعلية لدى مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي؟ وهل استطاع تفاعل مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي التأثير في الثقافة التواصلية حول القضايا المجتمعية؟ إذا كان الجواب نعم، كيف سمحت الحالة التفاعلية بين المواطنين والفاعلين الحكوميين، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بتشكل فضاء تداولي عمومي؟ استخدمتالدراسة منهجًا تركيبيًا يائم طبيعة البحث في ميدان علوم الاتصال والإعام، بحكم تعدد
مشاربه وتباينها؛ الأمر الذي استلزم اعتماد مقاربة منهجية مركبة ما بين التخصصات، تستقي مواردها وآلياتها من متابعة وصفية للحدث الإعامي على المنصات، وتحليل تفاعل الجمهور معه، ومقارنته بباقي الأشكال التفاعلية. كما استفادت لدراسة من البيانات الشحيحة التي يوفرها موقعا وزارة ا التخطيط والإسكان والمواصات، ثمّ رصد «هاشتاغات» تخص نماذج استأثرت بمتابعة من القطريين
بالتعليق والنقاش. في مستوى الأدوات البحثية للدراسة، تمّ التركيز على دراسة حالة تفاعل الجمهور القطري مع حدثين
طبعا الحياة الاتصالية على منصات التواصل في بداية الموسم الدراسي خال شهري أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر 2018، أحدهما تربوي ثقافي، والآخر رياضي سياسي. تستفيد الدراسة من مفاهيم نظريات الاتصال والتواصل. قبل الشروع، لا بد من التنبيه إلى أنه جرى بين بعض الباحثين في علوم الاتصال الجديدة التمييز بين: • الشبكات الاجتماعية Networks Social: مفهوم أساسي من مفاهيم علم الاجتماع يحيل على العاقات المنتظمة التي تجمع أفرادًا ومجموعات ومنظمات، ويجري استخدامه اتصاليًا على
اعتبار أن مواقع الاتصال الحديثة هي موطن ومكان لإدارة هذه العاقات بين الأفراد وإبرازها وتطويرها. • الإعام الجديد Media New أو الميديا الجديدة: ويشمل فئة جديدة من ميديا الاتصال تتيح التفاعل في إطار جماعة ما سواء أكانوا يعرفون بعضهم أم لا، يوجدون في مكان جغرافي واحد أم لا. • منصات التواصل الاجتماعي Media Social: هو مصطلح يحيل إلى فئة واسعة من البرامج التي تقوم على عدة وظائف كالتفاعل ونشر المضامين وبناء شبكات من العاقات الاجتماعية. ويبدو لنا أن هذا الوصف هو الأنسب والأكثر تعبيرًا عما نحن بصدده، نظرًا إلى استثماره تقنيات الإعام الجديد
ولارتكازه على التفاعل والتداول بين الأفراد والمجموعات.
(((جامعة الدول العربية، عصر الميديا الجديدة، سلسلة بحوث ودراسات إذاعية، العدد 78 (تونس: منشورات اتحاد إذاعات الدول العربية، 2016)، ص 7،.126
ربيع Spring 2019
أولا: مساءلة دور شبكات التواصل الاجتماعي في مجتمعات هجينة
ساعدت الوفرة المالية وسرعة ربط المجتمع في دولة قطر بالتقنية الرقمية، وتشبيكه معلوماتيًا بتوطيد
البنيات القاعدية وهياكلها الحديثة وفق مفاهيم الدولة العصرية المبنية، على تسريع وتيرة الولوج إلى مجتمع المعلومات. وفي الوقت نفسه، عملت على مواكبة عملية التحديث ومفاعيلها التطبيقية على الممارسة السياسية وتسيير الشؤون العامة وأركان المجتمع وموقع الفرد القطري داخل هذه التركيبة المتشابكة، التي أتاحت له أن يطوّر طرقًا جديدة للتأثير في القضايا العمومية. لكن بالنظر إلى التركيبة الهجينة للمجتمع القطري وبناه وهياكله الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي تشكّل عاقات القوة والنفوذ والولاء وتعيد تشكيلها، وبالتدقيق كذلك في مجهودات الدولة المركزية في التحديث الفوقي الذي يعيد تشكيل المجتمع القطري ويهجن باستمرار المحلّي بالعالمي، فإن ذلك أفضى إلى تول د ثقافة وليدة مباينة لمحلية الذات ونسقها الثقافي وكيفيات إدارتها المنبثقة من تحول المجتمع؛ فجرفت في ديناميتها المتوثبة أفواجًا ضمن أنساق اجتماعية جديدة،
الأمر الذي أوجد أيضًا أنواعًا جديدة من الثقافات التواصلية، ارتهن بجهاز مستحدث من العائق
الاجتماعية حيث يختلط المحلّي بالعالمي. وفي هذا المجال، أدت وسائل الاتصال الحديثة، وتحديدًا وسائل التواصل الاجتماعي، عقب توغلها في مفاصل الحياة اليومية للأفراد والمؤسسات، أدوارًا محوريةً في تحدي أشكال التواصل الكاسيكية
التي تفرضها السلط السياسية والثقافية والاقتصادية وطرق انتقال المعلومة وتداولها. ويرجع أثر ذلك إلى الأهمية التي اكتستها هذه الوسائط التفاعلية لدى المجتمعات الانتقالية Societies Transitional، وخاصة تلك التي يغلب على ديموغرافيتها فئة الشباب (ممن هو تحت سن 30 عامًا، وبنسبة 64 في
المئة يستعمل هذه الوسائط) الناشئة في المدن العصرية، والمترعرعة في ضروبها الذكية، والمتعلمة في جامعاتها الحديثة المحليّة أو العالمية، والمتخرجة في مدارسها الوطنية المستقطبة أطرًا أجنبية
(عربية وغربية)، أو بحكم الابتعاث إلى الخارج، مما أفرز فضاءً جديدًا له من المقومات والمحددات
ما يكرس مخرجات «متمردة» على الثقافة التواصلية السائدة. وعلى هذا الأساس، تروم هذه الدراسة رصد دور هذه الوسائط الاجتماعية، والعمل على تتبع مفاعيلها وتحليل صيرورتها الأداتية والتكوينية في رسم معالم جديدة لاستمرار السلطة السياسية أو مساءلتها.
(((انظر: هارفي مولوتش ودافيد بونزيني، «التوسّع المديني الخليجي الجديد: حلبات الاختبار، والحلول الالتفافية، وحدود المدن
المستحدثة»، عمران، مج 7، العدد 28 (ربيع.)2019
(3) Fadi Salem, The Arab Social Media Report 2017: Social Media and the Internet of Things: Towards Data–Driven Policymaking in the Arab World , vol. 7 (Dubai: MBR School of Government, 2017), p. 32, accessed on 30/4/2019, at: https://bit.ly/2rbpEGe
(((محمد قيراط ومحمد عايش، «استخدامات وإشباعات الإنترنت، دراسة ميدانية تحليلية لشباب الإمارات العربية المتحدة»، في:
ماجد بوشليبي وآخرون، ثقافة الإنترنت وأثرها على الشباب، وقائع ندوة علمية (الشارقة: دائرة الثقافة والإعام، 2006)، ص.53
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
ثانيًا: تحولّات الثقافة التواصلية في قطر
1. المجتمع القطري: مؤشرات ديموغرافية
وفق الأرقام الشهرية التي تصدرها وزارة التخطيط التنموي والإحصاء الخاصة بالأفراد من الأعمار كافة، الذين يعيشون داخل دولة قطر إلى حدود 30 كانون الأول/ ديسمبر 2018، فقد شارف العدد على 2674320 شخصًا، يبلغ عدد الذكور زهاء 2015284، في حين يبلغ عدد الإناث 659036. وضمن هذا العدد، يصل تقريبًا عدد الأجانب أو ما يصطلح عليه داخليًا بالمقيمين، ما يقارب مليونين و 100
ألف أجنبي، أي أن عدد المواطنين القطريين يتخطى نصف المليون، وتحديدًا 541669 شخصًا بنسبة 21 في المئة من إجمالي السكان.
2. البنية التحتية للمجتمع الاتصالي في قطر
أدت الدولة في قطر الدور الأساس في الاستثمار ببنية تحتية بتكنولوجيا الاتصال، بهدف خلق مجتمع رقمي متكامل يتمتع جميع أفراده بفرص متساوية للنفاذ إلى التكنولوجيا، عبر توفير فرص لتعزيز جاهزيتهم للمشاركة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة. ووضعت لأجل ذلك إستراتيجيات تهم مجال المواصات والاتصالات، من خال إنشاء بنية تحتية وتشييد محطات ومراكز توصيل مفتوحة للجميع كحدائق الإنترنت (الرميلة، الشيراتون، دحل الحمام، الخور، الوكرة، دخان)، بغية تحسين الأداء الرقمي وتجويده من خال أنظمة كنظام التوثيق الوطني الذي يهدف إلى إدارة وحوكمة الهوية الرقمية لمستخدمي المواقع والبرامج الإلكترونية من الأفراد والشركات بغية توفير طرق متعددة تمكنهم من الدخول الموحّد إلى جميع الخدمات الإلكترونية الحكومية على نحو سلس وسريع
وآمن، عاوة على بوابة الحكومة الإلكترونية «حكومي 3»، إضافةً إلى بدء تنفيذ أول شبكة للجيل الخامس (5G) المتنقلة على مستوى العالم (كموقع سيف سبيس Space Safe). وتندرج كل هذه المبادرات، بحسب وزارة الاتصالات والمواصات، ضمن مخطط يرمي إلى جعل دولة قطر دولة رائدة إقليميًا في تبني أحدث التقنيات التكنولوجية المتنقلة، وتسير على طريق أن
تصبح أمة ذكية. وهو ما انعكس بحصول قطر على المرتبة 27 عالميًا والثانية عربيًا (بعد الإمارات
(((دولة قطر، وزارة التخطيط التنموي والاقتصاد، «إجمالي السكان المتواجدين في قطر»، شوهد في 2019/1/6، في:
https://bit.ly/2VxUqcT
(((المرجع نفسه. (((«شؤون المجتمع الرقمي»، وزارة المواصات والاتصالات، شوهد في 2019/4/30، في: https://bit.ly/2PzNIxE (((«الوزارة تطلق نظام التوثيق الوطني ‘توثيق’»، وزارة المواصات والاتصالات، 2019/3/7، شوهد في 2019/4/30، في:
https://bit.ly/2GUJJJC
(((«شؤون المجتمع الرقمي.» (((1 دولة قطر، وزارة الاتصالات والمواصات، الوزارة تصدر تقريرًا عن برامج ومبادرات المجتمع الرقمي بمناسبة اليوم العالمي
لإنترنت أكثر أمنًا، 2018/2/5، شوهد في 2019/01/8، في: https://bit.ly/2RCrMFy
ربيع Spring 2019
العربية المتحدة في المرتبة 26) في مؤشر جاهزية الشبكات بالتقرير العالمي لتكنولوجيا المعلومات لعام 2016 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي بجنيف Forum Economic World.
3. مستويات استعمال القطريين الوسائط الاتصالية
سجل المجتمع القطري في السنوات الأخيرة استخدامًا كبيرًا للإنترنت، بلغ نسبة استخدام قاربت 100
في المئة بعد أن كان في حدود 85 في المئة سنة 2013، بما يناهز 45 ساعة أسبوعيًا بحسب دراسة
مسحية قامت بها جامعة نورثويسترن Northwestern. وأتت وسائل الاتصال الاجتماعي في مقدمة النشاطات؛ ف 93 في المئة من السكان يستخدمون برامج واتساب، و 70 في المئة أنستغرام، و 64 في المئة سناب شات، وهي النسبة الأعلى في العالم العربي، ثم يعقبه برنامج تويتر في الترتيب. وتُوّج
هذا التألق على حساب أشهر مواقع في العالم، وهما فيسبوك الذي تراجع إلى 23 في المئة، ويوتيوب إلى 39 في المئة سنة 2017. وتوصلت دراسة جامعة نورثويسترن نفسها بقطر إلى أن ثلثي المواطنين يستقون موارد أخبارهم من الهواتف الذكية. في المقابل، يتنوع الوعي بهذه المنصات من لدن الرجال والنساء؛ ف 57 في المئة من النساء على دراية بسنابشات، بينما لم تتجاوز نسبة استخدامهن الفعلية 15 في المئة فقط. وعلى النقيض، نجد أن 45 في المئة من الرجال على دراية به، ومع ذلك كانت نسبة الاستخدام متماثلة تقريبًا، 14 في المئة. كما ياحظ تفاوت في الاستخدام بين الجنسين، فرغم أن مستوى المعرفة بهذه
المنصات عند الرجال أقل مقارنة بالنساء، فإنهم يفضلون فيسبوك وتويتر وبي بي إم BBM ومنتديات الإنترنت، في حين تميل النساء أكثر إلى استخدام أنستغرام وباث Path والواتساب. يضاف إلى هذا، نقطة مهمة جدًا، وهي نظرة القطريين إلى هذه المنصات ومعرفتهم بأحدثها مقارنة بغيرهم، فباستثناء برنامج واتساب الذي يحتل فيه القطريون المرتبة الثانية ب 97 في المئة مقابل معرفة 98 في المئة من باقي المجتمعات العربية، فإن لهم قصب السبق في معرفة آخر المنصات، مثل سنابشات ب 77 في المئة مقابل 39 في المئة، وأنستغرام 97 في المئة مقابل 65 في المئة، وحتى تطبيق باث الجديد، فحوالى ربع القطريين قد سمع عنه في حين 7 في المئة من غيرهم.
(11) Silja Baller, Soumitra Dutta & Bruno Lanvin (eds.), The Global Information Technology Report 2016, Innovating in the Digital Economy , World Economic Forum, INSEAD, Cornell University (Geneva: 2016), p. xiii, accessed on 30/4/2019, at: https://bit.ly/29AzwRq
(((1 انظر دراسة جامعة نورثويسترن:
«Media Use in the Middle East, 2017, A seven–nation survey by Northwestern University in Qatar,» at: https://bit. ly/2zaz7iH
((1(شوقي مهدي، «القطريون أكثر اتصالً بالوسائط الرقمية...» موقع لوسيل، 2018/9/29، شوهد في 2019/03/23، في:
https://bit.ly/2ULrNpc (14) «Media Use in the Middle East».
(((1 «التعرف على شبكات التواصل الاجتماعي في قطر»، وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، آذار/ مارس 2015، شوهد في 2018/12/20، ص 8–7، في: https://bit.ly/2ZKsT7p
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
4. من دوافع الإقبال على الوسائط الاجتماعية
لا يمكن الحديث عن مستويات حضور وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمعات الخليجية، من دون فهم دور الدولة الخليجية في إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والثقافية المحلية، وفي تهجين المحلّي بالعالمي منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي؛ على نحو أنتج نمط ا خاصًا وفريدًا من
التمدين الذي فرض عوائق بنيوية على نشوء مجال عام مستقلّ عن الدولة. أما ما يمكن ماحظته هنا، هو أنّ التغير الهيكلي الاتصالي الناتج من كثافة استعمال الوسائط الاجتماعية قد ساهم إلى حدٍّ بعيد في التعويض عن نشوء المجال العام الذي أخّره هيمنة الدولة على هرم التواصل إضافةً إلى التشرذم الذي يفرضه نمط التمدين الخليجي. لقد كان لاتصال الشبكي دور أساس في التشبيك المجتمعي القائم على المتابعة الحثيثة لقضايا الشأن العام وإبداء الآراء والمواقف نحوه. ومن أجل مزيد من بيان دافع هذا الحضور، على نحو جعل تصنيف دولة قطر لا يتصدر قائمة الدول العربية فقط، وإنما لائحة التصنيف العالمي. وهذا يرجع في نظرنا إلى توليفة من العناصر نوردها كما يلي: أول هذه العناصر يتصل بالطبيعة الديموغرافية لدول الخليج، سواء أكانوا المواطنين أم الوافدين الذين تغلب عليهم فئة الشباب بحكم استقدامهم لاشتغال في الورش وغيرها؛ فطبيعة الإحصاءات، تبرز على نحو لا التباس فيه الحضور المكثف للفئات العمرية النشيطة، بغض النظر عن الحيّز العمري؛
فالشرائح العمرية (24–(25–1834) و) سنة، تستخدم الإنترنت بنسب متأرجحة بين 96 و 100 في المئة على التوالي. وهو ما يفسر انتشار الاتصال الكثيف بالشبكة العنكبوتية وتنوع أشكاله التواصلية التي تبدأ بتبادل الصور ونشر الفيديوهات، وتمر بالتعرف إلى أشخاص جدد، وطرح أسئلة، وتبادل وجهات النظر والأفكار المرشحة لأن تصبح قضايا رأي عام على منصات التواصل، ولا سيما الموضوعات التي تكتسي راهنية وتفاعلً ونشرًا وتعليقًا. الإمكانات المادية: ضخامة العائد المالي للدولة مقارنة بعدد السكان، وما يستتبع ذلك من تأمين بيئة مشجعة، وليست القدرة على شراء الهواتف الذكية، وإنما الحرص على اقتناء آخر مودياتها، مع الوصول الدائب لآخر البرامج والانتفاع بخدماتها سواء على الهاتف أم الحاسوب أم الأجهزة اللوحية
. Tablets
(((1 انظر في ذلك: لؤي علي، «مدخل إلى فهم الصراع الاجتماعي في الكويت من خال التصويت على القوانين الاقتصادية في
مجلس الأمة الكويتي »2012–2006، عمران، مج 7، العدد 28 (ربيع.)2019 (((1 مولوتش وبونزيني.
(18) Salem, p. 39.
(((1 «التعرف على شبكات التواصل الاجتماعي في قطر»، ص.5
ربيع Spring 2019
وقت الفراغ: كان قد أشار جان بودريار إلى أن إحدى الميزات النوعية لحقبة الرأسمالية المتأخرة، لا تكمن في مظاهر الترف فحسب، وإنما أيضًا في قدرة الفرد على الترويح إبان أوقات الفراغ الزائدة، التي هي قيمة مضافة تتوارى خلف أوقات العمل والدراسة. وبالنظر إلى هذه اللفتة، يتمتع سكان قطر بمزية أخرى تضاف إلى سابقاتها، وهي التنعم بفراغ وقتي يسمح بمناورة أكثر، ومن ثمّ إمكانية اتصال يومي، وخصوصًا عقب الدوام الرسمي. عاوة على فئة النساء، اللواتي
يتوفرن على خدم منازل، الأمر الذي يسمح لهن بالاتصال الآني، ويجعلهن أكثر معرفة من الرجال بمنصات التواصل الاجتماعي؛ فمعرفتهن بشبكة تويتر تفوق معرفة الرجال ب +6 في المئة وبي بي إم +10 في المئة وسنابشات +12 في المئة. بيْد أن انهماكهن يردفه التوجس من الملل، الذي قد
يكون باعثًا على هجرهن شبكات التواصل بنسبة قدرت ب 49 في المئة من القطريات و 35 في المئة من المقيمات. قيود على الحريّات: وبخاصة لدى الشباب الذين يعتبرون هذه الوسائط أدواتٍ فعالةً للتعبير عن رأيهم
خلسة من خال معرّفات وهمية وأسماء مستعارة، بدل المجاهرة والخروج للعلن كما يسود في باقي
المجتمعات، التي تنعم بجو عالٍوسقف مقبول من الحركة السياسية والحرية في الرأي والنقد العلني. فبحسب دراسة جامعة نورثويسترن السابقة، عبّر 14 في المئة من القطريين عن كونهم لم يمانعوا فكرة
انتقاد الحكومة على الإنترنت، وهي نسبة من أقل النسب في العالم العربي مقارنة بلبنان مثلً، الذي تخطت نسبته حوالى الثلثين، ما يؤكد رقابة السلطات السيان الاتصالي على المنصات، رغم الخطوات البروتوكولية التي أقدمت عليها دولة قطر في ميدان حرية التعبير والنشر.
ثالثًا: نحو مسعى نظري لفهم الفعل الاتصالي
منذ أن لوحظ انكباب هائل على الوسائط الاجتماعية، انصبت عدة مقاربات عليها بغرض معالجتها وسبر مدى حضورها من ناحية أولى، في قائمة التغيرات الفارقة على مدى أزمان متعاقبة من الفعل الاتصالي، ومن ناحية ثانية، لرصد مستويات التغير في طبيعة هذا الاتصال وفهم كنهه وأثره في انتقال المعلومة وانتشارها، ومن ثمّ، معرفة سبل التأثير والتأثر وأضراب التبدل السياسي. ومع أخذ التداخل المتشعب والترابط التاريخي والفرضي لهذه المقاربات المنهجية في الاعتبار، من حيث الغاية والموضوع والوسائل؛ فجلّها مقاربات رامت تحليل فعل الاتصال وتفكيك أنساق نتائجه تحت مظلة وسائط الإعام الجماهيري Media Mass، ومعالمها داخل المجتمع، باعتبارها وسيلة من وسائل نقل المعلومة وتبيين أنماط تداولها، ومن ثمّ دراسة أشكال السلط الإعامية وما تتمخض عنه
من آثار.
(20) Jean Baudrillard, La société de consommation, ses mythes, ses structures (Paris: Gallimard, 1970), p. 25.
(((2 «التعرف على شبكات التواصل الاجتماعي في قطر»، ص.7–6
(22) «Media Use in the Middle East, 2017».
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
1. محاولة علاماتية
أنيط بالخطابة قديمًا وحديثًا جذب المتلقي، باعتباره مرسلً منشودًا، يتأطر ضمن مساقات الوظيفة
الإفهامية (تفريعات جاكوبسون). وفي هذا الصدد، تناولت سيميولوجيا التواصل الخبرة الاتصالية بوصفها نسقًا ينقل العامة الدالة بين المرسل والمستقبل، ضمن منحى أحادي يقصد دلالة تثير استجابة تأويلية، حتى لا تعدو مجرد نقل أو إباغ Informatisation. الأمر الذي يجعلنا نلحظ تواصلً هادفًا، سُيّج لدى Buyessens في الخبرات المدركة في إشاراتSignals متصلة بتخوم
الوعي وكوامن الإدراك، فتتشكل ظواهر عاملة على التأثير عبر متتالية خطابية، لا تدل ولا تؤثر إلا إذا اقترنت سياقيًا بوضعية كاتجاه أسهم إشارات المرور ولونها. ولا نجد في التواصل الاجتماعي
أفضل من يعبر عن هذا، من الأيقونات التي تُركن في الرسائل والتغريدات؛ فصور فيسبوك ورسوم تويتر والكتابات/ الرسوم التصويرية Pictogramme / Emoji والمبتسمة Smileys لا تخطئها العين. هي عناصر تروم تعويض غياب القناة غير الشفهية ونبرة الصوت ومحدودية المرجع؛ أي انعدام المؤشرات شبه اللغوية Paralinguistic كتعابير الوجه وحركية الجسد Mimogestualité، وتموضعات اللياقة. فتفصح عن الخوالج المبطنة IRL، وتفتح المجال لأبعاد بدائية وطفولية وهزلية. ولأنها صناعة معلوماتية، فإنها تتعدى اللغة الوسيط بين الفرد وتجريده للعالم، لسماحها بإيجاد فصل بينه وبين الجسد منبع تلك المشاعر. وهكذا، تغدو هذه الرموز اليابانية المنشأ، بالنسبة إلى الأجيال الما بعد حداثية، أدوات لإعادة الارتباط بالقديم عبر التوسل بالمعلوماتي، وبآليات رمزية لإنجاز مباشرية كتابيًا بدلً من مباشرية الشفهي. وعاوة على نقل الفكرة، فإثبات الذات وعرضها يسمح بإرساء فعل تصويري يجعل منها الذات العارضة/ المعروضة مختزلة في صورة أو جملة تبلور فلسفتها الأنطولوجية. ولم يقتصر انتقالها من الواقعي إلى الافتراضي، بل بدلت من مفهوم التواصل المزاوج بين الفعل والمتعة التداولية، لاستقائها
(23) Georges Peninou, «Physique et métaphysique de l’image publicitaire,» Communications , no. 15 (1970), p. 101.
(((2 مبارك حنون، دروس في السيميائيات (الدار البيضاء: دار توبقال، 1987)، ص.16
(25) Georges Mounin, Introduction à la sémiologie (Paris: Minuit, 1970), p. 12.
(((2 أمبرتو إيكو، السيميائية وفلسفة اللغة، ترجمة أحمد الصمعي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.60 (((2 كلمة يابانية مكونة من e الصورة، و moji الحرف، وتعني صورة صغيرة Pictogramme للدلالة على تعابير أو أحاسيس أو شيء ما.
(28) Michel Marcoccia, & Nadia Gauducheau, «L’analyse du rôle des smileys en production et en réception: un retour sur la question de l’oralité des écrits numériques,» Glottopol , no. 10 (juillet 2007), p. 43. (29) Marc Aguert et al. «La communication expressive dans les forums de discussion: Emotions et attitude ironique chez l’adolescent,» Tranel , no. 57 (2012), p. 66. (30) In Real Life. (31) Marie Vaton, «Parlez–vous ‘emoji’?» L’Obs , no. 2614, 11/12/2014, p. 117, accessed on 10/12/2018, at: https://bit. ly/2J0ZqkG (32) Marcoccia & Gauducheau, p. 43.
ربيع Spring 2019
من ذرائعية الوجوه الصفراءEmoticon و Sticker نجاعة لعبية، تكاد تهيمن على الخطاب البيْني؛
خطاب لا يكترث للتقعيد النحوي، بقدر ما يروم فقط السياق أداةً للتخاطب بتدعيمه وكشفه، إضافة
إلى ملء الفراغ الماحظ. وهو ما تمّ مثل، في الثورات العربية، وخصوصًا الثورة السورية، بحشْد
رموز افتراضية أعلت قيمًا ويافطات، سحبت في مراحلها السلمية، من الواقعي دوره في الساحات،
وجعلت من رموزه في عالم التواصل الافتراضي جدلً، واقعًا حقيقيًا متداولً على أرض المعركة.
وهكذا، تسترعي الوضعية الخطابية تحولينحو إلى بلورة التجربة إلى نوع من الطقوس
.Ritualization
2. فعل التواصل، من الخطية إلى التفاعلية
إثر ظهور تأثيرات الإعام اجتماعيًا وسياسيًا، اقترح ماكلوهان Mcluhan، مقتربًا مفاده وجود تعالق
بين القائم بالرسالة والوسيلة، مؤكدًا أهمية الأخيرة في تحديد نوعية الاتصال وتأثيره، فالوسيلة هي الرسالة. بمعنى أن طبيعة الوسيلة، وليس فحواها، هي الأساس في تشكيل المجتمعات وتوليد التمثات، بالنظر إلى أن لكل منها جمهوره الخاص. وبناء عليه، كان وسيكون للوسائط التي يستخدمها المجتمع وقع كبير في بلورة طبيعته، وأسلوب معالجته لمشاكله. وأيُّ وسيلة، هي امتداد لحواسه،
وتشكل ظروفًا تؤثر في تفكيره، ومنه، سيكون لاستخدام المجتمعات الحديثة المنصات التواصلية، أثر في نشوء جو اتصالي يتّسم بسمات الوسيلة الافتراضية نفسها. ما سيسهم في بروز قرية كونية
Village Global تفتح الباب أمام زمن ميدياتيكي Mediatic تنساب مجرياته على خطوط وسائطية. يلوح لنا من تعقب هذا التشعب النظري، الذي رام فهم التجربة الاتصالية في تمثاتها الأولى، أنه بناء نسقي منذ موديل شانون وويفر Shannon & Weaver المغشى بالخطية Linear. وهو تصور وصفه فينكن، شكل، بالنموذج التلغرافي Model Telegraphic المستند إلى فعل الإرسال ومساق التشفير Encoding، وما يرافقه من احتمالية تشويش، مع سلبية واضحة للمتلقي، وتكوينًا، بالكلي منطقيًا، لجمعه عناصر الاتصال الأساسية، بالرغم من تبرم ستيوارت هال Hall Stuart إزاء هذا البراديغم. لأنه في نظره، لا يمكن اعتبار الفعل الاتصالي خطاطة أو منظورًا أفقيًا يسهل حصره
(33) Emotion+icon. (34) Marcoccia & Gauducheau, p. 33.
(((3 حمزة المصطفى، «جدل الواقعي والافتراضي»، في: مجموعة مؤلفين، خلفيات الثورة، دراسات سورية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013)، ص.456
(36) Henri Boyer, Introduction à la sociolinguistique (Paris: Dunod, 2001), p. 29.
(((3 أنتوني غيدنز، علم الاجتماع: مع مدخلات عربية، ترجمة فايز الصياغ (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2005)، ص.510 (((3 علي عبد الفتاح كنعان، نظريات الاتصال والإعلام الحديث (عمّان: دار الأيام، 2016)، ص.71 (((3 بسمة قائد البناء، تويتر والبناء الاجتماعي والثقافي لدى الشباب (عمان: المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، 2014)، ص.136 (((4 سعيد بنكراد، الصورة الإشهارية: آليات الإقناع والدلالة (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص.25–24
(41) Yves Winkin, La nouvelle communication (Paris: Seuil, 1981), p. 20.
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
تخطيطيًا، ومن ثمّ، اقتراح فروض حدّية. إنه فعل يجمع ميكانيزمات متداخلة تكاد تشابه الإنسان ذاته
الموسوم بالتركيب. ومنه، يصبح الفعل الاتصالي متتالية تُفتتح بالإنتاج، عبر أداة نقل وتوزيع، في اتجاه استهاك ثم إعادة إنتاج. وبالموازاة مع صعود نجم تيار التواصل الجديد Communication New، غدا التفسير الاتصالي فعلً معقدًا منبعثًا من حتمية تواصلية لا يمكن الانفكاك منها. وكان لرواد مدرسة بالو ألتو Alto Palo إسهام تأسيسي في رسم صياغة نموذج أوركسترا الخفي Orchestra Invisible؛ فكلنا نشكل جوقة غير مرئية ومن دون رئيس، تشتغل تواصليًا بانتظام وباط راد الأدوار، ضمن منظومة ثقافية لها من
المعايير والطقوس ما يصيّر قنوات المتواصليْن مفهومة، بقصد توليد المعنى وصهْر ظواهر اجتماعية
تدمج العامات بالسيمياء داخل سنن سيكوثقافي، يقتدر على بلورة تواصل يستقي فاعليته من السياق، ويبني منظورًا يتشوف إلى استبصار ما نحا إليه هيمز Hymes في إثنوغرافيا التواصل
المراعية للملكة التواصلية، حيث ربط اللغة التواصلية بمحيطها الاجتماعي. وبالطبع، أضفت مقولات إعادة الإنتاج على المتلقي شرعية انتقائية – السوسيولوجيا الأميركية – في تعاملها مع المعروض الاتصالي، ما أضعف الثاثية الخطية الشرطية والسيكوسوسيولوجية واللسانية. فلم يبق إلا إعام مشوه على حد تعبير هابرماس، يستحسن تحريره من الهيمنة الفوقية كيف ما كان مصدرها، سياسية أم اجتماعية أم ثقافية.
3. المجال العام الافتراضي
أمام التحدي المنهجي لصياغة مقترب شامل يروم فهم التجربة الاتصالية، وبالنظر إلى الإشكالات التي طرحها انبعاج التيار الاشتراكي على المستويين المفاهيمي والتطبيقي، مع تلكؤ التصور الليبرالي عن تقديم بصيص من العدالة للمجتمعات المعولمة، مثّلت نظرية المجال العام Sphere Public
Theory اجتماعيًا وسياسيًا على يدي يورغن هابرماس Habermas Jürgen منعطفًا حاسمًا في درس
(42) Stuart Hall et al., «Codage/ Décodage,» Réseaux , vol. 12, no. 68 (1994), p. 29. (43) Jean–Luc Maurin, «Anthropologie de la communication de la théorie au terrain de Yves Winkin,» Communication et organisation , no. 9 (1996), p. 1, accessed on 15/9/2018, at: https://bit.ly/2PErlXP
(((4 كريستوفر نوريس، التفكيكية: النظرية والممارسة، ترجمة صبري محمد حسن (الرياض: دار المريخ، 1989)، هامش ص.36–35
(45) Léonie Marin, «Pour une anthropologie de la communication: Entretien avec Yves Winkin,» COMMposite , vol. 13, no. 1, (2010), p. 113, accessed on 7/10/2018, at: https://bit.ly/2Iliaan
(((4 عبد الكريم بوفرة، علم اللغة الاجتماعي، نسخة إلكترونية، موقع الألوكة، ص 8، شوهد في 2019/4/30، في:
https://bit.ly/2VA20nj (47) Marie–Pierre Fourquet, «Un siècle de théories de l’influence, histoire du procès des médias,» Médiation et information , no. 10 (1999), p. 106. (48) Dominique Picard, «De la communication à l’interaction, l’évolution des modèles,» Communication et langages , no. 93 (1992), pp. 70, 72, 73, 75, 76, 77, 78.
(((4 توم بوتومور، مدرسة فرانكفورت، ترجمة سعد هجرس، ط 2 (طرابلس (ليبيا): دار أويا، 2004)، ص.112
ربيع Spring 2019
الخبرات البرجوازية المتمثلة في المجتمع المدني، المؤتلف من عدد من الأفراد يجتمعون في أماكن مفتوحة كالنوادي، لمناقشة القضايا التي تثير اهتمامهم وتشغل بالهم بصفتهم مواطنين مشاركين في السياسة، ما يتمخض عنه تشكيل الرأي العام. ولا يُنشد ذلك، إلا بافتراض حيّز حر يسمح
بتداول المناقشات، خصوصًا من لدن من أقصوا سابقًا في المشاركة لسبب ما، ثمّ أهمية القضية
المطروحة بغض النظر عن صفة طارحها أو مكانته. وينجز هذا، تحت ظال محاجة إيتيقية Ethic تكون نقطة أولانية لكل ما يمكن التوصل إليه من بنية عقانية، يكون الركون إليها بصيغة مثلى داخل مجتمع أسست فيه الوسائط الإعامية مجالً عامًا يتيح التعبير للجمهور المتلقي وينقد رأس السلطة. وإزاء رواج وسائل الإعام واعتمادها مصدرًا للأخبار ومحللة لها، أسفر عن اتصال أحادي، كانت محصلته تضييق فرص النقاش والتفاعل. واستمكن تطورها وفق برنارد مييج Miège Bernard من خال أربعة نماذج للتواصل، انطلقت مع صحافة الرأي، ثم الصحافة التجارية الجماهيرية، وبعدها الإعام السمعي البصري الجماهيري، وأخيرًا التلفزة الجماهيرية. ونضيف خامسًا ما يتجلى في
الإنترنت وتستخدم منصات التواصل ذروتها، حيث أتيحت إمكانية التعبير وإبداء الرأي في القضايا التي تهم الجماعة، انطاقًا من حس مشترك يعترف باعتقادات متقاسمة تبنى على مسارات نقدية بين الأفراد، على نحو أدى إلى استنبات مجال عام، ييسر تبادل المحتوى الإلكتروني ويأذن بتكون مفهوم جديد للتجربة الاتصالية في العالم الرقمي. لذا فإن هذه الشبكات قد اجتهدت في إتاحة الفرصة لمياد مجتمع مدني من نوع آخر، ضمن صياغة رؤيوية رقمية للمجال أطلق عليه المجال العام الإلكتروني Sphere Public Electronic صاحبه مصطلح آخر أكثر تناظرية، هو الديمقراطية
الرقمية Democracy Digital.
وبالرغم من المساهمة المشهورة لهابرماس، فإن حيرة شابت مدى ترجمتها ومواءمتها لفورة الإنترنت ومواكبتها مواقع التواصل الاجتماعي، لا سيما أن حده النظري اعتبر توصيفًا معياريًا مثاليًا يحدّ من
كونيته لأنه يجعل منه مقياسًا لتقييم الطابع الديمقراطي للمجال العمومي وعقانية نقاشاته، زيادة على
(((5 أسماء حسين ملكاوي، أخلاقيات التواصل في العصر: هابرماس نموذجًا (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
السياسات، 2017)، ص.118–117 (((5 علي عبد الفتاح كنعان، الإعلام الإلكتروني (عمّان: دار الأيام، 2016)، ص.11 (((5 جان مارك فيري، فلسفة التواصل، ترجمة عمر مهيبل (الجزائر: منشورات الاختاف؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي؛ بيروت: الدار العربية للعلوم، 2006)، ص.17 (((5 كنعان، الإعلام الإلكتروني، ص.12 (((5 عبد اللطيف بن صفية، «وسائل الإعام والمجتمع المدني في الفضاء العمومي: الحراك العربي بين ثقافة المواطنة
والديمقراطية»، مجلة اتحاد إذاعات الدول العربية، العدد 4 (2011)، ص.16 (((5 فيري، ص.68 (((5 ملكاوي، ص.49
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
محدودية استعماله في العالم العربي بسبب ارتباطه بتاريخ الحداثة الغربية وبالتاريخ السياسي والثقافي للمجتمعات الغربية؛ الأمر الذي يصيّر استخدامه عملية غير آمنة إبستيمولوجيًا. لقد بلور الفضاء الرقمي مجالً أوسع أفقًا وأرحب تفاعلً من ذاك الذي ذهب هابرماس إلى التماسه أو التشوف إليه، لأنه مجال وفّر عنصر الانعكاس الفوري من خال: تفاعل عمودي رسمي بين رواد المجال الإعامي وأفراده. تفاعل أفقي أو بالأحرى انتشاري بين أفراد الجماعة. وهذا ما يوسع المجال العمومي إلى فضاء مشترك – كما يقول دومينيك فولتون Dominique Wolton – أفسح من ذاك الذي قصره هابرماس على التمثيلية السياسية. ولتأكيد هذا الانزياح، بتنا نلحظ تحول كبيرًا على المستوى الإشهاري لدى المشتركين؛ ففي المراحل
الأولى من ظهور هذه المنصات، كان الغالب التسجيل بأسماء مستعارة ومعرّفات غير حقيقية، ثم
بدأت مرحلة من العانية والمجاهرة في إبداء الأسماء وإظهار الصور الشخصية مشفوعة بآرائهم وتدويناتهم. حينها، لم يعد الاتصال افتراضيًا، بل بتنا أمام تفاعل بين الواقعي والرقمي، حيث انتقل
الواقعي، فأنتج الافتراضيُّ الواقعيَّ، وانعقد تشابه بين الواقعين بفضل تعبير الأول عن الثاني، وبتبني
وتعميم الثاني الاصطناع والمصطنع. وفي هذا السياق التكاملي بين العالمين، عالم واقعي وآخر افتراضي، وبروز مديات اتصالية كونية تحتضن الفرد وعاقاته، والمجتمع وباقي المجتمعات، وأمام الانتقادات التي وُجهت إلى المجال
العمومي في رؤيته الهابرماسية، ظهرت نظرة جديدة حاولت تخطي المعيارية والمثالية الهابرماسية إلى التأكيد على العمق الجمالي الإستطيقي للمجال العمومي الحديث. لأنه مجال إجرائي، يرمي إلى تحقق التمثيل الإعامي للأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية، من خال إشهار الأفكار والآراء ونشرها للعموم. هذا التفكير الإجرائي الجديد ينظر إلى الإنسان المتواصل في عموديته العملية، ويتجاوز مثاليته
المعيارية العقانية. إنه تفكير لا يستند في أ سسه، بناءً على نقاشات القرن الثامن عشر كما استقاهاُ
هابرماس، وإنما إلى طروحات فكر حنا أرندت Arendt Hannah التي تعتبر المجال العمومي مجال
تجلي الإنسان للآخرين، مجال مشتركًا من حيث هو سياق للفعل الإنساني ومجال تتحقق داخله المواطنة التي تفترض الحق في المشاركة. وهو ما يمكننا من الزعم أن جزءًا منه قد تجلى في
(((5 الصادق الحمامي، «الميديا الجديدة والمجال العمومي، الإحياء والانبعاث»، مجلة اتحاد إذاعات الدول العربية، العدد 3 (2011)، ص 15،.17 (((5 بن صفية، ص.16 (((5 آزاد وآخرون، ص.432 (((6 الحمامي، ص.17
ربيع Spring 2019
الحركات الاحتجاجية التي شهدها العالم العربي في بداية العقد، ولا زلنا نتابع مجرياتها في الجزائر والسودان. كان لهذه المنصات دور لا ينكر في توصيلها بالأخبار والأحداث، ومن زيادة وعيها بضرورة الولوج إلى المجال العام من بوابته الافتراضية، ومن ثمّ النزول إلى الشارع والمطالبة بالتغيير
والحق في إسماع صوتها الذي كان سنوات مهمشًا.
رابعًا: التواصل الاجتماعي في المجتمع القطري (نموذج تويتر)
لفهم أعمق لحضور الوسيط الشبكي داخل المجتمع القطري وتفهم دوره، وقع اختيارنا على تطبيق تويتر حالةً للدراسة، لأجل رصد القضايا التي أثارته وشغفت أفراده. ولم يكن اختيار تطبيق تويتر على غيره من البرامج الأكثر استخدامًا ودراسة، خاصة فايسبوك وواتساب، اعتباطيًا، وإنما لأسباب
موضوعية، منها: استخدامه من لدن كثير من المؤسسات الرسمية ورجال السياسة (في العالم والخليج) وقادة الرأي منصةً لإبداء آرائهم، ما جعله الأكثر تفضيلً لدى القطريين، رغبةً منهم في الاطاع على آخر الأخبار، عاوة على تطبيقَي واتساب وأنستغرام. وهو الأمر الذي استحث نخبة الفاعلين في الشأن العام إلى توظيف ما عُرف إعاميًا باسم «الذباب الإلكتروني» بغية تحقيق مستويات نشر وتوجيه لدى المجتمع. تميزه بسهولة متابعة رأي المغرد ومعرفة رأيه، زيادة على قدرته على معرفة عدد المغردين ونسبة الزائرين للحساب وخصائص جغرافيتهم والأداة التي تعرفوا بها على الصفحة. إضافة إلى بياناتهم الشخصية ومدة تصفحهم، مع إمكانية الاطاع على مرات إعادة التغريدة ونسبة النشر بين المجموعات. لذا، نُظر إليه باعتباره مؤشرًا من مؤشرات قياس الرأي العام؛ ما جعله يحمل طابعًا
احتجاجيًا كميًا من خال نسب ال «هاشتاغات»، التي تشبه كاميرا المجتمع وتؤشر إلى منسوب
الاتجاهات ومتابعة للحظة الراهنة. وفي ضوء هذا، عملنا على تتبع قضيتين شغلتا الرأي العام القطري ونشطتا الفضاء العمومي الاتصالي بمكونيه الكاسيكي والجديد أو ما يسمى بالافتراضي، وهذا بالتركيز على إبراز مستويات هذه الوسائط في بنية المجتمع وأثرها. وهما خبران تحولا إلى حدثين عموميين بفضل تفاعل مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعية معهما بالتعليق والحجاج. وهذا ما يبرز في العدد الهائل من التعليقات وطولها وامتدادها زمنيًا. أنتج هذا التخاطب الاجتماعي بين الفاعلين والمواطنين العاديين زخمًا
(((6 عيسى مراح، «التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي: نحو تجديد أشكال المشاركة السياسية في الجزائر»،
عمران، مج 7، العدد 27 (شتاء 2019)، ص.71–53 (((6 لاطاع على ترتيب أكثر السياسيين استخدامًا له، كالرئيس الأميركي السابق أوباما وآل غور وغيرهما، انظر:
Kate Bussmann, A Twitter year (New York: Bloomsbury, 2011), p. 10. (63) Deirdre K. Breakenridge, Social media and public relations (New Jersey: Pearsons Education, 2012), p. 44.
(((6 قائد البناء، ص.72
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
إعاميًا وسياسيًا، وهذا ما أثرى المشهد الاتصالي على منصات التواصل إبان بداية الموسم الدراسي،
وبالضبط في شهرَي أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر.2018
1. هاشتاغ تغيير المقرر الدراسي للتربية الإسلامية
أجّج كتاب الطالب لمادة التربية الإسامية للصف السابع، جدل وزوبعةً على مواقع التواصل
الاجتماعي؛ لإدراجه نصًا مدرسيًا يفسر عملية الاحتام بقوله: «الاحتام، أمر طبيعي، يحدث للولد
إذا كبر، ويكون أثناء نومه، فيرى وكأنه يفعل فعل الأزواج ثم ينزل منه المني ويشعر باللذة.» هذا النص أجّج لغطًا إعاميًا على المستويين الشعبي والرسمي؛ فعلى المستوى الشعبي تحركت الآلة
التواصلية على موقع تويتر لتندد بوجوده، فوصفوه بأنه خادش للحياء ويتنافى مع العادات والتقاليد المحافظة والمحترزة في دراسة هذه المواضيع أو عرضها. وكان من الأولى، بحسب ما يرون، أن تُنتقى الكلمات وتختار العبارات المواتية لسن الطالب بما لا يثير لديه تصورات أو تمثات تفوق عمره. حدثٌ كهذا، كان لو وقع حتى عهد قريب، لاقتصر نقاشه على مستوى الإعام الرسمي كالقنوات (أول محطة كانت سنة 1970) والجرائد. وهو فعلً ما دفع جرائد كجريدتَيالشرقوالوطن إلى رصد آراء المواطنين وسبر غضبهم إزاء هذه القضية لكن بأسلوب تحريري رسمي؛ بمعنى أن الموضوع كان في الإمكان أن يُعالج وفق الخطاب الرسمي الأحادي على أنه خبر لا يقبل النقاش، كما
أن طبيعته الإقصائية تمنع أصلًالاعتراف بوجود موقف آخر وبحامليه ومسانديه من الفاعلين والمواطنين، وكذا بحججهم وخاصة تغييب مرحلة تحديد المسؤوليات. غير أن رحى النقاش كانت محتدمة على موقع تويتر، الذي وجد فيه المتابعون موئل للإعراب عن آرائهم القيمية وفتح النقاش أبعد من ذلك. أي أنه تمّ تجاوز المسألة المحبوكة في عبارة لغوية مستهجنة
بحسب المغردين، إلى الحديث عن دور الوزارة وطبيعة القائمين على المناهج وجنسياتهم، ثُم التساؤل عن المواد المُدرسة والتعليميات ومحتوى البرامج، بل إن النقاش حرّك دفة أخرى، وهي
المطالبة بمحاسبة ذوي المناصب وضرورة تحمل مسؤولياتهم. يمثّل هذا العنصر الأخير محرك النقاش، وهذا من خال إلحاح المستخدم المعلق على تحديد المسؤولية وتحملها في ما سمي «سوء التقدير»، و«التقصير»، و«الإساءة»، و«الخطأ المهني». وهي كلها مسميات تتجاوز مستوى الحدث لتتحول إلى مستوى نزع القدسية والعصمة عن الفاعل السياسي، وفتح النقاش المجتمعي للقضايا العامة التي ظلت من اختصاص الفاعل الحكومي في المجالس المغلقة.
(((6 «التعليم يعقد مؤتمرًا صحفيًا للرد على الجدل المثار حول المناهج الجديدة ظهر اليوم الإثنين»، موقع جريدة الشرق،
2018/9/10، شوهد في 2019/01/7، في: https://bit.ly/2NrLiCR (((6 عماد مراد، «جدل بشأن المناهج الدراسية الجديدة بقطر»، الجزيرة نت، في 2018/9/12، شوهد في 2019/01/8، في:
https://bit.ly/2GJjX9R
ربيع Spring 2019
وفي قمة هذا الزخم التغريدي خاصة مع معالجته إعاميًا وسياسيًا، اضطرت الوزارة الوصية إلى
الإعان عن عقد مؤتمر صحفي لتدارك الأمر والإفصاح عن الخطوات العاجلة المتخذة في هذا الشأن. وهو ما كان غير مألوف في الممارسة الحكومية والفضاء العمومي؛ حيث إن التدخل الحكومي بالتدارك يمثل اعترافًا رسميًا بالمشكل من لدن الوزارة الوصية عبر حسابها على تويتر وهذا ما
يسمى بالبناء الإعامي للمشكات العمومية. كما أن الوزارة، ولأجل إصاح الزلل المرصود وسائطيًا وتخطي الشجب الذي أثاره أولياء الأمور،
نشرت على موقعها الإلكتروني إستبانة بعنوان «التغذية الراجعة حول مصادر التعلم»، التمست منهم ومن جميع أطراف العملية التعليمية ملأها، والإجابة عن مقترحات التطوير ووضع الماحظات. وانتهى البيان إلى شكر المتابعين والمهتمين الذين لا يصلح التعليم في قطر ولا يواصل تطوره لولا المشاركة التفاعلية للمجتمع وناشطيه. وهذا ما يعني اعتراف الفاعلين الحكوميين ببروز فاعلين آخرين منبثقين من المجتمع قادرين على النقد البناء والاقتراح. شكلت هذه القضية التربوية الثقافية مثالً بارزًا لما يمكن أن تؤديه شبكات التواصل الاجتماعي من دور في مراقبة الشأن المحلي ومتابعة قضاياه الراهنة، وما يستتبع ذلك من رصد ونقد وتوجيه، ومن ثمّ جعل المسألة المجتمعية قضية تحظى بالاهتمام العمومي؛ أي أن المجال الافتراضي العام سمح
بالتأثير في هرم الاتصال. ومنه، غدت شبكة «قادة الرأي» أكثر اتساعًا من ذي قبل؛ ما جعلها تتخط ى
نخبة المثقفين وفئة المحللين التابعين. إن هذا الأمر سيسهم لا شك في تدعيم الإحساس بالانتماء العضوي بالقضايا المجتمعية والشعور بضرورة الشراكة الفعالة في تدبيرها، عبر فعل تواصلي مفتوح أمام فئات كانت إلى عهد قريب صدى لا غير، ينحصر فعلها في الاستقبال وإضفاء الهالة الاعتبارية على أصحاب صنع القرار. كما أنه فعل تواصلي منبعث من مختلف الاتجاهات، يكشف كيف أن الاتصال الاجتماعي يتحدى أنماط التواصل الرسميّ. والقصد، يتجلى في تعميق مواطنة تجعل من مستخدم تلكم الوسائط فردًا
متواصلً ومهتمًا براهنية واستلزامية الحدث؛ على نحو يجعله «مغردًا عضويًا» على غرار مثقف
عضوي يستلهم المشاركة والتفاعلية لأجل تحفيز دفَق توعوي يتماهى مع الانتماء الواسع، الذي لطالما قيدته القيود الاجتماعية والثقافية التي يفرضها نمط التمدين الخليجي.
2. هاشتاغ ضد حضور وفد إسرائيلي للمشاركة في تظاهرة الجمباز الدولي
احتضنت مدينة الدوحة، خال الفترة 25 تشرين الأول/ أكتوبر – 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، تظاهرة عالمية للجمباز الفني، تضمنت مشاركة غير مسبوقة لوفد دولة الاحتال الإسرائيلي، أثارت حفيظة العديدين وخصوصًا شريحة الشباب، الذين لم يألوا بأنفسهم عن موضوع سياسي بغطاء
(((6 انظر: وزارة التعليم، تويتر، 2018/9/10، شوهد في 2019/5/5، في: https://bit.ly/2VaEGx3 (((6 أنور الخطيب، «ناشطون ضدّ التطبيع في قطر يرفضون استضافة فريق إسرائيل للجمباز الدوحة»، العربي الجديد، 2018/10/8،
شوهد في 2019/1/8، في: https://bit.ly/2pKh68j
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
رياضي، دفعهم إلى إطاق وسم #(قطريون_ضد_التطبيع). وكان فحواه، المطالبة الشعبية بالوقوف سدًا منيعًا أمام استضافة فريق دولة احتال وإرهاب دولي. في الوقت نفسه، كان مؤسسو
حملة «شباب قطر ضد التطبيع» قد استنكروا في رسالة مفتوحة إلى الأمين العام للجنة الأولمبية القطرية، ثاني عبد الرحمن الكواري، ورئيس الاتحاد القطري للجمباز علي الهتمي، مشاركة رياضيين إسرائيليين وعلى استقبال حكام من الاتحاد الإسرائيلي للجمباز. لم تعط ثمارها الحملة، ولم يضطر الوفد الإسرائيلي إلى حزم حقائبه ومغادرة الباد، لكنّها مثّلت بادرة في التعامل مع القضايا التي تمس المجتمع وتستثير حفيظته الدينية والثقافية والسياسية. لقد استأثر الوسم أيامًا متتالية بانتباه الناشطين التواصليين، واحتل مراتب متقدمة في تويتر قطر (أكثر من
5700 تغريدة)، مؤكدًا على الطبيعة التفاعلية التي بات يتابع بها الشباب الخليجي مختلف الأحداث. وتنم هذه ال «هاشتاغات» عن تبلور نمط جديد من استقبال الأحداث، استقبال تجاوز الخطية في التبليغ والعمودية في النشر إلى احتذاء أفقي يجعل من الخبر قضية رأي عام، ومن القرار أو القانون فرصة للنقاش والمحاسبة، ويدفع به ممتدًا في الشبكة التواصلية، إلى درجة تغدو معها باقي
القضايا في سلم ترتيبي نابع من القاعدة المجتمعية، وليس نازل من أعلى كما هو حال الوسائط التقليدية في النظم التسلطية، التي كانت تختار من الأخبار وتنتقي من الأحداث ما يوافق القائم
بالاتصال والساهر عليه. وتبعًا لذلك، صار التعرض للتدفق المعاكس/ الخصم أمرًا مقبول، في
فضاء تتاشى خاله الحواجز وتتشظى عنده الحدود التقنية، إلى درجة أن نسبة القطريين ممن يشاهدون الأخبار الأجنبية الموجهة ضد قطر، عرفت ارتفاعًا من 6 في المئة في سنة 2013، إلى 13 في المئة في سنة 2017. هذا المنعطف في التزود، كان للدولة القُطرية إلى زمن قريب، رقابة صارمة عليه، من خال رفع يافطة السيادة وهاجس المصلحة الوطنية، بالنظر إلى أن كل خبر خارج الأطر الرسمية أو لا يجاريها، هو إشاعة أو خبر زائف. لا سيما جراء عمليات النشر Share والتداول. فقد كان من السهل تحديد مصدر المعلومة، بينما الآن، كل فرد هو قناة، ومن ثمّ، فهو مزاج رأي وأيديولوجية
قضية، فهو نفسه يناط به دور المرسل والمحلل والجمهور والناشر. وزاد من حدة ذلك، تقهقر حضور الأخ الأكبر (الإعام الرسمي) وانزواء تدرجي لحارس البوابة؛ ما أفضى إلى توافر فرصة
(((6 «خطيب جمعة في قطر يهاجم استضافة وفد رياضي إسرائيلي.. وعبر#‘يا_تطبيع’ القطريون يرفضون التطبيع»، موقع وطن، 2018/10/26، شوهد في 2019/1/8، في: https://bit.ly/2LcBvR9 (((7 انظر ترتيب التغريدات في: https://bit.ly/2Jwhwf9 (((7 نور الشامي، «قطريون غاضبون من استضافة فريق إسرائيلي للجمباز»، موقع الخليح الجديد، في 2018/10/10، شوهد في
2019/4/9، في: https://bit.ly/2J63LCn
(((7 من المشاهير الذين شاركوا فيه جابر الحرمي الكاتب الصحفي.
(73) «Media Use in the Middle East.»
ربيع Spring 2019
للمستخدم ليتحول إلى فاعل نشط User Active، قد يتحدى المخيال الجمعي لنسق السلطات القائمة. إنه مغرد لا يكتفي بالإبحار والتلقي، بل منتج للمضامين (فيديوهات، وصور، ونصوص) وناشر لها ورافع عقيرته بها. وعلى هذا النحو، عضدت هذه الشبكات توسع فكرة مضامين المستخدمين Generated User Content التي عملت خارج نطاق الممارسة المهنية الرسمية، وعززت من صناعة المحتوى انطاقًا من الواقع اليومي للأفراد بابتكارات فائقة في النشر وخلخلة حدود الرقابة. وقد شجّع ذلك أيضًا عددًا
من الجهات، سواء محسوبة على الداخل والخارج ورسمية أو غير رسمية إلى مضاعفة المسميات الوهمية والحسابات، بهدف صنع لوغاريتمية، تستحق المتابعة وتستثير المتلقي بالاستناد إلى الكثرة في حجم المتابعين وغزارة المشتركين؛ ما يوحي باستقالية في الخبر ومعالجة جماعية للقضايا Curation Social وصدقية في الحدث ونزاهة خارج النطاقات الرسمية. وقد أدى وعي المستخدمين بأهمية المجال الافتراضي وتأثيره إلى تحوله إلى مصدرٍ مهم من مصادر الوجاهة الاجتماعية التي شجّعت مسارات فردانية متعالية عن الجماعة السوسيولوجية. بل إن هذه المنصات، غدت موردًا لا يستهان به من موارد تزويد الإعام الرسمي (كحال القضيتين) بالقصص الإخبارية وبطبيعة الحراك المجتمعي الذي كان يستعاض عنه قبل ذلك بالامبالاة، من خال تأهيل الحدث السائد إلى قصة خبرية تُنسج خيوطها مع دراما القصة الإخبارية، عاوة على حراك أصحاب القرار وتفاعلهم معه. وهنا، بات بمقدورنا الحديث عن مواطن يبتدع طرقًا جديدة للمشاركة في المجال العام، الذي يحكي حدثه ويصوره ويبثه ويوزعه ويتفاعل مع الردود، ويستعين بروايات شهود العيان ويفتح المجال للمعنيين من الفئات المهمشة. إنه مواطن يقدّم نفسه فاعلً في المجال العام، متواصلً مع انتمائه، ومنتجًا للرسالة المضمون، ومسهمًا
ومتعهدًا بتوفير زخم من المعلومات Crowdsourcing، وباحثًا عن دور في معمعة القضايا، ومبدّلً لمنحى التبليغ السياسي الخطي إلى تنشيط الحس التشاركي لمغتربين سياسيًا استطاعوا تطويع
سنّهم ليوافق نسق السياسة ويزيلوا عنها تاريخانية ارتباطها بالأجيال الأكبر سنًّا وخبرة.
خامسًا: الاتصال الجديد وتغيّر السيولة المعلوماتية لدى القطريين
تَبين لنا من تناول القضيتين أعاه أنّ تحوّلً جرى في وضعيات التواصل الرسمية، لتنشأ قنوات تواصل
آنية ذات تواصل هجين مركب، تتقاطع خاله التمثات بالتقنية، ويتشابك فيه المضمون بالأداة، ويستبدل فيه اللقاء الواقعي بالرقمي، حيث استمكنت الفئات المجتمعية التي لم يكن يسمع لها صوت
(((7 جامعة الدول العربية، ص.8 (((7 المرجع نفسه، ص.9 (((7 خالد الجابر وآخرون، الإعلام العربي في عالم مضطرب (الدوحة: [د. ن].، 2013)، ص.54
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
(الأقلية إعاميًا والأكثرية مجتمعيًا) من التملص من القيود والتوحد. وبات في الإمكان الاجتماع
والنقاش وعقد المحاضرات والمؤتمرات مع أطراف المعمورة، والتفاعل معها فوريًا بمتابعة حشدية،
لم يكن يحلم بها زمن سيطرة حواس السمع والشفهية. بينما الآن، قُفز على حواجز الطبيعة، وتُجوزت السياسة المتربصة بالمباشرية. كما استطاع هذا الوليد التقنوي التغلب على وحدة المتلقي المتمثلة في الجماعة – المكان، لقدرته على مخاطبة العديد من المتصلين بالشبكة، فكل متصل سيتلقى الرسالة نفسها ويرد عليها من وجهة نظره بفورية؛ ما يوسع مدارك الخبرات وينساح نحو الامحدودية. هنا، اختلف الاتجاه وتقاطع المضمار مع خط انتشاري، اكتسى أهميته من هموم المتلقي ووجدانه، الذي ظل عقودًا محمولً على التلقي. إنه مسلك تواصلي مباشر تمثل خصوصًا في فيسبوك وتويتر،
إلى درجة أن ساهم في تحريك مياه ظلت راكدة سنوات، وحشد من الشعوب ما لم تستطع أن تفلح فيه الخطب الرنانة والمنشورات الطنانة في وقف زحفه، تكلل بإسقاط رؤساء وفرار آخرين. وفي حالات أكثر، دفع آخرين إلى التوجس من مرتادي المنصّات. لقد أوجد ناشطو المنصات الاجتماعية الذين غدوا فاعلين سياسيين، ومصدر الأخبار وعوضوا زوار الفضائيات، بحكم سهولة خطابهم وبساطته، وقربهم من الواقع ثقافيًا ومنظوريًا وحتى لغويًا. وهو
ما تكْشف عنه نسبة القطريين الذين يستقون الأخبار من منصات التواصل الاجتماعي، إذ ناهزت 77 في المئة. وبناء عليه، يمكن القول، إن هذه الوسائط أسهمت بقدر معين في التغلب على احتكار الدولة هياكل الإعام الرسمي وتجاوز هامش الحرية المحدود الذي سُمح به للإعام الخصوصي
الذي تهيمن عليه الدولة في منطقة الخليج. ولا بد أن نشير هنا، إلى أن الأنماط الطارئة لتداول المعلومة بيْنيًا داخل المنطقة عمومًا تدل على فشل
أو على الأقل، محدودية الاتصال الرسمي في تأدية دوره التواصلي. راهنية استطاعت تجاوز معضلة النسيان أو محدودية الوقت، حيث بات بمقدور المشترك بفضل ما تزخر به هذه المنصات من جغرافية رقمية، رسم مساراته وتحديد طبيعة شخصيته الافتراضية؛ فحتى في حالات الملل أو الهروب يمكن للتطبيق الشبكي أن يحتفظ ببصمة المشترك المرسومة سابقًا. وما إن يتصل مرة أخرى، حتى يذكّره بما فاته ويقترح عليه ما يستهوي ميوله. وحينها، يرجع إلى المجموعة التي سبق أن شارك فيها، فتتقاطر
(77) Aguert et al., p. 63.
(((7 الجابر وآخرون، ص.52 (((7 علي عبد الفتاح كنعان، تطور الإعلام وفق تكنولوجيا الاتصال الحديث (عمّان: دار الأيام، 2016)، ص.61–60
(80) Bussmann, p. 11. (81) Joanna Jereczek–Lipinska, «Le blog en politique–outil de démocratie électronique participative?» Glottopol, no. 10 (Université de Rouen, juillet 2007), p. 164, accessed on 24/11/2018, at: https://bit.ly/2LcazAR
(((8 «التعرف على شبكات التواصل الاجتماعي في قطر»، ص.15 (((8 الجابر وآخرون، ص.19
ربيع Spring 2019
عليه الرسائل وتترى على نافذته الصور والأخبار، ما يجعله غائبًا حاضرًا متغلبًا على حدود الا زمنية،
مقتفيًا حذوة Follow المتوافرة على تويتر مثلً. إنّ عملية التمدين والتحديث الفوقي هما أساس الحراك الاجتماعي في قطر كما هو الحال في غيرها من دول الخليج العربية، وقد أنتجت هذه العملية المستمرة شبكة معقدة من العاقات القائمة على المصالح المتبادلة والتعالق المجتمعي الثقافي والتجاري والسياسي الذي لم يكن ليوجد لولاه، وتنبع أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في أنها تساهم في تكوين ثقافة تواصليّة تتجاوز مختلف القيود
والعوائق التي ينتجها نمط التمدين والتنمية الخليجيّ، وتؤثر بالتالي في العاقات بين الدولة والمجتمع
المحلّي الذي يتأثر بشكل كبير بالسياسات الدولتية. ولا يمكن في هذا المقام، إلا أن نؤكد أن منصات التواصل الاجتماعي، انطاقًا من النموذجين اللذين تم تناولهما، قد ساهمتا بدور حيوي في تبديل نمط صناعة المعلومة وتسويق الحدث وتحوير تحليله وهندسة حاشيته بما يتيح للمواطن القطري التأثر والتأثير. أي أن الوسيلة التواصلية الجديدة فعل قد غدت بحكم أشكالها الرقمية، وبحكم محتواها ذات شكل محدد اتساقًا مع استبصار ماكلوهان حين صاغ عبارته الشهيرة: الوسيلة هي الرسالة Message the is Medium The. وسيلة تخطت الوظيفة الأداتية، لتتقمص دورًا ثوريًا في القرن الواحد والعشرين، لقدرتها على التعبئة والتحشيد والتشبيك
بين الأفراد بقصد إيجاد جماعات متخيلة، تشتغل رغم حواجز الفضاء المكاني تحت مظلة قضية يؤمنون بها ويناضلون من أجلها. وتفاديًا لمعوق غزارة المتابعين، يلجؤون إلى مجموعات صغيرة
تنشد التنسيق والانسجام، كأنهم يتبعون إستراتيجية إدارية رغبة في التوزيع الفعال. لقد تَسوّر التواصل حدود التبليغ إلى الاشتراك الفعلي والفوري في النشاطات العامة والقضايا
المجتمعية، فقوتها تكمن في اعتبارها وساطة غير مجردة أو رمزية محضة، بل هي كفاءات وشبكات من المعارف وأنماط من التخزين والتوزيع وتنظيم المعرفة. وبذكر الإطار الذي يجمع المتواصلين، يتبادر إلى الذهن البحث عن معنى منشود يواري تفاعلً محفزًا ليس إلا تراكمًا ناجمًا عن إسهام
جديد في مجال المعلومات أو متولدًا عن معالجة مغايرة للمعلومات المتدفقة بوفرة وثراء، جراء الاستغال المشترك؛ فالتواصل من العناصر النادرة التي تزدهر نتيجة الاستغال المشترك.
(((8 في دول الخليج من الصعب الحكم على أن هذا المجتمع تقليدي وذاك حداثي، لاحتوائهما على مظاهر متناقضة من
العنصرين. انظر: صابر حارص، الاتصال الإعلامي وتحديث المجتمع العربي (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، 2009)، ص.62–61
(85) Patrick Roy, «Le médium est le message dans le village global: le vrai message de Marshall Mcluhan,» Aspects sociologiques , vol. 7, no. 1 (Juillet 2000), p. 43.
(((8 وصف أطلقته «إليك ريس» مستشارة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هياري كلينتون، انظر: جامعة الدول العربية، ص.69
(87) Breakenridge, p. 62.
(((8 جامعة الدول العربية، ص.70
(89) Aguert et al., p. 64.
(((9 المهدي المنجرة، حوار التواصل، سلسلة شراع، العدد 10، ط 3 (طنجة: دار إديما، 1996)، ص.16
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
لكن في المقابل، وبحكم السرعة التي يعرفها الخليج سياسيًا وثقافيًا، ستزداد حدة الصراعات
الاجتماعية وستخلق فجوة من الاستقطابات بين تيارين من المجتمع، واحدة تدعو إلى القطيعة مع الهوية، وأخرى تتشبث بها، ولا سيما مع تزايد الشكوك والنزعات السلبية المتشائمة حول هذه المنصات وكمية التسريبات، عاوة على تاعبها ببيانات المشتركين. يبرز هذا التوجه المشكك في رهانات شبكات التواصل الاجتماعي في ترقية المواطنة بالمشاركة والمداولة في الانتقادات التي تغذيها الأطراف المحافظة والمقاومة للتغيير. تسعى هذه الأطراف إلى التحكم في الخطابات المرافقة لابتكار (هنا تطبيقات وشبكات التواصل الاجتماعي) والتمثات الاجتماعية بتوجيهها أو حصرها في الدردشة السطحية والجدال العقيم وبمعنى أدق تمييع دورها ورهاناتها المجتمعية. ويثار حول هذه الشبكات إمكانية التاعب والرقابة والاختراق، لكنّ أدوارها في إعادة هيكلة المجتمع
وتحديد أدوار فاعليه كانت أمرًا ماحظًا؛ فانطاقًا من الحمات «الهاشتاغية» التي تعرضنا لها في هذه
الدراسة، أو تلك التي كانت سببًا في ضعضعة أنظمة بقيت جاثمة على عروشها عقودًا من الزمن، يظهر
بجاء ضرورة توجيه الاهتمام إليها، لدراسة حركيتها وفاعليتها وعاقتها بتشكل هوامش للفعل
السياسي خارج الأطر السياسية الرسمية التي ترى الدولة قطب الرحى الأُس، والوحدة الرئيسة في تحليل العاقات وصنع القرار ولملمة الواقع وتوجيهه.
خاتمة
يتضح لنا من خال تتبع مسارات التفاعل الشبكي الذي أبداه المغردون القطريون على تطبيق تويتر إزاء القضيتين موضوع الدراسة، محتوى مقرر التربية الإسامية واستقبال وفد رياضي إسرائيلي، الدور الكبير الذي أصبحت تؤديه مثل هذه الوسائط الاجتماعية في متابعة القضايا اليومية، ومسايرة الأحداث التي تستثير المواطن القطري، وتمس شؤونه، وتستحثه على الانخراط في مسالك المجال العام، والتفاعل مع طروحاته. من جهة أولى، بيّن البحث كيف أن هذه الوسائط أتاحت للمواطن القطري الفرصة للولوج إلى الشأن
العام السياسي والثقافي والتربوي، بحيث أضحى من حقه الإدلاء برأيه والتعبير عن موقفه من هاتين القضيتين. وهو أمر لم يكن متاحًا في السابق، زمن الإعام التقليدي المؤسس على خطية التبليغ
وعمودية الخبر. وقد ساهم هذا الأمر في إيجاد مجموعات، تشكلت افتراضيًا وعلى تطبيق تويتر
وغيره، من خال أيقونات الإعجاب والمتابعة وإعادة النشر والتعليق، ثم ما لبثت أن وجدت نفسها ذات اهتمامات مشتركة ورؤى متناسقة، كانت باعثة لمزيد من التعبير والتعليق على الأحداث الراهنة؛ ما أسفر عن نمط اتصال جديد، مبني على التفاعل والمشاركة والحوار والتعبير بالسلب والإيجاب.
(((9 همسة قحطان الجميلي، الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بين المحفزات والمعوقات (عمّان: دار الجنان،
2011)، ص.31 (((9 مروة كامل البستنجي، دور ثورات الربيع العربي في تعظيم أثر الفاعلين الجدد من غير الدول من وجهة نظر النخبة السياسية
الأردنية (برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، 2018)، ص.65
ربيع Spring 2019
وهذا النمط من الاتصال أوجد تجربة تواصلية تفاعلية ساهمت في توسيع مشاركة المواطن القطري بالتعبير عن قضايا تخص الشأن العام، وإن اتسمت هذه المشاركة بالمحدودية. ومن جهة ثانية، بيّن كيف أنها ساعدت المواطن القطري، على تجسير التشتت التواصلي الذي فرضه
نمط التمدين الخليجي الذي ينتج التهجين، كما أنَّ هنالك مؤشرات تدل على أنه يساهم في بلورة مجال عام افتراضي يتجاوز هرم التواصل التقليدي الذي تهيمن عليه الدولة. وهكذا ساهمت منصة تويتر في إشراك فئات أكبر من الناشطين والفاعلين، وأثرت في شكل المجال العمومي ليفسح مساحات جديدة للمشاركة. ومن جهة ثالثة، رأينا في البحث تجديد ملمح قادة الرأي ومسارهم وتضاعف عددهم وسحبهم نسبيًا
البساط من تحت أقدام السلطات التقليدية، ما قد ينجم عنه تسوّر الخطية الاتصالية التي أنيطت بهم
سنوات، والمساهمة في تفريغ شحنات الغضب عبر مشاركة تطويعية سلبية، إضافة إلى ترسخ أقدامها داخل المجال العام، بحكم انبثاقها من أرضية الأحداث ونشرها أفقيًا له، ما سيكون قمينًا باضطرار النخب
إلى التفاعل والإصغاء، ومن ثمّ تغيير السياسة أو على الأقل التجاوب معها بتكذيب أو نفي. ويترسخ هذا
في سياق سوسيوسياسي يخلو من أي تمثيل حزبي منظم يتبارى على السلطة ويتداول على الحكم. ومنه، قد يتسع المجال العمومي ويتيح فضاءات جديدة للتداول والنقاش يكون مسموحًا بها، بديلة من
التنظيمات الحزبية السياسية لإحساسهم بقوة عصبية الدولة الحديثة وتجاوزها منطق عصبية القبيلة المحدود. وهذا لا يعني بأي حال أن ينتهي دور القبيلة نهائيًا، وإنما يتحول تدريجيًا إلى مؤسسة من
مؤسسات المجتمع داخل مظلة الدولة الحديثة، بحيث يمسي رافدًا وليس موازيًا. وأخيرًا، ومن خال القضيتين موضوع الدراسة، يتضح لنا كيف أفضى هذا التحول التواصلي من
الخطي إلى التفاعلي، وأمام حدّة التعليقات ونسب المتابعة، إلى اضطرار السلطات إلى التفاعل مع الرأي العام الشبكي/ الواقعي والاستجابة له ولو على نحو خجول، من خال عقد ندوات صحفية تنور الرأي العام، أو من الإعان عن إجراءات تمس القضايا موضوع التفاعل عبر حسابها على تويتر
مثلً؛ أي عبر الوسيط الذي اعتمده الناشطون والمغردون نفسه.
References
المراجع
العربية
إيكو، أمبرتو. السيميائية وفلسفة اللغة. ترجمة أحمد الصمعي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،
البستنجي، مروة كامل. دور ثورات الربيع العربي في تعظيم أثر الفاعلين الجدد من غير الدول من وجهة نظر النخبة السياسية الأردنية. برلين: المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية،.2018
(((9 الحمامي، ص.22
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
البناء، بسمة قائد. تويتر والبناء الاجتماعي والثقافي لدى الشباب. عمان: المؤسسة العربية للنشر والتوزيع،.2014 بن صفية، عبد اللطيف. «وسائل الإعام والمجتمع المدني في الفضاء العمومي، الحراك العربي بين ثقافة المواطنة والديمقراطية.» مجلة اتحاد إذاعات الدول العربية. العدد.)2011(4 بنكراد، سعيد. الصورة الإشهارية: آليات الإقناع والدلالة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،
بوتومور، توم. مدرسة فرانكفورت. ترجمة سعد هجرس. ط 2. طرابلس (ليبيا): دار أويا،.2004 بوشليبي، ماجد وآخرون. ثقافة الإنترنت وأثرها على الشباب. وقائع ندوة علمية. الشارقة: دائرة الثقافة والإعام،.2006 بوفرة، عبد الكريم. علم اللغة الاجتماعي. نسخة إلكترونية. موقع الألوكة. في:
https://bit.ly/2VA20nj
الجابر، خالد وآخرون. الإعلام العربي في عالم مضطرب. الدوحة: [د. ن].،.2013 جامعة الدول العربية. عصر الميديا الجديدة. تونس: منشورات اتحاد إذاعات الدول العربية. سلسلة بحوث ودراسات إذاعية. العدد 78.)2016(الجميلي، همسة قحطان. الإصلاح السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي بين المحفزات والمعوقات. عمّان: دار الجنان،.2011 حارص، صابر. الاتصال الإعلامي وتحديث المجتمع العربي. القاهرة: العربي للنشر والتوزيع،.2009 الحمامي، الصادق. «الميديا الجديدة والمجال العمومي، الإحياء والانبعاث.» اتحاد إذاعات الدول العربية. العدد 3 (تونس:.)2011 حنون، مبارك. دروس في السيميائيات. الدار البيضاء: توبقال،.1987 السويدي، جمال سند. وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك. ط 4. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2013 العادلي، فاروق محمد. «الثبات والتغير في عادات القطريين.» حولية كلية الإنسانيات والعلوم الاجتماعية. العدد 5. جامعة قطر.)1982(غيدنز، أنتوني. علم الاجتماع: مع مدخلات عربية. ترجمة فايز الصياغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2005
ربيع Spring 2019
فيري، جان مارك. فلسفة التواصل. ترجمة عمر مهيبل. الجزائر: منشورات الاختاف؛ الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي؛ بيروت: الدار العربية للعلوم،.2006 كنعان، علي عبد الفتاح. الإعلام الإلكتروني. عمّان: دار الأيام،.2016.________ تطور الإعلام وفق تكنولوجيا الاتصال الحديث. عمّان: دار الأيام،.2016.________ نظريات الاتصال والإعلام الحديث. عمّان: دار الأيام،.2016 مراح، عيسى. «التنديد والاحتجاج عبر شبكات التواصل الاجتماعي: نحو تجديد أشكال المشاركة السياسية في الجزائر.» عمران. مج 7. العدد 27 (شتاء.)2019 المصطفى، حمزة. خلفيات الثورة، دراسات سورية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 ملكاوي، أسماء حسين. أخلاقيات التواصل في العصر: هابرماس نموذجًا. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 المنجرة، المهدي. حوار التواصل. سلسلة شراع. العدد 10. ط 3. طنجة: دار إديما،.1996 نوريس، كريستوفر. التفكيكية: النظرية والممارسة. ترجمة صبري محمد حسن. الرياض: دار المريخ،
الأجنبية
Aguert, Marc et al. «La communication expressive dans les forums de discussion: émotions et attitude ironique chez l’adolescent. » Tranel. no. 57. (2012). Baller, Silja. Soumitra Dutta & Bruno Lanvin (eds.). The Global Information Technology Report 2016, Innovating in the Digital Economy. World Economic Forum, INSEAD, Cornell University (Geneva: 2016). at: https://bit.ly/29AzwRq Boyer, Henri. Introduction à la sociolinguistique. Paris: Dunod, 2001. Baudrillard, Jean. La société de consommation, ses mythes, ses structures. Paris: Gallimard, 1970. Breakenridge, Deirdre K. Social media and public relations. New Jersey: Pearsons Education, 2012. Bussmann, Kate. A Twitter in year. New York: Bloomsbury, 2011. Fourquet, Marie–Pierre. «Un siècle de théories de l’influence, histoire du procès des médias.» Médiation et information. no. 10 (1999).
شبكات التواصل الاجتماعي والثقافة التواصلية يف مجتمع ات هجين
Hall, Stuart et al. «Codage/Décodage. » Réseaux. vol. 12, no. 68 (1994). Jereczek–Lipinska, Joanna. «Le blog en politique–outil de démocratie électronique participative?» Glottopol. no. 10 (juillet 2007). at: https://bit.ly/2LcazAR Marcoccia, Michel & Nadia Gauducheau. «L’analyse du rôle des smileys en production et en réception: Un retour sur la question de l’oralité des écrits numériques. » Glottopol. no. 10. (Juillet 2007). Marin, Léonie. «Pour une anthropologie de la communication: Entretien avec Yves Winkin. » COMMposit. vol 13, no. 1 (2010). at: https://bit.ly/2Iliaan Maurin, Jean–Luc. «Anthropologie de la communication de la théorie au terrain. » Communication et organisation. no. 9 (1996). at: https://bit.ly/2PErlXP «Media Use in the Middle East, 2017, A seven–nation survey by Northwestern University in Qatar.» at: https://bit.ly/2zaz7iH Mounin, Georges. Introduction à la sémiologie. Paris: Minuit, 1970. Peninou, Georges. «Physique et métaphysique de l’image publicitaire. » Communications. no. 15 (1970). Picard, Dominique. «De la communication à l’interaction, l’évolution des modèles. » Communication et langages. no. 93 (1992). Roy, Patrick. «Le médium est le message dans le village global: le vrai message de Marshall Mcluhan.» Aspects sociologiques. vol. 7, no. 1 (Juillet 2000). Salem, Fadi. The Arab Social Media Report 2017: Social Media and the Internet of Things: Towards Data–Driven Policymaking in the Arab World. vol. 7 (Dubai: MBR School of Government, 2017). at: https://bit.ly/2rbpEGe Winkin, Yves. La nouvelle communication. Paris: Seuil, 1981.