العودة إلى تفاصيل المؤلَّف محدودية نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية: حالتا حركة «20 فبراير» وحراك الريف في المغرب

محدودية نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية: حالتا حركة «20 فبراير» وحراك الريف في المغرب

Limits of Rational Choice in the Sociology of Social Movements: The 20 February Movement and the Countryside Movement in Morocco

محمد نعيمي | Mohamed Naimi *

الملخّص

تختبر هذه الدراسة القيمة التفسيرية لنظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية من خلال مقاربتها الفضاء الاحتجاجي المغربي . و تُبين كيف تطورت دراسة الحركات الاجتماعية من علم النفس الاجتماعي إلى نظرية الاختيار العقلاني التي افترضت أنّ الأفراد يقررون المشاركة، من عدمها، في أي حركة اجتماعية وفق حساب الربح والخسارة. ومن خلال دراسة حركات الخريجين العاطلين في المغرب، تُبين هذه الدراسة أيضًا أنه على الرغم من تفسير النظرية حركات اجتماعية ذات مصالح اقتصادية فئوية، فإنها قاصرة منهجيًا وإبستيمولوجيًا أمام حركات تحفيزاتها رمزيةٌ ك مُتَع النضال وتأكيد الذات، ورهاناتها قيمٌ لامادية كا​​لحرية والكرامة، كما هو شأن حركة "20 فبراير" وحراك الريف. في المقابل، تقترح هذه الدراسة توسيع دائرة هذه النظرية لتشمل المجال الإدراكي عبر عقلانية أكسيولوجية تأخذ في الحسبان أهمية القيم.

Abstract

Abstract: This study tests the explanatory value of the theory of rational choice in the sociology of social movements by studying Moroccan protest movements. It demonstrates the theoretical origins and development of rational choice theory, which assumes that individuals decide to participate, or not, in any social movement according to the calculation of profit and loss. By studying the movements of unemployed graduates in Morocco, the paper also shows that, despite the theory’s ability to interpret some aspects of social movements, it is deficient in explaining symbolically motivated movements. These movements stress self–assertion and immaterial values such as freedom and dignity, as is the case of the 20 February and the countryside movements. Alternatively, this study proposes to extend the boundaries of this theory to include the cognitive field through the application of axiological rationality instead of rational choice theory.

الكلمات المفتاحية:
  • الحركات الاجتماعية
  • نظرية الاختيار العقلاني
  • الفضاء الاحتجاجي المغربي
  • حركة 20 فبراير
  • حراك الريف
Keywords:
  • Social Movements
  • Rational Choice Theory
  • Moroccan Protest Movements
  • 20 February Movement
  • Countryside Movement

ملخص: تختبر هذه الدراسة القيمة التفسيرية لنظرية الاختيار العق نااي في سوسيولوجيا

الحركات الاجتماعية من خ لاا مقاربتها الفضاء الاحتجاجي المغربي. وتُبين كيف تطورت

دراسة الحركات الاجتماعية من علم النفس الاجتماعي إلى نظرية الاختيار العق نااي التي

افترضت أنّ الأفراد يقررون المشاركة، من عدمها، في أي حركة اجتماعية وفق حساب الربح

والخسارة. ومن خ لاا دراسة حركات الخريجين العاطلين عن العمل في المغرب، تُبين

الدراسة أيضًا أنه على الرغم من تفسير النظرية حركات اجتماعية ذات مصالح اقتصادية فئوية،

فإنها قاصرة منهجيًا وإبستيمولوجيًا أمام حركات تحفيزاتها رمزيةٌ كمُتَع النضال وتأكيد الذات،

ورهاناتها قيمٌ لامادية كالحرية والكرامة، كما هو شأن حركة 20« فبراير» وحراك الريف. في

المقابل، تقترح هذه الدراسة توسيع دائرة هذه النظرية لتشمل المجال الإدراكي عبر عقلانية

أكسيولوجية تأخذ في الحسبان أهمية القيم.

المغربي، «حركة 20 فبراير»، حراك الريف.

Abstract: This study tests the explanatory value of the theory of rational choice in the sociology of social movements by studying Moroccan protest movements. It demonstrates the theoretical origins and development of rational choice theory, which assumes that individuals decide to participate, or not, in any social movement according to the calculation of profit and loss. By studying the movements of unemployed graduates in Morocco, the paper also shows that, despite the theory’s ability to interpret some aspects of social movements, it is deficient in explaining symbolically motivated movements. These movements stress self–assertion and immaterial values such as freedom and dignity, as is the case of the 20 February and the countryside movements. Alternatively, this study proposes to extend the boundaries of this theory to include the cognitive field through the application of axiological rationality instead of rational choice theory.

Professor of Social Sciences Research Methods at the Institute of Social Development in Rabat, Morcco.

شتاء   Winter 2020

مقدمة

تتناول هذه الدراسة دور نظرية الاختيار العقلاني Choice Rational في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية لتفسير بعض الظواهر، محاولةً التساؤل عن النظرية وقيمتها ومحدوديتها في دراسة الفعل الجمعي Action Collective، وتتساءل: هل تنطوي الحركات الاجتماعية على عقلانية ما؟ وإلى أي حدّ يختلف منطق الفعل الجمعي عن منطق الفعل الفردي؟ ثم أيكون اختيار الفرد انخراطه في الفعل الجمعي وفق منافع أم بحسب قيمٍ؟ تُحاول الدراسة الإجابة عن هذه الأسئلة عبر دراسة ميدانية للوضعية الاحتجاجية في المغرب. وسيمك ن هذا التمحيص من الوقوف على القدرة التفسيرية لهذه النظرية، ومن الوقوف على محدوديتها في

دراسة الحركات الاجتماعية في تنوعها وغِناها، لتُختم بالنظر في إمكان عقلانية بديلةِ. يُدرج العمل الحالي ضمن إشكالية مناهج البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية في العالم العربي.

وتُشكل سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية الحقل العلمي الذي سيتم في مِضماره تناول مشكلة القيمة التفسيرية لنظرية الاختيار العقلاني ومحدوديتها. وترجع أصالة مشكلة البحث إلى اختلافها موضوعًا

ومنهجًا عمّا جرت معالجته من مشكلات في دراسات إمبيريقية سابقة في المغرب؛ حيث سيُدْرس

منطق الفعل الجمعي داخل حركات اجتماعية ساهمت، أو تساهم، في تشَكُّل فضاء احتجاجي مغربي قائم الذات. لذلك، يُعدّ البحث الاجتماعي، باعتباره بحثًا عن المعرفة، الهدف النهائي للعالم الاجتماعي الذي لا

يسعى لجمع معلومات مفيدة وصحيحة فحسب، بل يهدف أيضًا إلى تثقيف المجتمع في حال بعض «مصادر» المعرفة وصدقها. وإذا كان إشكال البحث الحالي يتمحور حول القيمة التفسيرية لنظرية الاختيار العقلاني ومحدوديتها في مجال سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، فإنّ اختيار معالجته جرى

ضمن إشكالية نظرية تفترض وجود علاقات ترابط بين مجموع الحركات الاجتماعية المشكِّلة لفضاء احتجاجي يسعى لتحقيق استقلالية نسبية تجاه حقلين منافسين له؛ السياسي والنقابي. وبناءً عليه،

(((يُذكر منها خاصة:

Assia Benadada & Latifa El Bouhsini (dir.), «Le Mouvement des droits humains des femmes au Maroc: Approche historique et archivistique,» Étude réalisée par Le Centre d’histoire du temps présent, Faculté des Lettres et des Sciences Humaines–Rabat/ Université Mohammed V de Rabat, 2014; Mounia Bennani–Chraïbi & Mohamed Jeghllaly, «La Dynamique protestataire du Mouvement du 20 février à Casablanca,» Revue française de science politique , vol. 62, no. 5 (2012); Jacopo Granci, «Le Mouvement amazigh au Maroc: De la revendication culturelle et linguistique à la revendication sociale et politique,» Thèse en science politique, Montpellier 1, 2012; Montserrat Emperador Badimon, «Le Mobilisation des diplômés chômeurs au Maroc: Usages et avatars d’une protestation pragmatique,» PhD. Dissertation, Ecole doctorale sciences juridiques et politiques, université paul cèzanne, marseille, 2011; Tehri Lehtinen, «Nation à la marge de l’état, la construction identitaire du mouvement culturel amazigh dans l’espace national marocain et au–delà des frontières étatiques,» Thèse de doctorat d’état en anthropologie sociale et ethnologie, École des Hautes Études en Sciences Sociales, Paris, 2003.

(((سوتيريوس سارانتاكوس، البحث الاجتماعي، ترجمة شحدة فارع، مراجعة ثائر ديب، سلسلة ترجمان (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، ص.59

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

تكمن أهمية الدراسة في تمحيص صلاحية بعض الأطر النظرية، من خلال دراسة عيّنة من الحركات

الاجتماعية في المجتمع المغربي.

أولا: نظرية الاختيار العقلاني

بما أن سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية هي حقل فرعي ينتمي إلى علم الاجتماع، فإن لفظ المناهج في استعماله المتداول في هذا العلم يدل في عمومه على تقنيات الملاحظة أو جمع المعطيات وتحليلها. غير أن هذا المعنى يبقى محدودًا جدًّا؛ لأن المناهج، إضافة إلى ما تعنيه من تقنيات وصفية، تُعتبر أيضًا، وعلى وجه الخصوص، بمنزلة مبادئ موجِّهة للعلماء المتخصصين في سعيهم لتأسيس نظريات جديدة والشروع في تحليل النظريات القائمة ونقدها. ومما لا شك فيه أن معرفة هذه المناهج تقتضي دراسة معمَّقة لأهم نظريات علم الاجتماع التي بفضلها تُدرَك ظواهر اجتماعية أساسية غير

مُسلَّم بها قبْليًا. وإجمالً يجري التمييز بين منهجَي «الكليانية المنهجية » Holism Methodological

. Methodological Individualism »و«الفردانية المنهجية

إذا كانت الكليانية المنهجية تَعتبر الظواهر الاجتماعية كليات تُدرَس لإبراز العلاقات السببية بينها،

فإن الفردانية المنهجية، خلافًا لذلك، هي منهج توضيحي يُتيح إدراك الظواهر الاجتماعية بإرجاعها

إلى الأفعال الفردية التي تُكوِّنها. وحريّ بالتسجيل أن أ سس كلا المنهجين وُضعت في نهاية القرن

التاسع عشر؛ حيث ظهرت الكليانية المنهجية في فرنسا مع إميل دوركهايم، بينما أ سّست الفردانية

المنهجية على يدَي عالمَي اجتماع ألمانيين، هما ماكس فيبر وجورج زيمل بصفتهما رائدين لها. وتعتبر الفردانية المنهجية من أهم أشكال نظرية الاختيار العقلاني التي تُقدِّم تصورًا عامًا

للعلوم الاجتماعية، يقوم على ثلاث مُسلّمات سيجري التوسّع فيها في ما بعد، هي الفردانية والفهم

والعقلانية. إضافة إلى هذا النموذج العقلاني، يقدم علم الاجتماع نماذج أخرى لفهم الفعل الاجتماعي وتأويله، نماذج في إمكان أي باحث اعتماد إحداها أو بعضها بحسب المعطيات التي يشتمل عليها. وتكمُن أهمية

هذه النماذج في قدرتها على إضفاء معانٍذاتية على وقائع تُبنى بواسطة أدوات بحث كمية كالاستمارات والإحصاءات، أو نوعية كالملاحظات والمقابلات. ولعل أبرز هذه النماذج منظور الحرمان النسبي لتيد غور، ومذهب المنفعة لجيريمي بنتام، ونموذج مطابقة الفعل للمعايير الاجتماعية والسجيّة

(3) Raymond Boudon & Renaud Fillieule, Les Méthodes en sociologie , Collection Que sais–je? (Paris: PUF, 1969), p. 4. (4) Raymond Boudon, «Théorie du choix rationnel ou individualisme méthodologique?» Sociologie et sociétés , vol. 34, no. 1 (2002), p. 9. (5) Ted Robert Gurr, Why Men Rebel (Princeton: Princeton University Press, 1970).

(((ينطلق مذهب المنفعة لجيريمي بنتام (1832–1748) من مبدأ أن الأفراد لا يتصوّرون مصالحهم إلا من منظور ع قااة اللذّة

بالألم. فلكل فعل نتائج إيجابية وأخرى سلبية، تجعل الفرد يقوم بالأفعال التي تجلب له أكبر قدر من السعادة.

شتاء   Winter 2020

الاجتماعية، أي ما يسميه بيار بورديو «الهابيتوس»Habitus. أضف إلى ذلك «النماذج المثالية» للفعل لدى ماكس فيبر، ونموذج التصرفات المفروضة على الفاعل لتقليص التنافرات في وضعيات

الأزمة، أو ما يسميه دوركهايم «الأنوميا». وإجمال، تستمدّ هذه النماذج قوّتها مما تضفيه على الوقائع

من دلالات راجحة ذاتيًا ومقبولة على نحو كبير. وفي حالة اصطدام هذه النماذج بوقائع مُلغ زة، يُرجَع

المجهول منها إلى المعلوم. لا تهتم الدراسة في المقام الحالي إلا بنظرية الاختيار العقلاني، التي ربما تكون أيسر طريقة لبيان خصائصها المميزة هي التركيز على محاولة بنائها لنماذج فعل الفرد، عندما يتصرف بعقلانية في موقف معيّن. وبحسب هذا المنظور، يمكن القول إن الفرد يتصرف بعقلانية حالما يبني اختياره أي فعل على

معلومات متعلقة بوضعه (ماذا يريد؟ وما الإمكانات والبدائل المتاحة؟ وكيف يرتّب الأفضليات؟)، وعلى المنفعة المحتملة للفعل، على الرغم من أن مسألة مقدار المعرفة اللّ زمة للقيام باختيار عقلاني تبقى موضع خلاف في هذه النظرية. وحَريّ بالذكر أن القصد هو أساس التفسير في نظرية الاختيار العقلاني؛

أي إن مبرّرات الفعل تكمن في رغبات الفرد ومعتقداته. غير أن هذا التفسير يذهب إلى أبعد مدى حينما

يدّعي أن تلك الرغبات والمعتقدات هي أسباب للفعل. يقود القول بهذه المسلّمة إلى تسجيل ملاحظة

مهمة، مفادها أن نظرية الاختيار العقلاني تقوم على مجموعة من المسلمات تُشكّل نسقًا أكسيوماتيًا. في هذا الصدد، يرى رايمون بودون أن أولى مسلّمات هذا النسق هي مسلّمة الفردانية التي تذهب إلى أن كل ظاهرة اجتماعية هي نتاج سلوك وأفعال وقرارات ومواقف ومعتقدات فردية. وثانيتها مسلّمة الفهم التي تفترض أن أفعال الفرد ومعتقداته كلها قابلة للفهم، على الأقل من حيث المبدأ. أما ثالثتها، فمسلّمة العقلانية التي وإن كانت لا تنفي وجود أسباب غير عقلانية، ترى أن الأفعال والمعتقدات الفردية التي على العلوم الاجتماعية معرفتها هي أساسًا نتاج مبررات عقلانية قد تكون مُدرَكة إلى

حدّ ما من الفرد. أما الرابعة، فمسلّمة الغائية أو الأداتية التي تفترض أن المبررات التي يأخذها الفرد

في الحسبان في أفعاله ومعتقداته تتعلق بعواقبها. والخامسة مسلّمة الأنانية التي تطرح أن الفرد يهتم حصريًا أو كأولوية بعواقب الأفعال والمعتقدات المرتبطة بمصالحه الشخصية. والسادسة مسلّمة

«حساب التكلفة والفائدة» التي تفترض أن أي فعل ينطوي على تكلفة وربح، لذلك يختار الفاعل دومًا

من الأفعال ما يحقّق له أكبر قدر ممكن من الفائدة.

(((يُعرِّف بيار بورديو (2002–1930) «الهابيتوس» بأنه نتاج لعمل الاستدماج الضروري لتتمكن منتجات التاريخ الجمعي المتمثلة

في البنى الموضوعية (أي اللغة والاقتصاد وغيرها) من إعادة إنتاجها، في شكل استعدادات مستدامة، لدى أفراد المجتمع الذين يخضعون باستمرار للاشتراطات نفسها.

Pierre Bourdieu, Esquisse d’une théorie de la Pratique: Précédé de « Trois études d’ethnologie kabyle » (Paris: Librairie Droz, 1972), p. 225. (8) François Dubet, «Frustration relative et individualisation des inégalités,» Revue de l’OFCE , no. 150 (Février 2017), p. 1.

(((إيان كريب، النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم، مراجعة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة 244 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1999)، ص.102 (((1 المرجع نفسه.

(11) Raymond Boudon, Raison, bonnes raisons (Paris: PUF, 2003), pp. 19–21.

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

يضيف علم الاجتماع الماركسي مسلّمة سابعة تفيد أن الأفراد يقيّمون أفعالهم ومواقفهم ومعتقداتهم

بالنظر إلى عواقبها على مصالحهم الشخصية المرتبطة أساسًا بمصالحهم الطبقية. ومن علماء الاجتماع

من يستلهم من نيتشه ويضيف إلى المسلمات السابقة مسلّمة تقول إن الفاعل الاجتماعي يخضع أساسًا ل «إرادة القوة». وعلى الرغم من أن المسلّمات المقيِّدة التي تُدخلها الماركسية أو النيتشوية على

نظرية الاختيار العقلاني لا تشكل إطارًا عامًا، فإن علم الاجتماع المستلهَم منهما أنتج بعض التحليلات التي تكون مهمة في بعض الأحيان. إذا كان البناء النظري المحدَّد بمسلّمتَي الفردانية والفهم يناسب علم الاجتماع التَّفهُّمي بالمعنى الفيبري

للكلمة، فإن نسق المسلّمات حينما يُختزل إلى مسلّمة الفردانية، يؤول إلى الفردانية المنهجية كمنهج أساسي في العلوم الاجتماعية إلى جانب الكليانية المنهجية. وجدير بالذكر أن بودون يُولي النسق

المكوَّن من مسلّمات الفردانية والفهم والعقلانية أهميةً خاصة؛ إذ يعتبره نموذجًا عقلانيًا عامًّا يقود

معظم النظريات السوسيولوجية الفاعلة. تستند هذه الدراسة، ولو جزئيًا، إلى نظرية الاختيار العقلاني بسبب قدرتها التفسيرية المفترَضة لكيفية

نشوء وتطوّر بعض أصناف الحركات الاجتماعية؛ حيث إن أعمالها في هذا الباب تُعدّ أحد أبرز مظاهر

نجاحها، كما سنُبيّن لاحقًا. أما المبرر الثاني لهذا الاختيار، فيكمن في الاهتمام المتزايد الذي أصبحت

تحظى به الحركات الاجتماعية منذ عام 2011 في سياق الموجة الأولى للثورات العربية؛ ليس عربيًا

فحسب، بل دوليًا كذلك، نظرًا إلى الدور الريادي الذي اضطلعت به في قيادة جلّ انتفاضات الشعوب

العربية وثوراتها.

ثانيًا: قيمة نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية

تعود جاذبية نظرية الاختيار العقلاني إلى بُعد مهم، أبرزه جيمس كولمان على نحو دقيق حينما قال: «إن ما يجعل الفعل العقلاني، كأساس نظري، يتمتع بقوة إغراء خاصة، هو تصوّر الفعل بكيفية يصبح

معها طرح أي سؤال إضافي بلا جدوى». وتعني عبارة «الفعل العقلاني» الفعل الموجَّه بحساب التكلفة

والربح؛ إذ إنّ التفسير يكون تامًّا حالما يتم تفسير قيام الشخص بفعل معيّن بدلً من قيامه بفعل آخر،

ما دام بدا له أكثر فائدة من حيث أهدافه أن يقوم بذلك الفعل. من أجل قياس مدى مساهمة نظرية الاختيار العقلاني في تطور العلوم الاجتماعية، يكفي ذكر أعمال

(12) Ibid., p. 24. (13) Ibid., p. 25. (14) Boudon, «Théorie du choix rationnel,» p. 11.

شتاء   Winter 2020

كولمان وأنتوني أوبرشال وراسل هاردين وتيمور كوران. فبفضل هذه النظرية نجح هؤلاء الدارسون في تفسير بعض الظواهر التي كانت مستعصية في مجالات سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية والإجرام والرأي العام أو الدولة. ومن ثمّ، لا يمكن أي تعليم جامعي رصين، في أي من المجالات

الكبرى لعلم الاجتماع، أن يتجاهل المساهمات المنهجية التي قدّمتها نظرية الاختيار العقلاني.

وتأسيسًا عليه، نتساءل إلى أي حد يكون الفعل الجمعي الاحتجاجي فعلً عقلانيًا؟ لإجابة عن هذا السؤال وبيان المكانة التي تتبوّؤها نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات

الاجتماعية، نحتاج إلى تقديم نظرة موجزة عن التطور المنهجي الذي عرفته هذه السوسيولوجيا منذ نشأتها. وفي هذا السياق، تميزت أولى المقاربات التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر بالنظر إلى الفعل الجمعي باعتباره حركة للحشود تُدرَس من منظور علم النفس الاجتماعي. «إن الظاهرة التي تدهشنا أكثر في الجمهور النفسي هي كالتالي: أيًّا تكن نوعية الأفراد الذين يشكلونه،

وأيًّا يكن نمط حياتهم متشابهًا أو مختلفًا، واهتماماتهم ومزاجهم أو ذكاؤهم أيضًا، فإن مجرد تحوّلهم

إلى جمهور يزوّدهم بنوع من الروح الجماعية. وتجعلهم هذه الروح يُحسّون ويُفك رون ويتحرّكون

بطريقة مختلفة تمامًا عن الطريقة التي كان سيُحس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لو كان معزولً.

ولا تنبثق بعض الأفكار والعواطف، أو لا يتحوّل إلى فعل، إلا لدى الأفراد المنضوين إلى صفوف

الجماهير». وهكذا، فبمجرد تحوّل الأفراد المختلفين في كل شيء إلى جمهور، تنبثق روح جماعية تجعلهم

يُحسّون ويفكرون ويتصرفون بطريقة جماعية. وفي حالة الذوبان هذه، تتلاشى الشخصية الواعية،

وتُهيمن الشخصية اللاواعية، ويتوجّه الجميع ضمن الخط نفسه؛ جَرّاء التحريض وعدوى العواطف

والأفكار والميل إلى تحويل الأفكار المحرَّض عليها إلى ممارسة وفعل مباشرين. لذلك لا يعود الفرد

هو نفسه، إنما يصبح عبارة عن إنسان آلي فاقد الإرادة. لكن ستعمل مدرسة شيكاغو على التخلّي عن هذه النظرة الموروثة عن سيكولوجيا الحشود تدرّجًا؛

إذ في فترة ما بين الحربين العالميتين سيُساهم كل من روبرت بارك Park. E Robert)1944–1864(

وهربرت بلومر Blumer Herbert (1987–1900) في دمج دراسة الحشود ضمن دراسة السلوك

(15) James Coleman, Foundations of Social Theory (Cambridge/ London/ Massachusetts: Harvard University Press,

(16) Anthony Oberschall, Social Conflict and Social Movements (Englewood Cliffs, NJ: Prentice–Hall, 1973). (17) Russel Hardin, One for All: The Logic of Group Conflict (Princeton: Princeton University Press, 1995). (18) Timur Kuran, Private Truths, Public Lies: The Social Consequences of Preference Falsification (Cambridge/ London/ Massachusetts: Harvard University Press, 1995). (19) Boudon, «Théorie du choix rationnel,» p. 15. (20) Gustave Le Bon, Psychologie des foules , 9 th  éd. (Paris: Édition Félix Alcan, 1905 [1895]), p. 19, p. 19. (21) Ibid., p. 23.

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

الجمعي Behavior Collective الذي أُدخل في خانة الموضوعات المشروعة لحقل البحث السوسيولوجي. فلم تعُد الاحتجاجات بمنزلة حالات اجتماعية مرضية، بل أصبحت تتمتع بعقلانية

خاصة. كما عُوّض مبدأ مسلكيات الحشود القائم على منطق العدوى، بمبدأ توَجُّه الأفراد نحو أهداف

مشتركة. وقد اعتمد روّاد مدرسة شيكاغو وتلامذتهم منهجية تنطلق من الفرد بصفته فاعلًاجتماعيًا،

لأن فهم التفسيرات الجماعية لكل سلوك لا يمكن أن يتم إلا بالنظر إليها من زاوية الفاعل. إضافة إلى ذلك، دشّنت دراسات أخرى في ستينيات القرن السابق مرحلة جديدة في تحليل السلوك الجمعي المميز للحركات الاجتماعية، حيث تناول بعض الدارسين مشكلة تفسير الثورات أو التمرّدات

بالتركيز على مفهوم «الحرمان النسبي»، كما هو الشأن بالنسبة إلى نظريات الثورات لدى جيمس دايفيز. وإذا كان هذا الأخير يحاول تفسير حدوث الثورات بالزيادة الفجائية للفرق الموجود بين انتظارات الناس المحفَّزة بالتقدم الاقتصادي والتقلّص المباغت لإشباعات المتحققة جراء تحول الظرفية الاقتصادية (مثل تباطؤ النمو الاقتصادي أو تراجعه) أو السياسية (مثل القمع الشرس)، فإن تيد غور يُبرز أن الحرمان النسبي الناجم عن الفرق بين تطلّعات الفاعلين وواقعهم المعيش هو الذي

يؤدي إلى ظهور حركات اجتماعية. لكن ذلك لا يعني وجود علاقة ميكانيكية بين الحرمان والاحتجاج؛ إذ من المعروف أن أي حركة اجتماعية تقتضي إنتاج خطاب وتحديد مسؤوليات، إضافة إلى العمل على بثِّ المعنى في مفاصل العلاقات الاجتماعية المعيشة. ثمة مسافة كبرى، تفصل الحرمان النسبي، باعتباره فرقًا بين التطلّعات والموارد، عن الفعل الجمعي. لذلك، وكي نفهم الفعل الجمعي الناجم عن الحرمان ونُفسّره، يُفترض دعم نظرية الحرمان النسبي

بتفسيرات ونظريات إضافية أخرى. وفي هذا المجال، يرجع الفضل إلى نظريات نموذج مانكور أولسون التي ساهمت على نحو فاعل في نقل شبكات التحليل من علم النفس الاجتماعي، الذي طوره كل من نيل سملسر وتيد غور، إلى حقل نظري مستوحى من علم الاقتصاد. وهنا يكمن بيت القصيد الذي يشكل الإطار النظري الذي من خلاله ستفحص الدراسة قيمةَ نظرية الاختيار العقلاني في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية ومحدوديتها. يرى أولسون أن الأفراد، قبل أن يقرروا المشاركة من عدمها في أي حركة اجتماعية، يحتكمون إلى مبدأ حساب الربح والخسارة. وينطلق في تحليله من المفارقة التالية: يُفترَض من منظور الحس السليم أنه

(22) Erik Neveu, Sociologie des mouvements sociaux , 5 th éd. (Paris: La Découverte, 2011), p. 39. (23) Didier Le Saout, «Les Théories des mouvements sociaux. Structures, actions et organisations: Les Analyses de la protestation en perspective,»  Insaniyat , Vol. III 2, no. 8 (1999), pp. 145–163. (24) James C. Davies, «Toward A Theory of Revolution,» American Sociological Review , vol. 27, no. 1 (1962), pp. 5–19. (25) Neveu, p. 41. (26) Dubet, p. 6.

(((2 مانكور أولسون (1998–1932) هو عالم اقتصاد أميركي، من أشهر مؤلفاته: منطق الفعل الجمعي.)1965(

Mancur Olson, The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of Groups (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1965).

شتاء   Winter 2020

كلما استهدف احتشاد معيّن مصلحة مجموعة من الأفراد، كان الفعل الجمعي أمرًا بدهيًا. لكن أولسون

يعترض على ذلك ببيان أن الجماعة التي تتمتع بهذه الخصائص قد لا يصدر عنها إطلاقًا أي فعل. لذلك، من الخطأ اعتبار أي «جماعة كامنة» Group Latent بمنزلة كيان مُزوَّد بإرادة موحدة، في الوقت

الذي ينبغي للتحليل أن يأخذ في الحسبان منطق الاستراتيجيات الفردية أيضًا. إذا جرى الاعتقاد من الناحية النظرية أنه كلما كبُر حجم الاحتشاد، كان ذا مردودية، فإنه يغفل في هذه

الحالة سيناريو «الراكب بالمجان» Rider Free الذي يتضمن استراتيجية أكثر مردودية من الاحتجاج متمثلة في الامتناع عن الفعل. ولبيان ذلك، يمكن الاستدلال بحالة الشخص غير المضرِب الذي يستفيد مع ذلك من زيادة أجره بفضل الإضراب، من دون تحمّله أي تكاليف، مثل الاقتطاع من الأجر

أو الطرد من العمل. وإذا ذهبنا بهذا المنطق إلى منتهاه، فستصبح أي تعبئة مستحيلة؛ لأن عقلانيات الأفراد الممتنعين عن الفعل ستُفضي لا محالة إلى اللافعل. بيد أن التجربة تؤكد إمكان حدوث الفعل الجمعي، ما حدا بأولسون إلى إغناء نموذجه بمفهوم «الحوافز الانتقائية» Incentives Selective. ويمكن لهذه الأخيرة أن تكون إيجابية كمنح خدمات وامتيازات لأعضاء المنظمة المعنية بالاحتشاد، أو سلبية في شكل إكراه كما في نظام «الدكان المغلق»Closed shop. فإلى أي حد يمكن لنموذج أولسون، المستوحى من نظرية الاختيار العقلاني، أن يشكل أساسًا

لتفسير ظاهرة الحركات الاجتماعية في المغرب؟ يشهد المغرب منذ نحو عقدين تصاعدًا في وتيرة الاحتجاجات، حيث بلغت نحو 52 احتجاجًا عام

2012. وفي مقابل ذلك، تراجعت مكانة الأحزاب السياسية والنقابات؛ إذ لا تتجاوز نسبة الانخراط الحزبي للشباب 1 في المئة، كما أن 4 في المئة منهم فقط يشاركون في لقاءات حزبية أو نقابية، إضافة إلى انخفاض نسبة المشاركة في الاستحقاقات التشريعية: 51 في المئة عام 2002، و 37 في المئة عام 2007، و 45.5 في المئة عام 2011، و 42.29 في المئة عام 2016. ارتباطًا بهذه المعطيات، خَلص بحث ميداني، أجريناه بشأن حركة 20 فبراير في مدينة الرباط بين

20 شباط/ فبراير 2011 و 19 شباط/ فبراير 2012، واعتُم دت فيه الملاحظة المباشرة والملاحظة بالمشاركة ومقابلات نصف موجّهة، إلى أن الحركات الاجتماعية لا توجد بعضها بمعزل عن بعضها

الآخر، كما أنها لا تتوانى في سعيها لإثبات استقلاليتها النسبية تجاه الأحزاب السياسية والنقابات. ولمَّا

كان إشكال البحث المذكور يتمحور حول نوعية العلاقات الموجودة بين فضاء الحركات الاجتماعية

(((2 وهو نظام جرى العمل به، تاريخيًا، في نقابات بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، ويعني أن المُشَغِّل لا يمكنه أن يُشَغِّل إلا

الأُجراء المنقبين. (((2 إحصاءات وزارة الداخلية كما وردت على لسان رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، أمام مجلس النواب، يُنظر: حسن الأشرف، «بنكيران: ‘العام زين’ في مجال الحريات وحقوق الإنسان...»، هسبريس، 2012/11/30،

شوهد في 2017/11/28، في: https://bit.ly/2TQfU0z

(30) Haut–Commissariat au Plan, Enquête nationale sur les jeunes (Royaume du Maroc: 2012), p. 69.

(((3 «نتائج الانتخابات التشريعية، المملكة المغربية»، وزارة الداخلية، شوهد في 2019/12/2، في: AtV 5 RG /2 ly. bit:// https

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

ومجال السياسة المؤسساتية، آثرنا معالجته ضمن إشكالية نظرية تفترض وجود علاقات ترابط بين

مجموع الحركات الاجتماعية المشكِّلة لفضاء احتجاجي حريص على استقلاليته النسبية تجاه حقلين مجاورين، أحدهما سياسي والآخر نقابي. تجدر الإشارة إلى أنه قبل الموجة الأولى من الثورات العربية، كان توظيف سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية محدودًا في العلوم الاجتماعية العربية. أما في الحقل العلمي الفرانكوفوني المتخصص في

دراسة بلدان الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، فمؤلَّف مونية بناني الشرايبي وأوليفي فييول، الذي أصبح مرجعًا لا غنى عنه في هذا الصدد، يُمهّد السبيل لاستعمال مفهوم «الحركات الاجتماعية»

في دراسة بلدان هذه المنطقة. كما أن المؤلّف نفسه ينتقد ما تدّعيه نظرية «بنية الفرص السياسية » من اختلاف أنطولوجي بين الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية. وحريّ بالتسجيل أن هذه النظرية

وضعت أربعة أنماط للأنظمة السياسية، تقابلها أربعة أنماط من الصراع. فإذا كانت الأنظمة الديمقراطية القوية مواتية للحركات الاجتماعية، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى الأنماط الثلاثة الأخرى التي تعرف إما معارضات سرية ومواجهات قصيرة الأمد سرعان ما تُقمع كما هي الحال في الأنظمة غير الديمقراطية القوية بما فيها المغرب، وإما حروبًا أهلية في الأنظمة غير الديمقراطية الضعيفة، وإما

انقلابات عسكرية وصراعات طائفية في الأنظمة الديمقراطية الضعيفة. تعرّض هذا البراديغم الأميركي، الذي كثيرًا ما ساد أدبيات سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية،

لانتقادات عدة بسبب ربطه الميكانيكي والستاتيكي بين تطور الحركات الاجتماعية وانفتاح البنية التي تتيح الفرص السياسية أو انغلاقها. ومما يُزكّي هذه الانتقادات وجود بعض الأمثلة

لأنظمة سلطوية غير متحجرة في جنوب البحر الأبيض المتوسط، بل إنها تتأقلم مع الأحداث والاحتجاجات. فالنظام المغربي على سبيل المثال، سمح بنشوء حركات احتجاجية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. كما أن تونس كانت مسرحًا لتطور احتجاجات قوية في الحوض

المنجمي في «قفصة» في ظل نظام سلطوي. أفضت هذه الانتقادات إلى بيان محدودية نموذج «بنية الفرص السياسية». لذلك لم يعُد مستساغًا

أن تبقى الحركات الاجتماعية حكْرًا على الأنظمة الديمقراطية، بينما يبقى قدَر الأنظمة السلطوية

هو المعارضات السريّة المصحوبة بمواجهات قصيرة الأمد. تأسيسًا على ما سبق، يستنير البحث

الحالي بتنظير صاغه ليليان ماتيو عام 2007 في دراسته الفعل الجمعي الاحتجاجي في فرنسا.

(32) Bennani–Chraïbi Mounia & Fillieule Olivier (dir.), Résistance et protestations dans les sociétés musulmanes (Paris: Presses de Sciences Po, 2003). (33) Charles Tilly & Sidney Tarrow, Politique(s) du conflit , Rachel Bouyssou (trans.) (Paris: Presses de Sciences Po, 2008), p. 103. (34) Ibid., p. 105. (35) Lilian Mathieu, L’Espace des mouvements sociaux (Paris: Edition du Croquant, 2012), p. 114.

(((3 لاا عام  خ 2008، وطوال نحو ستة أشهر، عرفت منطقة قفصة في الجنوب الغربي التونسي حركة احتجاجية قوية من جراء

تراجع دور «شركة فُسفاط قفصة» في إنعاش اقتصاد المنطقة.

شتاء   Winter 2020

يقول ماتيو مُعرِّفًا المفهوم المركزي في مُقْترَبِه: «إن فضاء الحركات الاجتماعية هو مجال للممارسة

والمعنى، مستقل نسبيًا داخل العالم الاجتماعي، وتتوحّد ضمنه الحركات الاحتجاجية بروابط

معيّنة». في ما يخص المغرب، غالبًا ما كانت الصراعات السياسية، كما الحركات الاجتماعية منذ الاستقلال

عام 1956، تقودها أحزاب الحركة الوطنية والنقابات التابعة لها. لذلك لم يكن في الإمكان، في هذه المرحلة من الصراع مع النظام، الحديث عن استقلالية للفضاء الاحتجاجي؛ إذ إن أي تعبئة اجتماعية أو سياسية كانت تصدر عن هذه الهيئات بكيفية مباشرة أو غير مباشرة. ولم تظهر أولى محاولات استقلال هذا الفضاء إلا مع نشأة «الجمعية الوطنية لحاملي الشهادات المعطلين بالمغرب» عام 1991، وما تلاها من ازدهار لحركات الأطر العليا المعطلة. في هذا الصدد يجب التنويه بأن هذه الحركات تمثل إلى حدٍ بعيد مختبرًا مصغّرًا لفحص العُدَّة

المفهومية والمنهجية لنظرية الاختيار العقلاني في نسختها الأولسونية. وأكدت دراسة هذه الحركات أهمية مُسلّمة «حساب الربح والخسارة» باعتبارها أحد المبادئ الأساسية للفردانية المنهجية المعتمدة

على عقلانية أداتية. إضافة إلى ذلك، جرى التحقق من نجاعة تقنية «الدكان المغل ق» في صَدِّ سيناريو

«الراكب بالمجان»، حيث ساهم ذلك في إنجاح التعبئة الاجتماعية للمعطلين بفضل إلزامية انخراط كل عضو راغب في الإدماج في الوظيفة العمومية ومشاركته. ومن المعلوم أن العمل بهذا المبدأ ظلّ مُجْديًا طوال الفترة التي كان فيها ولوج الوظيفة العمومية مضمونًا مباشرة. أضف إلى ذلك أن

مفارقة أولسون تأكدت عندما انتفت «الحوافز الانتقائية» بسبب إلغاء الإدماج المباشر بقرار من رئيس الحكومة عام 2012؛ ما أفضى إلى تراجع زخم هذه الحركات. يعتبر عام 2011 فرصة سانحة لحركات الأطر العليا المعطلة، من حيث الإدماج المباشر في أسلاك الوظيفة العمومية. ويرجع الفضل في ذلك إلى الدينامية الاحتجاجية التي أطلقتها حركة 20 فبراير؛ إذ عمدت السلطات إلى فك الارتباط بين هذه الحركة وحركات المعطلين، وإلى إدماج كل الأطر المعطلة المسجلة في اللوائح التي كانت تشتمل عليها الحكومة آنذاك (4304 إطارات معطلة.) غير أنه مع انطلاق العملية، تبيّن أن عددًا من هذه الأطر لم تشمله الاستفادة؛ ما دفعهم إلى

الانتظام في مجموعات جديدة انخرطت في احتجاجات تصعيدية، لعل أهمها احتلال المقر

(37) Lilian Mathieu, «L’Espace des mouvements sociaux,» Politix , vol. 1, no. 77 (2007), p. 133.

(((3 تشمل حزب الاستقلال، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية. (((3 يتعلق الأمر بالاتحاد المغربي للشغل، والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، والكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

(40) Emperador Badimone, «Les Mobilisations des diplômés chômeurs au Maroc usages et avatars d’une protestation pragmatique,» Thèse de doctorat en Science politique, à Aix–Marseille 3, École Doctorale Sciences Juridiques et Politiques (Aix–en–Provence), 2011, p. 8.

(((4 كانت لجان تنظيمية تضع قوائم بأسماء الأعضاء لضبط مدى حضور كل عضو ومشاركته في مختلف الأشكال الاحتجاجية التي تؤطرها حركاتهم. لذلك لم يكن يستفيد من الإدماج في الوظيفة العمومية إلا الأعضاء الملتزمون والمواظبون. يُنظر: دفتر

الميدان الخاص بالباحث،.2015–2010

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

المركزي لحزب الاستقلال بالرباط الذي كان أمينه العام آنذاك وزيرًا أول في حكومة ما قبل «الربيع

العربي». كان هذا إيذانًا بدخول هذه الحركات في طور من التراجع، بدءًا من عام 2012. ولتعويض ضعف قدرتها

التحشيدية الناجم عن انتفاء «الحوافز الانتقائية»، اضطر مختلف تنظيمات الأطر المعطلة إلى اللجوء إلى بعض أشكال التضامن أو التحالف التي كانت معدومة من قبل بسبب تنافسها بشأن فرص الشغل المتاحة محليًا أو وطنيًا. وكآخر ورقة في يدها، عملت حركات الأطر العليا المعطلة على تصعيد

أشكالها الاحتجاجية على الرغم من تكلفتها الباهظة جدًا. تتمثل الحالة الثانية التي تُبيّن نجاعة النموذج العقلاني لأولسون في حركة الأساتذة المتدربين الذين

كانت مطالبهم تتمحور حول تشغيل كل أفراد الفوج، وعدم خفض قيمة المنح الدراسية. ومما يلاحظ في دراسة هذه الحالة أن ما كان يُقلّل من شأن «الراكب بالمجان» ليس هو نظام «الدكان المغلق»،

بل إن الأمر الذي قطع الطريق أمام سيناريو «الراكب بالمجان» هو أن الحركة كانت مكوَّنة من جماعات

صغيرة (نحو 250 متدرّبًا في كل مركز جهوي)، تخضع لأنساق تفاعلية بين–شخصية Interpersonal.

ومن المعلوم أن في هذا الصنف من الجماعات يكون الإحساس بالقدرة على التأثير في صنع القرار أقوى وأكثر تحشيدًا. كما تكون فيها الضغوط الاجتماعية والمعنوية أكثر حضورًا ونجاعة؛ نظرًا إلى

قيام العلاقات بين أفرادها على القُرب والتبادلية والأُلفة. إن وجود «الحوافز الانتقائية» باعتبارها ضمان الشغل ورفع قيمة المنحة من جهة، وقطع الطريق على نحو يكاد يكون تامًّا أمام «الراكب بالمجان»

من جهة أخرى، أتاحا لحركة الأساتذة المتدربين الصمود طوال نحو ستة أشهر ومواصلة ضغطها على الحكومة حتّى تُوِّج بتوقيع محضر اتفاق معها.

(((4 حريّ ذكره أن الاحتلال الذي دام بين 13 و 20 تموز/ يوليو 2011، كاد يتحول إلى مواجهات دامية بين الأطر العليا المعطلة

المعتصمة في المقر المركزي للحزب وأنصار حزب الاستقلال الذين كانوا على وشك اقتحام المقر لتحريره بالقوة من قبضة محتليه. ولولا مبادرة جهات عليا في الدولة للتفاوض، لانقلبت الأمور إلى ما لا تُحمَد عقباه، ينظر: المرجع نفسه،.2015–2010 (((4 مثل تنظيمها مسيرة وطنية موحدة في الرباط، في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، ينظر: المرجع نفسه. (((4 مثل تأسيس «الاتحاد الوطني للأطر العليا المعطلة» في 25 شباط/ فبراير 2015، ينظر: المرجع نفسه. (((4 حري ذكره على وجه الخصوص، عرقلة حركة المرور أو سير الترامواي وسط مدينة الرباط، أو سير القطارات. إضافة إلى احتلال مقرات بعض الوزارات أو بعض مرافق الإدارة العمومية أو بعض مقرات الأحزاب. ينظر: المرجع نفسه. (((4 أبرز مثال على ذلك وفاة أحد الأطر العليا المعطلة حرقًا، ينظر: المرجع نفسه؛ أضف إلى ذلك قيام محكمة الاستئناف في الرباط بمتابعة تسعة ناشطين في حالة اعتقال، في 4 نيسان/ أبريل 2014 بتهم تخريب الممتلكات العامة والاعتداء على رجال الأمن الخاص وعرقلة سير القطارات، يُنظر: «تأجيل محاكمة المعطلين التسعة إلى 15 شتنبر»، اليوم 24، 2014/9/1، شوهد في 2019/12/2،

في: https://bit.ly/2r47cTm

(((4 لم يكن ممكنًا تطبيق نظام «الدكان المغلق» في حالة هذه الحركة، لأن الحكومة حالما تستجيب لهذين المطلبين فلن تستثني

أحدًا من الاستفادة. (((4 سُجِّلت حالات نادرة لأساتذة متدربين لا يشاركون في احتجاجات الحركة. يُنظر: صفحة ال «فيسبوك» الخاصة بالأساتذة

المتدربين في المغرب: https://bit.ly/2pyqrnb

(((4 وُقِّع محضر الاتفاق، في 13 نيسان/ أبريل 2016، يقضي بتعليق تنفيذ مرسوم فصل التوظيف عن التكوين وتوظيف جميع

المتدربين بعد إجراء مباراة شكلية في نهاية كانون الأول/ ديسمبر.2016

شتاء   Winter 2020

اختصارًا، يمكن القول إن دراسة حالتَي هاتين الحركتين الاجتماعيتين بيّنت القدرة التفسيرية التي يتمتع

بها نموذج أولسون العقلاني، إلا أن ذلك لا يغني عن مواصلة التساؤل. فإلى أي حدّ يمكن تعميم هذا المنظور العقلاني على حركات اجتماعية أخرى، وخصوصًا تلك التي أثرت عميقًا في الفضاء

الاحتجاجي المغربي الراهن، مثل حركة 20 فبراير وحراك الريف؟

ثالثًا: محدودية نظرية الاختيار العقلاني: في سوسيولوجيا حركة 20 فبراير وحراك الريف

إذا كانت نظرية أولسون قد أفلحت إلى حدٍ بعيد في تفسير ظهور حركات اجتماعية تقوم على مصالح اقتصادية، مثل الإدماج في الوظيفة العمومية في حالة الأطر المعط لة، أو ضمان ربط التكوين بالشغل في حالة الأساتذة المتدربين، فإنها تفقد صلاحيتها أمام حركات اجتماعية تراهن على قيم لامادية، مثل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والتضامن والعيش المشترك. لهذا تبقى تصوّرات أولسون

بشأن «مفارقة الفعل الجمعي» شيئًا ما تبسيطية ومادية، وذات نزعة موضوعية وأداتية، على الرغم من

أنها شكّلت نقطة انطلاق لتعميم مفهوم «الحوافز الانتقائية» وجعله أكثر تركيبًا بِتَضْمينه فكرة «الحوافز

الرمزية». وهي حوافز ذات طبيعة معنوية ونفسية كمُتَع النضال، والرضا الناجم عن الدفاع عن أفكار

معيّنة، والإحساس بالقدرة على الفعل، وتأكيد الذات وتثمينها. ولتبيين أهمية هذا النوع اللامادي من

الحوافز، ستُحلل حالتان لحركتين اجتماعيتين في المغرب، تُقدِّمان الدليل على محدودية العقلانية الأداتية في نموذجها الأولسوني، وتفتح المجال أمام تفسيرات بديلة تعتمد «حوافز رمزية» أو تنتمي إلى «عقلانية أكسيولوجية». ويتعلق الأمر بحركة 20 فبراير وحراك الريف. مهما تكن الانتقادات الموجَّهة إلى نموذج أولسون، فإن هذا النموذج يضع تحدّيًا إيجابيًا أمام التحليل

السوسيولوجي، يتمثل في أن الفعل الجمعي ليس قطعًا أمرًا بدهيًا. ويبدو أن هذه الملاحظة حملت

جيلً من الباحثين على محاولة رفع التحدي بالسعي لبيان شروط تطور الحركات الاجتماعية. غير أن هذا التنويه الواجب بعمل أولسون، لا يمنع بتاتًا من طلب مزيد من التدقيق بشأن «العقلانية» التي يضعها في قلب السلوك، وبشأن شروط وجودها؛ كما لا يمنع من التساؤل عن حدود تطبيق هذا النموذج. ومن ثمَّ، يكون الإتيان على أهم الانتقادات الموجّهة إلى نظرية الاختيار العقلاني بصفة

عامة في العلوم الاجتماعية، وبصفة خاصة في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية. في الإمكان صياغة أهم هذه الانتقادات في شكل استفهامات إِنكارية: ألا تختلف كيفية استدماج الاستعدادات الخاصة بالحساب الاقتصادي باختلاف الأوساط الاجتماعية والأزمنة؟ ألا يختلف احتمال معالجة المشكلات وفق حساب عقلاني من فرد إلى آخر، ومن تصرف إلى آخر بحسب الفرد

نفسه؟ ألا يمكن تفادي الخلط بين النماذج النظرية للتفسير التي يُعِدُّها الدارس لبيان الانتظامات

(50) Daniel Gaxie, «Rétributions du militantisme et paradoxes de l’action collective,» Swiss Political Science Review , vol. 11, no. 1 (2005), p. 160. (51) Neveu, p. 48.

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

الموضوعية لمختلف أنماط السلوك، والدوافع المعيشة ذاتيًا من الفاعلين الاجتماعيين أثناء الفعل

الجمعي؟ وأخيرًا، ألا يمكن التفكير في شخص المناضل بصفته شخصًا له محتوى اجتماعي آخر غير

محتوى الآلة الحاسبة؟ بلى، إن كيفية استدماج الاستعدادات الخاصة بحساب الربح والخسارة تتباين باختلاف الأوساط الاجتماعية والأزمنة. كما أن احتمال التعامل مع المشكلات وفق حساب عقلاني لا يتشابه من فرد إلى آخر، ولا من فعل إلى آخر بحسب الفرد نفسه. لذلك يجب تفادي الخلط بين النماذج النظرية لتفسير مختلف أنماط السلوك والدوافع المعيشة ذاتيًا من الفاعلين الاجتماعيين أثناء الفعل الجمعي. وأخيرًا،

يجوز التفكير في شخص المناضل بصفته شخصًا يتمتع بمؤهلات اجتماعية وثقافية تتجاوز كل ما هو

أداتي نفعي. إذا كانت نظرية الاختيار العقلاني، وخصوصًا في نموذجها العقلاني الأداتي لدى أولسون، تتيح

إمكانات منهجية مهمة لفهم وتفسير جوانب كثيرة من الظواهر المرتبطة ببعض الحركات الاجتماعية، فإنها تبقى عاجزة عن تفسير قضايا أخرى في المجال نفسه. لهذا استعانت الدراسة بإطار نظري بديل يستوعب نظرية الاختيار العقلاني ويتجاوزها في الآن نفسه. وهو التنظير الذي صاغه ليليان ماتيو مستندًا في ذلك إلى مفهوم «فضاء الحركات الاجتماعية.» تُبيّن هذه الدراسة أيضًا أنه كان ينبغي انتظار الموجة الأولى من الثورات العربية لتظهر في سياقه

حركة 20 فبراير باعتبارها حركة تمثل، على ما يبدو، أبرز محاولة لاستقلال الفضاء الاحتجاجي في المغرب. وخلافًا لما يذهب إليه أولسون في مقاربته الفعل الجمعي الاحتجاجي، لم تكن هذه الحركة ذات مطالب مادية خاصة بفئة اجتماعية محددة. لذلك تبقى عصيّة على الدراسة وفق نظرية الاختيار

العقلاني في نسختها الأداتية. ويُظهر فحص مطالب الحركة أنها ذات طبيعة سياسية وحقوقية واجتماعية

عامة لا تخص فئة دون أخرى، بل تكاد تهم غالبية شرائح المجتمع، كما هو الشأن بالنسبة إلى غالبية الحركات الاجتماعية التي تحرّكت في الموجة الأولى من الانتفاضات والثورات العربية. وعادة ما

تُختصر مطالب حركة 20 فبراير في ثلاثية الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. إذا استحضرنا «مفارقة أولسون» التي تقول إن الجماعات الصغرى تكون قابلة للاحتشاد أكثر من الجماعات الكبرى بفضل ما تتيحه «الحوافز الانتقائية» من إمكانات للتعبئة، وبفضل الدور الفاعل الذي تقوم به تقنية «الدكان المغلق» في صد محاولات «الراكب بالمجان» – إذا استحضرنا ذلك كلّه – يمكن القول إن حركة 20 فبراير استطاعت أن تتخطى «مفارقة أولسون» وتحشد فئات اجتماعية منوّعة

في نحو مئة مدينة طوال عام 2011. هنا يكمن البعد الجمعي للحركة، إضافة إلى بعدها الصراعي، وبعد التوجه صوب التغيير الاجتماعي. وجدير بالتسجيل أن هذا التعريف للحركة يختلف كثيرًا عن آخر يختزلها في «التنظيم، والفاعل القائم

(((5 دفتر الميدان الخاص بالباحث،.2011

شتاء   Winter 2020

بتعبئة القوى، والمطالبات ذات الحمولة الاجتماعية». فالبعد الجمعي لحركة 20 فبراير يتجلّى في أنّ المحتجين – على الرغم من تبايناتهم السياسية والأيديولوجية – يلتقون حول مجموعة من المطالب

السياسية والحقوقية. أما البعد الصراعي، فيدلُّ على تموقع حركة 20 فبراير والدولة على طرفَي ميزانٍ متأرجح للقوة والمعنى. ويتجلّى البعد الثالث للحركة في تَوجُّهها نحو التغيير الاجتماعي بسبب عدم

رضا الناشطين والمشاركين في الحركة عن أوضاع الفساد والاستبداد، وسعيهم نحو تغييرها من خلال المطالبة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية. غير أن الحراك الذي دشّنته حركة 20 فبراير بدأ سياسيًا خالصًا، وبقي كذلك، ولم ينجح في

استيعاب بؤر الحراك الاجتماعي القائمة في البلاد. لذلك يمكن إدراج حركة 20 فبراير إلى حدٍّ ما في صنف الحركات الاجتماعية التي وسمها آلان تورين ب «الجديدة». هذا التصنيف تبرّره

مطالبها التي ترتبط بقيم كونية لامادية، مثل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، والتي تستند إلى هوية ناشطيها والمشاركين فيها كمنتمين في الغالب إلى طبقة متوسطة متعلمة، ومن هيكلتها الأفقية. وهي تختلف عن الحركات العمالية، من حيث إنها تحشد أعضاءها حول قضايا لامادية، مثل الهوية والبيئة والسلام وحقوق الإنسان. كما أنها حركات تقوم على ثلاثة مبادئ. فالمبدأ الأول هو مبدأ الهوية الذي يعني أن الجماعة يجب أن تكون لها هوية قابلة لإدراك بسهولة وذات دلالة بالنسبة إلى القضية التي تدافع عنها. أما المبدأ الثاني فهو مبدأ التعارض الذي بموجبه ينبغي للحركة المدروسة أن تُحدّد مَن هم خصومها. وأما المبدأ الثالث فهو يتمثل في دفاع الحركة

الاجتماعية الجديدة عن مطالبها باسم قيم كونية تعتبرها غير قابلة للمصادرة، مثل الحرية وحقوق الشخص وحماية البيئة وغيرها. يبدو جليًا، إذ ا، أن نظرية الاختيار العقلاني في نموذجها الأولسوني الأداتي تعاني قصورًا منهجيًا

وإبستيمولوجيًا إزاء هذا النوع من الظواهر الاجتماعية التي يخضع فيها الفعل الجمعي الاحتجاجي

لمنطق مغاير غير منطق العقلانية الأداتية المستندة إلى مُسلّمة «مبدأ التكلفة والربح». فكيف يمكن

تحديد خصوصية هذا المنطق المغاير؟ يقول أحد ناشطي حركة 20 فبراير في مدينة الدار البيضاء: «استكملت تكويني في الصحافة ثم الفلسفة، على التوالي، قبل الربيع العربي، وأجلت الماستر

واقتراحات العمل، وألغيت كل شيء، من أجل ما آمنت به. كانت الإمكانية أن أصير قبل كل هذه الجَل بة

حينها صحفيًا، إذ اقترحت علي جرائد وإذاعات أن أعمل لصالحها، وكانت معدلّاتي في إجازة الفلسفة

(((5 من أجل التوسع أكثر في المقارنة، يُنظر: عبد الرحمن رشيق، «حركة 20 فبراير: تتويج ل حااتجاجات في المغرب»، في:

20  فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب، سلسلة التحول الديمقراطي (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018)، ص.145 (((5 جرى اقتباس تعريف الحركة الاجتماعية من كتاب:

Lilian Mathieu, L’Espace des mouvements sociaux (Paris: Éditions du Croquant, 2012), p. 12.

(((5 محمد الساسي، «النظام السياسي المغربي غداة حراك 2011: الاستقرار الهش بديلً من الديمقراطي»، في: 20 فبراير ومآلات

التحول الديمقراطي، ص.74

(56) Alain Touraine, La Voix et le regard (Paris: Les Éditions du Seuil, 1978), p. 112.

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

تسمح بأن أصير أستاذًا في الثانوي بما يُمكّنني حينها من استكمال دراستي، وكان باب استكمال

الماستر ثم الدكتوراه مفتوحًا بشكل واسع، في الداخل، أو استنادًا على أقارب في الخارج». إذا قرأنا هذا المقتطَف من الشهادة من زاوية نظرية الاختيار العقلاني في نموذجها الأداتي، فسنلاحظ أن تكلفة الفعل المختار مرتفعة جدًا، في مقابل خلوّ الفعل من أي فائدة، حيث إن الناشط ألغى كل

الفرص المتاحة له في العمل أو متابعة الدراسات العليا من أجل ما يؤمن به من قيم، مثل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ويضيف الناشط قائل: «أوقفت كل شيء، وخرجت في مظاهرات الفرح، التي عمّت 2011، انتسبتُ للجنة الإعلام ساعة أخبرني الأصدقاء أن هناك نقصًا في تلك اللجنة

بأكبر مدن المغرب، ثم تركتها إلى لجنة الشعارات ساعة أخبرني الأصدقاء أن هناك نقصًا في لجنة

الشعارات. لم أقتصد جهدًا، كالممسوس، وأحيانًا كنت أحضر مسيرتين في مدينتين متباعدتين، ثم اجتماع ليلي، لم أترك موقعًا أو موطئ قدم يشجع الناس ويطمئنهم إلا ورميت نفسي فيه. لم أومن أن

‘المناضل آخر من يُضرَب أو يَستشهد»’. هكذا يُضحّي هذا الناشط بإمكانات الشغل أو الدراسات العليا كلها كي يشارك في ما نعَته ب «مظاهرات

الفرح» إبّان انتفاضات عام 2011. أضف إلى ذلك انخراطه في مختلف نشاطات حركة 20 فبراير، حيث

إنه لم يدّخر أي جهد في مسعاه ذلك، فضل عن اعتقاده أن المناضل هو الذي ينبغي له أن يكون دومًا

في الطليعة وعلى استعداد للتضحية، فقد كان يتفانى في نشاطه بكل التزام. مما يُعزّز هذا الاستنتاج شهادة أخرى يدلي بها أحد ناشطي حركة 20 فبراير في مدينة الرباط في مقابلة

أجراها معه الباحث عام 2011؛ إذ يقول: «شاركت في جل الأشكال الاحتجاجية التي نظمتها تنسيقية حركة 20 فبراير بمدينة الرباط. وكم هي عديدة المرات التي تعرضت فيها للضرب والشتم من طرف قوات الأمن بالشارع. ولم يثنني ذلك أبدًا عن مواصلة النضال من أجل قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية التي أومن بها. والأنكى من ذلك، أنه جرى تهديدي بالطرد من المؤسسة التعليمية التي كنت أتابع فيها دراستي العليا». مما لا ريب فيه أن الاستماتة في النضال بهذه الكيفية تذكرنا بمفهوم «المناضل الزاهد» لدى جون ماكارثي McCarthy John وماير زالد Zald Mayer، وهو مفهوم جديد للحوافز يتجاوز مفهوم «الحوافز الانتقائية» في نموذج أولسون الأداتي. ويتعلق الأمر بما يسميه دانيال غاكسي Gaxie Daniel «الحوافز الرمزية»، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وهي ذات طبيعة معنوية ونفسية كمُتَع النضال، والرِّضا

الناجم عن الدفاع عن أفكار معيّنة، والإحساس بالقدرة على الفعل، وتأكيد الذات وتثمينها. إذا كان التحليل المنجَز عن حركة 20 فبراير يدحض بقوة النزعة الأداتية لنموذج أولسون، فإن دراسة حراك

((5(«حمزة محفوظ يكتب: بعد سنوات أربع من لَسعة الربيع!»، هنا صوتك، 2014/12/30، شوهد في 2017/12/17، في:

https://bit.ly/2Ml1vox

(((5 المرجع نفسه. (((5 الناشط م. ع. الذي فضّل عدم ذكر اسمه، مقابلة شخصية، الرباط، 10 تموز/ يوليو.2011

شتاء   Winter 2020

الريف تُبيّن هي الأخرى أن هذه الحركة عصيّة على تطبيق العُدّة المفهومية لعقلانية أولسون الأداتية.

فالأمر لا يتعلق بحركة ذات مطالب فئوية محددة، إنما بحراك مطالبُه حقوقية واجتماعية واقتصادية تهم

سكان منطقة الريف جميعهم. وإذا استحضرنا «مفارقة أولسون» التي مفادها أن الجماعات الصغرى تكون قابلة للتحشيد أكثر من الجماعات الكبرى بفضل ما تتيحه «الحوافز الانتقائية» من إمكانات للتعبئة، وبفضل فاعلية تقنية «الدكان المغلق» في صدِّ محاولات «الراكب بالمجان»، يجوز القول إن حراك الريف استطاع أن يتجاوز تلك المفارقة ويحشُد فئات اجتماعية منوعة في منطقة الريف، وخصوصًا في مدينة الحسيمة على امتداد عام تقريبًا. على الرغم من أن منطقة الريف تعاني فوارقَ مجاليةً بدرجة أقل من بعض المناطق المغربية الأخرى، فإن سكانها ما فتئوا ينتفضون منذ الاستقلال إلى العصر الراهن عبر مجموعة من المحطات

التاريخية، سنأتي على ذكرها. وفي الحقيقة، تُسائل هذه المفارقة الباحثين في مجال العلوم الاجتماعيةِ: لماذا يكاد ينفرد أهل هذه المنطقة بالتمرد؟ أو بالأحرى، لماذا لا يحتج سكان باقي المناطق المهمشة في المغرب؟ أو لماذا لا يحتجون إلا نادرًا؟ تُبيّن الدراسة أن حراك الريف اجتمع فيه بُعد جمعي وآخر صراعي، وثالث يخص التوجه صوب التغيير

الاجتماعي. ويمكن القول إن هذا الحراك اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من الحركات الاجتماعية الأخرى التي عرفها التاريخ الاحتجاجي في المغرب منذ الاستقلال. فبمجرد انطلاق الشرارة الأولى للحراك، انبثقت من صُلبه قيادة ميدانية تتمتع باستقلالية عزَّ نظيرها على الحقلين السياسي

والنقابي.

((6(من نشأة الحراك في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 إلى إحياء الذكرى الأولى لوفاة محسن فكري في 28 تشرين الأول/ أكتوبر.2017 (((6 تزخر منطقة الريف بثروات طبيعية وإمكانات هائلة، لم تستفد منها لتحقيق تنمية متوازنة تستعين بها الساكنة على تحسين

ظروف عيشها. وتأثرت المنطقة تأثرًا سلبيًا نتيجة عقود من التهميش والعزلة والإقصاء. يُنظر مثً: إحرشان عمر، «حراك الريف:

السياق والتفاعل والخصائص»، سياسات عربية، العدد 31 (آذار/ مارس 2018)، ص.68 (((6 توجد أعلى نسبة للفقر في جهة «درعة تافيلالت:» 14.6 في المئة، متبوعة بجهة «بني ملال خنيفرة:» 9.1 في المئة. أما جهة «طنجة تطوان الحسيمة» التي تنتمي إليها منطقة الريف، فنسبة الفقر فيها لا تتجاوز 2.6 في المئة. يُنظر: المملكة المغربية، المندوبية

السامية للتخطيط، «النتائج الرئيسية لخريطة الفقر متعدد الأبعاد لسنة 2014: المشهد الترابي والدينامية»، شوهد في 2019/12/2، في

https:// bit. ly /381 uj 1 F

(((6 يوجد على رأسها ناصر الزفزافي المولود في عام 1978 في مدينة الحسيمة شمال المغرب، الذي شارك في احتجاجات سابقة

في منطقة الحسيمة، خصوصًا في إطار حركة 20 فبراير إِبَّان «الربيع العربي». وقد عُرف محليًّا بكونه ناشط ا سياسيًا في منصات

التواصل الاجتماعي، لكن نجمه لم يسطع إلا مع حراك الريف. يُنظر مثل: «حوار.. الزفزافي يقول كل شيء عن حياته وعن إلياس

ولماذا يستفرد بالحراك ولماذا ظهر رفقة الحراس»، موقع الأول، 2017/5/20، شوهد في 2019/12/2، في: https://bit.ly/338gJ9B تمكّن، وهو المحكوم ابتدائيًا بالسجن عشرين عامًا، من الوصول إلى المراحل النهائية من الجائزة الدولية «ساخاروف» لحقوق

الإنسان وحرية التعبير التي ينظمها البرلمان الأوروبي، وذلك بعد حصوله على 40 توقيعًا لبرلمانيين أوروبيين، يُنظر: «الزفزافي ضمن

القائمة النهائية للمرشحين ل ‘جائزة ساخاروف’ لحرية الفكر»، موقع لكم، 2018/10/9، شوهد في 2018/10/10، في:

https://bit.ly/2BQUfy4

(((6 تكونت لدى قياديي الحراك وناشطيه حساسية خاصة تجاه غالبية التنظيمات الحزبية والنقابية التي كانوا يعتبرونها مجرد «دكاكين سياسية»، يُنظر مثلً: «حوار.. الزفزافي يقول كل شيء.»

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

غنيٌّ عن البيان أن السبب المباشر لنشأة حراك الريف يكمن في الحادث المأساوي الذي اهتزّت

له مدينة الحسيمة مساء يوم 28 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، الذي ذهب ضحيته محسن فكري، بائع السمك البالغ من العمر نحو ثلاثين عامًا. كانت الفاجعة بمنزلة الشرارة التي أشعلت نار

الغضب لدى المواطنين، وأطلقت موجات من الاحتجاج تواصلت نحو سنة. فحالما شاع الخبر بين سكان المدينة، تداعى مواطنون، غالبيتهم من الشباب، فدخلوا في اعتصام مفتوح أمام مقر المنطقة الأمنية في مدينة الحسيمة. واشترط المعتصمون، لإنهاء شكلهم الاحتجاجي، ضرورة حضور عامل إقليم الحسيمة/ المحافظ والوكيل العام للملك في المحكمة الاستئنافية إلى مكان الاعتصام. وهو الطلب الذي استجاب له المسؤولان اللذان حلًّ بالمُعْتصَم على الساعة الثالثة صباحًا، في

29 تشرين الأول/ أكتوبر 2016. وبعد نقاش مع المعتصمين، التزم المسؤولان بإجراء تحقيق نزيه

في قضية مَقتل محسن فكري. واختُت م الشكلُ الاحتجاجي بتكوين لجنة مدنية عُهِد إليها بتتبع القضيةِ

والدفع بها في اتجاه محاسبة كل المسؤولين عن الحادث المأساوي. أما على المستوى الوطني، فكانت صدمة جُلّ المغاربة قوية جَرّاء مشاهدتهم كيفية طحن الضحية،

التي صُوِّرت لقطاتُها الفظيعة بهاتف محمول ونُقِلت عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وساد الرأي

العام الوطني شعور عارم ب «الحُك»ْرة، وخصوصًا بعد انتشار الفيديو الذي يُظهر جثة الهالك وهي

عالقة داخل مطحنة شاحنة القمامة. لذلك سرعان ما عُمِّمت على شبكات الإنترنت عدة دعوات

للتظاهر، تلتها موجات احتجاجية في مدن مغربية كثيرة. إذ تُسجّل الدراسة الحالية، من حيث المنهج ترابط هذه الأحداث، فإنها تنأى عن الربط الميكانيكي

بين حادث الطحن الفظيغ واندلاع احتجاجات حراك الريف. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن المغرب عرف

في الأعوام الأخيرة أحداثًا مشابهة، لكنها لم تُخلِّف إلا احتجاجات ضعيفة ومحدودة زمانًا ومكانًا، فالواقع أشدّ تعقيدًا من أن يُختزَل في مثل هذه التفسيرات التبسيطية. لذلك يمكن اعتبار حادث الطحن

المفجع بمنزلة القطرة التي أفاضت كأس الاستياء الاجتماعي المتراكم لأعوام؛ الأمر الذي يُوج ب

(((6 ق هذا الشاب بمطحنة شاحنة لنقل النفايات عندما كان يحاول اعتراض عناصر شرطة صادروا بضاعته المكوّنة من سمك عَلِ

«أبو سيف» وسعوا لإتلافها. (((6 بهذا الصدد، تحكي والدة ناصر الزفزافي: «في حوالي الساعة السابعة مساء يوم 28 تشرين الأول/ أكتوبر، كان ناصر جالسًا

في البيت. سكبت له كأس الشاي، وقبل أن يبدأ في ارتشافه، قلت له: سمعت أن شخصًا ما تم طحنه في شاحنة للقمامة، هل هذا

صحيح؟ فوضع كأسه وخرج...»، يُنظر: «بالصور: ناصر الزفزافي كما لم تعرفوه من قبل!»، أصوات مغاربية، 2017/7/26، شوهد

في 2018/2/20، في: http://urlz.fr/5Lam

((6(يُظهر شريط فيديو تناوُل المسؤولَين الكلمة وسعيهما لطمأنة المحتجين، بأن الواقعة سيُفتَح بشأنها تحقيق نزيه. وفي تعقيبه

على المسؤولين، طالب أحد المتدخلين – الذي سيُعرَف في ما بعد أنه ناصر الزفزافي قائد الحراك – بضرورة تقديم الضمانات

الكافية لإجراء تحقيق شفاف، يُنظر: «ناصر الزفزافي: لما قام بإسكات الكراكيز كلمن عامل إقليم الحسيمة ووكيل العام. هذا هو

الأسد وتبا للعياشة»، يوتيوب، 2017/1/8، شوهد في 2017/11/28، في: https://bit.ly/2qVWe2m ((6(تعني كلمة «الحُكْرة» في الحقل الدلالي المغربي الاحتقار وهدر الكرامة والاستعلاء وهضم الحقوق. (((6 نذكر منها، وخصوصًا أحداث حرق الذات كتعبير احتجاجي على «الطريقة البوعزيزية»، حيث سُجلت في المغرب 29 حالة

لإضرام النار في الجسد بين 2011 و 2016، يُنظر:

«Les Immolations par le feu au Maroc en chiffres,» 16/5/2016, accessed on 17/12/2017, at: http://urlz.fr/5Laz

شتاء   Winter 2020

تعميق البحث في كيفية اندلاع حراك الريف في إطار التفاعل الحاصل بين الفضاء الاحتجاجي وحقل السياسة المؤسساتية. يمكن القول إن هذا الحادث المأساوي يُجسّد على نحو مكثف مجموعة من العوامل المتداخلة

التي شكّلت إلى حد بعيد أرضية تفيد في تفسير كيفية نشوء هذه الحركة الاجتماعية وتطوّرها:

عوامل موضوعية ذات صلة بالبنيات الاجتماعية تتفاعل مع عوامل أخرى ذاتية مرتبطة بما يقوم به الأفراد أو الجماعات من أفعال. ولعل أبرز تلك العوامل استفحال ظاهرة بطالة الشباب وتَفشّي آفة الفساد التي تُعدّ من بين الأسباب التي تُفسّر جوانب عدة مما حدث في الريف، إضافةً إلى معاناة

«الحُك.» رة مما لا ريب فيه، أن تفاعل عوامل سوسيوثقافية واقتصادية وسياسية أدّى إلى إيجاد أرضية

خِصبة للاستياء والتذّمر. وإذا أضيف ثقل التاريخ إلى هذه العوامل، فستتوضَّح الصورة أكثر بشأنِ ما تختزنه الذاكرة الجمعية لأهل الريف من ذكريات مؤلمة مرتبطة بأحداث تاريخية سادها التوتر مع السلطة المركزية. فبعد استقلال المغرب عام 1956، ثار الريفيون في الفترة 1959–1957 وتمردوا ضد سياسة التهميش والإهمال التي لحقتهم. ويُلخّص عالم الأنثروبولوجيا الأميركي ديفيد مونتغمري

هارت أسباب انتفاضة الريف في عدم رضا الريفيين عن فترة الاستقلال؛ إذ خاب أملهم في الأحزاب السياسية، وفي الحكومة المغربية التي لم يحصلوا فيها ولو على منصب عامل إقليم (محافظ.) أضف إلى ذلك أن تخلّف منطقتهم، مقارنةً بما سواها، عمَّق إحساسهم ب «الحكرة». لكن النظام المغربي،

بدلمن الاستجابة لتلك المطالب، قمع الحركة بطريقة دموية، حيث أوفد قوات عسكرية برية وجوّية بقيادة ولي العهد آنذاك الأمير مولاي الحسن (الحسن الثاني لاحقًا) والجنرال محمد أوفقير كما عرفت منطقة الريف، إضافة إلى مناطق مغربية أخرى، انتفاضات جديدة في شكل حركات احتجاجية اندلعت في 19 كانون الثاني/ يناير 1984 في عدة مدن، وخصوصًا منها الحسيمة والناظور

((7(ما زالت اللغة الأمازيغية، باعتبارها لغة أم لدى أهل الريف، تعاني تهميشًا بيّنًا في مجالات التعليم والإدارة والإع ماا، على

الرغم من دسترتها في عام 2011. لهذا يشعر سكان الريف بنوع من الإقصاء على المستويين اللغوي والثقافي، يُعزِّز لديهم روح

الانتماء إلى جماعة مقصية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا. ويؤدي هذا العامل الهوياتي دورًا فاعل في اعتزاز الريفيين بأمجادهم

التاريخية واستلهامها في مواجهة مشكلات الحاضر. ((7(لا تُوجد في الريف بنيات اقتصادية قوية، ما يجعل التهريب نشاط ا مدرًّا للدخل بالنسبة إلى الكثير من العائلات. يُضاف إلى

ذلك السياحة الجبلية والبحرية وما تجلبه الجالية الريفية في أوروبا من عملة صعبة. وغير خفي، أيضًا، أن منطقة الريف، خصوصًا

بلدة «كْتامة»، تُعرف بزراعة وتجارة القنّب الهندي وتهريبه إلى أوروبا. ((7(يرى جلّ المراقبين أن السلطة تتحكّم عمومًا في مُدخ ت الحقل السياسي ومُخرجاته. وارتباطًا بأزمة الريف، يتجلّى هذا

التحكم، بحسب حزب العدالة والتنمية، في تدخل أجهزة الدولة لفرض هيمنة حزب الأصالة والمعاصرة المقرب من جهات عليا في الدولة.

(73) Hsain Ilahiane, Historical Dictionary of the Berbers Imazighen (Lanham, MD: Scarecrow Press, 2006), p. 107.

(((7 يذكر ديفيد هارت، في كتابه المشار إليه من قبلُ أن من أهداف برنامج الحركة إجلاء القوات الأجنبية عن المغرب، وتكوين حكومة وطنية ذات قاعدة عريضة، وإقامة نظام ديمقراطي يحقق رغبات الشعب في ميادين الاقتصاد والسياسة والتعليم.

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

والقصر الكبير ومراكش. وبعد خمسة أعوام من يه السلطة، سينشئ محمد السادس «هيئة تَولِّ

الإنصاف والمصالحة» يِّ صفحة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في منطقة الريف لطَ وغيرها من

المناطق الأخرى. لكن مع اندلاع الموجة الأولى من الثورات العربية عام 2011 سيعرف المغرب،

والريف ض، موجات احتجاجية جديدة تحت يافطة حركة 20 فبراير.ِمنه لا شك في أن تفاعل تلك العوامل التاريخية والسوسيوثقافية والاقتصادية والسياسية، ساهم مساهمة

كبيرة في تكوين فضاء احتجاجي حاضِن لمجموعة منالشبكات، يجري إحياؤها كلما سنحت الفرصة، كما هي الحال في مأساة طحن محسن فكري. ومن أبرز هذه الشبكات «الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب»، والتنسيقيات المحلية لحركة 20 فبراير، إضافة إلى بعض التيارات

اليسارية والإسلامية وغيرها من التنظيمات الحقوقية والنقابية. ومن ثمّ يُشكّل هذا الفضاء الاحتجاجي

التربة الخصبة لكل حركة اجتماعية ناشئة. من تداعيات حراك الريف إحداثه ررَجّةً قويةً هزّت الفضاء الاحتجاجي والحقل السياسي، فَجّة لم يعر

المغرب نظيرًا لها منذ انتفاضات عام 2011. فعلى مستوى الفضاء الاحتجاجي، لم تُفلح الإجراءات

السريعة التي اتخذها الملك، ومبادرات رئيس الحكومة، في تهدئة الأوضاع. كما لم توقف إجراءات السلطات الإقليمية الاحتجاج وانتشاره في مناطق أخرى. أما على مستوى الحقل السياسي، فيمكن تصنيف ردود الدولة صنفين: صنف يتعلق بالإجراءات

المستعجلة، وآخر يخص المدى المتوسط. فعلى صعيد ما هو مستعجل، لوحِظ أن كلاًّ من الملك والحكومة قام بمبادرات سريعة، الغاية منها امتصاص غضب سكان الريف والشارع المغربي. وعمومًا

اتَّسَم تدبير السلطة بنوع من الارتباك وعدم النجاعة؛ الأمر الذي ساهم في استمرار الحراك وانتشاره في

معظم مناطق البلاد، حيث إن كل الأساليب المنتهَجة في التعامل مع الحراك لم تثمر أي حلّ. وفي إمكان

المتتبّع لكرونولوجيا الحراك أن يلاحِظ سوء تدبير السلطة لهذا الصراع. فالإجراءات المتخذة تدرّجت

من الوعود بالتحقيق النزيه في قضية طحن محسن فكري، إلى الاستعمال المفرِط وغير المتناسب للقوة، مرورًا باتهام قيادة الحراك بالنزعة الانفصالية وبتلقي الأموال من الخارج، فالتراجع عن هذه التُّهم، ثم

لمدى إنجاز المشروعات التنموية المبرمجة إرسال بعثات وزارية إلى المنطقة للتتبع الميداني.

(((7 انطلقت الاحتجاجات في أوساط التلاميذ، قبل أن تنخرط فيها شرائح اجتماعية أخرى. وتعرضت الانتفاضة لعنف دموي شديد واعتقالات واسعة، يُنظر في هذا السياق: شكيب الخياري، «انتفاضة يناير 1984 بالناظور... الأسباب والنتائج»، الحوار

المتمدن، العدد 1301، 2005/8/29، شوهد في 2017/12/10، في: https://bit.ly/2pk5pss (((7 هي لجنة وطنية كلّفها الملك في عام 2004 بتدبير مسار العدالة الانتقالية بالمغرب والكشف عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الفترة.1999–1956 ((7(نُظّمت مظاهرات سلمية في نحو ث ثااين مدينة أهمها طنجة والدار البيضاء والرباط ومراكش والناظور. يُنظر: «غضب

ومظاهرات بالمغرب بعد موت بائع سمك طحنا»، الجزيرة نت، 2016/10/31، شوهد في 219/12/2، في: https://bit.ly/324APjX (((7 مباشرة بعد الحادث المأساوي، سارع الملك إلى إيفاد وزير الداخلية إلى مدينة الحسيمة لتقديم التعازي لعائلة محسن فكري. كما أعطى تعليمات «لإجراء بحث دقيق ومعمق ومتابعة كل من تثبت مسؤوليته في هذا الحادث». أما رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران فدعا أعضاء حزبه (العدالة والتنمية) إلى عدم الاستجابة لأي دعوة إلى الاحتجاج، يُنظر: المرجع نفسه. (((7 محمد نعيمي، «حراك الريف: بعد عنف السلطة المفرط، لا مخرج من الأزمة إلا بالحوار»، موقع لكم، 2017/7/2، شوهد في

2017/7/3، في: https://bit.ly/2C1b1L5

شتاء   Winter 2020

أما على المدى المتوسط، فإن وعود التحقيق النزيه في قضية مقتل محسن فكري، تمخضت عن التضحية ب «أكباش فداء»، بحسب ناشطي الحراك، ولم تشمل المحاسبة كبار المسؤولين. وإذا كانت

السلطات قد تعاملت في البداية مع الاحتجاجات بمرونة، مراه نة في ذلك على عامل الوقت لإنهاك الحراك، فإن استمرار الاحتجاجات دفع بها إلى تغيير طريقة تعاملها مع الأزمة. فصارت تكيل لقادة الحراك وناشطيه تُهَم «الانفصال» و«تَلقِّي الأموال من الخارج» التي سرعان ما قام قادة الحركة بحَملة على شبكات التواصل الاجتماعي لدحضها، أدت إلى تراجع المسؤولين عنها واعترافهم بمشروعية

مطالب الحراك. وعلى الرغم من ذلك أَصرّ الناشطون على تنظيم مظاهرة كانت مُقرّرة من قبل.

وبتعليمات ملكية، سيحنُلّ في مدينة الحسيمة وفد وزاري لعقد لقاءات مع المنتخبي المحليين ومع

ممثلي جمعيات المجتمع المدني، لكن في غياب تام لقادة الحراك. أما «القشة التي قصمت ظهر البعير» في سوء تدبير الأزمة، فتمثلت في استعمال الدولة الحقل الديني لضرب مشروعية الحراك. فخطبة الجمعة التي اتهمت ناشطي الحراك بإثارة الفتنة استفزت كثيرًا

من المصلين، وفي مقدمهم قائد الحراك ناصر الزفزافي الذي قام بمقاطعة خطيب المسجد بدعوى استغلال الدين لأغراض سياسية. مع هذا الحادث سيبدأ أخطر منعطف سيعرفه الحراك، حيث قامت السلطات بحملة واسعة لمطاردة قادة وناشطي الحراك واعتقالهم ومتابعتهم بتهم ثقيلة، إضافة إلى منع أي شكل من أشكال الاحتجاج. على الرغم من استمرار الاعتقالات وصدور أولى الأحكام القاسية، لم تتوقف الاحتجاجات في الريف، بل ازداد انتشارها في غالبية مناطق المغرب. وبعد فشل المراهنة على عامل الزمن لإنهاك الحراك، وبعد حملة الاعتقالات التي شملت قيادته وكثيرين من ناشطيه، ضاقت السلطات الأمنية ذَرْعًا

باستمرار الاحتجاجات واتساع رقعتها، فانتقلت إلى السرعة القصوى في مقاربتها الأمنية. لذلك كانت غالية جدًا بالنسبة إلى قادة الحراك وناشطيه تكلفة النضال. وفي موازاة مع ذلك، قُدّمت إجابات

(((8 سُيِّرت هذه المظاهرة الأضخم بالحسيمة، في 18 أيار/ مايو 2017 للتنديد باتهامات التخوين وللتشبث بمطالب الحراك

الاقتصادية والاجتماعية. يُنظر: «الحسيمة تُسيّر مسيرة ضخمة رافضة للتخوين ومتشبثة بالمطالب» الجماعة نت، 2017/5/18، شوهد

في 2019/12/2، في: https://bit.ly/2JDooFg

(((8 دفتر الميدان الخاص بالباحث: كرونولوجيا حراك الريف،.2017–2016 (((8 المرجع نفسه. (((8 نحو 500 معتقل، أصغرهم لم يتجاوز بعد ربيعه الرابع عشر، بحسب هيئة دفاع ناشطي الحراك، إضافة إلى وفاة الناشط ع ماد العَتابي الذي أصيب على مستوى الرأس في تدخل أمني لتفريق مسيرة الحسيمة في 20 تموز/ يوليو 2017:. يُنظر 500« معتقل في

المغرب على خلفية حراك الريف في أقل من سنة»، اليوم 24، 2017/10/10، شوهد في 2019/12/2، في: https://bit.ly/2N72sob في 26 حزيران/ يونيو 2018، قضت غرفة الجنايات الابتدائية في محكمة الاستئناف في الدار البيضاء بما مجموعه ثلاثة قرون في حق 46 من قادة وناشطي حراك الريف. وراوحت الأحكام بين عام واحد و 20 عامًا. وعلى رأسهم زعيم الحراك ناصر الزفزافي وثلاثة

قياديين آخرين أُدينوا بعشرين عامًا سجنًا نافذًا. يُنظر: «عاجل.. أحكام صادمة في حق قائد ‘حراك الريف’ ناصر الزفزافي ورفاقه »،

موقع شمالي، 2018/6/26، شوهد في 2019/12/2، في: https://bit.ly/338dZt4 وفي 5 نيسان/ أبريل 2019، أيدت محكمة الاستئناف بمدينة الدار البيضاء الأحكام الابتدائية الصادرة في حق ناصر الزفزاني ورفاقه. اليوم 24، 2019/4/5، شوهد في 2019/12/2، في: https://bit.ly/2sBCwJO

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

سياسية، وخصوصًا من الملك بصفته رئيسًا للدولة. وهذه نقطة منهجية مهمة يتبين من خلالها مدى

التفاعل الجدلي الحاصل بين الفضاء الاحتجاجي وحقل السياسة المؤسساتية، خلافًا لما تذهب إليه نظرية «بنية الفرص السياسية.» مرة أخرى، يتأكد أن عقلانية أولسون الأداتية تشكو من قصور منهجي وإبستيمولوجي أمام هذا النوع عن المنطق النفعي القائم التي يخضع فيها الفعل الجمعي لمنطق يختلف كلّيًا من الحركات الاجتماعية

على مسلّمة «مبدأ التكلفة والربح.» وختامًا لتحليل نظرية الاختيار العقلاني في نموذجها الأولسوني

ومناقشتها، يمكن القول إنه على الرغم من الانتقادات الموجّهة إليها، ما زالت تتمتع بميزة مزدوجة؛

فقد أعادت النظر في العلاقة السببية المزعومة بين الاستياء والفعل الجمعي من جهة، كما عملت من جهة أخرى على توضيح بعد مهم في سيرورات الاحتشاد، يتمثل في التكلفة والمخاطرات ذات الطبيعة المنوعة بالنسبة إلى الذين يحتجون، وهو أمر من شأنه أن يؤدي، في الغالب، إلى منع محتجين «مفترَضين» من المرور إلى الفعل.

رابعًا: نحو عقلانية بديلة في تفسير الحركات الاجتماعية

تأسيسًا على ما تم التوصل إليه من نتائج، ولفهم الفعل الجمعي من منظور عقلاني منفتح ومَرِن وتفسيره،

ينبغي تعديل نظرية الاختيار العقلاني، لتصبح نظرية «العقلانية المحدودة» Rationality Bounded، ونظرية «الأسباب الوجيهة». ولا يتأتى ذلك إلا من خلال دعمها بتفسيرات أخرى، مثل نظريات تعبئة الموارد التي إليها يرجع الفضل في إبراز دور الروابط المجتمعية ومنظِّمي الفعل والشبكات. كما تجدر الإشارة إلى أعمال تشارلز تيلي Tilly Charles التي ساهمت في بيان دور السياقات السياسية والأنساق المؤسساتية والعروض الأيديولوجية في بلورة الفعل الجمعي. وعمومًا، أبرز علماء الاجتماع وعلماء

التاريخ دور الثقافات السياسية وتصوّرات العدالة الاجتماعية في تشكّل الفعل الاحتجاجي وتطوّره،

بعيدًا عن النواة الصلبة للحرمان النسبي.

(((8 تمثَّل أول رد للملك في ترؤسه مجلس وزاري، في 25 حزيران/ يونيو 2017 ص لتدارس عدة موضوعات، أبرزها، خُصّ

احتجاجات الريف. واختُزلت الأزمة بتعقيداتها كلها في أبعاد تقنية وإدارية متعلقة بالتعثّر في إنجاز برنامج «الحسيمة، منارة

المتوسط». وعبَّر الملك للحكومة عن «استيائه وانزعاجه وقلقه» بخصوص عدم تنفيذ المشروعات التي يتضمنها هذا البرنامج

التنموي في الآجال المحددة لها. كما أبدى غضبه من عدد من الوزراء. يُنظر: المملكة المغربية، «جلالة الملك يترأس بالدار البيضاء

مجلسا للوزراء»، البوابة الوطنية للمغرب، 2017/6/25، شوهد في 2019/12/2، في: https://bit.ly/34ol3lv؛ أما الرد الملكي الثاني، فتمثّل في خطاب العرش في 29 تموز/ يوليو 2017 الذي تميز بنقده ضعف حصيلة التنمية البشرية وسوء تدبير القطاع العام. إضافة

إلى بيان مواطن الوَهن لدى معظم الأحزاب. يُنظر: المملكة المغربية، «نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك بمناسبة

حلول الذكرى 18 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين»، البوابة الوطنية للمغرب، شوهد في 2019/12/2، في:

https://bit.ly/2NvTfF0

أما ردة الفعل الثالثة للملك، فجاءت مُزلزلة، حيث جرى إعفاء أربعة وزراء في 24 تشرين الأول/ أكتوبر.2017 يُنظر: «ملك المغرب

يقيل أربعة وزراء لتأخر مشاريع الحسيمة»، الجزيرة نت، 2017/10/24، شوهد في 2019/12/2، في: https://bit.ly/2PDDFtz

(85) Michel Dobry, «Les Causalités de l’Improbable et du probable: Notes à propos des manifestations de 1989 en Europe centrale et orientale,» Cultures & Conflits , no. 17 (1995), accessed on 13/2/2018, at: https://bit.ly/2NuneNc (86) Dubet, p. 6.

شتاء   Winter 2020

مع ظهور نظرية تعبئة الموارد في سبعينيات القرن السابق في الولايات المتحدة الأميركية، سيتم تجديد التساؤلات والمفاهيم من خلال المساهمات المؤسِّسة لطوني أوبرشال (1973) وويليام غامسون (1975)

وتشارلز تيلي (1976) وجون ماكارثي وماير زالد (1977). وهذه النظرية مثلما تقطع إبستيمولوجيًا مع

منظور السلوك الجمعي المُعْجب بوضعيات الحشود والتعبئة العنيفة، تقطع أيضًا مع منظور أولسون

الأداتي الذي لا يهتم إلا بالحركات الاجتماعية ذات الرهانات المادية المباشرة. لذلك، فكل أصناف الحركات تُؤخذ في الحسبان في نظرية تعبئة الموارد، بما فيها تلك التي لها أبعاد أيديولوجية وسياسية صريحة، مثل حركة 20 فبراير. ويجوز القول إن أهمية النظرية تكمن في إعادة طرح السؤال المؤسِّس

لتحليل الحركات الاجتماعية؛ فلم يعُد السؤال هو «لماذا تتعبأ جماعات معيّنة كما في نموذج السلوك

الجمعي؟»، بل «كيف ينطلق الاحتشاد ويتطوّر؟»، ثمّ «كيف ينجح أو يفشل؟». إضافة إلى ذلك فهي تُقدِّم، من خلال تصنيفها أنواع الدعم، جوابًا غير مسبوق ل «مفارقة أولسون»

المشار إليها أعلاه. فمفهوم «المنخرطين» يعني انخراط أشخاص ومنظمات في مطالب خاصة

بقضية ما. وبذلك فهم يختلفون عن «الأعضاء الناشطين» الذين يهَبون الحركة من وقتهم ومال هم ومنِ

كل أشكال الدعم الملموسة. كما يمكن التمييز ضمن «الأعضاء الناشطين» بين فئتين: فئة يُصنَّف

أصحابها ك «مستفدين محتمَلين» في إمكانهم أن يجنوا فائدة شخصية من نجاح الحركة؛ وفئة أخرى

تُمثِّل «المناضلين الزُّهَّد» الذين يساندون الحركة من دون جني أي ربح مادي يذكر. إنّ ضخَّ هؤلاء

«المناضلين الزُّهَّد» مواردَ نضالية أو مالية من أجل قضية ما، يُقدم حلًّ إمبيريقيًا لا نظير له ل «مفارقة

أولسون»؛ إذ إن هذه الموارد الخارجية تُخَفِّض تكلفة الفعل الجمعي بالنسبة إلى الجماعات المعنية مباشرة وتُنمّي مردودية المشاركة. وهذا ما تبيّنه الدراسة الحالية في دراستها حركة 20 فبراير وحراك

الريف في المغرب. ففي كلتا الحالتين، أوضحت الدراسة أننا أمام نوعية خاصة من المناضلين، هي فئة «المناضلين الزُهّد» الذين يضحُّون بالغالي والنفيس من أجل قضايا من دون استفادتهم من أي ربح. تقود هذه الفكرة إلى الوقوف قليلً عند العقلانية الإدراكية التي تهدف إلى شرح الأسباب التي تجعل الناس يعتنقون معتقدات أيديولوجية أو سحرية، وقيمًا أخلاقية. وترجع هذه العقلانية أساسًا إلى مدرسة

علم الاجتماع الألمانية. فماكس فيبر، بتمييزه بين العقلانية الأداتية والعقلانية الأكسيولوجية، يؤكد أن العقلانية لا تختلط مع صورتها الأداتية. وقد يشوب مفهوم العقلانية الأكسيولوجية أحيانًا نوع من الغموض، وخصوصًا بالنسبة إلى من لا يتمك ن من تصوّر مفهوم عقلانية غير أداتية بسبب خلطه بين

العقلانية والعقلانية الأداتية. ومن ثمة يصبح مفهوم العقلانية الأكسيولوجية واضحًا إذا نُظر إليه باعتباره

تطبيقًا للعقلانية الإدراكية على المسائل المعيارية.

(87) Olivier Fillieule, «Requiem pour un concept: Vie et mort de la Notion destructure des opportunités politiques,» in: Gilles Dorronsoro (dir.),  La Turquie conteste: Mobilisations sociales et régime sécuritaire (Paris: Presses du CNRS, 2005), p. 202. (88) Neveu, p. 52. (89) Boudon, Raison , p. 51.

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

خاتمة

يمكن الخلوص إلى أن نظرية الاختيار العقلاني في شقها الأداتي لا تشكل إطارًا عامًا ذا قدرة

على تفسير غالبية الظواهر الاجتماعية. وتبيّن من خلال الدراسة الميدانية لمجموعة من الحركات

الاجتماعية بالمغرب أن نموذج العقلانية الأداتية لأولسون لم يتمكن من تفسير إلا النزر القليل من الوقائع المرتبطة بالحركات الاجتماعية ذات الصلة حصريًا بالمصالح الاقتصادية الفئوية

المحدودة. أما الحركات الاجتماعية ذات الرهانات السياسية أو الأيديولوجية، فتبقى عصيّة على

الفهم بالنسبة إليه. من المعلوم أن علم الاقتصاد – وفي أثره النموذج الاقتصادي – أثّر بدرجات متفاوتة في كل العلوم الاجتماعية الأخرى. فداخل هذا الحقل العلمي الذي يقدم نفسه بوصفه تخصصًا نيوكلاسيكيًا، تكون

الأسس الإبستيمولوجية المشروعة ميكرو اقتصادية، أي إن كل شيء ينطلق من مسلّمة أن الفاعلين الاجتماعيين بصفتهم حاسبين عقلانيين لا يُبالون إلا بمصالحهم الخاصة. إن هذه المُسلّمة التي توجد

في قلب «الفردانية المنهجية»، وفي قلب نظرية الاختيار العقلاني، تشتغل في حقول معرفية أخرى للعلوم الاجتماعية. لتجاوز هذه النظرة الاقتصادوية الضيقة، لا محيد عن توسيع دائرة العقلانية لتشمل المجال الإدراكي. ولربما سيُمكّننا ذلك من تفادي السقوط في فخ اختيار جد مبسط بين كائن اقتصادي مفرط في العقلانية

وكائن سوسيولوجي من دون عقلانية، تُقدّمه السوسيولوجيات الحتمية كألعوبة في يد قوى اجتماعية. إن غالبية الأفعال التي تهم عالم الاجتماع توجد ضمن فئة وسطية، لا هي فئة أفعال الفاعل الاقتصادي

الحاسب والمُلِمّ بكل شيء، ولا هي فئة أفعال الذات السوسيولوجية التي يتم تحريكها في غفلة من

نفسها من جرّاء حتميات تتجاوزها. لذلك يجب الانفتاح على عقلانية أكسيولوجية تأخذ في الحسبان مجموعة من القيم، أو ما يسميه ريمون بودون عقلانية «الأسباب الوجيهة». إنَّنا ل في أمسِّ الحاجة إلى علم اجتماع عام يقوم على

أسس أخرى غير نظرية الاختيار العقلاني وغير النموذج الاقتصادي، علم اجتماعي عام غير نفعي. كما يلزم العمل على تخطي خطاطة المنطق الأرسطي الثنائي القيم إلى منطق ديالكتيكي ثلاثي القيم. فلا «الفردانية المنهجية» المتبناة من نظرية الاختيار العقلاني قادرة وحدها على تفسير كل الظواهر الاجتماعية، ولا «الكليّانية المنهجية» تستطيع ذلك بمفردها. وهذا هو التوجه الذي تسير فيه، إجمالً،

العلوم الاجتماعية في الوقت الراهن، حيث إنها تسعى لتجاوز هذه الثنائية المنهجية في إطار منهج يسعى نحو التكامل.

(90) Boudon & Fillieule, p. 4. (91) Alain Caillé & Stéphane Dufoix, «La Globalisation des sciences sociales,»  Sciences humaines , vol. 3, no. 290 (2017), p. 14, accessed on 12/1/2020, at: https://bit.ly/2Y8X488

المراجع

العربية

20 فبراير ومآلات التحول الديمقراطي في المغرب. سلسلة التحول الديمقراطي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 سارانتاكوس، سوتيريوس. البحث الاجتماعي. ترجمة شحدة فارع. مراجعة ثائر ديب. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2017 عمر، إحرشان. «حراك الريف: السياق والتفاعل والخصائص.» العدد سياسات عربية. 31 (آذار/ مارس.)2018 كريب، إيان. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس. ترجمة محمد حسين غلوم. مراجعة محمد عصفور. سلسلة عالم المعرفة 244. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1999 المملكة المغربية. المندوبية السامية للتخطيط. «النتائج الرئيسية لخريطة الفقر متعدد الأبعاد لسنة 2014: المشهد الترابي والدينامية.» في: F 1 uj /381 ly. bit:// https

الأجنبية

Benadada, Assia & Latifa El Bouhsini (dir.). «Le Mouvement des droits humains des femmes au Maroc: Approche historique et archivistique.» Étude réalisée par Le Centre d’histoire du temps présent. Faculté des Lettres et des Sciences Humaines–Rabat/

Bennani–Chraïbi, Mounia & Mohamed Jeghllaly. «La Dynamique protestataire du Mouvement du 20 février à Casablanca.» Revue française de science politique.

Bennani–Chraïbi, Mounia & Olivier Fillieule (dir.). Résistance et protestations dans les

Boudon, Raymond & Renaud Fillieule. Les Méthodes en sociologie. Collection Que

_______. «Théorie du choix rationnel ou individualisme méthodologique?» Sociologie

Bourdieu, Pierre. Esquisse d’une théorie de la Pratique. Précédé de «Trois études

Caillé, Alain & Stéphane Dufoix. «La Globalisation des sciences sociales.» Sciences

شتاء   Winter 2020

References

Université Mohammed V de Rabat, 2014.

vol. 62, no. 5 (2012).

Sociétés musulmanes. Paris: Presses de Sciences Po, 2003.

sais–je? Paris: PUF, 1969.

et sociétés. vol. 34 , no. 1 (2002). _______. Raison, bonnes raisons. Paris: PUF, 2003.

d’ethnologie kabyle». Paris: Librairie Droz, 1972.

humaines. vol. 3, no. 290 (2017).

لاختيار العقلاني في وسسيولوجيا الحركات الاجتما ا ةيرظن ةيدودحم

Coleman, James. Foundations of Social Theory. Cambridge/ London/ Massachusetts: Harvard University Press, 1990. Davies, James C. «Toward A Theory of Revolution.» American Sociological Review. vol. 27, no. 1 (1962). Dobry, Michel. «Les Causalités de l’Improbable et du probable: Notes à propos des manifestations de 1989 en Europe centrale et orientale.» Cultures & Conflits. no. 17 (1995). at: https://bit.ly/2NuneNc Dorronsoro, Gilles (dir.). La Turquie conteste: Mobilisations sociales et régime sécuritaire. Paris: Presses du CNRS, 2005. Dubet, François. «Frustration relative et individualisation des inégalités.» Revue de l’OFCE. no. 150 (Février 2017). Emperador, Badimon Montserrat. «Les Mobilisations des diplômés chômeurs au Maroc: Usages et avatars d’une protestation pragmatique. » PhD. Dissertation. Ecole doctorale sciences juridiques politiques. Université paul cèzanne. marseille. 2011. Fillieule, Olivier. «Propositions pour une analyse processuelle de l’engagement individuel. Post scriptum.» Revue française de science politique. vol. 51, no.1 (2001). Gaxie, Daniel. «Rétributions du militantisme et paradoxes de l’Action collective.» Swiss Political Science Review. vol. 11, no. 1 (2005). Granci, Jacopo. «Le Mouvement amazigh au Maroc: De la revendication culturelle et linguistique à la revendication sociale et politique.» Thèse en science politique. Montpellier 1, 2012. Hardin, Russel. One for All: The Logic of Group Conflict. Princeton: Princeton University Press, 1995. Haut–Commisariat au Plan. Enquête Nationale sur les Jeunes. Royaume du Maroc,

Ilahiane, Hsain. Historical Dictionary of the Berbers Imazighen. Lanham, MD: Scarecrow Press, 2006. Kuran, Timur, Private Truths, Public Lies: The Social Consequences of Preference Falsification. Cambridge: Harvard University Press, 1995. Le Bon, Gustave. Psychologie des foules , 9 th  éd. Paris: Édition Félix Alcan, 1905

Le Saout, Didier. «Les Théories des mouvements sociaux. Structures, actions et organisations: Les Analyses de la Protestation en perspective.»  Insaniyat , vol. 8 (1999). Lehtinen, Tehri. «Nation à la Marge de l’État, la Construction identitaire du Mouvement Culturel Amazigh dans l’Espace national marocain et au–delà des frontières étatiques.» Thèse de doctorat d’État en anthropologie sociale et ethnologie. École des Hautes Études en Sciences Sociales. Paris, 2003.

شتاء   Winter 2020

McCarthy, John D. & Mayer Zald. The trend of Social Movement in America: Professionalization and Resource Mobilization. Morristown NJ: General Learning Corporation, 1973. Mathieu, Lilian. Comment Lutter? Sociologie et mouvements sociaux. Paris: Textuel,

_______. «L’Espace des mouvements sociaux.» Politix. vol. I, no. 77 (2007). _______. L’Espace des mouvements sociaux. Paris: Edition du Croquant, 2012. Montgomery Hart, David. The Aith Waryaghar of the Moroccan Rif. Tucson: Arizona,

Neveu, Erik. Sociologie des mouvements sociaux. 5 th. ed. Paris: La Découverte, 2011. Oberschall, Anthony. Social conflict and Social Movements. Englewood Cliffs NJ: Prentice–Hall, 1973. Olson, Mancur. The Logic of Collective Action: Public Goods and the Theory of Groups. Cambridge MA.: Harvard University Press, 1965. Rollinde, Margueritte.  Le Mouvement marocain des droits de l’homme. Paris: Karthala,

Ted Gurr, Robert. Why Men Rebel. Princeton: Princeton University Press, 1970. Tilly, Charles & Sidney Tarrow. Politique(s) du conflit. Rachel Bouyssou (trad.). Paris: Presses de Sciences Po, 2008. Touraine, Alain. La Voix et le Regard. Paris: Les Éditions du Seuil, 1978.

مراجع إضافية

Ben Néfissa, Sara & Blandine Destremau «Protestations sociales, révolutions civiles: Transformations du politique dans la Méditerranée arabe.» Revue Tiers Monde , numéro Hors série (2011). Le Bon, Gustave. Psychologie des foules. 4 th  éd. Paris: PUF, 1991. Le Saout, Didier & Marguerite Rollinde. Émeutes et mouvements sociaux au Maghreb: Perspective comparée. Paris: Karthala, 1999.