العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي: نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات الإلكترونية بواسطة الحاسوب

المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي: نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات الإلكترونية بواسطة الحاسوب

Virtual Society and Renewing Approaches to Sociological Research: Towards Building a Model to Study Digital Interactions

محجوبة قاوقو

الملخّص

تحاول هذه الدراسة أن تقارب إشكالية تجديد مناهج البحث السوسيولوجي في ظل التحولات التي عرفتها المورفولوجيا الاجتماعية بظهور المجتمع الافتراضي. ذلك أن الشَّكلَ والقَدْرَ الذي اسْتُدمِجَت به التكنولوجيا الحديثة في الحقبة المعاصرة جعلها تتحول إلى نمط عيش اجتماعي، ظَهَرت معه ممارسات وأشكال اجتماعية جديدة، أصبحت تفترض طرح أسئلة عديدة بخصوص طبيعة المناهج والتقنيات الملائمة لدراستها. إن الإشكال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يتمحور حول المعنى الذي ينبغي أن نَفْهَم به التجديد المنهجي، وما إن كنَّا مُطالبين اليوم بتكييف مناهج وتقنيات البحث الاجتماعي المعهودة، أم بابتكار إطارٍ منهجي جديد كليًا. تنتهي هذه الدراسة إلى إثبات أطروحة مفادها أن تجديد مناهج البحث السوسيولوجي لا ينبغي أن يُطلب غايةً في ذاته، بل خدمةً للنظرية السوسيولوجية؛ وذلك في إطار علاقة تكاملية بين مناهج البحث الاجتماعي المألوفة من جهة، والمناهج الافتراضية والرقمية من جهة ثانية.

Abstract

Abstract: This paper addresses the need to renew sociological research methods in light of the transformations that social morphology has defined as the emergence of a virtual society. Technology, viewed as a network, has changed the structure of social forms and perceptions of the concept of living in the world. The question is whether the nature of the methods that have long been used to study them also changed. If they have already evolved, where can this innovation be found? This paper concludes that the renewal of sociological research approaches should not be an end in itself but rather a service of sociological theory. This should create an integrative relationship between both existent social research methods and virtual and digital approaches.

الكلمات المفتاحية:
  • المجتمع الافتراضي
  • المناهج المألوفة
  • المناهج الرقمية
  • التفاعلات الإلكترونية
Keywords:
  • Virtual Society
  • Traditional Methods
  • Digital Methods
  • Virtual Interactions

المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات الإلكترونية بواسطة الحاسوب Virtual Society and Renewing Approaches to Sociological Research: Towards Building a Model to Study Digital Interactions ملخص: تحاول هذه الدراسة أن تقارب إشكالية تجديد مناهج البحث السوسيولوجي في ظل

التحولات التي عرفتها المورفولوجيا الاجتماعية بظهور المجتمع الافتراضي. ذلك أن الشَّكلَ

والقَدْرَ الذي اسْتُدمِجَت به التكنولوجيا الحديثة في الحقبة المعاصرة جعلها تتحول إلى نمط

عيش اجتماعي، ظ هَرت معه ممارسات وأشكال اجتماعية جديدة، أصبحت تفترض طرح أسئلة

عديدة بخصوص طبيعة المناهج والتقنيات الملائمة لدراستها. إن الإشكال المركزي الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يتمحور حول المعنى الذي ينبغي أن نَفْهَم به التجديد المنهجي،

وما إن كنَّا مُطالبين اليوم بتكييف مناهج وتقنيات البحث الاجتماعي المعهودة، أم بابتكار إطار

منهجي جديد كليًا. تنتهي هذه الدراسة إلى إثبات أطروحة مفادها أن تجديد مناهج البحث

السوسيولوجي لا ينبغي أن يُطلب غايةً في ذاته، بل خدمةً للنظرية السوسيولوجية؛ وذلك في

إطار ع قااة تكاملية بين مناهج البحث الاجتماعي المألوفة من جهة، والمناهج الافتراضية والرقمية من جهة ثانية.

Abstract: This paper addresses the need to renew sociological research methods in light of the transformations that social morphology has defined as the emergence of a virtual society. Technology, viewed as a network, has changed the structure of social forms and perceptions of the concept of living in the world. The question is whether the nature of the methods that have long been used to study them also changed. If they have already evolved, where can this innovation be found? This paper concludes that the renewal of sociological research approaches should not be an end in itself but rather a service of sociological theory. This should create an integrative relationship between both existent social research methods and virtual and digital approaches.

Professor in the Regional Academy of Education and Training, Rabat – Salé – Kenitra branch, Morooco.

مقدمة

تطرح منهجية البحث داخل الفضاء الرقمي إشكالات عدة بالنظر إلى جدة ميدان الدراسة، وخاصة في الجانب المتعلق بشبكات التواصل الاجتماعي التي لم تتحدد طبيعتها بوصفها مجالً للتفاعل والتبادل الاجتماعي، ومجتمعًا للدراسة إلا في النصف الثاني من العقد المنصرم. لذلك، فحداثة عهد ميدان البحث، والإشكالات المطروحة داخله، وطبيعته الخاصة، تجعل الباحث الاجتماعي في مواجهة أسئلة عدة بخصوص طبيعة المنهجية الملائمة لدراسته. فإذا كانت قواعد منهج البحث السوسيولوجي قد أرسيت مع الرواد السوسيولوجيين الأوائل، كل من داخل إطاره النظري الخاص؛ لتصبح مرجعًا للباحثين في هذا المجال، فإن ظهور أشكال اجتماعية جديدة للسكن افتراضيًا

في العالم، أصبح يجدد اليوم إثارة سؤال المنهج. لقد أضحت النقاشات السوسيولوجية اليوم تتجه نحو التساؤل عن طبيعة المنهجية الملائمة التي يمكن توظيفها في دراسة كائنات افتراضية لها مقاييس خاصة في التحديد الهوياتي، وأضحى لها منطق خاص في الحركة يتحدد انطلاقًا من مفهوم «الإبحار» على فضاء رقمي، أثيري ولا نهائي، بدل من التحرك داخل فضاء مادي محدد مكانيًا وزمانيًا.

إشكالية الدراسة

إن الإشكال الذي يطرح هنا هو: إذا كانت التكنولوجيا، منظورًا إليها بوصفها شبكة، قد غيَّرت من بنية

الأشكال الاجتماعية ومن تصوراتنا حول مفهوم السكن داخل العالم، فهل غيَّرت أيضًا من طبيعة

المناهج التي طالما وُظِّفت في دراسة وفهم هذه الأشكال والتصورات المُنْتَجة حولها وداخلها؟ وإن كانت قد غيَّرت منها بالفعل، وجَدَّدت، وتُجَدِّد فيها، فكيف يمكن فهم هذا التجديد؟ وكيف ينبغي

مقاربته؟ أَبِوصفه تجديدًا جوهريًا يمس قواعد المنهج السوسيولوجي في أساسها أم بوصفه تجديدًا (تقنيًا) يمس المفاهيم والأدوات التقنية لا القواعد؟ أبوصفه تجديدًا يؤسِّس لقطيعة مع المناهج

المألوفة في علم الاجتماع، شكل ومضمونًا أم بوصفه تجديدًا يُقارب من منطلق التكييف، ويُبنى على قاعدة الاستمرارية؟

أولا: الإطار المفاهيمي والمنهجي الموجه للدراسة

نسعى من خلال هذه الدراسة إلى مقاربة سؤال المنهج داخل الفضاء الرقمي؛ إذ نروم الوقوف من خلالها على مختلف التصورات والمفاهيم التي تبلورت في إطار النقاشات السوسيولوجية الراهنة، وطبيعة المنهج أو مناهج البحث السائدة داخل سوسيولوجيا الفضاء الرقمي. كما نستهدف من وراء هذا العمل بلورة نموذج لكيفية الاشتغال بالمحتوى الإلكتروني، اعتمادًا على تقنية تحليل المحتوى بواسطة الحاسوب.

تكمن، بذلك، أهمية هذه الدراسة في الإسهام في النقاش الأكاديمي الدائر حول منهجية البحث ارتباط ا

بالمجتمع الافتراضي؛ وذلك في ظل غياب إطارٍ منهجيٍ واضحٍ ومحدد يوجه الباحث السوسيولوجي في هذا الصدد. كما يأتي هذا الإسهام في وقت لم تنطلق فيه الأبحاث الأكاديمية بعدُ حول قضايا

المنهج ارتباطًا بالفضاء الرقمي في المنطقة المغاربية وبلدان الشرق الأوسط. ويُعزى هذا التأخر في

أساسه إلى غياب تراكم علمي كافٍ فيما يتعلق بالدراسات الخاصة بالمجتمع الافتراضي التي لم يبدأ البحث فيها إلا في العقد الأخير من هذا القرن. لذا، نستهدف من وراء هذا العمل فتح نقاش حول هذا الإشكال، والإسهام في بلورة إطار منهجي للبحث في المجتمع الافتراضي، وخاصة في الجانب المتعلق بدراسة التفاعلات الإلكترونية. إن الأطروحة التي ستوجه عملنا في هذا الصدد هي التالية: إن العلاقة بين مناهج البحث الاجتماعي المألوفة، والمناهج الافتراضية، والمناهج الرقمية، لا ينبغي أن تتأسس على منطق صراعي أو تراتبي يؤسس للقطيعة، بل على منطقٍ حواريٍ وتكامليٍ؛ من أجل الوصول إلى فهم أعمق للمجتمعات

المدروسة بشكليها الفعلي والافتراضي. تكشف بنية هذه الأطروحة، إذ ا، عن ثلاثة مفاهيم أساسية ستوجه اشتغالنا، هي: المناهج المألوفة، والمناهج الرقمية، والمجتمع الافتراضي. يتحدد المجتمع الافتراضي بوصفه عالمًا بَيْنيًّا يتموقع بين المتخيل والفعلي، أو بين الوجود بالقوةِ

والوجود بالفعل، بلغة أرسطية؛ إذ لا يُعَرَّف إلا من خلال مفهومي اللامجالية، والترحال الموضعي

حيث يتعلق الأمر بفضاء ذهني، مجرد، رمزي، وسيط، يؤشر إلى تشظي مفهوم المرجع الوحيد. إنه يقوم بذلك على أساس «اقتصاد تجربة الحضور الفعلي–الفيزيقي»، «عبر الوجود على نحو مشترك»، من «دون الوجود مع». لا يتماهى المجتمع الافتراضي، إذًا، مع الوجود الفعلي، لأنه لم يتحقق كليًّا.

ولكنه في الوقت نفسه موجودٌ حقيقةً؛ وقابل في أي لحظة لأن ينتقل إلى مستوى التحقق الفعلي. تتحدد مؤشرات هذا الوجود انطلاقًا من مفهوم الأثر الرقمي. فإذا تأملنا ماهية المجتمع الافتراضي، فإننا سنجد أنه، في النهاية، ليس سوى مجموعة آثار رقمية يتركها الأفراد وراءهم بعد اجتماعهم على نحو افتراضي؛ أي إننا لا نرى من الكائن الافتراضي، إلا الرواسب الرقمية. ولا نستدل على حضوره إلا من خلال الأثر الذي يتركه داخل مختلف المواقع والصفحات الإلكترونية التي زارها، والأنشطة التفاعلية التي انخرط فيها. إن هذه الرواسب الرقمية هي التي أصبحت تمثّل اليوم ما يسمى ب «الوثائق الاجتماعية الجديدة»، وهو ما يعني أن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد تواصل افتراضي يزول أثره بعد مغادرة المبحر للشبكة، بل

(1) Noël Nel, «Les Régimes Scopiques du Virtuel,» in: Noël Nel (ed.), Les Enjeux du Virtuel , Collection Communication et Civilisation (Paris: L’Harmattan, 2001), pp. 33–34. (2) Paul Mathias, Des Libertés numériques: Notre libertés est–elle menacée par l’internet? (Paris: PUF, 2008), pp. 143–144, 152. (3) Olivier Ertzscheid, «L’homme, un document comme les autres,» Hermès , no. 53 (2009), pp. 35–37.

يتعلق بتفاعلات اجتماعية يؤدي منطق اشتغالها، وديمومتها، إلى بناء «أرشيف حي»، في إمكانه أن يمثّل مادة غنية توظف في البحث السوسيولوجي، كما يوظف غيرها من المصادر الأخرى. لذا، ما لبث الباحثون أن وجهوا اهتمامهم نحو هذه الوثائق الجديدة، وعبَّؤوا مناهجهم من أجل الاشتغال بها داخل

الفضاء الرقمي. تحيل هذه المناهج المعبأة على مفهوم المناهج المألوفة. ونقصد بها هنا مناهج البحث الكمية والكيفية التي طالما اشتغل بها علماء الاجتماع؛ أي مناهج البحث الكلاسيكية كما عهدناها. وبالنظر إلى أن اشتغالنا في هذه الدراسة سيركز على مناهج البحث الكيفية، فإننا سنحيل من خلال هذا المفهوم، في سياقاته، على المنهج الإثنوغرافي والمقابلات وتحليل المحتوى. ونقصد بمفهوم المناهج الرقمية؛ تقنيات البحث الخاصة بمعالجة المعطيات الكمية والكيفية التي

وُلدَت داخل بيئة رقمية خالصة. لذا، فإن مؤشراته داخل الدراسة، ارتباطًِا بإشكال بحثنا، هي تقنيات تحليل المحتوى بواسطة الحاسوب، وهي متمثلة أساسًا في برنامج «أطلس. تي آي» ti. Atlas. يرتبط هذان النوعان من المناهج بنوع آخر ثالث هو المناهج الافتراضية، ويمكن أن نحددها باعتبارها:

مناهج البحث الاجتماعي المألوفة التي جرى تكييفها بعدما نُقِلت نحو الفضاء الافتراضي. وسنحيل بها داخل الدراسة على الإثنوغرافيا الافتراضية، والمقابلة عن بعد، وغيرها من تقنيات البحث الكيفي المُكَيَّفة. ونشير في هذا الصدد إلى أننا سنستعير هذه المفاهيم من بعض السوسيولوجيين

الأنكلوساكسونيين الذين كانوا أول من وظفها. وسنقف لاحقًا عند سياقات تشَك لِها، والمعاني التي وُظِّفت بها. تلتقي كل هذه المفاهيم السابقة عند مفهوم الأثر الرقمي؛ فالمجتمع الافتراضي يتحدد بناءً عليه، وتتقاطع المناهج بأصنافها الثلاثة عنده. وسيتركز اشتغالنا نحن أيضًا على هذا المفهوم في الجانب التطبيقي من هذه الدراسة. لكن إن كان الأثر الرقمي يحيل على أصناف متعددة من الرواسب الإلكترونية، فإننا سنحصر دراستنا على المستوى المنهجي في الجانب المتعلق بالتفاعلات الإلكترونية المنتجة داخل شبكات التواصل الاجتماعي. وسنستعمل في هذا الصدد مفهوم الوحدات التفاعلية

الإلكترونية لنُحِيل به على هذا الصنف من الآثار الرقمية المدونة التي تأتي في صيغة تعليقات إلكترونية؛ لذلك فإن الوحدة التفاعلية الإلكترونية تعني، بالنسبة إلينا، الوحدة الهيرمينوطيقية الشاملة لمجموع التعليقات الإلكترونية المنتجة على هامش التفاعل مع محتوى معين من المحتويات المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي، والتي تمثِّل مقطعًا مستقلً للترميز داخل البرنامج.

(4) Christine Barats, Jean–Marc Leblanc & Pierre Fiala (eds.), «Approches textométriques du web: corpus et outils,» Christine Barats (ed.), Manuel D’analyse de Web en Sciences Humaines et Sociales , 2 ème ed., Collection U (Paris: Armand Colin, 2013), p. 105.

(((سنعبِّر عن البرنامج في سائر الدراسة ب «أطلستي» اختصارًا.

ستركز منهجية اشتغالنا، إذ ا، على تقديم نموذج لكيفية الاشتغال بالتفاعلات الإلكترونية، اعتمادًا على

تقنية تحليل المحتوى بواسطة الحاسوب، وسنعرض لها انطلاقًا من خطوات عملية إجرائية من خلال برنامج أطلستي. وقد اخترنا الاشتغال بهذا النموذج بالذات؛ لأنه هو البرنامج الوحيد الذي يقبل، إلى حد الآن، المحتوى المرقون باللغة العربية، فضل عن خصائصه العديدة المكيفة وفقًا لمنهج البحث

السوسيولوجي، على الرغم من أنه يُوَظ ف في حقول معرفية متعددة. وسيكون اشتغالنا بهذا البرنامج

موجهًا، في الأساس، بمبادئ النظرية المجذرة Theory Grounded. إن ما برر هذا الاختيار هو العلاقة التي تربط تاريخيًا بين هذه النظرية وبرمجيات تحليل المحتوى. كما

أن ما عايناه خلال قراءتنا الأدبيات المتعلقة بتحليل المحتوى بواسطة الحاسوب هو انطلاق جلّها من الإشارة إلى كون العمل، بهذه التقنية، يندرج في إطار التطبيقات الخاصة بالنظرية المجذرة، لكن من دون إبراز الكيفية التي يترابطان بها، ولا كيفية استلهام مفاهيمها وتقنياتها أثناء العمل الميداني عمومًا،

وأثناء ترميز المعطيات خصوصًا؛ لذلك سنركز عملنا، في المحور التطبيقي، على إبراز الكيفية التي

يمكن أن يُطَبّقَ بها نظام الترميز داخل برنامج أطلستي انطلاقًا من مبادئ النظرية المجذرة، مع الانفتاح

على المقاربات المختلفة التي تحكم عملية الترميز، والتي يمكن أن يختار الباحث بينها؛ بحسب أهدافه من البحث. لذا، فالنموذج الذي سنعرض له لن يكون قائمًا على الاشتغال بموضوع نموذجيٍّ خاصٍّ، بل سنعمل

على تقديم الخطوات المنهجية–العملية العامة التي استخلصناها انطلاقًا من اشتغالنا الميداني ببرنامج

أطلستي، والتي يُفترض أن توجه عمل الباحث أثناء الاشتغال بالتفاعلات الإلكترونية، ارتباط ا بأي

موضوع؛ من جَمْع المعطيات، إلى الترميز، وصول إلى التحليل. وستكون الدراسة في مجملها موجهة

بمقاربة مقارنة بين مختلف مناهج البحث التي عرضنا لها، والتي سنقف على جزء منها في المحور

النظري، وسنُكْمِل الخوض فيها في المحور التطبيقي.

ثانيًا: البحث السوسيولوجي داخل الفضاء الرقمي وسؤال تجديد المنهج

إذا كان الفضاء الرقمي قد تحول إلى أرشيف ل «التجارب الموثقة» حيث يحكي الأفراد تجاربهم الشخصية، ويعْرِضُون تصوراتهم حول قضايا الوجود الإنساني، فإن الباحثين ما لبثوا أن وجهوا أبحاثهم

صوب هذا النوع من الوثائق، للكشف عن الشروط والسياقات التي تُنتَج داخلها. وبقدر ما حظي سؤال كيفية استخدام شبكة الإنترنت باهتمام الباحثين منذ فترة الثمانينيات مع بداية الإنترنت فإن سؤال المنهج لم يلبث، هو الآخر، أن مثَّل موضوعًا للنقاشات الدائرة داخل سوسيولوجيا الفضاء الرقمي،

وإنْ بدرجة أقل. ذلك أن الخصوصيات المُحَدِّدَة للمجتمع الافتراضي، منظورًا إليها بوصفها ميدانًا

للبحث، سرعان ما بدأت تفرض نفسها بوصفها إكراهات، وحالات استثنائية داخل مسار البحث

(6) Alain Mille, «Traces numériques et construction de sens,» in: Galinon–Mélénec Béatrice & Zlitni Sami (eds.), Traces numériques: De la production à l’interprétation , Collection CNRS Alpha (Paris: CNRS éditions, 2013), p. 121.

السوسيولوجي ينبغي التطبيع معها؛ كي تخرج من دائرة الاستثناء لتصبح جزءًا من دائرة البحث

الاجتماعي، وتفترض هي الأخرى منهجيات وأدوات خاصة مُكيَّفة تبعًا لطبيعة ميدان الدراسة. سيظهر

في هذا السياق سؤال تجديد المنهج، مع ما سيرافقه من بلورة لمقارباتٍ ومفاهيم جديدة لدراسة إشكالات المجتمع الافتراضي وقضاياه. انطلقت الأبحاث في هذا الصدد مع نهاية التسعينيات؛ حيث اتجهت بعض الدراسات في هذه الفترة إلى اعتبار عناصر البيئة الرقمية أداة تحليلية؛ وذلك عبر اعتماد مفهوم «البَيْنَصِّية» أو«التناص»، في بعده

الرقمي، منظورًا إليه من زاوية الروابط الإلكترونية التي تصل بين «النصوص المُتشعبة»Hypertextes،

بينما عمل باحثون آخرون على تكييف مناهج البحث المعتادة مع طبيعة الفضاء الرقمي في إطار مقاربة تكاملية بين المنهجين الكمي والكيفي. لكن إن كان سؤال تجديد المنهج في التسعينيات ظل يراوح مكانه عبر إعادة إنتاج المفاهيم والتقنيات المعمول بها داخل حقل العلوم الاجتماعية، فإن الباحثين مع بداية العقد الأول من هذا القرن سيشرعون في بلورة مفاهيم جديدة؛ بهدف تَبْيئَة المناهج

والتقنيات في إطار السعي نحو بلورة إطار منهجي خاص بالمجتمع الافتراضي. تندرج في هذا الإطار أعمال كرستين هاين من خلال اعتمادها مفهوم «الإثنوغرافيا الافتراضية»، باعتبارها منهجًا في البحث يقوم على الانخراط داخل المجتمع الافتراضي، وملاحظة مختلف

التفاعلات والأنشطة الإلكترونية التي تتم داخله. لكن إن كان هذا النوع من العمل هو نفسه الذي طالما

قام به الباحثون الاجتماعيون في عملهم الإثنوغرافي المألوف، فإن ما يميز هذه الإثنوغرافيا المُك يَّفة هو

طبيعة الفضاء الاجتماعي الذي تُفَعَّل داخله، ويمنحها خصوصيتها، ويمثِّل «الانخراط المتقطع» أحد

هذه الخصائص؛ فهي «لا تقتضي الانغماس التام على مدى زمني طويل» ومتصل، نظرًا إلى أن

الباحث يكون متموقعًا، على نحو بيني، بين عالمه الاجتماعي الفعلي ونظيره الافتراضي. يضاف إلى

ذلك استحضار الإيقاعات المختلفة التي تسير بها الجماعات الافتراضية في أنشطتها التفاعلية، والتي تظل تتفاوت صعودًا ونزولً لكونها لا تفترض الالتزام الدائم للأفراد. لم تمثّل الإثنوغرافيا الافتراضية، بوصفها ممارسةً بحثيةً، شيئًا جديدًا في هذه الفترة، إذ بدأ بعض

الباحثين العمل بها ميدانيًا منذ بداية التسعينيات، لكن من دون توظيف مفهومٍ نظريٍ واصف إياها. فقد

كانت أغلب الدراسات التي أنجزت في تلك الفترة داخل الفضاء الإلكتروني، قائمة على منهج الملاحظة الإثنوغرافية للجماعات الافتراضية على اختلافها. لكن إن كانت الأبحاث في التسعينيات

ركزت على دراسة كيفية استخدام الأفراد الفضاءات الإلكترونية، ولم تُول كبير اهتمام لمسألة توصيف

(7) Ananda Mitra & Elisia Cohen, «Analyzing the web,» in: Steve Jones (ed.), Doing Internet Research: Critical Issues and Methods for Examining the Net (London; New Delhi: SAGE Publications, 1999), pp. 179–202. (8) Fay Sudweeks & Simeon J. Simoff, «Complementary Explorative Data Analysis: The Reconciliation of Quantitative and Qualitative Principles,» in: Ibid., pp. 29–58. (9) Christine M. Hine, Virtual Ethnography (California: Sage Publications Inc., 2000), pp. 66‑71. (10) Ibid.

المنهج الرقمي، والتقعيد لمفاهيمه، فإن هذا التوجه سيبرز مع بداية العقد المنصرم؛ إذ سيتم اعتماد مفهوم الإثنوغرافيا الافتراضية، بصيغ متعددة، من طرف عدد من الباحثين، عبر استخدام مفاهيم، من قبيل «النتنوغرافيا» Netnography، و«الإثنوغرافيا الرقمية» وغيرها من التسميات، مع الحرص على إرساء المبادئ والأسس الموجهة للاشتغال بها. لكن إن كان عدد من الباحثين قد اختاروا النِّتْنُوغرافيا اللامرئية منهجًا في البحث، فإنها لم تكن مع ذلك

التقنية الوحيدة في دراسة المجتمعات الافتراضية؛ إذ وُظِّفت تقنيات أخرى من قبيل الرسائل التزامنية،

وإجراء مقابلات عن بعد، وتحليل الروابط التشعبية Analysis Hyperlinks، وغيرها من طرق البحث. ولقد كانت هذه التعددية، على مستوى التقنيات المستعملة، وراء اعتماد هاين مفهوم «المناهج الافتراضية» لتوصيف جُماع هذه التقنيات؛ وهو المفهوم الذي سينطلق منه لاحقًا ريتشارد روجرز

لبلورة صيغة مفهومية أخرى هي «المناهج الرقمية». يعود استعمال روجرز لهذا المفهوم إلى التغيرات المتسارعة التي شهدها حقل البحث في الميدان الافتراضي منذ ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، وتطوير منهجيات جديدة تقوم على استخدام أنواع متطورة من التكنولوجيا في تحليل التدفقات المعلوماتية داخل الشبكة العنكبوتية؛ من قبيل محركات البحث، والبرمجيات الخاصة بجمع المعطيات وتحليلها. ستتحدد معالم هذا التوجه القائم على رَقْمنَة مناهج البحث الاجتماعي مع شيوع استعمال مفهوم

المعطيات الضخمة Data Big، خاصة مع بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؛ إذ شهدت هذه الفترة ارتفاعًا في وتيرة استعمال التقنيات العالية التكنولوجيا في مجالات عدة، من أجل معالجة

البيانات كميًا بواسطة الحاسوب، بهدف الكشف عن بعض النماذج أو الاتجاهات، ارتباط ا بالسلوك

الإنساني. وسيتجه الباحثون في هذا السياق إلى الاستفادة من هذه الفرص التي وفرها التقدم التكنولوجي، عبر استثمار ما يتيحه من تقنيات في إنجاز أبحاثهم داخل شبكات التواصل الاجتماعي. سيجري، في هذا السياق، استدماج مفهوم المناهج الرقمية، ومن ثمّ فتح المجال لتوسيع مجال مناهج

البحث الاجتماعي حتى يصير في إمكانها استيعاب مفهوم المجتمع في صورته الموسعة، بصيغتيه الفعلية والافتراضية؛ إذ ستتجه الأبحاث لاحقًا إلى اعتماد صفة الرقمية اسمًا واصفًا لمجالات بحثية

قائمة الذات داخل حقل العلوم الاجتماعية، كما هو الحال مع «الأنثروبولوجيا الرقمية»،

(11) Robert V. Kozinets, Netnography: Doing Ethnographic Research Online (London: Sage Publications, 2009). (12) Sarah Pink et al. (eds.), Digital Ethnography: Principles and Practice (London: Sage Publications, 2015). (13) Christine M. Hine, Virtual Methods: Issues in Social Research on the Internet (Oxford: Berg Publishers, 2005), pp. 35–50. (14) Richard Rogers, Digital Methods (Cambridge; London: The MIT Press, 2013). (15) Amir Gandomi & Murtaza Haider, «Beyond the hype: Big data Concepts, Methods, and Analytics,» International Journal of Information Management , vol. 35, no. 2 (2015), pp. 137–144. (16) Heather A. Horst & Daniel Miller, Digital Anthropology (London: Berg Publishers, 2012).

و«السوسيولوجيا الرقمية» التي أضحت تُعنى بدراسة قضايا المجتمع الافتراضي وإشكالاته في عصر صناعة المعنى داخل الفضاء الرقمي. إن هذا التوسيع لمفهوم المنهج على المستوى العملي، وتطبيقاته في حقل العلوم الاجتماعية هو الذي سيترجمه روجرز مفاهيميًا من خلال تمييزه بين المناهج الافتراضية التي تستورد المناهج المتعارف

عليها داخل العلوم الاجتماعية والإنسانية، وتهاجر بها نحو الوسيط الرقمي، ثم المناهج الموسومة بأنها رقمية الولادة Web–native التي ظهرت في أصلها داخل بيئة رقمية. وسيمضي بهذا التصور بعيدًا إلى حَدِّ الحديث عن نهاية المناهج الافتراضية، والتدشين لحقبة جديدة للأبحاث الخاصة بالإنترنت، يتم بموجبها تجاوز ذلك الفصل المعهود الذي يقام بين الافتراضي والفعلي؛ لأن الإنترنت، في نظره، لم تعد مجرد موضوع للدراسة، بل مصدرًا للتقنيات والأدوات المنهجية أيضًا. لذلك، سيطرح

مفهوم «التجذر الإلكتروني»Onlinegroundedness، للدلالة على هذا النوع من التقنيات في البحث. ستمثّل هذه الاجتهادات المتراكمة على مستوى الصيغ المفاهيمية منطلقًا لنورتجي ماريس لوضع توليفة قائمة على الجمع بين مختلف المفاهيم التي بلورها هاين وروجرز وغيرهما من الباحثين؛ حيث ستميز بين أربعة أنواع من المناهج هي: المناهج المألوفة، والمناهج الضخمة، ثم المناهج الافتراضية، ثم المناهج الرقمية. ولئن كان النوع الأول من المناهج يحيل على مناهج متجذرة في الميدان الفعلي جرى تكييفها لتتخذ صبغة افتراضية، فإن النوع الرابع يحيل على تقنيات متجذرة في الفضاء الرقمي يمكن أن تهاجر هجرة عكسية. وينطبق الأمر عينه على المناهج الضخمة التي نشأت في بيئة

رياضية، ثم تَعدَّت مجالات استخدامها لتصبح منهجًا في البحث يُطبق في حقول عدة، ويَع دُ بكثير

على مستوى استثماره من أجل التحكم في الكم الهائل من البيانات الكيفية، وتكميمها بدقة، وفي وقت وجيز. لكن بقدر ما بدا زمن المعطيات الضخمة واعدًا بالنسبة إلى عدد من الباحثين الذين رأوا فيها «تغييرًا

ثوريًّا سيقلب مناهج البحث الكلاسيكية عبر تجاوز الفصل بين الماكرو والميكرو، بين الكمي

والكيفي» فإنه بدا، بالنسبة إلى البعض الآخر من علماء الاجتماع، مؤشر «أزمة في مستقبل البحث

(17) Deborah Lupton, Digital sociology (Abingdon; New York: Routledge, 2014); Jessie Daniels, Karen Gregory & Tressie McMillan Cottom (eds.), Digital sociologies (Bristol: Policy Press, 2016); Noortje Marres, Digital Sociology: The Reinvention of Social Research (Chichester: John Wiley & Sons, 2017). (18) Rogers, p. 19. (19) Richard Rogers, The End of the Virtual: Digital Methods (Amsterdam: Amsterdam University Press, 2009), pp. 1–37. (20) Noortje Marres, «The Redistribution of Methods: on Intervention in Digital Social Research, Broadly Conceived,» The Sociological Review , vol. 60, no. 1 (2012), pp. 149–150. (21) Olivier Ertzscheid, Gabriel Gallezot & Brigitte Simonnot, «A la recherche de la mémoire du web: sédiments, traces et temporalités des documents en lignes,» in: Barats (ed.), p. 57.

الميداني السوسيولوجي»؛ فبدلً من التفاؤل بمستقبل البحث في عهد محركات البحث الآلية، أضحى هؤلاء، في نظر ماريس، يرون في «منصات شبكات التواصل الاجتماعي نموذجًا واضحًا

للامهنية بعض الباحثين الذين ينخرطون بحماس في تسجيل ونقل الحياة الاجتماعية للأفراد»؛ إذ أصبح المجال مفتوحًا أمام الكل لجمع المعطيات، واستخراج الأرقام، وتقديم التأويلات الذاتية، أفرادًا

كانوا أو مؤسسات ربحية. لم يعد المجتمع الافتراضي بهذا المعنى ميدان بحث مُفْرَدٍ للباحث المتخصص في مجاله، بل أصبح

الباحث «الهاوي – هو الآخر– يقود البحث الاجتماعي». لقد أضحت هذه الوضعية تعيد، اليوم، إلى الأذهان صورة حركة الملاحظة الجماهيرية الإنكليزية في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، حين صار الكل حاملً مذكرته؛ يسأل، ويوثق قصص الحياة اليومية وتفاصيلها. ولئن كان الباحثون الهاوون

اليوم، لا يتحركون حاملين مذكراتهم، بل يُبْحِرون على فضاءات افتراضية (مسلحين) بمحركات بحثٍ

وبرمجياتٍ بدقة عالية في الرصد والحساب، وبناء الخرائط واستخراج المعدلات الإحصائية، فإن هذه

الدقة لم تُخَلِّص بعض الباحثين من «الحنين إلى عصر ذهبي ارتبط ب ‘صورة’ الإثنولوجيا وهي تنبثق من

مدرسة شيكاغو»؛ لذلك عندما ط رح سؤال تجديد مناهج البحث، ارتباطًا بالتقنيات الحديثة على أحد السوسيولوجيين المعاصرين المنتمين إليها، وهو أندرو أبوت، قاربه من منطلق هذا الحنين معتبرًا

التجديد، وإن كانت «غوغل» Google هي التي تمثله، مجرد استعادة للقديم واستنساخًا له. إن هذا الاستنتاج، في نظر أبوت، هو الذي يصل إليه السوسيولوجي المتعمق في مناهج البحث الاجتماعي؛ لذا فإن كان بعض الباحثين الذين اعتمدوا التكنولوجيا الحديثة في تحليل المعطيات الضخمة للشبكات الاجتماعية قد ذهبوا إلى تصنيف دراساتهم في باب التجديد المنهجي، فإن هذا التصنيف، في نظر أبوت، فيه نوع من «المبالغة». ذلك أن هذا الشكل من مناهج البحث الاجتماعي الذي أصبحت تجسده اليوم محركات البحث المختصة في التحليل النصي والشبكي، لا تعدو أن تكون أمرًا عاديًا، بالنسبة إلى السوسيولوجيين المتمرسين على الأقل؛ لذلك سيذهب أبوت في هذا

(22) Mike Savage & Roger Burrows, «The Coming Crisis of Empirical Sociology,» Sociology , vol. 41, no. 5 (2007), pp. 885–889. (23) Marres, p. 143. (24) Ibid. (25) Nick Hubble, Mass Observation and Everyday Life: Culture, History, Theory (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2006), pp. 79–103. (26) Raymond M. Lee, «‘The most Important Technique…’: Carl Rogers, Hawthorne, and the Rise and Fall of Nondirective Interviewing in Sociology,» Journal of the History of the Behavioral Sciences , vol. 47, no. 2 (Spring 2011), p. 142. (27) Rob Procter et al. (eds.), «Reading the Riots on Twitter: Methodological Innovation for the Analysis of big Data,» Policing and Society , vol. 23, no. 4, Policing Cybercrime: Networked and Social Media Technologies and the Challenges for Policing (July 2013), pp. 197‑214. (28) Andrew Abbott, «Googles of the Past: Concordances and Scholarship,» Social Science History , vol. 37, no. 4 (2013), pp. 427-455. (29) Ibid.

الصدد إلى اعتبار محرك البحث غوغل آلة توفيقية، تُنَقِّب عن الكلمات المفتاحية في سياقات معينة، وتجمع بينها لتأكيد سلطة المصادر، والحال أن هذا النوع من البحث لطالما كان معروفًا لدى علماء الاجتماع. لذا، فإن ما يسمى اليوم مناهج جديدة، ما هو إلا استعادة للمناهج المألوفة، كما عرَفها

السوسيولوجيون من قبل، في صيغتها الأولية، الأقل تقدمًا من الناحية التقنية. ولئن كان هذا الصراع الفكري، المتمركز حول سؤال المنهج، الذي أثير بين المشتغلين في الحقل السوسيولوجي في العقد الراهن، يحركه «نزوع نحو المحافظة»، فإنه يُحركه أيضًا هاجس التخوف من أن تقود التكنولوجيا إلى «خوصصة العلوم الاجتماعية»، و«نهاية السوسيولوجيا كشكل عمومي في المعرفة»؛ بسبب «هيمنة مختبرات الشركات الكبرى على هذا المجال». لذا، فإن الفكرة التي تطرحها ماريس هنا لتجاوز هذا الصراع حول المناهج هي فكرة «إعادة توزيع المناهج»؛ فبدل من جعل البحث الاجتماعي الرقمي متمركزًا في مجال محدد مفرد، فإنه ينبغي تحويله، في نظرها، إلى «إنجاز مشترك»، يشترك في تحقيقه متدخلون متعددون من داخل الجامعة ومن خارجها، كل واحد له دور مخصوص يؤديه على قدر خبرته وموارده؛ من التمويل، إلى جمع البيانات، وصول إلى تحليل المعطيات وتأويلها. إن هذا التصور لمفهوم المناهج الرقمية، في نظر ماريس، هو الذي من شأنه السماح للأبحاث المنجزة في هذا الباب بالانتقال من «السوسيولوجيا الجاهزة»، إلى «السوسيولوجيا في طور البناء»، أي بوصفها سيرورة تسير إلى اكتمالها تدريجيًا؛ وذلك حين يؤدي كل فاعل الدور المنوط به، في حدود

اختصاصه. ولن يتحقق هذا الانتقال إلا عبر قبول المشتغلين بحقل علم الاجتماع فكرة أن هناك أرشيفًا حيًّا، تُنتج وثائقه الاجتماعية يوميًّا بكميات ضخمة، ولا يسَعُها عمل الباحث المفرد، وأنَّ هناك، على

الطرف الآخر، تقنيين متخصصين في طرق جمع هذه المعطيات، وبينهما يتموقع مُلّ ك البيانات

الشخصية، وملّك الفضاءات والبرمجيات العالية التكنولوجيا. لذا، إذا أراد الباحث السوسيولوجي اليوم أن ينخرط في دراسة الفضاء الرقمي، فإنه مطالب إما بأن يحدد موقعه ضمن هؤلاء، ويقبل بفكرة تقسيم الأدوار، وإما بأن يُمرِّن نفسه على استعمال مناهج

البحث الرقمية التي أصبحت تحتكرها نخبة معينة من المتحكمين في رأس المال المادي والمعرفي. ويعني ذلك أنه مدعو في كلتا الحالتين إلى القبول بالتجديد على مستوى العمل المنهجي، سواء بتقبُّله

وتملُّكِه ذاتيًا، أو بتقبُّل القادمين به، وجعلهم جزءًا من جماعته المهنية.

(30) Ibid. (31) Rose Wiles et al., «But is it Innovation? The Development of Novel Methodological Approaches in Qualitative Research,» Methodological Innovations Online , vol. 8, no 1 (2013), pp. 18–33. (32) Marres, pp. 140, 143. (33) Ibid., p. 140. (34) Ibid., p. 147

إن الإشكال الذي تطرحه مناهج الاشتغال بالفضاء الرقمي، إذ ا، هو إشكال يرتد في أصله إلى طبيعة المعطيات التي يتعاطى معها الباحث، وطبيعة ميدان البحث الذي يشتغل به وداخله؛ لذلك عندما تُطرح فكرة تجديد المنهج، أو تكييفه، فإن الباحث لا يطرحها من باب الترف الفكري أو «الموضة»، بل هي أمر تستلزمه إكراهات البحث بالضرورة، تضع الباحث أمام إشكالات عدة؛ فيحاول أن يبحث عن مخرج لتجاوزها عبر اقتراح بدائل في حدود المتاح له. ويعني ذلك أن «قواعد المنهج السوسيولوجي تظل هي نفسها [...] لكن ممارسة سوسيولوجيا استعمالات – الإنترنت تقتضي استخدام أدوات للبحث والتحليل أكثر غنى وتعقيدًا؛ وذلك أكثَر منه

ممارسة سوسيولوجيا المؤَلَّف، لأنها تتطلب تعبئة موارد معلوماتية وإحصائية غير مألوفةٍ بشكلٍ كبير بالنسبة للسوسيولوجيا ». لذلك ينبغي أن يُفهم التجديد هنا بمعنى تكييف قواعد البحث

السوسيولوجي، وتكييف مناهجه على نحو يجعل مقتضيات العمل بها تتوافق مع مقتضيات المجتمع الافتراضي، لا أن يُفهم بمعنى اختراع قواعد منهجية جديدة تقطع كليًا مع التقاليد البحثية التي أرساها

رواد علم الاجتماع وأغناها ورثَتهُم. إن ما يمكن أن نُقِره، إذًا، في هذا المستوى، هو أن سؤال التجديد في المنهج لا ينبغي تحويله، في نظرنا، إلى صراع بين مناهج البحث المألوفة والمناهج الافتراضية؛ أي حصره في ثنائية «القديم» و«الجديد»، بل يلزم تركيزه في تساؤل عن الكيفية التي يمكن أن ينظر بها إلى التكنولوجيا بوصفها أداة،ً وفضاءً للدراسة، في خدمة البحث السوسيولوجي. ويعني ذلك التساؤل عن الكيفية التي يمكن أن تصير بها هذه التكنولوجيا آلية لتجويد المعطيات، وتحصيل أكبر قدر من الموضوعية والفعالية، من دون أن تتحول إلى آلية لاستغلالها لأهداف تجارية أو سياسية محضة، ومن دون أن يأتي ذلك على حساب قواعد البحث العلمي وأخلاقياته.

ثالثًا: النظرية المجذرة وتطبيقاتها في دراسة التفاعلات الإلكترونية بواسطة الحاسوب

1. النظرية المجذرة إطارًا للمناهج الرقمية

تقوم الفكرة التي نطرحها هنا بخصوص تكييف مناهج البحث، في أساسها، على التصور الذي بلوره منظرو النظرية المجذرة حول توليد النظريات السوسيولوجية. ونود أن ننطلق من حيث انطلق منظراها بورني غلاسر وأنسليم ستروس، في إبرازهما للسياق العام الذي أتت فيه نظريتهما. فقد أكدا أنها جاءت من أجل تذكير السوسيولوجيين بمهمتهم الأساسية التي «يميلون إلى نسيانها في خضم مجهوداتهم الرامية إلى الإمساك بالوقائع؛ وهي أن الخدمة الخاصة التي تقدمها السوسيولوجيا لمجتمعنا، إضافة

(35) Wiles, pp. 18–33. (36) Olivier Martin, «Comment objective des pratiques et des usages?,» in: Barats (ed.).

إلى المنهجية، هي النظرية السوسيولوجية، وليس البحث عن الوصف فقط». وهذا السعي نحو بناء النظرية هو بالضبط ما يمثِّل خصوصية الفكر السوسيولوجي؛ «ذلك أن الوصف والإثنوغرافيا، والإمساك بالوقائع، والتحقق، هي أمور يقوم بها الباحثون في مجالات أخرى، لكن هؤلاء ليس في إمكانهم توليد النظرية السوسيولوجية، فوحدهم السوسيولوجيون الذين في إمكانهم فعل ذلك». لذا، فإن القيمة الأساسية للنظرية المجذرة، في نظرنا، لا تكمن في كونها مجرد دعوة مفتوحة، للطلاب الباحثين في حقل السوسيولوجيا، والباحثين عمومًا، إلى توليد النظريات، بل هي دعوة مصحوبة بمنهج تعليمي واضح ومحدد؛ إذ توضح المسلك المنهجي الذي يمكن أن يسلكه هؤلاء في أبحاثهم الميدانية، إذا ما أرادوا لها أن تتجاوز مستوى الوصف، وترتقي إلى مستوى بناء المفاهيم النظرية المجردة التي لها صلاحية التعميم على الوقائع الاجتماعية، ولها قدرة على التنبؤ والتفسير. إن الإشكال الذي أضحى يواجهه الفكر السوسيولوجي المعاصر في نظر غلاسر وستروس، يعود في أصله إلى هاجس التحقق Verification أي إلى كون الباحثين تمرنوا على أن يفسروا المعطيات التي تسفر عنها أبحاثهم انطلاقًا من نظريات مستنبطة منطقيًا، ومصوغة قبليًا؛ وذلك عوضًا عن تفسيرهم

إياها انطلاقًا من نظرية متولدة من المعطيات التي أنتجوها؛ أي إنهم تمرنوا على أن يبحثوا من أجل التحقق، لا من أجل إيجاد تفسيرهم الخاص للظواهر التي يدرسونها. أصبحت مهمة الباحث السوسيولوجي، بهذا المعنى، مختصرة في خطوات منهجية يسلكها من أجل جمع المعطيات بهدف الوصف، ومن أجل التحقق؛ وذلك عبر الرجوع إلى محكّ خارجي يحكم بصلاحية النتائج من عدمها. ويظل هذا المحكّ هو المقياس الذي على أساسه تُقاس جودة الأبحاث من عدمها. لذلك، فإنه يستمر ملازمًا الباحث على امتداد سيرورة البحث، ويحد من إمكاناته ومن الإمكانات التي قد تفتحه عليها معطيات الميدان، إذا ما أحسن الإنصات إليها. تأتي النظرية المجذرة بتطبيقاتها، في هذا السياق، من أجل «مساعدة الطلاب على الدفاع عن أنفسهم في مواجهة أولئك الذين قد يعلموهم أن يُنكِروا صلاحية ذكائهم العلمي»، وتأتي «ضدًا عن الزملاء

المعارضين الذين يُنْكِرون على زملائهم حرية البحث بدعوى القواعد الصارمة للتحقق ». إن هذا

النوع من الرقابة الفكرية هو الذي يجعل الفكر السوسيولوجي معطلً، ويظل يعيد إنتاج نفسه من دون تجديد، ويعيد الدوران في الحلقة نفسها التي رسمها الرواد الأوائل، الذين كانوا منشغلين أصل بفهم المجتمع، لا بأحكام الزملاء وكيفية فهمهم لما أنتجه نظراؤهم.

(37) Barney G. Glaser & Anselm L. Strauss, The Discovery of Grounded Theory: Strategies for qualitative Research (New Brunswick; London: Aldine Transaction, 1967), pp. 30–31. (38) Ibid., p. 6. (39) Ibid., pp. 30–31. (40) Ibid., p. 7.

لكن إن كانت فكرة الخصوبة النظرية للميدان، والثقة في الذكاء العلمي للباحثين، وجرأتهم الفكرية، من شأنها إغناء النظرية السوسيولوجية، فإن هذا لا يعني التخلي عن قواعد البحث العلمي، وفتح المجال أمام العمل العشوائي الذي لا ينصاع لأي ضوابط، بحجة الابتكار؛ إذ إن التجديد ينبغي أن يتم في ظل احترام قوانين «العلم الجيد» science good The التي يلزم الاحتفاظ بها، مع إعادة تعريفها لكي تتناسب ووقائع الأبحاث الكيفية، وتعقيدات الظواهر الاجتماعية. ولقد بلور رواد النظرية المجذرة، في هذا الصدد، إطارًا منهجيًا للاشتغال بالميدان يحدد عددًا من الضوابط التي ينبغي أن يلتزم

بها الباحث خلال مختلف مراحل البحث. ولقد وجدت هذه المبادئ تطبيقاتها لاحقًا في مجال تحليل المحتوى بواسطة الحاسوب. لذا، عندما ننطلق من النظرية المجذرة، فليس لأن دعوة روادها، والمبدأ الذي حكمَهم في توجههم،

يجعلان الباب مفتوحًا أمام التجديد، بل لأن تطبيقات هذه النظرية مثّلت الأساس الذي قام عليه

استدماج التكنولوجيا في مجال البحث السوسيولوجي؛ إذ كان روادها من بين أوائل الباحثين الذين نادوا باعتماد البرامج المتخصصة في تحليل المعطيات الكيفية في إطار تشجيع التجديد في طرق البحث. ويعد برنامج أطلستي نموذجًا لهذا الدمج بين القاعدة النظرية للبحث السوسيولوجي،

وتطبيقاتها الفعلية في البرمجيات الخاصة بتحليل المحتوى الكيفي.

2. تحليل المحتوى الإلكتروني بواسطة الحاسوب «أطلس. تي. آي» نموذجًا

ينتمي أطلستي إلى برامج «كاكداس»CAQDAS؛ أي برمجيات تحليل محتوى المعطيات الكيفية بواسطة الحاسوب. وتعود البدايات الأولى لاعتماد هذا النوع من التقنيات الحاسوبية في البحث

الكيفي إلى سنة 1966؛ حيث نُشِر أول كتاب متخصص في تحليل المحتوى. كانت الإمكانات التي يوفرها هذا النمط من التحليل آنذاك منحصرة في حساب تردد الثيمات داخل المحتوى، ارتباط ا بسياقات معينة، فقد استمر العمل بالمنهج الذي بلوره باحثو جامعة هارفارد لأزيد من عقدين من الزمن. لكن ستُمثِّل أواخر الثمانينيات بداية التحول مع مجموعة من الباحثين في العلوم الاجتماعية الذين تمكنوا من تطوير أدوات حاسوبية أكثر تقدمًا؛ بحيث تسمح بترميز المحتوى، والكشف عن العلاقات

الموجودة بين الثيمات. وسيشهد هذا المجال بعد ذلك تطوير عدد من التقنيات التي تتيح إمكان معالجة المحتوى بأشكال مختلفة، اعتمادًا على مقاربات متعددة؛ سواء عبر التركيز على المستوى

(41) Juliet M. Corbin & Anselm Strauss, «Grounded Theory Research: Procedures, Canons, and Evaluative Criteria,» Qualitative Sociology , vol. 13, no. 1 (1990), pp. 3–21. (42) CAQDAS means: Computer – Aided Qualitative Data Analysis Software. (43) Philip J. Stone et al. (eds.), The general Inquirer: A Computer Approach to Content Analysis in the Behavioral Sciences (Cambridge: MIT Press, 1966). (44) Carl W. Roberts & Roel Popping, «Computer–supported Content Analysis: Some recent Developments,» Social Science Computer Review , vol. 11, no. 3 (1993), p. 283–291.

السميولوجي–الألسني، أو عبر اعتماد التحليل الشبكي، أو باللجوء إلى التحليل الخرائطي، وغيرها من التقنيات التي تختلف تبعًا لطبيعة البرنامج. ويُعد أطلستي واحدًا من هذه البرمجيات Softwares المتعددة الأدوات. وقد جرى تطوير أول

نموذج له في الفترة 1992–1989. ويتميز البرنامج، شأنه شأن غيره من برمجيات كاكداس، بقدرته على تدبير المعطيات، والمساعدة على التفكير النظري والتحليل. ويعمل بذلك على «الرفع من درجة صلاحية نتائج البحث خاصة فيما يتعلق بمرحلة بناء المفاهيم»، فضل عن كونه يتيح إمكانية الجمع بين المنهجين الكمي والكيفي؛ بالنظر إلى الاختيارات الكثيرة التي يتيحها للباحث. ويضع البرنامج في متناول المشتغل به عددًا من الأدوات التقنية التي تمكن من تخزين المعطيات،

وعرضها بطرق مختلفة؛ سواء من خلال توظيف «المذكرات» Memos بناءً على أسئلة البحث، أو

العرض التصويري للخطاطات المفاهيمية المتولدة من عملية الترميز، ودمجها تبعًا لنوع العلاقات

القائمة بينها من خلال توظيف «المشاهد الشبكية» views Networks، إضافة إلى عدد من الاختيارات الأخرى التي ما على الباحث إلا أن ينتقي من بينها ما يتناسب وموضوع بحثه، والكيفية التي يريد أن يقدمه بها. ويتأسس نظام عمل برنامج أطلستي على مبدأ الاشتغال بالوحدات الهيرمينوطيقية Hermeneutic Units؛ بحيث تمثِّل كل وحدة مشروعًا مصغرًا، لها وثائقها الأولية الخاصة بها، ورموزها، ومذكراتها،

وغيرها من العناصر التي تجعل منها وحدة قائمة الذات، مكتفية بذاتها، وفي إمكان الباحث أن يجعلها موضوعًا لاشتغاله، ولو مفردة في البحوث الصغرى. وسنعمل فيما يلي على إبراز الكيفية التي يمكن

بها استثمار هذا البرنامج في تحليل محتوى التفاعلات الإلكترونية من خلال الوقوف على المراحل

الكبرى المُوجِّهَة للبحث الميداني، مُطَبَّقة وفقًا لمقتضيات النظرية المجذرة.

أ. جمع المعطيات وأرشفتها

يعد أطلستي برنامجًا لتدبير المحتوى الرقمي، لذلك فإن مهماته الأساسية تتلخص في المساعدة على

تنظيم المعطيات وترميزها وتحليلها. ومن ثم فإن عملية جمع المعطيات، وإعدادها تبقى مهمة الباحث، الذي يكون مطالبًا بالبحث عن الطرق الملائمة لبناء أرشيف رقمي لمعطياته قبل نقلها إلى البرنامج.

وعليه، فإنه حالما يقرر الباحث الشروع في جمع المعطيات يُطرح مشكل كيفية انتقاء المحتوى الملائم

للدراسة؛ وذلك في ظل الكم الكبير للتدفقات المعلوماتية داخل الشبكات الاجتماعية، كما يُطرح

(45) Raymond M. Lee & Nigel Fielding, «Qualitative Data Analysis: Representations of a Technology: A comment on Coffey, Holbrook and Atkinson,» Sociological Research Online , vol. 1, no. 4 (1996), pp. 1–6. (46) Thomas Muhr, «Atlas. ti – A Prototype for the Support of Text Interpretation,» Qualitative Sociology , vol. 14, no. 4 (Winter 1991), pp. 349–371. (47) Christine A. Barry, «Choosing qualitative data analysis software: Atlas/ti and Nudist compared,» Sociological Research Online , vol. 3, no. 3 (1998), p. 1–13. (48) Susanne Friese, Qualitative Data Analysis with Atlas. ti , 2 nd ed. (London: Sage publications, 2014), pp. 25–26.

مشكل إيجاد الطريقة الملائمة لحفظ المعطيات وتخزينها. ويعود أصل هذه المشكلات إلى أن الخاصية الأساسية المحدِّدَة للمجتمع الافتراضي هي الوجود العَارِض، الذي لا يمكن للباحث أن

يضمن استمراره؛ إذ يمكن لعينة البحث أو أحد عناصرها، أن تختفي في أي لحظة من فضاء الدراسة، ولا يعود في إمكانه العثور عليها. لذا، على الرغم من أن ذاكرة الحاسوب تشتغل بمبدأ «لا شيء يضيع، كل شيء يحفظ»، فهذا لا يعني أن الباحثين في إمكانهم أن يلجؤوا إلى أي معطيات في أي وقت؛ ذلك أن قانون الخصوصية الذي أصبح يُشدِّدُ عليه مديرو الآلة، خاصة في السنوات الأخيرة، أضحى يحد من هذه الصلاحية، التي

غدت تضيق شيئًا فشيئًا. إلا أنها تضيق وتتسع تبعًا لنوع الصفحات، ونوع المعلومات التي يقصدها

الباحث؛ أي هل أنها تندرج فيما هو عمومي أو ما هو خصوصي. فلكل نوع مقتضياته على مستوى تدبير الخصوصية، والهوامش المسموح بها من أجل الوصول إليها أو التمكن من استثمارها. لكن يظل هناك مبدآن أساسيان ينبغي أن يوجها الباحث عندما يهم بجمع المعطيات من الشبكات الاجتماعية. فالمبدأ الأول هو لا تؤجل ما يمكن تحميله الآن إلى الغد، لأن هناك دائمًا احتمال قائمًا

لاختفاء بعض البيانات، والمبدأ الثاني هو ضرورة تحميل فائض في المعطيات؛ إذ إن مفهوم الإشباع فيما يتعلق بمحتوى التفاعلات الإلكترونية، لا ينبغي أن يُفهم بناءً على قاعدة العدد المطلوب في عينة

البحث، بل أن يكون موجهًا بمبدأ مضاعفة حجم العدد المفترض، أو إضافة ما يعادل النصف أو الثلث، بالنظر إلى الاحتمالات الكبيرة لتقلص الحجم الأصلي للعينة خلال فترة السحب. ويندرج هذا الإجراء في إطار سياسة التدابير الوقائية للبحث التي من شأنها تجنيب الباحث المشاكل الناجمة عن إقصاء الوحدات التفاعلية الإلكترونية التي لا تجتاز اختبار الصلاحية خلال مرحلة تصفية المحتوى وانتقائه، والتي يكون عددها كبيرًا في بعض الحالات. كما أن هذا الإجراء يمكنه أن يكون

حلًاستباقيًا في حالة ضياع بعض الملفات الرقمية التي سبق تحميلها على الحاسوب. ويمكن تجاوز مشكل عدم صلاحية بعض أجزاء المحتوى الرقمي عبر وضع معايير دقيقة لانتقاء الوحدات التفاعلية التي ستمثِّل موضوعًا للدراسة وعناصرها الجزئية، قبل انطلاق عملية جمع المعطيات. إلا أن الإشكال الذي يُطرح هنا هو أن الالتزام بمعايير خاصة، يتطلب من الباحث أن يقوم

بقراءة شمولية ومركزة للتعليقات قبل العمل على تحميلها، لتحديد الملائم منها من عدمه، وهي عملية تتطلب كثيرًا من الوقت والجهد، وتقتضي أن يكون الباحث قد حسم نهائيًا في اختياراته المنهجية، مع

العلم أن الصفحات عند تحميلها، تُحَمَّل كاملةً من دون إمكانية انتقاء تعليقات مُفْرَدة؛ لأن هذا العمل

يقوم به الباحث عندما ينتقل إلى مرحلة الانتقاء المُرَكَّز للمعطيات. لذلك، وتفاديًا لإهدار الوقت في كل مرة، ينبغي للباحث أن يجعل أولويته الأساسية تحميل الملفات

وتفادي ضياعها، والتركيز على معيارين أساسيين، هما: عدد التعليقات الإلكترونية، الذي ينبغي أن يغطي حجم العينة ويزيد عليها بنسبة كافية، ثم معيار ارتباط موضوع التفاعلات بقضايا إشكالية

الدراسة. ويعني هذا ضرورة الاطلاع سريعًا على جزء من التدوينات لمعرفة موضوع النقاش، ثم العمل

على تحميل الملفات. ونشير هنا إلى أن هناك تقنيات متعددة يمكن اعتمادها في جمع المعطيات وتخزينها؛ وذلك عبر اللجوء إلى خدمات البرمجيات المتخصصة في التقاط محتوى شبكات التواصل الاجتماعي وتسجيله. إلا أن هذه التقنيات الرقمية لا تفتأ تكشف عن محدوديتها؛ فإما أنها تكون غير مُكيَّفة للاشتغال مع

جميع برامج تحليل المحتوى، كما هو الحال مع تقنية NCapture التي صُمِّمَت للاشتغال مع برنامج

»«نفيفو Nvivo فقط، وإما أنها لا تقوم بجمع كافة المعطيات المطلوبة وفهرستها، بالنظر إلى «الإكراهات التقنية التي تفرضها الشبكات الاجتماعية فيما يتعلق بحجم البيانات التي ينبغي التقاطها في اليوم». ويعني هذا أن عددًا من المحتويات قد تكون ذات أهمية بالنسبة إلى البحث، بينما لا يشملها التخزين؛ لذا فإن الطريقة التي تبقى ملائمة، إلى حد الآن، هي طريقة التخزين المعروفة التي يتيحها «فاير فوكس» Firefox عبر التقاط صور الشاشات المقصودة بالتحميل، وحفظها على الحاسوب بصيغة ملائمة.

ب. إعداد المعطيات: مرحلة ما قبل الترميز

لا يعد الانتهاء من تحميل الملفات الرقمية إيذانًا بجاهزيتها للنقل إلى أطلستي؛ إذ ينبغي إعداد الملفات قبل نقلها إلى البرنامج بالنظر إلى كونها لا تُقبل في جميع صيغها. لذا فإن كانت الملفات الرقمية التي سيجري ترميزها قد تم حفظها، أثناء مرحلة جمع المعطيات، في صورة ملفات مضغوطة HTML، فإنه يلزم العمل على تحويلها إلى صيغة ملفات رقمية غير مضغوطة، معروفة باسم «ريتشي» RTF؛ لأنها الصيغة التي تتعرَّف إليها، وتقبلها معظم البرمجيات الخاصة بمعالجة النصوص. يكون من الأفضل، إذ ا، أخذ الاحتياطات والتدابير اللازمة منذ انطلاق مرحلة جمع المعطيات عبر حفظها بالطريقة الملائمة، لا الانتظار إلى حين الشروع في عملية الترميز. كما يلزم التنبيه هنا، فضلً عن أن برنامج أطلستي لا يقبل الملفات المضغوطة، إلى مشكلٍ آخر مطروح، هو إمكانية ضياع المعطيات في أي وقت؛ بسبب نقل الملفات من مكان إلى آخر على الحاسوب الشخصي، أو تغيير عنوانها، أو عدم تخزينها على نحو ملائم. لذا، من اللازم أخذ هذا الأمر في الحسبان أثناء تخزين الملفات، خاصة أن الفترة الفاصلة بين جمع المعطيات وترميزها قد تكون طويلة، ولا يكون هناك متسع من الوقت لتدارك هذا النوع من الأخطاء إذا وقعت. وعلى الرغم من أن برنامج أطلستي يقبل معالجة مختلف أنواع الموارد الرقمية، فإنه يجدر بالباحث أن يعمل خلال مرحلة إعداد الملفات على «تَنْقية» ملفاته من كل الزوائد التي لن يحتاج إليها، من أجل تيسير سيرورة إنجاز المهمات داخل البرنامج، وتسريع وتيرتها؛ إذ إن ما يلاحظ في هذا الصدد أنه رغم

(49) Gersende Blanchard & Stéphanie Wojcik, «Archiver le Web: Quelques méthodes, outils et techniques,» in: Barats. (50) RTF signifie: Rich Text Format.

الطاقة الاستيعابية الكبيرة للبرنامج، فإن الوثائق الأولية التي يجري ترميزها عندما تكون كبيرة الحجم، تؤثر نوعًا ما في وتيرة عملية الترميز؛ ذلك أن وتيرتها تصبح أبطأ من جراء بطء الحاسوب في الانتقال من تعليق إلى آخر أثناء رقن الرموز. إن القاعدة التي ينبغي أن توجه الباحث، خلال مرحلة إعداد الوثائق الأولية للترميز، هي الحرص على الاحتفاظ بعدد التعليقات الكافي الذي من شأنه أن يغطي الحجم المطلوب للعينة، ويسمح بتعويض التدوينات الملغية إن وجدت أما الزوائد فيلزم حذفها من الملفات قبل نقل الوثائق نحو البرنامج.

ج. ترميز المعطيات

يسود اعتقاد لدى الباحثين، المبتدئين في الغالب، مفاده أن اعتماد برنامج لتحليل المحتوى معناه أن

الحاسوب سيقوم بمختلف المهمات المتعلقة بالتفريغ والترميز بدلً من الباحث، وهو أمر غير صحيح؛ لأن «البرمجيات الخاصة بتحليل المعطيات الكيفية هي مجرد أداة تساعد على التحليل، لكنها لا تحل محل الباحث». صحيح أنها تقوم بعمل مهم جدًّا فيما يتعلق بتنظيم المعطيات، وتصنيفها، وتكميمها، وجعلها متاحة للمحلل في صيغ متعددة تسَهِّل عليه إمكانية الاطلاع عليها واستثمارها، إلا

أن جودة بناء المعطيات تظل مرتهنة بالباحث، لأنه هو الذي يقوم بمختلف عمليات الترميز. لذا، كلما

أُنجزت هذه العملية على النحو المطلوب، فإنها تؤثر على نحو إيجابي في العمليات الأخرى، التي ما هي إلا انعكاس لها؛ إذ يعكسها البرنامج عبر أدواته المختلفة بعد أن يُنهي الباحث مهمته. إذًا، تقتضي عملية الترميز من الباحث السوسيولوجي وعيًا قبليًا بالإطار النظري الذي سيحكمه غداة

إنجازه هذه المهمة، ووعيًا باختياراته المنهجية فيما يتعلق بنوع/ أنواع الترميز التي سيتبناها. لكن تكشف

لنا قراءة الأدبيات الخاصة بتحليل المحتوى عن وجود مقاربات متعددة في الترميز، بقدر ما تكشف لنا الدراسات المعتمدة لهذه التقنية عن ملاحظة عامة؛ هي غياب ذلك الوعي بالإطار النظري لدى عدد كبير من الباحثين. فما يلاحظ في هذا الصدد هو سيادة توجه يقوم على تقديم نتائج تفريغ المعطيات،

بعد وصفٍ مقتضبٍ لمنهجية البحث، من دون توضيحٍ للمسار الذي حَكمَ الباحث في إنجاز عملية

الترميز، ولا المرجعية النظرية التي استند إليها في ذلك، ولا نوع الترميز الذي سيتبناه. وإذا كانت هذه الملاحظة تنطبق على الدراسات المعتمدة لتقنية تحليل المحتوى في صيغتها المألوفة، فإنها تنطبق، كذلك، على غيرها من الدراسات المعتمدة للمناهج الرقمية. يمكننا حصر المقاربات الكبرى للترميز، عمومًا، في ثلاث مقاربات أساسية تستمد أسسها من ثلاثة

مناهج كبرى؛ هي المقاربة الاستنباطية، والمقاربة الاستقرائية، ثم المقاربة المقارناتية. تحيل الأولى والثانية على المقاربتين السائدتين في الدراسات الكيفية، عمومًا، بينما تحيل المقاربة الثالثة على طرق

الترميز كما بلورها منظرو النظرية المجذرة تحت اسم «المنهج المقارن المستمر». ويقوم هذا

(51) Friese, p. 25. (52) Glaser & Strauss, pp. 105–107.

المنهج على الجمع بين المنهجين السابقين ويزيد عليهما ببعض الخصائص، وعلى رأسها عملية المقارنة المستمرة التي تعدُّ الخاصية الأساسية المميزة لهذا المنهج، والمبدأ الموجه لعملية توليد النظرية انطلاقًا من المعطيات الميدانية. يسهل برنامج أطلستي، في هذا الإطار، عملية الترميز عبر فتح المجال للباحث أن يختار بين مقاربات الترميز المشار إليها سلفًا؛ وذلك تبعًا لما يراه ملائمًا للاشتغال بمعطياته؛ إذ يمكن أن يعتمد الطريقة

الاستنباطية ويفعّلها بطريقتين، إما عبر العمل على استيراد رموز مبنية من مصادر خارجية وتطبيقها على

المحتوى، وإما عبر اعتماد ما يمكن أن نسميه ترميزًا (ضمنيًا)، حيث يكون الباحث موجهًا ببعض

المفاهيم أو الثيمات الأساسية التي يحاول أن يرصدها انطلاقًا من قراءة في المحتوى، من دون أن يحتاج في ذلك إلى ترميزٍ ظاهرٍ للمعطيات؛ لأن هدفه هو استنباط بعض الفئات التي لها دلالة بالنسبة إلى سؤال البحث. كما يمكن اعتماد الطريقة الاستقرائية وتفعيلها من خلال استعمال طريقة الترميز الآلي Vivo In Code التي يتيحها البرنامج. وينبني هذا النوع من الترميز الظاهر على مفهوم «إن فيفو» Vivo In الذي يستعمله ستروس وغلاسر في الإحالة على «ما يكتشفه أو يراه الباحث داخل الميدان؛ أي في الوضعيات التفاعلية الحية. وينطبق هذا المعنى على صيغة الترميز إنفيفو داخل أطلستي. ويفيد تبني هذه الصيغة في ترميز المحتوى الرقمي–التفاعلي ما يلي: اعتماد لغة المبحرين–المعلقين، أو منطوق الوحدات التفاعلية الإلكترونية، أكثر من اعتماد لغة الباحث. ويهيئ الاشتغال بالنظرية المجذرة إمكانية الجمع بين الطريقتين السابقتين، كما أشرنا سابقًا. لذا، يقتضي العمل بمبادئ هذه النظرية من الباحث المشتغل ببرنامج أطلستي أن يعتمد ثلاث صيغ في الترميز، يتنقل بموجبها عبر ثلاثة مستويات متراتبة؛ هي الترميز المفتوح، والترميز المحوري، ثم الترميز الانتقائي. ينبني المستوى الأول للترميز على عمل أولي مقارن يقوم فيه الباحث ببناء فئات للتصنيف، مع تحديد الخصائص المرتبطة بها، انطلاقًا من رصد التقاطعات، ونقط الاختلاف القائمة بين عناصر الوحدات التفاعلية. ويتم ترميز المحتوى بناءً على التسميات الدالة على هذه الفئات وخصائصها. لذا يمكن في هذه الحالة استيراد فئات من مصدر خارجي ودمجها داخل لائحة الرموز، ثم العمل على رصدها، ورصد مؤشراتها داخل الوثائق الأولية المُشَكِّلَة للمحتوى. كما يمكن استخراج الفئات اعتمادًا على

عملية استقراء شمولية للمحتوى الرقمي، لرصد طبيعة اللغة المستعملة من طرف المبحرين في التفاعلات الإلكترونية، ثم اللجوء إلى استخدام اختيار الترميز على طريقة «إن فيفو.»

(53) Ibid., p. 40.

(((5 للتوسع أكثر في هذا الشأن، يمكن العودة إلى:

Corbin & Strauss, pp. 3–21.

يتم الانتقال في المستوى الثاني إلى ربط الفئات بخصائصها ودمجها داخلها لتشكيل فئات عامة وأخرى فرعية، والكشف عن طبيعة العلاقات الرابطة بينها. ويصبح الترميز بعد ذلك موجهًا تبعًا للائحة

الرموز المختصرة. وينتقل الباحث بذلك من المستوى الوصفي نحو المستوى المجرد، عبر عملية اختزال لمجال الخصائص المشتركة في مفاهيم مركزة من مستوى أعلى من التجريد. ويمثِّل المستوى الثالث من الترميز ذروة عملية التحليل؛ لأنه يقوم على أساس الكشف عن الفئة أو الفئات المركزية التي يتمحور حولها سؤال الدراسة. فهذه الفئة تمثِّل الخيط الناظم الذي يربط بين كل الفئات والمفاهيم التي أسفر عنها ترميز المحتوى وتحليله. وبذلك، تمثِّل هذه المرحلة المستوى الأخير في عملية التجريد والاختزال المفاهيمية التي من شأنها أن تقود الباحث إلى بلورة الصيغة النهائية لأطروحته النظرية بمفاهيم صورية ومجردة. من هنا، يبدو أن الترميز وفقًا للمنهج المقارن ينبني على منطق «الترميز الدوري»؛ بحيث تكون لائحة الرموز في الدورة الأولى موسعة جدًا، تتأسس على علاقة مباشرة بمعطيات الميدان، وتكون أشد تجذرًا فيه. ثم تبدأ هذه اللائحة في التقلص، شيئًا فشيئًا، مرورًا بكل دورة في الترميز؛ بحيث يمثِّل

الانتقال بين الدورات ارتقاءً في مستويات بناء النظرية. يسمح منطق الترميز داخل أطلستي بأجرأة هذه المستويات بمنطقها الدوري من خلال أنواع الرموز التي يتيحها للباحث؛ وهي الرموز العادية التي تظهر في لائحة الترميز أثناء الاشتغال على الوحدات التفاعلية، وعائلة الرموز codes Family، ثم الرموز العليا Super–codes، فهذه المنظومة الثلاثية الأبعاد تتيح إقامة نوع من التراتبية داخل لائحة الرموز، تبعًا لمستوى الكثافة المفاهيمية الذي يتم

رصده، انطلاقًا من حجم التكرار المسجَّل، وعدد العلاقات التي تربط كل مفهوم بغيره من الفئات

والمفاهيم. تُبنى منظومة الترميز إذًا، عبر سيرورة متواصلة من المقارنة بين الرموز من أجل ضبطها، وتعديلها بغية الوصول إلى الصيغ التركيبية الملائمة، والأدق، والتي تختزل أكبر عدد من الصفات. ولا يشذّ الاشتغال بالمحتوى الرقمي عن القاعدة العامة التي تحكم تحليل المحتوى، والقاضية بأن «تعديل الرموز والمفاهيم هو جزء لا يتجزأ من سيرورة تحليل المعطيات الكيفية»؛ لأنه كلما تقدم الباحث في

الترميز، وجد نفسه أمام معطيات جديدة يكشف عنها النص، وتبدو معها الفئة أو المفهوم، الذي اعتُم د

في الترميز من قبل، لا يغطّيها على نحو شمولي؛ لذلك يلزم البحث عندئذٍ عن مفهوم تركيبي أدق، وأشمل، يسع المعطيات الجديدة، والمشابهة لغيرها. وعندما تُطرح مسألة تعديل الرموز في إطار سيرورة إعادة الاشتغال المستمرة كما يفترضها المنهج المقارن؛ فهي لا تُطرح بوصفها عملية ملازمة لمرحلة الترميز في انفصال عن مرحلة جمع المعطيات

(55) Jonny Saldaña, The Coding Manual for Qualitative Researchers (London: Sage Publications, 2009), p. 149. (56) Friese, p. 27.

ومرحلة التحليل، بل إن كل العمليات تسير على نحو موازٍ، في إطار حركة ذهاب وإياب مستمرة. ولئن كان عدد من الأبحاث قد دأب على «التركيز على إحدى هذه العمليات في وقت معين وإهمال الأخريين، فإن هذا النوع من الفصل هو الذي يعوق توليد النظرية»؛ لأن منطق التوليد يقتضي أن «تختلط هذه العمليات الثلاث فيما بينها، وتتداخل على نحو مستمر من بداية البحث إلى نهايته»، فهذا الشكل من الحوار المستمر الذي يقيمه الباحث بين مراحل البحث الميداني عبر المقارنة بين عناصر (رزنامة) الرموز، والكشف عن بياضاتها، والتأمل فيها، والتعليق عليها، ثم العودة إلى الميدان لاستدراك ما فَوّتَهُ البحث الإمبريقي، هو الذي من شأنه أن يسمح باستكشاف الجديد. وتتيح الأدوات التي يتضمنها أطلستي، ومنطق اشتغالها، تفعيل عملية الذهاب والإياب بين هذه المراحل الثلاث، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالاشتغال بالتفاعلات الإلكترونية؛ ذلك أن الباحث يكون مطالبًا باستمرار، بالعودة إلى الميدان الرقمي؛ إما للتحقق من بعض المعطيات، وإما تعويضها في حالة

إلغاء بعض العناصر داخل الوحدة التفاعلية، ولم يَك فِ فائض العينة لتغطيتها، وإما لتكثيفها بغية تعميق معرفته ببعض القضايا، عبر إضافة وحدات هيرمينوطيقية جديدة تسمح له بإنجاز بعض المقارنات. ويقدم تحليل المحتوى، بواسطة الحاسوب في هذا المستوى، حل لعدد من المشكلات التي تعترض الباحث غداة اعتماده المناهج المألوفة في الاشتغال بالتفاعلات الإلكترونية. وترتد هذه المشاكل إلى صعوبة تدبير الوثائق الرقمية المتضمنة لتفاعلات المبحرين، وخاصة عندما تكون العينة كبيرة، ويكون الباحث مطالبًا بالاشتغال بوثائق متعددة من أجل عدِّ التكرارات، واستخراج الفئات، والمقارنة بين

عناصر الوحدات التفاعلية، وتسجيل النتائج المستنبطة في كل مرة، وغيرها من العمليات. ويقتضي القيام بكل ذلك التنقل، في الوقت نفسه، بين عدد من الملفات المفتوحة على الحاسوب، أو التنقل بين وثائق على الحاسوب وأخرى ورقية، وغيرها من الوضعيات التي يرتبها الباحث لتدبير المعطيات الرقمية المجمعة أثناء مرحلة الترميز. وتزداد حدة هذه المشاكل عندما يرغب الباحث في اقتباس الاستشهادات من المحتوى الرقمي، وخاصة بعد مرور فترة على إنجاز الترميز، حيث يجد نفسه يعود على نحو مستمر إلى الوراء، ليعيد تكرار عمليات سبق له القيام بها. إن مرَدَّ هذا الإشكال إلى أن المقارنة بين عناصر الوحدات التفاعلية

من أجل ترميزها، والعودة إلى تصفح الاستشهادات من أجل الاقتباس منها، هو عمل يعتمد فيه الباحث، غالبًا، على الذاكرة. لذلك، فالمشكل الذي يطرح عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الوثائق الرقمية، وحتى

الورقية، هو مشكل النسيان. وبناءً عليه، فإن عملية الترميز لا تخلو بذلك من أخطاء؛ إما في عَد التكرارات، وإما في تقدير مدى صلاحية فئات الترميز لبعض المقاطع من عدمها، وهو أمرٌ يؤثر في

جودتها، وجودة المعطيات المستخرجة منها.

(57) Glaser & Strauss, p. 43.

تسمح برمجيات تحليل المحتوى بواسطة الحاسوب بتجاوز هذا النوع من المشكلات بالنظر إلى أن تكنولوجيا الحاسوب تقدم نفسها في هذا السياق بوصفها «امتدادًا لذاكرتنا». وتعبر فعالية هذه الذاكرة الرقمية عن نفسها داخل برنامج أطلستي من خلال قدرته على تنظيم عدد كبير من المعطيات على نحو فعال، وتصنيف التعليقات الإلكترونية المُرَمّزَة، فيسهِّل بذلك مراجعتها، والتحقق منها في أي

لحظة، وفي وقت وجيز، موفرًا بذلك على المحلل كثيرًا من الوقت والجهد، كما يُيَسِّر عملية تعديل

الرموز وتنقيحها؛ لأنه يكفي تغيير الرمز المقصود في وحدة معينة ليسري التعديل آليًّا على كل المقاطع

التي سبق أن استُعْمِل فيها الرمز نفسه. لكن بقدر ما يبدو هذا الإجراء فعالً ومفيدًا في هذا السياق، فإنه يكشف عن نفسه بوصفه سيفًا ذا حدين، يقتضي التعامل معه بحذر؛ إذ ينبغي للباحث أن يستحضر دائمًا أثناء العمل بأطلستي أن «إعادة

تسمية الرموز هو اختيار شمولي». لذلك، بقدر ما تعالج هذه الاستراتيجية مشاكل تقع في الترميز،

فإنها تُوقِع صاحبها في مشكل آخر إذا ما طُبِّقت على نحوٍ خاطئٍ، أو في غير محلها. وخاصة عندما

يكون الباحث قد تقدم على نحو كبير في سيرورة الترميز؛ إذ يتمخض عنها، آليًا، تغيير ترميز مقاطع لم

تكن مقصودة بالتعديل. ويعني هذا أنه يلزم التأني، والتفكير مليًا، قبل تطبيق قرار تعديل أسماء الرموز،

لأن اختيار الرجوع إلى الوراء والتراجع عن التعديلات بعد تطبيقها بتفعيل زر «الإبطال» Undo غير متوافر في أطلستي في النسخ المتاحة إلى حد الآن. ولئن كانت هذه الملاحظة تكشف عن الرمز في البداية بوصفه «إشارة بوظيفة تقنية» ينبغي أن يُحْس ن

الباحث تدبيرها، فإنها تكشف عنه أيضًا بوصفه «إشارة بوظيفة ميثودولوجية، تحتاج إلى مُؤوِّل

إنساني» يُحسن قراءة الدلالة وتأويلها في الوقت المناسب. لذا، إن كان توليد النظرية يقتضي أن

يكون التحليل ملازمًا لمرحلة الترميز، فإن ذلك يقتضي من الباحث أن يتوقف في اللحظات الملائمة عندما تسائله المعطيات عن ترميزه. وتمثّل المذكرات داخل أطلستي أداة أساسية يمكن توظيفها من أجل تسجيل الملاحظات والاستنتاجات التي يستخلصها الباحث يوميًا فهذه اليوميات تصبح المادة

الأساسية التي يستند إليها أثناء تحرير نتائج بحثه، وتأويل المعطيات، والتركيب بينها؛ وذلك بعد أن يكون قد طورها، شيئًا فشيئًا، استنادًا إلى أسئلة البحث، عبر إقامة علاقات بينية فيما بينها، أو بينها وبين الرموز التي تبدو مترابطة معها. ولئن كانت الصياغة التجريدية للأفكار والارتقاء بها إلى مستويات أعلى في البناء النظري تستلزم بناء خطاطات ذهنية، فإن تفعيل تقنية المشاهد الشبكية داخل أطلستي ليتيح للباحث إمكانية إضفاء البعد

(58) Ertzscheid, p. 57 (59) Friese, p. 168.

(((6 نشير هنا إلى أن النسخة التي نشتغل بها هي Atlas. ti 7، وربما قد يتم تدارك هذا الأمر في النسخ المستقبلية للبرنامج عبر تزويده بزر الإبطال؛ لإتاحة الأمر لمستعمليه بالتراجع عن التعديلات غير المرغوب فيها في نظام الترميز.

(61) Friese, p. 274.

الحسي على هذه الخطاطات الذهنية عبر «جعل تفكيره مرئيًا»، من خلال الربط بين المفاهيم التي

بلورها على امتداد مرحلة الترميز. فإضافةً إلى كون هذا النوع من الشبكات المفاهيمية يسمح بتنشيط ذاكرة الباحث باستمرار عبر جعل كل عناصر عُدَّة الترميز مرئية، فإنه يسمح كذلك بالرفع من مستويات

التجريد أثناء تحليل المعطيات؛ بالنظر إلى كونه يتيح إمكانية بناء علاقات منطقية مختلفة بين العُقَد

Nodes المُشَكِّلَة لبنية المشهد الشبكي. إذًا، إن ما يمكن أن نخلص إليه في هذا المستوى من التحليل أن ذلك النوع من الحركة الجدلية في العمل الميداني، عبر التحرك بمنطق ثلاثي بين جمع المعطيات، وترميزها، وتحليلها؛ والذي يفترضه الاشتغال بمبادئ النظرية المجذرة، هو الذي يكشف عن نفسه عمليًا، انطلاقًا من هذه القراءة في

مختلف الأدوات والتقنيات المُشَكِّلة لبنية برنامج أطلستي. فما نلاحظه في هذا الصدد هو أن هذه البنية

تُوحِّدُ داخلها عددًا من الأدوات الموجودة على نحو منفصل، سواء في مناهج البحث المألوفة، أو في

برمجيات البحث الرقمية، ومن ثم تسمح للباحث بأن يقارب معطياته بطرق مختلفة، ومن زوايا متعددة،

لتفتح أمامه إمكانات واسعة من أجل النظر فيها، والانتقال على نحو تدريجي من نظرية مجذرة ميدانيًا

إلى نظرية صورية تمتلك قابلية التعميم، متى استوفت شروط الصِّحة العلمية.

استنتاجات

إن ما يمكن أن نستنتجه، انطلاقًا من كل ما سبق، هو أن الفضاءات الافتراضية بقدر ما أضحت تطرح نفسها اليوم بوصفها فضاءات للاجتماع البشري، أضحت تُقدِّم نفسها بوصفها ميدانًا جديدًا للبحث الاجتماعي، له خصوصيته التي تميزه من ميادين البحث المألوفة. لكن إن كان سؤال تجديد مناهج

البحث السوسيولوجي قد طرَح نفسه بإلحاح من جراء تغير طبيعة المعطيات التي يشتغل بها الباحث،

فإن مقاربة هذا السؤال تمت عبر التركيز على أثر الفضاء الرقمي في مناهج البحث الاجتماعي، وما أضاف إليها، من دون التساؤل حول القيمة المضافة التي يمكن أن تضيفها رقْمنَة المناهج إلى البحث

الاجتماعي عمومًا. وقد تحَوَّل النقاش بين الباحثين، في بدايته، من نقاش حول الكيفية التي ينبغي أن تُقَارَب بها المعطيات

الرقمية، إلى سجال حول فكرة التجديد المنهجي في حد ذاتها، ومدى مشروعية الحديث عنها. وعوضًا عن أن يفضي النقاش العلمي إلى تحقيق إضافات نوعية على مستوى طرق البحث ومنهجياته؛ فإنه تحَوَّل في كثير من الأحيان إلى صراع وتنافس حول تأكيد الذات بين طرفين؛ أحدهما يحاول أن يؤسس

لتيار جديد في البحث الاجتماعي، بتقاليد بحثية جديدة، وثانيهما يسعى إلى إثبات فكرة مفادها أن كل جديد منهجي ما هو إلا استعادة للقديم، وإعادة اشتغال به بصيغ أخرى. لكن النقاش الذي بدأ في العقدين الأخيرين بوصفه نقاشًا حول مسألة تجديد المنهج، ارتباط ا بالفضاءات الرقمية، لم يعد يَطرح نفسه، في السنوات الأخيرة، من جهة أنه مجرد نقاش حول تجديد

(62) Zdeněk Konopásek, «Making Thinking Visible with Atlas. ti: Computer Assisted Qualitative Analysis as Textual Practices,» Historical Social Research/Historische Sozialforschung , no. 19 (2007).

المفاهيم والمناهج. فلقد بدأ يتحول، تدريجيًا، إلى نقاش حول أدوار الفاعلين داخل البحث

الاجتماعي، وحقهم في استثمار المعطيات داخل ميدان رقمي تغيرت فيه مواصفات الباحث الاجتماعي، وتغيرت معها الحدود التي تفصله عمّا عداه من الباحثين المتخصصين، أو حتى غير

المتخصصين، الذين أصبحوا يقدمون أنفسهم بوصفهم منافسين في ميدان لطالما كان مخصوصًا له. لقد أصبح هذا التحول يستدعي من الجماعات العلمية للباحثين الأكاديميين اليوم أن تُعيد تقييم هذا الوضع، وأن تتساءل عن مآل البحث السوسيولوجي داخل حقبة رقمية أصبحت فيها التدفقات

المعلوماتية التي تنقل حياة الأشخاص ومعيشهم اليومي تُغري كل مبحر باستثمارها، وتَخل ق لديه نوعًا

من «الاعتقاد الزائف» بممارسة البحث العلمي، وتمَل ك أدواته. كما أصبحت هذه المساءلة تفرض

نفسها في وقت أضحت فيه أرشيفات المعطيات الضخمة، ومناهج البحث الرقمية، باهظة التكلفة، متاحة، على نحو واسع، للنخبة المتحكمة في الشبكات الافتراضية ومموليها، أكثر مما هي متاحة للباحث الأكاديمي. لذا، إنْ كانت فكرة إعادة توزيع المناهج قد سبق أن ط رحت ارتباطًا بإعادة تقسيم الأدوار بين متدخلين

مُفترَضِين متعددين، فإننا نعيد طرحها هنا من منطلق إعادة توزيعٍ للمناهج بين فضاءات البحث الفعلية

ونظيرتها الافتراضية؛ أي أنْ تصبح العلاقة بينها تفاعلية وتكاملية، قائمة على عمليتَي تصدير واستيراد مستمرتين للمفاهيم، والتقنيات، والأدوات المنهجية، وأن لا تُحوَّل إلى علاقة صراع حول أحقية امتلاك

المناهج، ومشروعية الاستفراد بها؛ لأن المناهج لم تكن يومًا غاية في ذاتها، بل مجرد وسيلة لبناء

المعرفة. إن الفكرة التي نطرحها هنا هي تجديد المنهج من أجل التجديد النظري؛ أي التجديد خدمةً للنظرية السوسيولوجية في شكلها العام، بغية إنتاج نماذج تفسيرية لفهم مختلف الأشكال الاجتماعية، فعلية كانت أو افتراضيةً، ويعني ذلك هدم الحدود المصطنعة بين المناهج. لكن إعادة بناء العلاقة بين هذه المناهج، على اختلافها، مألوفة كانت أو افتراضية أو رقمية، وملاءمتها مع طبيعة ميدان الدراسة، ومع طبيعة المعطيات المنْتجَة داخله، تقتضي أن يواكبها تساؤل أساسي حول إشكالية تدبير الآثار الرقمية،

والأخلاقيات الضابطة لاستثمارها. لذا، فإن ما يمكن أن ننتهي إليه، انطلاقًا من دراسة إشكالية تجديد مناهج البحث، هو أن التجديد بقدر ما يستدعي تحقيق تراكم نوعي على مستوى تقنيات البحث وأدواته، والمفاهيم المرتبطة بها، فإنه يستدعي أيضًا، تفكيرًا عميقًا في الأسئلة الديونتولوجية التي يطرحها الاشتغال بالأرشيفات الرقمية؛ بما

هي أرشيفات توثِّق تجارب الأفراد وحياتهم الخاصة والحميمة. هناك حاجة ماسة اليوم، إذ ا، إلى بناء ميثاق لأخلاقيات البحث داخل الفضاء الرقمي، يكون في إمكانه ضمان حق الباحث الأكاديمي في البحث، وضمان حق الأفراد في الخصوصية. كما أن الإمكانات اللامحدودة التي يتيحها الفضاء الرقمي، فيما يتعلق بالإنتاج وإعادة الإنتاج التلقائي للمعطيات، وسهولة الولوج إليها، والإمكانات الكبيرة التي توفرها البرمجيات المتخصصة في معالجة

البيانات، ينبغي أن لا تحجب عن الباحث الإشكالات المنهجية العديدة التي تعد جزءًا لا يتجزأ من

خصوصيات الميدان الذي يشتغل به؛ كمسألة مجهولية الهوية، وصعوبة الحصول على المعطيات السوسيو–ديموغرافية، أو صعوبة التأكد منها، وغياب إمكانية التفاوض حول المعنى مع العناصر المبحوثة؛ وذلك في الحالات التي يكون فيها البحث محصورًا في حدود ما تُقدِّمه الآثار الرقمية في

غياب منتجيها، وغيرها من الإشكالات الأخرى. وبناءً عليه، واستنادًا إلى كل ما سبق عرضه، يمكننا الإقرار بأن النقاش الذي فُتح، ارتباط ا بإشكالية

البحث داخل الفضاءات الرقمية ما زال يستدعي كثيرًا من الاجتهاد والعمل البحثي؛ من أجل الإحاطة

بمختلف الأسئلة المطروحة، وتدبير الإكراهات التي تلازم البحث داخل مجتمع افتراضي بمورفولوجية وفيزيولوجية خاصتين، يصعب بناء خارطة نهائية لبنيتها، أو التنبؤ بمساراتها.

خاتمة

لئن كان العصر الرقمي، عصر المعطيات الضخمة، يعيد اليوم طرح سؤال الموضوعية في مستوى آخر،

ارتباطًا بطرق استثمار هذه المعطيات، وأهدافها، وغاياتها الكبرى، والخلفيات الكامنة وراءها، فإن الباحثين السوسيولوجيين مدعوون اليوم إلى الانخراط في نقاش حقيقي حول مستقبل البحث السوسيولوجي في زمن المعطيات المفتوحة التي تنتج من دون طلب مسبق، وفي زمن الأرشيفات الحية التي تطرح السؤال حول تدبير ملكية الوثائق الإلكترونية. إنهم مدعوون إلى تأمل واقع مناهج البحث الاجتماعي في صيغتها الرقمية، واستشراف مستقبل السوسيولوجيا في حقبة أضحت فيها، مناهجها ومعارفها، تسير نحو الخوصصة بسبب احتكار تقنيات البحث، واحتكار المعرفة التي تنتجها من طرف مُلَّك رأس المال المادي والبشري، ومُلَّك منصات التواصل الاجتماعي. لذا، فعوضًا عن تركيز التساؤل حول ما الذي يمكن أن نسميه اليوم تجديدًا منهجيًا، ومن الذي يمتلك

مشروعية هذه التسمية، يلزمنا التساؤل عن الكيفية التي يمكن أن نصل بها إلى توظيف أمثل للأرشيفات الرقمية التي أصبحت مفتوحة أمام المتخصص والهاوي. لذلك، لا ينبغي أن يُختزل سؤال تجديد

المنهج في تنافس حول الأسبقية في تسجيل «براءات اختراع» مفاهيمية وتقنية، أو نفي جِدَّتها وأصالتها، بل ينبغي أن يتحول إلى اجتهاد مستمر من أجل تطوير أطر نظرية، وتقنيات، وقواعد ميثودولوجية وديونتولوجية للاستفادة من هذه الأرشيفات الحية، بما يخدم مصلحة البحث العلمي، ومستقبل السوسيولوجيا، من دون الإضرار بحريات الأفراد وحقهم في التعبير داخل فضاءات يختلط فيها الخاص بالعام.

References

المراجع

Andrew, Abbott. «Googles of the Past: Concordances and Scholarship.» Social Science History. vol. 37, no. 4 (2013). Barats, Christine (ed.). Manuel D’analyse de Web en Sciences Humaines et Sociales. 2 ème ed. Collection U. Paris: Armand Colin, 2013.

Barry, Christine A. «Choosing qualitative data analysis software: Atlas/ti and Nudist compared.» Sociological Research Online. vol. 3, no. 3 (1998). Béatrice, Galinon-Mélénec & Zlitni Sami (eds.). Traces numériques: De la production à l’interprétation. Collection CNRS Alpha. Paris: CNRS éditions, 2013. Corbin, Juliet M. & Anselm Strauss. «Grounded Theory Research: Procedures, Canons, and Evaluative Criteria.» Qualitative Sociology. vol. 13, no. 1 (1990). Daniels, Jessie Karen Gregory & Tressie McMillan Cottom (eds.). Digital sociologies. Bristol: Policy Press, 2016. Ertzscheid, Olivier. «L’homme, un document comme les autres.» Hermès. no. 53

Friese, Susanne. Qualitative Data Analysis with Atlas. ti. 2 nd ed. London: Sage publications, 2014. Gandomi, Amir & Murtaza Haider. «Beyond the hype: Big data Concepts, Methods, and Analytics.» International Journal of Information Management. vol. 35, no. 2

Glaser, Barney G. & Anselm L. Strauss. The Discovery of Grounded Theory: Strategies for qualitative Research. New Brunswick; London: Aldine Transaction, 1967. Hine, Christine M. Virtual Ethnography. California: Sage Publications, 2000. ________. Virtual Methods: Issues in Social Research on the Internet. Oxford: Berg Publishing, 2005. Horst, Heather A. & Daniel Miller. Digital Anthropology. London: Berg Publishers,

Hubble, Nick. Mass Observation and Everyday Life: Culture, History, Theory. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2006. Jones, Steve (ed.). Doing Internet Research: Critical Issues and Methods for Examining the Net. London; New Delhi: SAGE Publications, 1999. Konopásek, Zdeněk. «Making Thinking Visible with Atlas. ti: Computer Assisted Qualitative Analysis as Textual Practices.» Historical Social Research/Historische Sozialforschung , no. 19 (2007). Kozinets, Robert V. Netnography: Doing Ethnographic Research Online. London: Sage Publications, 2009. Lee, Raymond M. & Nigel Fielding. «Qualitative Data Analysis: Representations of a Technology: A comment on Coffey, Holbrook and Atkinson.» Sociological Research Online. vol. 1, no. 4 (1996). Lee, Raymond M. «‘The most Important Technique…’: Carl Rogers, Hawthorne, and the Rise and Fall of Nondirective Interviewing in Sociology.» Journal of the History of the Behavioral Sciences. vol. 47, no. 2 (Spring 2011). Lupton, Deborah. Digital sociology. Abingdon; New York: Routledge, 2014.

Marres, Noortje. Digital Sociology: The Reinvention of Social Research. Chichester: John Wiley & Sons, 2017. ________. The Redistribution of Methods: on Intervention in Digital Social Research, Broadly Conceived.» The Sociological Review. vol. 60, no. 1 (June 2012). Mathias, Paul. Des Libertés numériques: Notre libertés est-elle menacée par l’internet? Paris: PUF, 2008. Muhr, Thomas. «Atlas. ti - A Prototype for the Support of Text Interpretation.» Qualitative Sociology. vol. 14, no. 4 (Winter 1991). Nel, Noël (ed.). Les Enjeux du Virtuel. Collection Communication et Civilisation. Paris: L’Harmattan, 2001. Pink, Sarah et al. (eds.). Digital Ethnography: Principles and Practice. London: Sage Publications, 2015. Procter, Rob et al. (eds.). «Reading the Riots on Twitter: Methodological Innovation for the Analysis of big Data.» Policing and Society. vol. 23, no. 4. Policing Cybercrime: Networked and Social Media Technologies and the Challenges for Policing (July 2013). Roberts, Carl W. & Roel Popping. «Computer-supported Content Analysis: Some recent Developments.» Social Science Computer Review. vol. 11, no. 3 (1993). Rogers, Richard. Digital Methods. Cambridge; London: The MIT Press, 2013. _________. The End of the Virtual: Digital Methods. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2009. Saldaña, Jonny. The Coding Manual for Qualitative Researchers. London: Sage Publications, 2009. Savage, Mike & Roger Burrows. «The Coming Crisis of Empirical Sociology.» vol. 41, no. 5 (2007). Stone, Philip J. et al. (eds.). The general Inquirer: A Computer Approach to Content Analysis in the Behavioral Sciences. Cambridge: MIT Press, 1966. Wiles, Rose et al. «But is it Innovation? The Development of Novel Methodological Approaches in Qualitative Research.» Methodological Innovations Online. vol. 8, no 1