العودة إلى تفاصيل المؤلَّف العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية: السياسة والتاريخ والذاكرة

العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية: السياسة والتاريخ والذاكرة

A Report on the Eighth Annual Conference on Democratic Transition: «Transitional Justice and Democratic Transition in the Arab Countries: Politics, History and Memory»

عبده موسى | Abdou Moussa *

الملخّص

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمره السنوي الثامن لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، في تونس، خلال الفترة 21-23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 بعنوان "العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية: السياسة والتاريخ والذاكرة". واشتمل المؤتمر على عدة محاور هدفت إلى الوقوف على المفاهيم السياسية والقانونية للعدالة الانتقالية، وتجاربها في الوطن العربي وخارجه من حيث متطلّباتها وآليات إجرائها وسير عملها ونتائجها والدروس المستفادة منها. توزعت محاور المؤتمر على إحدى عشرة جلسة، قُدّم فيها 37 ورقة بحثية ومداخلة إضافة إلى شهادات وتجارب لباحثين وخبراء عرب وأجانب.

Abstract

The 8th ACRPS Conference on Democratic Transition “Transitional Justice and Democratic Transition in the Arab Countries Politics, History and Memory,” ran over this weekend in Tunis.

الكلمات المفتاحية:
  • العدالة الانتقالية
  • الذاكرة
  • التاريخ
Keywords:
  • Transitional Justice
  • History
  • Memory

تونس، 23–21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019

Tunis, Tunisia, 21–23 November 2019

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مؤتمره السنوي الثامن لقضايا الديمقراطية والتحول الديمقراطي، في تونس، خلال الفترة 23–21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 بعنوان «العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي في البلدان العربية: السياسة والتاريخ والذاكرة». واشتمل المؤتمر على عدة محاور هدفت إلى الوقوف على المفاهيم السياسية والقانونية للعدالة الانتقالية، وتجاربها في الوطن العربي وخارجه من حيث متطلّباتها وآليات إجرائها وسير عملها ونتائجها والدروس المستفادة منها. توزعت محاور المؤتمر على إحدى عشرة جلسة، قُدّم فيها 37 ورقة بحثية ومداخلة إضافة إلى شهادات وتجارب لباحثين وخبراء عرب وأجانب.

أولا: في التجارب العربية للعدالة الانتقالية

استهلّ المؤتمر أعماله بمحاضرة افتتاحية قدمتها سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة في تونس، نوهت فيها بأهمية تجربة العدالة الانتقالية التي عرفتها البلاد، وبصدور قانون تأسيس الهيئة ودسترة وجودها. وشددت بن سدرين على أنّ عمل الهيئة كان مرتبط ا في الأساس بإحداث الإصلاحات، وأنّ المصالحة هي مهمة سياسية ومن مسؤولية الدولة والحكومة، وتوصيات اللجنة ملزمة لهما. وبيّنت مميزات عمل اللجنة، وعرضت جهودها، ومنها الاستماع لأكثر من 50 ألف ضحية، وتطبيق برنامج شامل لجبر الضرر والتعويض وتمديد برنامج جبر الضرر للمناطق التي عانت التهميش الاجتماعي، والنظر إليها باعتبارها ضحية كذلك. كما أضافت بن سدرين إلى عمل اللجنة انتهاكات عدة بحق التونسيين، بعضها من مخلّفات الاحتلال الفرنسي، والاعتذار لضحايا هذا الاحتلال، أفرادًا ودولة، والتعويض عن ذلك، وعرّجت على الكثير من التحديات التي عانتها اللجنة، ومنها ما يتعلق بالنفاذ إلى أرشيفات بعض الهيئات العامة والخاصة، ومنها وزارة الداخلية التي لم توافق على فتح أرشيفها. وبيّنت أبعاد صراع اللجنة مع بعض الهيئات من أجل تحقيق استقلالها وضمانه. وانتهت بن سدرين بطرح بعض الرؤى عن مستقبل العدالة الانتقالية في تونس. في الجلسة الأولى عُرِضَت شهادات وخبرات من حالات عربية تعثّرت خطواتها في سبيل العدالة الانتقالية، رفقة تعثّرٍ أكبر لانتقالها إلى الديمقراطية. وفي حالة مصر، قدّم معتز الفجيري (الأمين العام للمنبر المصري لحقوق الإنسان) تتبعًا للمراحل التي تعثّرت فيها مبادرات العدالة الانتقالية بعد سقوط مبارك، بدءًا بحكم المجلس العسكري، مرورًا بسنة حكم الرئيس السابق محمد مرسي، وصول إلى عهد الانقلاب العسكري. وعرض الفجيري عددًا من الارتباكات التي حلّت بمشهد العدالة الانتقالية المصري، وبيّن المعوّقات التي جاءت من المجلس العسكري، وتلك التي جاءت من البنية القانونية والدستورية للدولة التي لم تستوعب ضرورات العدالة الانتقالية، كذلك المعوّقات من المؤسسات المتورطة في الانتهاكات، حيث عمدت إلى إخفاء البيانات وتعويق التحقيقات، لفائدة من هم في السلطة. وساق الفجيري مثال محاكمات المتهمين من النظام السابق، ولاحقًا قوى الثورة، وكيف عكست أحكام القضاء تبنّي «أجندة سياسية»، بقيت تُعزّز دومًا خطاب الثورة المضادة الذي يزعم أنّ وراء ما جرى في كانون الثاني/ يناير 2011 قوى متآمرة. وتساءل الفجيري عن كيفية إنتاج خطاب الحقيقة وتحديات ذلك منذ ذلك الحين.

عرض الأكاديمي السوداني محمد عبد السلام بابكر، سؤال العدالة الانتقالية في سياق ثورة كانون الأول/ ديسمبر 2018 في السودان، متطرقًا إلى الوثيقة الدستورية التي وُقّعت بين قوى الثورة والمجلس العسكري، مبيّنًا بعض عيوبها ومميزاتها. وأكدّ بابكر أنّ أيّ نظام للعدالة الانتقالية في المستقبل في السودان سيواجه الكثير من التحديات، نظرًا إلى تعقّد الوضع السياسي، ما يعقّد تشكيل المحاكم ويجعل تحقيق السلام والعدالة معًا أمرًا إشكاليًا؛ إذ قد تؤدي الخشية من المحاكمات إلى انقلاب العسكريين على المسار الديمقراطي. أما الأكاديمي الليبي مصطفى عمر التير، فقدّم عرضًا شامل لمسيرة المصالحة في ليبيا في سياق مسار العدالة الانتقالية التي جرت في عهد ما بعد القذافي، مشيرًا إلى أنّ أبرز الانتهاكات تمّت بعد انقلاب عام 1969، وأشار أيضًا إلى أنّ انتهاكات عدة ارتكبت بعد ثورة 17 شباط/ فبراير 2011، لأنها اتّسمت بالعنف الذي أذكاه التدخل الخارجي، في ضوء الانقسام الكبير، وحالة التسلح الواسعة لقوى خارج الدولة. كما عرض التير عددًا من العقبات، أهمها تشرذم الأطراف وعدم وعيها بأهمية العدالة الانتقالية، وغياب الإرادة السياسية لإجماع حولها والداعمة لإقرارها، هذا إضافةً إلى الصراعات داخل المؤسسات السياسية الرسمية، وصعوبة اتفاقها على الملفات السياسية المختلفة، بما فيها ملفات العدالة الانتقالية. في حين تناول الباحث العراقي حيدر سعيد موضوع العدالة الانتقالية في حالة العراق وسياقها السياسي والثقافي، منتقدًا تحوّل برنامج العدالة الانتقالية الذي ط بّق في العراق عن غايته، ليكون أداةً في صراع طائفي، إذ فُهم من بعض المجموعات السكانية أنه يستهدفهم ومصمّمٌ ضدهم، كما غلبت على سياق تطبيقه نوازع صراعية لا تصالحية. واعتبر سعيد أيضًا أن برنامج العدالة الانتقالية في العراق لم يتّجه إلى مرتكبي الجرائم بعينهم، إنما بدا كأنه عقابٌ جماعي، يلُاحق بسوطه عقائد واختيارات سياسية محددة. وختم سعيد بأن إنجاز عدالة انتقالية حقيقية، من تلك التي توصي بها المنظمات الدولية، غير ممكن من دون سياق يوفر حزمة كاملة؛ من بينها إجراء مصالحة وطنية، وتطبيق إدارة مشتركة للذاكرة. أما أستاذ العلوم السياسية الجزائري عبد النور المنصوري، فأوضح في مداخلته أنّ البعد المعرفي المتمثّل في غياب النموذج سببٌ أساسي لعسر المصالحة في الحالات العربية؛ لذا دعا إلى وجوب تقويم تجارب المصالحة والعدالة الانتقالية ببعديها النظري والتطبيقي، بوصفها خطوةً ضرورية لصوغ نموذج يوافق سياق الدول العربية. كما عرض المنصوري جملة الانتقادات الموجّهة إلى نموذج العفو تطبيقيًا في تجربة جنوب أفريقيا، ونظريًا في المقاربة اللاهوتية المؤسسة لها؛ معتبرًا أنّ النموذج اللاهوتي للمصالحة قد ركّز على مفهوم العفو، كمضمون وحيد، وألهم به الكثير من تجارب المصالحة والعدالة الانتقالية، وذلك من خلال تشجيع العفو تحقيقًا للسلم «الفوري»، وفرضه عبر التشريع من فوق من دون الالتفات إلى الضحايا المستضعفين. وبيّن المنصوري أنّ الإسلام قدّم موقفًا مستقل في مسائل النزاع، ومنها المسائل الجنائية التي يشك ل التعامل معها أهمّ إشكالات ملفّ المصالحة، حيث يُمثّل العدل القيمة المركزية، في حين يعتبر العفو مشروطًا بتمكين الضحية من استيفاء حقّه.

وأما أستاذ علم الاجتماع الجزائري نوري دريس، فاشتبك نقديًا مع التجربة الجزائرية، مُلمّحًا إلى اتّصافها بالشعبوية. وأوضح أنّ مرجعية دموية الأزمة الجزائرية هي تصادم أيديولوجيتين أوتوبيتين، الأولى شعبوية قومية، والثانية شعبوية دينية. لقد كان التصور الشعبوي للسياسي والاجتماعي حاضرًا بقوة في وثيقة السلم والمصالحة الوطنية في الجزائر، بعدما وُض ع في سياق «انتصار» عسكري للسلطة على الجماعات المسلحة الرافضة له. كما كرّست الوثيقة التصور السلطوي المُجزّأ للتحول الديمقراطي، وأنها توفر غطاءً قانونيًا له ليستمر في عملية التراجع عنها. وختم دريس بتوكيد أنّ ميثاق السلم والمصالحة الذي قُدّم كحلٍّ نهائي لا رجعة فيه للأزمة في الجزائر، قلّل من شأن الأبعاد السياسية للأزمة واختزلها في مشكلة أمنية تسبَّب فيها أعداء الشعب المغرّر بهم. وتناولت دراسة الباحث الموريتاني أحمد إنداري ما عُرف بالتجربة الموريتانية في مجال العدالة الانتقالية، التي أكد أنها مسمّى لأمر لم يحصل بعد، على الرغم من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حصلت في ظل الحكمين المدني والعسكري، وما نراه يمكن وصفه بتجربة قَيد التشكل فحسب. وبقيت المقاربة الموريتانية لموضوع العدالة الانتقالية محكومة بمتطلّبات آنية، تتعلّق بالرغبة في الخروج من مأزق اجتماعي وثقافي، مثل أحداث عام 1966، أو الحصول على تمويلات أو قروض من مؤسسات التمويل الغربية، أو بالسعي للخروج من أزمات معيّنة. كما أوضح إنداري أن لتدخّل أطراف خارجية، منها الولايات المتحدة وفرنسا والسنغال، في ذلك المسار المتعلق بالعدالة الانتقالية في موريتانيا، تداعياتٍ سلبيةً، في حين ساهم هذا التدخّل في تسييس هذا المسار أيضًا، على نحو جعل النظرة إلى هذا الملف من السلطات الحاكمة في موريتانيا يغلب عليها الريبة والتوجّس والشك. وعرض الباحث اليمني محمد الحميري تجربة العدالة الانتقالية في اليمن، حيث بيّن أنّ مشروع العدالة الانتقالية والمصالحة جُمّد عند حد النقاشات التي لم تتحول إلى واقع تطبيقي، وكان طبيعيًا أن ينتهي المشروع مع انهيار العملية السياسية في إثر انقلاب جماعة الحوثي المسلحة، في أيلول/ سبتمبر 2014، ودخول البلاد في موجة احتراب داخلي وتدخّل خارجي. وعدّد الحميري الصعوبات التي تلت انتهاء الحرب في اليمن، واصفًا إيّاها بالمعقدة، وأكد أنها تحتاج إلى تمعّن ودراسة، ويتبوأ فيها موضوع العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وفرص تطبيقه المستقبلية أهمية كبرى؛ فالحال أنّ السياق الجديد تجاوز ما كان مطروحًا بشأن العدالة الانتقالية، وبرزت متطلّبات جديدة وحاجات مختلفة عمّا كان في السابق. أما دراسة أستاذ القانون المغربي نبيل زكاوي، فركّزت على خصوصية مسار العدالة الانتقالية في تونس التي ميّزت التجربة المغربية ومايزتها من الكثير من التجارب المحلية الأخرى؛ واصفًا إيّاها بأنها تجسّد انتقالً من نظام تسلّطي إلى نظام منفتح، وليست انتقالً من الحرب إلى السلام. وبيّن زكاوي أن إنشاء هيئة لإنصاف والمصالحة، ض من النظام السياسي نفسه، أثّر كثيرًا في مردوديتها؛ إذ لم يكن في مقدورها تجاوز الخطوط التي بقي يرسمها هذا النظام، وبقيت هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب في أغلب الأحيان هيئة سياسية لا غير، وإن بدت بمضامين حقوقية وقانونية، ما جعل عملها خاضعًا لإكراهات الواقع السياسي المغربي. كما أكد زكاوي أنّ تسييج التجربة المغربية للعدالة الانتقالية بشعار «العدالة

بقدر ما هو ممكن»، هو الذي جعلها في نهاية المطاف تجربة غير مكتملة؛ ليس لأنها شرعنت تغييب الحقيقة الكاملة لتوقيف العدالة الجنائية حتى استحالت عدالةً ضد العدالة فحسب، بل لكونها لم تكن بالزخم الكافي لتقود إلى إصلاح مؤسسي أوسع أيضًا. وفي الموضوع نفسه درست الباحثتان اللبنانيتان لور أبي خليل وعزة الحاج سليمان التجربة اللبنانية. وأكدتا أن قانون العفو العام عن مرتكبي الجرائم المرتبطة بالأحداث اللبنانية التي جرت في فترة الحرب الأهلية يُعدّ سببًا في عدم بدْء مرحلةٍ انتقالية لإرساء السلام وتكريس إفلات مقترفي جرائم الحرب من العقاب. وبرأي الباحثتين نظر المشرعون إلى العفو العام المعتمد لإنهاء الحرب الأهلية باعتباره مرحلةً آنية مبنيّة على الدفاع عن القضية التي اعتبرها أصحابها محقّة، وعلى إرساء السلام وعدم نكْ ء الجروح، ولم يؤخذ في الحسبان حقوق أهالي المفقودين الذين استثنوا من أي حل. كما أنّ الوصول إلى أسس الحكم الرشيد لبناء الدولة اللبنانية يجب أن يرتكز على مفاهيم «حوكمة النزاع»، وعلى الأسس المتعلقة بالعدالة الانتقالية المتمثلة بالتحول الديمقراطي وإعادة التوازن الاجتماعي والعدالة الاجتماعية والانصهار الوطني. وعرّج الأكاديمي السوداني محمد خليفة صديق على واحدة من التجارب ذات الخصوصية، هي اتفاقية الدوحة للسلام في دارفور، التي تمّت برعاية دولة قطر، حيث جمعت طرفي النزاع في دارفور لإنجاز مشروع غير مسبوق إقليميًا. وبيّن صديق أن حالة اتفاقية الدوحة لسلام دارفور تختلف عن جُلّ تجارب العدالة الانتقالية التي كانت تتم بمبادرة الدولة نفسها، أو بوساطة غربية، أو أممية؛ فوثيقة الدوحة نشأت في سياقٍ عربي، وخلَت من ضغوط الوسيط والشك في أغراضه. كما نالت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور رضا الجميع وقبوله ودعمه، وفي مقدّم هؤلاء المجتمع الدولي والإقليمي، مستندًا إلى كونها الأكثر شمولً في معالجتها المشكلة من جذورها، إضافة إلى استجابتها لتطلّعات أهل دارفور وآمالهم في تحقيق العدالة والمصالحة. وعلى الرغم من جودة الإطار الذي طرحته الوثيقة، فإن التعثر لازم تنفيذها؛ بسبب تقاعس أطراف النزاع عن الوفاء بالتزاماتها كاملة، وعدم وفاء المانحين الدوليين بالتزاماتهم التي قطعوها تجاه عملية السلام في دارفور.

ثانيًا: مسارات العدالة الانتقالية بين تونس والمغرب: نجاحات وعثرات

عرضت دراسة أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية التونسي عدنان الإمام المسار الذي اتّخذته التجربة التونسية في العدالة الانتقالية، منذ سقوط بن علي حتى صدور تقرير هيئة الحقيقة والكرامة التونسية. وأوضح الإمام أنّ العدالة الانتقالية في تونس كانت مطلبًا مُلحًّا منذ الأيام الأولى للثورة، حيث تبنّتها غالبية القوى السياسية والمدنية الفاعلة، ولم يبرز أي صوت، في بداية الأمر، يقدر على معارضتها بصفة علنيّة، بمن فيهم المرتبطون بالنظام السابق الذين بقوا في السلطة. وجاءت انتخابات المجلس الوطني التأسيسي لتعلن حلول الإرادة السياسية محلّ التلكّؤ، والرؤية الشاملة محلّ الارتجال، والاستراتيجية الإيجابية المتكاملة محلّ الاستراتيجية السلبية.

في حين تناولت دراسة أستاذ القانون المساعد التونسي عدنان نويوة موضوع «مكافحة الفساد في إطار العدالة الانتقالية في تونس»، مبيّنًا أنّه على الرغم من الجهود المبذولة بعد الثورة، فإن مسار العدالة الانتقالية تعثّر على الجانب المتصل بمكافحة الفساد، حيث حمل العجز عن طيّ ملف رجال الأعمال المتورطين في الفساد انعكاساتٍ سلبيةً على عملية الانتقال الديمقراطي، أهمها استمرار تداول الأموال الآتية من الفساد بوصفها مالً سياسيًا، ما كان له تأثير بالغ في الحياة العامة. ولم يكفّ رجال الأعمال المتورطون في فساد نظام بن علي عن البحث عن الحماية والحصانة، بتمويل من يحقق لهم تلك الغاية؛ ومن ذلك تدعيم بعض الأحزاب والكيانات السياسية والتأثير في الانتخابات والقرارات العمومية. وشدد نويوة على ضرورة إدماج مهمة مكافحة الفساد في مسار العدالة الانتقالية وما يستوجب ذلك من قبول بالحلول النسبية والمتناسبة مع منطق العدالة الانتقالية، المختلف عن منطق العدالة التقليدية. ونقلت الباحثة التونسية صوفية حنازلة الجدل إلى قضية الخطاب وصنع التصنيفات ضمن خطابات العدالة الانتقالية التونسية، مركّزة على عناصر الزمان والمكان والجسد والذاكرة. وكشفت حنازلة أن الخطاب بشأن العدالة الانتقالية أظهر قدرات الهيمنة power Hegemonic التي تحويها مصفوفة زمان/ مكان/ جسد/ ذاكرة، حيث اعتمدت العدالة الانتقالية التكثيف المسرحي لطقوس العبور، أو ما سمّته حنازلة «طقوس التذكر الجماعية» التي بقيت تراوح بين فعل التنظيم المحكم من طرف القائمين على خطاب العدالة الانتقالية، وأداءات لم تجاوز أنها مجرد تنويعات على شكل واحد من الخطاب. ولم يوفر خطاب العدالة الانتقالية إلا غطاءً أيديولوجيًا رقيقًا جدًا، جرت من خلاله التعمية على عمليات نفي متواصلة لأجساد وأزمنة وأمكنة وذاكرات.

ثالثًا: العدالة الانتقالية ومسائل الذاكرة والتاريخ: المغرب نموذجًا

ركّزت أعمال المؤتمر أيضًا على مسألة الذاكرة والوعي التاريخي المتشكل عبر العدالة الانتقالية في حالة المغرب. وهي الحالة السباقة عربيًا إلى التعامل مع ماضٍ عريض من الانتهاكات الإنسانية التي خلّفت إرثًا لم يكن من المتصوّر حدوث أي انفتاح سياسي حقيقي من دون التعامل معه بالنكء والفحص وإعمال آليات العدالة لمصلحة الضحايا. وبناءً على هذا، تناولت دراسة أستاذ العلوم السياسية المغربي محمد سعدي مسألة الاعتراف وموقعها في بناء الذاكرة ضمن سياق العدالة الانتقالية، متّخذًا حراك الريف وشبابه حالةً للنظر والتقويم. بدأ سعدي بتوكيد أن للذاكرة موضعًا مركزيًا في ثقافة أهل الريف، وأن حفظها يعلو ليكون بمنزلة الواجب. وشغلت هذه الذاكرة بتمثلات الظلم والقمع غير المبرر من المخزن، كما وُظ فت هذه الذاكرة التي بدت مصدر تطهيرٍ نفسي وجسدي في بناء هوية تعبوية، ما جعلها ذاكرة حيّة فائرة، يصعب التئام جروحها، لكنها في الآن ذاته تُفسّر الأحداث التاريخية على نحو ذاتي، حيث يميل أهل الريف إلى تسييج مخيالهم التاريخي والرمزي على نحو يدفعهم إلى الانغلاق على مأساتهم الخاصة. كما أثار سعدي قضية التهميش الاقتصادي باعتباره بُعدًا من أبعاد

سؤال الذاكرة في ريف المغرب، وأنه لا يستقيم وحده كمفسر لحراك الريف وغضب شبابه، بمعزل عن استدعاء التاريخ الذاتي للريف وسرديات الذاكرة الجمعية التي راكمت رواسب نفسية في وجدان الريفيين. وشدّد سعدي، في نهاية دراسته، على ضرورة ترميم الذاكرة الجمعية للريف عبر سبيل يحقّق التعافي والمصالحة الحقيقية. ونقل أستاذ التاريخ المعاصر المغربي سعيد الحاجي، الجدل العلمي إلى مسألة الكتابة التاريخية وتقويم سعي هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب لاتّخاذ السرد التاريخي آليةً لجبر ضرر الضحايا، منوّهًا بحالة عبد السلام الطود الذي خُطِف من تطوان في عام 1956. وعلى الرغم من أنه لم يكن من مهمات هيئة الإنصاف والمصالحة كتابة التاريخ، فإن سعيها للوصول إلى الحقيقة جعلها تمحّص معطيات الماضي على نحو أشبه بالفحص التاريخي. ويأتي دور الكتابة التاريخية في كشف الحقيقة من اختلاف تصوّرات ورؤى أطراف الصراع، وأن التعامل معها يجب أن يستحضر فيه جانب الذاتية. وبيّن الحاجي أيضًا أبعاد الجدل الذي ظهر في أوساط المؤرخين والحقوقيين بشأن إمكان إنتاج كتابة تاريخية موضوعية لمرحلة الانتهاكات، اعتمادًا على ما تُنتجه ذاكرة الأطراف من شهادات شفوية ومذكرات وغيرها، وكيف مثّل هاجسًا لهيئات العدالة الانتقالية في تونس والمغرب. أما أستاذ علم الاجتماع المغربي عبد الغني شفيق فقدم تقويمًا لعمل هيئة ترميم الذاكرة المغربية وإزالة أثر ما خلّفته «سنوات الجمر والرصاص» من جراح عميقة فيها، وكشف أن الرهان على المصالحة كان يروم تهيئة الضحايا للتعايش السلمي مع من ألحقوا الضرر بهم، الأمر الذي اقتضى من الدولة المغربية تحمّل مسؤولية أخطائها من خلال الاعتراف بانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الضحايا. كما أظهرت التجربة مستوى مرتفعًا من البراغماتية السياسية، جعل الدولة تفتش عن بديل من العدالة العقابية، ملتزمة حدود سياقٍ كان يتعذّر فيه معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ودعمت الدولة خيار الحقيقة والمصالحة تحت مسوّغ تيسير الانتقال الديمقراطي، وادّعت إمكان إشعار الضحايا بالإنصاف من خلال وسائل للعدالة الانتقالية غير عقابية، مشددة على أن العقاب يجب ألّ يكون غايةً في ذاته. في حين تناولت دراسة أستاذ الفلسفة المغربي مصطفى العارف، مسألة الذاكرة الجماعية في المغرب ومراوحتها بين التأريخ والنسيان، مُقدّمًا طرحًا نقديًا يرى في التذكر بابًا لتمجيد الألم وإبقاء جذوته سببًا في الشقاق الاجتماعي. ويرى العارف أنّ الذاكرة كانت، ولا تزال، تحتل مكانة التاريخ في الوعي المغربي، حتى إن الشهادات حلّت فيها محل الوثائق، الأمر الذي يطرح إشكالية اتخاذ الذاكرة أداة للبحث التاريخي العلمي وموضوعًا لدراسات العدالة الانتقالية، بما فيها من نزوع ذاتي وماضوي. كما بيّن العارف أيضًا أن توظيف هذه الذاكرة سياسيًا قد يجعل منها سلطةً فوق السلطة، تستحضر الماضي وتستعمله في صراعات الراهن. وأكد أنّ احتلال الذاكرة التاريخَ سيجعل من الأخير مجرد بحث توثيقي لا قيمة له، إلى درجة أنه حتى في المحاكمات الشهيرة لم يكن يعتمد على البحث التاريخي بقدر ما انصبَّ الأمر على الشهادة والذاكرة؛ وتدفع وطأة ما يُعرف ب «واجب التذكر» والتمجيد المفرط للذاكرة، أحيانًا، بالضحايا إلى تمثّل دور «الجلّد الرمزي.»

أما أستاذ التاريخ المعاصر المغربي محمد مزيان، فربط موضوع الذاكرة بقضية المصالحة، وهي أكثر القضايا تعقّدًا والتباسًا في تجربة العدالة الانتقالية المغربية؛ وأكد أهمية الشهادات التي قُدّمت خلال جلسات الاستماع ومذكرات الاعتقال، نظرًا إلى دورها في إنتاج معرفة تاريخية متحررة. وأن الفرصة كانت مواتية بسبب اتساع هامش الحرية وتحوّل الفرد إلى فاعل وشاهد في التاريخ، وجاءت مسيرة العدالة الانتقالية ساحةً لإسماع صوت الهامش والمهمَّشين، في لحظة تراجعت فيها هيمنة المركز، ذلك الفاعل المهيمن على فعل الكتابة التاريخية. وفي مقارنة الموضوع ذاته في الحالة المغربية بحالات دولية وعربية، عرض أستاذ التاريخ المعاصر المغربي عبد العزيز الطاهري، كيف جرت التحولّات في هذا الموضوع على مستوى التأريخ، مع إيلاء المؤرخين الاهتمام بموضوع الذاكرة وتكاثر الدعوات إلى فتح ورش تاريخ الزمن الراهن ومباشرته. كما عرّج الطاهري على مفهوم الحقيقة وكيف جرى التفاعل معه مغربيًا، وقدم تحليل للتوصيات التي قدمت في تقرير الهيئة، خصوصًا منها ما تعلّق بالدعوة إلى الإصلاح السياسي والديمقراطي، ووجد كثيره طريقًا إلى الدستور. وخلص الطاهري بتأكيده أن التجربة المغربية وإن عكست نفسًا إصلاحيًا، لم تأتِ في إطار انتقال ديمقراطي، بل كانت تحولً بطيئًا، غالبه التعثر.

رابعًا: في بعض تجارب العدالة الانتقالية في البلدان غير العربية

شكّلت لجان الحقيقة والمصالحة في بعض البلدان غير العربية موضوعًا أساسيًا للدراسات المقارنة في العدالة الانتقالية، ومثّلت محورًا أساسيًا للمؤتمر يربط هذه التجارب الدولية بموضوع الانتقال الديمقراطي، ويبيّن مؤثراتها في المساعي العربية بعد عام 2011، لاستخلاص الدروس التي يمكن الاستفادة منها عربيًا. وفي هذا الخصوص، تناول الباحث المغربي محمد أحمد بنيس، في دراسته المعنونة «لجان الحقيقة في أميركا اللاتينية: دراسة مقارنة في ديناميات التأسيس وسياسات الذاكرة»، مسألة سياسات الذاكرة، مؤكدًا أن تأسيس لجان الحقيقة ارتبط بتحديات عرفتها هذه البلدان واعترضت مسعاها نحو تأسيس ديمقراطية بديلة من النظم العسكرية؛ وبقدر ما اختزلت هذه التحديات أزمة الشرعية التي عصفت بهذه الأنظمة ودفعتها إلى الانخراط في هذا التحول، أبرزت أيضًا الإمكانات التي وفّرتها هذه اللجان للفاعلين من أجل إدارة هذا التحول وتجاوز عثراته. وتشكلت تقويماتُ عملِ هذه اللجان على خلفية نجاحها في مواجهة مشكلة الإفلات من العقاب، وفي صوغ سردية سياسية جديدة تتجاوز إرث الماضي وتدفع صوب مستقبل ديمقراطي. في حين نوّه الباحث الموريتاني سيدنا موسى حننه بأهمية الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية في البلدان الأفريقية التي شهدت حروبًا أهلية في تاريخها، حيث بيّنت حالتا رواندا وسيراليون إمكان إرساء دولة المواطنة وتجاوز أزمة الانقسام الإثني، بتحوّلهما من دول على شفير الانهيار إلى دول مهتمّة بجودة الحكم. وبحسب حننه، لم يكن البَلدان ليمضيا في استحقاقات انتخابية منتظمة منذ نهاية الحرب الأهلية، أو ينجحا في فرض إصلاحات مؤسسية في قطاعات عدة، لولا توافر الإرادة السياسية

للسلطات الجديدة، وهو العامل الأبرز ضمن عوامل نجاح التجربتين. ونوّه أيضًا بأهميّة الانفتاح على الرؤى التي قدّمتها المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية والدعم الفني المقدم منها إلى إدارة مسارات العدالة الانتقالية، ما ساهم في تبنّي مقاربة شاملة، تعدّدت وسائلها التي تمزج بين المحاكمات من أجل عدم الإفلات من العقاب ووسائل شبه قضائية، هدفها الكشف عن الحقيقة وتسهيل المصالحة. أما أستاذ العلوم السياسية المغربي أحمد إدعلي، فتناول الحالة الأكثر شهرة على المستوى الدولي، وهي حالة جنوب أفريقيا، وقدّم تقويمًا لهذه التجربة التي يراوح فيها الرأي بين من يراها تجربة لم تكن مكتملة للعدالة الانتقالية بسبب فرض سياسات النسيان وطغيانها على سياسات الحقيقة والمحاسبة، ومن يراها نموذجًا جيدًا لكيفية تطويع العدالة الانتقالية من أجل طيّ صفحة الماضي وتعزيز الوئام الوطني والتحول نحو مسار ديمقراطي يُلغي أي إمكان لعودة ممارسات الفصل العنصري. كما حلل إدعلي عمل لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا وركّز على قدرتها على التوفيق بين الحاجة الملحة إلى تحقيق استقرار سياسي وبناء سلم مدني يتجاوز إرث «الأبارتهيد»، وواجب الكشف عن «حقيقة» في مقدورها أن تحوّل الذاكرة من حال الغليان إلى حال الهدوء، وقد اتخذت هذه اللجنة في الأخير موقعًا وسطًا بين العدالة العقابية والعفو الشامل. وبيّن إدعلي أنّ اللجنة أيضًا نأت بنفسها عن النهج الانتقامي، وسعت لتأسيس نظام أخلاقي قائم على منطق الفهم، يستعيض عن العقاب الجنائي بالوصم الاجتماعي.

خامسًا: العدالة الانتقالية في تونس: قضايا الخطاب والضحايا

تناولت دراسة أستاذ علم الاجتماع التونسي عادل العياري، موقع الضحايا من النساء في مسار العدالة الانتقالية في تونس، وتقويم تضمينهن فيه استنادًا إلى المحطات الأبرز، وهي التعويض وجبر الضرر وكشف الحقيقة والمحاسبة. وأكد العياري أن انتظارات الضحايا النساء في تونس بقيت حبيسة فضاءات عامة تحفل بالاحتجاج، وتدور في قاعات المحاكم ولجان الهيئة، إعمالً للذاكرة ومرموزها، في حين لم يكن المجتمع يشاركها في ذلك، على الرغم من أنّ انخراط المجتمع شرط لتجذّرها وانتشار الوعي بها، وتأصلها بوصفها ذاكرة. واكتفت النساء الضحايا في تونس بإدراجهن في جداول أعمال وذكرهن في توصيات شكلانية مصحوبة بتعداد ما يجب أن يتمتّعن به. وختم العياري بتأكيد أنّ مسار العدالة الانتقالية ونجاح إنجازاته مرهونان باستقلال القضاء، ومكافحة الفساد وتأصيل الممارسة الديمقراطية وانخراط الأحزاب السياسية كلها في إرساء دعائم نجاحه. أما الأكاديمي التونسي محمد الطاهر خنيسي، فعرض إطار تنظيم العدالة الانتقالية في تونس، والكيفية التي أُديرت بها مؤسسته الرئيسة، وهي هيئة الحقيقة والكرامة، كما قدّم تقويمًا لمخرجاتها في ضوء المنوط بها من مهمات. ودافع الخنيسي عن أنّ تصاعد مستويات الصراع في داخل هيئة الحقيقة والكرامة، وكثرة صداماتها مع مؤسسات الدولة ونقص الكفاءة القانونية على مستوى مجلسها، جعل الحكم بفشل الهيئة يطغى على عدد التقويمات. وأكّد خنيسي أيضًا أنّ ما أظهره التقرير الختامي للهيئة، يساهم على نحو بعيد في ترسيخ المسار الديمقراطي وتكريس منظومة حقوق الإنسان في مجتمع ديمقراطي.

وأمّا الباحث التونسي أحمد عثمان، فقد قدّم وصفًا ديموغرافيًا وسوسيولوجيًا للضحايا المشمولين بأعمال هيئة الحقيقة والكرامة في تونس، شمل تصنيفهم بحسب النوع والسن والمستوى التعليمي والانتماء الجهوي وطبيعة الانتهاك الذي تعرضوا له. وأكد أنّ الهيئة استطاعت، في الحيّز الزمني والإمكانات التي توافرت لها، أن تستكمل نسبيًا الأهداف التي أ سّست من أجلها، وبقيت المهمة على عاتق المؤسسات الرسمية التي أحالت إليها الهيئة الملفات للنظر فيها، ومحاكمة الجناة، ثم المرور إلى جبر الأضرار والمصالحة «الممكنة.»

سادسًا: العدالة الانتقالية: خبرات وشهادات دولية

خصص المؤتمر أيضًا جلسةً تعرض خبرات وشهادات دولية في مجال تطبيق برامج العدالة الانتقالية، شارك فيها كل من جيرمي سيركن (الرئيس السابق للجنة حقوق الإنسان في جنوب أفريقيا)، ومود رور (مديرة البرامج في مؤسسة كوفي أنان في جنيف)، وبوغسلاف توماس شيفرسكي (ممثل معهد التذكر الوطني في مفوضية مقاضاة الجرائم المرتكبة بحق الأمة البولندية في وارسو.) بيّن سيركن في عرضه أهمية وجود دراسات نظرية، إلى جانب الدراسات التطبيقية، وذلك من أجل تحديد المفاهيم النظرية التي تُعين على الفهم والتفسير وربط الحالات التطبيقية بعضها ببعض، وكذا فهم الصورة الكلّية لنظام العدالة الانتقالية. وأشار إلى أن تطبيقات العدالة الانتقالية أظهرت عددًا من المداخل النظرية. كما تطرق إلى أهمية بحث أدوار الفواعل الإقليمية والدولية عند السعي لفهم تجارب العدالة الانتقالية، وعدم الاقتصار على تناول الفواعل المحلية. وأشار أيضًا إلى الأبعاد الرسمية وغير الرسمية للعدالة الانتقالية، إضافة إلى جذور الصراعات وصلاحيات لجان الحقيقة. ونوّه سيركن أيضًا بأن العدالة الانتقالية ليست أمرًا سياسيًا فحسب، فثمة أبعاد تتعلق بالتاريخ والسياقات الاجتماعية والاقتصادية يجب الاهتمام بها. وختم سيركن مداخلته بالحديث عن محورية آليات التنفيذ وإجراءاته في ما يخص الأركان الخمسة المتعارف عليها للعدالة الانتقالية. أما مود رور، فبدأت بالتنبيه إلى أن إنهاء العنف هو التحدي الكبير في عصرنا الراهن. وأشارت إلى أن إحلال السلام عقب انتهاء الصراعات عادة ما يستمر، في المتوسط،​ سبعة أعوام فقط، بينما ينجرف نحو 60 في المئة من النزاعات إلى هوّة الصراع مرة أخرى؛ وهذا ما دفع إلى الاهتمام بموضوع تعزيز الس لم عبر آليات عدة، منها: البحث عن الحقيقة ومبادرات المصالحة وغيرها من آليات العدالة الانتقالية التي أصبحت نهجًا معياريًا يرشد عمليات وضع اتفاقات السلام وإدامتها. وأشارت رور إلى النقص الذي يَسم فهمنا ما ينجح فعلً في تعزيز العدالة والمصالحة وما لا ينجح. وفي هذا الخصوص نوّهت بسعي مؤسسة كوفي أنان لسدّ هذه الفجوة من خلال الكثير من دراسات الحالة ومدخلات الخبراء. ومن النتائج التي أظهرتها دراسات المؤسسة أن المصالحة عملية مستمرة، وأنها لا تعالج أسباب الصراع وعواقبه فحسب، بل تقي البلدان من السقوط في هوّة الحرب مرة أخرى. وتطرّقت رور أيضًا إلى الحديث عن لجان الحقيقة، ورأت أن ليس من الجيد تحميلها كمًّا كبيرًا من المسؤوليات، وأشارت إلى أنّ اللجان التي تركز على حالات محددة، الاختفاء القسري مثل، تُنجز نجاحات أكثر من تلك

التي لها ولايات تغطي فترات زمنية طويلة وعددًا كبيرًا من القضايا. وختمت رور شهادتها بالحديث عن الفاعلين، مشيرة إلى أهمية دور المجتمع المدني والنساء، وتحدثت في هذا الإطار عن تجربتَي إيرلندا الشمالية وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ومن جهته، عرض شيفرسكي مشكلة محاكمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والجرائم الشيوعية في بولندا، بادئًا بشرح الجرائم النازية والشيوعية، حيث قُتل نحو ستة ملايين مواطن، إلى جانب الجرائم التي يرتكبها الموظفون العاملون في الدولة الشيوعية. كما تطرّق إلى معهد التذكر الوطني في بولندا الذي أنشأه البرلمان في عام 1998، وتشمل أعماله مهمات قضائية وتوثيقية أرشيفية، إضافة إلى المهمات التأريخية والتعليمية. بعد ذلك، عرض الأساس القانوني للتحقيقات التي أجراها المعهد، وقدم بعض الأمثلة على هذه التحقيقات والعقبات التي عوّقتها.

سابعًا: في العلاقة بين العدالة الانتقالية والانتقال الديمقراطي

استُكملت في اليوم الأخير من أيام المؤتمر محاور أخرى، منها عرض حالات اليمن ومصر وسورية في ما يتعلق بالعدالة الانتقالية، وعرض زوايا مختلفة للموضوع نفسه في حالات موريتانيا واليمن والمغرب ولبنان والسودان. عُقدت الجلسة التاسعة برئاسة الأكاديمي التونسي محمد الإمام، بمشاركة حورية مشهور (وزيرة حقوق الإنسان في اليمن سابقًا)، والباحث السوري سلام الكواكبي، وأسامة رشدي (عضو المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان سابقًا.) بيّنت مشهور صعوبة السياق الذي طُرحت فيه العدالة الانتقالية في اليمن؛ فبداية أبقت مبادرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية رأسَ النظام السابق، ومنحته الحصانة في مقابل التنازل سلميًا عن السلطة. وعلى الرغم من احتجاج شباب الثورة، صدر قانون الحصانة في 21 كانون الثاني/ يناير 2012 قبل إقرار مشروع العدالة الانتقالية. وأثار مشروع قانون العدالة الانتقالية شكوكًا وهواجسَ لدى الأطراف كلها حتى قبل أن يتم إعداده، كما أنه خالف المعايير الدولية للعدالة الانتقالية ومكوّنات أساسية هي الكشف عن الحقيقة واعتراف المنتهكين لحقوق الإنسان واعتذارهم والتزامهم، وكذلك طلب الصفح والمسامحة من الضحايا. واستبعد المشروع كلّيًا الإجراءات القضائية، مركّزًا على المصالحة الوطنية وجبر الضرر فحسب. كما أوضحت مشهور أن الاهتمام بالعدالة الانتقالية لم يقتصر على الدوائر الرسمية ووكالات الأمم المتحدة، بل امتد إلى المجتمع كله، وبادر بعضٌ من النخب الثقافية والمهنية وناشطي حقوق الإنسان إلى تشكيل المركز اليمني للعدالة الانتقالية الذي انطلق في حزيران/ يونيو 2012 في مدينة تعز، مسنودًا بدعم دولي للدفع بتطبيق المعايير الدولية للعدالة الانتقالية. في حين أشار الكواكبي إلى أنّ الانتهاكات التي تعرّض لها السوريون هي الأكثر توثيقًا في التاريخ، وبعض هذا التوثيق تم بيد النظام وتخطيطه، الذي عمد إلى نشرها، بثًّا للخوف في النفوس. وفي ظل القانون السوري، لا مجال لمعاقبة المنتهكين لحقوق الإنسان؛ فنصوصه تحمي رجال الأمن من المساءلة على الانتهاكات، ولا مجال في القضاء السوري لمحاكمة من يقتل. وبعد عرضه الانتهاكات

الواسعة هذه، أضاف الكواكبي أن ثمة تحديات كبرى أمام أي برنامج للعدالة الانتقالية، فهي ستبقى مرتبطة بالحل السياسي، وإن كان لا يزال بعيدًا. هذا إضافةً إلى سيطرة النظام على النظام القضائي والمحاكم، وتعدد الفاعلين الذين ارتكبوا الانتهاكات في سورية، هذا إلى جانب الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمرأة السورية، والتي تستلزم من أي نظام مستقبلي للعدالة الانتقالية أن يهتمَّ بهذا البعد. وأكّد أسامة رشدي، في عرضه للحالة المصرية، أنّ فاعلي ثورة يناير أخفقوا في إدارة ملف العدالة الانتقالية فيها، وعجزت الثورة عن محاسبة من قاموا بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، سواء على مدار أعوام حكم مبارك أم في خلال احتجاجات ما بعد كانون الثاني/ يناير 2011. وإلى اليوم لم تُكشف حقيقة هذه الانتهاكات، أو جبر ضرر الضحايا، فضلً عن محاسبة من تغوّلوا على المال العام بالفساد. وعرض رشدي أمثلة على تعمّد النظام في مصر إلغاء الأحكام ضد المسؤولين والضباط المتورطين في الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، كان آخرها تبرئة حبيب العادلي، وزير الداخلية السابق، الذي أسقطت المحكمة عنه التّهم التي تتصل بذمّته وممارسات الفساد التي تورّط فيها. وبيّن رشدي كيف أُهدِرَت وأُخفِيَت تقارير تقصّي الحقائق، وغُيّبت الأدلة عن المحاكمات التي جرت، وبدا للجميع أن النيابة وغيرها تلاعبت بالأدلة لتفريغ المحاكمات من مضمونها، والسماح بإفلات المسؤولين عن هذه الجرائم، على نحوٍ أدّى إلى حالة غليان في الشارع المصري. وقال رشدي إن تراجع التفكير في تحقيق العدالة الانتقالية في مصر، وتقويض الحوار بين القوى السياسية والمجتمعية، وتجاهل تجارب التحول في الدول التي مرّت بظروف مشابهة، كل ذلك ساهم في نجاح الثورة المضادة في حماية رموز النظام القديم، بل حتى في ارتكاب أبشع الانتهاكات بحق الثوار ورموزهم.

خاتمة

أظهرت محاور المؤتمر وجلساته المختلفة ما يمكن اعتباره «طفرة» بحثية يشهدها مجال البحوث العربية في موضوع العدالة الانتقالية، بقدر ما كشفت عن أن هذه «الطفرة» الكمية تتطلب التعميق، واستكمال تحليل ما عرفته التجارب العربية المختلفة من خبرات بشأن حدود تطبيقها وأبعادها، أو ما يمكن أن تستفيد منه بعض البلدان العربية التي ستُطرح فيها عاجلً أم آجلً قضايا العدالة الانتقالية. أبرزت الحالات العربية الإحدى عشرة التي عرضتها بحوث المؤتمر جوانب تطبيقية عدة عن العدالة الانتقالية، ارتكز الجدل العلمي في غالبيتها على قضيتَي المصالحة وعمل لجان الحقيقة. وفي هذا الخصوص، حفلت أروقة المؤتمر بجدالات حيوية بشأن تقويم أدوار اللجان والمؤسسات المسؤولة عن إدارة العدالة الانتقالية، وتحديد مكامن قوّتها وضعفها وما يمكن أن تفيد به، ولا سيما في الحالة التونسية التي حظيت باهتمام واسع. وما عزّز هذا الجدل والتقويم هو أنّ نقد الهيئات المستقلة في تونس أخذ في وقت عقد المؤتمر زخمًا متجدّدًا بعد الانتخابات الرئاسية بتونس، وهذا ما بيّنته كثافة الحضور التونسي وسعة التغطية الإعلامية. كما ركزت النقاشات على أسباب انخفاض عوائد مسارات تطبيق العدالة الانتقالية ومخططاتها في عدد من الحالات العربية.

جاءت التوصية الأبرز التي خرج بها المؤتمر بحثّ مراكز الأبحاث والمجتمع الأكاديمي العربي والمنظمات الإنمائية والفكرية العربية، ودعوتها لأن تولي مزيدًا من العناية بقضية العدالة الانتقالية وفهم ارتباطها الوثيق بظواهر التغيير السياسي والاجتماعي الأوسع، وأن تسعى لتكوين معرفة عربية معمّقة بشأن خبرات العدالة الانتقالية وتطبيقاتها، والفرصة سانحة أمام الباحثين العرب لتقديم مساهمات غير مسبوقة، خصوصًا أنّ المنطقة العربية شهدت في العقد الأخير تجاربَ شديدة التنوع، وراكمت خبرات بات من المهم إنتاج جهد بحثي ونظري مكافئ لها. كشف المؤتمر أيضًا أنّ التقاطع بين التجارب العربية (التي عرض المؤتمر إحدى عشرة حالة منها) والتجارب الدولية، واسع؛ إذ أظهرت التجارب الدولية التي عرضها عدد من الخبراء والمختصين بهذا الموضوع في مؤسسات دولية رئيسة في هذا المجال أجواء الجدل المحتدمة إزاء أداء الهيئات المسؤولة عن تطبيق برامج العدالة الانتقالية، بل الاستقطاب السياسي الحاد بشأن تقويم أدائها، وهو أمر طبيعي، بل إنه من صلب الظاهرة، حيث يكتنف دومًا وعدَ تحقيق العدالة الانتقالية أجواء من توقعات عالية، في حين يقول واقع الممارسة إن سعي القوى السياسية للموازنة بين ضرورات جلب الاستقرار وتحقيق غايات العدالة الانتقالية، ينعكس في صور انخفاض مردود عمل هذه المؤسسات، ونكوص المنجز في مسار العدالة الانتقالية عن بلوغ مستوى توقعات الجماهير. بيّنت البحوث المقدّمة في المؤتمر أيضًا أنّ إنجاز العدالة الانتقالية عربيًا يتطلّب مستوى رفيعًا من قدرات التفاوض السياسي، وإبداعًا في طرح الحلول الوسطى، إضافة إلى ثقافة براغماتية، لا تستنكف القبول بالتنازلات المتبادلة بين أطراف عملية التغيير، من قوى المعارضة أو من النظام السابق. وكشفت هذه البحوث أيضًا عن أن انخفاض السقوف السياسية لا يحدّ قدرة الهيئات العاملة في هذا المجال على تحقيق منجز ملموس، ما دامت تمتعت بحد معقول من الاستقلال، وتمتعت بمساندة جماهيرية تجعلها تناور بقوة في مواجهة القوى التي تخشى آثار إنجاز العدالة الانتقالية. وتُبيّن الأبعاد البنيوية لهذه القضية، في مجموعها، أن إقرار عدالة شاملة وناجزة يقتضي علاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على الثقة، وسلطة لا تخشى الاعتراف بماضي الانتهاك، ولا تتهرّب من تكلفة جبر ضرر الضحايا والتعامل مع الإرث الإنساني. كما أظهر المؤتمر أنّ مدى النجاح في الموازنة بين التصورات الواقعية لإنجاز العدالة الانتقالية والغايات المثالية لتحقيقها، هو ما يفرّق بين حالة وأخرى. أخيرًا، بيّنت البحوث أيضًا أنّ عدد قضايا التغيير، ذات الملمح البنيوي، مضمرة في قضية العدالة الانتقالية؛ إذ إن تناول الباحث بعدًا محددًا في العدالة الانتقالية عادةً ما كان يُفضي به إلى استدعاء جملة من قضايا متشابكة، تبدأ بعسر الديمقراطية، ولا تنتهي بالانقسام الاجتماعي، إضافةً إلى التطرق إلى الأبعاد الاجتماعية والسياسية البنيوية التي تؤطر سياق إنجاز غايات العدالة الانتقالية. ويُنبّه هذا التضافر والتشابك الذي أظهرته بحوث المؤتمر إلى أهمية مضافة إلى تعميق دراسة الموضوع، وتبنّي مداخل نظرية تعكس تداخل الاختصاصات، وبما يعين على سبر ما في قضية العدالة الانتقالية من عناصر كاشفة لعمق المأزق السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي في الوطن العربي.