العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الهجرة الموجَّهة لطلاب العلوم الدينية من غرب أفريقيا إلى

الهجرة الموجَّهة لطلاب العلوم الدينية من غرب أفريقيا إلى

Migration of Religious Studies Students from West Africa to Souss in Southern Morocco: Politics, Religious Education and the Production of Elites

رشيد بن بيه | Rachid Benbih *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في الهجرة الموجهة لطلاب العلوم الدينية إلى المغرب، وتأثيرها في الديناميات الدينية في غرب أفريقيا، وتحلل دور هذه المدارس في تكوين نخب قادرة على الدفاع عن الإسلام الشعبي، ومواجهة توسع الإسلام الحركي في هذه المنطقة. وتتبنى مقاربة سوسيوتاريخية لتحليل "الثابت والمتحول" في التعليم الديني بعد هيكلة المغرب لهذا المجال بدءًا من سنة 2004. وتدرس تنظيم التأهيل الديني، ومضامينه، ومواصفات الطلاب ومخرجات التكوين الديني وآفاقه. كما تكشف عن الرهانات المعقودة على النخب الدينية المُكَوَّنة في المغرب للتأثير في سياسة بلدان غرب أفريقيا التي تنهض فيها المؤسسات الدينية والطرق الصوفية بأدوار سياسية فاعلة.

Abstract

Abstract: This study examines the migration of religious students to Morocco and their role in influencing the religious dynamics in West Africa. It analyzes the role of these schools in forming elites capable of defending popular Islam and confronting the expansion of Islamism in this region. It adopts a socio–historical approach to analyse the constant and the variable in religious education following Morocco’s structuring of the curriculum in 2004. It examines how religious qualifications are organised and the implications of that and the characteristics of the students and outputs and prospects of religious education in Morocco. The study also reveals the interests for Moroccan religious elites in influencing policy in West Africa, where religious institutions and Sufi orders play active political roles.

الكلمات المفتاحية:
  • المدارس الدينية
  • التأهيل الديني
  • السياسة الدينية
  • الغرب الأفريقي
  • النخب الدينية
Keywords:
  • Religious Schools
  • Religious Qualification
  • Religion and Politics
  • West Africa
  • Religious Elites

ملخص: تبحث هذه الدراسة في الهجرة الموجهة لطلاب العلوم الدينية إلى المغرب، وتأثيرها في الديناميات الدينية في غرب أفريقيا، وتحلل دور هذه المدارس في تكوين نخب قادرة على الدفاع عن الإسلام الشعبي، ومواجهة توسع الإسلام الحركي في هذه المنطقة. وتتبنى مقاربة سوسيوتاريخية لتحليل «الثابت والمتحول» في التعليم الديني بعد هيكلة المغرب لهذا المجال بدءًا من سنة 004.2 وتدرس تنظيم التأهيل الديني، ومضامينه، ومواصفات الطلاب ومخرجات

التكوين الديني وآفاقه. كما تكشف عن الرهانات المعقودة على النخب الدينية المُكوَّنة في

المغرب للتأثير في سياسة بلدان غرب أفريقيا التي تنهض فيها المؤسسات الدينية والطرق الصوفية بأدوار سياسية فاعلة.

Abstract: This study examines the migration of religious students to Morocco and their role in influencing the religious dynamics in West Africa. It analyzes the role of these schools in forming elites capable of defending popular Islam and confronting the expansion of Islamism in this region. It adopts a socio–historical approach to analyse the constant and the variable in religious education following Morocco’s structuring of the curriculum in 2004. It examines how religious qualifications are organised and the implications of that and the characteristics of the students and outputs and prospects of religious education in Morocco. The study also reveals the interests for Moroccan religious elites in influencing policy in West Africa, where religious institutions and Sufi orders play active political roles.

Professor of Sociology, National School of Architecture, Agadir and the Faculty of Arts and Humanities, Ibn Zohr University, Morocco.

مقدمة

تعود هجرة طلاب العلوم الدينية من بلدان الغرب الأفريقي إلى المغرب إلى فترات موغلة

في القدم؛ إذ تُورِد بعض الدراسات التاريخية إشارات إلى هذا الموضوع في معرض الحديث عن دور جامع القرويين في فاس الذي أسس سنة 859 م. فقد استقبل هذا الجامع «خلال

قرون عدة أجيالً من الصحراء والسودان الغربي الذين يفدون للارتواء من منابع العلم واكتساب المعارف على أيدي كبار العلماء». وقد حصلت، في هذا الجانب، قطيعةٌ في التواصل بين المغرب وبلاد السودان (الغرب الأفريقي

حاليًا)، بعد الاحتلال الفرنسي لجزءٍ مهمّ من هذه المنطقة التي سمَّتها فرنسا «أفريقيا الغربية الفرنسية»

Française Occidentale Afrique، إذ اتخذت الإدارة الاستعمارية في هذه المنطقة إجراءاتٍ إداريةً «لعزل جنوب الصحراء عن الشمال الأفريقي، منذ سنوات 913–19061، مخافة انتشار الفكر التحرري»، مما ساهم في توقف توافد الطلاب من تلك المنطقة إلى فاس. وساد الاعتقاد أن فاس تعتبر، وحدها، مؤسسة الاختيار بالنسبة إلى الطلاب المتحدرين من بلدان أفريقيا،

على الرغم من أن هناك مدارس دينية في مناطق أخرى من المغرب، تؤدي دورًا مماثلً للدور الذي تؤديه

فاس في استقطاب طلاب الدين من آفاق تتجاوز حدود المغرب، مثل مكناس ومراكش وتارودانت، وهو ما جعلنا نختار مدارس سوس الدينية في هذه الدراسة، بهدف الخروج من مركزية فاس.

(((يعتبر الأديب الشاعر أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي (ت. 608 ه 1212/ م) من أقدم الوافدين الأفارقة المعروفين إلى

المغرب. وللاطلاع على نماذج من علماء أفارقة قدموا إلى المغرب طلبًا للعلم. يراجع مقال العالم النيجري: عبد الله بن إدريس

أبو بكر ميغا، «المدرسة المالكية المغربية وامتداداتها الأفريقية»، دعوة الحق، العدد 624 (آب/ أغسطس 0182)، ص.133 (((أحمد الأزمي، «دور الزاوية التيجانية في توطيد الروابط بين مدينة فاس وأفريقيا جنوب الصحراء»، في: فاس وإفريقيا: العلاقات

الاقتصادية والثقافية والروحية، سلسلة ندوات ومناظرات 3 (الرباط: معهد الدراسات الإفريقية، 9961)، ص.242

(3) Sambe Bakary, Islam et diplomatie: La Politique africaine du Maroc (Rabat: Marsam, 2010), p. 102.

(((وتؤكد نتائج هذا الانقطاع دراسة روجي لوتورنو حول فاس في عهد الحماية التي لم تشر إلى وجود أفارقة في جامع القرويين

في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. ففي هذه الفترة كانت ست مدارس تابعة للقرويين تستقبل نوعين فقط من

الطلبة: الفاسيون والآفاقيون من باقي بوادي المغرب ومدنه، وهي: مدرسة الصفارين ومدرسة العطارين ومدرسة المصباحية ومدرسة

الشراطين حول جامع القرويين، ومدرسة باب عجيية، وأخيرًا مدرسة مولاي عبد الله. ينظر: روجي لوتورنو، فاس قبل الحماية،

ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ج 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 9921)، ص 667. ولم يبدأ التواصل بين جنوب الصحراء

وشمالها إلا بعد الاستقلال، إذ وقعت اتفاقيات التبادل العلمي بين المغرب، وعدد من الدول الأفريقية، فقد أسس المغرب بتاريخ 9

تموز/ يوليو 9761 الوكالة المغربية للتعاون الدولي L’Agence marocaine de coopération internationale بهدف تنمية مجموع

الع قااات الاقتصادية والتقنية والعلمية والثقافية مع البلدان الصديقة للمغرب، وتتكلف بتقديم منح الدراسة والتدريب للطلاب

الأجانب، وتشرف على توزيع نسبة المقاعد المخصصة لهؤلاء في كل جامعة بالتنسيق مع الوزارة المكلفة بالتعليم العالي، وتكوين

الأطر والبحث العلمي. وخصص الحي الجامعي الدولي بالرباط لطلاب الدول الأفريقية، ويضم حوالي 800 سرير. ينظر:

Mustapha Haddou, «La Coopération maroco–africaine dans le domaine de l’Enseignement supérieur et de la Recherche scientifique,» in: Yahya Abou El Farah et al., La Coopération Maroco–Africaine (Rabat: Institut des Etudes Africaines, 2010), p. 253.

وشمل تجديد هذا التواصل مجددًا التعليم الديني التقليدي، بعد تجديد دور جامع القرويين، بعدما أعطى الملك الحسن الثاني

أوامره بافتتاحه سنة.1987 (((يعتبر مصطلح سوس من المصطلحات الجغرافية والتاريخية التي عرف مدلولها تغييرات كثيرة عبر التاريخ، إذ كانت كلمة

«سوس» تدل على المغرب كله، يقصد مثلً بالسوس الأدنى المنطقة الواقعة ما بين طنجة شمالً ومراكش جنوبًا، وبالسوس الأقصى

المنطقة الممتدة من مراكش إلى مصب درعة جنوبًا. ينظر: محمد حنداين، المخزن وسوس (1822–1672): مساهمة في دراسة

تاريخ الدولة بالجهة (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 0052)، ص.57

تقع منطقة سوس ماسة في وسط المملكة المغربية، وتمتد من الأطلس الكبير شمالً إلى مصبِّ وادي

درعة جنوبًا، ومن المحيط الأطلسي غربًا إلى الحدود الجزائرية شرقًا. تبلغ مساحتها 78953 كيلومترًا

مربعًا، ويقدر عدد سكانها بنحو 6768472 نسمة بحسب آخر إحصاء للسكان والسكنى (2014). يبرر

اختيارَ سوس في هذه الدراسة جملةُ عوامل؛ أولها: الدور التاريخي للمدارس الدينية في هذه المنطقة،

وثانيها: تَضمُّن منطقة سوس أكبر عدد من هذه المدارس في الفترة الحالية، ففي آخر تقرير وزارة الشؤون

والأوقاف الإسلامية (018–20172)، تحتضن جهة سوس ماسة ما يقارب 23 في المئة من المدارس العتيقة على الصعيد الوطني، والتي يبلغ عددها 892 مدرسة. وثالثها: شروع هذه المدارس في سوس في استقبال بعثات أجنبية من طلاب البلدان الأفريقية في إطار سياسة المغرب الدينية في أفريقيا؛ إذ بلغ عدد الأجانب الذين يتابعون دراستهم الدينية في مدارس سوس العتيقة 001 طالب أجنبي، منهم 01 إناث، أي ما يمثل نسبة 1.53 في المئة، مما مجموعُه 6555 طالبًا يتابعون دراستهم. موقع منطقة ماسة في خريطة المغرب

المصدر: من إعداد الباحث. (((محمد عبد الرحمان برادة (إشراف)، دفاتر الجهوية: جهة سوس ماسة (الدار البيضاء: مطبعة دار النشر المغربية، 0172)، ص.18 (((وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، إحصائيات مؤسسات التعليم العتيق: الموسم الدراسي 2018–2017 (الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 0172)، ص 55، شوهد في 019/9/18:2، في https://urlz.fr/ayEF (((المرجع نفسه، ص.72

وإن ما يدعو إلى دراسة هذا الموضوع هو كشف دور المدارس العتيقة في المغرب في إنتاج النخب الدينية لمصلحة دول الغرب الأفريقي، وخاصة مدارس سوس من جهة، وبحث السياقات الجديدة لتوافد البعثات التعليمية الدينية على المغرب، ورهاناتها المستقبلية من جهة أخرى. وما يدعونا أيضًا إلى هذه الدراسة هو أن الإحصائيات الرسمية لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية لا تنشر أي معلومات حول هذا الموضوع ذي الحساسية الدينية، ما يعني أن البحث في هذا المجال يساهم في كشف ما سكتت عنه المؤسسات الرسمية من معطيات حول البعثات الدينية من بعض بلدان الغرب الأفريقي إلى المغرب. لم يتم حتى الآن، بحسب معرفتنا، البحث في هذا الموضوع؛ إذ ظل الانطباع عن المدارس العتيقة في الأذهان أنها مؤسسات غير ذات أهمية، بالرغم من الدور الاستراتيجي الموكول إليها منذ بدايات هيكلة الحقل الديني في المغرب سنة 2004. وللاشتغال على هذه المسألة يمكن صياغة إشكالية استفهامية تنهض على سؤالين: كيف يساهم التأهيل الديني للمدارس العتيقة في المغرب في إنتاج نخب دينية لفائدة دول الغرب الأفريقي؟ وكيف يساهم المغرب في التأثير في نموذج الإسلام في بلدان هذه المنطقة بواسطة النخب الدينية المكونة في المغرب؟ تفترض الدراسة أنّ التكوين الديني للأجانب في المدارس الدينية المغربية – كما هو الشأن بالنسبة إلى الطلاب المغاربة – يهدف إلى تكوين نخب قادرة على مواجهة أطروحات الفكر السلفي الحركي في المغرب وفي بلدان الغرب الأفريقي، وأن هذه المدارس الدينية العتيقة ليست سوى حلقة انتقاء وسيطة، تفرز أفرادًا بكفايات كبيرة لولوج مصاف النخبة، المشروط باستكمال التكوين في المؤسسات العليا التابعة لجامعة القرويين (خاصة معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات وجامع القرويين للتعليم النهائي العتيق بفاس)، إذ لا يمكن مثلًالوصول إلى جامع القرويين إلا بعد الحصول على شهادة البكالوريا للتعليم العتيق، كما قرَّر ذلك إصلاح نظام التعليم في هذا الجامع

لسنة 2015، وأن اختيار مدارس سوس ينبني على كون تقاليد التدريس في هذه المنطقة كانت على الدوام تستند إلى الفقه المالكي. لقد «كان من خصوصيات المدارس العتيقة بسوس، إلى جانب كونها مؤسسة تعليمية لاكتساب المعارف، أنها تشكل بيئة اجتماعية تجعل طلابها يتشيعون بالمذهب المالكي [...] وأغلب الفقهاء

(((«الدار البيضاء 03 أبريل 004:2 خطاب جلالة الملك حول إعادة هيكلة الحقل الديني»، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (المغرب)، 03 نيسان/ أبريل 0042، شوهد في 017/5/15:2، في https://urlz.fr/axNz (1((«ظهير شريف رقم 1.15.71 صادر في 7 رمضان 6143 (24 حزيران/ يونيو 0152) يقضي بإعادة تنظيم جامعة القرويين»،

الجريدة الرسمية، 015/6/252، ص 9915، شوهد في 019/7/11:2، في https://bit.ly/2Y0LzSn يقضي بإعادة تنظيم جامعة القرويين كمؤسسة عمومية للتعليم العالي والبحث العلمي، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال البيداغوجي والعلمي. وتضم جامعة القرويين حاليًا المعاهد التالية: مؤسسة دار الحديث الحسنية، ومعهد محمد السادس للقراءات

والدراسات القرآنية بالرباط، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، والمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، ومعهد الفكر والحضارة الإسلامية بالدار البيضاء، وجامع القرويين للتعليم النهائي العتيق بفاس.

السوسيين على هذا الاتجاه، وذلك على عكس ما نجده عند فقهاء فاس والمدن المغربية الأخرى».

ولعل وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الحالي أحمد التوفيق، المُلِمّ بتاريخ المغرب، على دراية

بهذه الخاصية، وهو المشارك والمتتبع، قبل استيزاره، نشاط جمعية علماء سوس منذ سنوات، ما جعله يفضل توجيه فئات من البعثات الدينية إلى مدارس سوس. وتفرض طبيعة الموضوع تبني مقاربة سوسيوتاريخية، من شأنها أن تضيء الانتقالات الحاصلة في التكوين الديني في المغرب من جهة، وفي أجيال وجنسيات طلاب العلوم الشرعية الوافدين من بلدان الغرب الأفريقي على المدارس الدينية المغربية من جهة أخرى. تعتمد هذه الدراسة على المصادر التاريخية حول الحركة الدينية بسوس، والمعاينات الميدانية لمؤسسات التعليم الديني في هذه المنطقة وخاصة المدرسة الصوابية، وروايات الطلاب – الإخباريين الذين تخرجوا حديثًا في هذه المدارس، ومجموعة وثائق منشورة (بلاغات، صور، نشاطات، إخبارات، منشورات وزارة الأوقاف، معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين

الدينيين)، تُمكِّن من توفير معلومات حول نشاط المدارس الدينية، ثمّ تجاوز صعوبات القَبُولِالكلي

في ميدان البحث بالنظر إلى المشاكل التي يمكن أن يسببها ذلك للقيِّمين على شؤون هذه المدارس،

كما تستند هذه الدراسة إلى أبحاث تطرقت إلى مدارس التعليم الديني، في مصر وسورية تحديدًا، من أجل المقارنة، وكتابات أخرى حول دور الطرق الصوفية والمدارس الدينية في بلدان الغرب الأفريقي من أجل تحليل رهانات التكوين الديني لطلاب البلدان الأفريقية في المغرب. بناء على ما تقدّم، نهتمّ في مرحلة أولى بالبحث في بدايات توافد الطلاب من البلدان الأفريقية على

المدارس الدينية في سوس جنوب المغرب، وفي مرحلة ثانية نركّز على حالة مدرسة دينية عرفت توافدًا لهؤلاء الطلاب وهي المدرسة الصوابية؛ إذ تكفي دراسة مدرسة دينية واحدة من هذه المدارس لمعرفة التطورات التي عرفها باقي مؤسسات التعليم الديني التقليدية بالنظر إلى خضوعها للنظام نفسه، ونعتقد أن هذا التَّمشي سيساعد في مرحلة ثالثة على تحديد خصائص طلاب العلوم الدينية، وتَبيُّن البرامج الدينية التي يتلقونها، والآفاق التي يفتحها لهم هذا التكوين.

(((1 عمر آفا، «المعهد الإس مااي بتارودانت: تجربة فريدة في خدمة المذهب المالكي في أفريقيا»، في: جمعية علماء سوس،

منجزات جمعية علماء سوس ([د. م.]: منشورات جمعية علماء سوس، 0002)، ص.87–86 (((1 تولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية أول مرة سنة 0022، وتم تعيينه في المنصب نفسه مرة ثانية سنة 0072، ومرة

ثالثة سنة 0112، ورابعة سنة 017 2، وما زال يشغل إلى الآن هذا المنصب. كان قبل استيزاره أستاذًا جامعيًا للتاريخ بجامعة محمد

الخامس بالرباط. (((1 زرنا مدرسة الصوابي ثلاث مرات، في آذار/ مارس وأيار/ مايو وحزيران/ يونيو.2017 (((1 كانت في الأصل زاوية تسمى بالأمازيغية «أكدال أمرزكان»، لذا يطلق عليها المدرسة الأكدالية، أسسها أحمد الصوابي في

النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري، توفي سنة 9/114 ه 736 1 م. ينظر: محمد المختار السوسي، مدارس سوس العتيقة:

نظامها – أساتذتها (طنجة: مؤسسة التغليف والطباعة والنشر والتوزيع، [د. ت.])، ص.111 (((1 تتمثل بكتاب حنا بطاطو، ومُؤلَّف تيموثي ميتشل، اللذين سنشير إليهما في ما سيأتي. (1((ويتعلق الأمر بدراسات كل من أوبريون كروز O’Brien Cruise، ودافيد روبنسون David Robinson، وليوناردو في لااون Leonardo A. Villalón، وبول لوبيك Lubeck Paul، وميري ميسكيت Mervyn Hiskett. ينظر المراجع الأجنبية.

أولا: المدارس الدينية بسوس والبدايات الحديثة لتوافد طلاب المدن الأفريقية

تفرض علينا المقاربة السوسيوتاريخية، التعرض لبدايات ظهور المدارس العتيقة في جنوب المغرب بسوس، لرصد الانتقالات التي وسمت تاريخ هذه المدارس، وكشف التغيير الذي شمل جنسيات الطلاب المتوافدين على المدارس الدينية بسوس، وأشكال التجديد الذي مسَّ تدريسها (المدارس)

المعارف الدينية والشرعية. ليست ظاهرة المدارس العتيقة خاصية مميزة لمنطقة سوس وحدها؛ إذ عرفت مناطق المغرب المختلفة تأسيس هذا النوع من المدارس منذ دخول الإسلام إليها، غير أن فاس تظلّ المدينة الأشهر في مجال استقطاب الطلاب الأجانب، ومثال ذلك أن علماء كبارًا إما تلقّوا و/ أو استكملوا تعليمهم في جامع

القرويين مثل أحمد التيجاني شيخ الطريقة التيجانية واسعة الانتشار في بلدان الغرب الأفريقي مثل السنغال ومالي وغينيا وساحل العاج. وغالبًا ما تُخفي شهرة فاس دور منطقة سوس في ربط علاقات

التواصل بين دول الغرب الأفريقي؛ إذ نشر خريجو المدارس الدينية في سوس العلم في بعض دول

الغرب الأفريقي مثل ما قام به الشيخ أحمد أحُوزي، المتحدّر من قرية أَمْلنْ في تفراوات بسوس، من

مجهود لنشر الدين في مالي، وبالضبط في توغازي التي استقر فيها أواخر القرن الثاني عشر الهجري (من 6881 إلى 7841 م) لبث الإشعاع العلمي في أفريقيا». لقد خصص المختار السوسي كتاب سوس العالمة للحركة العلمية في منطقة سوس، وبيَّن أن

مدرسة سيدي وكَّاك تعتبر أول مدرسة انطلقت منها حركة عبد الله ياسين التي كوّنت الدولة

المرابطية، ويفترض هذا المؤرخ وجود مدارس سبقتها رغم اعترافه بعدم امتلاك معلومات دقيقة حول هذا الأمر. يقول المختار السوسي: «وإن كان ما يعرفه التاريخ اليوم من تلك الأولية [مدرسة وكَّاك]. لا يدلّ ذلك على أنها هي الأولى في الواقع، فإن هناك بصيصًا يتراءى منه أن حركة علمية موجودة مع

مدرسة (وكَّاك) هذه، وربما كانت قبلها، ولا حركة علمية بدون مدرسة». لقد عرفت سوس حركة علمية مزدهرة ما بين القرن التاسع الهجري (من 9713 إلى 9314 م) والثالث عشر الهجري (من 7851 إلى 8811 م)، قبل أن تعرف فيما بعد تراجعًا. وتساعدنا كتابات السوسي في

إنجاز تحقيب للمدارس الدينية في سوس كالآتي:

(1((ولد سنة 7371، في قرية عين ماضي جنوب الجزائر، غادر بلده في اتجاه فاس سنة 757 سااتزادة من العلم، عاد إلى 1 م ل تلمسان لينطلق منها إلى الحج، فتونس ثم تلمسان مرة أخرى، ليلتحق بفاس، التي توفي بها سنة 815.1 م (1((الحسن العبادي، «أحمد أحوزي ونشره للعلم في أفريقيا»، في: جمعية علماء سوس، ص 76. 1(((ينظر: محمد المختار السوسي، سوس العالمة ([د. م.]: مؤسسة بنميرة للطباعة والنشر،.)1974 (2((فقيه مغربي (ت. 445 ه/ 0541 م) تتلمذ على يد أبي عمران الفاسي (ت. 0/43 ه 0391 م) في القيروان، وأسس رباط أجلو الذي يبعد 001 كلم عن أكادير جنوبًا. (((2 يعتبر عبد الله بن ياسين (ت. 75/4 ه 0591 م) أحد أهم مؤسسي الدولة المرابطية التي حكمت المغرب خلال القرنين الخامس

والسادس الهجريين (الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين) وامتد نفوذها إلى الأندلس شمالً ونهر السنغال جنوبًا. (((2 السوسي، سوس العالمة، ص 1.7

1. المرحلة الأولى: من القرن التاسع الهجري إلى القرن الثالث عشر الهجري

وصف المختار السوسي هذه الفترة وصفًا لم يشكك فيه أي من الباحثين بعده، إذ اكتفى هؤلاء بالأخذ منه من دون نقد، فمنذ القرن الخامس الهجري (من 0091 إلى 0511 م) إلى نهاية الثامن الهجري (من 0013 إلى 9613 م) لم تكن حالة سوس مُبهجة؛ إذ لم تتطور الحركة العلمية في هذه المنطقة إلا

مع بداية القرن التاسع الهجري (من 9713 إلى 9314 م). يقول المختار السوسي: «كان القرن التاسع قرنًا مجيدًا في سوس، ففيه ابتدأت النهضة العلمية العجيبة التي رأينا آثارها في التدريس والتأليف وكثرة تداول الفنون»، كما واصلت المدارس العتيقة ازدهارها في عهد الدولة العلوية فقد تكاثرت هذه «المدارس، وزخرت بالطلبة، حتى إنّ معظم المدارس السوسية لا نراها أسست إلا في هذا العهد».

2. المرحلة الثانية: القرن الرابع عشر الهجري (1978–1882)

مع نهاية القرن الثالث عشر الهجري (من 7851 إلى 8811 م)، عرفت مدارس سوس العتيقة اضمحلالً وجمودًا بسبب ضعف السلطة المركزية (المخزن)، والتغلغل الاستعماري منذ احتلال الجزائر سنة 8301 م، وصراع القبائل حول السلطة والمجال، وانتشار المجاعات والأوبئة، وهو ما أدى بنخب سوس في منتصف القرن العشرين الميلادي إلى التفكير في إعادة إحياء مجد سوس العلمي والأدبي،

ما فتح مرحلة جديدة في تاريخ المدارس العتيقة في سوس بدأت أولً بتأسيس جمعية علماء سوس سنة 9531، فقد كان من ضمن برنامجها، إضافة إلى تأسيس معهد إسلامي بالمنطقة (تارودانت)، يكون بداية حركة علمية تسترجع بها سوس مجدها العلمي، وتُمثِّل بها المكانة التاريخية التي احتلتها سابقًا. لم تورد المصادر المتوافرة حول المدارس العتيقة في سوس جنوب المغرب أي إشارة إلى وجود الطلبة من بلدان أفريقية. ويعود ذلك في نظرنا إلى وجود هذه المدارس في منطقة بعيدة عن سلطة الدولة المركزية (منطقة السيبة) التي لا تخضع لنفوذها إلا مدينة تارودانت وتيزنيت. ولم يبدأ توافد

(((2 تنطلق الدراسات حول الحركة الدينية بسوس من إرث المختار السوسي (عالم دين، ومقاوم ومؤرخ ولد سنة 9001 وتوفي سنة

963 1)، ومثال ذلك أن مؤلف كتاب المعهد الإسلامي بتارودانت والمدارس العلمية العتيقة بسوسلم يُبْدِ في كتابه من أربعة أجزاء

أي نقد للمختار السوسي. ينظر: المتوكل عمر الساحلي، المعهد الإسلامي بتارودانت والمدارس العلمية العتيقة بسوس، ج 1 (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 9851)، ص.45 (((2 السوسي، سوس العالمة، ص 2.0 (((2 المرجع نفسه، ص.22 2(((ينظر: محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، سلسلة رسائل وأطروحات 81 (الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 9921)، ص.163 (2((مدينة مغربية عريقة تقع في منطقة سوس ماسة. شهدت عصرها الذهبي في عهد الدولة السعدية، إذ قام الأمير محمد الشيخ (حكم ما بين 07154 و 155 م) بتحصين المدينة وتجديد مبانيها. 2(((من بين هذه المصادر إضافة إلى كتابات المختار السوسي، نذكر: إبراهيم أعراب (تقديم ودراسة)، الرحلة المانوزية: محمد

بن أحمد المانوزي السوسي: دراسات في سرديات الهامش وتشكل النخبة الدينية المحلية، سلسلة من أدب الرحلات والمذكرات (الرباط: دار الأمان،.)2015

البعثات الطلابية من دول الغرب الأفريقي على المغرب إلا في فترة بعث المدارس الدينية وتجديدها قبيل استقلال المغرب. بدأ بعث المدارس العتيقة في سوس وتجديدها قبل الاستقلال، وتحديدًا سنة 950.1 فقد تكوّن وفد

من التجار السوسيين في المدن، وقدّموا التماسًا إلى الملك محمد الخامس (أواخر نيسان/ أبريل

9501) يتضمن نقطتين: إلغاء المحاكم العرفية، وإصلاح المدارس العتيقة. وقد ساعدت جمعية علماء سوس التي تَكوَّنت في نيسان/ أبريل سنة 9531 بمراكش في تأسيس المعهد سنة 9561، والذي أريد

له أن يكون «امتدادًا للمدرسة الوكَّاكية وتجديدًا للحركة العلمية» بسوس. وهكذا ساهم المعهد في إطلاق دينامية «التجديد الديني» في المنطقة؛ إذ أسس فروعًا له في عدة مدن وقرى مجاورة في تيزنيت وماسة، وأيت باها، وتالوين، وأكلو. ولم يعرف المعهد في بداياته توافد الأجانب، ولم يسجل مثل ذلك إلا منذ سنوات 960.1 كما لم يكن

هذا التوافد تلقائيًا، فقد قَدِم الفوج الأول بعد طلب وفد جمعية اللغة العربية في السنغال تسجيل

الطلبة في هذا المعهد، كما نقرأ في المقتطف التالي: «كانت البداية من السنغال سنة 9601 بمبادرة من جمعية مدرسي اللغة العربية بالسنغال، فكانت البعثة الأولى من الطلبة الذين صادفوا بين إخوانهم طلبة وأساتذة كل تجلة وترحاب، في جوٍّ إسلامي يسوده الجد والعمل من أجل التحصيل». هكذا بدأ قدوم الطلاب في الموسم الدراسي 961–19601؛ حيث تسجّل 24 طالبًا، وفي الموسم

963–19621 التحق بالمعهد 14 طالبًا. وفي 967–19661 توافد الطلاب من موريتانيا ومن ساحل

العاج، وتنوعت بلدانهم على نحو واسع منذ 983–19821 لتشمل مالي وسيراليون وغينيا والنيجر. وبتحويل معهد تارودانت إلى ثانوية عصرية، انقطع توافد الطلاب الأجانب على منطقة سوس، ليُستأنف في بداية الألفية الثانية، وتحديدًا سنة 0022؛ حيث سيوجد الطلبة الأفارقة في المدارس

العتيقة للتعليم الديني. ومن بين المدارس التي توصلنا إليها من خلال البحث الميداني:

(2((الساحلي، ج 1، ص.44 (3((تنتمي تيزيت وأكلو إداريًا لإقليم تيزنيت (الإقليم عبارة عن تقسيم إداري يضم مدينة وقرى)، وماسة وأيت باها إلى إقليم

اشتوكة أيت باها، وتالوين إلى إقليم تارودانت، وتقع كلها بمنطقة سوس ماسة. (((3 زار وفد من جمعية مدرسي اللغة العربية بدكار المعهد الإسلامي بتارودانت سنة 9601 نظرًا إلى ما يتسم به هذا المعهد من

صيت، وبعد عودته إلى دكار أرسل رسالة مؤرخة ب 14 حزيران/ يونيو 9601، يخبر فيها أنه سيرسل جماعة من الطلبة لمتابعة دراستهم بالمعهد خلال الموسم 961–1960.1 وللاطلاع على مضمون الرسائل المتبادلة بين المعهد وجمعية مدرسي اللغة العربية بالسنغال يراجع: الساحلي، ج 1، ص 672  وما بعدها. (((3 آفا، ص.90 (((3 المرجع نفسه، ص.93 (((3 يتركز الطلاب الوافدون من بلدان أفريقية في ثلاثة أقاليم هي (إقليم اشتوكة أيت باها: المدرسة الصوابية، وإقليم تارودانت: مدرسة أبي ذر الغفاري، ومدرسة أضار نوامان، وإقليم سيدي إفني: مدرسة أكجكال)، بينما لا يسجل أي وجود لهؤلاء في باقي الأقاليم التي تدخل في نطاق سوس ماسة درعة مثل عمالة أكادير إداوتنان، وإقليم طاطا، وعمالية إنزكان أيت ملول. (((3 نظرًا إلى صعوبات القبول في ميدان البحث، اتبعنا خطة عمل ميداني، «غير مهيكلة»، تتمثل في تحديد لائحة المدارس العتيقة

بجهة سوس ماسة، فالبحث ضمنها عن المدارس التي تستقبل طلابًا من دول الغرب الأفريقي، ثم زيارة هذه المدارس بأعيانها.

أ. مدرسة أبي ذر الغفاري في جماعة سيدي أحمد وعمر بإقليم تارودانت. ب. مدرسة أكجكال للتعليم العتيق بأصبويا إقليم سيدي إفني. ج. مدرسة أضارنوامان، جماعة تازمورت بإقليم تارودانت للبنين والبنات. وإذا ما كان التوافد على هذه المدارس في مرحلة أولى (997–19601) بمبادرة فردية أو جمعيّات دينية،

كما هو الأمر بالنسبة إلى الطلاب المتوافدين من السنغال، فإنه في المرحلة الثانية 2) 017–2004(يندرج في إطار استراتيجية المغرب لهيكلة الحقل الديني، وسياسته الدبلوماسية. ففي الموسم الدراسي 018–20172، استقبلت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 600 طالب من بلدان أفريقية، ووجهتهم إلى بعض المدارس العتيقة في المغرب.

ثانيًا: التجديد الديني وإعادة إنتاج النخب الدينية

اخترنا المدرسة الدينية الصوابية حَالةً للبحث؛ كونها من المدارس التي شملها التجديد، والتي كانت

في فترة زيارة المختار السوسي لها عرضة للخراب، مما دعاه إلى أن يتوجه بالنداء التالي إلى أهل سوس: «فيا ويْح أمة مآثرها أطلال، ثم لا تحفزها الآمال إلى استئناف الأعمال. أتغيض منابع العلم في

سوس ثم تطيب لأي سوسي غيور بعدُ حياتُه؟ فأين الهمم وأين العزائم؟ وأين أنتم يا أهل سوس المقاديم؟». ووقع اختيارنا كذلك على المدرسة نظرًا إلى توافر المعلومات التاريخية التي يمكن استثمارها في

التحليل السوسيوتاريخي لتوافد الأفارقة على المدارس العتيقة في المغرب، المختلف عن سياق التوافد على مدينة فاس عبر التاريخ. تقع المدرسة العتيقة الصوابية في منطقة ماسة التي تنتمي إداريًا إلى إقليم إشتوكة أيت باها، وإلى جهة

سوس ماسة، وتبعد 03 كيلومترًا عن مركز أكادير في اتجاه الجنوب. اعتبرت المصادر التاريخية ماسة

من المناطق التي بُني فيها المسجد قديمًا، كما أشار ابن حوقل إلى المالكية أهل السنّة بسوس وقتالهم

الشيعة «الرافضة». وتتميز منطقة ماسة بحسب مونوغرافية روبير مونتاني بخصوبة أراضيها وتوافر مياه كافية، مصدرها وادي ماسة، جعلت المنطقة خصبة للزراعة وتربية الماشية، وخاصةً الأبقار، إلى جانب مختلف الصناعات التقليدية. ويتكلم سكان المنطقة باللغة الأمازيغية. ويجد الوافدون على المنطقة، من مدن وبَلْدَات أخرى أنفسهم مجبرين على تعلم اللغة المحلية، ما يساهم في احتواء الأمازيغية لغات

3(((محمد المختار السوسي، خلال جزولة، ج 4 (تطوان: المطبعة المهدية،]د. ت.[)، ص.34 3(((نقل عن: محمد المنوني، «المؤسسات التعليمية الأولى بسوس وخصائص المدارس العتيقة بالمنطقة»، في: جمعية علماء

سوس، ج 4، ص.61

(38) Robert Montagne, «Une tribu berbère du sud marocain: Massat,» Hespéris Tamuda , vol. 4, no. 4 (1924), pp. 358.

الوافدين ولهجاتهم، الذين سرعان ما يندمجون في النظام اللغوي الأمازيغي السائد في المنطقة. كما حافظت كل قرية من قرى ماسة منذ قرون على تقاليدها الدينية؛ إذ تتوفر كل قرية على مسجد ومقبرة ومدرسة، وفي المسجد يحفظ الطلاب القرآن ويتعلمون أمور دينهم، مما جعل هذه المنطقة تشتهر بمدارسها الدينية، ونشاطاتها الفلاحية والحرفية. وفي الحصيلة، أدّت المدينة أدوارًا تاريخيةً مهمة، وهو الأمر الذي جعل المصادر التاريخية تشير إليها؛

فقد ذكرها ابن خلدون والبكري والحسن من محمد الوزان المعروف بلِيُون الإفريقي وروبير

مونتاني. في أوائل القرن الثاني عشر الهجري (من 6881 إلى 7841)، بنى أحمد الصوابي هذه المدرسة. وهو مُريد زاوية تمكروت التي أسسها أبو إسحاق الأنصاري، القادم من المشرق. تتلمذ الصوابي على يد الشيخ محمد بناصر (085–1011/1 ه 674–16021 م)، مؤسس الطريقة الناصرية التي تعتبر أول حركة صوفية عرفتها سوس، قبل باقي الطرق الأخرى مثل التيجانية والدرقاوية، بحسب ما تشهد بذلك كتابات المختار السوسي: «ما عرفت سوس هذه الطريقة إلا بواسطة العلماء الذين تخرجوا من تمكروت، فرجعوا يؤسسون المدارس إذ كانوا علماء»، كما هو حال أحمد الصوابي مؤسس المدرسة الصوابية. ويمكن، وفقًا للمصادر التاريخية التي تَمكنَّا من الوصول إليها، تقسيم تاريخ المدرسة الصوابية إلى مرحلتين؛ أولاهما: مرحلة نَهضت فيها بأدوار تقليدية كما هو حال جميع المدارس العتيقة، والثانية: مرحلة معاصرة تولّت فيها مهمات جديدة، بعد هيكلة الحقل الديني في المغرب. وقد ازدهرت هذه المدرسة ما بين القرن الثاني عشر الهجري (ما بين 6887841 و 1) والرابع عشر الهجري (من 8821 إلى 978.)1 ويبين أهمية المدرسة في تلك الفترة نوعية خريجيها، وعلاقتها بالمجتمع، وطبيعة الوظائف التي كانت تنهض بها.

3(((عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان

الأعظم، ج 6 (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 9711)، ص.69 4(((أبو عبيد الله البكري، الممالك والمسالك، تحقيق أدريان فان ليوفن وأندري فيري، ترجمة سعد عزاب، ج 2 ([د. م.]: الدار العربية للكتاب/ بيت الحكمة، 9921)، ص.835 (((4 الحسن من محمد الوزان الفاسي، وصف إفريقيا، ج 1، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، ط 2 (بيروت: دار الغرب الإسلامي؛ الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 9831)، ص 113 وما بعدها.

(42) Montagne, pp. 370.

(((4 الساحلي، ج 2، ص.34 (((4 محمد المختار السوسي، المعسول في الإلغيين وأساتذتهم وت مااذتهم وأصدقائهم السوسيين، ج 1 (بيروت: دار الكتاب العلمية، 0142)، ص.265 (((4  ينظر: السوسي، خ لاا جزولة؛ محمد بن أحمد الحضيكي، طبقات الحضيكي، تقديم وتحقيق أحمد بومزكو، ج 2 (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 0062)، ص.95

لقد تخرج في المدرسة الصوابية علماء كبار منهم أحمد الورزازي ومحمد بن أحمد الحضيكي وعبد الله بن إبراهيم الرسموكي وغيرهم. وتولى التدريس فيها فقهاء مجددون مثل محمد بن أحمد التسكاتي الإيلالني، وقد قام هؤلاء بأدوار مهمة من الناحية العلمية والسياسية، إذ ساهموا في تأسيس مدارس دينية جديدة، أغنت الحركة الدينية في المنطقة، فللورزازي مثلً «مباحث علمية مع علماء فاس»، خلافًا للفقهاء قبلهم الذين يقتصرون على وضع «الحواشي والشروح والتعليقات والتلخيصات ونظم المنثور [...] وكلها إسهامات تعبر عن ركود ثقافي، وترسيخ لثقافة تقليدية»، غير أننا لا نتفق مع وجهة نظر مُحَقِّق كتاب طبقات الحضيكي، أحمد بومزكو، في هذا الجانب، الواردة في تقديم الكتاب؛ لأن وضع الحواشي طريقة شائعة للتعليم في العالم العربي، فقد وصف تيموثي ميتشل Mitchell Timothy طريقة التدريس في الأزهر في نهاية القرن التاسع عشر بما يلي: «يكون المتن مصحوبًا بشرح مكتوب بين السطور، أو حتى متداخل بين الكلمات نفسها، مع حاشية إضافية للشرح مكتوبة في الهامش، محيطة بالمتن في جميع الجهات»، لأن هذه المراكز لم تكن مراكز تعليم من حيث الجوهر، بل «كانت مراكز لفن وسلطة الكتابة». أما علاقة المدرسة بالمجتمع فكانت قوية، ويشهد على ذلك ما أورده محمد المختار السوسي عن نشاط أحمد الصوابي، فقد نصب مجلسًا دائمًا بين العشاءين للرجال والنساء، يعلّمهم فيه أحكام

دينهم والفرائض والسنن والفضائل. ومن جهة أخرى، تتجلى هذه الأهمية في انخراط المدرسة في مواجهة بوحلايس، الذي ادعى أنه المهدي المنتظر، وقام بنهب الزوايا والمدارس العتيقة، والتنكيل باليهود وسلب أموالهم. فقد أرسل فقيه المدرسة أحمد التسكاتي الإيلالني «رسائله إلى العلماء والقبائل للتصدي لهذا الثائر السفاك الذي بدت خطورته تعمّ البلاد بدءًا بقبائل أيت باعمران

(4((أحمد بن محمد الورزازي (ت. 89/11 ه 7551 م)، وصفه الحضيكي بأنه «كان رضي الله عنه عالمًا كبيرًا درامًا بحاثًا، برع في

الفقه والحديث والقراءات وسائر الفنون»، الحضيكي، ج 1، ص.113 (4((ولد سنة 8/111 ه 7061 م بقرية تارسواط بمنطقة تفراوت التابعة إداريًا لإقليم تيزنيت، تلقى تعليمه بماسة عند الشيخ أحمد

الصوابي (ت. 89/11 ه 775 1 م)، من أهم مؤلفاته: طبقات الحضيكي. (4((توفي سنة 1145 ه 733/1 م، ينظر الحضيكي، ج 1، ص.37 (4((تلميذ محمد بن أحمد الحضيكي، أرسله هذا الأخير لعمارة المدرسة الصوابية استجابة لطلب عائشة بنت أحمد الصوابي (ت. 1214 ه/ 799.)1 م (5((الحضيكي، ج 1، ص.113 (((5 المرجع نفسه، ص.16 (((5 تيموثي ميتشل، استعمار مصر، ترجمة بشير السباعي وأحمد حسان، ط 2 (القاهرة، مدارات للأبحاث والنشر، 0132)، ص.157 (((5 المرجع نفسه. (((5 السوسي، خلال جزولة، ص 3.6 (((5 ظهر بوحلايس في أيت باعمران سنة 07/12 ه 7901 م، ادعى أنه الإمام المنتظر، واستغل غياب السلطة في سوس بعد موت سيدي محمد بن عبد الله للوصول إلى الحكم مدعيًا أنه المولى اليزيد، ابن السلطان سيدي محمد بن عبد الله. ينظر: حنداين،

ص 984 وما بعدها. (5((المرجع نفسه، ص.501

والأخصاص، فاستجاب السوسيون لنداء الشيخ التسكاتي، والتفوا حوله جهادًا فتمكنوا لنصر الله من قتل بوحلايس بناحية تيزنيت». وبعد هذه الفترة المزدهرة، دخلت مدرسة الصوابي مرحلة التراجع منذ القرن الرابع عشر الهجري (من 8821 إلى 978.)1 عبَّر عن هذا التراجع المؤرخ المختار السوسي في زيارته لها كما يلي: «ثم في صبيحة يوم الأربعاء 24 ذي القعدة عام 6313 هجرية 9[تشرين الثاني/ نوفمبر 944]1 صمدنا [هكذا في النص، ويعني توجهنا إلى مدرسة] إلى حمة الصوابي بماسة، فكنت أتشوق دائمًا إلى زيارته

لأشاهد ذلك المنبع الفياض بالعلوم حين رابض هناك الشيخ الصوابي ثمَّ التسكاتي ثمَّ المرزوكيون

العلماء، وهو زاوية لها شهرة كبيرة منذ أزيد من قرنين [...] ثم نزلنا أمام المسجد فإذا بناء يدل على أنه غير عادي وأنه مبني باعتناء، أبواب عالية، متوضأ مجصص ومسجد حسن، وسط، ومدرسة غير صغيرة ولا كبيرة والكل يتهدم الآن فما لم ينهدم فهو متداع»ٍ. لا يخص هذا التراجع تلك المدرسة وحدها بل جميع مدارس سوس، فقد بكى أبو زيد الجشتيمي تدهور هذه المدارس الدينية في منطقته وتراجع مدارس سوس. بل أكثر من ذلك، يمكن القول إن التعليم الديني في نهاية القرن التاسع عشر «أخذ ينهار في الأزهر، أكبر وأقدم المعالم الدينية، في العالم العربي»، بالوتيرة نفسها التي ينهار بها النظام السياسي. لكن سرعان ما استعادت مدارس سوس حيويتها، بعد الاستقلال، في مرحلة أولى، وفي فترة الثمانينيات من القرن الماضي في مرحلة ثانية، وفي بداية الألفية الثانية في مرحلة ثالثة. ويفسر ذلك بحماسةِ ما بعد الاستقلال الشعبي الهادف إلى التخلص من الإرث الاستعماري، وبسياق سياسي واجه فيه المغرب، منذ نهاية الستينيات، المد اليساري والقومي باستدعاء التقليد invention ’ L tradition la de، كما نظر لذلك إريك هوبسباوم لإعطاء الشرعية للمؤسسات، ومواجهة أزمات المجتمع، فقد أشار محمد شفيق إلى أنه حرَّر تقريرًا بطلب من الديوان الملكي، غداة الأحداث

التي عرفتها فرنسا سنة 9681 يُبيِّن فيه أن «التعليم في الكتاتيب القرآنية هو من الأسباب الرئيسة لتخلفنا

(5 ((محمد بصير، «الإشعاع العلمي والثقافي بمدرسة الصوابي وسيدي سعيد الشريف بإدا ومحند»، في: جمعية علماء سوس، ج 4، ص.110–99 5(((السوسي، خلال جزولة، ص.34 5(((هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن محمد، أبو زيد السوسي الجزولي الجشتيمي، وُل د أواخرِ

أيلول/ سبتمبر 771 1 م، وضع له المختار السوسي ترجمة مفصلة. ينظر: السوسي، المعسول في الإلغيين وأساتذتهم وت مااذتهم

وأصدقائهم السوسيين، ج 3، ص 1. 7 ((6(خلت قبائلنا من كل ذي أدب وكل حبر فصار الغرب كالخرب فأدبر العلم وانهدت صوامعه في سوسنا فاستطال الجهل بالغلب. ((6(ميتشل، ص 8.15

(62) Eric Hobsbawm, L’invention de la tradition , Christine Vivier (trad.) (Amsterdam: Éditions Amsterdam, 2006).

((6(ولد محمد شفيق سنة 9261 وشغل عدة مناصب سامية منها مستشار الملك الحسن الثاني، وعضو أكاديمية المملكة المغربية، وعميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

الحضاري»، وأن الحسن الثاني أمره بواسطة ديوانه الملكي، بعد تسلم التقرير، بتحرير مذكرة وزارية بهدف «تعميم الكتاتيب القرآنية في كافة ربوع التراب الوطني» المغربي. وقد ساهمت انتفاضة سنة 9841 التي شهدتها عدة مدن مغربية (مراكش والناظور وتطوان والريف، وغيرها)، أثناء انعقاد القمة الإسلامية بالدار البيضاء، في البدء في تنظيم الوظيفة الدينية. وتُوِّج ذلك بتأسيس أقسام الدراسات الإسلامية في الجامعات الجديدة في أكادير والجديدة

وتطوان. وفي سنة 988 عيد فتح الدروس بجامع القرويين وفق الصيغة القديمة التي جعلته في 1 أُ القرون الوسطى أعرق جامعات العالم الإسلامي، وهو ما يؤكد وجهة نظر محمد عابد الجابري بخصوص تعامل الدولة مع التعليم الديني لمّا بيَّنَ أن «الموقف الحقيقي للدولة منه [التعليم الديني]،

فهو غير واضح ومحدد، إنه موقف تمليه الظروف والملابسات السياسية، أكثر مما تحدده خطة عامة، أو سياسة تعليمية قارة». كما خصصت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 9871، أول مرة، منحة لطلاب المدارس العتيقة يشرف على توزيعها ممثلو وزارة الداخلية على الصعيد الإقليمي، كما يبين ما يلي: «في يوم الجمعة 25 دجنبر [كانون الأول/ ديسمبر] 9871 م، الموافق 3 جمادى الأولى 0814 ه، قام عامل صاحب الجلالة على إقليم تيزنيت بزيارة إلى مدرسة ‘المولود’ على رأس وفد هام [...] وأشرف السيد العامل خلال هذه الزيارة على توزيع أول منحة الأوقاف على الطلبة». لا يمكن فهم الاهتمام الذي أولته الدولة المغربية لتحسين الوضع المادي لطلاب المدارس الدينية في هذه الفترة من دون ربطه بتحولات عرفتها المدارس القرآنية في مناطق جغرافية أخرى في القارة الأفريقية، فقد أدى تفكيك الأسس الاقتصادية في شمال نيجيريا، مثلً، كما يوضّح بول لوبيك بفعل التغلغل الرأسمالي والقفزة النفطية، وتعويض المدارس القرآنية Tsangaya بالمدارس العصرية، وتوالي فترات الجفاف، مما دفع بطلاب هذه المدارس، التي كان يقبل عليها أبناء الفقراء أن يكونوا مصدرًا

أساسيًا من مصادر ثورة ميتاتسين Maitatsine التي ناصبت السياسيين والدولة والنظام القائم كله

العداء؛ إذ لم يكن هؤلاء يعيشون إلا من الزكاة والصدقات التي تقدم لهذه المدارس التي غالبًا ما تتأثر

مداخيلها في مراحل الجفاف، وعلى الرغم من اعتبار ميرفين هيسكيت هذه الحركة تعبر عن رفض نزوعات عرقية ضد إثنية «الهاوس»، إلا أننا نرى أن ظروف الفقر ساهمت في الدفع بهؤلاء إلى

(6((حسن أوريد، الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب (الرباط: توسنا، 0162)، ص.25 ((6(المرجع نفسه، ص.34 (6((محمد عابد الجابري، أضواء على مشكل التعليم بالمغرب (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 9731)، ص.76 (6((أيت بومهاوت أمحمد الوسخيني، منار السعود: عن تفراوت المولود ومدرستها العتيقة (الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة، 9941)، ص.365

(68) Paul Lubeck, «Islamic Protest Under Semi–Industrial Capitalism: Yan Tatsine Explained,»  Africa , vol. 55, no. 4 (1985), p. 373. (69) Mervyn Hiskett, «The Maitatsine Riots in Kano, 1980: An Assessment,»  Journal of Religion in Africa , vol. 17, no. 3 (October 1987), p. 215.

الانتماء لحركة ميتاتسين والشعور بالغبن، بسبب التحولّات الاجتماعية والثقافية والقيمية التي تركتها

عملية التحديث. يمكن نظام المنح الموجه إلى المدارس الدينية أن يحد من أي استغلال محتمل لظروف طلاب هذه المدارس لأهداف سياسية، غير أنها رغم ذلك لم تكن مُعمَّمة على جميع المدارس العتيقة، ويدل

على ذلك مطالبة فقيه مدرسة أيت وافقا العتيقة، في ندوة نظمتها شعبة الدراسات الإسلامية بأكادير سنة 9991، ب «تعميم المنح الوقفية على هذه المدارس»، وتفادي الانتقائية التي تشوبها، وذلك للحفاظ على هذه المدارس، لأن عددًا منها «على شفا الإفلاس تندب ماضيها». كما أُحدثت بأمر من الملك الراحل الحسن الثاني سنة 9951 المدرسة القرآنية التابعة لمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، والتي تخرّج فيها أول فوج من حاملي شهادة العالمية سنة 2006–2005. لقد سبق لسورية أن سلكت نهجًا مماثلً، فقد مدت يدها، في عهد الرئيس السابق حافظ الأسد،

للعلماء في سبيل مواجهة الإخوان المسلمين، ففي «عام 9731 قدمت تبرعات شخصية كبيرة للمدارس الشرعية»، كما رفع «في عام 9741 تعويضات أئمة القطر ال 8113 ومدرّسيه ال 252 وخطبائه ال 610

ومؤذنيه ال 0381 وقرائه ال 08.2 وزاد تعويضاتهم عام 9761 ومن ثم في عام »1980، كما «خصص في عام 9761 مبلغ 5.4 ملايين ليرة سورية لبناء مدارس جديدة». في مثل هذا السياق الوطني والعربي، تم إصلاح المدرسة الصوابية التي تولى التدريس فيها، منذ الثمانينيات إلى الآن، الشيوخ التالية أسماؤهم: • الشيخ الحاج محمد بن أحمد العتيقي مدة عام واحد.)1987(• الشيخ عبد الله الهشتوكي مدة عامين.)1990–1988(• الحاج محمد الغالي الدادسي، ومكث فيها أربعة أعوام.)1994–1990(• شيخ المدرسة وقيمها الحالي (من 9941 إلى الآن) الأستاذ الحاج عياد فنادي خريج المدارس العلمية العتيقة.

((7(أبو الوفاء أحمد يحيى بن علي التجاجتي التزنيتي، «المدارس العتيقة: النشأة والتطور والأدوار»، ورقة مقدمة في ندوة التراث الإس مااي في سوس، كلية الآداب بأكادير بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإس مااي بواشنطن، أكادير، 999/12/18–171؛

مصطفى بن عمر المسلوتي، التراث الإسلامي في سوس (الرباط: منشورات جامعة ابن زهر، 0092)، ص.160 ((7(المرجع نفسه. ((7(«رأي المجلس الأعلى للتعليم في مشروع تأهيل التعليم العتيق»، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 017/1/242، شوهد في

019/7/12:2، في https://bit.ly/2Sc2RGG

(7((حنّا بطاطو،  فلاحو سورية: أبناءُ وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم، ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي، مراجعة

ثائر ديب، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 0142)، ص.479 ((7(المرجع نفسه. ((7(المرجع نفسه، ص.480

غير أن التغير الجذري لن يشمل هذه المدرسة إلا في عهد شيخها وقَيِّمها الحالي، ففي هذه الفترة تم

تجديد مناهج التعليم، واستقبلت المدرسة أول مرة طلابًا من دول الغرب الأفريقي. وقد أُريد للمدرسة بعد الإصلاح أن تؤدي مهمات جديدة عدا المهمّات التقليدية التي سبقت الإشارة إليها. وقد انعكس

هذا التغيير على دورة تناوب الشيوخ على هذه المدرسة، فبعدما كانت مدة تَولِّي هؤلاء التدريس فيها لا تتعدى أربع سنوات في حالات قصوى منذ الثمانينيات، أصبحت الآن تشهد بقاء الفقيه الحالي في مكانه مدة 23 سنة. وعاودت فكرة إصلاح المدارس العتيقة طرح نفسها بالموازاة مع إعادة إصلاح المغرب نظامه التعليمي في مطلع الألفية الثانية، إذ نصّ الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) في المادة 80 منه على ضرورة العناية بالمدارس العتيقة وتطويرها وإيجاد جسور لها مع مؤسسات التعليم العام. وفي سنة 0022 وافق البرلمان المغربي بغرفتيه (مجلس النواب ومجلس المستشارين) على مقترح قانون وضعته حكومة إدريس جطو (004–20022)، رقم 13.01 في شأن إصلاح التعليم «لإمداد البلد بما يحتاج إليه من القيمين الدينيين والعلماء، وذوي التكوين المتين». وبدأ توافد الطلاب الأجانب على هذه المدرسة منذ سنة 0022 متساوقًا مع بدايات التأهيل المادي والقانوني البيداغوجي للمدارس العتيقة في المغرب. وقد أدّت الأحداث الإرهابيّة التي استهدفت

مدينة الدار البيضاء يوم 13 أيار/ مايو 0032 بالمغرب إلى التفكير في هيكلة شاملة للحقل الديني. فقد شدد الملك المغربي سنة 0042 على ضرورة «تأهيل المدارس العتيقة وصيانة تحفيظ القرآن من كل استغلال أو انحراف يمس بالهوية المغربية، مع توفير مسالك وبرامج للتكوين تدمج طلبتها في المنظومة الوطنية التربوية، وتجنب تخريج الفكر المنغلق»، وذلك في خطاب 03 نيسان/ أبريل 0042 الذي وضع المُوجِّهات الأساسية لهيكلة الحقل الديني. شمل هذا التأهيل 76211 كتّابًا قرآنيًا، و 045 مدارس عتيقة. وقد انعكس هذا الإصلاح على المدرسة

الصوابية التي تُقدّر حاليًا مساحتها بحوالي 0003 متر مربع، يتوسّطها مسجدٌ كبير مساحته 900 متر

مربع. وتحتوي المدرسة على 66 غرفة لسكنى الطلبة، وإدارة، وسكنى الفقيه، و 5 قاعات دراسية، ومطبخ، ومطعم، ومرافق صحية، وخزانة، وقاعة للضيافة. وأصبحت هذه المدرسة تؤدي وظائف جديدة فضلً عن وظائفها المعتادة منذ نشأتها.

((7(وزارة التربية الوطنية بالمغرب، «الميثاق الوطني للتربية والتكوين»، شوهد في 019/7/12:2، في https://bit.ly/2JutcwY ((7(ينظر ديباجة القانون 13.01، صدر في شأن تنفيذه الظهير رقم.1 02.09 بتاريخ 15 من ذي القعدة 1422 (92 كانون الثاني/ يناير

002 2)، الجريدة الرسمية، 002/2/112، ص 624، شوهد في 019/7/12:2، في https://bit.ly/32qAZDo ((7(«الدار البيضاء 03 أبريل 004:2 خطاب جلالة الملك.» ((7(لا بد من التمييز بين الكتاتيب القرآنية التي تعتبر رافدًا من روافد التعليم العمومي في المغرب، وبين المدارس العتيقة التي

يستهدفها الإصلاح. ويندرج إصلاح الكتاتيب القرآنية في إطار النهوض بالتعليم الأولي من 4 إلى 6 سنوات.

ثالثًا: تجديد مضمون التعليم الديني ورهانات تكوين الأجانب في مجال العلوم الدينية

تواصل إصلاح المدارس الدينية العتيقة منذ 0062 إلى الآن، فمنذ هذه الفترة بالذات، انخرطت المدرسة الصوابية في تطبيق القانون الجديد الخاص بالتعليم العتيق والقرارات المتعلقة بتأهيل مؤسسات التعليم العتيق. وتعرّف المادة الأولى من القانون 13.01 التعليم العتيق بأنه ذلك التكوين

الذي «يلقن بالكتاتيب القرآنية والمدارس العتيقة وبمؤسسات التعليم النهائي العتيق، بما فيه جامع القرويين والجوامع الأخرى وفق الأنماط العتيقة». وتسيّر التعليمَ العتيقَ السلطةُ الحكوميةُ المكلفةُ

بالأوقاف والشؤون الإسلامية، خلافًا للتعليم الأصيل الذي تشرف عليه وزارة التربية الوطنية، والذي

يعتبر مسلكًا كباقي المسالك المقررة في إطار التعليم العمومي الرسمي مثل الآداب والعلوم والتكنولوجيا. نُظِّم التعليم العتيق في ثلاثة أطوار: الابتدائي والإعدادي والثانوي، وبموجب ذلك تم توحيد مواد التدريس. وتتضمن البرامج الدراسية المطبقة بمؤسسات التعليم العتيق حصصًا إلزاميةً من المواد

المقررة في مؤسسات التعليم العمومي في حدود الثلثين، كما خضع التدريس لمبدأ التخصص؛ إذ يُكلَّف كل أستاذ من أساتذة التعليم النظامي بتدريس تخصصات جديدة في هذه المدارس مثل اللغات

والعلوم والإعلاميات. بدأ توافد الطلاب من الدول الأفريقية على مدرسة الصوابي قبل الإصلاح الديني لمدارس التعليم العتيق بدءًا من سنة 002.2 وكان السنغاليون أول المتوافدين على هذه المدرسة؛ إذ نقرأ في إعلان

نشرته إدارة المدرسة، ما يلي: «كما هو معلوم فمدرسة سيدي أحمد الصوابي للتعليم العتيق تحتضن منذ سنة 0022 أفواجًا من الطلبة القادمين من دول جنوب الصحراء كالسنغال وساحل العاج وغينيا

كوناكري. وقد تخرج منها عدد من الطلبة الأجانب، وكذا المغاربة بعد حفظهم القرآن الكريم وحصولهم على شهادة البكالوريا للتعليم العتيق، ويصنفون في المعاهد الكبرى والجامعات المغربية». إن فحص دينامية توافد الطلاب على المدارس الدينية العتيقة في هذه الفترة لا بُدّ أن يقارن بمعطيات

مدارس أخرى في المنطقة نفسها، ففي منطقة سوس لم نشهد توافد طلاب أجانب إلا على ثلاث مدارس في الفترة 019–20152 (أجوجكل، أبو ذر الغفاري، أضار نوامان، أنزا للتعليم العتيق)، حيث يتبين أن مدرسة الصوابي قيد الدراسة سباقة إلى استقبال المهاجرين من طلاب العلم. وكان يتابع عند نهاية العام الدراسي 016–20152 24 طالبًا موزعين على المستويات التعليمية التالية:

((8(«ظهير شريف رقم 1.02.09 صادر في 15 من ذي القعدة 1422 (92 كانون الثاني/ يناير 0022) بتنفيذ القانون رقم 13.01 في شأن التعليم العتيق.» ((8(نشر هذا الإعلان بعد زيارة وزير الأوقاف والشؤون الدينية لدولة غينيا كوناكري المدرسة الصوابية في 12 أيلول/ سبتمبر 0152، ينظر: صفحة مدرسة سيدي أحمد الصوابي للتعليم، فيسبوك، 015/9/132، شوهد في 018/9/17:2، في https://urlz.fr/ay6T

المستوى

ا المستوىالعدد
اإلابتدائي51
الإعدادي3
الثانوي4
المتفرغ2
المجموع42

المصدر: من إعداد الباحث.

بداية الألفية الثانية التي عرفت إصلاح الحقل الديني.

السنة

العددالسنة
2002
17
2013
5
2014
1
2015
1
المجموع
42

المصدر: من إعداد الباحث.

الديني، وتختص بتكوين القيمين الدينيين. الإجازة التي تمنحها الجامعات الحديثة.

الجدول (1) توزيع المتمدرسين في المدرسة العتيقة الصوابية بحسب الأسلاك العدد

ويفسر وجود أغلبيتهم في المستوى الابتدائي بعدم توفرهم على الشرط النظامي للالتحاق بالسلك الإعدادي، وهو التمكن من حفظ القرآن الكريم، ومن ثم يرتبط الانتقال إلى باقي الأطوار بمدى نجاح هؤلاء في الطور الابتدائي، ما يعزز فرضية كون المدارس الدينية في سوس تعتبر مرحلة إعداد لولوج مؤسسات انتقاء النخب التي تتجلى أساسًا في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين

والمرشدات، وجامع القرويين للتعليم النهائي العتيق بفاس الذي يمنح شهادة العالمية. ويتبيَّن أن

أغلبية هؤلاء التحقت بالمدرسة سنة 0022، أي إنّ تمدرس الطلاب الأفارقة في هذه الفترة يعود إلى

الجدول (2) توزيع المتمدرسين بحسب سنة الالتحاق بالمدرسة العدد

يعود الطلاب الأجانب إلى جنسيات مختلفة، تغلب عليها الجنسية الغينية، كما يبين الجدول.)3(

وتعكس غلبة الجنسية الغينية للطلاب الأجانب تحوّلً في أصول الطلاب الوافدين على المغرب؛ إذ كان

((8(مؤسسة حديثة افتتحها محمد السادس في 72 آذار/ مارس 0152، وتعدّ من أدوات تنفيذ المقاربة المغربية لهيكلة الإصلاح ((8(يتطلب الحصول على شهادة العالمية ثلاث سنوات من الدراسة بجامع القرويين للتعليم النهائي العتيق بفاس، وتعادل شهادة

الطلاب السنغاليون الفئة الأهم عدديًا من بين الوافدين على المملكة المغربية لمتابعة التكوين الديني.

ويلاحظ تراجع السنغاليين منذ بداية التسعينيات كما تكشف ذلك إحصائيات المعهد الإسلامي بتارودانت. فقد انتقل عدد المسجلين أواسط التسعينيات في الموسم الدراسي 995–19941 إلى 11، بعدما كان عددهم في مواسم سابقة يراوح بين 003 و 4، في الفترة 989–19881 إلى.1992–1991 إن ضعف أعداد السنغاليين في مدرسة الصوابي، وباقي المدارس يعكس استمرار الانخفاض في أعداد السنغاليين الذي بدأ منذ التسعينيات إلى الآن، ويفسر هذا التراجع بتزايد أعداد المدارس القرآنية في السنغال، وبوضع وزارة التربية الوطنية السنغالية سنة 0022 برنامجًا لإصلاح هذه المدارس، وتوسع

هذا الإصلاح بعد دعم البنك الإسلامي للسنغال سنة 0112 لإصلاح المدارس القرآنية، على نحو

جعل بعض الطلاب السنغاليين يتابعون التعليم الديني في بلدانهم بدلً من الهجرة إلى بلدان أخرى. الجدول (3) توزيع عدد الطلاب بحسب الجنسية الجنسية

العدد

الجنسيةالعدد
السنغال1
لبنان2
كوناكري6
ساحل العاج2
غينيا10
غير محدد3
المجموع42

المصدر: من إعداد الباحث.

يفسر وجود الطلاب الغينيين في هذه المنطقة بتوجيههم من الدولة إليها، بعد تطبيق البرنامج التنفيذي لمذكرة تفاهم بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والأمانة العامة للشؤون الدينية بجمهورية غينيا لسنوات 0170182 و 0192 و 2، وهو ما يبين أن وجود الغينيين في المدارس العتيقة في المغرب لا يدل على توافدهم التلقائي، بل هو تتويج لسياسة التفاهم الديني القائمة بين البلدين. وتغلب على المجموعة المستجيبة الفئة العمرية 22 و 23 سنة. ويعزز وجود هؤلاء بالمنطقة فرضية اختيار سوس بالنظر إلى تقاليدها في التدريس، وإلى استنادها إلى المذهب المالكي. يَتبيَّن من تحليل شروط القبول في أحد أطوار التعليم بالمدارس العتيقة الصعوبات التي تواجه هؤلاء

الطلاب الأجانب، وهو ما يفسر وجودهم بشكل كبير في السلك الابتدائي. وغالبًا ما يعفى هؤلاء من

اختبار القبول، المتمثل في حفظ القرآن لولوج الطور الثاني والثالث أو جزء منه بالنسبة إلى الطور

(84) Clothilde Hugon, «Les Sëriñ daara et la réforme des écoles coraniques au Sénégal: Analyse de la fabrique d’une politique publique,» Politique Africaine , vol. 3, no. 139 (Octobre 2015), p. 84.

القرآن، الذي يجب أن يتم في الجامع قبل التوجه إلى المدرسة العتيقة.

الطور التعليمي

شرط القبول

االطور التعليميشرط القبول
اإلطور الابتدائيحفظ أربعين حزبًا من القرآن
الطور الإعداديالحفظ التام للقرآن
شهادة التعليم الابتدائي: عمومي أو تعليم عتيق
شهادة المغادرة مسلمة من إحدى مؤسسات التعليم العتيق
الطور الثانويالحفظ التام للقرآن
شهادة التعليم الإعدادي: عمومي أو تعليم عتيق
شهادة المغادرة مسلمة من إحدى مؤسسات التعليم العتيق

المصدر: من إعداد الباحث.

المرحلة الدراسية

المواد المدروسة

إ المرحلة الدراسيةالمواد المدروسة
الإعدادي
(اإامستوى السنة الثالثة)
التوحيد، الفقه وأصوله، السيرة النبوية، الحديث وعلومه، القرآن
وأإعلومه، البلاغة
اإلتعبير والإنشاء، النصوص الأدبية
النحو والصرف، الفرنسية، الإنكليزية، العلوم الفيزيائية،
األإعلاميات، الرياضيات
التربية التشكيلية، علوم الحياة والأرض، التكنولوجيا،
الاجتماعيات، التربية البدنية

طالبون، «عطاء المدارس العتيقة وعلماؤها»، في: المسلوتي، ص.162–161 ((8(كانت هذه هي المواد المدرّسة في جل المدارس العتيقة في سوس.

الثاني. وهاهنا يتبين أن القبول في هذه المدارس حافظ على المعيار المعمول به عبر التاريخ، أي حفظ

الجدول (4) شروط ولوج أطوار التعليم الديني العتيق

ويختلف البرنامج التعليمي المعتمد في المدارس العتيقة عمّا كان سائدًا من قبل. فهو يجمع بين

التعليم العصري والتعليم الديني؛ إذ لم يعد مقتصرًا على مواد اللغة العربية والفقه وأصوله والتفسير

والحديث ومصطلحه والرياضيات والأدب والمنطق والبلاغة والعروض والفرائض والهيئة، بل يشمل مواد أخرى مثل الإعلاميات واللغات الحية والتربية البدنية، كما نقرأ في الجدول.)5(الجدول (5) المواد المقررة في بعض أطوار التعليم الديني

(8((تصنف المدارس العتيقة إلى ث ثااة أنواع: مدارس خاصة بدراسة مختلف العلوم الشرعية، ومدارس قرآنية تخصص جميع أوقاتها لتحفيظ القرآن لأبناء المنطقة والوافدين عليها، ومدارس تجميع بين تدريس العلوم الشرعية وتحفيظ القرآن. ينظر: الحسن

الثانوي

القرآن وعلومه، الفقه وأصوله

الثانوي
(مستوى السنة النهائية)
االقرآن وعلومه، الفقه وأصوله
اإلخطابة، الوثائق، النحو، البلاغة
ااإالمنطق، التوقيت، الفرنسية، الإنكليزية
الرياضيات، الاجتماعيات، الإعلاميات
التربية البدنية

المصدر: من إعداد الباحث.

طُرح إصلاح البرنامج التعليمي وطرق التدريس، منذ بداية التفكير في رد الاعتبار إلى المدارس الدينية. ففي بيان جمعية علماء سوس نقرأ: «على جميع المدرسين أن يغيِّروا أساليب الدراسة في مدارسهم

لأن العصر يتطلب من الأستاذ أن يربي الفكر تربية مفيدة قبل أن يحشوه بمعلومات جافة». كما نظم متخرجون في هذه المدارس قبل إصلاحها قصائد شعرية تعيب شكل التدريس الديني القائم وقتئذ. لقد «عمقت» إجراءات هيكلة الحقل الديني إصلاح المدارس العتيقة التي شملها التجديد على أكثر من مستوى؛ إذ أصبحت تنظم نشاطات رياضية وثقافية واجتماعية. غير أن هذا التجديد رافقه إقصاء مواد الفلسفة والفكر الإسلامي في البرامج المقررة، ويبين ذلك الجدول (5)؛ ما يعني استمرار الحذر من كل منزع نقدي قد يضع كثيرًا من المعارف المُدرَّسة منذ قرون في موضع النقد والمراجعة. فقد

سبق للسلطان المولى محمد بن عبد الله (790–17571) أن حدد بدقة، في ظهير أصدره «لائحة المواد التي يجب دراستها، والمواد التي يجب تركها، والكتب التي ينبغي الاعتماد عليها»، ومما يشدد عليه هذا الظهير أن: «من أراد الخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلاسفة وغلاة الصوفية، وكتب

القصص، فليتعاطَ ذلك في داره مع أصحابه الذين يدرون أنهم لا يدرون». لا بد من الإشارة هاهنا إلى أن نهج التعليم في المدارس الدينية، في فترات تاريخية معينة، لم يكن يرفض النقاش من ناحية المبدأ، ففي الأزهر على سبيل المثال «كان المنهج منهج حجاج ونقاش، لا منهج إلقاء محاضرات، وكان يتعين على الفرد أن يكون ملتزمًا متى كان ذلك متناسبًا»، وغالبًا ما

يترجم الحذر من النقاش تدخلً سافرًا للسلطة السياسية في مجال التعليم الديني، كما كان «أسلوب

التعلم هذا مرنًا بدرجة ملحوظة ومتحررًا من القسر إذا ما قورن بالتعليم المدرسي الانضباطي»، في

بداياته. ويستفيد الطلاب من منح بسيطة، تختلف عن تلك التي يحصل عليها الأجانب. ولم يزدد مبلغ هذه المنح إلا قليلً؛ إذ انتقل مبلغها من 80 درهمًا (سنة 9871) إلى 015 لطلاب الطور الأول و 002 درهم

((8(الوسخيني، ص.95 ((8(مثال ذلك قصيدة «إلى مدارس سوس العتيقة التي أوردها أيت بومهاوت أمحمد الوسخيني، في: المرجع نفسه، ص.73 ((8(المرجع نفسه، ص.9–8 ((9(ميتشل، ص.158 ((9(المرجع نفسه.

لطلاب الطور الإعدادي و 025 لطلاب الطور الثانوي، وهو المبلغ نفسه الذي ما يزال الطلاب يستفيدون منه.)2019–2015(وقد حققت مدرسة الصوابي نتائج إيجابية في تكوين الطلاب، كما يدل على ذلك تسلم فَقيهها يوم 21 حزيران/ يونيو 0172 جائزة محمد السادس على المردودية التي أحدثت لتشجيع المدارس الدينية، كما تَمكَّن خريجوها من الالتحاق بمهنة التدريس، والظفر «بمنصب» إمام كما يبين ذلك منشور للمدرسة: «في سنة 0112 تم التحاق 05 طالبًا وطالبة بمركز تكوين أساتذة التعليم الإعدادي، 64 منهم

حصلوا على بكالوريا في التعليم العتيق، وما يزيد على 05 آخرين التحقوا هذا العام بمراكز تكوين أساتذة التعليم الثانوي والإعدادي، بالإضافة إلى العشرات منهم التحقوا بسلك الماستر ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات». يتعلق الأمر هاهنا بثلاثة منافذ هي: الوظائف الدينية ومتابعة التعليم العالي والالتحاق بالوظيفة العمومية، خاصة في قطاع التعليم. إن أهم تغيير حصل في هذا المجال هو السماح للحاصلين على شواهد التعليم العتيق بالتسجيل في كليات الشريعة وأقسام الدراسات الإسلامية بالجامعات العصرية، الذي كان حصرًا على طلاب التعليم العمومي والتعليم الأصيل الذي تشرف عليه وزارة التربية

الوطنية. وهكذا أمكن هؤلاء أن يندمجوا في التعليم الجامعي في بلدانهم أو في بلدن أخرى خارج المغرب. من الصعب القيام بتحليل مماثل ومعمق بالنسبة إلى الطلاب الأجانب انطلاقًا من تحليل مآلات خريجي هذه المؤسسة. بل لا بد من النظر في مؤسسات التكوين الديني العليا التي تستقطب خريجي هذه المدارس، ففي إحصائيات معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، والذي يعد مؤسسة انتقاء النخب الدينية الأساسية، نجد حضورًا قويًا للطلاب من دول بلدان الغرب الأفريقي. وتتوزع جنسيات هؤلاء تبعًا للمسجلين سنة 0162 كما يلي: 62 في المئة مغاربة، و 22 في المئة ماليون، و 23 في المئة غينيون، و 21 في المئة إيفواريون، و 5 في المئة نيجيريون، و 3 في المئة فرنسيون، إضافة إلى النساء اللواتي سُمِح لهن أول مرة بتولي مهمات الإرشاد الديني.

((9(أمر ملك المغرب الراحل، الحسن الثاني باعتماد مسلك (شعبة) التعليم الأصيل ضمن مسالك التعليم النظامي العمومي سنة 973.1 ويتلقى التلاميذ الذين يختارون هذا المسلك تكوينًا في مواد اللغة العربية والفقه والشريعة في الثانويات العصرية جنبًا إلى

جنب مع زملائهم الذين يتابعون الدراسة في مسالك أخرى: علمية أو أدبية أو تقنية، أو غيرها. ((9(مؤسسة تابعة لجامعة القرويين، افتتحت سنة 0152، وفق مرجعية ترى ضرورة الحفاظ على إمارة المؤمنين، والعقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف المستمد من سلوك الإمام الجنيد، وهي ثوابت مشتركة تنتهي أسانيدها إلى المغرب بالنسبة إلى مجموع بلدان أفريقيا الغربية. ينظر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، «الورقة التعريفية بمعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات: السنة »2016، 016/11/92، شوهد في 019/7/12:2، في https://bit.ly/2HJPKZZ ((9(المرجع نفسه.

لم يتحدر جميع من يتابع تكوينه من الطلاب الأجانب في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات من المدارس الدينية، بل أتوا من بلدانهم مباشرة لاستكمال التكوين في هذه المؤسسة، وتعتبر هذه المؤسسة مطمح الغالبية لأنها تعطي الشرعية لانتمائهم لفئة النخبة. وتتمثل رهانات التكوين الديني للأجانب والمغاربة على حد سواء في إطار المدارس الدينية العتيقة أو معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات في دعم الإسلام الطرقي في مواجهة الإسلام الحركي؛ إذ يهدف المغرب من خلال احتضان البعثات التعليمية في هذه المدارس العتيقة إلى دعم الإسلام السني الطرقي، وخاصة الطريقة التيجانية، ففي غينيا مثلً 85« في المئة من المساجد [...] تؤدى فيها الأوراد التيجانية المعروفة يوميًا». وتواجه الطريقة التيجانية في هذا البلد «ظهور

طائفة من الشباب أخذوا الحركة الوهابية التي هي حركة فكرية سلفية معروفة بالتشدد والالتزام بأحكام الكتاب والسنة إلى درجة التطرف، ولا يعطون أي وزن للصوفية بل يتهمونها كلها بالكفر». هاهنا يتبين أن سياقات إصلاح الحقل الديني في غينيا مشابهة لتلك التي عرفها المغرب. فقد بينت دراسة ميدانية لعبد الرحمن فضلي أن «الدولة لا تستهدف الإسلام البسيط الذي يمارسه عوام الناس، كما لم تستهدف الإسلام الطرقي، وإنما استهدفت، أساسًا، الإسلام السياسي، الذي يسعى لتقويض [...]

‘إسلام الدولة»’. يتبين أن المدارس الدينية المغربية، تقدم معارف مخالفة لتلك التي تُكتسب في المعاهد الدينية المشرقية خاصة في السعودية، فبينما يتم تعليم الطلاب مادة التوحيد في المرحلة الابتدائية، في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة باعتماد كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب، و«شرح مضامينه وعرض نواقضه حسب التبويب الذي جاء في هذا الكتاب»، تُدرَّس المادة نفسها في

المدارس العتيقة في المغرب استنادًا إلى كتاب المرشد المعين على الضروري من علوم الدينلابن

عاشر. ويتبين أن المغرب ينافس بهذا الدور ما يقدم مثلً في كلية الدعوة وأصول الدين التابعة للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، الرامية، انسجامًا مع رؤية المملكة العربية السعودية 0302

((9(مقتطف من الكلمة التي ألقاها وفد غينيا كوناكري باسم اتحاد الزوايا التيجانية الصوفية السنية للتربية والتعليم الإسلامي في جمهورية غينيا كوناكري، في الملتقى الديني بفاس للزوايا التيجانية سنة 0142، ينظر: «كلمة وفد غينيا كوناكري»، الطريقة التجانية،

شوهد في 018/3/17:2، في https://bit.ly/32kJKiu

((9(المرجع نفسه. (9((عبد الرحمن فضلي، «الإص حاا الديني اليوم في القرى المغربية: ‘المخزن’، و‘فقهاء الشرط’ في تيزنيت»، عمران، العدد 24 (ربيع 0182)، ص.474 ((9(المرجع نفسه، ص.47 ((9(محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي، ولد سنة 1115 ه/ 7031 م وتوفي سنة 06/12 ه 7931 م، عالم دين عرف بدعوة الناس لمحاربة البدع والخرافات وتوحيد الله. (10((عبد الحكيم أبو اللوز، «دور الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في إعادة إنتاج الإيديولوجية الدينية لدى النشطاء السلفيين

المغاربة»، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 25 (شتاء 0102)، ص.42 (10 ((عالم دين مغربي، وأبرز علماء المالكية في المغرب، ولد سنة 990 ه/ 8215 م وتوفي سنة 040/1 ه 6311 م، من مؤلفاته:

ابن عاشر، متن ابن عاشر المسمى بالمرشد المعين في على الضروري من علوم الدين (القاهرة: دار القاهرة للنشر، [د. ت.)].

للتعليم الجامعي، إلى «تلبية حاجة العالم الإسلامي والمجتمعات الأخرى في إعداد متخصصين في العقيدة»، وتدريب الطلاب على «إتقان مهارات نقد الفرق المخالفة والرد عليها ». وذلك لأن الأمر، على هذا النحو، يتعلق بالدفاع عن مذهب الإمام الأشعري في أفريقيا، في مواجهة المذهب الوهابي. وإذا كان من الصعب تحديد مواصفات طلاب العلوم الدينية من دول الغرب الأفريقي الذين يتابعون تكوينهم في المدارس العتيقة، بالنظر إلى عدم استكمال تكوينهم الديني، فإن من الممكن تحديد مواصفات طلاب العلوم الدينية الذين يفدون على مؤسسات التكوين الديني الأخرى في منطقة سوس، وتحديدًا كلية الشريعة، وتتمثل هذه المواصفات في امتلاك طلاب الغرب الأفريقي الذين يتابعون تكوينهم في هذه الكلية رؤية منفتحة تجاه قضايا العصر، كما يبين ذلك، مثلً، موقف بعضهم

من المرأة، يقول فَالُو فَال، طالب سنغالي: «نحن جميعًا سواء. في العمل لا بد أن يبدلن [النساء]

جهدهن مثل الرجال لأنهم متساوون»، كما لا يرى هذا الطالب أي مشكل في مصافحة الرجل امرأة؛ ويعبر الطلاب عن عدم استعدادهم لتولي منصب إمامة المسجد، يقول طراوري أحد المستطلعة آراؤهم من الطلاب: «أخاف من إمامة المسجد لأنها مسؤولية كبيرة»، ويرغب، في المقابل، في أن يكون مُدرسًا؛ كما يستهجنون مواقف أئمة مساجد بلدانهم المتكونين في السعودية، يقول طراوري:

«أغلب الأئمة في بلدي تكوّنوا في السعودية، وهؤلاء يُسمَّون بأهل السنة والجماعة، إنهم متشددون

نوعًا ما، مثلً لم يتكيفوا مع الواقع السنغالي، أغلبهم جاؤوا للتغيير، بعضهم لا يرضى بالتصوف، ويريدون أيضًا تغيير النمط الذي كان عليه أجدادنا، لذلك هناك مشاكل بينهم وبين الذين ينتمون إلى الطرق الصوفية، أقوال دون أفعال، أجوبة وردود». يتبيّن هنا أن التكوين الديني في المغرب، لا يساهم في تكوين نخب غير متشددة قادرة على حماية

استمرارية الإسلام الممارس في دول الغرب الأفريقي منذ قرون فحسب، ولكنّ ذلك مرهونٌ بالدور

(10((الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، كلية الدعوة وأصول الدين، «الرسالة والأهداف»، شوهد في 019/9/17:2، في

https://urlz.fr/ayqc

(10((المرجع نفسه. (10((المرجع نفسه. (10((يعدّ المذهب الأشعري مذهب عموم أهل السنة في العالم الإسلامي، وهو المذهب الذي يعتمده عموم المدارس والجامعات

الدينية في العالم الإسلامي. (10((يقصد بالمذهب الوهابي مجموع أفكار محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي الواردة في كتبه، مثل كتاب: محمد بن

عبد الوهاب، التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، تقريظ صالح بن محمد اللحيدان، دراسة وتحقيق دغش بن شبيب العجمي، ط 5 (الكويت: مكتبة أهل الأثر للنشر والتوزيع،.)2014 (10((استجاب الحسن الثاني، ملك المغرب لطلب جمعية علماء سوس بتأسيس كلية للشريعة في منطقة سوس سنة 978.1 (10((طالب بكلية الشرعية بأيت ملول/ أكادير، سنة أولى، يتحدر من منطقة فوتا بالسنغال، عمره 22 سنة، يدرس حاليًا بالسنة

الأولى، ينظر: فَالُو فَال، مقابلة شخصية، أيت ملول/ أكادير،.2018/1/30 (10((طالب بكلية الشرعية بأيت ملول/ أكادير، سنة أولى، يتحدر من منطقة توبا بالسنغال. ينتمي للزاوية المريدية في بلده، عمره 23 سنة، يتابع دراسته بالسنة الأولى، ينظر: طراوري، مقابلة شخصية، أيت ملول/ أكادير،.2018/1/30

السياسيّ الذي تؤديه بشكلٍ ضمنيّ، والتابع لاستراتيجيات الدولة الحديثة في مواجهة خصومها، وهو

الدور نفسه الذي يمكن مقارنته بالأدوار التي أدتها الحركات والطرق الصوفية في بلدان الغرب الأفريقي مثل السنغال التي يدين غالبية سكانها بولائها الدينيّ للزوايا، وكما بيّن ليوناردو فيلالون في

بحثه في منطقة فاتيك Fatick السنغالية، إنَّ نفوذ الطرق وتشابكاتها تمتد إلى الدولة والأحزاب، وتخترق علاقات تبادل مصالح مع السلطة السياسية التي، في المقابل، تضمن حصولها على الامتيازات. وبهذا المعنى، تؤدي هذه الطرق دور الوساطة بين الدولة وساكني القرى، على نحوٍ يؤدي إلى استقرار النظام. وقد كانت أبحاث ديفيد روبنسون قد وضّحت أنّ الزوايا تشكّل ما يُسمّى

مؤسسة حاكمة Establishment في الفترة الكولونيالية وما بعدها، ولها علاقات وطيدة بساكني مختلف المناطق وأعضاء الإدارة الاستعمارية. وقد قاد تشابه هذه الأدوار التي يؤديها كلٌّ من الزوايا المغربية والسنغالية إلى الاهتمام بها، من أجل الحفاظ على مصالح سياسية في بلدان الغرب الأفريقي، ما جعل المغرب ينظم سنة 9851، أي في أوج الأزمة السياسية التي مر بها في علاقته بالبلدان الأفريقية، ملتقى دوليًا حول الطرق الصوفية،

بفاس. وأسس إضافة إلى ذلك، في 3 حزيران/ يونيو من السنة ذاتها «رابطة علماء المغرب والسنغال للصداقة والتعاون»، بالرباط، لاستدامة التواصل بين المغرب والبلدان الأفريقية، مستثمرًا الدين في

علاقته بهذه البلدان. لقد وعى المغرب أن السياسة الدولية لا تمرّ دائمًا عبر القنوات الرسمية (وزارات الشؤون الخارجية

ومنظمة الوحدة الأفريقية ومنظمات التعاون الثنائية، وغير ذلك)، لذا فضل القنوات غير الرسمية، التي تتميز بطابع الاستمرارية خلافًا للمؤسسات المُهَيكَلة التي تتغير في البلدان الأفريقية بالنظر إلى ظروف

عدم الاستقرار التي تميز هذه البلدان. تتجلى هنا أهمية التنظيمات غير الرسمية مثل الزوايا في التأثير الإيجابي في مصالح المغرب، خصوصًا ما يتعلق بكسب التأييد لملف الصحراء على سبيل المثال، إذ تقلص عدد الدول الأفريقية التي تعترف ب «جبهة البوليزاريو» إلى 15 دولة. لم تكن الزوايا بمنأى عن السياسة منذ بداية تشكل الدولة ما بعد الاستعمارية، إذ تتدخل الزوايا في دعم مرشح لرئاسة الجمهورية السنغالية على حساب مرشح آخر، فقد ساند الشيخ الأكبر للزاوية المريدية سرين فالو Fallou Serin الرئيس السنغالي الأسبق ليوبولد

(110) Leonardo A. Villalón, Islamic Society and State Power in Senegal: Disciples and Citizens in Fatick (Cambridge: Cambridge UP, 2006), pp. 259–260.

(((11 حيث لاحظ أن أكثر نصف السكان في المنطقة المدروسة ينتمي للطريقة التيجانية، بينما تنتمي البقية للطرق الأخرى مثل القادرية والمريدية.

(112) David Robinson,  Paths of Accommodation: Muslim Societies and French Colonial Authorities in Senegal and Mauritania, 1880–1920 (Athens, OH: Ohio UP, 2000).

(((11 نتجت هذه الأزمة من انسحاب المغرب من منظمة الوحدة الأفريقية في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 9841، احتجاجًا على

قبولها «البوليزاريو».

سنغور Senghor Léopold في الفترة 968–1945 1. كما وجه الخليفة العام للزاوية التيجانية أثناء الانتخابات الرئاسية لسنة 988 1 أمرًا لأتباعه بالتصويت لصالح عبدو ضيوف. ينقاد مريد الزاوية

إلى أوامر الشيخ، لأنه يثق به أكثر من ثقته بالحكومة، كما يتخلى له عن مهمة تدبير الشؤون مع الدولة، ما يساعد الحكومة على كسب ولاء الأفراد. وقد عدَّ كريز أوبريون Brien ’ O Cruise هذه العلاقة أساس العقد الاجتماعي في السنغال بين السلطة السياسية والسلطة الدينية التي تمثلها الزوايا. لهذا السبب اهتم المغرب بالبعد الديني في علاقاته بالبلدان الأفريقية، واستثمر هذا المجال «غير المهيكل» لتصريف جزء من مواقفه السياسية. ونعتبر هذا المجال غير مهيكل لأنه لا يخضع لقواعد القانون الدولي والعلاقات الدولية. إذ ا، لم يعد كل ما هو غير رسمي Informel يحيل على دلالات قدحية من قبيل الزبونية والطائفية، بل يعني مجموعة معايير غير مكتوبة من غير الدستور والقوانين، وعلاقات بالنخب خاصة شيوخ الزوايا. وقد انتبه بعض دراسات العلوم السياسية إلى أن سياسة

المغرب في أفريقيا تقوم على الإسلام الطرُقي، من أجل استمالة النخب المؤثرة في دول الغرب

الأفريقي، ومنها هذه النخب المستقبلية التي تتلقى تكوينها في المغرب لدعمه، ولا سيما أن النخب الدينية مؤثرة في الحقل السياسي في البلدان الأفريقية مثل السنغال وغانا.

خاتمة

لا تُعبِّر هجرة الطلاب عن إرادتهم الحرة، بل يتعلق الأمر بهجرة «مُوجَّهة»، ومرتبة في إطار دبلوماسي،

ومن ثم، يمكن اعتبارها إحدى وسائل الدبلوماسية المغربية في بلدان الغرب الأفريقي. ويأتي هذا التوافد في إطار سياسة المغرب الدينية وامتداداتها في أفريقيا، حيث تستقبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أفواجًا من طلاب العلوم الشرعية، وتوزعهم على المدارس العتيقة المغربية، كما في سوس،

بالنظر إلى ترسخ تقاليد المذهب المالكي في هذه المدارس. ويفسر وجود فئة الغينيين بنوعية العلاقات بين المغرب ودولة غينيا. ويعتبر تراجع نسبة السنغاليين في المدارس الدينية العتيقة في سوس أول تحول كبير عرفه توافد الأجانب في المغرب من أجل التكوين الديني. وفي المقابل، تنوعت الجنسيات الملتحقة حديثًا بهذه المدارس، وأصبح عدد الطلاب الغينيين مهمًا في السنوات الأخيرة، ما يعبر عن نوعية الاستثمار

الديني المغربي في بلدان الغرب الأفريقي.

(114) Marie Brossier, «Penser la participation politique par l’impératif religieux: Trajectoires d’engagements musulmans au Sénégal,» Revue internationale de politique comparée , vol. 20, no. 4 (2013), p. 194. (115) Ibid., p. 197. (116) Donal B. Cruise O’Brien, «Le contrat social sénégalais à l’épreuve,» accessed on 12/7/2019, at: https://bit. ly/2YToaiY (117) Brahim El Morchid, «De la relation entre les institutions informelles et le développement: La Leçon africaine,» in: L’Afrique comme horizon de pensée , vol. 2 (Rabat: Publication de l’académie du royaume du Maroc, 2015), p. 423. (118) Bakary, p. 7.

لقد كانت المدارس الدينية في سوس وحدات منغلقة على نفسها، يرتادها سكان القرية وآخرون يأتون من قرى ومدن مغربية، وأصبحت حاليًا منفتحة على محيط أفريقي كبير، مما ساعد طلاب هذه

المؤسسات على الانفتاح على ثقافات ولغات طلاب أجانب ينتمون إلى بلدان أفريقية أخرى تدين بالإسلام. ويكتسب الأجانب تعليمًا باللغة العربية، ويحققون نتائج مماثلة لتلك التي يحققها زملاؤهم

المغاربة. كما تشكل العربية لغة التواصل في ما بينهم وبين زملائهم المغاربة. من السابق لأوانه الحديث عن مخرجات التدريس بالنسبة إلى هذه الفئة، فأول الملتحقين سنة 0022 بهذه المدرسة ما زال يتابع بها دراسته إلى حدود الموسم الدراسي 020–20192، لكن البحث في مخرجات التكوين بالنسبة إلى الطلاب المغاربة يبين أن هناك بالفعل حركية اجتماعية صاعدة لهذه الفئة المتحدرة أصلً من الطبقات الفقيرة، فقد تمكن عدد منهم من الالتحاق بالنخب الدينية بعد المرور في مرحلة لاحقة إلى مؤسسة محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين الدينيين. ويهدف المغرب من استقبال البعثات الدينية لمساعدة دول الغرب الأفريقي على الحفاظ على تقاليد الإسلام الطرقي السني الذي يتعرض لهجوم السلفية، وفي الوقت نفسه استمالة النخب الدينية في هذه البلدان لدعم مصالح المغرب في غرب أفريقيا، لأن القنوات الدبلوماسية غير الرسمية مثل الزوايا واسعة الانتشار، أثبتت نجاعتها في الحفاظ على مصالح البلد، خصوصًا في المجتمعات الأفريقية

التي لا تعرف استقرارًا سياسيًا دائمًا.

References

المراجع

العربية

ابن عاشر. متن ابن عاشر المسمى بالمرشد المعين في على الضروري من علوم الدين. القاهرة: دار القاهرة للنشر، [د. ت.]. ابن عبد الوهاب، محمد. التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. تقريظ صالح بن محمد اللحيدان. دراسة وتحقيق دغش بن شبيب العجمي. ط.5 الكويت: مكتبة أهل الأثر للنشر والتوزيع،.2014 أبو اللوز، عبد الحكيم. «دور الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة في إعادة إنتاج الإيديولوجية الدينية لدى النشطاء السلفيين المغاربة». المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 25 (شتاء 2).010 أعراب، إبراهيم (تقديم ودراسة). الرحلة المانوزية: محمد بن أحمد المانوزي السوسي: دراسات في سرديات الهامش وتشكل النخبة الدينية المحلية. سلسلة من أدب الرحلات والمذكرات. الرباط: دار الأمان،.2015 أكاديمية المملكة المغربية. فاس وأفريقيا: العلاقات الاقتصادية والثقافية والروحية. سلسلة «ندوات ومناظرات.3 الرباط: معهد الدراسات الأفريقية،.1996 أوريد، حسن. الإسلام السياسي في الميزان: حالة المغرب. الرباط: توسنا،.2016

البزاز، محمد الأمين. تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. سلسلة رسائل وأطروحات 8.1 الرباط: منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية،.1992 بطاطو، حنّا.  فلاحو سورية: أبناءُ وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم. ترجمة عبد الله فاضل ورائد النقشبندي. مراجعة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 البكري، أبو عبيد الله. الممالك والمسالك. تحقيق أدريان فان ليوفن وأندري فيري. ترجمة سعد عزاب.]د. م.[: الدار العربية للكتاب/ بيت الحكمة،.1992 الجابري، محمد عابد. أضواء على مشكل التعليم بالمغرب. الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.1973 جمعية علماء سوس. منجزات جمعية علماء سوس. [د. م.]: منشورات جمعية علماء سوس،.2000 الحضيكي، محمد بن أحمد. طبقات الحضيكي. تقديم وتحقيق أحمد بومزكو. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.2006 حنداين، محمد. المخزن وسوس (1672–1822): مساهمة في دراسة تاريخ الدولة بالجهة. الرباط: دار أبي رقراق للطباعة والنشر،.2005 ابن خلدون، عبد الرحمن. كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأعظم. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات،.1971 الساحلي، المتوكل عمر الساحلي. المعهد الإسلامي بتارودانت والمدارس العلمية العتيقة بسوس. الدار البيضاء: دار النشر المغربية،.1985 السوسي، محمد المختار. سوس العالمة. [د. م.]: مؤسسة بنميرة للطباعة والنشر،.1974 ________. المعسول في الإلغيين وأساتذتهم وتلامذتهم وأصدقائهم السوسيين. بيروت: دار الكتاب العلمية،.2014 ________. محمد المختار. مدارس سوس العتيقة: نظامها – أساتذتها. طنجة: مؤسسة التغليف والطباعة والنشر والتوزيع، [د. ت.]. عبد الرحمان برادة، محمد (إشراف). دفاتر الجهوية: جهة سوس ماسة. الدار البيضاء: مطبعة دار النشر المغربية،.2017 الفاسي، الحسن من محمد الوزان. وصف إفريقيا. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. ط.2 بيروت: دار الغرب الإسلامي؛ الرباط: الشركة المغربية للناشرين المتحدين،.1983 فضلي، عبد الرحمن. «الإصلاح الديني اليوم في القرى المغربية: ‘المخزن’، و‘فقهاء الشرط’ في تيزنيت». عمران. العدد 24 (ربيع 2).018

لوتورنو، روجي. فاس قبل الحماية. ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر. بيروت: دار الغرب الإسلامي،.1992 المسلوتي، مصطفى بن عمر. التراث الإسلامي في سوس. الرباط: منشورات جامعة ابن زهر،.2009 ميتشل، تيموثي. استعمار مصر. ترجمة بشير السباعي وأحمد حسان. ط.2 القاهرة، مدارات للأبحاث والنشر،.2013 ميغا، عبد الله بن إدريس أبو بكر، «المدرسة المالكية المغربية وامتداداتها الأفريقية». دعوة الحق. العدد 624 (آب/ أغسطس.)2018 الوسخيني، أيت بومهاوت أمحمد. منار السعود: عن تفراوت المولود ومدرستها العتيقة. الدار البيضاء: مطبعة النجاح الجديدة،.1994

الأجنبية

Abou El Farah, Yahya et al. La Coopération maroco–africaine. Rabat: Institut des Etudes Africaines, 2010. Bakary, Sambe. Islam et diplomatie: La Politique africaine du Maroc. Rabat: Marsam,

Brossier, Marie. «Penser la participation politique par l’impératif religieux: Trajectoires d’engagements musulmans au Sénégal.» Revue internationale de politique comparée. vol. 20, no. 4 (2013). El Morchid, Brahim. «De la relation entre les institutions informelles et le développement: La Leçon africaine.» L’Afrique comme horizon de pensée. vol. 2. Rabat: Publication de l’académie du royaume du Maroc, 2015. Hiskett, Mervyn. «The Maitatsine Riots in Kano, 1980: An Assessment.»  Journal of Religion in Africa. vol. 17, no. 3 (October 1987). Hobsbawm, Eric. L’invention de la tradition. Christine Vivier (trad.). Amsterdam: Éditions Amsterdam, 2006. Hugon, Clothilde. «Les Sëriñ daara et la réforme des écoles coraniques au Sénégal: Analyse de la fabrique d’une politique publique.» Politique Africaine. vol. 3, no. 139 (October 2015). Lubeck, Paul. «Islamic Protest Under Semi–Industrial Capitalism: Yan Tatsine Explained.»  Africa. vol. 55, no. 4 (1985). Montagne, Robert. «Une tribu berbère du sud marocain: Massat.» Hespéris Tamuda. vol. 4, no. 4 (1924). Robinson, David.  Paths of Accommodation: Muslim Societies and French Colonial Authorities in Senegal and Mauritania, 1880–1920. Athens, OH: Ohio UP, 2000. Villalón, Leonardo A. Islamic Society and State Power in Senegal: Disciples and Citizens in Fatick. Cambridge: Cambridge UP, 2006.