الحداثة الممتنعة في الخليج العربي: تحولات المجتمع والدولة
Modernism Withheld in the Arabian Gulf: Transformations of Society and the State
الملخّص
عنوان الكتاب: الحداثة الممتنعة في الخليج العربي: تحولات المجتمع والدولة. المؤلف: باقر سلمان النجار. الناشر: دار الساقي. تاريخ النشر: 2018. عدد الصفحات: 506 صفحة.
Abstract
Researcher in the Arab Center for Research and Policy Studies.
- القبيلة
- الدولة
- المجتمع
- الحداثة
- Modernism
- Society
- State
عنوان الكتاب: المؤلف: باقر سلمان النجار. الناشر: دار الساقي. تاريخ النشر: عدد الصفحات: 506 صفحة.
الحداثة الممتنعة في الخليج العربي: تحولات المجتمع والدولة.
بين أيدينا عمل نقدي يثير من الأسئلة أكثر مما يمنحنا من الأجوبة. وليس هذا عيبًا في الكتاب بحالٍ، بل ربما هي ميزته الأهم؛ ذلك أن حالة بلدان الخليج العربي، التي يتوسلها المؤلف باقر النجار في مسعاه للإجابة عن سؤال الحداثة العربية، يظللها تناقض ملموس. فبعد تأسيس الدولة المستقلة، وإثر حدوث طفرة في عوائد البترول، صارت حواضر الخليج تعيش حالة رفاه واضحة، وتطور تعكسه ثورة عمرانية ونشاط اقتصادي متسع. وعلى الرغم من هذا، لا مجال للقول إن الأوضاع الاجتماعية والسياسية قد جاوزت حالة التكلس والارتهان للماضي. وأمام تناقض كهذا، يصير عمل المؤلف أقرب إلى «سير على الأشواك». وليس من مهمته أن يعيد ترتيب تناقضات العالم أو أن يجمله، لكن تحدوه دومًا غاية، هي غاية كل مثقف، متمثلة بطَرْق باب المعرفة، والولوج إليها من أبواب الاستفهام. فالمعرفة، فيما يعلمنا كارل بوبر، تظل ساحة لتساؤلات لا تنقطع. وحين يجول القارئ بنظره في الكتاب، يلمح أسئلة أربعة تحكم فصوله السبعة عشر؛ أولها وأكثرها إثارة سؤالٌ عن طبيعة الدولة في الخليج، وثانيها ما يخص الآثار التي أحدثتها التحولات الاقتصادية في المجتمع الخليجي وأنماط معيشته وقيمه، وثالثها السؤال عن طبيعة المواطنة في المجتمع الخليجي، ومراوحتها بين التمايز والمساواة، أمّا آخر هذه الأسئلة، فهو متعلق بأزمة الثقافة والهوية. يسعى الباب الأول لمعالجة مسألة الدولة، تحت عنوان لافت للنظر هو «بعض معضات تحولات الدولة والمجتمع» (ص 86–33)، ويضم تفسيرًا مركبًا لطبيعة الدولة في الخليج؛ فيما يجمله النجار تحت مفهوم «الدولة التضامنية»، سوف نتطرق إليه لاحقًا في اشتباك نقدي أكثر تفصيلً. أما السؤال الثاني، فجرت معالجته في الباب الثاني بعنوان «ولكم في العمالة الأجنبية حياة» (ص 172–87)، لكن سيجد القارئ نتفًا من الإجابة عنه موزعة في الأبواب: الثالث، والرابع، والخامس، وسيشمله أيضًا اشتباكنا النقدي؛ نظرًا إلى ارتباطه الوثيق بسؤال الدولة. وأما السؤال حول المواطنة، فبدا سؤال مركزيًا للكتاب، إذ يمتد على صفحات عديدة من هذا الكتاب، وإن بقي الفصل المتعلق بقضية المرأة (ص –173 228) الأكثر تعبيرًا عن تعقيدات هذا السؤال في إطار التحولات العميقة التي تعرفها المنطقة؛ فالنضال الهادف إلى تعزيز الوضعية المتساوية للمرأة الخليجية إنما يدل على المدى الذي ذهبت إليه التحولات عن الثقافة المحافظة. وأما تساؤلات الثقافة والهوية، فقد شغلت الأبواب الأربعة الأخيرة، بدءًا من الباب المتعلق بقضية بالتعليم (ص 278–229)، الذي يبين كيفية عمل التعليم والتوسع فيه؛ كرافعة إنماء في المجتمع الخليجي، ودوره في إعادة تشكيل العاقات بين المجتمع والدولة، وثانيها الباب المتعلق بآثار العولمة في القيم، وفي التطور الاجتماعي والتحولات الاقتصادية (ص 326–279)، وثالثها الباب المعنون «الهوية والجماعة» الذي تطرق فيه المؤلف إلى قضايا الهوية السياسة والمواطنة، وإلى عديد صور التمييز الاجتماعي (ص –327 420)، وأخيرًا، ذلك الباب المعنون «الثقافة والمثقفون» الذي يتطرق، بعمق، إلى أبعاد سؤال الثقافة وعالم المثقفين في الخليج، وقد أورد فيه خاصة رؤاه حول دور المثقف الخليجي عمومًا، ومأزق الليبراليين والإصاحيين الخليجيين خصوصًا (ص. 488)–421
وسيتبين للقارئ أثناء تعمقه في مسافة أبعد من الكتاب أنه لم يكتب ك «مونوغراف»، ولم يُعَد كأطروحة متكاملة تجيب عن سؤال الحداثة، وإنما تراكمت فصوله مع تراكم خبرة مؤلفه الذي أثرت كتاباته حول قضايا التنمية والمجتمع في الخليج المكتبة العربية منذ ثمانينيات القرن الماضي. ورغم ما قد يعيب هذا الكتاب من تفاوت في مصادره المعلوماتية من حيث زمنها (خصوصًا في بعض الأجزاء التي بدا أنها كُتبت قبل عقد أو أكثر، ولم يسعف الباحث تحديثها إلا جزئيًا)، فإن أجزاءه قد التحمت، لتشكل تسلسلً حجاجيًا متينًا يأخذ بيد قارئه في مسار الإجابة عن سؤال الحداثة، بتعقيداته ومعضاته الكثيرة.
النفط وإعادة تشكيل مكونات القوة: معضلة التكيف مع الحداثة
إن مسألة تعثر الحداثة ليست خاصية لمجتمعاتنا العربية، فقد عرفتها بلدان أخرى، حتى ل يكاد المرء يظن أنه ما من حداثة خارج العالم غير الغربي؛ وذلك من كثرة التشكيك في حدوثها. والطريف أن من نجحوا، نسبيًا، في تمثلها في البلدان المتقدمة، يطرحون تساؤلات متشائمة حول مآلها وجدواها، وإن كانت هذه المجتمعات امتلكت، بالفعل، عقانية ورشادًا وحرية وتقدمًا، وكل هذه المبشِّرات التي ارتبطت بكلمة «الحداثة». والقصد أن ما يعرقل مامحها لدينا، لا مجال لرد سببه إلى خصوصية ثقافية؛ بحسب ما تزعم كتابات ظللتها الروح الاستشراقية. ويرجع تعثر الحداثة إلى مركب القوة المهيمن على السلطة والثروة، الذي يتكرر ظهوره في المجتمعات الشبيهة بمجتمعاتنا التي مرت حداثتها بحقبة كولونيالية هندست المجتمع وعاقاته الداخلية والخارجية؛ على نحو يبقي العجز عن استيعاب مقتضيات الخروج من أسر الثقافة المحلية. ولعل مركزية هذه المسألة في الكتاب هي ما يدفعنا إلى اختيارها مدخلً إلى اشتباك النجار وتحلياته، وخصوصًا مع أطروحته حول التضامنية؛ إذ يذهب، في معرض تحليله أبعاد مأزق الحداثة في الخليج، إلى أن مكونًا قبليًا تضامنيًا يعزز نموذج السلطة الأوتوقراطي، وينتج أسباب إعاقة الحداثة. وما يحفز التضامنية القبلية هذه هو رغبتها في إبقاء امتيازها بالحصة الأكبر من المزايا الاجتماعية والاقتصادية، في وقت بات الريع النفطي يشكل العنصر الجديد لالتئام مكونات القوة القبلية. وبدايةً، يمكن استخاص ماحظات أولية جوهرية تؤطر معالجة النجار الطويلة لسؤال الدولة والحداثة، كما يلي: أولً، ماحظة تخص تكاملية التحليل، مفادها وجود تضافر بين عوامل الداخل والخارج يُسهم في إعاقة الحداثة. فمن إرث الحماية الأجنبية تتشكل بذور عاقة جديدة تجمع الدولة الحديثة في الخليج العربي بمجتمعها، وقد شكلت هذه العاقة بدورها طبيعة الدولة. وتقف معضات عاقة الدولة بالمجتمع، أو ما يسميه المؤلف «ممانعات الداخل»، بوصفها معيقًا أوّل للحداثة. ومن لدن عهد الحماية وخبرته، تأطرت البنية الأكثر صابةً لهذه العاقة، وأخذت منذ ذلك الحين في التطور والتحور، ولم تنته بعدُ عند ملمح الارتباط الراهن بالنظام الرأسمالي العالمي، ولا بتعاظم ضغوط عاقة صارت متداخلةً عضوية بالقوى العالمية، مع
إستراتيجيات هيمنتها على المنطقة اقتصاديًا وعسكريًا. ثانيًا، ماحظة سوسيولوجية تتعلق بالطبيعة التطورية للقبيلة، تنفي كونها «جوهرًا اجتماعيًا ثابتًا»، على نحو يحيل التحليل على أرضية للنظر مغايرة؛ إذ يطرح المؤلف صيرورة للقبيلة محكومة بحوافز بقائها الاجتماعية والمصلحية. والقبيلة عبر هذا المسار التاريخي تستغرقها الرغبة في إعادة إنتاج وجودها المهيمن على السلطة والثروة، وتتوسل من أجل ذلك أشكالً وصورًا تكيفية. وتتفرع من هذه الماحظة ماحظة إبستيمولوجية، تتعلق بإياء المؤلف الخصوصية للحالة الخليجية، وتنبيهه لحدود توظيف العديد من المصطلحات ذات الأصل الغربي. وربما نفهم هذه الماحظة على نحو إشكالي؛ إذ تكاد، على جودتها، تتورط في زعم ثقافوي في بعض المواضع، بما يمهد لمقولة الاستعصاء الخليجي والعربي. ثالثًا، ماحظة بنيوية، تتعلق بوجود مستويات للتطور متفاوتة، بين التنمية الاجتماعية والسياسية والتطور على المسار الاقتصاد؛ إذ لا تسير عمليات الإنماء في قطاعات السياسة والاجتماع والثقافة وفق الوتيرة ذاتها التي يتحرك بها المسار الاقتصادي، أو حتى بوتيرة متقاربة نسبيًا. ففي حين ميزت المجتمع الخليجي في العقود الأربعة الماضية ظاهرة النمو عبر الطفرات، فإن هذا النمو ظل يتحقق في الاقتصاد أو العمران فحسب؛ من دون القطاعات الأخرى الاجتماعية والسياسية والثقافية. وهي ظاهرة يردها المؤلف إلى خيارات نخبوية خشيت الحداثةَ، وعمدت إلى لَجْمها. وترتبط بهذه الماحظة المهمة ماحظة فرعية متعلقة بتفاوت التطور عبر الحقب الزمنية؛ فالتغييرات التي عرفها الخليج مع طفرة عوائد البترول، في السبعينيات والثمانينيات، لا مجال لمقارنتها، في رأي المؤلف، بتلك التي جاءت منذ مطلع الألفية، على إثر استقرارٍ نسبي للأوضاع بعد حرب الخليج. فهي تغيرات نالت من الاقتصاد بقوة، ونالت قبله من البنيات الاجتماعية والاقتصادية، وعرضت البنية السياسية في المجتمعات الخليجية لضغوط شديدة آتية من الداخل والخارج. انطاقًا من هذا التأطير، يعالج النجار مركبات القوة التي أسست الدولة الخليجية المعاصرة، ويُعنى في ذلك بأطروحة «الدولة التضامنية»، ويبدأ سَبره – المتعلق بجينالوجيا الدولة الخليجية – بمقدمة مفادها أن موقع «الشيخ» وسلطته القائمة على التقاليد والأعراف القبلية لا يقاربان بحالٍموقع «الرئيس» في الدولة الحديثة الذي تحكمه عاقةٌ بالمجتمع تراتبيةٌ مقننة. كذلك، ليست للمؤسسات على الجانبين المواقع المتشابهة ذاتها. فطبيعة العاقات بين الدولة والمجتمع في الخليج قائمة على التماهي؛ بحيث يصعب التمييز أحيانًا بين مؤسسة الحكم ومؤسسات المجتمع. ثم إن العائات الحاكمة لم تأتِ، كما في بعض البلدان العربية، من خارج التكوين الاجتماعي (على غرار حالة الأردن حاليًا، أو مصر في العهد الملكي). وفي الدولة التضامنية، ينسحب القانون بما هو رباط مؤسسي، لصالح العرف، ويهيمن نمط بعينه لحل الصراعات التي تنشأ حول توزيع الموارد والمكانة والسلطة، قوامه الترضية، ومبادلة الولاءات بالمنافع (ص 45–44). وما
يتحصل عليه مكون فرعي (قبيلة) من مكونات التضامنية إنما يُقدر بقدرة هذا المكون نفسِه على التأثير في السلطة وشرعيتها. وإن تبنِّي السلطة لصيغة تضامنية تؤطر عاقاتها بدوائر التأثير الاجتماعي، القبلي والمذهبي والإثني، لا يعني ديمقراطية السلطة أو لامركزيتها، لكنه لا يعني، من جهة أخرى، شخصنةً متطرفة للسلطة. وربما بات يخصم من هذا التنوع في مراكز السلطة ارتهانُ عاقات الدولة التضامنية بذهنية أمنية ترى في حماية شرعية الحاكم، وفق تصورها التقليدي، أولويةً قصوى. وتتجلى هذه الذهنية في لحظات الصراع، حين يتعاظم استدعاء التمثات القبلية والإثنية والمذهبية التي كانت قائمة أصلً في المجتمع، على نحو يبعد تمامًا ما تراه مؤثرات وافدة تشمل، بطبيعة الحال، ما جلبته الحداثة من رؤى وأفكار سياسية واجتماعية ودينية وثقافية متنوعة. وفي كل الأحوال، تحتل هذه الروابط التضامنية والأعراف الحاكمة لعاقاتها موضعًا فوق مؤسسات الحكومة والتشريعات الرسمية التي تحكم عملها. وتبدو صورة الدولة، عمومًا، أقرب إلى كتلة من تحالفات تشكل عصبها الأساسي. وتتجلى هذه التحالفات على نحو أوضح حين تتعرض الدولة لأزمة تهدد وجودها، سواء أكان مصدر التهديد داخليًا أم خارجيًا. ضمن هذا الإطار التضامني، لا مجال، إذ، ا لصراع جذري يخرج عن الأعراف السياسية القائمة. فأي طرف من أطراف المكون التضامني حين يقرر الصراع مع السلطة، سيُنظر إليه على أنه يستهدف تعجيز الدولة، وإزاءه تتعاضد القوى القبلية على الفور لصدِّه ورَدْعه. وإنّ بقاء صيغة الحكم هذه تجد صيرورته الجديدة في التحولات الاقتصادية الضخمة التي جلبتها الطفرة البترولية. بيد أن هذه التحولات لم يوازِها تحولات مثيلة في الثقافة السياسية وفي التوجهات التوزيعية، ليبقى البناء السياسي الخليجي، على الرغم من ذلك، في وضعه المناقض للحداثة، وليستمر – بفضل هذه الموارد الاستثنائية – متمتعًا باستقالية عن المجتمع. ولم يكن هناك تجربة تاريخية خلخلت تلك الثقافة الراسخة؛ إذ عاشت التكوينات السلطوية في الخليج عزلة جغرافية نسبية، ولم يكن هناك صراع دولي عليها قبل اكتشاف النفط، فبقيت خبرة تطورها في المرحلة الكولونيالية هامشيةً، لم تشتبك بعنف مع قوى الاستعمار على النحو الذي عرفته بلدان المشرق والمغرب العربي الأخرى. لقد أفادت وفورات الريع في تحقيق حالة رفاهية أبعدت عن النظام صور الاضطراب الداخلي التي مرت بها الدول العربية الأخرى، وقد عزَّز خبرةَ النظام في تقديم العطايا وتوفير الخدمات ميلُه إلى تعطيل الاستجابة لمطالب الإصاح السياسي. وبعيدًا عن بعض المسميات والهياكل الخارجية المنتسبة إلى عالم النظم الحديثة، وكذا أنماط استهاك وفرتها الرأسمالية الصاعدة، أوحت في ظاهرها بحصول تغيير ثقافي، بقيت البنية السياسية والثقافية مكبلة إلى حد بعيد، واستمر منتوجها الرمزي مرتهنًا بكليته لقيمٍ ما قبل حديثة. وذلك الجمود في جانب السلطة، ظلت تعززه معايير العزو والعصبية التي تمسك بمجمل العاقات بين الدولة والمجتمع. وهي معايير لها من العمق والرسوخ ما يعينها على اجتياز مجال فاعليتها الأول الممثل بقطاع الدولة الرسمي، لتنعكس أيضًا في القطاع الخاص وفي المؤسسات الأهلية. أما المكون الثقافي، فقد بقي يراوح في مكانه.
ولعل مما يكشف دينامية التناقض بين التكيف مع المعطيات الجديدة من جهة، والتمسك بمعارضة التغيير السياسي وقيم الحرية والديمقراطية من جهة أخرى، حالةَ التعامل مع رياح الربيع العربي. فحين شملت هذه الموجة مملكة البحرين، وغيرها من دول الخليج، لم ينتج من ذلك استجابات تستغل هذه الموجة للدفع صوب وجهة بناء دول ديمقراطية. لقد كان تعاملً يؤكد عُمق التناقض، وبيَّنت صيغ التعامل مع الاحتجاجات والمطالبات أن السلطة لم تزل تملك قدرة هائلة على إرباك التحولات وحَرْف بوصلتها. ف «قدرة بعض الأطراف الخليجية على إرباك التحولات التي كان يمكن أن يقودها الربيع العربي في المنطقة هو إرباك قاد ويقود إلى قدر متنام من الفوضى، وليس في مواقع ومجتمعات الحراك، إنما هي ارتدادات باتت بحكم الارتباط الجغرافي والجيوسياسي تؤثر داخل بعض دول المنطقة، من حيث ارتدادات القوى الإساموية الموظفة في المواقع العربية الأخرى» (ص. 16). لكن المؤلف يستدرك من جهةِأنَّ لهذه القدرة حدودها أيضًا؛ فتعطيل الاستجابة الإصاحية، ومعاندة التفاعل الحداثي مع التحولات التي حملها الربيع العربي – ونثني في هذا على ما يؤكده النجار – يخلقان عوامل تُسهم في إنهاك الدولة الخليجية، وتدفع إلى مزيد من الإضعاف لقدرتها على التحكم في أمورها، محيلة إياها من دولة تقوم بأعبائها الاجتماعية والاقتصادية إلى دولة مهووسة بسامتها، على نحو يدفع صوب مزيد من العسكرة والتسلط؛ ليس داخل حدودها فحسب، بل في محيطها الإقليمي المرتبك أيضًا.
التوزيع الريعي والأطوار الرأسمالية لتحولات المجتمع والدولة
لا تكتمل صورة الدولة التضامنية في الخليج من دون الإلمام بأمرين. فالأمر الأول متعلق بماهية بنية المصالح التي تحكم التحالفات السياسية القبلية المعززة لبقاء النظام، وإدارته عبر قواعد العرف السياسي بحسب ما قبل. أما الأمر الثاني، فهو يخص الارتهان الراهن للخارج، من حيث طبيعته وأثره في التحالف القبلي المهيمن على السلطة والثروة. عندما نبحث في هذه المسائل لدى النجار، سنجده معنيًا – على نحو أكبر – بالأمر الأول، مركزًا على البعد الزبوني في عاقة الدولة بالقبيلة، وكيف أن الدولة قد نزعت إلى استثمار الريع في تعزيز شرعيتها وكسب ولاء المجتمع عبر مداخل متنوعة؛ بعضها تقليدي، وبعضها الآخر استحدث مع التطورات التي شملت مؤسسة الدولة ونشاطها الاقتصادي. ويبدأ الجدل في هذا الكتاب حول المصالح وتوزيعها من خال نقد يوجهه النجار إلى مدخل اقتصاد الريع، الشائع في تفسير طبيعة الدولة الخليجية وعاقتها بمجتمعها؛ ذلك أنه يرى أن هذا المدخل لا يصلح وحده لمقاربة حالة الحداثة الممتنعة في الخليج. لا شك في أن البنيان الاقتصادي الخليجي يظل محكومًا بشروط توزيع الريع البترولي، في حين أن التحكم فيه هو ما منح نُظم الحكم استقالية عن المجتمع. لكنها استقالية – بحسب النجار – ليست تامة. فالدولة، المحصور معناها في هذا الخصوص بالعائلة الحاكمة، في حاجة دائمة إلى تعزيز شرعية وجودها، وهي تسرع دومًا؛ بحثًا عن إسناد من المجتمع، أو على وجه التحديد
بعض أطرافه المتمثلة في التكوينات القبلية، وشد روابطها الاجتماعية إلى الدولة، على الرغم من كونها أبنية ما قبل حديثة. إن الاستقالية التي وفرها الريع النفطي للحكومات قد عززت على نحو كبير القدرة على مقاومة الضغوط الداخلية الهادفة إلى إحداث التغيير الواسع في صعيدَي التوزيع والحقوق، ومنحت العائات الحاكمة قدرة عالية على التحكم في عملية صنع أحافها، وتجديد شرعيتها. على صعيد التحولات التي تأخذ مسارات عرجاء، شكلت عوائد النفط في خال العقود الثاثة الماضية حالة فريدة، قوامها انقطاع التأثير المتبادل بين الأبنية الاقتصادية للمجتمع والأبنية الفكرية والسياسية. واستمرت قدرة السلطة على إعادة صياغة الانعكاسات غير الاقتصادية لاقتصادها الريعي، مُؤث رةً الهروب من موجباتِ التكيف مع المطالب الاجتماعية المتصاعدة. وفي هذا الشأن، تفرض السلطة بحدة رؤى وآليات الأمن الثقافي والاجتماعي؛ كمنظور وحيد لتشكيل عاقتها بالمجتمع، وتؤثر القناعات المتولدة من هذه النظرة، على نحو أكبر، في تحديد الحصص التوزيعية لأطراف التضامنية القبلية، وهو أمر قد أسهم، إلى حد بعيد، في تجميد الهياكل السياسية، وإبعاد رياح الإصاح عنها، اكتفاءً بأدوار تقوم بها التكوينات العائلية والقبلية والدينية في ضبط العاقة بين الدولة والمجتمع، وهي التكوينات التي لم تَك لَّ الدولة عن دمجها كأدوات ضمن ترسانة وسائل ممارستها لسلطتها. في هذا المنحى، ياحظ النجار أن توزيع الحصص؛ من وظائف للدولة، وهِبات، و«شرهات»، ووهب أراضٍ، ومنح تسهيات بنكية وقروض، وإسناد عقود ومناقصات عامة، قائم على هذا المبدأ التضامني، وقد يمتد الأمر إلى سداد السلطة للديون الفردية، وإلغاء الرسوم الحكومية، وغير ذلك من أوجه الترضية وكسب الولاء، كما أن العكس قد يحدث؛ بحجب هذه الحصص، بل بسحب الجنسيات، وغير ذلك من الإجراءات الشديدة ل «ترويض» أي تمرد تستشعره السلطة (ص. 47). في هذا النمط من العاقة بين الدولة الخليجية والمواطنين، لا ترى السلطة الأفراد خارج صورة جماعتهم التضامنية، وإنما هم محكومون بها إلى حد بعيد، كأسلوب للضبط الاجتماعي، فا تتأثر جماعتهم بسلوكهم ومواقفهم المنفردة. وهكذا، فإن حجم المنافع التي يحصلها الفرد متوقف على قرب جماعته التضامنية من السلطة، وتوافقه وإياها في شروط العاقة التضامنية مع مكونات القوة الأخرى المشكِّلة لعصب الدولة. لكن ذلك قد لا ينسحب على رؤية الفرد لنفسه في المجتمع والدولة. وقد برزت مداخل جديدة لضبط الجماعات والأفراد؛ على رأسها الدمج في السلطة، وتكوين توازنات بين الجماعات القبلية المؤثِّرة في مركب القوة، من خال دفع «الجماعات الطارئة»، التي يقصد بها المؤلف المجموعات القبلية من المستوى التراتبي الثاني، ضمن التكوين القبلي في الخليج، ممن «قد جيء بها لإضعاف أحد أو كل التضامنيات الأخرى القائمة». وتشمل هذه التكوينات الطارئة التكوينات البدوية المستقرة حديثًا في المدن، والعائات المجنسة. ولا تحظى الأجيال الجديدة لهذه التكوينات بوضعيات متميزة ضمن بيروقراطية الدولة، كما أنها تفتقر إلى التعليم والثروة، الأمر الذي يعزز ميلها إلى التمرد؛ على نحو يصعب ضبطه، مقارنةً بما كان عليه الحال
مع أجيالها الأولى. يقول النجار في ذلك:[...]« وهي نتيجة لحالة الحصار المكاني والاجتماعي، ولربما الاقتصادي الذي تعيشه، يدفعها ذلك نحو تأسيس هوياتي خاص بها، أو أن يتضخم لديها الشعور بخصوصيتها الهوياتية، التي تشعر بأنها مهددة على الدوام من مراكز القوة في المجتمع» (ص. 49)، ما يجعلها بحسب المؤلف تدخل، نتيجةً لذلك، في صراع معلن أو مستتر؛ بعضه موجه نحو الدولة، وخصوصًا تجاه الفئات المندرجة ضمن السلطة التي تمارس ضدها قدرًا من التمييز على خلفية هويتها هذه، وبعضه الآخر موجه نحو جماعات لها مكانة قوية عند الدولة، وتحظى بنصيب وافر من المنافع، أكثر من الجماعات الأخرى. ورغم أن الدولة في الخليج لا تقوم على أيديولوجيا بعينها، كما هو الحال في بلدان المشرق العربي وشماليّ أفريقيا، فقد تشكل لديها نوع من الأيديولوجيا بفعل تأثير الوافدين من العاملين العرب في الدولة، وخصوصًا الذين ينتمون إلى جماعات الإسام السياسي، والذين عملوا مستشارين أو فنيين في أجهزتها. فهؤلاء بحسب النجار، كانوا قادرين على بث تصورات أيديولوجية، تبناها النظام، في صورة مواقف تعزز مواقف هذه الجماعات، وسمى النجار – على نحو خاص – جماعة الإخوان المسلمين، والتنظيمات السلفية، معتبرًا أنها جماعات وظيفية يحكمها نزوع نفعي، ويزيد من الارتباك الناجم عن وجود هذه الجماعات تورط الدولة الخليجية في تعزيز تحولات بعينها، حملتها رياح الربيع العربي، ودفعت بها هذه الفئات إلى توجهات السلطة في بعض البلدان العربية (ص. 50) يتقارب تحليل النجار وعديد الأدبيات التي تحلل عاقة الدولة بالمجتمع في الخليج؛ بانطاقه من مقولة مفادها أن إدارة المجتمع تظل شأنًا خاصًا بالدولة؛ معرَّفةً بالعائلة الحاكمة. وهذا هو المرتكز لفهم السلوك السياسي لمكونات القوة القبلية في عاقتها بالسلطة. وفي هذا الخصوص، ياحظ النجار كيف أن السبل تنقطع أمام نشوء مجال سياسي حقيقي، ربما باستثناء نسبيٍّ لحالة الكويت، بسبب قدرة العائلة الحاكمة على توظيف بعض الرموز القبلية والطائفية في واجهة الدولة؛ بوصف ذلك عنصرًا استيعابيًا لتطلعات القبائل في السلطة ومنافعها. ويتكرر الأمر مع التيارات السياسية؛ كالتيار الليبرالي، وتيار الإسام السياسي، وتتعدد حالات توزير رموز منهما في بلدان الخليج. ومع ذلك، لا مجال – بالنسبة إلى مثل هؤلاء – لنشوء مساحات للتأثير الفردي، أو أن يكون ممثلً – بالمعنى الحديث – لقواعد اجتماعية، رغم أن السلطة قد ضمته إليها؛ بغية الإيحاء بالمعنى التمثيلي، والاستدلال على تضمين تلك القواعد الاجتماعية التي يعبر عنها في بنية السلطة. هذا الملمح تجليه بوضوح التباسات العاقة بين نُظم الحكم والمكون الشيعي؛ إذ نراه، مثل، في مملكة البحرين التي شكلت معضات تطورها الكثير من رؤى النجار.
الحداثة الخليجية وممانعات الخارج
في مقابل تحليله ما يسميه عوامل الممانعة الداخلية، لا يشرح النجار بعمق مسألة الارتهان للخارج، فالبعد الخارجي لتحول الدولة في الخليج العربي يظل محكومًا بتصور النظام العالمي، وقواه التي تتجمد نظرتها إلى المنطقة، وتنحسر مصالحه في دائرة تلخصها كلمات
ثاثة؛ هي النفط، والسوق، والأمن. وهذا الأمر يغيب عن تحليل الكتاب إلى حد بعيد. يُفسر النجار مسألة التحول الكبير لمنظور يُغّلِب الاعتبارات الأمنية على ما عداها بتلك الآثار التي خلفتها حرب الخليج بالنسبة إلى كلّ من المجتمع والدولة. فعلى الرغم من تجاوز الدولة والمجتمع لبعض هذه الآثار، بقيت ظال منها إلى اليوم كامنة في الرؤى، وفي بعض الممارسات. لقد أيقظت هذه الحرب في المشرق العربي أشكالً من وعي ما قبل الدولة، وبرزت في سياقها الافتات الدينية والطائفية والاستقطابات المذهبية والإثنية، لتعيد التذكير بأننا لم نتجاوز عربيًا هذه الهشاشة الاجتماعية. كذلك كان انهيار التوازن مع قوى الجوار الإقليمي؛ بعد «اختفاء» العراق، ومن بعده سورية، بوصفهما قوتَين وازنتين، من بين أسباب تضاعف المخاوف في الخليج. وهي مخاوف دفعت، بدورها، إلى إستراتيجيات التوسع في الإنفاق العسكري، وتجذير الارتباط الإستراتيجي بالقوى الغربية، وبالخصوص الولايات المتحدة. ويشير النجار، م نْ طرفٍ، إلى إسرائيل من دون أن يسميها؛ وذلك حين يقول: «[...] ولربما فتح عاقة مع دول ومنظومات كان التعامل معها محرمًا حتى وقت قريب» (ص. 21). ضاعف من هذا الشعور بالتهديد صعودُ الظاهرة الجهادية المسلحة، وانتشارها السريع في العراق وسورية واليمن بالخصوص. وهي قوى لم تُخف رغبتها في أن تهيمن على عموم الجزيرة العربية، في حالٍغير مسبوق في تاريخ العرب المعاصر، يوهم بأن زمن الإمبراطوريات الإسامية الكبرى عائد في شكل يوتوبيا «دولة الخافة». ورغم التمكن من تقويض التجربة القصيرة والمريرة لتنظيم الدولة المعروف ب «داعش»، فإن لهذه الفكرة حواضن اجتماعية وسياسية وفكرية في المجتمع الخليجي، يرى النجار أن لها جذورًا في النُظم التعليمية، وفي خطاب بعض رموز المؤسسة الدينية ذات النزوع السلفي، وفي وسائطها الإعامية والفكرية. باتت هذه الحواضن تهدد المجتمع على المديَين المتوسط والبعيد. ويخشى أن يكون لاحتضان قوى وجماعات إساموية فعالة في صراعات سياسية ومسلحة في عديد البلدان العربية آثار وخيمة، خصوصًا أن هذه الصراعات أخذت بعدًا دينيًا ومذهبيًا، والخشية الأكبر أن تستبطن الدول الخليجية بصورة واعية، أو من دون وعيٍ، مواقف هذه الجماعات، أو أن تنعكس حالة الاستقطاب التي تحملها سلبيًا على مساحات الحرية الدينية المتاحة، أو تتشكل بموجبها إقصاءات اجتماعية؛ لأسباب إثنية، أو مذهبية. هذا الجنوح يزيد من إمكانات الصراع الداخلي، ويعطل درجة التكيف السياسي والثقافي التي تستوجبها تحولات الداخل والخارج.
مسارات للخروج
في محاولته تبيُّن طريق للخروج من مأزق الدولة الراهن، ينبهنا النجار إلى أن الحال قد تغير بعض الشيء، في ظل موجة التحولات الثقافية العالمية التي فرضها الاقتصاد الرقمي، وعالم شبكات التواصل الاجتماعي ذو الحيوية الاجتماعية العالية. لقد حرَّرت هذه الموجة «مساحات» اجتماعية معتبرة، دافعةً تغييرات على النظام الاجتماعي الخليجي، بدت مقلقة للتيارات التقليدية المهيمنة. يضاف إلى ذلك تحول ديموغرافي يكسي المجتمع الخليجي بلون
– شابٍّ ميَّال إلى الاستهاك – تعززه الوفرة للمنتوج التكنولوجي التواصلي، بمستوى يجعل الفئة الشابة الخليجية، التي تمثل الفئة الأوسع بين السكان، الأولى عربيًا في استخدام الإنترنت. ورغم ما تمنحه هذه التكنولوجيا من مساحة مستقلة للتعبير – تكسر نسبيًا احتكار الدولة التقليدي ل «الحقيقة» –وانخراط واسعٍ في الجدل حول الشأن العام، فإن ذلك لم يمسَّ السياق السياسي وممارساته. لقد ظلت الاستجابة الخليجية المرتبكة تفتقر إلى قدر من التوحد والتماسك والرشاد، وبقي عجز قائم لقوى مؤسساتية وأخرى اجتماعية مهيمنة (تأخذ لبوسًا دينيًا، ولبوسًا إثنيًا، وآخر قبليًا) عن ممارسة التكيف، مُؤْث رة آليات الدولة التقليدية في الحجبِ والمنع. تلك التحولات والأوضاع الجديدة كانت تقتضي «القبول بإمكانية إحداث تغيرات في هياكلنا وآليات عملنا والرؤى التي تُنسج من خالها شبكة عاقات القوة القائمة في مجتمعاتنا» (ص. 18)، فثمة تغييرات آتية يمكن اعتبارها حتمية تاريخية، لا مجال للقفز عليها. وأبواب المجتمع مُشْرعة لها، على نحو يستوجب التكيف؛ للحد من آثارها وتكلفتها. ويكمن مدخل ذلك الأهم في قدرة المجتمع ونظامه السياسي على إعادة تنظيم عاقات القوة، وتجنب هزات محتملة قد تعصف بالتوازن القائم بين أنساق المجتمع المختلفة. وهذا التغيير لا يشمل حصص الجماعات القائمة من القوة
المراجع
العربية
«راهن القبيلة في العالم العربي: أسئلة الإرث المعرفي والتصورات والاستخدامات.» عمران. العدد 15. مج 4 (شتاء.)2016
فحسب، وإنما بات يهدد الأسس المؤسساتية والمعيارية التي تتشكل في ضوئها هذه الحصص. وينبِّه النجار إلى أن هذا الصراع يخلق حالة من الفوضى في جانب مقابل آخر مستتر وقائم في المجتمع؛ وذلك حين يعزز الرغبة لدى البعض في التعبير عن هوياته الصغيرة.
أخيرًا، يمثل كتاب الحداثة الممتنعة في الخليج العربي، من دون شك، إضافة معتبرة بالنسبة إلى المكتبة العربية؛ بما يطرحه من رؤى معمقة، وباشتباكه مع عديد الكتابات التي حاولت تقديم أطروحات عريضة لتفسير تعثر الحداثة، لعل أحدثها كتاب الرأسمالية والطبقة في بلدان الخليج العربية » لآدم هنية، وكتاب علاقات الدولة والمجتمع في بلدان الخليج العربية لمظهر الزعبي وبيرول باسكان. وفضل عن ذلك، ثمة تقاطعات بين ما يطرحه النجار عن القبلية وآثارها في تطور الدولة والمجتمع، وما ط رح سابقًا في عددَين أصدرتهما دورية عمرانمؤخرًا لسَبر تحولات القبيلة والقبلية في العالم العربي.
(1) Adam Hanieh, Capitalism and Class in the Gulf Arab
States (New York: Palgrave Macmillan, 2011).
(2) Mazhar Ahmad Al–Zoby &Birol Baskan (eds.), State–
Society Relations in the Arab Gulf States (Berlin: Gerlach
press, 2015).
References
«راهن القبيلة في الوطن العربي »)2(، عمران. العدد 19. مج 5 (شتاء.)2017 الساقي،.2018
الأجنبية
النجار، باقر سلمان. الحداثة الممتنعة في الخليج العربي: تحولات المجتمع والدولة. بيروت: دار