تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخلاقية والسياسية
Sustainable Development Teaching Ethical and Political Challenges
الملخّص
عنوان الكتاب الأصلي : Sustainable Development Teaching: Ethical and Political Challenges . المحررون : كاترين فان بويك وليف أوستمان ويوهان أومان. الناشر : أكسفورد: روتليدج؛ نيويورك: أبنجدون. سنة النشر : 2019. عدد الصفحات : 282 صفحة.
Abstract
Emeritus Professor of Economics at the Institute of National Planning in Cairo.
- التنمية المستدامة
- التعليم
- Sustinable Development
- Education
المحررون: الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:
282 صفحة.
Sustainable Development Teaching: Ethical and Political: عنوان الكتاب الأصلي
Challenges.
كاترين فان بويك وليف أوستمان ويوهان أومان. أكسفورد: روتليدج؛ نيويورك: أبنجدون.
لمحة تاريخية عن تعليم البيئة والاستدامة
يتناول هذا الكتاب قضايا تدريس التنمية المستدامة، مركّزًا على ما تثيره من تحديات أخلاقية وسياسية أمام المعلمين، وعلى سبل معالجتها بالملائم من الممارسات والنماذج وأدوات التدريس. يعتبر هذا الكتاب حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المساهمات في مجال التعليم البيئي، وتعليم الاستدامة/ التنمية المستدامة التي ظهرت في سياق الاهتمام العالمي بقضايا البيئة، وعلاقتها بالتنمية، خلال مرحلة تناهز نصف قرن؛ إذ تتابعت الوثائق الدولية والكتابات العلمية التي تطالب بالاهتمام بهذا النوع من التعليم، منذ أن عُقد مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة البشرية في عام 1972 حتى إقرار «جدول أعمال التنمية المستدامة 2030» في عام 2015، مرورًا بإطلاق
«عقد الأمم المتحدة للتعليم من أجل التنمية المستدامة» (2014–2005). وكان لليونسكو دورٌ بارز في التأسيس العلمي
والعملي للتعليم المنصبّ على قضايا البيئة
والاستدامة، متجليًا في عدد من التقارير المهمة،
من أبرزها تقرير عام 2017 التعليم من أجل أهداف التنمية المستدامة: أهداف التعلم، وقد كُررت الإشارة إليه في الكتاب الذي شدد على أن «التعليم من أجل التنمية المستدامة»، وإن
(((لمتابعة أكثر تفصيً للوثائق والمؤتمرات الدولية التي دعت إلى الاهتمام بتعليم البيئة والاستدامة، يُنظر: مصطفى
كمال طلبة، «عن الاستدامة البيئية في العالم العربي»، مجلة
البيئة والتنمية، مج 13، العدد 127 (تشرين الأول/ أكتوبر 2008)؛
Helen Hasslof, The Educational Challenges in ‘Education for Sustainable Development’: Qualification, Social Change and the Political (Malmö: Holmbergs, 2015), pp. 14–21, accessed on 23/12/2019, at: http://bit. ly/2LFkDjG
شتاء Winter 2020
كان واحدًا من غايات الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر، له دور حيوي في تحقيق الأهداف الستة عشر الأخرى. ويضاف إلى ذلك رصيد ضخم من الكتابات التي تناولت هذا الموضوع، نظريًا وعمليًا، في كتب متعددة،
وفي مقالات كثيرة ظهرت في عدد من المجلات العلمية التي استُحدثت لتناول قضايا تعليم البيئة والتنمية المستدامة. وقد أسفر الاهتمام بهذه القضايا عن ظهور عدد من الشبكات البحثية؛ للتحاور والتفاعل بين الباحثين في شأنها، ومن
Studies of Meaning – making in بينها شبكة التي ينتسب Educational Discourses , SMED
إليها محررو هذا الكتاب، والعدد الأكبر من المساهمين فيه بفصل أو أكثر.
(2) UNESCO, Education for Sustainable Development Goals: Learning Objectives (Paris: UNESCO, 2017), p. 8;
يُنظر: قائمة مراجع هذا التقرير؛ للتعرّف إلى عدد من التقارير
المهمة التي أصدرتها اليونسكو بشأن التعليم البيئي، وبشأن عقد الأمم المتحدة للتعليم من أجل التنمية المستدامة، وبشأن برنامج العمل العالمي الخاص بالتعليم لأجل التنمية المستدامة– GAP ESD، وبشأن المؤشرات المقترحة لمتابعة جدول أعمال 2030 للتعليم Agenda 2030 Education. (((يُنظر: طائفة من هذه الكتابات والمج ت العلمية في
الببليوغرافيا الشارحة حول تدريس الاستدامة الصادرة من جامعة ماكواري في أستراليا:
«Annotated Bibliography–Teaching Sustainability,» Macquarie University, accessed on 10/12/2019, at: http:// bit.ly/2qHehJr
(((من هذه الشبكات: شبكة البحث في تعليم البيئة والاستدامة
ESER التي أُسست في عام 2010 في نطاق الجمعية الأوروبية لبحوث التعليم EERA. يُنظر موقع هذه الشبكة في: http://bit.
ly/2E7P0Lw؛ وأيضًا شبكة in Making – Meaning of Studies
SMED , Discourse Educational التي أُسست في عام 2003، وأسهم عدد من أعضائها بفصول في هذا الكتاب، ويُطلق عليها
«بيئة بحثية» Environment Research. يُنظر الكتاب المراجَع:
Katrien Van Poeck & Leif Ostman & Johan Ohman, Sustainable Development Teaching: Ethical and Political Challenges (Oxford: Routledge; New York: Abingdon, 2019), p. xi.
التحديات الأخلاقية والسياس: تدامة تدريس التنمية لامس
مؤلفو الكتاب ومكوناته ومساهماته الأساسية
يشتمل كتاب تدريس التنمية المستدامة: التحديات الأخاقية والسياسية على عشرين فصلً، كتبها سبعة عشر كاتبًا، انفراديًا في بعض
الفصول، وثنائيًا أو ثلاثيًا في بعضها الآخر، فضلً
عن مقدمة الكتاب التي أعدها المحررون الثلاثة الذين أسهموا أيضًا في كتابة عدد غير قليل من فصول الكتاب. وأغلبية الكتّاب ينتسبون إلى جامعات إسكندنافية (ثلاث جامعات سويدية وجامعة نرويجية)، إلى جانب ثلاثة كتّاب من جامعة بلجيكية، وكاتب واحد من جامعة بريطانية. وكما سنرى في ما بعد، فإن لهذا التنويع انعكاسات مهمة على مضمون الكتاب، وإمكانية الاستفادة من نتائجه. وإذا كانت النسبة الكبرى من هؤلاء الكتّاب أساتذةً وباحثين في شؤون التعليم والتعلم، وفي ما يتصل بذلك من قضايا، مثل فلسفة التعليم وطرق التدريس والمناهج، مع تركيز واضح على التعليم البيئي وتعليم الاستدامة، فإن قائمة المؤلفين تضم أيضًا مختصين بمجالات السياسة والاجتماع والأخلاق والحوكمة. تتوزع فصول الكتاب على ثلاثة أقسام: يتناول القسم الأول التعليم ودوره في بناء عالم أكثر استدامة، ويبدأ بفصل يسلط الضوء على مفهوم الاستدامة، ويصحح بعض الأخطاء الشائعة عنها، منها أن الاستدامة تختص بالهموم الإيكولوجية وحدها، وأن ثمة تعريفًا موضوعيًا جامعًا مانعًا
للاستدامة، وأن من اليسر تخطيط التحول إلى استدامة التنمية وإدارته. ويرجعنا هذا الفصل إلى تعريف تقريرمستقبلنا المشتركللتنمية المستدامة، بأنها «استجابة التنمية لحاجات الحاضر من دون الافتئات على قدرة الأجيال المقبلة على
الوفاء بحاجاتها»، ليبرز اشتمال الاستدامة على بعد اقتصادي وبعد اجتماعي، إلى جانب البعد البيئي، وليبيّن ارتكاز مفهوم التنمية المستدامة
على عناصر معيارية استهدافية Normative، تخضع للأحكام الذاتية التي قد تتباين تباينًا شديدًا بين الأفراد، كعنصر الحاجة وعنصر نوعية الحياة، وعنصر الحدود البيئية المقبولة. فهذه العناصر عصية على أن يكون لها تعريفات قاطعة. إضافة إلى أنّ تبنّي التنمية المستدامة من أطراف ذات مصالح وتوجهات متباينة، يجعل مفهومها قابلً لتفسيرات متعددة، وربما متضاربة، ويجعل المفاضلة بينها رهنًا بالمواقف الأخلاقية والمصالح المادية والتوجهات السياسية، ومن ثم تنشأ التحديات الأخلاقية والسياسية لتعليم التنمية المستدامة التي يشير إليها عنوان الكتاب. ومن النتائج المهمة لهذا الفصل أن الاستدامة على الرغم من حاجتها إلى تحولات جذرية في المجتمعات المعاصرة، فإن التيار الفكري السائد الذي تتبناه المؤسسات الدولية لا يرى ضرورة لهذه التحولات الجوهرية، ويروج الاعتقاد بأن إحراز الاستدامة ممكن في إطار الهياكل المؤسسية القائمة، والنموذج الرأسمالي الليبرالي المعتمد على قوى السوق في حل المشكلات (ص. 20) ولما كانت التحولات الجوهرية المطلوبة في النظم المجتمعية تصطدم عادة بمقاومة شديدة من أصحاب المصالح المترسخة، وتثير صراعات قوة؛ بسبب التعارض بين مصالح الطبقات، والفئات المختلفة في المجتمع، فإن كُتّاب هذا
الفصل يرون أن مشكلات الاستدامة وثيقة الصلة بهياكل الاقتصاد والسلطة في المجتمع، وأن النضال من أجل الاستدامة يجب أن يُفهم على
أنه جزء من النضال السياسي بشأن المستقبل (ص. 25)
ويبين الفصل الثاني أن تعليم التنمية المستدامة لا ينطوي على مسائل معرفية فحسب، بل ينطوي أيضًا على تحديات أخلاقية وسياسية؛ لذا يجب التعامل التربوي مع مشكلات الاستدامة على أنها تنتمي إلى طائفة المشكلات الخبيثة Wicked. ويُقصد بها المشكلات التي تتصف بأن الحقائق
فيها غير قاطعة، أو غير يقينية، وأن القيم المتعلقة بها محل خلاف، وأن المصالح التي تتنازع عليها الأطراف المختلفة كبيرة، وأن ثمة ضرورة لإسراع في اتخاذ قرارات بشأنها. وتظهر هذه السمات بجلاء في قضايا، مثل: فقدان التنوع البيولوجي، والطاقة النووية، وتغير المناخ (ص. 29)–28 والحل التربوي الذي يطرحه الكتاب لهذا النوع من المشكلات يتمثل في ما يُطلق عليه «التعليم
ما بعد الاعتيادي» education normal – Post، فهذا النوع من التعليم يتجاوز مقاربة «التعليم القائم على الحقائق»، إلى مقاربة أوسع وأعمق، وأكثر تنوعًا في مصادر المعرفة، وفي الأطراف المشاركة في إنتاجها، وفي قيم هذه الأطراف وتصوراتها لحل المشكلات، وهي المقاربة التعددية Pluralism. ويترتب على هذه المقاربة أن تدريس الاستدامة لا يمكن أن يأخذ شكلً واحدًا، أو ممارسة موحدة، بل يجب أن يتنوع بحسب القضية محل الاهتمام (ص. 34)–33 ويُقترح أن يعتمد التعليم ما بعد الاعتيادي لقضايا
الاستدامة على التواضع في التعامل مع الحقائق عند تقديمها للطلاب، وذلك نظرًا إلى ما يحيط
بها من لايقين، ولأن الحقائق وحدها لا تكفي لتوجيه تصرفاتنا نحو بناء عالم أكثر استدامة، إضافة إلى أن الحاجة إلى الأحكام القيمية ستظل قائمة. ويُوصى بتصميم ممارسات تعليم وتعلم
تتمحور حول القضايا أو المشكلات– Problem oriented (ص. 36)
شتاء Winter 2020
في حين يقترح الفصل الثالث خمسة مبادئ لتدريس البيئة والاستدامة، منها: تشجيع الطلاب على الاشتباك والارتباط العاطفي مع محتوى التدريس، بتحفيزهم على المناقشة وتداول الآراء، وعلى التفكير الإبداعي بشأن مشكلة محددة، كتغير المناخ، تطبيقًا للتعاليم التربوية للفيلسوف وأستاذ التربية الأميركي الأشهر، جون ديوي. ومنها معالجة مشكلات استدامة محلية، من دون صرف النظر عن مشكلات الاستدامة العالمية، ولا عن الروابط بين المحلي والعالمي. ومنها توكيد التعددية، بتوجيه النظر إلى المناظير المتعددة لتناول معظم المشكلات، وتعدد المعارف المتعلقة بها. ومنها تشجيع الطلاب على اكتساب المعارف والمهارات اللازمة؛ للتعامل مع الأبعاد الأخلاقية والسياسية لقضايا الاستدامة. أما القسم الثاني من الكتاب فيشتمل على ستة فصول، تقدم في مجموعها دليللتحضير المقررات والدروس في سياق تدريس التنمية المستدامة، كما تقدم أدوات للنظر والتأمل في أساليب التدريس، وفي المقاربات المتعددة للتعامل مع التحديات الأخلاقية والسياسية لتعليم البيئة والاستدامة. ويستهل الفصل الرابع هذا القسم بتقديم نموذج لتخطيط تعليم الاستدامة، يطلق عليه «النموذج التكاملي» Model Integrative. وينطلق هذا النموذج من أن للتعليم ثلاث وظائف أساسية، وهي التأهيل Qualification؛ أي تزويد الطلاب بالمعارف والمهارات اللازمة لتأهيلهم للتعامل مع مواقف معينة، والتهيئة الاجتماعية Socialization، بمعنى غرس قيم ومعايير ورؤى إلى العالم، تتفق مع المعايير والمستويات السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه الطلاب، وبناء الشخصية Formation Person، بإكساب الطلاب القدرة على التفكير النقدي، وعلى
التحديات الأخلاقية والسياس: تدامة تدريس التنمية لامس
إصدار الأحكام الأخلاقية. ووصف النموذج بالتكاملية يأتي من أن هذه الوظائف متداخل بعضها مع بعض. والراجح أن القيم هي صاحبة الدور الأساسي في هذا التداخل؛ لأن المعارف تحمل عادة في طياتها قيمًا معينة، ولأن القيم
أساسية في بناء الشخصية. وثمة مشكلة مع الوظيفة الثانية؛ إذ يُقصد بها (وفق
التعريف المقدم في ص 61) استنادًا إلى أعمال دوركايم وبورديو وأوستمان، تعليم الطلاب القيم والمواقف والمعايير التي تمكّنهم من الاندماج في مجتمع معين، ومن ثم المحافظة على التقاليد الثقافية والدينية لهذا المجتمع، أي إعادة إنتاج المجتمع القائم. ولكن ممارسة هذه الوظيفة في سياق تعليم البيئة والاستدامة تعني تهيئة الطلاب لإقامة مجتمع مختلف، وهو المجتمع الأكثر استدامة، وهذا ما يقتضي إعادة النظر في القيم والمواقف السائدة، وبث قيم ومواقف مواتية للتنمية المستدامة. والسؤال الذي نطرحه الآن، وسنعود إليه بعدئذ، هو: هل هذا التحول في الوظيفة الاجتماعية للتعليم ممكن في إطار المجتمع القائم؟ وحتى إذا سعى التعليم لتحقيق هذه الوظيفة، فهل سيجد المتعلم فرصة حقيقية في المجتمع القائم؛ لتفعيل القيم والمعايير المغايرة لما هو سائد؟ ويقارن الفصل الخامس بين ثلاثة أنماط من التعليم الموجه إلى قضايا البيئة والاستدامة، وهي: النمط القائم على الحقائق الذي يركز على نقل المعارف للطلاب، والنمط الاستهدافي الذي يركز على غرس القيم، والنمط التعددي الذي يركز على تنمية قدرات الطلاب على التقييم النقدي لوجهات نظر مختلفة، غالبًا ما تعبّر عن مصالح
وتوجهات سياسية وقيمية متباينة. والغرض من
المقارنة هو إبراز نقاط الضعف ونقاط القوة في كل نمط، ومن ثم توفير مرجعية يمكن أن يستفيد منها المعلمون في تخطيط المناهج وتصميم الدروس، على نحو معزز لفكرة التنمية المستدامة. ويحبذ الكتاب النمط التعددي، استنادًا إلى أن قضايا الاستدامة يحيط بها قدر كبير
من اللايقين، وأن الآراء حول التعامل معها تتباين وتتضارب، حتى لو كان هناك اتفاق على الحقائق العلمية المتعلقة بها؛ لذا فإن الأنسب تربويًا،
والأشد توافقًا مع الديمقراطية، للتعامل مع هذه القضايا هو تنمية قدرات الطلاب على التفكير والتقييم النقديين لوجهات النظر المختلفة، وعلى اتخاذ موقف في الحوارات التي تدور في الصفوف الدراسية، وكذلك في المجتمع الأوسع (ص 76–75). ويقتضي النمط التعددي لتعليم البيئة والاستدامة اتباع طرق تدريس تولي الأولوية للتحاور بين الطلاب، في إطار حلقات نقاشية، ولقيام الطلاب بمشروعات بحثية، ولأوجه نشاط تحديد المواقف، من طريق تمثيل الأدوار Role Playing. ويدرك المؤلفون أن طرق التدريس المرتبطة بالنمط التعددي تستنفد كثيرًا من الجهد
والوقت في تصميمها وتنفيذها، فضل عن أن التنبؤ بنتائجها ليس سهلً (ص. 79) وتتناول الفصول التالية (من السادس إلى التاسع)، بدرجة أكثر تفصيلً، الجوانب الأخلاقية والقيمية والسياسية لتعليم البيئة والاستدامة، فتقدم تصنيفًا للمواقف التي تظهر فيها الأخلاقيات في الممارسات التعليمية المتوافقة مع المقاربة التعددية، وذلك انطلاقًا من الفلسفة البراغماتية لجون ديوي، ومن فكرته عن الارتباط الوثيق للأخلاق بكيفية تنسيق الأفراد تصرفاتهم مع الآخرين، ومع البيئة المحيطة بهم (ص. 84). ثم يقترح الكتاب عددًا من المبادئ لتعامل المدرسين
مع الجانب الأخلاقي بطريقة مسؤولة ديمقراطيًا،
من ناحية، وعلى نحو يعزز التفكير الأخلاقي للطلاب، ويساعد في تنميتهم فاعلين أخلاقيين subjects Moral، من ناحية أخرى (ص 90 وما بعدها). ويقدم الكتاب تصنيفًا للمواقف المختلفة التي يمكن أن تظهر فيها الأبعاد السياسية لقضايا الاستدامة في الممارسات التربوية. وهذه الأبعاد تدور أساسًا حول كيفية تنظيم المجتمع، وحول
ما يجرّ ذلك من أحكام وترتيب للأولويات،
وقرارات بشأن البدائل المتاحة لذلك. والمواقف المختلفة التي يرصدها الكتّاب تكشف فروقًا
ضخمة في الفرص التي تتاح للطلاب؛ لتطوير أهليتهم في اتخاذ موقف سياسي عندما يواجهون آراء متناقضة تتعلق بقضايا الاستدامة. وبناء على فحص هذه المواقف، ينتهي الكتّاب إلى
تحبيذ تبنّي المعلمين مقاربة التدبر أو المداولة Deliberation التي تقوم على التفكير المنطقي، وعرض الآراء المتنوعة، مع الاحترام المتبادل بين أصحاب الآراء المختلفة، وعدم شخصنة النقاش، وذلك أساس للانتقال من تواصل إلى توافق Consensus في مناقشات قاعة الدرس (ص. 118)–117 أما القسم الثالث والأخير، فيقدم من خلال أحد عشر فصلً مجموعةً من الممارسات التعليمية التي تُبنى على المقاربة التعددية للأبعاد الأخلاقية والسياسية لتعليم التنمية المستدامة، ويقترح أطرًا
مفاهيمية، ونماذج وتصنيفات متعددة؛ للاستفادة منها في تصميم الدروس وتنفيذها. ففي الفصل العاشر الذي كتبه المحررون الثلاثة للكتاب نظرية لتعليم البيئة والاستدامة، مبنية على نظرية التعليم والتعلم التي صاغها ديوي وبنتلي، وأطلقا عليها «نظرية المعاملة» Transaction. وجوهر هذه النظرية التعلم من خلال الممارسة،
شتاء Winter 2020
والتفاعل الاجتماعي بين الأفراد، وتفاعلهم مع البيئة الاجتماعية والمادية المحيطة بهم، وسعيهم للتنسيق Coordination معها، سواء لتحقيق ما خططوا له، أم للتكيف مع التغيرات في هذه البيئة. وبعد تقديم هذه النظرية، يشرح الكتّاب أنواع التدخلات التي يمكن أن يقوم بها المدرسون moves s ’ Teacher؛ للتحكم في مسار عملية التعلم في اتجاه يتوافق مع أغراض تدريس البيئة والاستدامة. وتتنوع هذه التدخلات ما بين تدخلات معرفية، وتدخلات سياسية، وتدخلات أخلاقية (الفصول 13–11). وتتعمق الفصول اللاحقة (20–14) في تفاصيل أساليب تعليم وتعلم قضايا البيئة والاستدامة، شاملة مناقشات قاعة الدرس، ومحتوى الدرس وأثره في تعزيز مسارات معينة للتعلم وللتفكير والسلوك، واستخدام النصوص الأدبية (كقصة روبنسون كروزو) في توصيل مفاهيم الاستدامة وتغير المناخ، وكيفية تنظيم المدرس للعملية التعليمية على نحو يسمح للطلاب بالتصرف، بوصفهم فاعلين سياسيين، وإعداد الطلاب للتوصل إلى قرارات بشأن قضايا الاستدامة، ولا سيما تلك القضايا المعقدة التي تفتقر إلى معلومات يقينية، وأخرى بشأن سبل التعامل مع ما قد ينشأ في سياق مناقشة هذه القضايا، من احتدام للمشاعر ومظاهر للصراع، أو العداء بين الطلاب.
ملاحظات تقييمية
1. يظهر هذا الكتاب في وقت تشتد فيه الحاجة إلى موجّهات للتعليم، وإرشادات للمعلمين،
بشأن تصميم المناهج وإعداد الدروس، بما يخدم أهداف التنمية المستدامة. وقد سعى الكتاب لتلبية هذه الحاجات على نحو علمي رصين، مع التأسيس الفلسفي العميق لما يقدمه
التحديات الأخلاقية والسياس: تدامة تدريس التنمية لامس
من نظريات تعليم البيئة والاستدامة، وما يقترحه من أساليب لتدريس موضوعاتهما، وذلك بالاستناد إلى إسهامات فلاسفة التعليم، فضلً عن الإفادة من البحوث النظرية والتطبيقية التي أجراها مؤلفو الكتاب، وأكثريتهم متمرسة بقضايا التعليم عمومًا، وقضايا التعليم البيئي وتدريس
الاستدامة خصوصًا. وقد نجح الكتاب في
بيان ما ينطوي عليه تعليم البيئة والاستدامة من أبعاد أخلاقية وسياسية، وفي التحديد الدقيق للمواقف المختلفة التي تظهر فيها هذه الأبعاد، وفي تقديم مقاربات تربوية، تساعد المعلمين في تصميم مناهج وتخطيط دروس تراعي هذه الأبعاد، وتشجّع الطلاب على الاشتباك مع
القضايا المعقدة للاستدامة بطرق نقدية، مع اتباع نهج ديمقراطي في الممارسات التعليمية. وإذا كان الكتاب قد وجّه الأنظار إلى ما ينطوي
عليه تدريس البيئة والاستدامة من أبعاد أخلاقية وسياسية، ففي الحقيقة لا تخص هذه الأبعاد تعليم البيئة والاستدامة فحسب، بل إنها سمة لتدريس العلوم الاجتماعية جميعًا. فهي تصادفنا،
مثلً في علم الاقتصاد، بوصفها أمرًا ناتجًا من
أن المفاهيم والمقولات والنظريات الاقتصادية محملة عادةً بقيم أخلاقية وتحيزات سياسية. 2. من الرسائل المهمة للكتاب تأكيد أن الانتقال إلى مجتمع أكثر استدامة يقتضي إحداث تغيرات جوهرية في المجتمعات المعاصرة، تأخذها بعيدًا عن المسارات الشائعة التي تكرس الليبرالية الاقتصادية الجديدة، وتتصور أن من الممكن حل جميع المشكلات عن طريق آليات السوق.
(((لمزيد من تفاصيل هذه المسألة، يُنظر: إبراهيم العيسوي،
تجديد الفكر الاقتصادي: نظرة نقدية إلى الفكر الاقتصادي السائد وعرض وتقييم لبعض مقاربات تطويره (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2019)، ص.153–138
وشدد الكتاب، عن حق، على أن التحولات المطلوبة للتحول إلى مجتمع التنمية المستدامة تواجَه بمقاومة عنيفة من أصحاب المصالح
المستفيدين من النظام الاجتماعي القائم؛ لذا فإن النضال لأجل الاستدامة بالضرورة جزء من النضال السياسي في سبيل التغيير الاجتماعي. وهذه الحقائق تدعو إلى طرح السؤال الآتي: إلى أي مدى يستطيع تعليم البيئة والاستدامة، المُوصى به في الكتاب، غرس مثل هذه الأفكار
في عقول الطلاب؟ وفي تقديري أن هذا المدى محدود جدًا، لسببين: أولهما تبنّي الكتاب ممارسات تعليمية تقوم على نهج التعددية، وهو ما يعني تعريض الطلاب لوجهات نظر متباينة، قد لا يتوافق بعضها، أو أكثرها، مع نوع التحولات الجوهرية المطلوبة لمجتمع أكثر استدامة. وعلى الرغم من أن لنهج التعددية مزايا لا تنكر، ولا سيما التوافق مع مبادئ الديمقراطية، ومع التفكير الإبداعي، فإن هذا النهج قد يسبب كثيرًا
من الإرباك والبلبلة والحيرة، ولا سيما للطلاب في المراحل العمرية المبكرة الذين لا يملكون من الخبرة والمعارف ما يمكنهم من المفاضلة بين وجهات النظر المختلفة. وثانيهما أن الفرصة قد تكون معدومة لتضمين فكرة التحول الجوهري للنظام الاجتماعي في المناهج والدروس التي تقدم في نظم تعليمية، تشرف عليها الحكومات، وتمولها، في النظم الاجتماعية القائمة. فالراجح أن تعتبر الحكومات هذه الفكرة تحدّيًا لها، ونوعًا
من التحريض على قلب نظام الحكم. غير أنه يجب ألّ يفهم من ذلك أن لا جدوى من تعليم البيئة والاستدامة الذي لا يخاطب قضية التغيير المجتمعي الجوهري؛ إذ من الوارد أن ينتج هذا النوع من التعليم بعض التطور في قيم الطلاب وسلوكهم، على نحو معزز للمحافظة على
البيئة، والتخفيف من حدة التلوث والاحتباس الحراري، من خلال إقناع الطلاب بالتحول، مثلً، من الأوعية البلاستيكية لطعامهم، إلى الأوعية الزجاجية القابلة لإعادة التدوير والاستعمال، وبأهمية الفرز المسبق للقمامة المنزلية، وإمكانية الاقتصاد في استهلاك الطاقة، بالتحول إلى الأساليب التشاركية للانتقال... إلخ. 3. يثير نهج التعددية الذي يتبناه الكتاب مشكلة أخرى، إذا اتسع نطاق تطبيقه في التعليم؛ ذلك أن كلمة Education تترجم في بعض الأحيان إلى «التعليم»، وفي بعضها الآخر إلى «التربية» (كما في الترجمة العربية لاسم منظمة اليونسكو.) وعلى الرغم من أن لفظتَي «التعليم» و«التربية» كثيرًا ما تستخدمان مترادفتين، فإنهما لا تحملان
معنى واحدًا في اللغة العربية، وإلا لما كانت بعض الدول العربية تسمي الوزارات المعنية بالشأن المدرسي وزارات التربية والتعليم. ولهذه التسمية مغزى مهمّ، ألا وهو التمييز بين وظيفة
التعليم، بوصفه ناقلللمعارف والمهارات والوظيفة التربوية المتعلقة بغرس قيم وأخلاقيات معينة في عقول الطلاب ونفوسهم من ناحية، وتأكيد أهمية أداء المدارس لهاتين الوظيفتين معًا، من ناحية أخرى. والظاهر من تبنّي الكتاب
نهج التعددية أنه يتحفظ على الوظيفة التربوية؛ إذ يعتبرها متعارضة مع المنظور الديمقراطي، وأنها تحمل خطر التلقين أو غسيل المخ (ص –77 78). بل إن الكتاب يحذّر المدرسين من الذهاب إلى أن مبادئ أخلاقية معينة أصوب من غيرها في السعي نحو التنمية المستدامة، وذلك لاعتباره أن هذا المسلك يصادر التنوع الأخلاقي، ويساعد في بروز خطر الدوغمائية (ص. 91). زد على ذلك أن الكتاب، في سياق تبنّيه فلسفة ديوي
البراغماتية، يحذّر من التعامل مع القيم على أنها
شتاء Winter 2020
ثابتة، أو مطلقة، ويستشهد على ذلك بقول لديوي في قيمة الصدق، مفاده أن من الممكن تصور حالات معينة، يكون من المقبول فيها أخلاقيًا
الكذب؛ لأنه يساعد مثل في إعفاء الناس من معاناة لا ضرورة لها (ص. 96). وفي تقديري أن هذا المنحى يهدر الوظيفة التربوية التي لا غنى عن قيام المدرسة بها. 4. يقترح الكتاب طرائق جيدة، من حيث المبدأ، لتعليم البيئة والاستدامة، كالطرق التي تقوم على التحاور بين الطلاب، وعلى إنجازهم مشروعات لحل مشكلات بيئية معينة، سواء في نطاق المدرسة، أم في نطاق الوسط المحيط بها، وعلى التعلم من خلال الزيارات الميدانية والرحلات المدرسية العلمية، وكذلك استخدام الأعمال الأدبية في تعليم البيئة والاستدامة. وقد أسس المؤلفون لهذه الطرائق بالرجوع إلى أعمال كبار التربويين، مثل ديوي وبياجيه وفيغوتسكي. ولا شك في أن إمكانات تطبيق هذه الطرائق متاحة، وإن بدرجات متفاوتة، في دول الشمال، حيث توجد نظم ديمقراطية، وتُزود المدارس بكل ما يتطلب التعليم الجيد من إمكانات مالية وتجهيزات مادية، وكثافة فصول منخفضة، ويُعد
المعلم إعدادًا جيدًا، وتنمّى مهاراته التدريسية من
خلال التدريب والتعليم المستمر، وحيث أجور المعلمين مجزية، والسنة الدراسية طويلة في تلك الدول، ويُعمل خلالها بنظام اليوم الدراسي
(((من الملاحظ أن الدعوة إلى استخدام الأعمال الأدبية في التعليم تتجاوز تعليم البيئة والاستدامة إلى العلوم الاجتماعية،
ففي مجال الاقتصاد مثلً يرى أصحاب هذه الدعوة أن فهم كثير من السلوك الاقتصادي للبشر ممكن من خلال دراسة الروايات
التي خلدها التاريخ. يُنظر مثلً:
G. Morson & M. Shapiro, Cents and Sensibility: What Economics can Learn from the Humanities (Princeton: Princeton University Press, 2018).
التحديات الأخلاقية والسياس: تدامة تدريس التنمية لامس
الكامل. وشتان بين هذه الأوضاع وأحوال التعليم في دول الجنوب، ومنها الدول العربية بالطبع؛ لذا فحتى إن وجدت الطرائق المقترحة سبيلها للظهور في الوثائق المتعلقة بالتعليم البيئي، وتدريس التنمية المستدامة في دول الجنوب، فإن الحاصل أنها تظل حبيسة هذه الوثائق؛ إذ لا تتوافر فرص حقيقية لتطبيقها على أرض الواقع في المدارس أو الجامعات. وعمومًا يلاحظ أن معظم دولنا العربية ليست بعيدة عن مجال تطبيق ما تضعه من وثائق لتعليم البيئة والاستدامة فحسب؛ بسبب الأحوال المالية والمادية، وبسبب الأولويات المتّبعة، وإنما لأنها ما زالت تناقش الموضوع، وتبحث عن سبل للتعامل معه. ويبدو أن هذا ليس حالنا وحدنا، بل حال كثير من دول الجنوب.
(((أصدرت بعض الدول العربية وثائق إرشادية لا بأس بها
للتعليم البيئي وتدريس التنمية المستدامة. يُنظر مثل في الحالة
المصرية: مسعد مقلد [وآخرون]، وثيقة الأنشطة البيئية والسكانية
والصحية: نحو تحقيق تنمية مستدامة (القاهرة: وزارة التربية والتعليم، 2019/2018). وهذا هو الإصدار السادس لهذه الوثيقة التي تحدث سنويًا منذ 2014/2013، شوهد في 2019/12/1،
في: https://bit.ly/2CwRP89
(((يُنظر مثً: «لأول مرة في مصر: استراتيجية جديدة لدمج
المفاهيم البيئية في المناهج الدراسية»، موقع مصراوي، 2019/8/20، شوهد في 2019/12/1 في،: http://bit. ly/2rzGqT7. وتفصيل الخبر أن وزيرة البيئة بحثت مع وزير التعليم هذا الأمر؛ لأجل إثراء المناهج الدراسية بالثقافة البيئية. وعلى المستوى العربي، عقد المنتدى العربي للبيئة والتنمية مؤتمره السنوي لهذا العام يومَي 14 و 15 تشرين الثاني/ نوفمبر
2019 حول موضوع «التربية البيئية في الدول العربية»، وعرَض
فيه تقريرًا حول هذا الموضوع، ينظر في: http://bit.ly/2Palz1B
(((يُنظر، مثلً، الوضع في باكستان في المقالة الآتية:
Tahir Ahmad Dhindsa, «Education for Sustainable Development: Challenges in Pakistan,» in: Rajeswari Namagiri Gorana & Preeti Rawat Kanaujia (eds.), Reorienting Educational Efforts for Sustainable Development: Experiences from South Asia (Dordrecht: Springer, 2016), pp. 165–178.
5. واضح، من المراجع والجهات المساندة للبحوث المقدمة في الكتاب، أن لموضوع الاستدامة وتدريسها أهمية كبيرة في الدول التي ينتمي إليها مؤلفو الكتاب، فهؤلاء ينتمون جميعًا إلى هذا الشطر من العالم الذي بلغ
مراحل متقدمة على سلم التنمية البشرية؛ لذا فإن الطرح المقدم في الكتاب طرحٌ من منظور دول
متقدمة، إذ إن دول شمال أوروبا الإسكندنافية، أساسًا، لا تؤرقها مشكلات التخلف والتبعية
التي تعانيها دول الجنوب؛ لذا فإن ما يطرحه الكتاب، وإن ارتكز على المفهوم الشائع للتنمية المستدامة الذي قدمه تقرير مستقبلنا المشترك، يكاد يغفل اتساع هذا المفهوم، وتعدد أبعاده، ويولي البعد البيئي أو الاستدامة البيئية الاهتمام الأكبر، وهذا واضح من الأمثلة التي يتكرر ذكرها في الكتاب، مثل: قضايا تغير المناخ، والتنوع البيولوجي، والبصمة الإيكولوجية. أما الأبعاد الأخرى للاستدامة، كالبعد الاقتصادي (مثل تحميل الأجيال القادمة أعباء الاستدانة في الوقت الحاضر)، والبعد الاجتماعي (مثل قضايا الفقر والجوع واللامساواة والتمييز والتهميش)، والبعد السياسي والمؤسسي (مثل قضايا المشاركة والديمقراطية)، والبعد الخارجي (مثل تأثير دول المركز الرأسمالية، وما تسيطر عليه من مؤسسات دولية، على سياسات الدول النامية)، فالحديث عنها نادر أو غائب، ومن ثم فإن المخاطبين بحديث تعليم البيئة والاستدامة في الكتاب هم أهل الشمال الغني، والمتسبب في استنفاد الموارد الطبيعية، وتغير المناخ؛ من جراء
(((1 للمزيد حول الأبعاد المتعددة لاستدامة التنمية، يُنظر:
إبراهيم العيسوي، العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية (الدوحة / بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.151–148
الاستعمار القديم والجديد للجنوب، ومن جراء نمط الحياة المسرف المبدد للموارد النادرة (ثمة إشارات في الكتاب إلى الحاجة إلى تغيير نمط حياة الشمال، ولكنها عابرة ونادرة). وإنني لا أذكر هذه الملاحظة من باب لوم المؤلفين على تجاهل هموم التنمية والاستدامة في الجنوب، فمن حقهم أن يختاروا مجال تركيز كتابهم، وهو مشكلات الاستدامة في الشمال المتقدم. ولكني قصدت بهذه الملاحظة تنبيه من سيقرأ الكتاب إلى خصوصية التناول، وإلى أهمية الحذر عند الاستئناس بما جاء في الكتاب في تلمّس حلول
لقضايا التنمية المستدامة وتعليمها في الجنوب؛ لأن معظم الافتراضات الضمنية المتعلقة بأحوال الشمال غير قائمة في الجنوب. 6. وفي ختام هذه المراجعة، أود أن أسترعي الانتباه إلى مسألة متصلة بالاستعمال الشائع لمفهوم التنمية المستدامة. فقد صار مفهومًا عامًا،
تطلب الوثائق الدولية، وآخرها جدول أعمال 2030، من جميع الدول أن تتبناه، وأن تعمل على تحقيق أهدافه السبعة عشر. والأمر المقلق في هذا الشأن أن هذا الاستخدام لمفهوم التنمية يطمس التمييز التقليدي بين الدول المتقدمة والدول النامية، ذلك التمييز الذي ارتبط تاريخيًا
بقصر استخدام مفهوم التنمية على الدول النامية، باعتباره يتعلق بالسعي للخروج الإرادي من أسر التخلف والتبعية، بينما كان المفهوم المرتبط بالدول المتقدمة هو مفهوم التطور التلقائي المدفوع أساسًا بقوى السوق. وقد روَّجت هذا
الجمعَ المغلوط للجنوب والشمال، تحت مظلة
التنمية، تقاريرُ البنك الدولي عن التنمية في
العالم، وتقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عن التنمية البشرية، وغيرها من التقارير التي ترتب دول العالم جميعًا وفق معيار أو آخر، فهذا
شتاء Winter 2020
التعامل يطمس الفارق النوعي بين مشكلات الشمال ومشكلات الجنوب، ومن ثم، فإنه «يُميّع» قضية التنمية، بمعناها التقليدي، ويقفز
على ما تتطلبه من سياسات مختلفة عما قد يراه الشمال ملائمًا لأحواله، ويساعد في تجاهل دور
الشمال في تخلف الجنوب وتبعيته، ومن ثم، تجاهل مسؤولية الشمال عن مساعدة الجنوب، تعويضًا له عما أقدم عليه من سلبٍ ونهبٍ لثروات الجنوب في إطار الاستعمار القديم، والاستعمار الجديد المتخفي وراء رايات العولمة. وكما بيّنت في كتابي حول تجديد الفكر
الاقتصادي، فإن التصدي لمشكلات التخلف والتبعية لا يوجب هجر المفهوم الواسع والمتكامل للتنمية، بما هي تنمية بشرية مستدامة، وإنما يتطلب الأمر الاستناد إلى هذا المفهوم في صوغ مقاربة قابلة للتطبيق على دول الجنوب، تُبنى على إدراك عميق للأسباب التاريخية للتخلف، وللعوامل المؤدية إلى استمراره. وهو ما يقتضي إضافة مبدأ الاعتماد على الذات، ومبدأ الدولة التنموية والتخطيط الشامل، بوصفها مبادئ حاكمة لعملية التنمية، وتفادي الوقوع في وهم السياسات الموحدة للشمال والجنوب، كالليبرالية الاقتصادية الجديدة، أو توافق واشنطن، وهو ما تروجه المؤسسات المالية الدولية، ومن يهيمن عليها من دول الشمال. وعلى التعليم المعزز للتنمية المستدامة في بلدان الجنوب عمومًا،
وفي بلادنا العربية خصوصًا، أن ينطلق من
مفهومها الواسع المتوائم مع أحوال هذه البلدان، وألا يقصر فكرة الاستدامة على الأجيال المتعاقبة داخل كل مجتمع، بل يوسعها لتشمل
(((1 العيسوي، تجديد الفكر الاقتصادي، ص.481
التحديات الأخلاقية والسياس: تدامة تدريس التنمية لامس
حق دول الجنوب في التنمية من دون نقصان (مثل تحت دعاوى تغير المناخ)، مثلما تمتعت دول الشمال بهذا الحق في السابق على حساب تكريس التخلف والتبعية في دول الجنوب، في معظم الحالات. ولكن يظل مطروحًا السؤال
السابق تناوله، حول إمكانية إسهام التعليم في تحقيق التنمية المستدامة، في ظل نظم التعليم المسيطر عليها من جانب النظم الحاكمة في
المراجع
العربية
العدد 127 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2008
لبعض مقاربات تطويره. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2019
السياسات،.2014
السادس. القاهرة: وزارة التربية والتعليم، /2018 2019:. في 89 CwRP /2 ly. bit:// https
الأجنبية
الجنوب حاليًا. والراجح أن هذه الإمكانية
ضعيفة، وأن الإسهام الأكبر في التحول نحو مجتمع أكثر استدامة سيكون من نصيب النضال السياسي. وكما سبق ذكره في الملاحظة (2) آنفًا، فإن هذه النتيجة لا تعني استبعاد تعليم البيئة والاستدامة الذي لا يتناول فكرة التحول المجتمعي الجوهري، ولا التقليل من فائدته، مهما صغرت، فما لا يدرك كله لا يترك كله.
References
طلبة، مصطفى كمال. «عن الاستدامة البيئية في العالم العربي». مجلة البيئة والتنمية. مج 13،
العيسوي، إبراهيم. تجديد الفكر الاقتصادي: نظرة نقدية إلى الفكر الاقتصادي السائد وعرض وتقييم
.________ العدالة الاجتماعية والنماذج التنموية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة
مقلد، مسعد [وآخرون.] وثيقة الأنشطة البيئية والسكانية والصحية: نحو تحقيق تنمية مستدامة. الإصدار
Gorana, Rajeswari Namagiri & Preeti Rawat Kanaujia (eds.). Reorienting Educational Efforts for Sustainable Development: Experiences from South Asia. Dordrecht: Springer, 2016. Hasslof, Helen. The Educational Challenges in ‘Education for Sustainable Development’: Qualification, Social Change and the Political. Malmö: Holmbergs, 2015. at: http://bit.ly/2LFkDjG Morson, G. & M. Shapiro. Cents and Sensibility: What Economics can Learn from the Humanities. Princeton: Princeton University Press, 2017. Poeck, Katrien Van & Leif Ostman & Johan Ohman. Sustainable Development Teaching: Ethical and Political Challenges. Oxford: Routledge; New York: Abingdon,
UNESCO. Education for Sustainable Development Goals: Learning Objectives. Paris: UNESCO, 2017.