العودة إلى تفاصيل المؤلَّف شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت

شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت

Review of: Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age

إيهاب محارمة | Ihab Maharmeh

الملخّص

عنوان الكتاب في لغته: Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age. المؤلف: مانويل كاستلز. المترجم: هايدي عبد اللطيف. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودارسة السياسات. مكان النشر: بيروت/ الدوحة. تاريخ النشر: 2017. عدد الصفحات: 328 صفحة.

Abstract

Book Title: Networks of Outrage and Hope: Social Movements in the Internet Age . Author: Manuel Castells . Publisher: ACRPS – Beirut/Doha . Date of Publication: 2017. Number of pages: 328.

الكلمات المفتاحية:
  • شبكات الغضب
  • الحركات الاجتماعية
  • مانويل كاستلز
  • الإنترنت
Keywords:
  • Networks of Outrage
  • Social Movements
  • the Internet

المؤلف: مانويل كاستلز. المترجم: هايدي عبد اللطيف. الناشر: مكان النشر: بيروت/ الدوحة. تاريخ النشر: عدد الصفحات: 328 صفحة.

المركز العربي للأبحاث ودارسة السياسات.

مقدمة

في كتاب شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، يبحث عالم الاجتماع الإسباني مانويل كاستلز في العلاقة الوثيقة بين «الحركات الاجتماعية» وحقبة الإنترنت من خلال موضوع «الحركات الاجتماعية الشبكية.» يُعتبر الكتاب مرجعًا بحثيًا مهمًا وشموليًا للدلالة على الحركات الاجتماعية الشبكية في المنطقة العربية والعالم، ولا سيما أنه قدّم تحليلً وتفسيرًا للأنماط والأدوات والأشكال التي تعتمد عليها هذه الحركات الاجتماعية في التعبئة والحشد، إضافةً إلى محاجّته بقدرة هذه الحركات على فرض عملية التغيير والإصلاح السياسي. يسعى الكتاب لتعزيز النقاش المفتوح بشأن الحركات الاجتماعية الشبكية؛ ففي الوقت الذي لم يتوقف فيه البحث في الحركات الاجتماعية أو الحركات الاجتماعية الشبكية منذ بداية الثورات العربية في عام 2011، يأتي الكتاب بوصفه دراسة إضافية معمقة لتجذير هذا النقاش، ومستندًا إلى مجموعة كبرى من البيانات والتقارير التجريبية المثيرة للاهتمام، التي تبرز الفهم العميق لتطور الحركات الاجتماعية المعاصرة. يستعيد كاستلز في هذا الكتاب ثلاثيته النظرية التي وردت في دراساته السابقة، حول شبكات الإنترنت والتواصل، والمشاركة السياسية، والسلطة والسلطة المضادة، والتي تقوم على فكرة أن الحركات الاجتماعية الشبكية ما هي إلا استمرار للمجتمع الشبكي التاريخي، القائم على أسس التواصل بين الناس، وذلك في مسعى منهم للدخول في عالم السياسة والتأثير في السلطة، بهدف تحقيق التغيير السياسي. ويرى أيضًا أن استمرار البحث في الحركات الاجتماعية الشبكية يؤكد ولادة عالم لا يُشكل فيه الإنترنت وسيلة للتواصل والاتصال فحسب، بل عالم يفتح المجال للأفراد لتشكيل حكم ذاتي جديد، يستعيد فيه الشعب سلطته، وذلك بهدف التغيير الاجتماعي. لا يتفحص كاستلز قدرة هذه الحركات على تنسيق أعمالها على الإنترنت لتشكيل سلطة مضادة قادرة على التعبير عن رأيها وتحريك عقول الناس فحسب، بل لطرح مشروعات وسياسات بديلة تؤدي إلى تحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي.

السلطة وحراك السلطة المضادة في مجتمع الشبكات

يستند كاستلز إلى نظريته حول السلطة في الفصل الأول، ببحثه الدقيق عن التشابهات بين روافع التغيير الاجتماعي التي برزت في الثورة التونسية في عام 2011، وثورة أدوات المطبخ في أيسلندا في عام 2009، مفترضًا أن السلطة تمارس نفوذها وهيمنتها على المجتمع بالإكراه، أو بوساطة إنشاء دلالة في أذهان الناس، من خلال آلياتِ تحكمٍ رمزية. ويُحاجّ أنه كلما وُج دَت السلطة وُجِدَت السلطة المضادة؛ التي يعتبرها قدرة الفاعلين الاجتماعيين على تحدي السلطة بهدف المطالبة بتمثيل قيمهم ومصالحهم، وتبرز بسبب شعور المواطنين بعدم تمثيل الحكومات والسياسيين لهم. ويُقدِّمُ كاستلز تشابهات صادمة بين الحركات الاجتماعية في الثورتين (التونسية والأيسلندية)، خصوصًا من حيث تجانس العرق والدين، ودور الشبكات الاجتماعية في الحشد والتعبئة، والانتقال من الفضاء الإلكتروني إلى الحيّز

الحضري، وذلك على الرغم من السياقات الثقافية والمؤسسية المتناقضة بين البلدين (ص. 68)–43 باستكمال الاشتغال بنظريته عن السلطة، يربط كاستلز في الفصل الثاني التضامن الشعبي الذي ولّدته الثورة المصرية في عام 2011 في ميدان التحرير بحركات «احتلّوا» التي انتشرت في مختلف بقاع العالم، مُستلهمًا في ذلك الأمل الذي وفّرته الثورة التونسية، ومسترجعًا محاجّته بشأن السلطة التي تمارس الترهيب مع الإقناع والإجماع، والسلطة المضادة التي تواجه شبكة معقدة من شبكات السلطة. في حالة مصر، حدثت الثورة بلا سابق إنذارٍ أو استراتيجية، كما تغلّب الناس على الخوف بوجودهم معًا، حيث وفّرت شبكة الإنترنت المساحة الآمنة التي تواصلت فيها شبكات الغضب والأمل؛ وهي الشبكات التي تشكلت في الفضاء الافتراضي، وامتدت لتصل إلى المساحة الحضرية. بموجب ذلك، نظّم المتظاهرون أدوارهم الاحتجاجية ووثّقوا الحوادث ونشروها بوساطة شبكة الإنترنت. وبناء عليه، يرى كاستلز أن الناشطين استفادوا من شبكة الإنترنت، بتخطيطهم الاحتجاجات عبر «فيسبوك»، وتنسيقها عبر «تويتر»، ونشرها بوساطة «يوتيوب» (ص. 104)–73 امتدت شرارة الغضب وضوء الأمل في مختلف البلدان العربية في عام 2011 عقب الثورتين التونسية والمصرية. وهذا ما يبيّنه الفصل الثالث؛ إذ يُرجع كاستلز هذا الغضب إلى المظالم التي تعرّض لها المواطنون العرب بسبب القمع السياسي والأحوال الاقتصادية الوخيمة والشعور بالإذلال اليومي ونقص الفرص في مجتمعاتهم على مدى عقود من الزمن، في المقابل يرى أن الأمل المنشود برز مع الثورات العربية. واستوحت هذه الحركات الأمل من الصور والرسائل التي نُشرت عبر الإنترنت والفضائيات العربية للثورتين التونسية والمصرية. وفي تفسيره عفوية التعبئة في الثورات العربية، يؤكد كاستلز عدم وجود إسلاميين أو يساريين أو ثوريين في الانتفاضات العربية، بل إن أي شخصٍ لديه مشروع لتغيير المجتمع ويمتلك قدرةً على استخدام الإنترنت، شارك في هذه الحركات. ويُحاجّ، متتبعًا ما جرى لهذه الانتفاضات العربية، خصوصًا في سورية واليمن وليبيا، وبالاستناد إلى نظريته عن السلطة، أن الدولة عندما تفشل في مواجهة تحدياتها في سلطتها، تلجأ إلى جوهرها المطلق، أي احتكارها العنف، بينما لا تستطيع الحركات الاجتماعية الانخراط في النوع ذاته من العنف، ولهذا فإن القادر على ممارسة مستوى أعلى من العنف يصبح منتصرًا (ص. 125)–111 انخرط الشباب الإسبانيون في مجموعة من الاحتجاجات للنضال من أجل الديمقراطية وضد الإدارة غير العادلة للأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد، اقتداءً بالثورات العربية ومستلهمين أنموذجها في الاحتجاج. فيستحضر كاستلز، في الفصل الرابع، مجموعتين من الحركات السياسية الإسبانية غير الحزبية ومتعددة الأيديولوجيات، وذات الغالبية الشبابية

التي لا تثق مطلقًا بالسياسة المنظمة، وتعتمد الاحتجاج السلمي، وتعتبر الشبكات الاجتماعية وسيطًا لنقل رسالتها الاحتجاجية. يقدم كاستلز «منصة التنسيق لحشود المجموعات المناصرة للمواطن»؛ وهي مجموعة انتشرت عبر الشبكات الاجتماعية على الإنترنت وأدارت نقاشًا يهدف إلى البحث عن ديمقراطية حقيقية، ونشطت في 15 أيار/ مايو 2011 من خلال تنظيم مسيرات ومظاهرات في مدن وقرى إسبانية. ويقدم كاستلز أيضًا حركة «غاضبات» وهي حركة لها شعارات مبتكرة ومتعددة وذات دلالة قوية، وتُعبّر عن صعود ثقافة اقتصادية وسياسية جديدة. بالنسبة إلى كاستلز، لم يكن هناك قرار رسمي في الحالتين بحظر وجود قادة في الحركتين، أو عدم تلقّي الدعم من الأحزاب السياسية والنقابات العمالية؛ فالجميع مثّل نفسه، وليس لأحد سطوة على أحد (ص –127

يجادل كاستلز، في الفصل الخامس، في تأثير صور الشوارع والميادين العربية بما فيها ميدان التحرير، في تجديد الإيمان بسلطة الشعب بين أوساط الناشطين الغربيين وتعزيز قدرتهم على اقتراح أشكالٍوأنماطٍجديدة من التعبئة والتنظيم. يستفيض كاستلز بالحديث عن حركة «احتلوا وول ستريت» التي انطلقت بمسيرة صغيرة في 17 أيلول/ سبتمبر 2011، وهدفت إلى استعادة الديمقراطية وجعل النظام السياسي الأميركي مستقلً عن سلطة المال. ويرى أنه بمجرد انتشار صور المظاهرات وأخبارها في وول ستريت عبر شبكة الإنترنت، بدأت حركة الاحتلالات تتوسع في الكثير من المدن الأميركية الأخرى، ما ساهم في فرض أشكال متنوّعة من الاحتجاجات، توصف بأنها عفوية ومتنوّعة أيديولوجيًا وسياسيًا وبلا قيادة مركزية. ويضيف أن التعبير العفوي للمتظاهرين ب «عالم أفضل» حفّز الشباب لحشد طاقاتهم وتوظيفها لاحتلال الميادين العامة، مستفيدين من شبكات الإنترنت التي منحت فضاءهم الافتراضي فضاء حضريًا لاحتلاله (ص. 210)–167 في إطار مجادلته بشأن السلطة والسلطة المضادة، يستمر كاستلز في الفصل السادس في البحث عن حركات اجتماعية جديدة في العالم، نمت في الفترة 2014–2011، وتأثرت بالثورات العربية، واعتُبرت حركات فاعلة في التغيير الاجتماعي في المجتمع الشبكي العالمي. ويستدل على مجموعة من هذه الحركات، مثل الحركة التركية للدفاع عن حديقة غازي، التي نشطت في حزيران/ يونيو 2013، والحركات الاحتجاجية التي نمت في البرازيل في عامي 2013 و 2014، واحتجاج الحركة الطلابية في تشيلي الذي نشط في الفترة أيار/ مايو 2014–2011، ويشير إلى أن هذه الحركات استفادت من شبكة الإنترنت لدخول المجال العام، ويرى أن لها سمتين متشابهتين: الأولى، الأزمة الجوهرية التي يعانيها النظام السياسي في جميع هذه الدول، فبغضّ النظر عن شكل النظام السياسي في كل دولة، باتت أذهان معظم المواطنين في هذه الدول تعتبر الطبقة السياسية طبقة ترعى مصالحها الخاصة بدلً من رعاية مطالب الشعب وتمثيلها. والثانية، أضحت

وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل بوساطة الهواتف المتنقلة وشبكة الإنترنت ركيزة رئيسة لمساعدة هذه الحركات في التواصل مع المشاركين والمجتمع وتحفيز الناس على الحراك (ص. 242)–221 يتساءل كاستلز في الفصل السابع، حول ما إذا كانت الحركات الاجتماعية الشبكية تمثّل بزوغ نمط جديد من الاحتجاج. وللبحث في ذلك، يحاول متمحّصًا فهم دوافع التغيير لدى هذه الحركات الاجتماعية التي انتشرت في العالم منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، والتي نشأت من رحم أزمة اقتصادية هيكلية، وأدّت إلى تهديد الحكومات والدول بالانهيار المالي، وقلّصت مكانة دولة الرفاه، وزادت من عدم المساواة الاجتماعية، ورفعت من مستوى السخط السياسي. ويرى أن هذه الحركات الشبكية، حفّزت شباب العالم، بمن فيهم الشباب العرب، في إيجاد التغيير الاجتماعي، كونها تغلبت على الخوف وتحدّت السلطات واستفادت من الدور الحاسم للتواصل عبر شبكة الإنترنت والاتصالات اللاسلكية في الحركات الاجتماعية تشكيل (ص. 265)–245 يختتم كاستلز كتابه في الفصل الثامن بنقاش أثر الحركات الاجتماعية الشبكية في التغيير السياسي، ويحاول تفسير اهتزاز الأنظمة السياسية في مختلف بقاع العالم حيال قوة الفاعلين الاجتماعيين وسلطتهم الهادفة إلى تحقيق هذا التغيير. ولتفسير ذلك يقدّم تحليلً لدور الحركات الاجتماعية الشبكية في أميركا اللاتينية والشمالية وآسيا وأفريقيا وأوروبا، مع التركيز على الحركات التي ظهرت في الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا والبرازيل وتركيا وإسبانيا، مبيّنًا أن هذه الحركات تمتعت بقدرة حقيقية على تغيير النظام السياسي (وإن شك ك بعضٌ في ذلك). ويرى أن ما حصل خلال الفترة 2014–2011، وبتأثيرٍ من الحركات الشبكية، فتح المجال أمام حرية الرأي والتعبير وأمام إمكان مقاومة السلطة القائمة وأمام قدرة هذه الحركات على طرح مشروعات سياسية بديلة لتغيير الوضع الراهن. وعن الحالة العربية، يرى كاستلز أن الثورات العربية تحدّت كل من يقلل من أهمية الحركات الاجتماعية الشبكية بوصفها عاملللتغيير السياسي. ويضيف أن التغيير الذي حدث في الوطن العربي، لا يعني أنه التغيير المطلوب، لكن لا يمكن إنكار أنه التغيير المنشود من الحركات الاجتماعية ذاتها (ص. 305)–269

السمات المشتركة للحركات الاجتماعية الشبكية

تعمّق كاستلز في أطروحته وانتقل إلى محاجّة فرعية تفيد أن الحركات الاجتماعية التي نمت منذ عام 2008 في مختلف بقاع العالم، وبزغ الشبكية فجرها مع الثورات العربية، تتشابه في ما بينها بخصائص مشتركة، وذلك على الرغم من تمايزها المحدود، والمستند إلى الخصوصية الثقافية والمؤسسية، والقدرة الفعلية للحركة والفاعلين السياسيين في كل دولة. بيّن كاستلز أن الحراك الاجتماعي الشبكي يشترك في خمسة أشكال: أولً، استخدام الإنترنت وشبكات الاتصالات المتنقلة لخدمة الحراك الاحتجاجي، سواء داخل المجتمع المحلي أم للتواصل مع حركاتٍ أخرى في

العالم (ص. 32). ويرى أن هذا النمط من العمل الاحتجاجي لا يحتاج إلى قيادة رسمية، أو إلى مركز للسيطرة، أو إلى منظمة لتوزيع المعلومات والتعليمات، ولهذا، نجحت هذه الحركات في زيادة فرص مشاركة الناس، وقلّلت من تعرّضها للخطر، سواء من خصومها أم من تعقيدات البيروقراطية (ص. 249) ثانيًا، انتقلت هذه الحركات من الفضاء الشبكي المعتمد على الإنترنت إلى الفضاء الحضري، وذلك باحتلالها الميادين العامة وانتقالها إلى التظاهر في الشوارع الرئيسة (ص. 34)–33 ويرى أن هذا النمط يقوم على اعتبار الفضاء العام، بشقيّه الشبكي والحضري، فضاءً جديدًا للتعبير عن الحرية والكرامة والإنسانية والتوق إلى الديمقراطية (ص. 250). ويضيف أنه لا يمكن أحدهما العمل من دون الآخر، وهذا ما ميّز هذا الفضاء الهجين لهذه الحركات الاحتجاجية (ص. 180) ثالثًا، تُعتبر هذه الحركات الشبكية الهجينة حركاتٍمحليةً وعالميةً؛ إذ أنشأت حيّزها الخاص بوساطة احتلال الميادين المحلية، وحيّزها العام من خلال التواصل والتفاعل مع الحركات الاحتجاجية في أنحاء متفرقة من العالم (ص. 250). وتثير هذه السمة النقاش بوصف أن الاحتجاجات التي اندلعت في العالم، تشترك في ما بينها في الدافع نفسه، وهو تحدِّي تحكُّم النخب السياسية والاقتصادية في خيرات الدولة ومقدّراتها ونهبها (ص. 67). في حالة الحراك الاجتماعي المتنامي في العالم اليوم من الثورات العربية إلى إسبانيا وتركيا والبرازيل وإيطاليا وأميركا، يتضح أن هناك رابط ا مشتركًا بين هذه الاحتجاجات في طرائق الاحتجاج والتعبير عن المطالب، إضافة إلى طبيعة الشعارات. رابعًا، تشترك هذه الحركات الشبكية في أنها عفوية التكوين والمنشأ، وقائمة على الاستقلالية ومن دون تأثير خارجي (ص. 251). في حالة الثورات العربية، نبعت هذه الاحتجاجات من دعوات عفوية على الإنترنت ومرتبطة بحادثة معينة أثارت غضب الجماهير. ويرى كاستلز أن هذه الاحتجاجات لم تنشأ بوساطة المؤسسات السياسية الرسمية التي لا يثق بها الناس، بل بدافع عفوي ومستقل وبهدف الوقوف ضد القمع والظلم والفقر والبطالة والتمييز ووحشية رجال الشرطة (ص 125–123). واستندت هذه الاحتجاجات إلى ثقافة الاستقلالية، مستفيدة من انتشار الإنترنت والهواتف المتنقلة التي عملت على إلغاء الهرمية والبيروقراطية في الاحتجاجات والنقاش والتنسيق بين الناشطين (ص. 256)–255 خامسًا، تُعتبر هذه الحركات الشبكية، التي مثّلت الغضب والأمل لدى الناس، حركاتٍ عامة وبلا قيادة وبرامج واضحة للعمل الاحتجاجي (ص 255–250). وتتسم بأنها نجحت في استقطاب الناس وفتحت أمامهم آفاق التغيير، نظرًا إلى كونها اعتمدت طابع الاحتجاج السلمي والعصيان المدني في احتلال الميادين والساحات العامة. ويرى كاستلز أن الاحتجاجات العامة وضعت الدول أمام مسارين، إما الرضوخ لمطالب المحتجين، وإما اللجوء إلى العنف المطلق باستخدام الدبابات (ص 116–115). ويشير إلى أن ردات أفعال الدول، وإن تباينت بنوع العنف وحجمه، استخدمت كلها العنف ضد المتظاهرين؛ ففي

الثورة التونسية قمعها الجيش والشرطة وقتل وجرح واعتقل عشرات المدنيين (ص. 48)، وفي الثورة المصرية أدّى الجيش دور مفتاح شبكة السلطة من خلال ممارسته القمع العنيف من جهة والوقوف إلى جانب المتظاهرين من جهة ثانية (ص. 104)، وفي اليمن انحاز جانب مهم من الجيش إلى المتظاهرين في مطالبهم باستقالة الرئيس علي عبد الله صالح (ص. 116)، وفي ليبيا وسورية مثّل عنف النظام مدخلً مهمًا لقتل سلمية الحركات الاجتماعية ومثُلها العليا في السلام والديمقراطية والعدالة (ص 118–116)، وفي إسبانيا تعرّض المحتجون للضرب بالهراوات واستخدام الغاز المسيل للدموع عند إخلاء ميدان كاتالونيا (ص. 151)، وفي وول ستريت فتح قمع الشرطة الباب لموجة مهمة من الاعتقالات عند إخلاء الساحات المحتلة (ص 202–188)، وفي تركيا قتلت الشرطة الكثير من الأشخاص وأُصيب المئات من المتظاهرين واعتُقل الآلاف (ص. 228)، وشهدت البرازيل والمكسيك وتشيلي حالات من العنف الشديد والقمع وصلت إلى حد اختطاف المتظاهرين من جهات تُعاون الدولة في نشاطاتها لفضّ الاعتصامات (ص. 242)–230

هل تمتلك الحركات الاجتماعية الشبكية القدرة على التغيير السياسي؟

بعدما نجح كاستلز في توضيح السمات المشتركة للحركات الاجتماعية الشبكية حول العالم، اهتم بالبحث عن دور هذه الحركات في الإصلاح والتغيير السياسي. ويرى أن نجاح هذه الحركات يكمن في قدرتها على التأثير في الشأن العام والفاعلين السياسيين. يتحدث كاستلز عن قدرة الحركات الاجتماعية الشبكية على الإصلاح والتغيير. ويطرح أن الطريق إلى التغيير في السياسة تبقى مرهونة دومًا بمصالح الطبقة السياسية الحاكمة. ومن ثم، تواجه هذه الحركات الاحتجاجية الشبكية صعوبةً في التأثير وتبقى محدودة، لأنها تتطلّب إصلاح النظام بأكمله (ص 264–262). لكن كاستلز يُبقي الرهان على التغيير السياسي قائمًا، ضمن مسارين: أولً، قدرة الناشطين على الاستمرار بالضغط على السياسيين على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف رفع وعي الناس واهتمامهم بأهمية مطالبهم السياسية. وثانيًا، استعداد الحركات الشبكية للدخول في مفاوضات مع النظام السياسي القائم بهدف التغيير والإصلاح السياسي إحداث (ص. 270) يرى كاستلز أن استمرار التفاعل بين السلطة والسلطة المضادة من خلال استخدام شبكة الإنترنت، يُعطي الناس فرصةً لوقف احتكار الدولة لممارسة الإصلاح والتغيير السياسي بطريقتها. ويشير إلى أن الاتصال الشبكي في مجتمعنا، وإن كان يتيح للسلطة أن تمارس خطاب الضغط والهيمنة على الناس، يتيح للسلطة المضادة تغيير علاقات السلطة والشروع في إعادة برمجة شبكات المصالح وتعطيل الفاعلين التقليديين الذين يقفون ضد التغيير والإصلاح، وذلك من خلال الانخراط في إنتاج رسائل ومحتوى ومطالب تطالب بتغيير النظام السياسي وعدم التماهي مع شبكات المصالح القائمة (ص. 41)–28

يشير كاستلز أيضًا إلى قدرة هذه الحركات على التغيير السياسي، فإن تباينت في مستوى الإصلاح والتغيير، فإنها امتلكت كلها القوة في الضغط على النظام السياسي ونخبه الحاكمة. ففي الثورتين التونسية والأيسلندية، تشابهت الحركتان في شكل التغيير المؤسسي والسياسي؛ إذ دخلت تونس مرحلة التحول الديمقراطي الحقيقية وإقرار دستور ما بعد الثورة، وأقرّت أيسلندا دستورًا جديدًا يوسّع من نطاق الديمقراطية التمثيلية، وشهد البلدان دورًا مهمًا للحركات الاجتماعية في المحافظة على الوعي المدني والسياسي (ص. 68). في تشيلي والأوروغواي والبرازيل والمكسيك وبوليفيا والأكوادور وفنزويلا والبيرو، نجحت الحركات الاجتماعية في إجبار الأنظمة السياسية على الاستجابة لمطالب الحركات الاجتماعية (ص 272–271). وفي مصر نجحت الحركات الشبكية في امتلاك القوة وإضعاف سيطرة الدولة ونفوذها، إلا أن استخدام النظام العسكري العنف، من أجل الحفاظ على هيبة الدولة وشرعيتها، أفرغ التغيير والإصلاح من مضمونهما (ص. 104). وفي وول ستريت أدى إحباط الناشطين من سياسات أوباما إلى التأثير في شكل التغيير الذي أراده المحتجون (ص 281–280). وفي إسبانيا اقتصر تأثير الحركة على الانتخابات، وبدا أن الحركة نجحت في التأثير في النظام السياسي من خلال بقاء حزب العمال الاشتراكي الإسباني مسيطرًا على السلطة منذ عام 1982، وبدا تأثير الحركة ممكنًا بعد أن تركّز الغضب السياسي ضد هيمنة الاشتراكيين على السلطة (ص 157–153). في تركيا اصطدمت حركة غازي بموعد الانتخابات التركية في عام 2014 (ص 290–288). وفي سورية وليبيا واليمن تبقى مسألة الإصلاح والتغيير خارج أجندة الحراك الاجتماعي، وتصبح مسألة غير ذات أهمية في ضوء الاهتمام بإنهاء الحرب الأهلية وإعادة إعمار ما خلّفته (ص. 125)–120

خاتمة

أصبح ظهور حركات اجتماعية شبكية موضوعًا مهمًا وحيويًا مع توسّع شبكات الإنترنت التي أوجدت مساحة ضخمة من الحرية في الآونة الأخيرة، ولا سيما أن الناشطين هجروا الشاشات وتوجهوا إلى الشوارع من أجل إيجاد تفاعل مباشر مع السلطة السياسية. تكمن المَزيَّة الرئيسة لهذا الكتاب في قدرته على فهم الديناميات المتغيرة للحركات الاجتماعية ودورها المهم في السياسة المعاصرة. ويركز الكتاب في تفكيكه الحركات الاجتماعية الشبكية على دور الإنترنت؛ باعتبارها وسيلة رئيسة لنقل معاناة الناس ودعواتهم إلى الاحتجاج والتعبير عن غضبهم من خلال التعبئة الجماعية. ولهذا فإن التحول بالتركيز على الإنترنت يساهم في تحسين قدرة الحركات الاجتماعية على التواصل، على نحو يُعزز إيجاد فضاء عام أكثر انتقادًا وأقل عرضةً لخطاب السلطة. يؤمن كاستلز أن المكوّن الرئيس للحركات الشبكية يبدأ بتحويل الغضب إلى أمل، وهنا تؤدي الإنترنت دورًا مهمًا في نشر مشاعر الغضب وتحويلها إلى أمل من خلال احتلال الناشطين المتعلمين الذين قُمعت أفكارهم وآراؤهم من السياسيين، الميادين والشوارع العامة.

لكن أطروحة كاستلز القائمة على المجتمع الشبكي والحركات الشبكية تتناقض مع رؤيته بشأن الغضب والأمل، وذلك بسبب وجود كثير من القضايا لم تُحسم بعد، ولعل أهمها حتمية عصر الإنترنت الذي يتحدث عنه في كتابه محل المراجعة. ويرى المعارضون لهذه الحتمية التقنية أن المبالغة في دور الإنترنت غفلت أن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم لا يتجاوز نصف عدد سكان كوكب الأرض، وأن كثيرًا من دول العالم تفرض قيودًا ضخمة ورقابة عالية على محتوى الإنترنت، إضافةً إلى بقاء دور الإنترنت وأثرها في الحركات الاجتماعية موضوعًا إشكاليًا قائمًا، في ضوء تنامي وتطور ديناميات الاحتجاج وأشكاله يوميًا في العالم. ولهذا تبقى فرضيات كاستلز حول طبيعة الحركات الشبكية وآثارها ضيقة الأفق إن حصل أي تغيّر في بيئة الاتصالات والإنترنت.