العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الفردانية الاجتماعية في سياق الثورة التونسية

الفردانية الاجتماعية في سياق الثورة التونسية

Themes of this Issue Social Individualism in the Context of the Tunisian Revolution

مولدي الأحمر

الملخّص

يتضمّن العدد خمس أوراق وتعقيبًا تأليفيًا نقديًا. خُصصت الورقة الأولى لبحث سلوى الحمروني الذي تتبعت فيه المسار التشريعي الذي عرفته تونس في مجال الحقوق والحريات الفردية منذ منتصف القرن التاسع عشر. وفي الورقة الثانية، يرصد عماد المليتي مختلف تجليات الحرية الفردية لدى الشباب التونسي انطلاقًا من بحوث ميدانية إمبريقية. وفي الورقة الثالثة، يقدم عبد اللطيف الهرماسي، اعتمادًا على قراءة مغايرة لجملة من المعطيات، نقدًا لما يسميه "النخبة الحداثوية التونسية". وفي الورقة الرابعة، يعرض كل من ساري حنفي وعزام طعمة الحجج التي قدمها الخصوم، كل من جانبه، بشأن مشروع قانون الميراث في تونس. أما في الورقة الخامسة فتناقش روضة القدري إمكانية الحديث عن "الفرد" في السياق المغاربي عمومًا، والتونسي خصوصًا. أما الورقة التأليفية النقدية التي كتبها المولدي الأحمر، فجاءت في شكر وتعقيب على ما جاء في أوراق الندوة والقضايا التي طرحتها وبقيت من دون حلول مقنعة. وأخيرًا، يأتي في قسم المناقشات عرضًا تاريخيًا إشكاليًا لمفهوم الفردانية في بعديه الاجتماعي والمعرفي كما تطور في النظرية السوسيولوجية، وقد أعده للمجلة عبد الحميد العبيدي.

الكلمات المفتاحية:
  • تونس
  • الثورة التونسية
  • الحريات الفردية
  • الفردانية الاجتماعية
  • ندوة عمران
Keywords:
  • Tunisia
  • Tunisian Revolution
  • Individual Freedoms
  • Individualism

حينما انطلقت أحداث «الربيع العربي»، كان اهتمام الإعلاميين والمحللين والباحثين مركّزًا على المشاهد الاستعراضية للأحداث، وتحولات المسرح السياسي، عمومًا، وديناميكية مختلف القوى المؤثرة فيه والحديثة الدخول إليه، والأسباب المفترضة، المعلنة والخفية، لاندلاع تلك الأحداث بغية فهمها معرفيًا و/ أو التأثير فيها سياسيًا. بيد أنّ هناك أبعادًا أخرى لهذه الأحداث ظلت إلى حد ما خارج مجهر المشاهدة والمتابعة، رغم أنها من المواضيع الدفينة وربما الأكثر إشكالً، من وجهة النظر السوسيولوجية والأنثروبولوجية، في فهم التحولات العميقة الجارية في مختلف المجتمعات العربية، وفي تقدير مآلاتها البعيدة المدى، ونقصد بذلك توسع مجالات الفردانية الاجتماعية نتيجة سياسات التحديث التي اعتُمدت هنا وهناك منذ أكثر من نصف قرن (وقبلها التجربة الاستعمارية)، وعلاقة ذلك بالثورات على الاستبداد السياسي عمومًا، وبمطالب المجتمع المدني بشأن تعزيز الحقوق والحريات الفردية، وخاصة ما يتعلق بالمرأة. لم تُطرح هذه القضية بالقوة نفسها ومن المدخل ذاته في مختلف حالات «الربيع العربي». ففي مصر، أدى انحسار الثورة ومشروعها التحرري العام إلى عودة الاستبداد، في حين أبدت مؤسسة الأزهر ريبتها وعدم حماسها بشأن ما طالبت به النخب الحداثية التونسية من تطوير وتعزيز للحريات والحقوق الفردية، ولا سيما موضوع الميراث، وفي اليمن شاركت النساء في بداية الأحداث بكثافة في المظاهرات، لكن من دون طرح جماهيري ومباشر لقضايا حرية المرأة وحقوقها من منظور حداثي. وفي ليبيا وسورية، غيّرت الحرب الأهلية والتدخل الخارجي أولويات المطالب، لتصبح مركّزة على أسباب الصراع العنيف على الحكم ومخلفاته وعلى ثمن الحرب وآلامها. ويمكن أن نلاحظ أنه في الحالات الأخيرة عطّلت الحروب الأهلية مناقشة جوانب اجتماعية أساسية ودفينة تكمن وراء الثورات على الاستبداد، ومنها الحقوق والحريات الفردية بما تتضمنه من مطالب في العدل والكرامة الإنسانية. ولعله من المثير اليوم أن تصعد هذه المطالب من جديد إلى واجهة

الأحداث، التي اجتاحت السودان وتعصف حاليًا بالجزائر حيث يجري رفض احتكار السلطة والفساد، وفي لبنان والعراق حيث تتبلور دعوة إلى التحرر من الطائفية والمذهبية والتعصب الديني المضاد لتبلور مناخات وفضاءات الحريات والحقوق الفردية، بالنسبة إلى الرجل والمرأة على حد سواء. بيد أن الأمر كان مختلفًا وراديكاليًا إلى حد ما في تونس منذ البداية؛ إذ واصلت قوى المجتمع المدني بعد الثورة مساندة المشروع التحديثي العام الذي انخرطت فيه البلاد على نحو مبكر نسبيًا (منذ منتصف القرن التاسع عشر). وقد اضطر قسم من النخبة السياسية القيادية لحركة النهضة الإسلامية إلى مساندة هذا التوجه (على الأقل في الحملات الانتخابية)، والتصريح علنًا بأنها تقبل بالإنجازات التي تحققت في هذا المجال، وتحديدًا ما جاء في مجلة الأحوال الشخصية التي صدرت سنة 1956 والتي منعت تعدد الزوجات، ونزعت من الرجل حق احتكار عصمة المرأة وشرّعت التبني. وفي الحقيقة لم تتوقف الظاهرة على تونس حيث شكّل رئيس الدولة، عام 2017، لجنة سميت «لجنة الحريات الفردية والمساواة» للنظر في قضايا المساواة بين المرأة والرجل، وفي حرية المعتقد، وحتى في حرية التصرف في الجسد، بل تعدّتها إلى الجزائر والمغرب حيث دار، ويدور اليوم، نقاش مهم حول القضايا نفسها. وفي هذا السياق تحديدًا، يجيء موضوع الندوة السنوية الأولى التي نظمتها دورية عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية في تونس، في 1 و 2 آذار/ مارس 2019، والتي طرحت قضية مهمة وكثيفة، مضمونها العلاقة بين التوسع النسبي والملحوظ في الوطن العربي لشروط ممارسة الفردانية الاجتماعية (توسع هامش الاستقلالية في أخذ القرارات الحياتية الخاصة نتيجة تقدم التقسيم الاجتماعي للعمل وتصدّع البنى الجماعوية التي تشد الفرد، المرأة والرجل، إلى الجماعات الأولية) من جهة، والنقاشات الجارية، في سياق الربيع العربي، بشأن تحديث القيم والمعايير الموروثة، سواء أخذت لبوسًا دينيًا أو قبليًا أو طائفيًا أو مذهبيًا أو غيره، والمطالبة بتوسيع القاعدة القانونية والمؤسساتية للحقوق الفردية من جهة أخرى. خلال ندوة تونس، جرى عرض عدة حالات من البلاد العربية، العراق والجزائر واليمن ولبنان، لكن التركيز الأكثر كثافة كان على الحالة التونسية، حيث كان النقاش الداخلي على أشده بشأن مضامين وأبعاد تقرير «لجنة الحريات الفردية والمساواة» الذي صدر في تونس قبل انعقاد الندوة بعدة أشهر، وصاحبه جدل صاخب تركّز حول ما جاء فيه من مقترحات، كان أكثرها إثارة مشروع قانون للمساواة بين الرجل والمرأة في الإرث اقترحه التقرير على رئيس الدولة لعرضه على مجلس النواب. وبسبب كثافة هذا النقاش والجدل الذي تخلله، رأت عمرانأن تخصص العدد للحالة التونسية في انتظار توسيع السؤال لحالات عربية في المشرق والمغرب وتخصيص عدد ثانٍ للموضوع. تضمّن العدد خمس دراسات وتعقيبًا تأليفيًا نقديًا. خُصصت الدراسة الأولى لبحث سلوى الحمروني الذي تتبعت فيه المسار التشريعي الذي عرفته تونس في مجال الحقوق والحريات الفردية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وهو الخلفية التي اشتغلت بها «لجنة الحريات الفردية والمساواة» لتنجز تقريرها

المثير للجدل. وفي الدراسة الثانية، يرصد عماد المليتي مختلف تجليات الحرية الفردية لدى الشباب التونسي انطلاقًا من بحوث ميدانية إمبريقية، معتبرًا ذلك أرضية سوسيولوجية مناسبة لتوسيع القاعدة المؤسساتية والقانونية لتطور هذه الحريات والحقوق وتعزيزها. وفي الدراسة الثالثة، يقدم عبد اللطيف الهرماسي، اعتمادًا على قراءة مغايرة لجملة من المعطيات، نقدًا لما يسميه «النخبة الحداثوية التونسية»، معيبًا عليها، بحسب رأيه، استخدامها لوحدة تفكير وأيديولوجيا «غربية» تطورت في سياق تاريخي خاص، ثم إسقاطها على حالة المجتمع التونسي الذي له تاريخه المختلف. وفي الدراسة الرابعة، يعرض كل من ساري حنفي وعزام طعمة الحجج التي قدمها الخصوم، كل من جانبه، بشأن مشروع قانون الميراث في تونس، ويحاولان تنزيل الجدل الدائر حول الموضوع في إطار مفهوم المجتمع المدني لهابرماس ومفهوم ميف كوك Cooke Maeve للاستدلال الاستبدادي مقابل غير الاستدلال الاستبدادي. أما في الدراسة الخامسة فتناقش روضة القدري إمكانية الحديث عن «الفرد» في السياق المغاربي عمومًا، والتونسي خصوصًا، وما يمكن أن يترتب على هذه الإمكانية من توجهات بحثية واجتماعية، تتعلق بالخصوص بالوضعية الدونية العامة للمرأة في المجتمعات العربية، وبالدراسات الجندرية التي تبحث في هذا المجال. أما الورقة التأليفية النقدية التي كتبها المولدي الأحمر، فجاءت في شكل تعقيب على ما جاء في أوراق الندوة والقضايا التي طرحتها مركزة على المنعطفات المعرفية والاجتماعية والتاريخية المتشعبة واللايقينية التي تطرحها حاليا أسئلة الفردانية في المجتمعات العربية. وأخيرًا، ولاستكمال النقاش وتوسيع أفقه المعرفي الكوني، وتزويد القراء بمراجع بيبليوغرافية أساسية في الموضوع، تنشر عمرانفي قسم المناقشات عرضًا تاريخيًا إشكاليًا لمفهوم الفردانية في بعديه الاجتماعي والمعرفي كما تطور في النظرية السوسيولوجية، وقد أعده للمجلة عبد الحميد العبيدي. رئيس التحرير المولدي الأحمر