العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحوّل

نظرية في البنية: الثنائية والفاعلية والتحوّل

A Theory of Structure: Duality, Agency, and Transformation

* William H. Sewell, Jr | وليم ه. سيول الابن

** Translated by Thaer Deeb | ترجمة ثائر ديب

الملخّص

*** نشرت هذه الدراسة في **** أفادت هذه الدراسة، خال مراجعاتها الكثيرة، من القراءة المدقِّقة والنقد البنّاء لعدد كبير من الأصدقاء والزماء. ومع أنني لم أفلح في بعض الأحيان في الأخذ بنصائحهم الحسنة، فإنني عميق الامتنان لإليزابيث أندرسن وجيفري ألكسندر ورونالد أمين زاده ورينيه أنسباخ وتيري بوزويل وبيغي إيفانز ونيل فليغستاين وستيفن غدمن ورونالد هيرينغ ورونالد إندن وديفيد لايتين وباربرا لازليت ومايكل كينيدي وشيري أورتنر وسيلفيا بيدرازا وجوان سكوت وإلين سيول وتيدا سكوكبول وآن سويدلر وجون أوري ولويك فاكان، وعدد من المراجعين والحضور في الحلقات البحثية والدراسية في جامعة مينيسوتا، وجامعة ميشيغان، وجامعة هارفرد، وجامعة نورثويسترن، وجامعة شيكاغو، ومركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية. وقد نُقِّحت هذه الدراسة تنقيحًا شديدًا حين كنت زميلً في هذا المركز الأخير. وأنا ممتنّ للدعم الذي تلقيته من مؤسسة العلوم الوطنية، المنحة BNS–870064، وللزمالة من مؤسسة جون سايمون جوجنهايم التذكارية. ***** بالنسبة إلى ترجمة Habitus إلى العربية، لجأ المترجمون العرب إلى طيف كامل من الخيارات الممكنة؛ إذ اختار بعضهم الاقتراض التام، وكتب Habitus بالعربية (هابيتوس)، على نحو ما أفعل هنا، وعلى نحو ما فعلت معظم اللغات الأوروبية التي اقترضت Habitus اقتراضًا. وثمة من ترجم Habitus ب «مظهر»، و«سجيّة»، و«سَمْت»، و«سمة اجتماعية»، و«تطبّع»، باختاف المترجمين (المترجم.)

Abstract

. American Sociologist سوسيولوجي أميركي/*

الكلمات المفتاحية:
  • البنية
  • الفاعل الاجتماعي
  • الموارد
  • الترسيمات
Keywords:
  • Structure
  • Social Actor
  • Ressources
  • Schemas

A Theory of Structure: Duality, Agency, and Transformation **** ملخص: مصطلح «البنية» واحد من أهمّ المفاهيم في العلوم الاجتماعية، وأشدّها مراوغة،ً

وأقلّها تنظيرًا. تحاول هذه الدراسة، انطاقًا من نقد تصور أنطوني غيدنز لثنائية البنية وتصور بيير

بورديو للهابيتوس

***** وإعادة صوغهما، تطوير نظرية في البنية تستعيد للفاعلين الاجتماعيين فاعليتهم البشرية، وتجعل إمكان التغيير جزءًا لا يتجزّأ من مفهوم البنية، وتسدّ الفجوة بين

الرؤية السيميائية والرؤية المادية للبنية.

Abstract: «Structure» is one of the most important, elusive, and undertheorized concepts in the social sciences. Setting out from a critique and reformulation of Anthony Giddens’s notion of the duality of structure and Pierre Bourdieu’s notion of habitus, this article attempts to develop a theory of structure that restores human agency to social actors, builds the possibility of change into the concept of structure, and overcomes the divide between semiotic and materialist visions of structure.

.Syrian Writer and Translator مترجم وكاتب سوري.***

*** نشرت هذه الدراسة في

Orginally published by American Journal of Sociology , vol. 98, no. 1 (July 1992), pp. 1–29.

**** أفادت هذه الدراسة، خال مراجعاتها الكثيرة، من القراءة المدقِّقة والنقد البنّاء لعدد كبير من الأصدقاء والزماء. ومع أنني

لم أفلح في بعض الأحيان في الأخذ بنصائحهم الحسنة، فإنني عميق الامتنان لإليزابيث أندرسن وجيفري ألكسندر ورونالد أمين زاده ورينيه أنسباخ وتيري بوزويل وبيغي إيفانز ونيل فليغستاين وستيفن غدمن ورونالد هيرينغ ورونالد إندن وديفيد لايتين وباربرا لازليت ومايكل كينيدي وشيري أورتنر وسيلفيا بيدرازا وجوان سكوت وإلين سيول وتيدا سكوكبول وآن سويدلر وجون أوري ولويك فاكان، وعدد من المراجعين والحضور في الحلقات البحثية والدراسية في جامعة مينيسوتا، وجامعة ميشيغان، وجامعة هارفرد، وجامعة

نورثويسترن، وجامعة شيكاغو، ومركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية. وقد نُقِّحت هذه الدراسة تنقيحًا شديدًا حين كنت

زميلً في هذا المركز الأخير. وأنا ممتنّ للدعم الذي تلقيته من مؤسسة العلوم الوطنية، المنحة BNS–870064، وللزمالة من مؤسسة

جون سايمون جوجنهايم التذكارية. ***** بالنسبة إلى ترجمة Habitus إلى العربية، لجأ المترجمون العرب إلى طيف كامل من الخيارات الممكنة؛ إذ اختار بعضهم الاقتراض التام، وكتب Habitus بالعربية (هابيتوس)، على نحو ما أفعل هنا، وعلى نحو ما فعلت معظم اللغات الأوروبية التي اقترضت Habitus اقتراضًا. وثمة من ترجم Habitus ب «مظهر»، و«سجيّة»، و«سَمْت»، و«سمة اجتماعية»، و«تطبّع»، باختاف

المترجمين (المترجم.)

ربيع   Spring 2019

مصطلح «البنية» واحد من أهمّ المصطلحات في معجم العلوم الاجتماعية الراهن وأشدّها

مراوغة. وهو مفهوم أساس، ليس في المدارس المسمّاة به فحسب، كالوظيفية البنيوية والبنيوية

وما بعد البنيوية، بل في فكر العلم اجتماعي بجميع اتجاهاته عمليًا. غير أنّه إذا ما كان علماء الاجتماع

يجدون الاستغناء عن مصطلح «البنية» أمرًا يكاد يكون مستحيل، فإننا نجد أيضًا أنّ تعريفه على النحو

الوافي يكاد يكون مستحيلً. ولا شكّ في أنّ أكثرنا خاض تجربة السؤال من طرف طالب «بسيط» عمّا

نعنيه ب «البنية»، ووجد صعوبة بالغة في تعريف المصطلح من دون استخدام كلمة «بنية» أو أحد منوّعاتها

في تعريفها هي ذاتها. وقد نقع، بعض الأحيان، على ما يبدو مرادفًا مقبول – «النَّسق» مثلً – لكن هذه

المرادفات جميعًا تفتقر إلى قوة الأصل الباغية. فحين يتعلّق الأمر بالإشارة إلى أنَّ عاقةً من العاقات

قوية أو مهمة، يكون وصفها بأنّها «بنيوية» أشدّ إقناعًا من وصفها بأنّها «نسقيّة» با شكّ. يمكّنُ مصطلحُ البنية ما يشير إليه. والبنية، بمعناها الاسمي، تنطوي دومًا على البنية بمعناها الفعلي

المتعدّي. وكلُّ جانب من جوانب الحياة الاجتماعية نعتبره بنيةً يُفترَض أنّه «يبتني» جانبًا آخر من

جوانب الوجود الاجتماعي، سواء كان طبقةً تبتني سياسةً، أو جندرًا يبتني فرصًا للعمل، أو أعرافًا

خطابية تبتني نصوصًا أو منطوقاتٍ، أو أنماط إنتاج تبتني تشكيات اجتماعية. وتعمل البنية في الخطاب العلم اجتماعي بوصفها وسيلة كنائية فاعلة؛ إذ تتّخذ جزءًا من واقع اجتماعي معقّد على أنّه

يفسّر الكل. وهي كلمة لا غنى عنها في العلوم الاجتماعية. والبنية، في الحقيقة، ليست مفهومًا دقيقًا

بقدر ما هي ضرب من الاستعارة المعرفية المؤسِّسة للخطاب العلمي والعلم اجتماعي. ولهذا

السبب، لا يمكن أيّ تعريف شكلي أن يفلح في تثبيت معنى المصطلح: استعارة البنية تواصل عملها

الأساس، وإن يكن غامضًا نوعًا ما، في تكوين المعرفة العلم اجتماعية، على الرغم من جهود المنظ رين

الرامية إلى تعريفها تعريفًا ثابتًا ودقيقًا. لكنّ الاستخدام الحالي للمصطلح ينطوي على ثاث مشكات تجعل التنظير اليقظ في شأن معاني البنية أمرًا جديرًا بالاهتمام. المشكلة الأهمّ هي أنّ النقاشات البنيوية تميل إلى افتراض حتمية سببية

صلبة للغاية في الحياة الاجتماعية. كما تميل إلى تشييء خصائص الوجود الاجتماعي التي تُدعى بنى والتعامل معها على أنّها أوليّة وصلدة وغير قابلة للتغيير، مثل الدعامات في مبنى، في حين تميل إلى

النظر إلى الحوادث أو السيرورات الاجتماعية التي تبنيها على أنّها ثانوية وسطحية، مثل «القشرة» الخارجية لناطحة سحاب، أو على أنّها قابلة للتغيير ضمن القيود البنيوية «الصلدة»، مثل تصميم مكاتب في طوابق حددها هيكل من الدعامات.

(((من المعروف أنّ الكناية تقوم على المجاورة والاندماج والتداخل، كما هي الحال في عاقة السبب بالنتيجة، ودلالة الجزء على

الكلّ وما إلى ذلك (المترجم.) (((يبدو أنّ مصطلح «البنية» يقوم بدور أساسي مماثل في العلوم الطبيعية. وتعود نشأة استخداماته هذه، بقدر ما أعلم، إلى علم النبات في القرنين السابع عشر والثامن عشر الذي انتشر منه إلى العلوم الطبيعية والاجتماعية الأخرى، انظر:

Michel Foucault, The Order of Things: An Archaeology of the Human Sciences (New York: Vintage Press, 1973), pp. 132–138.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

وما ينزع إلى الضياع في لغة البنية هو فعالية الفعل البشري، أو «الفاعلية» Agency، كي نستخدم المصطلح المفضّل حاليًا. فالبنى تميل إلى الظهور في الخطاب العلم اجتماعي على أنّها منيعة على

الفاعلية البشرية، توجد بمعزل عنها، لكنها تحدد، على الرغم من ذلك، شكل الحياة الاجتماعية الأساس، وما يكوّن سطحها المعيش من مكابدات ومعامات مُسبَّبَة. ويميل العلم اجتماعي الواقع

في إسار استعارةٍ للبنية غير مدروسة إلى اختزال الفاعلين إلى آليين مبرمجين بذكاء. والمشكلة الثانية الوثيقة الصلة بالسابقة من مشكات فكرة البنية، هي أنّها تجعل التعامل مع التغيير أمرًا شاقًّا. فاستعارة البنية تنطوي على الاستقرار. ولهذا السبب، تفسح اللغة البنيوية المجال بيسر أمام

التفسيرات التي تبيّن كيف اتّخذت الحياة الاجتماعية هيئة أنساق متماسكة، لكنّها لا تفسح المجال

أمام تفسيرات تبيّن كيف تتغير هذه الأنساق بمرور الزمن. وعادة ما يضع الخطابُ البنيوي التغيير

خارج البنى، إمّا في غايات التاريخ، وإمّا في تصورات الانهيار، وإمّا في مؤثّرات من خارج النظام

المعني. ما يعني أنّ الانتقال من أسئلة الاستقرار إلى أسئلة التغيير ينزع إلى الانطواء على انزياحات معرفية (إبستيمولوجية) شاقّة. المشكلة الثالثة؛ هي من مقام مختلف بعض الشيء: فمصطلح البنية يُستخدم في الخطابات العلم

اجتماعية المختلفة، لا سيما في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، بمعان تبدو متناقضة. يقوم علماء

الاجتماع في العادة بوضع «البنية» مقابل «الثقافة»؛ إذ يُنظ ر إلى البنية، في الاستخدام العلم اجتماعي

العادي، على أنّها «صلدة» أو «مادية» وعلى أنّها أوليّة ومحدِّدَة إذ ا. في حين تُعتبر الثقافة «ناعمة» أو

«عقلية» وعلى أنّها ثانوية أو مشتقَّة تاليًا. وبخاف هذا، ينظر علماء الاجتماع ذوو الميل السيميائي،

لا سيما الأنثروبولوجيون، إلى الثقافة باعتبارها موقع البنية البارز. ويُفترَض، في الاستخدام الأنثروبولوجي

المعتاد، أن مصطلح البنية يشير إلى مجال الثقافة، ما خا حين تلحق بالبنية صفة «الاجتماعية». وتتمثّل عاقبة ذلك في أنَّ عالمَي اجتماع مختلفين في نظرتيهما، اختاف تيدا سكوكبول ومارشال سالينز، يمكن

أن يشير إليهما فرعاهما بأنّهما «بنيويَين». باختصار، يميل علماء الاجتماع وعلماء الأنثروبولوجيا إلى

تصور طبيعة البنية وموقعها بطريقتين جدّ متباينتين، بل متعارضتين. قد يغرينا أن نستنتج، في ضوء هذه المشكات التي تحفّ بمفهوم البنية، أنّ من الواجب اط راح المصطلح ونبذه. لكنّ ذلك مستحيل. في اعتقادي: البنية مصطلح قوي باغيًا ومنتشر إلى الحدّ الذي يجعل أي

(((هذا التشعب في معنى البنية يحول على نحوٍ خاص دون التواصل بين مجموعتين من علماء الاجتماع تبدو مشاريعهم الحالية

متقاربة، لكنهم لم يولوا بعضهم بعضًا، إلى الآن، سوى قليلٍ من الاهتمام: ثلّة متنامية من علماء الاجتماع الذين يتفحّصون الأبعاد

الثقافية للحياة الاجتماعية والأنثروبولوجيون الذين يصرون على أهمية القوة والممارسة في فهم الثقافة. ثمة تقويم لحقل علم الاجتماع الثقافي الآخذ في التوسّع والازدياد، انظر:

Michele Lamont & Robert Wuthnow, «Betwixt and Between: Recent Cultural Sociology in Europe and the United States,» in: George Ritzer (ed.), Frontiers of Social Theory: The New Synthesis (New York: Columbia University Press, 1990), pp. 287–315.

وفي ما يخصّ اتجاهات الأنثروبولوجيا الحالية، انظر:

Sherry B. Ortner, «Theory in Anthropology since the Sixties,» Comparative Studies in Society and History , vol. 26 (1984), pp. 144–160.

ربيع   Spring 2019

محاولة تشرّع إلغاءه عديمة الجدوى. وعاوة على ذلك، فإنّ فكرة البنية تشير، ولو على نحو إشكالي،

إلى شيء بالغ الأهمية في شأن العاقات الاجتماعية: ميل أنساق العاقات إلى أن يُعاد إنتاجها، حتى

حين يكون الفاعلون المنخرطون في هذه العاقات غير مدركين لتلك الأنساق أو لا يرغبون في إعادة

إنتاجها. وفي رأيي، أنّ فكرة البنية لا يمكن اطّراحها من خطاب العلوم الاجتماعية ولا ينبغي أن يتمّ ذلك.

لكنها تحتاج إلى إعادة تفكير شاملة. وتحاول هذه الدراسة تطوير نظرية للبنية تتغلّب على نقاط الضعف الأساسية الثاث في هذا المفهوم على نحو ما يُستخدم عادةً في العلوم الاجتماعية. وتحاول هذه النظرية: 1) أن تتبيّن فاعلية الفاعلين الاجتماعيين. 2) أن تجعل إمكان التغيير جزءًا لا

يتجزأ من مفهوم البنية. 3) أن تردم الهوّة بين الرؤية السيميائية والرؤية المادية للبنية. وتتمثّل إستراتيجيتي

في أن أبدأ مما أعتبره الصيغتين الواعدتين أكثر من سواهما – فكرة أنطوني غيدنز عن «ثنائية البنية»، ثم في مرحلة لاحقة من الحجاج، مفهوم بيير بورديو عن الهابيتوس – بغية تطوير نظرية أوفى عن طريق النقد وإعادة الصوغ والإحكام.

ثنائية البنية: نقد نظرية غيدنز وإعادة صوغها

بذل أنطوني غيدنز أكثر الجهود استدامةً في إعادة مَفهمَة البنية في النظرية الاجتماعية مؤخّرًا. وظل

يلح منذ أواسط سبعينيات القرن العشرين على ضرورة اعتبار البنى «ثنائية». وهو يعني بذلك أنّها

«وسيلة الممارسات التي تشكّل النظم الاجتماعية وثمرتها في آن معًا ». فالبنى تشك ل ممارسات

(((ليس غرضي تطويرُ نقدٍ أو تثمينٍ تامّين لغيدنز أو بورديو. فالأدبيات النقدية حولهما تتنامى بسرعة. وما ينطوي عليه عمل هيلد

وطومسن:

David Held & John B. Thompson (eds.), Social Theory of Modern Societies: Anthony Giddens and His Critics (Cambridge: Cambridge University Press, 1989);

وعمل براينت وياري لا يقتصر على طيف واسع من انتقادات هؤلاء الباحثين البارزين لعمل غيدنز بل يتعدّاه إلى قوائم ببليوغرافية

مفيدة بما سبقها من انتقادات.

Christopher G. A Bryant & David Jary (eds.), Giddens’ Theory of Structuration: A Critical Appreciation (London: Routledge, 1991);

أمّا في شأن بورديو، فانظر:

Paul DiMaggio, «Review Essay: On Pierre Bourdieu,» American Journal of Sociology , vol. 84 (1979), pp. 1460–1474; Rogers Brubaker, «Rethinking Classical Social Theory: The Sociological Vision of Pierre Bourdieu,» Theory and Society , vol. 14, no. 6 (1985), pp. 745–775; Michele Lamont & Annette Lareau, «Cultural Capital: Allusions, Gaps and Glissandos in Recent Theoretical Development,» Sociological Theory , vol. 6 (1988), pp. 153–168; Loic Wacquant, «Towards a Reflexive Sociology: A Workshop with Pierre Bourdieu,» Sociological Theory , vol. 7 (1989), pp. 26–63.

ويشتمل هذا الأخير على إشارات كثيرة إلى الأعمال النقدية حول بورديو.

(5) Anthony Giddens, New Rules of Sociological Method: A Positive Critique of Interpretive Sociologies (London: Hutchinson, 1976); Anthony Giddens, Central Problems in Social Theory: Action, Structure and Contradiction in Social Analysis (Berkeley & Los Angeles: University of California Press, 1979); Anthony Giddens, A Contemporary Critique of Historical Materialism , vol. 1, Power, Property and the State (London: Macmillan, 1981); Anthony Giddens, The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration (Berkeley & Los Angeles: University of California Press,

(6) Giddens, A Contemporary Critique of Historical Materialism , p. 27.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

البشر، لكنَّ ممارسات البشر تشك ل البنى أيضًا (وتعيد إنتاجها). ومن وجهة النظر هذه، لا تكون

الفاعلية البشرية والبنية متعارضتين، بل تفترض إحداهما الأخرى في حقيقة الأمر. يضع البنى موضع الفعل من يدعوهم غيدنز الفاعلين البشر «العارفين» (أي البشر الذين يعلمون ما يفعلون وكيف يفعلونه)، ويفعل هؤلاء الفاعلون بوضعهم موضع الممارسة معرفتهم المبتناة بالضرورة. ولذلك، «لا ينبغي مَفْهمَة البنى على أنّها تقيّد الفاعلية البشرية فحسب، بل على أنّها تمكّنها أيضًا ». وينطوي هذا

التصور للفاعلين البشر بوصفهم «عارفين» و«ممك نين» على أنّهم قادرون على وضع قدراتهم المتشكلة

بنيويًا قيد العمل بطرائق إبداعية أو مبتكرة. وإذا ما عمل عدد كاف أو حتى عدد قليل من البشر الذين

يتمتعون بالقدرة الكافية بطرائق مبتكرة، فقد تكون لعملهم عاقبة تحويل البنى التي منحتهم القدرة على العمل هي ذاتها. ولذلك فإنَّ البنى الثنائية تنطوي على قابلية التغيير. وليس من قبيل المصادفة أن

غيدنز يسمّي نظريته «نظرية الابتناء»، مشيرًا بهذه الكلمة المستحدثة إلى ضرورة أن يُنظَر إلى «البنية »

على أنّها سيرورة، وليست حالة ثابتة أو وضعًا متواترًا. بوصفي مؤرّخًا اجتماعيًا معنيًّا بوعيي النظري، أجد فكرة غيدنز حول ثنائية البنية فكرة لائقة على نحو

خاص. وكان معظم التاريخ الاجتماعي الأفضل في ربع القرن الماضي قد تبنّى إستراتيجيةً نظريةً ضمنية تتسق تمام الاتساق مع نظرية غيدنز. وقد غيّر المؤرّخون الاجتماعيون تغييرًا كبيرًا بالفعل المفاهيم

الاجتماعية والأنثروبولوجية الخاصة بالبنية التي كانوا قد بدؤوا في اقتراضها بشدة في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. وعلى الرغم من أنّهم ربما كانوا يكتبون انطاقًا من غريزة محترفة وليس انطاقًا من هواجس نظرية مدروسة، فقد أظهروا كيف تكون البنى ثنائية بالفعل في تشكيلة واسعة من الأوقات والأماكن: كيف تشك لُ الثقافاتُ والمؤسسات الاجتماعية التي يولد فيها الفاعلون أفكارَ هؤلاء الأخيرين

ودوافعهم ونيّاتهم التاريخية، وكيف تعيد أفعال هؤلاء الفاعلين، المشك لة والمقيَّدة بنيويًا، إنتاج هذه

الثقافات والمؤسسات، ولكن أيضًا، كيف يستطيع الفاعلون (أو يضطرون)، في ظروف معينة، إلى أن يرتجلوا أو يبتكروا بطرائق مشكَّلة بنيويًا تعيد تكوين البنى التي شكّلتهم هي ذاتها. وكان غيدنز قد توصّل

إلى موقفه هذا من خال نقد نظري توخّى التوفيق بين الظاهراتية والتفاعلية والإثنوميثودولوجيا وماركس ودوركهايم وفيبر؛ ولم يُبد كبير اهتمام بعمل المؤرّخين الاجتماعيين. لكني أعتقد أنّ فكرته عن ثنائية

البنية تؤكّد نظريًا ما يفعله المؤرّخون الاجتماعيون (وفي السنوات الأخيرة كثير من علماء الاجتماع

التاريخيين والأنثروبولوجيين التاريخيين) في الممارسة العملية.

ما البنية؟

لكن نظرية غيدنز، على الرغم من وعدها، تعاني فجوات خطيرة وعيوبًا منطقيةً لازمتها على مدى

إعادة صوغها المتكررة. والافت أنّ «البنية» – المصطلح المركزي في نظرية غيدنز – تبقى غير

(7) Giddens, New Rules of Sociological Method , p. 161.

(((لاطاع على صيغها الرئيسة، انظر:

Ibid; Giddens, Central Problems in Social Theory ; Giddens, The Constitution of Society.

ربيع   Spring 2019

معرَّفة على نحوٍ يبعث على الإحباط. صحيح أنّه، بخاف معظم علماء الاجتماع، لا يدع المصطلح

من دون أيّ تعريف على الإطاق تاركًا له أن يعمل عمله السحري المعتاد في أذهان قرّائه؛ وصحيح

أنّه يتناول «البنية» باستفاضة في عمله المشكلات الأساسية في النظرية الاجتماعية، لكني لا أحسب أنّ

مفهوم البنية الذي يُحْكِمُه هناك أو في أيّ مكان آخر واضحٌ أو قويّ بما يكفي لأن يكون الأساس

لمنظومة نظرية. يعرّف غيدنز البنية في مواضع عدة، من بينها مسرد مصطلحات كتابه تكوين المجتمع: البنية: قواعد وموارد، منخرطة على نحو متكرر في إعادة بناء النظم الاجتماعية. لا توجد البنية إلا بوصفها آثارًا في الذاكرة، والأساس العضوي للمعرفة الإنسانية، وكما تتجسّد في فعل. يتطلّب هذا التعريف غير المتبلور بعض التفسير. فالعبارة «قواعد وموارد»، على الرغم من بساطتها الخادعة، غامضة للغاية ويجب مناقشتها بإسهاب. فلنبدأ إذ ا، ببقية التعريف التي صيغت على نحو غامض لكنّ معناه واضح نسبيًا. يعني غيدنز ب «النظم الاجتماعية» ممارسات اجتماعية تمكن ماحظتها

تجريبيًا، متشابكة، ومحدودة نسبيًا تربط أشخاصًا عبر الزمان والمكان. وتشتمل النظم الاجتماعية

على ما يعنيه معظم علماء الاجتماع ب «المجتمعات»، لكنها تشتمل أيضًا على وحدات اجتماعية أوسع نطاقًا من الدولة القومية (النظام الرأسمالي العالمي، مثلً) أو أضيق نطاقًا منها (جماعة الحيّ، مثلً.)

ووفقًا لغيدنز، فإنّ النظم الاجتماعية لا وجود لها خارج الممارسات التي تكوّنها، وهي ممارسات

يعيد إنتاجها وضع البنى «المعاود» (أي المتكرر) موضع الفعل. ليست البنى تلك الممارسات الاجتماعية المنسّقة التي تشكّل النظم الاجتماعية، بل المبادئ التي تنسّق هذه الممارسات. ولذلك،

ليس للبنى سوى ما يصفه في مكان آخر بالوجود «الافتراضي». ولا توجد البنى على نحو ملموس في الزمان والمكان إلّ «كآثار في الذاكرة، الأساس العضوي للمعرفة» (أي لا توجد إلا بوصفها أفكارًا

أو ترسيمات محشورة في الأدمغة البشرية) و«كما تتجسّد في فعل» (أي على نحو ما تُوضع موضع

الممارسة.)

البنى بوصفها قواعد

البنى «افتراضية» إذًا، وتوضع موضع الممارسة في إنتاج الحياة الاجتماعية وإعادة إنتاجها. ولكن ممَّ

تتكوّن هذه البنى؟ من «قواعد وموارد»، وفقًا لتعريف غيدنز. وفكرة غيدنز عن القواعد مستمدة من

البنيوية الفرنسية إلى حدّ بعيد. وهذا واضح خصوصًا في كتابيه قواعد المنهج العلم اجتماعي الجديدة

والمشكلات الأساسية في النظرية الاجتماعية. فهو يستند أشد الاستناد، في كليهما، إلى قياس بنيوي نمطي على الألسنية السوسورية. يشبّه غيدنز تمييزه بين البنية والممارسة بالتمييز السوسوري بين

اللسان والكام. ووفقًا لهذا التشبيه، فإنّ البنى بالنسبة إلى الممارسة مثل اللسان (القواعد المجردة

(9) Ibid., p. 377. (10) Ibid. , p. 17.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

التي تجعل إنتاج الجمل النحوية أمرًا ممكنًا) بالنسبة إلى الكام (القول أو إنتاج جمل فعلية).

وبذلك تكون البنية، مثل اللسان، مجموعة من القواعد ذات وجود «افتراضي»، في حين أنّ الممارسة، مثل الكام، هي وضع لهذه القواعد موضع الفعل في المكان والزمان. والبنية، بالنسبة إلى بنيوي فرنسي، هي مجموعة هذه القواعد. وتشير البنى بالنسبة إلى كلود ليفي شتراوس، على سبيل المثال، إلى مجموعة القواعد التي تمك ن

تقاباتٍ ثنائيةً من أن تنتظم في أساطير. ويؤكّد غيدنز، في كتاب المشكلات الأساسية في النظرية الاجتماعية، على تشابه مفهومه عن البنية مع مفهوم ليفي شتراوس. لكنه يحاول أيضًا أن يميّز نفسه

من البنيويين الفرنسيين، بإصراره على أنّ البنى التي «تربط» الزمان والمكان، لا بدّ من مَفْهَمتها على

أنّها لا تشتمل على القواعد فحسب، بل على الموارد أيضًا. لكن غيدنز يترك مناقشته القواعد

معلّقة، ويفشل في إعطاء أمثلة على قواعد تشك ل أساسًا لأيّ ممارسات اجتماعية فعلية. كلّ ما نعرفه

من ذلك الكتاب هو أنّ القواعد افتراضية وأنّها تولّد بطريقة ما ممارسات اجتماعية وأنظمة اجتماعية. في تكوين المجتمع، وهو أحدث بيان لنظرية غيدنز، نجده يتراجع مزيدًا من التراجع عن تصوّر ليفي

شتراوس في شأن القواعد. هنا يأخذ غيدنز إشارة البدء من فيتجنشتين Wittgenstein، ويُعرِّف القواعد

ببساطة، إنّما على نحو واعد في رأيي، على النحو التالي: «فلننظر إلى قواعد الحياة الاجتماعية[...] على أنّها إجراءات قابلة للتعميم تُطبَّق في إنتاج/ إعادة إنتاج الحياة الاجتماعية». هذا التعريف

للقواعد على أنّها إجراءات قابلة للتعميم يمكن، بالطبع، أن يشتمل على قواعد التحويل الليفي شتراوسية، لكنه ينطوي أيضًا على إمكان وجود قواعد من أنماط واسعة الطيف. بيد أنّ غيدنز لا يقدّم

أمثلة أو يطور تصنيفًا لأنواع الإجراءات القابلة للتعميم التي في ذهنه. ولذلك، فإن تصوّره للقواعد،

إن كان تصورًا أصلً، هو أشدّ فقرًا في «تكوين المجتمع» مما كان عليه في «المشكات الأساسية في

النظرية الاجتماعية» الذي انطوى على تشبّه بليفي شتراوس على الأقلّ. لكني أعتقد أن تعريفه

الفيتجنشتيني للقواعد على أنّها إجراءات قابلة للتعميم يمكن أن يُستخدم أساسًا لتصور أقوى. يعطي غيدنز، طوال نظريته، وزنًا كبيرًا للفكرة التي مفادها أنّ الفاعلين عارفون. ومن المفترض أن

معرفة القواعد هي التي تجعل البشر قادرين على الفعل. لكنّ غيدنز لا يطوّر أيّ معجم خاص بتحديد

محتوى ما يعرفه البشر. وما أراه هو أنّ مثل هذا المعجم متوافر أصل، في الحقيقة، لكنه كان قد تطوّر

أحسن تطوّر في حقل يكاد يجهله غيدنز كلّ الجهل: الأنثروبولوجيا الثقافية. وفي النهاية، فإن

المصطلح العلم اجتماعي المعتاد الذي يُطلَق على «ما يعرفه الناس» هو «الثقافة»، وأولئك الذين

نظّروا للثقافة ودرسوها على نحو مثمر هم الأنثروبولوجيون. وكلود ليفي شتراوس، الأنثروبولوجي

(11) Giddens, New Rules of Sociological Method , pp. 118–122. (12) Claude Levi–Strauss, Structural Anthropology (New York: Basic, 1963). (13) Giddens, Central Problems in Social Theory, pp. 62–64. (14) Ibid., pp. 63–64. (15) Giddens, A Contemporary Critique of Historical Materialism, p. 21.

ربيع   Spring 2019

الذي أخذه غيدنز على محمل الجد، يكاد يكون فريدًا في تثبّته على بنى عميقة أو عامة. وهو يرمي،

في نهاية المطاف، إلى الوصول من خال التجريد المتعاقب إلى بنية الدماغ البشري ذاته. فحتى بعض الأنثروبولوجيين البنيويين الذين تأثّروا بليفي شتراوس أعمق التأثّر كانوا أشدّ اهتمامًا بتطبيق

منهجه الساعي وراء أنساق متكررة من التقابات الثنائية بغية تحديد الافتراضات والممارسات

والمعتقدات لدى بشر بعينهم، بدلً من تتبّع تلك التقابات إلى بنية «العقل البري» أو العقل البشري. بدلً من البقاء عند المستوى البنيوي العميق الذي يفضّله ليفي شتراوس، أحسب أنّ علينا، مثل معظم

الأنثروبولوجيين، أن نفك ر في القواعد على أنّها موجودة على مختلف المستويات. وقد تكون القواعد الأقرب إلى السطح «سطحية» بالتعريف، لكنها ليست، بالضرورة، أقل أهمية من حيث آثارها في الحياة الاجتماعية. ويجب التفكير في «قواعد الحياة الاجتماعية» على أنّها تتضمّن جميع أنواع

الترسيمات الثقافية التي كشف عنها الأنثروبولوجيون في أبحاثهم: لا مصفوفة التقابات الثنائية التي تشكّل أدوات الفكر الأساسية لدى مجتمعٍ معيَّنٍ فحسب، بل أيضًا مختلف الأعراف والصيغ

والسيناريوهات ومبادئ العمل وعادات الكام والإيماءات التي تشكّل جزءًا لا يتجزّأ من هذه الأدوات

الأساسية. والحال، إنّ مصطلح «القواعد» قد لا يكون الكلمة المائمة تمامًا؛ إذ يميل إلى الانطواء

على ما يشبه الوصفات الرسمية: كتلك الأشياء التي في التشريعات أو الأمثال أو الصلوات أو الدساتير أو العقود. ما أقصد التنبيه إليه ليس الوصفات الرسمية، بل الترسيمات أو الاستعارات أو الافتراضات غير الرسمية، وربما غير الواعية التي تفترضها مثل هذه التعبيرات الرسمية. وما أراه في الحقيقة هو أن ضروب تبويب القواعد الثابتة المعلنة هي فعلية وليست افتراضية، ويجب أن تُعَدّ موارد لا قواعد

بالمعنى الذي نجده عند غيدنز. وبسبب هذا الالتباس في شأن معنى كلمة «القواعد»، أعتقد أنّه من

المفيد إدخال تغيير في المصطلحات. ومن الآن فصاعدًا، سأستخدم مصطلح «الترسيمات» بدل من «القواعد»، مع أنّ هذا يطيح الجناس الاستهالي المبهج في صيغة غيدنز «Rules and Resources» (قواعد وموارد.) الترسيمات المختلفة التي تتكون منها البنى هي «إجراءات قابلة للتعميم مطبَّقة في إنتاج/ إعادة إنتاج

الحياة الاجتماعية»، على حدّ تعبير غيدنز. وهي «قابلة للتعميم» بمعنى أنّه يمكن تطبيقها في تشكيلة

(16) Marshall Sahlins, Culture and Practical Reason (Chicago: University of Chicago Press, 1976); Marshall Sahlins, Historical Metaphors and Mythical Realities (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1981); Marshall Sahlins, Islands of History (Chicago: University of Chicago Press, 1985).

(((1 لا يمكن هنا إيراد مثال على الأعمال الأنثروبولوجية التي تُحكم «قواعد الحياة الاجتماعية» المختلفة. لعلّ الصوغ الأشد أثرًا

لمفهوم الثقافة الأنثروبولوجي هو في:

Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures (New York: Basic, 1973).

ثمة مراجعة ممتازة لأحدث تطورات الأنثروبولوجيا الثقافية، انظر: Ortner. (((1 ثمة نقد لفكرة «القاعدة» مقنع على نحو خاص في:

Pierre Bourdieu, Outline of a Theory of Practice (Cambridge: Cambridge Press, 1977), pp. 1‑29.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

من سياقات التفاعل أو توسيعها إليها. ومثل هذه الترسيمات أو الإجراءات – سواء كانت قواعد لياقة أو معايير جمالية أو وصفات لفعل جماعي مثل موكب ملكي أو انتفاضة خبز أو اقتراع ديمقراطي، أو مجموعة من التكافؤات بين الرطب والجاف، والأنثى والذكر، والطبيعة والثقافة، والخاص والعام، أو الجسد باعتباره استعارة للتراتب الهرمي، أو فكرة أنّ الإنسان مكوَّن من جسد وروح – يمكن

استخدامها أبعد من الوضع الذي تمّ فيه تعلُّمها أوّل مرّة أو اعتيد فيه تطبيقها؛ إذ يمكن تعميمها – أي

نقلها أو توسيعها – إلى أوضاع جديدة حين تأتي الفرصة. وقابلية الترسيمات للتعميم أو النقل هي السبب في أنّها يجب أن تُفهَم على أنّها افتراضية. فحين يُقال عن ترسيمات إنّها افتراضية، فذلك يعني

أنّ من غير الممكن اختزالها إلى وجودها في أيّ ممارسة بعينها أو في أي موضع بعينه في المكان

والزمان: إذ يمكن أن تتحقق في طيف من الأوضاع واسع وغير محدَّد مسبقًا. أتفق مع غيدنز، إذ ا، على أنّه قد يكون مفيدًا مَفْهمَة القواعد أو الترسيمات التي تكوِّن البنى على أنّ لها

وجودًا «افتراضيًّا»، وعلى أنّ البنى تتألف من إجراءات أو ترسيمات متاحة في ما بين الذوات ويمكن

تحقيقها أو وضعها موضع الممارسة في طيف من الظروف المختلفة. ومن الواجب النظر إلى هذه الترسيمات على أنّها تعمل على مستويات متفاوتة من العمق، من بنى ليفي شتراوس العميقة إلى قواعد اللياقة السطحية نسبيًا.

البنى بوصفها موارد

من المؤكّد أنّ جزءًا من توتر غيدنز حيال تبني تصوّر ليفي شتراوس للبنية ناجم عن رغبته في أن ينأى

بنفسه عن لامبالاة ليفي شتراوس الشديدة بأسئلة القوة والسيطرة والتغيير الاجتماعي، بل وبأسئلة الممارسة الاجتماعية عمومًا. ولعلّ هذا هو السبب عمومًا في أنّ غيدنز يصرّ على أنّ البنى ليست

قواعد فحسب، بل قواعد وموارد، أو «مجموعات قواعد–موارد». لكن مفهوم غيدنز عن الموارد هو بعد أقلّ تنظيرًا من مفهومه عن القواعد. وأنا أتفق معه على أن أيّ فكرة عن البنية تتجاهل

ضروب عدم التناظر في القوة هي فكرة قاصرة على نحو جذري. لكن إلحاق فكرة عن الموارد غير مُنظَّر لها بفكرة عن البنية قائمة على القواعد أساسًا، لا يفلح سوى في زيادة خلط الأمور. يعرّف غيدنز الموارد، في كتابه المشكلات الأساسية في النظرية الاجتماعية، بأنّها «الوسائط التي

تُستخدَم من خالها القدرة التحويلية كقوة في المجرى الروتيني للتفاعل الاجتماعي». إن لم تخنّي الدقّة، فإنّ هذا التعريف الغامض يمكن إعادة صوغه على النحو: «الموارد هي أيّ شيء يمكن أن

(19) Giddens, The Constitution of Society , p. 377.

(((2 كان مفهوم غيدنز عن القواعد موضع نقد من حين إلى آخر، أحدثها نقد تومسن في:

John B. Thompson, «The Theory of Structuration,» in: D. Held & J. B. Thompson (eds.), Social Theory of Modern Societies: Anthony Giddens and His Critics)Cambridge: Cambridge University Press, 1989(, pp. 56–76.

لكن ما من أحد، على حدّ علمي، انتقد على نحو منهجي مفهومه القرين عن الموارد.

(21) Giddens, Central Problems in Social Theory , p. 92.

ربيع   Spring 2019

يكون مصدر قوة في التفاعات الاجتماعية». وهو يبدو لي تعبيرًا مألوفًا ولا جديد فيه نظريًا عمّا نعنيه،

في العادة بالموارد الاجتماعية. ويكاد يقتصر ما يقوله لنا غيدنز عن الموارد، سوى هذا التعريف المسكّن، على أنّها يمكن أن تُصنَّف في نوعين، تسلطية وتحصيصية. وهو يعرّف «التسلّط»، في

«المشكات الأساسية في النظرية الاجتماعية»، بأنّه «القدرات التي تولّد السيطرة على الأشخاص » و«التحصيص» بأنّه «القدرات التي تولد السيطرة على الأشياء أو غيرها من الظواهر المادية». وهذا يعني أنّ الموارد التسلطية هي موارد بشرية والموارد التحصيصية هي موارد غير بشرية، الأمر الذي يبدو مألوفًا مرّة أخرى. أعتقد أن تصنيف غيدنز الموارد يمكن أن يكون مفيدًا، لكنّه يحتاج إلى إعادة صوغ بلغةٍ يسيرة. الموارد نوعان، بشرية وغير بشرية. والموارد غير البشرية هي أشياء، حيّة أو جماد، طبيعية أو صناعية،

يمكن استخدامها لتعزيز القوة أو الحفاظ عليها. أمّا الموارد البشرية فهي القدرة البدنية، والحذق،

والمعرفة، والالتزامات العاطفية التي يمكن استخدامها لتعزيز القوة أو الحفاظ عليها، بما في ذلك معرفة وسائل اكتساب الموارد البشرية أو غير البشرية والحفاظ عليها والتحكّم فيها وتنميتها. هذان النوعان من الموارد هما وسائط قوة كاهما، ويتم توزيعهما على نحوٍ غير متساوٍ. ولكن مهما كان عدم التساوي في توزيع الموارد، فإنّ بعضًا من الموارد البشرية وغير البشرية يتحك م فيه جميع أفراد المجتمع، بغض النظر عن مدى فقرهم واضطهادهم. والحال، إنّ جزءًا مما يعنيه تصور البشر بوصفهم

فاعلين هو تصورهم على أنهم قادرون على النفاذ إلى موارد من هذا النوع أو ذاك.

البنى بوصفها ترسيمات وموارد

لا توضح إعادة صوغ مفهوم غيدنز للموارد كيف تتضافر الموارد والترسيمات لتشكّل بنى. المشكلة الأبرز هنا هي تعريف غيدنز البنى بأنّها «افتراضية». وكما رأينا، فإنّ هذا منطقي تمامًا بالنسبة إلى بنى تُفهَم

على أنّها قواعد أو ترسيمات. ولكن هل الموارد افتراضية أيضًا؟ من المدهش أل يكون غيدنز قد فكّر في الأمر. وتبدو فكرة المورد الافتراضي محلّ شكّ على نحو خاص في حالة الموارد غير البشرية (أو «التحصيصية»، بمصطلحات غيدنز). فمن المؤكّد أن تشتمل الموارد غير البشرية على أشياء مثل المصانع التي يملكها رأسماليون، ومخازن الساح التي يسيطر عليها ملوك أو جنرالات، والأراضي التي يستأجرها فاحون، أو أكوام بطانيات شركة هدسون بي التي جمعها زعماء الكواكيوتل.

(22) Ibid., p. 100.

(((2 الكواكيوتل أحد الأقوام الأصلية المتعددة التي سكنت الساحل الغربي لكولومبيا البريطانية، وكندا. كان زعماء قبائل الكواكيوتل يبادلون الفراء ببطانيات شركة هدسون بي المميزة بألوانها. وكانوا يوزّعون هذه البطانيات أثناء احتفالات البوتاش التي

قام فرانز بواس بدراستها. وهي صيغة للتبادل كانت سائدة في نهاية القرن التاسع عشر في فانكوفر في كولومبيا البريطانية غرب كندا،

تمثل أحد أصناف الهبة التي تمثل ترابطًا لالتزامات ثاثة هي: العطاء والقبول والرد. كانت القبائل الهندية تجتمع وتمارس البوتاش في إطار احتفالي. وخال هذه الاحتفالات تلتقي عدة عشائر ممثلة بزعمائها. وكان على هؤلاء الزعماء أن يظهروا كرمهم، وذلك بتقديمهم الهبات بقدر سخي يجعل الزعيم الخصم غير قادر على رد هبات ذات قيمة مماثلة على الأقل. بل قد يصل الوضع عند قبائل الكواكيوتل إلى إتاف الزعيم ممتلكاته ليؤكد زعامته أمام متحديه الذي إن أراد أن يواجهه كان عليه أن يفوقه في عملية الإتاف هذه (المترجم.)

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

من الواضح أنّه كان للمصانع والأسلحة والبطانيات وشركة هدسون بي وزنٌ حاسم في تشكيل الحياة

الاجتماعية وتقييدها في أوقاتٍ وأماكن معينة، ولذلك يبدو من المنطقي إدراجها على نحو ما في مفهوم البنية. لكن من الصعب أن نرى كيف يمكن اعتبار هذه الموارد المادية «افتراضية»، ما دامت الأشياء المادية موجودة، بالتعريف، في مكان وزمان. بل إنّ هذه الأشياء المادية لا تكون موارد إلا في

أوقاتٍ وأماكن وكمياتٍ بعينها. حالة الموارد البشرية لا تقلّ عن ذلك وضوحًا. فالأجساد البشرية، بالتعريف، ومثل أيّ أشياء مادية

أخرى، لا يمكن أن تكون افتراضية. ولكن ماذا عن المعرفة والالتزامات العاطفية، أي الجوانب العقلية للموارد البشرية؟ من الأمثلة على ذلك السلطة التي يحوزها قسّ من الروم الكاثوليك في

سيامة جماعته وسماع الاعتراف، وإحساس الأبناء بالالتزام تجاه أمهاتهم، والخشية والإجال اللذان يشعر بهما الرعايا حيال مليكهم. فهذه الموارد، بخاف المصانع أو بطانيات هدسون بي، ليست مادية، أو ليست مادية بالمعنى ذاته على الأقلّ. لكنّها تبدو لي فعلية وليست افتراضية. فهي موجودة في ما يدعوه غيدنز «الزمان–المكان»؛ وهي خصائص يمكن ماحظتها لدى أشخاص حقيقيين يعيشون في أزمنة محددة وأمكنة بعينها. وما يجعلها موارد هو تحققها في عقول البشر وأجسادهم. ما يهب الملك السلطة ليس المفهوم غير المجسّد للجالة التي يتمتع بها، بل الخشية والإجال اللذان

يشعر بهما رعاياه الفعليون. إنْ كنتُ محقًا في أنّ جميع الموارد فعلية وليست افتراضية، فسوف تكون فكرة غيدنز عن البنية متهافتة. وإذا ما كانت البنى افتراضية، فلن يمكنها أن تشتمل على ترسيمات وموارد. وإذا ما كانت تشتمل على ترسيمات وموارد، فلن تكون افتراضية. ولا يمكنه، ولا يمكننا، الجمع بين الأمرين. فما العمل؟ تتمثّل أبسط طريقة لمَفْهَمة البنية بالعودة إلى نقطة انطاق غيدنز في البنيوية والتأكيد على أن

البنية لا تشير إلا إلى قواعد أو ترسيمات، وليس إلى موارد، وأنّ الموارد يجب أن يُنظر إليها بوصفها

أثرًا للبنى. بهذه الطريقة، تحتفظ البنى بخاصيتها الافتراضية، ولا يُنظر إلى ضروب التوزيع الملموسة

للموارد على أنّها بنى، بل بوصفها وسائط تنشّطها البنى، أي الترسيمات الثقافية، وتشك.ّلها ليس بالبعيد عن المعقول أن ندّعي أنّ الموارد البشرية هي نتاج ترسيمات؛ ذلك أنّ عددًا معينًا من

الجنود يولّد مقاديرَ وأنواعًا من القوة العسكرية تختلف باختاف أعراف الحرب في حينه (سنن

الفروسية مثلً)، وما لدى الجنرالات من تصورات عن الإستراتيجية والتكتيك، وأنظمة التدريب التي

خضعت لها القوات. وسلطة الكاهن في سيامة جماعته مستمدة من ترسيمات تفعل فعلها على مستويين مختلفين. الأول، هو أنّ تدريب الكاهن منحه تضلّعًا من طيف واسع من التقنيات الظاهرة

والضمنية الخاصة بالمعرفة وضبط النفس تمكّنه من أن يقوم بدوره بصفته كاهنًا على نحوٍ مُرضٍ. والثاني، هو أنّ ترقّيه في مراتب الكهنوت تمّ بمراسم سيامة، بقيام أسقف بوضع يديه عليه، ما يرمز إلى

سلطة الخافة الرسولية ويجعله قادرًا على القيام بعمل إعجازي: تحويل الخبز والخمر إلى جسد

المسيح ودمه. وخشية الملوك وإجالهم هما تجليان لأفكار أساسية حول الوظيفة الكونية للملكية،

ربيع   Spring 2019

أفكار تُنسج في عديد من الخطابات والمراسم على جميع مستويات المجتمع. وبالمثل، تستند الالتزامات التي يشعر بها الأطفال تجاه أمهاتهم إلى أفكار عن روابط الطبيعة والتنشئة والطاعة مرمزة

في مختلف رتابات الحياة الأسرية وفي عظاتٍ وأمثال وروايات وأعمال في النظرية السياسية. تشير هذه الأمثلة إلى أنّ من الممكن اعتبار الموارد البشرية مظاهر وعواقب تترتب على وضع ترسيمات ثقافية موضع الفعل. لكننا في حين يمكن أن نتكلم بصورة معقولة عن الموارد البشرية كما تولّدها قواعد أو ترسيمات، يبقى من الصعب أن نتصور كيف يمكن للموارد غير البشرية أن تتولّد على هذا النحو. ذلك أنّ للمصانع والأرض وبطانيات هدسون بي خصائص مادية لا تولّدها الترسيمات بأيّ حال من الأحوال. لكنّه من الصحيح أيضًا أنّ شرطها، بوصفها موارد، قادرة على إنتاج تباينات في القوة الاجتماعية وإعادة إنتاجها ليست في جوهر وجودها المادي على نحو مطلق. وما ترقى إليه، بوصفها موارد هو، إلى حدّ بعيد، عاقبة للترسيمات التي تملي استخدامها. وإذا ما أخذنا المثال الذي لعلّه الأشدّ وضوحًا، فإنّ كومة هائلة من بطانيات هدسون بي ما كانت لتمثّل

أكثر من وسيلة لتدفئة عدد كبير من البشر، لولا الترسيمات الثقافية التي كوّنت بوتاش الكواكيوتل؛

لكن البطانيات المُقدَّمة في البوتاش تغدو، بالنظر إلى هذه الترسيمات، وسيلة لإظهار قوة الزعيم،

وتاليًا، لاكتساب الهيبة والتحالفات الزواجية والسلطة العسكرية والخدمات. وفي هذه الحالة،

تكون الترسيمات المكونة للبوتاش قد حددت قيمة بطانيات هدسون بي بوصفها موارد ومداها وآثارها. لكنّي أزعم أنّ هذا يصحّ بالنسبة إلى الموارد غير البشرية عمومًا. وعلى سبيل المثال، فإن

حجم الموارد التي يولدها مصنع وأنواعها تتوقف على ما إذا كان ملكًا لرأسمالي فرد أو لتعاونية العمال؛ أي إنّها تتوقف، بمعنى آخر، على قواعد تحدد طبيعة حقوق الملكية والسلطة في المصنع. وتحدد المواردَ التي يكتسبها الفاحون من الأرض التي يستخدمونها أعرافُ حيازة الأرض، ومقتضيات قانون العرف، وضروب الالتزامات المستحقة للأقارب، والتقنيات الزراعية المستخدمة. والأمثلة كثيرة تكاد لا تنتهي. للموارد غير البشرية وجود مادي لا يمكن اختزاله إلى القواعد أو الترسيمات، لكنّ تفعيل الأشياء المادية، بوصفها موارد، وتحديد قيمتها وسلطتها الاجتماعية، يتوقفان

على الترسيمات الثقافية التي تملي استخدامها الاجتماعي. من الواضح، إذ ا، أنّ من المنطقي النظر إلى الموارد على أنها آثار ترسيمات ثقافية. وبذلك يمكن على نحوٍ أكيد تنقية مفهوم البنية لدى غيدنز بتعريف البنية على أنها ترسيمات ليس لها سوى وجود افتراضي محض، وموارد ليست عناصر متكافئة في البنية، بل وسائط وثمرات لعمل البنية. ولكن لناحظ أننا إذا تبنينا هذا التعريف، فإنّ القوة الباغية لمصطلح «البنية» تشير إلى اتجاه واحد تتخذه السببية. فيكون

(24) Franz Boas, Kwakiutl Ethnography , Helen Codere (ed.),)Chicago: University of Chicago Press, 1966); Marshall Sahlins, «The Cosmology of Capitalism: The Trans–Pacific Sector of the World System,» in: Proceedings of the British Academy for 1988 (Oxford: Oxford University Press, 1989).

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

ما يُسمَّى بنية، بموجب هذه التسمية، ممنوحًا قوةً على ما لا يُسمَّى بنية. وتغدو مخزونات السلع

المادية ومعرفة البشر والالتزامات العاطفية خاملة، ووسائط ونتائج لعمليات التحديد التي تقوم بها الترسيمات الثقافية فحسب. وإذا ما أصررنا على أنّ البنى افتراضية، فإننا نجازف بالانزلاق إلى مثالية الأمر الواقع التي تظلّ تاحق البنيوية مهما أظهر دعاتها – مثل ليفي شتراوس – أوراق اعتمادهم ونياتهم المادية. وتغدو الترسيمات – البنى العقلية – الكيان الوحيد الواهب للشكل، ويغدو الفاعلون فاعلين لدى هذه البنى العقلية، ممثلين فحسب، لا يسعهم القيام بما يتعدّى تاوة نصوص موجودة مسبقًا. باختصار، إن تعريف البنى بهذه الطريقة يهدد بإنكار ثنائيتها، وبالقضاء، تاليًا، على المنطلق الأساس لنظرية غيدنز.

ثنائية الترسيمات والموارد

إن كان لا بدّ من إنقاذ ثنائية البنية – وفكرة ثنائية البنية، بالنسبة إليّ، هي عامل الجذب الرئيس في نظرية

غيدنز – فيجب أن نأخذ البديل الآخر ونتصور البنى على أنّ لها طابعًا ثنائيًا (بحقّ). وعندها يجب

تعريف البنية على أنّها مؤلّفة في آن معًا من ترسيمات، وهي افتراضية، ومن موارد، وهي فعلية. إن كانت البنى ثنائية بهذا المعنى، فا بدّ من أن يكون صحيحًا أنّ الترسيمات هي آثار للموارد، تمامًا

كما أنّ الموارد هي آثار للترسيمات. وهذا يبدو لي زعمًا معقول، يمكن إظهار معقوليته من خال

بعض الأمثلة. فليس المصنع كومة خاملة من الطوب والخشب والمعدن. بل يشمل ترسيمات أو يحققها، وهذا يعني أنّ من الممكن استخاص الترسيمات من الشكل المادي للمصنع. فبوابة المصنع ومحطة التثقيب وتصميم خط التجميع: جميع خصائص المصنع هذه تنمّ على قواعد عقد العمل

الرأسمالي وتوثّقها. أو لنأخذ أداء الكاهن للقداس، فعندما يحوّل الكاهن الخبز والخمر إلى جسد

المسيح ودمه ويدير تحوّل الجمع إلى متناولين، يغمر المتناولين إحساس بالسعادة الروحية. وبذلك

يوضح التناول للمتناولين حقيقة قاعدة الخافة الرسولية التي جعلت الكاهن كاهنًا. باختصار، إذا كانت الموارد تمثيات للترسيمات أو تجسيدات لها، فإنها بذلك توحي بالترسيمات وتبررها أيضًا. ويمكن القول إنَّ الموارد تُقرأ كالنصوص، للكشف عن الترسيمات الثقافية التي تمثّلها.

والحال، إنّ النصوص – سواء كانت روايات أو كتبًا قانونية أو حكاياتٍ شعبية أو عقودًا – هي موارد

من وجهة نظر هذه النظرية. وهي أيضًا تمثيات لترسيمات في الزمان–المكان يمكن الفاعلين استخدامها لتوليد القوة. إذا ما كانت الموارد آثارًا للترسيمات، فمن الصحيح أيضًا أنّ الترسيمات آثار للموارد. وإذا ما كان من

الواجب إدامة الترسيمات أو إعادة إنتاجها بمرور الزمن – إذ يصعب اعتبارها بنيوية من دون إعادة

إنتاج مستدامة – فا بدّ من توثيقها بتراكم الموارد التي يولّدها وضعها موضع الفعل. والترسيمات التي

لا تمكّنها الموارد أو تعيد توليدها لا بد من أن تُهجَر في نهاية المطاف وتُنسى، تمامًا كما تتبدد في

(25) Levi–Strauss, The Savage Mind (Chicago: University of Chicago Press, 1966), p. 130.

ربيع   Spring 2019

نهاية المطاف وتتاشى الموارد التي ليس لها ترسيمات ثقافية توجّه استخدامها. ويمكن القول بحق إنّ الترسيمات والموارد لا تشكل بنى إلا حين تنطوي على بعضها بعضًا وتديم بعضها بعضًا بمرور الوقت.

تحوّل البنى الثنائية: الخروج من هابيتوس بورديو

يتفادى تعريف البنية بأنّها تتألف من ترسيمات وموارد الحتمية المادية لدى الماركسية التقليدية والحتمية المثالية لدى البنيوية الفرنسية التقليدية. لكنّ الكيفية التي يمكنه بها أن نعزز قدرتنا على فهم تحولات البنى ليست واضحة مباشرةً. ويمكن القول، في الحقيقة، إنّه إذا كان وضع الترسيمات موضع الفعل هو الذي يخلق الموارد التي توحي بالترسيمات، فا بدّ للترسيمات والموارد أن تعيد إنتاج واحدتها الأخرى من دون تغيير إلى ما لا نهاية. والزعم الذي مفاده أنّ البنى الثنائية تول د الركود ليس بالبعيد عن الواقع. وكان بيير بورديو قد طرح هذا الأمر بفزع شديد في نقاش واسع الأثر لما أسماه «الهابيتوس» في كتابه خطوطٌ عامة لنظرية في الممارسة. وعلى أيّ محاولة للقول بأنّ ثنائية البنية ترتقي بقدرتنا على فهم التحولات الاجتماعية أن تواجه هذا الطرح.

الثنائيّة والركود

يوضح بورديو بقوة، وإن يكن باستخدام مصطلحات مختلفة، تلك العاقة المستدامة المتبادلة بين الترسيمات والموارد (بين ما يسمّيه «البنى العقلية» و«عالم الأشياء»). وعلى سبيل المثال، توضح مناقشته الشهيرة للبيت القبايلي كيف أنّ تصميم هذا البيت ووضع الأغراض فيه يعيد إنتاج تقابات ثقافية قبايليّة أساسية، كتلك التي بين المرتفع والمنخفض، والذكري والأنثوي، والنار والماء، والنور

والظام، وبذلك يضع في أنساق جميع النشاطات المجراة في المنزل على أساس هذه التقابات. وياحظ بورديو أنّ «جميع الأفعال المؤدّاة في حيّز مشيَّد بهذه الطريقة تُعدَّل رمزيًا مباشرةً وتعمل

ككثير من التمرينات البنيوية التي يُبنى من خالها تضلّع عملي من الترسيمات الأساسية».

(26) Bourdieu, Outline of a Theory of Practice.

(((2 بعض أعمال بورديو الأخيرة، لا سيما كتابه:

Pierre Bourdieu, Homo Academicus , Peter Collier (trans.), (Stanford/ California: Stanford University Press, 1988).

وهو دراسة للأساتذة الفرنسيين في أحداث عام 1968، تُعنى بالتغيير بصورة مباشرة أكثر. لكني لا أحسب أنّ بورديو فك ر في سؤال

الكيفية التي يمكن بها للهابيتوس أن يولّد التغيير. ففي «الإنسان الأكاديمي»، مثلً، يتأتّى التغيير من مصادر خارج الهابيتوس الذي

يحلله، وهي، في الأساس، الارتفاع الهائل لعدد الطاب في الجامعات الفرنسية في ستينيات القرن العشرين. ويُستخدم مفهوم

الهابيتوس للقول إنّ ارتكاسات الأساتذة للأزمة تحددت تمامًا بموقعهم في «الحقل الأكاديمي». ويبدو أنّ هذا الكتاب يشير إلى أن

بورديو لم يتغلّب على غياب الفاعلية المتأصّل في مفهوم الهابيتوس الذي أحكمه في كتابه خطوط عامة لنظرية في الممارسة.

(28) Bourdieu, Outline of a Theory of Practice. (29) Ibid., p. 91.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

يعطي تطبيق الترسيمات (أو «البنى العقلية» في معجم بورديو) للبيت شكله، ويقوم البيت، بدوره، بالإيحاء بهذه الترسيمات من خال تخصيص المهمات والأشياء والأشخاص والاستعدادات العاطفية بفضاءات مرمَّزة مختلفة. يقول بورديو بأسلوبه المميز المزخرف المنطوي على مفارقات: تُبنى البنى العقلية التي تبني عالم الأشياء بممارسةِ عالمِ أشياءٍ مبنيٍّ وفقًا للبنى ذاتها. لا ينشأ العقل

المتولّد عن عالم الأشياء كذاتٍ تواجه موضوعًا: يتألف العالم الموضوعي من موضوعات أو أشياء هي نتاج عمليات مَوْضَعة مبنيّة وفقًا للبنى ذاتها التي يُطبَّق عليها العقل. العقل هو استعارة لعالم

الأشياء التي ليست هي ذاتها سوى حلقة لا نهاية لها من الاستعارات التي تعكس بعضها بعضًا. تتوافق «نظرية الممارسة» لدى بورديو تمام التوافق، في كثير من النواحي، مع التصور الخاص بثنائية البنية الذي أدافع عنه في هذه الورقة. ويدرك بورديو ما بين الترسيمات والموارد من إعادة إنتاج

متبادلة، تكوّن بنى معمّرة زمنيًا، يدعوها «الهابيتوس». وهو يُحْك م في نقاشه «الهابيتوس» الوسائل

التي تكوّن بها ضروب القواعد–الموارد المتبادلة التعزيز ذواتًا بشرية لديها أنواع معينة من المعارف

والاستعدادات. عاوة على ذلك، ليست ذوات بورديو القبايلية بالمخدَّرة ثقافيًا. فقد وُهبوا القدرة

على الانخراط في أفعال مميّزة إستراتيجية وذات استقالية عالية. ويبدو قبايليو بورديو على أنّهم

بالضبط ذلك الضرب من الفاعلين العارفين الذين دعت إليهم نظرية غيدنز. لكن هابيتوس بورديو لا يخلو من خاصية مناهضة الفاعل التي يُفترض بمفهوم ثنائية البنية أن يتغلّب

عليها. وفي هابيتوس بورديو، تُعيد الترسيمات والموارد بقوة إنتاج واحدتها الأخرى، حتى إنّ الأفعال الأشدّ حنكة أو ارتجالًالتي يقوم بها الفاعلون تعيد إنتاج البنية بالضرورة. «لمّا كان الهابيتوس نظامًا

مكتسبًا من الترسيمات المولِّدة متكيّفًا بصورة موضوعية مع الظروف الخاصة التي تكوّن فيها، فإنّه

يولّد جميع الأفكار وجميع التصورات وجميع الأفعال المتسقة مع تلك الشروط لا مع غيرها ». وعلى الرغم من أنَّ بورديو يتجنب كلًّ من الحتمية المثالية لدى البنيوية الفرنسية التقليدية والحتمية المادية لدى الماركسية التقليدية، فإنّه لا يفعل ذلك إلا بإقامة حتمية مركّبة تجعل التحولات الاجتماعية المهمة تبدو مستحيلة. لكن هل ثمة ما يفسّر اقتضاء الركود بمثل هذه الشدّة؟ ففي النهاية، كان المجتمع القبايلي الذي أجرى

فيه بورديو عمله الميداني قد قام بثورة بالغة الأهمية ضد الاستعمار بعد فترة وجيزة من عودة بورديو إلى فرنسا كي يحلّل بياناته. ويبدو لي أنّ نظرية بورديو، على الرغم من هجومه الكاسح على

(30) Ibid.

(((3 «المخدر ثقافيًا» Cultural Dope عبارة لعالم الاجتماع الأميركي هارولد غارفينكل الذي يرى أنّ علم الاجتماع السائد عادةً ما

صوّر الإنسان على أنّه «مخدَّر ثقافيًا» يتصرف وفقًا لتوجيهات موحَّدة تقدّمها ثقافة مجتمعه (المترجم.) (((3 انظر، على سبيل المثال، مناقشة بورديو لتبادل الهبات والإستراتيجيات الزواجية، في:

Bourdieu, Outline of a Theory of Practice , pp. 4–10, 32–53. (33) Ibid., p. 95.

ربيع   Spring 2019

«الموضوعية» الديكارتية والليفي شتراوسية، سقطت ضحية تصوّر للمجتمع متشيّئ ومفرط

الشمول على نحو مستحيل. وحده العالم المثالي، الذي يشيده المراقب العلمي الاجتماعي، يمكن أن يتيح للهابيتوس أن يولّد «جميع الأفكار وجميع التصورات وجميع الأفعال» المتّسقة مع الشروط الاجتماعية القائمة «لا مع غيرها». ففي عالم الصراعات والإستراتيجيات البشرية، يخفق، في الحدوث، كثير من الأفكار والتصورات والأفعال التي تتسق مع إعادة إنتاج الأنساق الاجتماعية القائمة، في حين لا تني تحدث تلك التي لا تتسق معها.

ما الذي يجعل التغيّر البنيوي ممكنًا؟

من المناسب تمامًا لبورديو، بالطبع، أن يصرّ على ما لدى البنى من ميل قويّ متأصّل إلى إعادة الإنتاج:

فتلك هي النقطة الأساسية في مفهوم البنية وجزء مما يجعل المفهوم أساسيًا جدًا في تنظير التغيّر

الاجتماعي. وفي النهاية، وكما أوضح بألمعية كلّ من ريناتو روسالدو ومارشال سالينز، فإن ميول البنى إلى إعادة الإنتاج – تلك الميول التي تفسر ضروب الاستمرارية القوية التي تستمرها للعاقات الاجتماعية – هي أيضًا ما يمكّن من تفسير المسارات التي تتخذها حوادث التغيير الاجتماعي. وما يغيّر وجهة بورديو هو مفهومه عن الهابيتوس، ذلك المفهوم الموحَّد والشامل على

نحو غير واقعي؛ إذ يُمَفْهِمُه على أنّه سلسلة واسعة من البنى المتجانسة تمامًا تشمل التجربة الاجتماعية برمّتها. ومثل هذه المفهمة التي يكاد بورديو يتقاسمها في الحقيقة مع كثير من المنظّرين ذوي الميول البنيوية، لا تقوى أن تفسّر التغيير على أنّه ناشئ من داخل اشتغال البنى. ومن الافت أنّ كثيرًا من الروايات

البنيوية عن التحول الاجتماعي، تميل إلى إدخال التغيير من خارج النظام ثم تتعقّب التغييرات البنيوية التي تلي ذلك، بدل من إظهار كيف تولّد التغيير من خال اشتغال البنى الداخلية في مجتمع من المجتمعات. ومن العامات في هذا الصدد، تحليل مارشال سالينز كيف أثّرت رحات الكابتن كوك في سكان هاواي. واعتقادي أنّ نظريةً في التغيير لا يمكن أن تغدو جزءًا لا يتجزّأ من نظرية في البنية ما لم نتبنَّ تصورًا للمجتمع والبنية أكثر تعددًا وعرضيّة وتشظيًا. ما نحتاج إليه هو المعجم

المفهومي الذي يمكّن من إظهار كيف يمكن اشتغالات البنى العادية أن تولّد تحولات. ولهذه الغاية، أقترح خمسًا من المسلمات الرئيسة: تعدد البنى، وقابلية الترسيمات للنقل، وعدم إمكان التنبؤ بتراكم

الموارد، وتعدد دلالات الموارد، وتقاطع البنى.

(34) Ibid., pp. 1–30. (35) Renato Rosaldo, Ilongot Headhunting, 1883–1974: A Study in Society and History (Stanford; California: Stanford University Press, 1980). (36) Sahlins, Historical Metaphors and Mythical Realities ; Sahlins, Islands of History. (37) Sahlins, Historical Metaphors and Mythical Realities.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

1. تعدد البنى

تقوم المجتمعات على ممارسات مستمدة من بنى كثيرة متميزة، توجد على مستويات مختلفة، وتشتغل بوجهات مختلفة، وتستند هي ذاتها إلى أنواع وكميات من الموارد متباينة كثيرًا. وفي حين أنّه من

الشائع أن يكون طيف معين من هذه البنى متجانسًا، مثل تلك التي وصفها بورديو في كتابه خطوطٌ

عامة لنظرية في الممارسة، فإنّه ليس صحيحًا قطّ أنَّ جميعها متجانسة. ذلك أنّ البنى تميل إلى التنوع

الشديد بتنوع مجالات المؤسسات، بحيث يكون لبنى القرابة منطق وديناميات مختلفة عن تلك التي للبنى الدينية والبنى الإنتاجية والبنى الجمالية والبنى التعليمية وما إلى ذلك. وثمة تنوّع مهم، عاوة على ذلك، حتى داخل مجال معين. وعلى سبيل المثال، فإنّ البنى التي تشك ل

الدين وتقيّده في المجتمعات المسيحية تشتمل على أنماط سلطوية ونبوية وطقسية ونظرية. وقد تعمل

هذه الأنماط في بعض الأحيان في انسجام، لكنها قد تؤدي أيضًا إلى مطالب وضروب من التمكين متضاربة أشد التضارب. وما يعنيه تعدد البنى هو أنّ الفاعلين الاجتماعيين العارفين الذين تشك ل ممارساتهم مجتمعًا، هم أشدّ تقلّبًا وتعددًا في الجوانب مما هو في رواية بورديو عن هابيتوس متجانس

تمامًا؛ إذ يمكن أن يطبق الفاعلون الاجتماعيون طيفًا واسعًا من الترسيمات المختلفة بل وغير

المتوافقة، وأن يمتلكوا منافذ إلى مصفوفات من الموارد متغايرة.

2. قابلية الترسيمات للنقل

يمكن، عاوةً على هذا، تطبيق الترسيمات التي يمتلك الفاعلون منافذ إليها على طيف واسع من الظروف. وهذا ما يعترف به بورديو بالفعل، لكنّه لا يستخلص، في رأيي، ما يترتّب على تبصّره هذا

من استنتاجات مناسبة. لقد سبق تعريف الترسيمات بأنّها إجراءات قابلة للتعميم أو النقل تُطبَّق في

مجرى الحياة الاجتماعية. ومصطلح «قابلية التعميم» مأخوذ من غيدنز؛ أمّا مصطلح «قابلية النقل»

الذي أفضله، فمأخوذ من بورديو. وقد عرّف بورديو الهابيتوس في أحد المواضع بأنّه «منظومة من

الاستعدادات الدائمة القابلة للنقل التي تعمل في كل لحظة، وعبر تكامل الخبرات السابقة، بوصفها

(((3 ينطوي تعميم قاعدة على صوغها في شكل أشدّ تجريدًا بحيث تنطبق على عدد أكبر من الحالات. وينطوي الفعل «ينقل»

على تطبيق ملموس لقاعدة من القواعد على حالة جديدة، إنّما بطريقة يكون فيها للقاعدة أشكال مختلفة دقيقة في كلّ تطبيق من

تطبيقاتها. وهذا موجود في ثاثة من تعريفات لكلمة Transpose: «ينقل من مكان أو زمان إلى آخر؛ يرحّل، يزيح»، «يغيّر الترتيب أو

الوضع في سلسلة [...] يبدّل»، وفي الموسيقا، «يتنقل بين المفاتيح»، انظر:

Oxford English Dictionary , The Compact Edition of the Oxford English Dictionary (Oxford: Oxford University Press,

وفي الفرنسية (اللغة التي يكتب بها بورديو، كما هو معروف)، لكلمة Transposer معنى أكثر ماءمة:

«faire changer de forme ou de contenu en faisant passer dans un autre domaine».

«دفع شيء لأن يتغيّر في الشكل أو المحتوى بنقله إلى ميدان آخر»، وأودّ أن يُفهَم استعمالي ل Transpose على أنّ فيه شيئًا من هذا

المعنى الفرنسي، انظر:

Le Petit Robert, Le Petit Robert: Dictionnaire alphabetique et analogique de la langue francaise (Paris: Le Robert,

ربيع   Spring 2019

مصفوفة مدارك وتقديرات وأفعالً تمكّن من إنجاز مهمات متنوعة إلى ما لا نهاية، وذلك بفضل انتقالات قياسية للترسيمات تسمح بحلّ مشكات متشابهة» (التشديد في الأصل.) يحدث الانزلاق في هذا المقطع في العبارة الأخيرة، «تسمح بحلّ مشكات متشابهة». فليس بوسع المحللين الاجتماعيين أن يقرروا مقدّمًا ما إذا كانت مشكلة معينة مشابهة بما يكفي لحلّها عن طريق

انتقالات قياسية للترسيمات، بل يجب على الفاعلين أن يحددوا كلّ حالة على حدة، ما يعني أنه لا

يوجد حدّ ثابت لانتقالات المحتملة. وهذا ما تنطوي عليه في الواقع العبارة الأولى، «تمك ن من إنجاز مهمات متنوعة إلى ما لا نهاية». بعبارة أخرى، ما يعنيه القول إنّ الترسيمات قابلة للنقل هو أنّه يمكن تطبيقها على طيف واسع ولا يمكن التنبؤ بها تمامًا من الحالات خارج السياق الذي جرى

تعلّمها فيه في البداية. وهذا يتناسب مع ما نعنيه، عادةً، بمعرفة قاعدة أو إجراءٍ متعلَّم آخر من الإجراءات. في الكام العادي، لا يمكن القول إنّ المرء يعرف حقًا قاعدةً ما؛ لأنّه يستطيع تطبيقها تلقائيًا على أمثلة

متكررة من الحالة ذاتها فحسب. وسواء كنا نتكلم على قواعد النحو أو الرياضيات أو القانون أو اللياقة

أو النجارة، فإنّ الاختبار الحقيقي لمعرفة قاعدة هو التمكّن من تطبيقها بنجاح في حالات غير مألوفة. وما تعنيه معرفة قاعدة أو ترسيمة هو بالتعريف القدرة على نقلها أو توسيعها، أي تطبيقها على نحو إبداعي. وإذا ما كان الأمر كذلك، فإنّ الفاعلية التي أعرفها على أنّها اقتضاء القدرة على نقل الترسيمات وتوسيعها إلى سياقات جديدة، تكون متأصلة في معرفة الترسيمات الثقافية التي تميز أفراد المجتمع جميعًا الذين يمتلكون ولو حدًّا أدنى من الكفاءة.

3. عدم إمكانية التنبؤ بتراكم الموارد

لكنّ حقيقة أنّ الترسيمات قابلة للنقل أو التوسيع بالتعريف، تعني أنّ العواقب المتعلقة بالموارد

والمترتبة على وضع الترسيمات الثقافية موضع الفعل، لا يمكن التنبؤ بها قط على نحو كامل. إنّ تأثير أفعال مثل نكتة تُقال لجمهور جديد، أو استثمار يُقام في سوق جديدة، أو عرض زواج من خط أبوي

جديد، أو هجوم خيّالة على أرض جديدة، أو محصول مزروع في حقل تم تطهيره حديثًا أو في حقل

مألوف في ربيع جديد، على موارد الفاعلين ليس محقَّقًا قط. الاستثمار في سوق جديدة، قد يجعل من صاحب المشروع فقيرًا أو مليونيرًا، وقد يؤدي التفاوض على الزواج مع خط أبويّ جديد إلى

ارتفاع مكانة الأسرة أو انقراضها في نزاع، وقد يؤدي زرع محصول في حقل مألوف إلى عيش الكفاف أو المجاعة أو الوفرة. وعاوة على ذلك، إذا كان وضع الترسيمات موضع التنفيذ يخلق كميات ونوعيات من الموارد غير متوقَّعة، وإذا كانت إعادة إنتاج الترسيمات تتوقف على التحقق المستمر من الموارد، فهذا يعني أن يتم

(39) Bourdieu, Outline of a Theory of Practice , p. 83.

(((4 تأثّر تفكيري هنا ب:

Goran Therborn, The Ideology of Power and the Power of Ideology (London: Verso, 1980), pp. 15–22. esp.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

تحقق الترسيمات على نحو متباين عند وضعها موضع الفعل، الأمر الذي يمكن أن يجعلها عرضة للتعديل. فقد يغيّر هجوم الخيّالة البارع على أرض جديدة خطط معارك الحمات الاحقة، أو حتى

نظريات التكتيك العسكري؛ والنكتة التي تستثير القذف بالطماطم الفاسدة بدل من الضحك، قد تؤدي إلى حذف فئة من النكات من مخزون الممثل الكوميدي؛ وقد يؤدي فشل المواسم المتعاقب إلى تعديل عادات الزراعة أو الحراثة.

4. تعدد دلالات الموارد

يُطبَّق مصطلح تعدد الدلالات Polysemy في العادة على الرموز أو اللغة أو النصوص. وتطبيقه على

الموارد يبدو أشبه بتناقض في المفردات. لكنّ الأمر ليس كذلك، بالنظر إلى مفهوم الموارد الذي

أدافع عنه هنا. فالموارد، كما أؤكّد، تجسّد ترسيمات ثقافية. ومعانيها، مثل معاني النصوص أو أداء

الشعائر، لا تكون خاليةً من اللبس قط. وشكل المصنع يجسّد التصورات الرأسمالية لعاقات الملكية

وينمّ عليها. لكن بمقدوره أيضًا، وكما يشير ماركس، أن ينمّ على الطابع الاجتماعي والجمعي للإنتاج

ويقوّض بذلك التصور الرأسمالي للملكية الخاصة. ويمكن أن تُعزى الهيبة الجديدة والثروة والأرض

المتأتية عن النجاح الباهر الذي حققته مهمة من مهمات الخيّالة إلى الانضباط الفائق والاندفاع الذي

أبداه ضبّاط الخيالة بما يعزز سلطة فرقة أرستقراطية من الضباط، أو قد تُعزى إلى الجنرال القائد بما

يزيد من خضوع الضباط لقائد كاريزمي. وما من مصفوفة من الموارد إلا يُمكن تفسيرها بطرائق

مختلفة، وبما يمك ن فاعلين مختلفين وينمّ على ترسيمات مختلفة. مرّة أخرى أقول إنّ هذا يبدو لي

متأصّلً في تعريفٍ للفاعلية بوصفها القدرة على نقل الترسيمات وتوسيع نطاقها صوب سياقات

جديدة. الفاعلية، بعبارة أخرى، هي قدرة الفاعل على إعادة تفسير مصفوفة من الموارد وتعبئتها على أساس ترسيمات ثقافية غير تلك التي شكّلت المصفوفة في البداية.

5. تقاطع البنى

أحد الأسباب التي تمكّن من تفسير مصفوفات الموارد بأكثر من طريقة واحدة، هو أنّ البنى أو التراكيب البنيوية تتقاطع وتتداخل. تشمل بنى المجتمع الرأسمالي كل من نمط الإنتاج القائم على الملكية الخاصة والربح ونمط تنظيم العمل القائم على أساس التضامن في مكان العمل. ويتبدّى المصنع موردًا حاسمًا في كا هاتين البنيتين، ولذلك تكون معانيه وعواقبه بالنسبة إلى كل من العمال

والمديرين مفتوحة ومحلّ نزاع. والحال، إنّ تقاطع البنى يحدث، في الواقع، في كا بعدَي الترسيمة والموارد. ولا يقتصر الأمر على إمكان أن يدّعي فاعلون مختلفون من ضمن تراكيب بنيوية مختلفة (أو أن يدّعي الفاعل ذاته من ضمن تراكيب بنيوية مختلفة) حقًّا بمصفوفة معينة من الموارد، بل يتعدّاه إلى

(((4 على الرغم من أنّ مارشال سالينز لا يضمّن الموارد صراحةً في تعريفه البنية، فإنّ نقاشي هنا يجري موازيًا لنقاشه وقريبًا منه.

فهو يرى أنّه «لدى الفعل في العالم – تقنيًا، في أفعال الإسناد – تكتسب المقولات قيمًا وظيفية جديدة» لأنّ المقولات «محمّلة

بالعالم». وهذا العبء الذي يلقيه العالم على كاهل المقولات هو مسألة ترسيمات تغيرها الآثار غير المتوقعة التي يتركها الفعل في الموارد التي تسند الترسيمات:

Sahlins, Historical Metaphors and Mythical Realities ; Sahlins, Islands of History , p. 138.

ربيع   Spring 2019

إمكان استعارة الترسيمات أو تملّكها من تركيب بنيوي معين وتطبيقها في آخر. ولا يقتصر الأمر على صراع العمال وأصحاب المصانع من أجل السيطرة على المصنع، بل يتعدّاه إلى تملّك ماركس الاقتصاد السياسي بغية تعزيز الاشتراكية. البنى، إذ ا، هي مجموعات من الترسيمات والموارد المتبادلة الدّعم، تمكّن الفعل الاجتماعي وتقيّده

وتميل إلى أن يعيد ذلك الفعل الاجتماعي إنتاجها. لكن إعادة إنتاجها هذه ليست تلقائية مطلقًا. تكون البنى في خطر، إلى حدّ ما على الأقلّ، في جميع المواجهات الاجتماعية التي تشك لها: لأنّ البنى متعددة ومتقاطعة، ولأنّ الترسيمات قابلة للنقل، ولأنّ الموارد متعددة الدلالات وتتراكم على نحو غير متوقّع. إنّ وضع العاقة بين الموارد والترسيمات الثقافية في القلب من مفهوم البنية يمك ن من إظهار كيف يمكن التغيير الاجتماعي، شأنه شأن الركود الاجتماعي، أن يتول د من خال وضع البنى موضع الفعل في الحياة الاجتماعية.

الفاعلية

تنطوي هذه الضروب من وضع البنى موضع الفعل على مفهوم معين للفاعلية، مفهوم ينظر إليها لا على أنّها معاكسة للبنية، بل على أنّها مكوّنة لها. فأن تكون فاعل يعني أن تكون قادرًا على ممارسة

قدر من السيطرة على العاقات الاجتماعية التي أنت مُنْشَبِك بها، ما يعني بدوره القدرة على

تحويل تلك العاقات الاجتماعية بعض الشيء. وما أراه هو أنّ البنى تمك ن الفاعلين من أن يعمل بعضهم مع بعض أو ضد بعض: فلديهم معرفة بالترسيمات التي تملي الحياة الاجتماعية ولديهم نفاذ إلى قدر من الموارد البشرية وغير البشرية. وتنشأ الفاعلية من معرفة الفاعل بالترسيمات، ما يعني القدرة على تطبيقها في سياقات جديدة. أو تنشأ الفاعلية، بعبارة أخرى تمضي في الاتجاه المعاكس، من سيطرة الفاعل على الموارد، ما يعني القدرة على إعادة تفسير مصفوفة من الموارد أو إعادة تعبئتها على أساس ترسيمات غير تلك التي كوّنت المصفوفة. وجود البنى ينطوي على الفاعلية. ما أراه هو أنّ القدرة على الفاعلية – على الرغبة، وتشكيل المقاصد، والعمل على نحو خلّ – ق متأصّلة في جميع البشر. لكن ما أراه أيضًا هو أن البشر يولدون بقدرة على الفاعلية معممة للغاية ليس غير، على نحو مشابه لقدرتهم على استخدام اللغة. وكما تتخذ القدرة اللغوية شكل صيرورة المرء متحدثًا كفوءًا بلغة من اللغات – الفرنسية أو العربية أو السواحلية أو الأوردو – كذلك، يشكّل الفاعلية طيفٌ بعينه من الترسيمات الثقافية والموارد المتاحة في بيئة الشخص الاجتماعية المحددة. ولذلك تختلف الأشكال النوعية التي تتخذها الفاعلية بصورة هائلة وتكون محدَّدةً ثقافيًا وتاريخيًا. لكن

القدرة على الفاعلية تكون معطاةً للبشر مثلما تُعطى لهم القدرة على التنفس.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

يوضح عمل إرفنج جوفمان بصورة وافية أنّ جميع البشر يمارسون الفاعلية عمليًا. وهو يبيّن أن

جميع أفراد المجتمع يستخدمون ذخائر معقدة من مهارات التفاعل للسيطرة على العاقات الاجتماعية الجارية وإدامتها. ويبيّن أيضًا أنّ الأفعال التحويلية الصغيرة – مثل التدخّل لحفظ ماء وجه متفاعل

أخطأ قراءة الموقف – تتكشّف على أنّها ضرورية للحفاظ حتى على تعامات الحياة اليومية بالغة العادية. مرّة أخرى، تعني معرفة الترسيمات الثقافية (وهي في هذه الحالة شعائر التفاعل) القدرة

على الفعل على نحو خاق. ويختلف الفاعلون، بالطبع، في مدى سيطرتهم على العاقات الاجتماعية وفي نطاق قواهم التحويلية، لكن جميع أفراد المجتمع يمارسون مقدارًا من الفاعلية في تدبّر حياتهم

اليومية. لكنّه من المهم، بالمثل، أن نصرّ على أنّ الفاعلية التي يمارسها أشخاص مختلفون بعيدة كلّ البعد عن

أن تكون موحّدة، وأنّ الفاعلية تختلف أشدّ الاختاف في النوع والمدى. فضروب الرغبات التي يمكن أن يرغبها البشر، والمقاصد التي يمكن أن يقصدوها، وأنواع النقات الإبداعية التي يمكن أن يُجْروها تختلف اختافًا كبيرًا من عالَم اجتماعي إلى آخر تبعًا لطبيعة البنى المحدَّدة التي تملي تلك

العوالم الاجتماعية. ومن دون فكرة عن الجنة والجحيم، لا يمكن لشخصٍ أن يسعى جاهدًا للقبول في الفردوس. وفي اقتصاد رأسمالي حديث فحسب، يمكن المرء أن يحاول كسب مال وفير وسريع في البورصة. وإذا ما حُرمت النساء من النفاذ إلى المجال العام، فسوف تتركز مطامحهن على الحياة الخاصة. وتختلف الفاعلية في المدى أيضًا، سواء بين المجتمعات أم في داخل المجتمع الواحد. وإشغال البشر مواقع اجتماعية مختلفة – على نحو ما يتحددون، مثل، بالجندر أو الثروة أو الهيبة الاجتماعية أو الطبقة أو الإثنية أو المهنة أو الجيل أو التفضيل الجنسي أو التعليم – إنّما يهبهم معرفة بترسيمات مختلفة ونفاذًا إلى أنواع ومقادير مختلفة من الموارد، ويهبهم بذلك إمكانات مختلفة في ما يخصّ الفعل التحويلي. كما يختلف نطاق الفاعلية أو مداها بصورة هائلة باختاف الأنظمة الاجتماعية، حتى بالنسبة إلى شاغلي المواقع المتماثلة. فالتأثير الذي يحوزه صاحب أكبر معرض فني في سانت لويس على الذوق الفني الأميركي أقلّ بكثير من تأثير صاحب أكبر معرض في لوس أنجلوس؛ ويتمتع رئيس تشاد بسلطة على السياسة البيئية العالمية أقلّ من سلطة رئيس روسيا. البنى، باختصار، تُمك ن الفاعلين على نحو متباين، ما يعني أيضًا أنّها تجسّد رغبات الفاعلين ومقاصدهم ومعرفتهم على نحو متباين أيضًا. البنى،

والفاعليات البشرية التي تهبها، مترعة بتباينات القوة.

(42) Erving Goffman, The Presentation of Self in Everyday Life (New York: Dou–bleday, 1959); Erving Goffman, Interaction Ritual: Essays on Face–to–Face Behavior (New York: Pantheon, 1967). (43) Ibid., pp. 5–46.

ربيع   Spring 2019

أودّ، أخيرًا، أن أؤكّد على أنّ الفاعلية جمعية مثلما هي فردية. وأنا لا أوافق باري هنديس على أن

مصطلح «الفاعل» يجب أن يُط بَّق بالمعنى ذاته على جموع تعمل كوحدات مشتركة في الحياة

الاجتماعية – كالأحزاب السياسية أو الشركات أو العائات أو الدول أو الأندية أو النقابات – كما تُطبَّق على الأفراد. لكني أرى أنّ الفاعلية اجتماعية أو جمعية على نحو عميق. وما يكوّن الفاعلية من

نقل الترسيمات وإعادة تعبئة الموارد هو دومًا أفعال تواصل مع آخرين. والفاعلية تستلزم قدرةً على تنسيق أفعال المرء مع آخرين وضد آخرين، سواء لتشكيل مشاريع جمعية، أو من أجل الإقناع أو الإكراه، أو رصد آثار نشاطات المرء ونشاطات الآخرين. وعاوة على ذلك، فإنّ نطاق الفاعلية التي يمارسها الأفراد يتوقف على نحو بعيد على مواقعهم في المنظمات الجمعية. وإذا ما أخذنا الحالة القصوى، فإنّ نزوات الملك الشخصية أو نزاعاته قد تؤثر في حياة الآلاف. لكنّه من الصحيح أيضًا أن فاعلية الآباء أو المديرين التنفيذيين أو الأساتذة تتوسع إلى حد بعيد من خال المكانة التي يشغلونها في الأسر الأبوية أو الشركات أو الجامعات ومن خال سلطتهم، المترتبة على ذلك، التي تخولهم

ربط الجماعة بأفعالهم. تَس مُ الفاعلية، إذًا، جميع الأشخاص. لكن الفاعلية التي يمارسها الأشخاص

جمعية في كلّ من مصادرها ونمط ممارستها. ولذلك تكون الفاعلية الشخصية مترعة بتباينات القوة المنتجة جمعيًا ومتورطة في الصراعات والمقاومات الجمعية.

تنوّع البنى

مفهوم البنية الذي أُحْكِمُه في هذه الدراسة مفهوم عام للغاية، ولذلك يمكن تطبيقه على بنى ذات طابع

مختلف أشدّ الاختاف، تراوح في أهميتها من البنى التي تشك ل تطور القوة العسكرية العالمية وتقيّده

إلى تلك التي تشكّل الممارسات المازحة بين ثلّة أصدقاء يصيدون السمك يوم الأحد أو الممارسات الإيروتيكية بين زوجين وتقيّدها. والطيف الهائل لنطاق البنى التي يمكن أن تُطبَّق عليها مفاهيم هذه

الدراسة وطابعها هو طيف مناسب، نظرًا إلى المنطلق الذي مفاده أنّ كلَّ فعل اجتماعي إنّما تشك له

البنى. لكنّه يشير إلى حاجةٍ إلى بعض وسائل التمييز بين طبائع البنى المختلفة ودينامياتها. لن أقدّم أيّ تصنيف مفصل، لأنّ المجال ضيّق، ولأنني أشعر أنّ التصانيف يجب أن تنشأ من تحليات

ملموسة للتغيير وإعادة الإنتاج الاجتماعيَين. وسوف أكتفي بالإشارة، بدل من ذلك، إلى بعدين

مهمين تتنوّع البنى على أساسهما: العمق الذي يشير إلى بعد البنية الترسيمي، والقوة التي تشير إلى

البُعد المتعلّق بالموارد. وسأحاول أن أبيّن أنّ التفكير على أساس العمق والقوة يمكن أن يلقي بعض

(44) Barry Hindess, «Actors and Social Relations,» in: Mark L. Wordell & Stephen P. Turner (eds.), Social Theory in Transition (London: Allen & Unwin, 1986), pp. 113–126.

(((4 انظر، على سبيل المثال:

Marshall Sahlins, «The Return of the Event, Again; With Reflections on the Beginnings of the Great Fijian War of 1843 to 1855 between the Kingdoms of Bau and Rewa,» in: A. Biersack (ed.), Clio in Ocednia: Toward a Historical Anthropology (Washington, D.C.: Smithsonian, 1991), pp. 37–100.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

الضوء على الديناميات والمدد المختلفة أشدّ الاختاف لثاثة أنواع مهمة من البنى: اللغة والدول والرأسمالية. لطالما كان العمق استعارة رئيسة في الخطاب اللغوي والبنيوي. وأن تَس م بنية بأنّها «عميقة»، فذلك يعني أنّها تقع تحت طيف معين من البنى «السطحية» وتول ده، تمامًا كما تقع البنى تحت الممارسات

وتولّدها. والبنى العميقة، في الخطاب البنيوي، هي تلك الترسيمات التي يمكن تبيان أنها تشكّل الأساس الذي تقوم عليه بنى عادية أو «سطحية»، بمعنى أنّ البنى السطحية هي مجموعة من تحولات البنى العميقة. وهكذا يمكن تبيان أنّ الترسيمات البنيوية الخاصة بأداء شعيرة الخصوبة هي تحولات

مجموعةٍ أعمق من التقابات بين الرطب والجاف أو الذكري والأنثوي تشكّل الأساس أيضًا لبنى تُملي ممارسات أخرى مميزة مؤسسيًا، من بناء المنازل إلى الزينة الشخصية إلى الخطابة. وهذا يعني أنّ الترسيمات البنيوية العميقة متفشية أيضًا، أي حاضرة في طيف واسع نسبيًا من المجالات

والممارسات والخطابات المؤسسية. كما تنزع إلى أن تكون غير واعية نسبيًا، بمعنى أنّها افتراضات

عقلية أو أساليب إجرائية هي مسلمات لدى الفاعلين الذين يطبقونها على نحو عادي من دون أن يدركوا أنهم يطبقونها. تتنوع البنى المختلفة أيضًا أشدّ التنوّع من حيث الموارد، وتاليًا من حيث القوة التي تعبّئها. فالبنى

العسكرية أو البنى التي تشكّل ماليّة الدولة تخلق تراكيز من القوة هائلة، في حين أنّ البنى النحوية للغةٍ

من اللغات، أو البنى التي تشك ل لعب أطفال المدارس تخلق تراكيز من القوة أكثر تواضعًا. وتختلف

البنى أيضًا في أنواع القوة التي تعبئها. على سبيل المثال، تستند القوة التي أوجدتها الخافة الرسولية إلى الإقناع في المقام الأول (على الرغم من أنّ ذلك بعيد كل البعد عن أن يكون حصريًا)، في حين

تستند القوة التي يوجدها الحكم العسكري إلى جيش فاتح إلى الإكراه بصورة أساسية.

1. اللغة

أعتقد أن التفكير في البنى من حيث عمقها وقوتها يمكن أن يؤدي إلى تبصّرات حول دوام البنى

ودينامياتها. لنأخذ، على سبيل المثال، البنى اللغوية التي استخدمها الباحثون في كثير من التخصصات باعتبارها المثال الأولي للبنية عمومًا. والحال، إنّ البنى اللغوية التي تميل كما هو معروف إلى أن

تكون ذات دوام ملحوظ، تقع على طرفَي نقيض على كلّ من بعدَي القوة والعمق. فالبنى اللغوية

عميقة على نحو غير عادي؛ إذ تشكّل البنى الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية المعقدة أساس كلّ جملة. وتتجمّع الجمل، بدورها، في منطوقات أو نصوص ذات معنى وفقًا للبنى الخطابية الباغية

والسردية والاستعارية والمنطقية. وكل هذه البنى اللغوية ذات الطبقات تشك ل أساسًا لسواد البنى التي

تعتمد على الكام والكتابة جزئيًا على الأقلّ، وهي الأغلبية الساحقة من جميع البنى. لكن قوة البنى اللغوية هي قوة طفيفة على نحو غير عادي. ولأداء البنى الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية في الكام أو الكتابة، آثاره المتواضعة في الموارد. فهو يؤكد عضوية المتكلّم في جماعة

ربيع   Spring 2019

لغوية ويعزز الترسيمات التي تجعل توليد الجمل النحوية ممكنًا. وما دام منطوق من المنطوقات يوجَّه

إلى ناطقين آخرين أكفاء بتلك اللغة، فإنّ إصدار جملة نحوية لا يخلق، بحدّ ذاته، أيّ تباينات كبيرة في

القوة، بل يقيم بدلً من ذلك مساواةً بين المتحدّثين. صحيحٌ أنّ اللغة تعمل واسطةً لضروب أداء عاقات القوة جميعها، لكنها على مستوى الأصوات

والصرف والتركيب والدلالة أقرب ما تكون إلى واسطة محايدة للتبادل. يساعد هذا الحياد النسبي، في ما يتعلق بالقوة، على مراعاة الخصوصية الأخرى للبنى اللغوية: دوامها الاستثنائي. وحين لا يفضي أداء الترسيمات اللغوية إلا إلى الحفاظ على تمكّن الناطقين اللغويين من دون أن يزيح الموارد بحدة صوب بعض الناطقين وبعيدًا عن بعضهم الآخر، فإنّ أحدًا لن يكون لديه حافز كبير

عندئذٍ لأن ينكبّ على ابتكارات من شأنها أن تغيّر البنى اللغوية. إذا كان صحيحًا أنّ البنى اللغوية أقلّ تورطًا في عاقات القوة وأعمق وأكثر دوامًا من معظم البنى،

فيجب أن نكون حذرين من الميل الواسع إلى استخدام البنى اللغوية بصفتها نموذجًا للبنى عمومًا.

وعلى الرغم من أنّ لياقة النموذج اللغوي يمكن أن تشكّل معيارًا مرغوبًا فيه، فإنّ البنى التي تعمل

بالقرب من سطح الحياة الاجتماعية والمتورطة، مباشرة، في عاقات القوة قد يكون لها مبادئ وديناميات جدّ مختلفة. ويتمثّل أحد المخاطر التي تنشأ عن قبول النموذج اللغوي، على نحو غير

نقدي، في ميلٍ إلى التفكير في البنى على أنّها مؤلّفة من الترسيمات وحدها، في تجاهلٍ لبُعد الموارد.

وعند دراسة البنى النحوية للغات، حيث يكون لأداء الترسيمات عواقب بسيطة على القوة، لا يهم كثيرًا إذا ما تمّ إهمال جانب الموارد في البنية. أمّا حين نحاول أن نفهم ميادين الحياة التي تتغلغل فيها

عاقات القوة أكثر بكثير، فقد يكون من الصعب تمامًا تطبيق القياس اللغوي ومفهمة البنى على أنّها

ترسيمات فحسب.

2. الدول

أبأس المرشحين للقياس اللغوي هو بنى الدولة أو البنى السياسية التي عادةً ما تولّد تراكيز كبيرة من القوة وتستخدمها. وعادة ما تكون بالقرب من سطح الحياة الاجتماعية. وتُقام بنى الدولة والبنى السياسية، وتُصان، ويُقاتَل من أجلها على نحوٍ واعٍ، كما تُناقَش ولا تؤخذ مسلمات كأنها سمات

للعالم ثابتة لا تقبل التغيير. وعلى الرغم من أنّ المرء قد يتصور في البداية أنّ تراكيز القوة الكبيرة سوف تميل إلى ضمان دوام البنية، فإنّ ذلك قد لا يكون صحيحًا في الواقع. ومع أنّ الدول المركزية ذات القوة القاهرة الهائلة تفرض تكاليف باهظة على من يتحدونها، فإنّه ليس من الواضح أو المثبت عمومًا أنّ الدول المركزية والقاهرة أكثر ديمومة من الدول الامركزية أو غير

القاهرة نسبيًا. قارن، على سبيل المثال، بين بريطانيا وفرنسا في الفترة (1850–1750)، والولايات

المتحدة الأميركية وألمانيا في الفترة (1950–1870)، وكوستاريكا ونيكاراغوا، والسلفادور، أو غواتيمالا منذ الحرب العالمية الثانية، أو الهند والصين خال الفترة الزمنية نفسها. حتى الدول المستقرة نسبيًا تخضع لتحولات بنيوية دورية. على الرغم من أن للولايات المتحدة دستورًا واحدًا منذ

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

عام 1789، عاشت سلسلة من الأزمات السياسية الأساسية أنتجت ما لا يقلّ عن خمسة أنظمة حزبية متميزة، بشكل واضح، على مدى القرنين الماضيين. وقد يجادل المرء بأن بنى الدولة قابلة للتغيير

نسبيًا وذلك على وجه الدقّة؛ لأنّ ك بَر (قوة) آثارها في الموارد ووضوحها (نقص عمقها) يجعانها

أهدافًا طبيعية لصراعات مفتوحة. ولكن إذا كانت معظم البنى السياسية تتسم بالقوة الرفيعة والعمق المنخفض، فا يكون ثمّة ضرورة

لعاقة معكوسة بين القوة والعمق. هناك بعض البنى السياسية التي لها تداعيات هائلة على القوة وتكون مع ذلك عميقة نسبيًا، وتغدو «طبيعة ثانية» ويقبلها جميع الفاعلين السياسيين (أو جميعهم

تقريبًا) على أنّها، في الأساس، وسائل لغايات سياسية حيادية من حيث القوة وتؤخذ مسلمات. ويبدو

أيضًا أنّ مثل هذه البنى ذات دوام مديد. وهو ما يصحّ على بنى سياسية متنوعة تنوّع النظام الدستوري

الأميركي، أو البيروقراطية العامة الفرنسية، أو البنى القانونية الجمعية الإنكليزية التي تتبعتها مارغريت سومرز من القرن الرابع عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر. تبدو الديمومة، إذ ا، كأنها تتحدد بعمق البنية أكثر مما تتحدد بقوتها.

3. الرأسمالية

كيف تصبح البنى ذات الآثار الضخمة من حيث القوة عميقةً أو تبقى كذلك؟ يتوقع المرء عادةً أن يدفع

كِبَرُ الآثار الفاعلين الاجتماعيين إلى إدراك ترسيمات تلك البنى وتراكم مواردها وإلى الرغبة في

منازعتها. وأقارب هذا السؤال من خال تفحّص حالة الرأسمالية، وهي حالة باهرة لبنية مترعة بالقوة

لكنها طويلة الأمد. والرأسمالية دينامية للغاية، بالطبع. لكن من الشائع القول إنّ السنوات ال 300–250 الماضية (إن لم يكن كامل الفترة منذ القرن السادس عشر، وفقًا لوالرشتاين) تشك ل حقبة رأسمالية موحدة ذات دينامية مستمرة من التراكم الرأسمالي تسترشد ببنية أساسية مديدة، أو ما تدعوه اللغة الماركسية نمط الإنتاج الرأسمالي. لقد لاحظ ماركس نفسه ما للتطور الرأسمالي من طابع غير عادي في ديناميته وتغيّره، لكنه رأى التغيير

يتقارب صوب شكل واحد: المصنع الآلي الضخم الذي تعمل فيه بروليتاريا يزداد تجانسها. وقد مالت التطورات الأخيرة إلى جعل قابلية تغيير الرأسمالية تبدو أكثر راديكالية ودوامًا. وبدل من

اندفاعة المصنع الكاسيكي، تميّزت حقبة النمو الاقتصادي العالمي الحالية بزيادة استخدام التعاقد

من الباطن، وورش العمل الشاق، والاستعانة بمصادر خارجية، و«الصناعة المنزلية»، وبازدهار

(46) Walter Dean Burnham, «Party Systems and the Political Process,» in: William Nisbet Chambers & Walter Dean Burnham (eds.), The American Party Systems (New York: Oxford University Press, 1967), pp. 277– 307. (47) Margaret Ramsay Somers, «The People and the Law: The Place of the Public Sphere in the Formation of English Popular Identity,» PhD. Dissertation, Department of Sociology, Harvard University, Massachusetts, United States,

(48) Immanuel Wallerstein, The Modern World System , vol. 1, Capitalist Agriculture and the Origins of the European World (New York: Academic, 1974).

ربيع   Spring 2019

الخدمات على حساب التصنيع. وتتزايد إشارة الباحثين، في الوقت ذاته، إلى ما تتسم به أنماط التنمية في ظلّ الرأسمالية من عدم التكافؤ والعرضيّة والانفتاح، سواء في الماضي أو في الحاضر

والمستقبل. بل إنّ سيبل يشير إلى أنّ أشكال التغيير الاقتصادي فيما يسمى الحقبة الرأسمالية هي من عدم التحديد إلى درجة أنّ مفهوم الرأسمالية ذاته، بما ينطوي عليه انتظام أساسي، مفهوم مضلل ويجب التخلي عنه. واعتقادي أنّ سيبل محقّ: إذ تتماشى مع «الرأسمالية» تشكيلة واسعة من الترتيبات المؤسسية وعاقات الملكية، فلم تخضع طوال تاريخها ل «قوانين حركة» موحدة. ولطالما كان التطور الرأسمالي مسألة «لخبطة» وعدم تكافؤ. لكني أعتقد أن «اللخبطة» هي على مستوى البنى الثانوية أو السطحية، وأنّه تحت قابلية التغير السطحية ثمة بنية عميقة من الترسيمات أكثر استقرارًا لا تني تتعزز

بدفقات من الموارد، حتى حين تضطرم الثورة في البنى السطحية. بخاف معظم الماركسيين، أرى أنّ الترسيمات الأساسية ليست تلك التي تحدد عاقة الأجر–العمل، بل تلك التي تحكم تحوّل القيمة الاستعمالية إلى قيمة تبادلية. إنّ العملية الأساس في الرأسمالية –

تحوّل القيمة الاستعمالية إلى قيمة تبادلية أو تسليع الأشياء – هي أمر قابل للنقل والتبديل بصورة

استثنائية. فهي لا تعرف حدودًا طبيعية؛ إذ يمكن تطبيقها لا على الألبسة أو التبغ أو أواني الطهي فحسب، بل على الأرض أو العمل المنزلي أو الخبز أو الجنس أو الإعان أو العواطف أو المعرفة التي يمكن تحويل أيّ منها إلى الآخر من خال المال. وينشأ عدم الاستقرار السطحي للرأسمالية من قابلية التحويل هذه على وجه التحديد؛ إذ تشجع أصحاب الموارد على المتاجرة بها لقاء موارد أخرى مع تغيّر القيم النسبية، وتفسح المجال على الدوام أمام موارد لم يتم التعامل معها بوصفها سلعًا من

قبلُ كي تدخل دائرة التبادلات النقديّة. بعبارة أخرى، ينتظمُ الشكلُ السلعي، بجعله جميع الموارد

تقريبًا، قابلةً للقراءة على أنّها سلع قابلة للتبادل، تقاطعًا للبنى يكاد يكون شاملً بالفعل، ما يعني أنّ

التغييرات في أيّ بنية واحدة – زيادة أو نقصان في تراكم الموارد أو إجراء جديد – يمكن أن تؤثر في عدد غير محدود من البنى الأخرى التي تتقاطع بواسطة المال.

(49) William H. Sewell, Jr., «Uneven Development, the Autonomy of Politics, and the Dockworkers of Nineteenth– Century Marseille,» American Historical Review, vol. 93 (1988), pp. 604–637; Charles H. Sabel & Jonathan Zeitlin, «Historical Alternatives to Mass Pro–duction: Politics, Markets, and Technology in Nineteenth–Century Industrializa– tion,» Past and Present , no. 108 (1985), pp. 133–176; Raphael Samuel, «The Workshop of the World: Steam Power and Hand Tech–nology in Mid–Victorian Britain,» History Workshop Journal, vol. 3, no. 1 (Spring 1977), pp. 6–72. (50) Michael J. Piore & Charles H. Sabel, The Second Industrial Divide: Possibilities for Prosperity (New York: Basic,

(51) Charles H. Sabel, «Protoindustry and the Problem of Capitalism as a Concept: Response to Jean H. Quataert,» International Labor and Working–Class History , vol. 33 (1988), pp. 30–37.

((5(أثبت جون رومر على نحوٍ وافٍ بالنسبة إليّ أنّ الاستغال الرأسمالي يمكن أن يقع بغياب العمل المأجور:

John E. Roemer, «New Directions in the Marxist Theory of Exploitation and Class,» Politics and Society , vol. 11 (1982), pp. 253–287.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

وتفضي التغييرات في أيّ نقطة من دائرة التبادل إلى تأثيرات في الموارد وابتكارات في غير مكان. وهذه التغييرات ليست مضطرة بالضرورة إلى أن تتبع أي شكل مؤسسي محدد، ما دامت مربحة. هكذا حفز صعود صناعة السيارات تطورًا متزامنًا لمزارع المطاط القائمة على أساس

العمل المديد أو القسري، وعمليات تجميع السيارات القائمة على المصانع الضخمة التي يعمل بها بروليتاريون يحصلون على أجر، وانتشار ورش الإصاح التي يديرها رأسماليون صغار يعملون لحسابهم. لكن عدم الاستقرار، أو عدم قابلية التنبؤ المزمنَين اللذين يَس مان البنى السطحية للرأسمالية، يعزز في

الواقع بناها الأعمق. وأيّ تغيير في أيّ مكان على طول السلسلة الواسعة من التبادلات السلعية هو تحريض جديد على الاستثمار؛ والمنطق المتأصّل في الشكل السلعي يجعل أي مصفوفة جديدة من

الموارد أو أي إجراء جديد فرصة محتملة للربح. وطبيعي أن يفضي أي استثمار جديد إلى مزيد من التغييرات. وحتى الاستثمارات التي تفشل تخلق فرصًا جديدة يمكن اغتنامها باتباع الإجراءات المعتادة لاستثمار والتبادل الرأسماليين: عندما تخفق شركة ما، ثمة مصنع ومعدات تطرح للبيع بأسعار التصفية، وثمة سوق متبقية لمنافسي الشركة السابقين كي يملؤوها، وهلمّ جرًّا. وبناءً عليه، إن

الإجراءات بحدّ ذاتها منيعة بصورة لافتة على إخفاقات مشاريع أو صناعات رأسمالية معينة، بل تتعزز، ويا للمفارقة، بهذه الإخفاقات. ربما دمرت إزاحة المغزل الآلي للنساجين اليدويين أو إزاحة النفط للفحم مهارات أو حطمت أعمالً أو أفسدت اقتصادات في بعض المناطق. لكنها أثبتت، في الوقت ذاته، أنّ اتباع منطق الشكل السلعي يخلق ثروة لأولئك الذين يفعلون ذلك، بل لاقتصاد الرأسمالي كلّه على المدى الطويل وعلى الرغم من الاستثناءات المحلية المهمة. وفي بعض الحالات، يمكن للبنى أن تجمع بين العمق والقوة العظيمة، فيمكنها أن تشكّل تجارب مجتمعات بأكملها على مدى أجيال عديدة.

خاتمة

انطاقًا من أنّ البنية استعارةٌ معرفية (إبستيمولوجية) لا يمكن تجنبها في العلوم الاجتماعية، حاولت أن أحدد كيف يجب أن تُفهم هذه الاستعارة. ورأيت أنّ البنى تتكون من ترسيمات ثقافية متبادلة الدعم ومجموعات من الموارد تمكّن الفعل الاجتماعي وتقيّده وتميل إلى أن يعيد ذلك الفعل إنتاجها.

والفاعلون تمكّنهم البنى، سواء بمعرفة الترسيمات الثقافية التي تمكّنهم من تعبئة الموارد أو بالنفاذ إلى الموارد التي تمكّنهم من وضع الترسيمات موضع الفعل. وهذا يختلف عن الاستخدام العلم اجتماعي العادي للمصطلح؛ إذ يلحّ على أن البنية هي ظاهرة ثقافية في العمق. كما يختلف عن

الاستخدام الأنثروبولوجي العادي؛ إذ يلحّ على أنّ البنية تُستمدّ على الدوام من طابع الموارد وتوزّعها

في العالم اليومي. والبنية دينامية، وليست ساكنة؛ فهي الثمرة والمصفوفة المتطورة باستمرار لسيرورة من التفاعل الاجتماعي.

ربيع   Spring 2019

حتى إعادة إنتاج البنى بشتى درجات اكتمالها، هي سيرورة زمنية موقتة على نحو عميق تتطلب تدبّرًا

بشريًا واسع الحيلة ومجددًا. لكن الفاعلية واسعة الحيلة التي تديم إعادة البنى تمك ن هي ذاتها أيضًا

من تحويل هذه البنى، بنقل الترسيمات وإعادة تعبئة الموارد التي تجعل البنى الجديدة قابلة للمعرفة بوصفها تحولات للقديمة. والبنى، كما أقترح، ليست مقولات متشيّئة يمكن أن نستدعيها لتفسير

الشكل الحتمي الذي تتخذه الحياة الاجتماعية. استدعاء البنى كما عرّفتها هنا هو دعوة إلى تحليل

نقدي للتفاعات الجدلية التي يصوغ البشر تاريخهم من خالها.

References

المراجع

Biersack, A. (ed.). Clio in Ocednia: Toward a Historical Anthropology. Washington, D.C.: Smithsonian, 1991. Boas, Franz. Kwakiutl Ethnography. Helen Codere (ed.). Chicago: University of Chicago Press, 1966. Bourdieu, Pierre. Homo Academicus. Peter Collier (trans.). Stanford/ California: Stanford University Press, 1988. ________. Outline of a Theory of Practice. Cambridge: Cambridge Press, 1977. Brubaker, Rogers. «Rethinking Classical Social Theory: The Sociological Vision of Pierre Bourdieu.» Theory and Society. vol. 14, no. 6 (1985). Bryant, Christopher G. A & David Jary (eds.). Giddens’ Theory of Structuration: A Critical Appreciation. London: Routledge, 1991. Chambers, William Nisbet & Walter Dean Burnham (eds.). The American Party Systems. New York: Oxford University Press, 1967. DiMaggio, Paul. «Review Essay: On Pierre Bourdieu.» American Journal of Sociology. vol. 84 (1979). Foucault, Michel. The Order of Things: An Archaeology of the Human Sciences. New York: Vintage Press, 1973. Geertz, Clifford. The Interpretation of Cultures. New York: Basic, 1973. Giddens, Anthony. A Contemporary Critique of Historical Materialism. vol. 1. Power, Property and the State. London: Macmillan, 1981. ________. The Constitution of Society: Outline of the Theory of Structuration. Berkeley & Los Angeles: University of California Press, 1984. ________. Central Problems in Social Theory: Action, Structure and Contradiction in Social Analysis. Berkeley & Los Angeles: University of California Press, 1979.

الثنائية والفاعلية والتحوّل: نرظية في البنية

________. New Rules of Sociological Method: A Positive Critique of Interpretive Sociologies. London: Hutchinson, 1976. Goffman, Erving. Interaction Ritual: Essays on Face to Face Behavior New York: Pantheon, 1967. ________. The Presentation of Self in Everyday Life. New York: Dou–bleday, 1959. Held, David & John B. Thompson (eds.). Social Theory of Modern Societies: Anthony Giddens and His Critics. Cambridge: Cambridge University Press, 1989. Lamont, Michele & Annette Lareau. «Cultural Capital: Allusions, Gaps, and Glissandos in Recent Theoretical Development.» Sociological Theory. vol. 6 (1988). Levi–Strauss, Claude. Structural Anthropology. New York: Basic, 1963. Ortner, Sherry B. «Theory in Anthropology since the Sixties.» Comparative Studies in Society and History. vol. 26 (1984). Piore, Michael J. & Charles H. Sabel. The Second Industrial Divide: Possibilities for Prosperity. New York: Basic, 1984. Ritzer, George (ed.). Frontiers of Social Theory: The New Synthesis. New York: Columbia University Press, 1990. Roemer, John E. «New Directions in the Marxist Theory of Exploitation and Class.» Politics and Society. vol. 11 (1982). Rosaldo, Renato. Ilongot Headhunting, 1883–1974: A Study in Society and History. Stanford/ California: Stanford University Press, 1980. Sabel, Charles H. «Protoindustry and the Problem of Capitalism as a Concept: Response to Jean H. Quataert.» International Labor and Working–Class History. vol. 33 (1988). ________. «Historical Alternatives to Mass Pro–duction: Politics, Markets, and Technology in Nineteenth–Century Industrializa–tion.» Past and Present. no. 108

Sahlins, Marshall. «The Cosmology of Capitalism: The Trans–Pacific Sector of the World System.» Proceedings of the British Academy for 1988. Oxford: Oxford University Press, 1989. ________. Culture and Practical Reason. Chicago: University of Chicago Press, 1976. ________. Historical Metaphors and Mythical Realities. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1981.

ربيع   Spring 2019

________. Islands of History. Chicago: University of Chicago Press, 1985. Samuel, Raphael. «The Workshop of the World: Steam Power and Hand Tech–nology in Mid–Victorian Britain.» History Workshop Journal. vol. 3, no. 1 (Spring 1977). Somers, Margaret Ramsay. «The People and the Law: The Place of the Public Sphere in the Formation of English Popular Identity.» PhD. Dissertation. Department of Sociology. Harvard University. Massachusetts, United States, 1986. Strauss, Levi. The Savage Mind. Chicago: University of Chicago Press, 1966. Sewell, William H., Jr. «Uneven Development, the Autonomy of Politics, and the Dockworkers of Nineteenth–Century Marseille.» American Historical Review. vol. 93

Therborn, Goran. The Ideology of Power and the Power of Ideology. London: Verso,

Wacquant, Loic. «Towards a Reflexive Sociology: A Workshop with Pierre Bourdieu.» Sociological Theory. vol. 7 (1989). Wallerstein, Immanuel. The Modern World System. vol. 1. Capitalist Agriculture and the Origins of the European World. New York: Academic, 1974. Wordell, Mark L. & Stephen P. Turner (eds.). Social Theory in Transition. London: Allen & Unwin, 1986.