العودة إلى تفاصيل المؤلَّف قراءة نقدية في الأسس الإيديولوجية للفردانية وراهنيتها في المجتمعات العربية

قراءة نقدية في الأسس الإيديولوجية للفردانية وراهنيتها في المجتمعات العربية

A Critical Reading into the Ideological Foundations of Individualism and its Relevance in Arab Societies

عبد الحميد العبيدي | Abdelhamid Abidi *

الملخّص

تعدّ الفردانية سردية لفهم التاريخ الإنساني، وبها نقرأ تجارب الأمم، وعليها نبني مواقف وأحكامًا. نعرض في هذه الدراسة البناء الأيديولوجي والنظريات والمفاهيم التي أُسست عليها الفردانية في السياق الأورو-مسيحي. ومن الدين إلى الاقتصاد، وبين الفلسفة والفكر السياسي، اتخذت الفردانية طابع الشمولية، على الرّغم من النقد المبكّر لاستعمالاتها في الاقتصاد والمجتمع. ولكن تأثيراتها في المجتمعات غير الأوروبية عميقة وواسعة، مثل المجتمعات العربية التي تعيش ارتدادات اجتماعية وسياسية في سياق أحداث "الربيع العربي"، وهو ما استدعى عودة الجدال لدى النخب الفكرية والأكاديمية حول دور الفرد والفردانية في فهم التغيرات التي تحصل أمامنا. غير أن هذه المقاربات، في رأينا، تعكس اغترابًا معرفيًا وثقافيًا، أدى إلى التعامل مع الفردانية، بما هي مقياس تطور خطّي لراهن مجتمعاتنا العربية، شرقًا وغربًا.

Abstract

Assistant professor of sociology at the University of Carthage in Tunisia.

الكلمات المفتاحية:
  • الفردانية
  • الحداثة
  • الدين
  • العرب
  • النظريات
  • الفلسفة
  • الغرب الأورو-مسيحي
Keywords:
  • Individualism/Individuality
  • Modernity
  • Euro-Christian West
  • Religion

ملخص: تعدّ الفردانية سردية لفهم التاريخ الإنساني، وبها نقرأ تجارب الأمم، وعليها نبني مواقف

وأحكامًا. نعرض في هذه الدراسة البناء الأيديولوجي والنظريات والمفاهيم التي أُسست عليها

الفردانية في السياق الأورو–مسيحي. ومن الدين إلى الاقتصاد، وبين الفلسفة والفكر السياسي،

اتخذت الفردانية طابع الشمولية، على الرّغم من النقد المبكّر لاستعمالاتها في الاقتصاد

والمجتمع. ولكن تأثيراتها في المجتمعات غير الأوروبية عميقة وواسعة، مثل المجتمعات العربية التي تعيش ارتدادات اجتماعية وسياسية في سياق أحداث «الربيع العربي»، وهو ما استدعى عودة الجدال لدى النخب الفكرية والأكاديمية حول دور الفرد والفردانية في فهم التغيرات التي تحصل أمامنا. غير أن هذه المقاربات، في رأينا، تعكس اغترابًا معرفيًا وثقافيًا، أدى إلى التعامل

مع الفردانية، بما هي مقياس تطور خطّي لراهنية مجتمعاتنا العربية، شرقًا وغربًا.

Abstract: Individualism is a narrative in human history to understand the experiences of nations and upon which attitudes and judgments are built. This article presents the ideological structure, theories and concepts on which individualism was founded in the Euro–Christian context. From religion to economics, between philosophy and political thought, individualism has taken on the character of inclusiveness despite early criticism of its use in the economy and society. But its effects on non–European societies are as profound and widespread, such as in Arab societies, which are experiencing social and political repercussions in the context of the ‘Arab Spring’, prompting a resurgence of debate among intellectual and academic elites about the role of the individual and individualism to understand changes. However, these approaches, in my view, reflect a cognitive and cultural alienation that has led to the treatment of individualism as a measure of linear development of Arab societies.

مقدمة

في العصر الحديث، ثمة سياقات اجتماعية وسياسية أفضت فيها المعالجة التاريخية لمعادلة الجماعة – الفرد إلى تبلور نموذج ثقافي – اجتماعي يتميز بظاهرة الفردانية، بوصفها مطلبًا

ومظهرًا من مظاهر الحداثة. وكانت هذه حال التجربة «الغربية». وعبر الاستعمار، أثر هذا النموذج في نخب

مجتمعات أخرى، عاشت وتعيش في سياقات تاريخية داخلية مختلفة، إلى درجة جعلتها تنظر إلى التجربة «الغربية» على أنها مثال يحتذى في «تحديث» البنى الاقتصادية والسياسية لمجتمعاتها، ومقياس تقيس به تقدمها على هذا الدرب. فعلى منوال التاريخ الأورو–مسيحي نفسه، وهو حالة خاصة، باتت مجتمعات عديدة غير أوروبية تتعامل مع الحداثة عمومًا، والفردانية خصوصًا، على أنها حتمية تاريخية أخذت صبغة الشمولية. وفي هذا السياق الذهني والمجتمعي، اتّسمت «الأيديولوجيا العربية المعاصرة» منذ عقود بثنائية «التراث والمعاصرة»، ثم بثنائية «التقليد والحداثة»، وهما امتداد لثنائية أشمل هي «الأنا والآخر». «ومن هنا نشأ ذلك النقاش الذي يشغل تفكير معاصرينا حول ‘الأصيل وغير الأصيل’، ويبلغ الضلال غايته في التعريف المتعجّل للأصيل بأنه التقليدي، ولغير الأصيل بأنه الحديث، إن لم يكن العكس». لا تنفصل الظواهر المجتمعية إجمالً، العابرة منها والدائمة، مثل ظاهرة الفردانية، عن الرؤية الدينية للعالم، من حيث هي أساس للعلاقات الاجتماعية ولتنظيم المجتمع سياسيًا، وإنتاجه اقتصاديًا،

وإعادة إنتاجه ثقافيًا. فالدين مشروع هيكلة للعالم الاجتماعي في المجالات المختلفة، وعلى هذا

الأساس، تختلف المسارات التاريخية الكبرى، من فضاء ثقافي إلى آخر، بحسب تعاليم الدين السائد، وإن ضعُفت نسبة المتدينين فيه. ويشترك كثير من الأدبيات في العلوم الاجتماعية والإنسانية على اعتبار أن تشكل الفردانية تاريخيًا تزامن مع تشكّل مسار التحضر العمراني، وهيمنة اقتصاد السوق الليبرالية

على حساب الأشكال التقليدية للعمل والإنتاج، وما قبله. وعادة ما ينزع الأفراد، في بيئة مكثفة من الوجود البشري، إلى تجاوز الرابط الجمعي «التقليدي»، أو القرابي (العائلة، والقبيلة، والعشيرة،

(((نشير قصدًا، هنا، إلى كتاب مهم جدًا، صدر في ستينيات القرن العشرين، للمؤرخ المغربي عبد الله العروي، حول الأيديولوجيا

العربية المعاصرة، يحلّل فيه البناء الثقافي لثنائية الأنا والآخر، يُنظر:

Abdallah Laroui, L’idéologie arabe contemporaine: Essai critique (Paris: F. Maspero, 1967).

(((يُنظر الصراع الفكري المتأجج بين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري حول إشكالية المعاصرة والتراث، في: حسن حنفي،

التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم (بيروت: دار التنوير، 1987)؛ محمد عابد الجابري، نحن والتراث: قراءات معاصرة في

تراثنا الفلسفي (بيروت: دار الطليعة، 1980)؛ محمد عابد الجابري، التراث والحداثة: دراسات.. ومناقشات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991). (((عبد الوهاب بوحديبة، «الفرد والمجتمع في الإسلام»، في: عبد الوهاب بوحديبة (مشرف)، مختلف جوانب الثقافة الإسلامية،

مج 2: الفرد والمجتمع في الإسلام (باريس: اليونسكو، 1998)، ص.440–439 (((تشوب اللفظ «تقليدي» في أدبيات العلوم الاجتماعية شحنة سيميائية سلبية؛ إذ انزاح المعنى تدريجيًا من معنى معجمي يفيد

«ما جرت عليه العادة» إلى معنى سلبي مرتبط بالقديم البالي الذي لا يتلاءم مع الحاضر؛ لذلك أصبح لكلمة «تقليدي» معنى قيمي،

يفيد تخلّف التقليدي المحلّي المتوارث، مقارنة بالمبتكر والجديد والحديث، في رؤية خطّية للزمن الاجتماعي، بداياته سلبية ونهاياته سعيدة. والغريب في الأمر أن معظم من سقط في هذا المنزلق الدلالي هم المختصون بالعلوم الاجتماعية أنفسهم؛ فالدلالة الموضوعية لكلمة «تقليدي» ليست ثابتة، باعتبار أن ما هو حديث اليوم سيصبح تقليديًا غدًا أو بعد حين. ثم ليس كل ما هو في عُرف

العادة وتقليدي قد فقد وظيفته أو نجاعته الاجتماعية، وفي الوقت نفسه ليس كل ما هو مبتكرٌ وحديث إيجابيًا بالضرورة.

والطائفة)، والاتجاه نحو التفرد والتحلل من أشكال التضامن الآلي، وبناء علاقات اجتماعية حرّة،

لا تستند إلى وحدة الانتماء الأولية؛ لذلك، فإن الفردانية المرتبطة بالحداثة الغربية، بوصفها منعطفًا تاريخيًا، وبلغة فرنان بروديل (1985–1902) في حركة التاريخ على «المدى الطويل»، هي نتاج «قواعد

لغة الحضارات» في «فضاءات ثقافية معينة».

أولا: الجذور الدينية للفردانية

يذهب عدد من الباحثين في العلوم الاجتماعية إلى اعتبار أن للفردانية جذورًا دينية، فيرى لاري سيدنتوب (1936–)، مثلً، أن «المسيحية أدت دورًا حاسمًا في هذا. لكن فكرة أن الليبرالية والعلمانية لهما جذور دينية ليست مفهومة على نطاق واسع». ويذهب لويس ديمون (1998–1911) إلى أن للفردانية الحديثة جذورًا ضاربة في حقبة ما قبل المسيحية؛ إذ كانت الفلسفة الرواقية في أثينا في القرن الثالث قبل الميلاد قائمة على جملة من الأفكار ذات المنحى الفرداني، ومنها أن الوجود وحدة طبيعية، وعلى الفرد «الحكيم» إدراكه بالعقل، أي بالعلم، لأن الحواس لا تدرك إلا الأجزاء. وتعتبر الفلسفة عند الرواقيين ممارسة دائمة للإنسان، من شأنها أن تصقل أخلاقه، وتشحنه بالفضائل، وتدعوه إلى تجاوز انفعالاته ومشاعره البدائية، مثل: الفرح المفرط، والحزن المشطّ، والخوف والحسد، والبحث عن معرفة كلية للعالم، فيقول زينون السيتيومي أو زينون الرّواقي (262–334 ق.م.): «إن العالم كلٌّ عضويٌّ تتخلله قوة الله الفاعلة، وإن رأس

الحكمة معرفة هذا الكل، مع التأكيد أن الإنسان لا يستطيع أن يلتمس هذه المعرفة». وفي نظر زينون، رائد الرواقية، وهو أقرب إلى النبي منه إلى الفيلسوف، أن الخير هو ما يجعل الإنسان مستقلً عن كل الأحوال الخارجية. يملك الفرد إرادة كافية لكي يحفظ كرامته ويحدّد مصيره بنفسه؛ لأن العقل في النهاية هو قانون الطبيعة الذي وضعه الله في الإنسان. وقد أوّل ذلك ترولتش بمقولة «قانون الطبيعة المطلق».

(((نستعمل هذه المقولات التي ابتدعها المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل استعمال متعمدًا ومسترسلً؛ لما تعبر عنه من مقاربة ثرية

لحركة التاريخ، ومنطق إنتاجه، في سياق مسارات تاريخية طويلة المدى، تختلف من فضاء ثقافي إلى آخر. والفردانية لا يمكن أن تُفهم إلا بمقاربة ثقافية أنثروبولوجية تاريخية، كما استعملها بروديل في مقاربته للحضارة المتوسطية، يُنظر:

Fernand Braudel, Grammaire des civilisations (Paris: Flammarion, 1993); Fernand Braudel, La Méditerranée et le Monde Méditerranéen à l’époque de Philippe II (Paris: Armand Colin, 1949).

(((في الحقيقة ربط كثيرون الفردانية بالمسيحية. ولكن ثمة من رأى، إضافة إلى ذلك، أن الظاهرة غربية محضة؛ لأن في الغرب وحده ظهر وعي بالذات، وبحث عن تحقيقها عبر الأدب والشعر منذ القرن الحادي عشر الميلادي، يُنظر:

Colin Morris, The Discovery of the Individual, 1050–1200 (Toronto: University of Toronto Press, 1987). (7) Larry Siedentop, Inventing the Individual: The Origins of Western Liberalism (London: Penguin Books, 2014), p. 349.

(((فيلسوف من أصل فينيقي مولود في قبرص وعاش في أثينا. واستمرت الرواقية حتى القرن الخامس الميلادي، محاولةً التناغم مع تعاليم المسيحية، ولكن في بداية القرن السادس، تحديدًا في عام 529 م، أمر الإمبراطور ستينيان الأول بإغلاق المدارس الفلسفية

الملحدة، كالرواقية التي اعتُبرت آنذاك ملحدة. (((لويس ديمون، مقالات في الفردانية: منظور أنثروبولوجي للأيديولوجية الحديثة، ترجمة بدر الدين عرودكي (بيروت: المنظمة العربية للترجمة؛ مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص.55

وفي السياق نفسه يقول ديمون: إن «شيئًا من الفردانية الحديثة حاضر لدى أوائل المسيحيين، وفي العالم المحيط بهم. لكنها ليست الفردانية المألوفة لنا تمامًا». وقد استنتج ذلك من خلال مقارنته بين المجال الهندي والمجال الأوروبي، من ناحية المراتبية والمساواة؛ فالزاهد الهندي «فرداني» يعيش بمعزل عن المجتمع، ولكن فردانيته، تلك، هي «خارج العالم». أما فردانيتنا الحديثة، فهي «دنيوية داخل العالم»، فالأولى متصلة بالذات الإلهية، أي بالقيم الأخروية، أما الثانية فدنيوية مادية؛ ففي تعاليم المسيح، «الإنسان هو فرد في علاقة بالله»، وهذا ما يسميه ديمون «فردًا خارج العالم بصورة جوهرية». إن التحول الحاسم الذي جرى هو انتقال الفكر اللاهوتي الكنسي من وضع الإنسان خارج العالم إلى وضع الإنسان تدريجيًا في العالم، وذلك بإعمال العقل، بما هو هبة من

الله وسمة من سماته في المعرفة. وقد هيّأ ذلك لبدايات صدام العقل البشري مع سلطة الكنيسة في

تجربة غاليليو، على سبيل المثال. وأنتج مسار الصدام هذا بعدئذ الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر، إذًا أنا موجود)، ليؤسّس للذات المفكرة بحرية، وبمعزل عن سلطة اللاهوت الكنسي المتغطرسة؛ لذلك يعتبر ريني ديكارت Descartes René (1650–1596) من الفلاسفة الأوائل الذين نظروا إلى الفردانية على أنقاض الفلسفة السكولاستيكية التي كانت تدرّس في العصر الأوروبي الوسيط في الجامعات، وفحواها مصالحة الفلسفة اليونانية مع اللاهوت المسيحي. لقد توحد المجال بصورة مطلقة، والفرد هو الآن في العالم، والقيمة الفردانية تسود بلا قيود ولا حدود. وفي نهاية القرن السابع عشر، وبداية الثامن عشر، يخلُص غوتفريد ويلهالم لايبنتس Gottfried Leibniz Wilhelm (1716–1646) إلى أننا في استقلالية مُثلى حيال تأثير كل الكائنات الأخرى، وهو ما يسميه «المونادا» Monade، وتعني الفرد المستقل وقدرته على تمثُّل ذاته، وهذا ناتج من الفعل التفكيري للعقل؛ فبهذا العقل نرتقي إلى الأفعال الانعكاسية التي تعطينا وعيًا ب «الأنا» Moi.

ف «المونادا» البشرية تحدّد نفسها بنفسها عقلانيًا وذاتيًا، الأمر الذي ينتج منه سيادة الفرد وحريته، وهو

مبدأ مجرّد غير مرتبط بما هو مجتمعي، لكنه يعكس في النهاية بذرة الفردانية. بدأ مسار الفردانية يتشكل، بوصفها قيمة عملية وحقوقية، مع أبي البروتستانتية، مارتن لوثر Martin Luther (1546–1483) الذي أعلن حربًا على الكنيسة الكاثوليكية، متهمًا إياها بأداء دور الوسيط بين المؤمن والله، مستغلة بذلك مؤسسة البابوية اقتصاديًا وسياسيًا، ودعا إلى بناء علاقة مباشرة بين الفرد

المسيحي المؤمن والله، كما تنص على ذلك في الحقيقة تعاليم المسيح. وواصل بعده جون كالفن Jean Calvin (1564–1509) تثبيت ذلك الطابع الفردي للتّديّن في أوروبا المسيحية، عبر حركته الإصلاحية

((1(المرجع نفسه، ص.41 ((1(المرجع نفسه.

(12) Ernst Troeltsch, The Social Teaching of the Christian Churches , Olive Wyon (trans.), H. Richard Nieburhr (intro.) (New York: Harper Torchbooks, 1960), p. viii.

((1(ديمون، ص.44

(14) Alain Laurent, Histoire de l’individualisme (Paris: PUF, 1993), p. 30.

التي من بين إفرازاتها نشوء الحركة الطّهرية. وتناغمًا مع فكرة إعلاء الذات الإلهية في البروتستانتية، وتحقير كل ما هو حسّي، ينزع الطُّهري إلى الانعزال عن الحميمية الاجتماعية؛ فهو ينظر إلى المشاعري والحسّي في الدّين على أنها عناصر لا تفيد شيئًا في عملية الخلاص، بل هي من قبيل الشعوذة والوثنية. وبعد ذلك لاحظ ماكس فيبر (1920–1846) بدقة كيف تجلّت مظاهر هذا التيار الديني القدري البروتستانتي Prédestination، مثلً، في الأدب الإنكليزي، الأمر الذي شحذ في تدرج السلوك الفرداني، عبر الدعوة المتكرّرة في النصوص الأدبية إلى الحذر من الاعتقاد بقيم التعاون والصداقة، من قبيل: «نادرًا ما ينصح الصديق بهدف مجد الله»، «يجب الحذر من الصديق القريب »، «لا تثق بأحد ولا تبح بشيء قد يضرّك. الحميم الوحيد الممكن هو الله». ومن ثمّ ظهرت في إنكلترا

المبادئ الأولى التي أسّست عليها مقولة الفردانية واستُعملت بهذا المعنى، أول مرة، في منتصف القرن السابع عشر من حركة التمرّد «أنصار المساواة»، أو «المُمهدين» Levellers، التي طالبت بالمساواة بين الأفراد، لا على أساس الملكية التي تمنحهم حق التصويت، بل على أساس حقوقهم الأساسية من حيث هم أفراد. وهي امتداد للإصلاح البروتستانتي الكالفيني، وللحركة الطّهرية إبان الحروب الدينية الطاحنة في أوروبا. وقد عبّر ذلك عن انتقال نهائي من «الفرد خارج العالم» إلى «الفرد داخله»، أي سيادته قراراته.

(1((يعرّف المؤرّخ كريستوفر هيل الط هرية كالآتي: «إن جوهر النزعة الطهرية، بوصفها إيمانًا ثوريًا يقوم على الاعتقاد بأن تحسين

حياة الإنسان على الأرض هو مقصد الله، وأن البشر يستطيعون فهم غايات الله، والتعاون معه على تحقيقها. وهكذا يمكن أن تؤخذ أشد الأمنيات حميمية للبشر، إذا ما استُشعرت بقوة، باعتبارها إرادة الله. وبجدلية كانت في طبيعة الأشياء، ظهر الذين كانوا الأشدّ

قناعة في القتال إلى جانب الله أكثر المجاهدين فاعلية»، يُنظر:

Christopher Hill, The Century of Revolution, 1603–1714 , vol. 5 (Edinburgh: Thomas Nelson and Sons, 1961), p. 168.

(1((يذكر فيبر أن «الط هري الأصلي يذهب حتّى إلى رفض أي اشتباه في حفل ديني على حافة القبر؛ فقد كان يدفن أقاربه من دون

غناء ولا موسيقى؛ من أجل اتقاء إظهار أي معتقد باطل، ولا أي اعتبار بنجاعة الممارسات السحرية المقدّسة في الخلاص»، يُنظر:

Max Weber, L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme (Paris: Librairie Plon, 1964), p. 68. (17) Ibid., p. 78. (18) Philipp Jacob Spener, Theologische Bedenken , 3 rd ed. (Halle: [w.p.], 1712), cited in: Ibid., p. 79. (19) Richard Baxter, A Christian Directory, or, a Sum of Practical Theology and Cases of Conscience (London: George Virtue, 1846), cited in: Weber, p. 79. (20) Lewis Bayly, Praxis Pietatis (Leipzig: RDA, 1724).

((2(هي حركة سياسية تنبع من الفكر الإصلاحي الديني الكالفيني، تكونت في أثناء الحرب الأهلية في إنكلترا (1649–1642) من عناصر تنتمي إلى الجيش المثالي الجديد Model New Army، ومن الشرائح الحضرية المهمشة والفقيرة، مثل صغار الحرفيين. ومن أهم مفكريها جون ليلبرن Lilburn John. نددت الحركة بظلم الملك شارل الأول وتسلطه، وطالبت بالحرية الدينية، وبالمساواة، وبحق الاقتراع ل سأأرة. استعملت الحركة في حم تااها الكراسات السياسية والجرائد والمنشورات، وصاغت «ميثاق الشعب»

People the of Agreement، أول دستور حديث أْعلن في غرّة أيار/ مايو 1649، يتكون من 37 تدعو إلى القطع مع الحكم فصلً

المطلق والفوضى والتعسف، وإرساء ضوابط للسلطة السياسية، وكيفية ممارسة السلطات، وعلاقة بعضها ببعض، ونادت بالمساواة بين الناس وحقهم في التعليم والانتخاب. لاحق أوليفيه كروموال Olivier Cromwell، اللورد الحامي Lord Protector للجمهورية الموحدة لإنكلترا Commonwealth، أعضاء الحركة، وقتل وسجن كثيرًا منهم إبان حكمه الممتد بين 1653 و 1658، يُنظر:

Olivier Lutaud, «Le parti politique ‘Niveleurs’ et la première Révolution anglaise (essai d'historiographie),» Revue historique , vol. 227, no. 1 (1962), pp. 77–114

وتجلّت بعدئذ مبادئ المساواتيين «الممهدين» وأفكارهم في الفلسفة السياسية لجون لوك Lock Jean (1704–1632)، حين أدرج التصور الفرداني في نظرية الديمقراطية الليبرالية، عبر مفهوم «الحقوق الطبيعية للفرد»، وهي حق الحياة وحق الحرّية وحق الملكية. فاعتبار الملكية الفردية حقًا طبيعيًا هو

نقلة نوعية، مقارنة بتصور القديس توما الأكويني Saint Thomas Aquin ’ d (1274–1225) الذي يرى أن مبدأ الملكية يعني الملك المشترك. فحق الفرد في الملكية عند جون لوك مرتبط بجهده في العمل؛ لذلك نجده مثبتًا بعد ذلك في البند السابع عشر من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لثورة 1789 الفرنسية.

ثانيًا: نقد الفردانية ومعانيها داخل مجتمع الحداثة

يجب الحذر من اختزال تعريف الفردانية في أصولها الأوروبية؛ لغياب إجماع على استعمالها الأول في التاريخ الحديث، إضافة إلى عدد من المحاذير ارتبطت بها منذ بدايات استخدامها. يرى الفرنسيون أن أول من استعملها عام 1820 هو جوزيف دو ماستر Maistre de Joseph (1821–1753)، وهو من المسيحيين المناهضين للثورة الفرنسية؛ إذ يرى في الفردانية تفككًا وتحللً للمجتمع، بل هي خطر عليه؛ لأن الأنانية الفردية تُؤدي إلى الفوضى. واعتبر أن هذه الفردية المطلقة، والتجزئة للمذاهب، قد حطّما الإجماع الديني الذي هو ضروري للسلام والوئام. لقد فقدت أوروبا أخلاقها؛ لأن ثمة كثيرًا من

الحرّية، وليس ما يكفي من الدّين، والسبب النهائي لهذه الكارثة هو الإصلاح البروتستانتي، بدفاعه عن

حرّية الضمير؛ وهو ما أدّى إلى انقسام عميق ومخيف للعقول. ونجد الاحترازات نفسها، تقريبًا، من الفردانية عند ألكسيس دو توكفيل Tocqueville de Alexis

(1859–1805)، عندما اعتبر أن الفردانية «شعور مدروس وسلمي، يهيّئ كل مواطن للانعزال عن

الجموع، وينزوي مع عائلته وأصدقائه». ويرى أن هذا ما يفرّق بين المجتمع الأرستقراطي الذي ينتج

العلاقات الاجتماعية، والمجتمع الديمقراطي الذي ينتج الخصوصيات الفردية، ويضعف روح الانتماء إلى الجماعة. وعمومًا ما يُجمَع عليه هو أن الفردانية قامت على الاستقلالية عن السلطة الدينية، وعلى الإنسانية المجرّدة. لكن ماكس فيبر يرى أن للفردانية معانيَ غير متجانسة، لذلك دعا إلى ضرورة القيام بدراسة تاريخية

جدّية للمفهوم. فالفردانية لها قابلية التأويل، كلٌّ يشحنها بالمعاني التي يرغب فيها، وهذا ما يفسّر اختلاف الدلالات، بحسب الثقافات الأوروبية نفسها. ومن ناحية أخرى، دعا ميشال فوكو (–1926 1984) إلى الحذر من استعمال كلمة «الفردانية»؛ إذ لا يمكن، بحسب رأيه، استعمالها لفهم ظواهر

((2(البند 17: «ما دامت الملكية حقًا مقدّسًا يجب ألا يُنتهك، فلن يُسلب أحد ممتلكاته، أو يُجرّد منها، إلا وفق ما تمليه المصلحة

العامة، وهو الأمر الذي يحدده القانون بوضوح، وفي حال نزعها [الملكية] لا بد من تقديم تعويض عادل ومنصف للمُنتزعة ملكيته.»

(23) George H. Smith & Marilyn Moore (eds.), Individualism: A reader (Washington, DC: CATO Institute, 2015), p. 14. (24) Alexis de Tocqueville, De la démocratie en Amérique , vol. 2 (Paris: Editions Gosselin, 1840), p. 612.

وحقب مختلفة، ووجب التمييز بين ثلاثة مظاهر للفردانية: أولها قيمة الفرد المطلقة في استقلاليته، وثانيها تعزيز حياته الخاصة، وثالثها اتخاذ الذات موضوعًا للمعرفة. يمكن القول، إجمالً، إن الفردانية ارتبطت في المخيال الأوروبي بمعنى تحدّي السلطة، أيًّا كانت: دينية، أو سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو رمزية. ولهذا المعنى علاقة بحرّية التفكير، باعتبار

أن الإنسان يمتلك عقلً يمكنه من الفهم والتأويل، ومن ثم، من حق تقرير مصيره، فردًا لا جماعة. وتقاس عندئذ فردانية الفرد بقدرته على «اجتثاث» نفسه من الجماعة، و«السّموّ» بذاته فوق اعتبارات الانتماء، متسلحًا بعقلانيته الفردية. وبما أن «العقل يفرّق، والدّين يوحّد»، فقد قامت الفردانية على

حُطام الجماعة، معتدّة بنفسها. غير أنها تبدو اليوم مصدر قلق وألم. وبحسب فيليب كوركيف «يبدو أن مسار الفردانية قد تسارع، ولا سيما في الولايات المتحدة، فقد أصبح الأنا، على الأقل في بعض القطاعات الاجتماعية في البلدان الغربية، شيئًا مقدّسًا، وهو ما أدى إلى فيض من النرجسية. استبداد جديد للذات مواز لاستبداد قديم للنحن». وفي أعمال نقدية جديدة، ذهب أحد الباحثين إلى اعتبار الفردانية «سردية عظيمة، تُظهر تاريخ المجتمعات الغربية، فرديةً وتقدُّمية». ومن المنظور النقدي نفسه، بنى الأنثروبولوجي والمؤرخ الفرنسي، إيمانويل تود (1951–) نظرية الأنساق العائلية التي تفسّر اختلاف المسارات التحديثية للمجتمعات الإنسانية؛ فكل تطور أيديولوجي وسياسي واقتصادي لاحق له أساسٌ أنثروبولوجي أصلي. ويقصد بفرضيته، هذه، أن القيم الموروثة من الماضي الفلاحي تُبعثُ مؤقتًا من جديد في الأيديولوجيا الناتجة من التعليم والتحضر والتصنيع. ويعتبر تود أن نموذج «العائلة النووية القائمة على المساواة nucléaire famille égalitaire للحوض الباريسي، المهيكل بقيم حرية الأطفال والمساواة بين الإخوة، هيّأ لقبول مبادئ

1789، وللتلقي الجيد لمقولة الإنسان الكوني. فالبنية العائلية التي جعلت من الإخوة أفرادًا متساوين تُسكِن، في النتيجة، في اللاوعي فكرة سابقة بتساوي البشر والشعوب».

ثالثًا: الفردانية وعلم الاجتماع في أوروبا

اختلف العلماء، منذ نشوء علم الاجتماع، بين مؤيد ومعارض لفكرة أسبقية المجتمع على الفرد، أو أولوية الفرد على المجموعة؛ لذلك ظهر صراع منهجي ونظري بين إيميل دوركهايم Durkheim Emile (1917–1858)، وجورج بالنت (1925–1862)، ففي حين يرى الأول أن الفردانية علامة بارزة وعنوان للانتقال من المجتمعات الفيضية، ذات التضامن الآلي، إلى المجتمعات الحديثة ذات التضامن

(25) Michel Foucault, Histoire de la sexualité , tome 3: Le souci de soi (Paris: Gallimard, 1984), p. 59. (26) Philippe Corcuff, La question individualiste (Lormont: Le Bord de l’Eau, 2003), p. 12. (27) Christian Le Bart, «L’individualisation comme grand récit,» in: Christian Le Bart et al., L’individu aujourd’hui: Débats sociologiques et contrepoints philosophiques (Paris: Presses universitaires de Rennes, 2010), p. 85. (28) Emmanuel Todd, L’origine des systèmes familiaux , tome I: L’Eurasie (Paris: Gallimard, 2011), p. 14. (29) Ibid.

العضوي، وتقسيم العمل، يرى الثاني أن الأفراد سائرون لا محالة إلى صراع ضد المجتمع. ويعتبر بالنت أن «الدفاع الفردي الكبير ضدّ التعدّي والاتّصال الاجتماعي هو اللامبالاة والاحتقار». لكن هذا الطرح واجهه الموقف الذي يدعو إلى الإعتراف بالتنوع الثقافي والعرقي للمجتمع الإنساني، ومن هذا الموقف تبلور أحد أوجه النقد الجذري الموجه إلى الحداثة، ضدّ المغالاة في كونيتها وكونية الفردانية، بالمعنى الذي يعطيه لها الفكر الأوروبي الكلاسيكي. وفي هذا السياق، يرى الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور (1931–) أن الثقافة الفردانية الليبرالية تتيح لكل منا أن يكون سيد نفسه. ومن ثم يصبح الرهان الأساسي للحداثة اليوم هو المصالحة بين نوعين من المطالب الإنسانية: الانتماء إلى مجتمع بشري، والاعتراف بتنوع أفراد متفرّدين وبالكرامة الشخصية. وفي التفكير السوسيولوجي الأوروبي، تبلورت فكرة الحرية الفردية بوصفها مشروعًا جماعيًا، بالنسبة

إلى كل واحد، في نهاية القرن الثامن عشر؛ إذ أصبح الأفراد مستبطنين للثقافة الفردانية، من حيث هي قيمة عليا. وقد ساعدت المدينة الحديثة في تدعيم «مجتمع الأفراد»، على حدّ قول نوربارت إلياس (1990–1897)؛ فأصبح الفرد يهتمّ بنفسه وبمصلحته الخاصة، باحثًا عن سعادته المادية وغير المادية، في حدود مجال خاص متحرّر تدريجيًا من الإكراهات الجماعية. لم تعد المعايير المحدّدة للسلوك

نابعة من قوة خارجة عن الفرد، بل هي معايير ذاتية تعكس حرّيته. وقد هيّأت هذه الأحوال الفرد

الأوروبي لخلق تحديدية داخلية له، بدلً من التحديدية الجماعية القاهرة directed – Inner، بحسب قول عالم الاجتماع الأميركي ديفيد ريسمان (2002–1909). لكن بخلاف ذلك، يرى علماء الاجتماع الفرنسيون اليوم أن ليس في الفردانية إنكار للجماعة أو المجتمع؛ فقيمة الفرد مبدأ مطلق يتيح أن يكون له موقف مُؤسّس على حجج معقولة، في مواجهة

موقف الجماعة المبني غالبًا على مشاعر وحدة الانتماء والمصالح المرتبطة بها. تطرح هذه المسألة

إشكالية التمايز بين المشاعر والحجج العقلية. فالإشكال عندئذ منهجي في الأساس؛ إذ يصبح الفرد «وحدة منهجية» (الفردانية المنهجية)، منه نستقي معرفة الواقع، بعيدًا عن غوغاء الجماعة وتقلباتها التاريخية. والمجتمع مجموعة من الأفراد، أحرار وعقلانيون ونفعيون، وإذًا، هم متساوون

(30) Georges Palante, Combat pour l’individu (Paris: Félix Alcan, 1904), p. 223. (31) Georges Palante, La sensibilité individualiste (Paris: Félix Alcan, 1909), p. 17. (32) Charles Taylor, Le malaise de la modernité (Paris: Editions du Cerf, 2005); Charles Taylor, The Malaise of Modernity (Toronto: House of Anansi, 1991). (33) Charles Taylor, Les Sources du moi. La formation de l’identité moderne (Paris: Le Seuil, 1998), p. 710; Charles Taylor, Sources of the Self: The Making of the Modern Identity (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989). (34) Le Bart et al., p. 132. (35) David Riesman, La foule solitaire (Grenoble: Arthaud, 1964); David Riesman, Nathan Glazer & Reuel Denney, The Lonely Crowd (New Haven, CT: Yale University Press, 1950), p. 126. (36) Le Bart et al., p. 133. (37) Christian Arnsperger, «Analyse existentielle et individualisme: Critique de l’économie comme science de l’existence,» in: Ibid., p. 763.

في القيمة المنهجية. إلّ أنه «من الخداع في العلوم الاجتماعية الادّعاء، كما فعل بعضهم، أن التفاصيل أو العناصر أو الأفراد هي أكثر قابلية للإدراك من المجاميع». فبحسب رأي ديمون، لا يمكن فهم هذه التغيرات المعقدة التي صاحبت ظهور الفردانية، وتجليها ثقافةً حديثة، إلا بمقارعتها بالتجارب المجتمعية الأخرى، كما فعل هو مع الهند: المجتمع التراتبي يقابله المجتمع المتساوي.

رابعًا: الفردانية أساس الفكر الليبرالي

ربما من الطبيعي أن تلتقي ثقافة الفردانية مع الليبرالية الاقتصادية، بناء على وحدة الأسس للتيارين، وهي حرّية الفعل والمصلحة الفردية. فمنذ ظهور نظرية جون لوك حول الحقوق الطبيعية التي أسست

للحرية الاقتصادية، وحرية الفكر التي تشمل حرية الضمير، تأكدت الليبرالية في بعدها الاقتصادي البحت. وفي المناخ الثقافي الإنكليزي نفسه نشأ آدم سميث (1790–1723)، أهمّ مؤسّسي الفكر الاقتصادي الليبرالي، وصاحب مقولة «اليد الخفية» التي تفيد أن في السعي الأناني من أجل تحقيق المصلحة المادّية، يساهم الأفراد في خلق الثروة، وأن في سعي الأفراد من أجل مصلحتهم تتحقق المصلحة العامة، وعلى الدّولة أن تُقلّص من تدخلها في العملية الاقتصادية من أجل رفاه الجميع. تكتفي الدولة، إذًا، بأن يفوّضها الأفراد في بعض حقوقهم، مقابل أن تسهر على إرساء النظام وحماية ممتلكاتهم، وهي أسس نظرية العقد الاجتماعي لجون جاك روسّو (1778–1712). إلا أن روسّو يفرّق

بين الحرّية الطبيعية، والحرّية المدنية التي تحدّها الإرادة العامة للأفراد، وتعبّر عنها مؤسسة الدولة،

ففي «الامتثال للقانون الذي صغناه لأنفسنا حرّية». دُعّمت الليبرالية الاقتصادية بمساهمة الاقتصادي النمساوي فريدريش فون هايك (1992–1899) الذي تجاوز تأثيره المجال الاقتصادي، ليمسّ مجالات عدة في العلوم الإنسانية والاجتماعية. لقد أعلن

هايك مبكرًا، خلافًا لكثير من علماء الاقتصاد الليبراليين، موقفه المناهض للاقتصاد المخطط؛ لأن

العقلانية الاقتصادية، بحسب رأيه، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعقلانية التبادل بين الأفراد. فالقيمة الحقيقية للسلعة لا تُحدّد إلا بمقارعة قيمتها لدى البائع بتلك التي لدى المستفيد. فلدى الأفراد معطيات ودوافع لا يمكن لهيكل مركزي أن يعلمها، لذلك لا يمكن مركزة السلطة في المجال الاقتصادي، بل يجب ترك الحرّية الكاملة للفاعلين الاقتصاديين في التنافس في مسار منتج، لتوازن ذاتي للسوق من دون تدخل

الدّولة. والنظام، ها هنا، ليس نتاج قهرٍ خارجي، بل هو ثمرة الفعل الإبداعي الحر للعقل البشري الذي يُنشئ مؤسسات القانون والعملة واللغة والسوق، من دون تخطيط سابق عبر مسار تاريخي تطوُّري.

((3(ديمون، ص.26

(39) Louis Dumont, Homo aequalis , tome I: Genèse et épanouissement de l’idéologie économique (Paris: Gallimard, 1977); Louis Dumont, Homo hierarchicus: Le système des castes et ses implications (Paris: Gallimard, 1964). (40) Adam Smith, Recherches sur la nature et les causes de la richesse des nations , Germain Garnier (intro.), Adolphe Blanqui (trad.) (Paris: Guillaumin, 1843), tome IV, ch. 2; Adam Smith, An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations (London: W. Strahan and t. Cadell, 1776). (41) Jean–Jacques Rousseau, Du contrat social (Paris: Gallimard, 1964 [1762]), pp. 176–177.

والسوق، تحديدًا لدى هايك، هي نظام «تلقائي»، فلا قيد على الحرّية الفردية بأي قوّة مُلزمة، مهما

كان مأتاها. ومن هذا المنطلق الليبرالي، يرى هايك «أن الحرّية، وإن أسيءَ استخدامها، تعني انعدام

السيطرة على الحرّية الفردية في مجتمع حر»ّ. هكذا تحت مسمّى الحرّية الفردية وتعارض المصالح، انتصبت المنافسة بوصفها قانونًا للطبيعة،

ووجدت الفردانية الاقتصادية تعبيرًا في شعار «دعه يعمل، دعه يمرّ»، ليؤسّس في النهاية لعلوية

المصلحة الفردية وشرعيتها. هنا تلتقي هذه الرّؤية مع حرّية الفعل الاقتصادي المدفوع بالرّغبة في

الرّبح، إضافة إلى أن جزءًا كبيرًا من المنظرين للفردانية الليبرالية متأثر بالفلسفة النفعية التي وجدت

استعمالً أكثر في إنكلترا بداية، ثمّ في أميركا تاليًا، أكثر منها في أوروبا الكلاسيكية. وتربط النفعية

الفعل البشري بالنجاعة، كمبدأ: كلّ فعل ناجع هو نافع بالضرورة. وعلى الرغم من أن ديفيد هيوم Hume David (1776–1711) اعتُبر المنظر الأول للفلسفة النفعية، ولأولوية مبدأ التجربة في المعرفة، فإن النفعية أصبحت نسقًا فكريًا متجانسًا بين الاقتصاد والاجتماع البشري، عبر جيريمي بنتهام (1832–1748)، وجون ستيوارت ميل (1873–1806). يستخدم بنتهام مفهوم النفعية بمعنى توفير الرّفاه والفوائد والفرح والمنافع أو السعادة. وتُعتبر الفلسفة النفعية

أخلاقية في الأساس؛ لأن الفعل الحر الحقيقي هو ذلك الذي يؤدّي إلى منفعة جماعية، وليس إلى منفعة فردية فحسب. ويرى منظروها أن الهدف الأسمى للفعل البشرى هو تحقيق السعادة التي هي مقصد كل إنسان، وكل فعل غير مسبوق بتفكير في فائدته قد يفضي في النهاية إلى نتائج لاأخلاقية، ومن ثمَّ، فكل فرد مدعوٌّ إلى التفكُّر وحساب المنفعة التي ستُحقق من فعله بحسب المقاييس الآتية:

1. تفضيل كثافة اللذة على اللذة الفاترة، 2. اللّذة الممتدة في الزمن عوض اللذة المؤقتة، 3. المنفعة القريبة خير من البعيدة، 4. اليقين في حصول المنفعة عوض الاحتمال، 5. تفضيل المنفعة التي تولّد أخرى، 6. تفضيل المنفعة الخالية من الألم، 7. المنفعة التي تفيد أكثر عدد من الأفراد على تلك التي يستفيد منها فرد واحد. ولذلك، يقول جون ستيوارت ميل إن «الحرّية الوحيدة الجديرة بهذا الاسم هي

أن نعمل من أجل مصلحتنا بطريقتنا الخاصّة، ما دمنا لا نسعى إلى حرمان الآخرين منها، أو إلى عرقلة جهدهم للحصول عليها».

خامسًا: راهن الفردانية في الوطن العربي

نعتقد أن الفردانية، بمفهومها الحديث، حالة تاريخية خصوصية، نشأت في سياق أورو–مسيحي. لكنها أصبحت نموذجًا كونيًا تخضع لأحوال تاريخية معينة. وإذا نظرنا بكل تجرّد من أفكارنا السابقة، ومن

رُؤانا الأيديولوجية، إلى هذه المسألة، يمكن القول إن لكل مجتمع «حداثته» الخاصة به، وعليه إنتاجها

(42) Friedrich Hayek, La constitution de la liberté , Audouin Raoul & Garello Jacques (trad.) (Paris: Litec, 1994), p. 31; Friedrich Hayek, The Constitution of Liberty (Chicago: University of Chicago Press, 1960). (43) Jeremy Bentham, An Introduction to the Principles of Morals and Legislation (London: The Mews Gate, 1789). (44) John Stuart Mill, On liberty (London: Cambridge University Press, 2012), p. 13.

بشروطه وبقواه الاجتماعية المحلية. ليس من الضروري «استيراد» أي نموذج مجتمعي بمسوغات «تحرّرية» و«تطورية» و«تحديثية»، على أساس الصبغة «التقليدية» و«المتخلفة» و«ما قبل الحداثية».

من هذا المنطلق النقدي، اعتبر تود أن هذا النموذج الفرداني القائم على فرضية تطوّرية صِيغ في فرنسا

وإنكلترا، وقُدّم إلى العالم كأنّه كونيّ. وعلى الرّغم من هذا، يسوغ دعاة الحداثة في الوطن العربي ضرورة «تغريب» المجتمع، بوصفه

شرطًا من شروط تقدّمه وتطوره الاقتصادي والعلمي، والاجتماعي أيضًا. إن هذا الربط بين الحداثة والتطور تشوبه علل كثيرة، وأسئلة ضرورية عن هذه العلاقة السببية «الوهمية»، وكذلك عن ماهية التّطور

أصل. إن كان المقصود به تطورًا في الإنتاج المادّي والعلمي والتكنولوجي، فهذا جائز. أما إذا قلنا

بالتطور في بنية المجتمع، عبر انفصال الفرد عن سلطة الجماعة، ليصبح هو المرجع في إنتاج القيم والقوانين والتشريعات المتعلقة بالحقوق والواجبات، فهذا الموقف لا يستقيم؛ لأن حركة التاريخ في المجتمع البشري لم تمدنا بعدُ بدليل بيّن على ذلك. إذًا، فما تفسير الحالة اليابانية التي لا يمكن أن

تنطبق عليها هذه المعادلة بتلازم الحداثة الفردانية والقوة الاقتصادية؟ لقد أصبحت اليابان، كما الصين وكوريا ودول آسيوية عديدة، من القوى الاقتصادية والتكنولوجية المسيطرة عالميًا، من دون أن تتخلّى

عن خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، ولم تُستأصل اليابان من خصوصياتها، ولم يُجتثّ الفرد الياباني

من العائلة، وعلى الرغم من ذلك، فإنه ممسك بشروط الحضارة التكنولوجية، ومُنتج للعلم الحديث،

مُضيفًا إليه بتميز وتجديد. فصاغت اليابان «فردانيتها» الخاصة بها، من دون تقويض ثقافتها الجمعية

التقليدية. وفي سياق الثورات العربية، تعدّدت الدراسات والندوات التي تناولت مسألة الفرد والفردانية في الوطن العربي، فعدّ كثير من الباحثين أن ما حصل في تونس ومصر، وبدرجة أقل المغرب الأقصى، وبطريقة مغايرة ليبيا واليمن وسورية والعراق، عنوان بارز لتشكل ثقافة الفردانية، بوصفها قيمة على غرار تلك التي عرفتها المجتمعات الأوروبية، ومن ثم يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار هذه الحركات الاجتماعية حاملة لسمة «التذويت». وتشترك جلُّ هذه البحوث، وغيرها قبل عام 2011، في نقدها هيمنة الرّؤية الغربية الأورو–مركزية للحداثة على المقاربات المستعملة في

العلوم الاجتماعية، وقد أصابت في ذلك. غير أن أغلبها، إن لم يكن جلّها، سقط في الخطأ نفسه، وهو قراءة الواقع العربي ب «نظّارات المركزية الأوروبية». فمثال الملتقى الدّولي حول الفرد في

(45) Emmanuel Todd, La diversité du monde: Structures familiales et modernité (Paris: Seuil, 2017 [1983]), p. 162. (46) François Berriot et al., L’idée de progrès (Paris: Publications du Centre de Recherches d’Histoire des Idées de l’Université de Nice, 1981). (47) Emmanuel Lozerand, «La question de l’individu au Japon,» in: Le Bart et al., p. 578.

((4(حفصة أفيلال وفرانشيسكو فاكيانو، «التذويت السياسي في تجربة شباب حركة 20 فبراير المغربية»، عمران، مج 8، العدد 30

(خريف 2019)، ص 56–41؛ منير السعيداني، «التذويت والموضعة: الداخلي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماعي»، عمران، مج 8، العدد 31 (شتاء 2020)، ص 730؛ محمد أبي سمرا، «الفردية والإسلاموية والديمقراطية: قراءة سوسيولوجية للتحولات في

العالم العربي»، 6، العدد 24 (ربيع 2018)، ص 154–145 عمران، مج؛ عادل بلحاج رحومه، «في تشكّل الفرد والفردانية في المجتمع

التونسي»، عمران، مج 2، العدد 8 (ربيع 2014)، ص 140–125.

المغرب العربي الذي نظمه المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون، عام 1991، وشارك فيه كثير من الباحثين، تونسيون وأوروبيون، يتنزل في هذا السياق الإشكالي. وفي توطئة الكتاب لأعمال الندوة، يقابل محمد أركون بين العالم الأورو–مسيحي الذي عرف منذ القرن السادس عشر ميلادي الحداثة والفكر العلمي، وبين الوطن العربي والأفريقي الذي بقي رهين فكر وممارسات تقليدية. مضيفًا أنه حتى إن ظهر في المغرب العربي وعي بهذه الحداثة، لدى حركات التحرّر الوطني،

فإنها نتيجة تأثير «العقل التنويري الغربي» أكثر منه الفكر الإسلامي؛ لذلك يستنتج أن ما حصل بعد الاستقلال هو تعزيز استعمال اللغة العربية، وتنشئة اجتماعية للبنات والبنين على قيم الإسلام «التقليدية». وقد كان أركون مصيبًا في ما ذهب إليه من أن الفكر المغاربي لم يُخضع تاريخه

الحديث لقراءة سوسيو–تاريخية علمية؛ للوقوف على الأسباب الثقافية والاجتماعية والسياسية التي حالت دون انخراط دول المغرب العربي في النهضة العلمية والتكنولوجية والفكر الحر والعقل العلمي النقدي. وفي أعمال أخرى، سعى عدد من الباحثين في العلوم الاجتماعية المغاربية، بالخصوص، إلى إسقاط مقولات صيغت في السياق الأورو–مسيحي على الفضاء الثقافي والاجتماعي الإسلامي، نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، ثنائية «الفضاء الخاص والفضاء العام» اللّذين يستقل أحدهما عن الآخر في مجتمعات «الحداثة»، ولكنهما متداخلان في المجتمعات الإسلامية. وفي دراسات أخرى نقرأ: «اليوم، بعد ما يزيد على نصف قرن من التجربة التحديثية التي عملت على تجسيد مؤسساتي للكيان المجتمعي والفردي، تجدنا نقف عند منتصف الطريق، بين التقليدية والحداثة»، ويقصد بذلك الحالة التونسية. ويقول آخر بصيغة تقريرية بوجود «التناقض بين الفردانية والانتماءات الاجتماعية الأولية: العائلة والطائفة والإثنية». نعتقد أن طرح السؤال، فحسب، عن وجود الفردانية من عدمه في الوطن العربي هو اصطفاف لاإرادي في خندق «التغريب» في العلوم الاجتماعية. لماذا يبحث بعض الأكاديميين العرب عن الفردانية في مجتمعاتهم؟ أليس مفهوم الفردانية، على الأقل إجرائيًا، مفهومًا خاصًّا بالتجربة الأوروبية؛ لرصد

مسارات التغير التي عرفتها؟ أليس «استيراد» لفظ الفردانية، في حدّ ذاته، هو من قبيل الاعتراف الضمني بوجوب أن يتبع العرب التجربة الغربية نفسها في الحداثة والفردانية، بوصفها آلية ومؤشرًا إلى وجودها؟

ما الجدوى، إذًا، من نقد الرؤية الغربية للحداثة، ونحن نستعمل مفاهيمها الأساسية في فهم التغيرات الاجتماعية التي تطرأ على المجتمعات العربية وتحليلها؟

(49) Mohamed Arkoun, «Préface,» in: L’individu au Maghreb: Actes du Colloque international de Beit al–Hikma (Carthage 31 oct–2 nov 1991) (Tunis: Editions T.S., 1993). (50) Mohamed Kerrou (dir.), Public et Privé en Islam (Paris: Maisonneuve & Larose, 2002).

((5(رحومه، ص.145–125 ((5(مقتطف من مداخلة الباحث اللبناني أكرم سكرية حول صعود الفردية في إطار الندوة التي نظمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – فرع بيروت في 21 آذار/ مارس 2018، بعنوان: «قراءة سوسيولوجية للتحولات في العالم العربي». يُنظر: أبي

سمرا، ص 154–145.

ليس في وسعنا الإجابة عن هذه الأسئلة هنا، ولكن بداية خيط الإجابة يبدأ قطعًا من قدرتنا على التخلص من كل الأحكام السابقة المبنية على معرفتنا بظواهر شبيهة، ولكنها مختلفة في السياق الذي أنتجها. وهذا تطبيق للقاعدة الأولى من «قواعد المنهج في علم الاجتماع». لكننا نعلم أن هذه العملية صعبة ومعقدة؛ لالتحام الذات بالموضوع في علوم الإنسان والمجتمع. فغالبًا ما نأتي إلى موضوع

البحث، ونحن نحمل كمًا هائلً من المفاهيم والمقولات والنظريات والمقاربات والمعارف التاريخية والاجتماعية، لها علينا الأثر البالغ، فتصير علاقاتنا بتلك المعارف والنظريات انفعالية، ونصير ندافع عن بعضها بشراسة. بينما شرط المعرفة العلمية ليس في ثباتها، بل في قابليتها للدّحض والتفنيد، بحسب كارل بوبر Popper Karl (1994–1902). ننزلق عندئذ بسهولة في إطلاق الأحكام القيمية التي حذّر منها دوركهايم نفسه لأنها تحجب عنا رؤية الحقائق، كما هي في منشئها وتكوّنها، فلا نرى الظواهر كما تبدو لنا في أصلها، وإنما نراها «بنظارات» ثقافية وأيديولوجية معينة. فإذا ما تطابقت في الواقع مع نماذجنا الفكرية الجاهزة (الفردانية بوصفها نموذجًا مثاليًا، بحسب تعبير فيبر)، نهتم بها،

وفي حال عكسية نحكم عليها بالنشوز. نبحث في الواقع والوقائع في السياق العربي الإسلامي الراهن عن الفردانية في شكلها الأورو–مسيحي، فلا نجدها. ومن المتوقع جدًّا ألا نجدها، بل لن نجدها البتة، لاختلاف العناصر المؤسّسة للسياقين. إن الفضاء الثقافي مختلف، والبناء الاجتماعي مختلف، والسيرورات، كما الصيرورات، والانحرافات التاريخية مختلفة أيضًا بين البيئة العربية الإسلامية والبيئة الأوروبية المسيحية.

خاتمة

حاولنا في هذا النقاش عرض مسار تشكل ظاهرة الفردانية في أسسها الدينية والفلسفية والسياسية والأدبية في الفضاء الثقافي الأورو–مسيحي. لكن منذ بداياتها، تعرضت الفردانية للنقد والمراجعة من داخل السياق الأوروبي، تحديدًا. وبيّنا كيف تقاطعت، بامتياز، مضامين الثقافة الفردانية

وقيمها مع التوجه الليبرالي في الاقتصاد الرأسمالي؛ وهو ما صبغ الفردانية بصبغة الشمولية، ومنحها القوة السياسية، وجذّرها في الثقافة والمجتمع. وعرّجنا على كيفية ملازمة الجدال حول

تعارض مفهومي المجتمع والفرد لبدايات نشوء علم الاجتماع في فرنسا، وانتهينا إلى أن راهن معالجة المسألة الفردانية في الوطن العربي متأثر بهيمنة ثنائيات مفاهيمية ومقاربات نظرية، من شأنها أن تعوق إمكانية تحليل الواقع الاجتماعي العربي، والتغيرات التي تطرأ عليه، تحليلً أكثر موضوعية، من دون إسقاطات لنماذج خارجة عن سياقه. وهذا لا ينفي اعتبار تشكل الفردانية، بوصفها رافعة للقيم الحقوقية والسياسية، عبر مسار لم يزل مستمرًا حتى اليوم بمزيد من المطالبة

بتكريس حرية الفرد وبحقوق جديدة، وهو ما يوحي بإمبريالية الذات؛ لذلك نخلص إلى القول إنه ليس من الحتمية في شيء مرور المجتمعات من المسار التاريخي والاجتماعي نفسه، والأشكال التنظيمية نفسها، وتبنّي القيم نفسها، وإن بدت في ظاهرها كونية، في سياق شمولية الرأسمالية والديمقراطية السياسية.

المراجع

العربية

أبي سمرا، محمد. «الفردية والإسلاموية والديمقراطية: قراءة سوسيولوجية للتحولات في العالم العربي». عمران. مج 6، العدد 24 (ربيع.)2018 أفيلال، حفصة وفرانشيسكو فاكيانو. «التذويت السياسي في تجربة شباب حركة 20 فبراير المغربية». عمران. مج 8، العدد 30 (خريف.)2019 بوحديبة، عبد الوهاب (مشرف). مختلف جوانب الثقافة الإسلامية. باريس: اليونسكو،.1998 الجابري، محمد عابد. نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي. بيروت: دار الطليعة،.1980 ________. التراث والحداثة: دراسات.. ومناقشات. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991. حنفي، حسن. التراث والتجديد: موقفنا من التراث القديم. بيروت: دار التنوير،.1987 ديمون، لويس. مقالات في الفردانية: منظور أنثروبولوجي للأيديولوجية الحديثة. ترجمة بدر الدين عردوكي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة؛ مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 رحومه، عادل بلحاج. «في تشكّل الفرد والفردانية في المجتمع التونسي». عمران. مج 2، العدد 8 (ربيع 2014). السعيداني، منير. «التذويت والموضعة: الداخلي والخارجي في التحليل العلمي الاجتماعي». عمران. مج  8، العدد 31 (شتاء.)2020

الأجنبية

Baxter, Richard. A Christian Directory, or, a Sum of practical Theology and Cases of

Bentham, Jeremy. Introduction to the Principles of Morals and Legislation. London:

Berriot, François et al. L’idée de progrès. Paris: Publications du Centre de Recherches

Braudel, Fernand. La Méditerranée et le Monde Méditerranéen à l’époque de Philippe

References

Bayly, Lewis. Praxis pietatis. Leipzig: RDA, 1724.

Conscience. London: George Virtue, 1846.

The Mews Gate, 1789.

d’Histoire des Idées de l’Université de Nice, 1981.

II. Paris: Armand Colin, 1949. ________. Grammaire des civilisations. Paris: Flammarion, 1993.

Corcuff, Philippe. La question individualiste. Lormont: Le Bord de l’Eau, 2003. De Tocqueville, Alexis. De la démocratie en Amérique. Paris: Editions Gosselin, 1840. Dumont, Louis. Homo hierarchicus: Le système des castes et ses implications. Paris: Gallimard, 1964. ________. Homo aequalis. tome I: Genèse et épanouissement de l’idéologie économique. Paris: Gallimard, 1977. Foucault, Michel. Histoire de la sexualité. tome 3: Le souci de soi. Paris: Gallimard,

Hayek, Friedrich. The Constitution of Liberty. Chicago: University of Chicago Press,

________. La constitution de la liberté. Audouin Raoul & Garello Jacques (trad.). Paris: Litec, 1994. Hill, Christopher. The Century of Revolution, 1603–1714. Edinburgh: Thomas Nelson and Sons, 1961. Kerrou, Mohamed (dir.). Public et Privé en Islam. Paris: Maisonneuve & Larose, 2002. Laroui, Abdallah. L’idéologie arabe contemporaine: Essai critique. Paris: Maspero,

Laurent, Alain. Histoire de l’individualisme. Paris: PUF, 1993. Le Bart, Christian et al. L’individu aujourd’hui: Débats sociologiques et contrepoints philosophiques. Paris: Presses universitaires de Rennes, 2010. L’individu au Maghreb: Actes du Colloque international de Beit al–Hikma (Carthage 31 oct–2 nov 1991). Tunis: Editions T.S., 1993. Le parti politique ‘Niveleurs’ et la première Révolution anglaise Lutaud, Olivier.« (essai d'historiographie).» Revue historique. vol. 227, no. 1 (1962). Mill, John Stuart. On liberty. London: Cambridge University Press, 2012. Morris, Colin. The Discovery of the Individual, 1050–1200. Toronto: University of Toronto Press, 1987. Palante, Georges. Combat pour l’individu. Paris: Félix Alcan, 1904. ________. La sensibilité individualiste. Félix Alcan, 1909.

Riesman, David, Nathan Glazer & Reuel Denney. The Lonely Crowd. New Haven, CT: Yale University Press, 1950. ________. La foule solitaire. Grenoble: Arthaud, 1964. Rousseau, Jean–Jacques. Du contrat social. Paris: Gallimard, 1964 [1762]. Siedentop, Larry. Inventing the Individual: The Origins of Western Liberalism. London: Penguin Books, 2014. Smith, Adam. An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations. London: W. Strahan and t. Cadell, 1776. ________. Recherches sur la nature et les causes de la richesse des nations. Germain Garnier (intro.). Adolphe Blanqui (trad.). Paris: Guillaumin, 1843. Smith, George H. & Moore Marilyn (eds.). Individualism: A reader. Washington, DC: CATO Institute, 2015. Spener, Philipp Jacob. Theologische Bedenken. Halle: [w.p.], 1712. Taylor, Charles. Sources of the Self: The Making of the Modern Identity. Cambridge, MA: Harvard University Press, 1989. ________. The Malaise of Modernity. Toronto: House of Anansi, 1991. ________. Les Sources du moi. La formation de l’identité modern. Paris: Le Seuil, 1998. ________. Le malaise de la modernité. Paris: Editions du Cerf, 2005. Todd, Emmanuel. L’origine des systèmes familiaux. Paris: Gallimard, 2011. ________. La diversité du monde. Structures familiales et modernité. Paris: Seuil, 2017

Troeltsch, Ernst. The Social Teaching of the Christian Churches. Olive Wyon (trans.). H. Richard Nieburhr (intro.). New York: Harper Torchbooks, 1960. Weber, Max. L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme. Paris: Librairie Plon, 1964.