العودة إلى تفاصيل المؤلَّف حقوق المرأة في منظومة الإصلاحات السياسية في الجزائر: بين مطلب الحقوق الفردية والتوافق مع المرجعية الدينية

حقوق المرأة في منظومة الإصلاحات السياسية في الجزائر: بين مطلب الحقوق الفردية والتوافق مع المرجعية الدينية

Women’s Rights under Algerian Political Reform Between Demands for Personal Rights and Accordance with Religious Authority

بلقاسم بن زنين | Belkacem Benzenine *

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في مسألة حقوق المرأة الجزائرية في إطار منظومة الإصلاحات السياسية التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال. ومن خلال ذلك، تُحلّل كيف أن هذه الحقوق ظلت محكومة من ناحية بالصراع ضد الاستبداد السياسي، ومن ناحية أخرى بالخصومة بين محاولات النظام الجزائري استغال شعار حقوق المرأة للوقوف في وجه الإسام السياسي، ومحاولة الإسلاميين الربط بين الهوية الدينية وحقوق المرأة من أجل مقاومة ما تعتبره تغريبًا للمجتمع الجزائري، واستمرارًا للحقبة الثقافية الاستعمارية. وفي حين لم يمنع نضال المرأة الجزائرية في خضمّ ذلك انتزاعها مجموعة من الحقوق التي تتعلق بالحريات الفردية، ظل تأثير التيارات الإسلامية في الأوساط الشعبية وفي الشأن السياسي كبيرًا في النقاشات الخاصة بنضال المرأة من أجل الحصول على كامل حقوقها المساوية للرجل، وهو ما شوش في الذهن العام مضمون فكرة الحريات الفردية.

Abstract

Abstract: This study examines the issue of Algerian women’s rights within the system of political reform that the country has seen since independence. These rights have been governed in part by the struggle against political despotism and in part by competition between the Algerian regime’s sloganeering exploitation of women’s rights to oppose political Islam, and the Islamists’ attempted linkage of religious identity with women’s rights in order to counter a perceived alienation

الكلمات المفتاحية:
  • حقوق المرأة
  • الجزائر
  • الحريات الفردية
  • قانون الأسرة
  • الدين
Keywords:
  • Women Rights
  • Algeria
  • Individual Freedoms
  • Family Law
  • Religion

ملخص: تبحث هذه الدراسة في مسألة حقوق المرأة الجزائرية في إطار منظومة الإصلاحات

السياسية التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال. ومن خلال ذلك، تُحلّل كيف أن هذه الحقوق ظلت محكومة من ناحية بالصراع ضد الاستبداد السياسي، ومن ناحية أخرى بالخصومة بين محاولات النظام الجزائري استغ لاا شعار حقوق المرأة للوقوف في وجه الإس ماا السياسي، ومحاولة الإسلاميين الربط بين الهوية الدينية وحقوق المرأة من أجل مقاومة ما تعتبره تغريبًا للمجتمع

الجزائري، واستمرارًا للحقبة الثقافية الاستعمارية. وفي حين لم يمنع نضال المرأة الجزائرية

في خضمّ ذلك انتزاعها مجموعة من الحقوق التي تتعلق بالحريات الفردية، ظل تأثير التيارات

الإسلامية في الأوساط الشعبية وفي الشأن السياسي كبيرًا في النقاشات الخاصة بنضال المرأة من

أجل الحصول على كامل حقوقها المساوية للرجل، وهو ما شوش في الذهن العام مضمون فكرة الحريات الفردية.

السياسية من جامعة ليل في فرنسا.

Faculty Member of the National Center for Research in Social and Cultural Anhropology (CRASC), Oran–Algeria. He has a PhD in Political Philosophy from Lille University in France.

of Algerian society and continuation of the culture of the colonial era. In the midst of this fray Algerian women were able to extract a set of rights associated with individual freedoms even as Islamic currents remained greatly influential, among the populace at large and in the political arena, in discussions of the notion of women’s full equal rights with men. This contributed to confusing the public regarding the notion of personal freedoms.

مقدمة

قبل الخوض في موضوع مكانة حقوق المرأة الجزائرية في الإصلاحات التشريعية والسياسية التي عرفتها البلاد، وعلاقة ذلك بمسألة الحريات الفردية، يحسن التمهيد لفهم ذلك بعرض فكرة هذه الإصلاحات والسياق السياسي الذي تمّت فيه. حظيت فكرة الإصلاح السياسي، وما تزال، باهتمام كبير في الأدبيات السياسية في الجزائر، وذلك منذ أحداث منتصف الثمانينيات من القرن الماضي على الأقل. ويتضمن الإصلاح السياسي، كما ورد في خطابات السلطة وشعاراتها وكذلك في برامج الأحزاب السياسية وأفكارها، جانبًا رئيسًا من المقترحات

المقدمة لبناء الديمقراطية والتعددية السياسية. وقد مثّل دستور شباط/ فبراير 1989، الذي كان في تلك الفترة، على الأقل، من أهم الدساتير العربية ضمانًا للحريات الفردية والجماعية، مرجعًا في المُضي

بتلك الإصلاحات قدمًا نحو جزائر ديمقراطية تُضمن فيها الحريات وتُصان المعتقدات. غير أن واقع الحال يشهد على أن الإصلاح لم يكن إلا مرحلة زمنية تجسدت ضمن نشوة انتصار ظرفي لفكرتي الحرية والديمقراطية، إذ سرعان ما تحول الإصلاح إلى تعبير عن إرادة النظام تكريس فكرة بقائه، من خلال تبنّيه عددًا من القوانين التي صدرت في مناسبات عديدة بعنوان التغيير، وتمكين المواطن من التعبير عن رأيه، وتكريس فكرة المواطنة، وإقرار العدل والمساواة، والأخذ بمبدأ حياد الإدارة، إلى غير ذلك من التبريرات الواردة في الخطابات التي روّجت لفكرة الإصلاح السياسي. واقتران الإصلاح بالحريات الفردية والجماعية هو جوهر كلّ تحوّل سياسي في نظام الحكم الذي ينشد

إعطاء المواطن فرصة التعبير عن رأيه، واختيار من يحكمه ويمثله في المجالس والهيئات المنتخبة، وذلك لضمان حريّة التعبير له ولأسرة الإعلام. وفي خضمّ ذلك، بدا موضوع إشراك النساء في مسار

التغيير هذا ضرورة ملحّة ومطلبًا شرعيًا، ولا سيما أن الأمر كان يتعلق بالحريات التي تقضي بعدم

التمييز بين الجنسين، وتمكين المرأة من ولوج كل نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما يعنيه ذلك من توسع لمجال الحقوق الفردية ومن استقلالية في أخذ القرار وتحمّل مسؤوليته ومن

تحررٍ، ولو نسبيًا، من التبعية التقليدية لسلطة الرجل. ولعل من نافلة الكلام الإشارة إلى أنّ التوسع في مسألة الحريات كان نتيجة ضغط من الشعب الجزائري الذي رفض الأحادية الحزبية، والرقابة الأمنية والتسلطية التي تمارس عليه، ومن ثم مثّلت أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988 تعبيرًا صريحًا عن رغبة الشعب الجزائري في التصدي لمثل تلك

الممارسات. وقد تبلورت تلك الرغبة في المقاومة التي أبداها صحافيون ومثقفون نددوا بسطوة الرقابة وبتقليصها هامش حرياتهم. لم تكن الحرية، إذًا، هبة من النظام، بل نتيجة مطالب من فئات شعبية وأخرى نخبوية شارك فيها الرجال والنساء، سرًّا وجهرًا، وقد ظهرت إلى العلن في زخم أحداث تشرين الأول/ أكتوبر المذكورة التي كان من

أسبابها أيضًا الشعور بالظلم واللامساواة، وعدم تكافؤ الفرص بحسب تحليلات بعض علماء الاجتماع، والصراع الدائر داخل دواليب السلطة بحسب بعض المسؤولين السياسيين، وقد انتقص النظام من أهمية هذه الأحداث، إذ لم تكن في نظره سوى أحداث شغب. ومع ذلك ينبغي الإشارة إلى أن دور النخبة ظل محدودًا في إحداث التغير الذي طرأ بعد أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988؛ بل كانت انتقادات بعض المثقفين انتقائية متحفظة وفاترة، رغم أنها أسهمت في إقرار الحريات بعد فسح المجال لعدد من المؤسسات الإصلاحية الخاصة في أن تعمل على نحو مستقل، ولبعضها وزن ثقيل في الحقل السياسي والإعلامي. تسعى هذه الدراسة إلى تتبع مسار الإصلاح الذي باشره النظام الجزائري منذ عام 1999 مع التركيز على الرهانات التي ترتبط بمسألة حقوق المرأة، وذلك من خلال تناول السؤالين التاليين: كيف يمكن التوفيق بين الإصلاح السياسي لمسائل ترتبط بشؤون المرأة واحترام المرجعية الدينية للمجتمع الجزائري؟ وإلى أي حدّ يمكن أن يساير النظام السياسي مطالب الحركة النسوية في مساره الإصلاحي؟

أولا: المرأة ومسار التغيير الاجتماعي

يستدعي الحديث عن وضعية المرأة الجزائرية، من خلال مسألة الحقوق والحريات، استعراض الطريقة التي تعامل بها النظام الجزائري مع المسألة في سياقها التاريخي والسياسي. وسنركز هنا على سُبل استخدام الحكومات الجزائرية للدين في تبرير بعض المواقف والقوانين التي صاغتها في إطار

ما سمته الإصلاحات السياسية، التي كانت تروم إعادة الاعتبار إلى وضعية المرأة في المنظومتين الاجتماعية والقانونية. ظهر في السنوات الأخيرة اهتمام لافت بالمسائل التي تُعنى بحقوق المرأة في الجزائر في مجال البحوث الاجتماعية والإنسانية. وتواكب هذه الأبحاث والأعمال الأكاديمية التطورات والتحولات التي تشهدها الجزائر في الميادين الاجتماعية والسياسية والثقافية، إضافة إلى تطور المنظومة القانونية الخاصة بشؤون المرأة. وكان الاهتمام الأكبر لهذه الأبحاث، في البدء، بالجانب التاريخي لمشاركة المرأة في المقاومة الجزائرية وحرب التحرير، مبرزة التضحيات التي قدمتها إلى جانب الرجل من

(1) Tristan Leperlier, "Les écrivains algériens et l’expérience démocratique dans les années 1990," Communications , vol. 2, no. 99 (Janvier 2016), pp. 145–158.

(((العياشي عنصر، بالجزائر والتمرد الدیمقراطیة سوسیولوجیا (القاهرة: دار الأمین، 1999)، ص.46 (((يُنظر مثً: عبد الحميد براهيمي، في أصل الأزمة الجزائرية، 1999–1958 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)،

ص.204–188

أجل تحقيق الاستقلال، ودور السياسة الاستعمارية تجاه المرأة الجزائرية من خلال التمييز والإقصاء والتهميش والتحرش من جهة، والإشادة ببطولات بعض رموز هذه المقاومة من جهة أخرى. اهتمت هذه الدراسات أيضًا بمكانة المرأة في الحياة الأسرية وبالسياسات العمومية في دعم مكانة المرأة في المجتمع وفي الحياة العامة، والمجالس المنتخبة بعد إقرار مبدأ الكوتة، وبمدى تأثير التحولات الاقتصادية والديموغرافية في المؤسسات الدينية في حياة النساء. وهناك تزايد للأعمال البحثية التي تهتم بالوجود النسوي في سوق العمل، وعالم المقاولات بعد الإجراءات التشجيعية التي قدمتها الحكومة في مجال تشجيع التشغيل، والحقوق المدنية وتطور النضال النسوي بعد التعددية السياسية، وعلاقة الدين بتطور المرأة. أما الاهتمام الأكبر من لدن رجال القانون فما يزال منكبًّا على

تطور قانون الأسرة وتطبيقاته، كما ظهرت أعمال تواكب التحولات الحاصلة مثل عمل دالية غانم حول الوجود النسوي في المؤسسة العسكرية. لا يمكن في الواقع إدراك مسار التغيير والإصلاح الذي يُعنى بالمسألة النسوية في الجزائر،

وبتحسين وضعية المرأة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من دون فحص عناصر من التاريخ الذي ميّز الجزائر قبل الاستقلال والفترة التي أعقبت ذلك، بتأثيراتها السياسية وتجاذباتها

الأيديولوجية. ثمة كتابات كثيرة أثارت موضوع المرأة من منظور العلاقة بين الجنسين من جهة،

(((ينظر: أنيسة بركات درار، نضال المرأة الجزائرية خ لاا الثورة التحريرية (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985)؛ محمد

قنطاري، من بطولات المرأة الجزائرية في الثورة وجرائم الاستعمار الفرنسي: حقائق وثائق، دراسات، تحقيق وشهادات (وهران: دار الغرب للنشر والتوزيع، 2007)؛

Danièle–Djamila Amrane–Minne, Les femmes dans la guerre d’Algérie (Paris: Kartthala, 1993).

(((ينظر: زهرة ظريف، مذكرات مجاهدة من جيش التحرير الوطني: منطقة الجزائر المستقلة (الجزائر: منشورات الشهاب، 2014)؛

زهور ونيسي، المرأة والثورة (الجزائر: مطبوعات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، (((مصطفى بوتفنوشت، العائلة الجزائرية: التطور والخصائص الحديثة، ترجمة أحمد دمري (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،

Lahouari Addi, Les mutations de la société algérienne: Famille et lien social dans L’Algérie contemporaine (Paris: La Découverte, 1999). (7) Belkacem Benzenine, "Les femmes algériennes au parlement: La question des quotas à l’épreuve des réformes politiques," Égypte/Monde Arabe , vol. 10 (December 2013);

وحيدة بورغدة، «المشاركة السياسية والتمكين السياسي للمرأة العربية: حالة الجزائر»، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 36 (خريف 2012)، ص.150–132

(8) Marnia Lazreg, The Eloquence of Silence: Algerian Women in Question (London: Routledge, 1994). (9) Fatima Zohra Bouzina–Oufriha, L’émergence des femmes algériennes dans la sphère économique: Modernisation de la société, marché du travail , femmes (Alger: Éditions Houma, 2016). (10) Malika Remaoun, "Les associations féminines pour les droits des femmes," Insaniyat , vol. 3, no. 8 (mai – août 1999), pp. 129–143; Feriel Lalami, Les algériennes contre le code de la famille: La lutte pour l’égalité (Paris: Presses de Sciences Po, 2012).

(((1 دالية غانم–يزبك، «المرأة في معترك الرجال: الطريق نحو المساواة في الجيش الجزائري»، مركز كارنيغي للشرق الأوسط، 2015/11/4، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/3he2xDm

ومن منظور العلاقة بالسلطة من جهة أخرى. وقد أثارت كتابات فرانز فانون هذا الجانب على نحو دقيق ومحكم. وفي خضمّ الثورة الجزائرية، لاحظ فانون أن التغيير الحاصل في المجتمع الجزائري

لا يحدث من دون مشاركة المرأة، سواء أتعلق الأمر بالحرية التي ما فتئت تكتسبها في التنقل أم في طريقة اللباس. لقد تنبأ فانون بزوال التابوهات التي تقيد حرية المرأة، معتبرًا ذلك ناشئًا من حركة تحرر شاملة مرتبطة

على نحو وثيق بالتحرر من الاستعمار: «سيتوقف الرجال عن اعتبار أنفسهم على صواب والنساء يتوقفن عن التزام الصمت. سيتجدد المجتمع الجزائري في معركته التحررية وفي التضحيات التي يدفعها من أجل أن يتحرر من نير الاستعمار، كما أنه سيستحدث قيمًا لا عهد له بها تتعلق بروابط

جديدة بين الجنسين». إنها «امرأة جديدة» متحررة وواعية بشروط وجودها وبرسالتها وبدورها داخل المجتمع. وفي عمل بيير بورديو وعبد المالك صياد الخاص بالاجتثاث Déracinement إشارة أيضًا إلى التطور الحاصل في العلاقات الاجتماعية بين الجنسين، وإلى التهذيب التقليدي Civilité Traditionnelle؛ بفعل مشاركة المرأة في الثورة وتحمّلها المسؤولية إبان ذلك. وقد أبانت دراسات

عديدة أن مكانة المرأة في المنظومة الاجتماعية تتأثر عمومًا بمسار العصرنة، وكذلك بمدى الارتباط

ببعض التقاليد والقيم المستوحاة من الدين الإسلامي ومن الميراث التاريخي الذي يخص منطقة شمال أفريقيا. ومع ذلك، يجدر التذكير بأن الشأن السياسي كان له دخل في تلك التحولات من خلال القرارات المتخذة بعد الاستقلال، كاعتماد النهج الاشتراكي في تدبير الاقتصاد وإقرار التسيير الذاتي الزراعي، ومجانية التعليم والخدمات الصحية. وتفسر بثينة شريط تلك القرارات الأيديولوجية، التي تنعتها ب «البطريركية» وما تحمله من تمثلات ثقافية، بأنها كانت ذات تأثير في مسار بروز المرأة في الحياة العامة، لكنها لم تساهم في إحداث تحديث حقيقي من أجل تمكين فعال لفئة النساء في مختلف مناحي الحياة. ومهما يكن من أمر الأيديولوجيا في فترة ما بعد الاستقلال، فإنها شهدت بناء ثنائية مؤداها أن النساء لهن مجالهن الخاص وللرجال مجالهم العام. وفي خضمّ ذلك، بدت مقاومة

نسوية واضحة لسياسة فرض الأمر الواقع، ولا سيما من خلال وجود وعي نسوي بالرهانات الثقافية

(12) Frantz Fanon, Sociologie d’une révolution (Paris: François Maspero, 1972), p. 9. (13) Pierre Bourdieu & Abdelmalek Sayad, Le déracinement: La crise de l’agriculture traditionnelle en Algérie (Paris: Les Éditions de Minuit, 1964).

(((1 من هذه الدراسات، نذكر:

Camille Lacoste–Dujardin, La vaillance des femmes: Les relations entre femmes et hommes berbères de kabylie , Series textes à l’appui (Paris: Éditions La Découverte, 2008); Khadija Mohsen–Finan (dir.), L’Image de la femme au Maghreb (Paris: Éd. Actes Sud/Barzakh, 2008);

نور الدين طوالبي، الدين والطقوس والتغيرات الاجتماعية، ترجمة وجيه البعيني (بيروت/ باريس: منشورات عويدات؛ الجزائر: ديوان

المطبوعات الجامعية، 1988)؛ بوتفنوشت؛ الهواري عدي، الاستعمار الفرنسي في الجزائر: سياسة التفكيك الاقتصادي – الاجتماعي،

1960–1830، ترجمة جوزيف عبد الله (بيروت: دار الحداثة،.)1983

(15) Boutheina Cheriet, "Le genre et la citoyenneté comme ‘troc’ dans l’Algérie postcoloniale," Diogène , vol. 1, no. 225 (2009), pp. 89–100. (16) Fatma Oussedik, "Postcolonie et rapports de genre en Algérie," Tumultes , vol. 2, no. 37 (Octobre 2011), pp. 81–98.

التي تميز مسار التغير الاجتماعي، والتي شملت مختلف الطبقات الاجتماعية، وإن بدرجات متفاوتة، وظهرت سمات ذلك في أشكال ثقافية متنوعة. ومع تزايد ولوج المرأة عالم الدراسة وميدان الشغل، بدت النساء أكثر تصميمًا على تغيير أوضاعهن

السياسية والاجتماعية ومواجهة النظام السياسي. وقد برز ذلك على نحو أكثر وضوحًا في المطالبة

المستمرة بتغيير قانون الأسرة، وإعطاء النساء مكانتهن المستحقة في شؤون السياسة وفي المجال العام.

ثانيًا: حقوق المرأة بعد أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988

مهما كانت الدوافع التي أدّت إلى أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988، ليس ثمة شك في أنها عجّلت

بدفع النظام إلى تبنّي خيارات أخرى غير تلك التي كانت في صميم أيديولوجيته (الاشتراكية خيار

لا رجعة فيه). كانت الاحتجاجات العمّالية نفسها، التي مهدت لهذه الأحداث ولا سيما في المنطقة

الصناعية بالرويبة غير بعيدة عن الجزائر العاصمة وفي الحجار بعنابة (شرق الجزائر)، مؤشرًا على حالة

من العصيان وعلى رفض الوصاية، كما كانت هذه الأحداث تعبيرًا عن تذمّر عارم لدى الفئات العمالية

والطبقة المتوسطة، وخصوصًا بعد تدهور سعر البترول وافتقار السوق الوطنية إلى المواد الغذائية. وفي ظل هذه المؤثرات الاجتماعية والاختلافات السياسية والتأزم الاقتصادي، كان لا بد من إصلاح عميق للنظام لرأب الصدع، ولم تكن الحرية الشعار الرئيس لهذا الإصلاح بقدر ما كانت التعدّدية التي كانت في الواقع موجودة من خلال أحزاب معارضة غير معتمدة، وأصوات نخبوية غير مرخّص لها بالتعبير خارج الدوائر الرسمية، وبمراقبة أجهزة الأمن السياسي والعسكري. لذلك سرعان ما تحولت أحداث تشرين الأول/ أكتوبر إلى تجسيد لتعدّد سياسي وإعلامي قلّما شهدته دولة عربية مثل الجزائر، بحيث تكرست الحريات حتى على مستوى الإعلام الرسمي الذي لم يتوانَ في فتح قنواته للمعارضة، وإبداء آراء الشعب الناقمة على الوضع في البلاد بسبب تفاقم مظاهر اللامساواة في مختلف المجالات، والشعور بالتهميش والإقصاء، ولا سيما لدى فئة الشباب وتزايد البطالة التي وصلت آنذاك إلى 23 في المئة. وفي مقابل ذلك، لم تكن ثمة مساحات للتنفيس والترفيه، سواء في المجالات الحضرية أو الرّيفية، ولذلك سرعان ما تحوّلت الملاعب والمساجد إلى مساحات للنقد اللاذع للنظام،

الذي بدا عاجزًا عن استيعاب ما انجرّ عن تلك الأحداث من إرهاصات ذات أبعاد اجتماعية وسياسية.

وبدا طبيعيًا أن يجد التيار الإسلامي، الذي كان كغيره من التيارات السياسية والأيديولوجية ممنوعًا من

(((1 ينظر في هذا الشأن:

Lazreg.

(((1 ينظر في هذا الشأن:

Myriam Aït–Aoudia, L’expérience démocratique en Algérie (1988–1992): Apprentissages politiques et changement de régime (Paris: Presses de Sciences Po, 2015).

(((1 عن الديوان الوطني للإحصاءات، يُنظر:

Rétrospective statistique 1970–1996 (Alger: Office National des Statistiques, 1999).

التعبير علنًا عن آرائه، صدى لمشروعه وأفكاره لدى هذه الفئة من الشباب ومن المهمشين. وتحوّلت

بسرعة موجة الإسلام السياسي لتصبح مهيمنة على شرائح وفئات أخرى لم تكن بالضرورة على اقتناع بالأفكار المروّج لها، ولكنها بدت الأكثر صدقية لدى كثير من الفئات الشعبية. ولا أدل على ذلك

ممّا أحرزته نتائج الانتخابات المحلية التعددية الأولى في حزيران/ يونيو 1990، التي حصلت فيها

الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أغلب الأصوات في البلديات والمدن الجزائرية الكبرى، وتعززت هذه الانتصارات بعد ذلك بفوز ساحق خلال الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/ يناير 1991، ما اضطر النظام السياسي إلى التدخل من أجل وقف المسار الانتخابي، وحلّ الجبهة الإسلامية. كان إجهاض المسار الانتخابي بداية انتكاسة حقيقية للحريات التي جاءت بها أحداث تشرين الأول/ أكتوبر، بفضل تضحيات المئات من الضحايا الذين أصبحوا يسمون «شهداء الحرية.» ومن وجهة نظر سياسية، تميزت هذه الفترة من تاريخ الجزائر بمفارقة مثيرة؛ إذ إنه في الوقت الذي توسعت فيه ممارسة الحريات السياسية على نحو لم يسبق له مثيل منذ الاستقلال عام 1962، كانت حرية المرأة مهددة بسبب المرجعيات الدينية للإسلاميين الذين تزايد نفوذهم في الثمانينيات، والذين استغلوا قوتهم من أجل فرض نوع من الدوغمائية المتعلقة بالموقف من حرية المرأة. تمثل ذلك جليًا

في سعيهم للفصل بين الجنسين في المدارس، ومعارضة تعديل قانون الأسرة الجزائري من جانب البرلمان في حزيران/ يونيو 1984، الذي اعتبروه غير مستمد من الشريعة الإسلامية وشهّروا بالمناضلات النسويات. إنّ الوقوف عند هذه الأحداث يدفعنا إلى التذكير بأنّ الحرّية، سواء أكانت بحق هدفًا منشودًا أم مجرد

شعار مرفوع في خضمّ هذه الأحداث، هي في الواقع تكريس لرغبة الشعب في إبداء رأيه، وفي إرادة

التيارات السياسية المختلفة والمتناقضة غالبًا في التعبير عن وجودها لدى مختلف شرائح المجتمع

الجزائري، وفي ممارسة حرية التعبير والتجمع من دون خوف أو رقابة. وكانت الحرية المطلوبة أيضًا متاحة للتنديد بالضغوطات وأشكال التعذيب التي كان يمارسها النظام وأجهزته الأمنية. لأجل ذلك، اعتُبر وقف المسار الانتخابي – بغضّ النظر عن الظروف التي صاحبته والتبريرات التي اعتمدت من أجل تمريره – انتقاصًا للحرّيات الفردية والجماعية، وخاصة أن ذلك صاحبه توقيف آلاف

المناضلين والمتعاطفين مع الحزب الإسلامي المُنحل في ظروف أمنية قاسية. ولكنّه كان أيضًا في

نظر البعض إيقافًا لمسار كان يمثّل خطرًا على الحريات والديمقراطية في الجزائر بسبب تجاوزات

الإسلاميين، وسطوتهم على الوضع السياسي، كما ظهر ذلك في كثير من خطاباتهم وممارساتهم التي كانت تأخذ منحى إقصائيًا وتسلطيًا في عدد من المواقف، ولا سيما تجاه فئة النساء. ولأجل ذلك

كانت الجهة التي تمّ الإيعاز إليها من أجل الدفع بوقف المسار الانتخابي تسمي نفسها «اللجنة الوطنية

(((2 هذا ما يمكن استخلاصه من تبريرات بعض الفاعلين مثل خالد نزار (وزير الدفاع السابق وعضو المجلس الأعلى للدولة 1994–1992)، وعلي هارون (عضو المجلس الأعلى للدولة 1994–1992)، وخليدة تومي (معارضة سياسية ثم وزيرة للثقافة –2002 2014)، وآخرون ممن أيدوا وقف المسار الانتخابي.

لإنقاذ الجزائر». وقد حملت تناقضًا كبيرًا فيما يخص مفهوم الحرّية، فمن جهة نادت اللجنة بمنع

مواصلة الانتخابات، لأنّ الفائز فيها «معاد لمبادئ الديمقراطية والدستور»، ومن جهة أخرى تعتبر أن ذلك العمل هو في حد ذاته تعزيز للديمقراطية. إن وصف هذا الوضع الذي ميّز الجزائر بعد تجربة تعددية قصيرة، يدفعنا إلى مساءلة فكرة الحريات

الفردية والجماعية في سياق منعت فيه الدولة الحريات السياسية ودافعت عن قيم تخص الحقوق الفردية، بينما طالبت الحركات الإسلامية بالحرية السياسية وبحق الشعب في التعبير عن رأيه عبر صناديق الاقتراع، ولكن اعتمادًا على مرجعياتها، ونجدها في ذلك تعارض حرية المرأة ومساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات. ومن المفارقات التي ميزت التجربة التعددية في الجزائر أن مطلب الحريات، الذي كان باهظ الثمن، سرعان ما تحول إلى مشكلة بالنسبة إلى السلطة؛ بسبب سقف المطالب وتعددها ودرجة النقد السياسي، والاحتقان الأيديولوجي الذي جعل الممارسة التعددية في ظل الحرية التي يكفلها الدستور مشكلة في حد ذاتها. وكانت السنوات التي أعقبت وقف المسار الانتخابي وما ميزها من عنف ومن إضعاف لمؤسسات الدولة، بل من تهديد لاستقرار النظام في حد ذاته، مرادفة لتقليص الحريات الفردية والجماعية باسم منطق الدولة، الذي يقول إنّ المصلحة العامة والانسجام بين مؤسسات الدولة السياسية والإدارية والأمنية يقتضيان القبول بالواقع الجديد. وقد تجسّد ذلك في عدد من القوانين والإجراءات التي

اعتمدتها السلطات التي تسلمت زمام الحكم بعد كانون الثاني/ يناير 1992، كإقرار حالة الطوارئ والمحاكم الخاصة التي قللت كثيرًا من هامش الحريات الفردية والجماعية. في هذا السياق بدت حرية المرأة مهدّدة أكثر من أي وقت مضى، بسبب تزايد أشكال العنف السياسي ضد النشاط الحقوقي النسوي المقاوم للتوجهات الأيديولوجية الدينية التي بدت من خلال بعض المواقف مهددة للحريات الخاصة. وكان كثير من النساء ضحايا تلك الممارسات، وقضت آلاف النساء نحبهن من جرّاء ممارسات القتل والاغتصاب، وشاعت فوضى إعلامية ينسب فيها كل طرف

من القوى السياسية المتصارعة تلك الأعمال إلى الخصم. وفي الحقيقة لم تقدم الحكومة الجزائرية أي أرقام عن عدد ضحايا عنف الجماعات المسلحة، ولا عن عدد النساء اللواتي حملن من أفراد هذه الجماعات، ولكنهن بالآلاف بحسب تقرير المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة؛ ما اضطر المجلس الإسلامي الأعلى، أول مرة في تاريخ الجزائر، إلى السماح بممارستهن الإجهاض. وفي هذه الفترة الحرجة، ظهر كثير من الجمعيات، والمنظمات النسوية، معظمها من مناضلات اليسار

(21) Dalila Iamarene–Djerbal, "La violence islamiste contre les femmes," NAQD , vol. 1–2, no. 22–23 (Fall–Winter 2006), p. 105.

(((2 الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة، وأسبابه وعواقبه، ياكين إرتورك:

مؤشرات بشأن العنف ضد المرأة ورد فعل الدول إزاءه (نيويورك: 2008/1/29)، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/3gpiKEf (((2 تم تحديد الحالات التي يمارس فيه الإجهاض في قرار لوزير الصحة في نيسان/ أبريل.1999

مثل جمعية «رفض» و«جزائرنا»، سعت إلى الوقوف في وجه الجماعات المسلحة، ولكنها كانت أيضًا وسيلة في يد النظام من أجل حشد الدعم لمواقفه على المستويين الوطني والدولي، وخاصة في مواجهة التيار الذي دعا إلى الحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. وكان نضالهن موجهًا إلى تقديم

الدعم للنساء ضحايا الإرهاب وتحسيس السلطات بضرورة سنّ نظام خاص يضمن لهن حقوقهن. وهكذا طغى في هذه الفترة هاجس الأمن ومحاربة الإرهاب، والحفاظ على استقرار الدولة ومؤسساتها على حساب الحقوق والحريات الفردية المؤسسة. وأمام هذا الوضع المتأزم جدًا، الذي وجهت إليه المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان انتقادات واسعة، بدأت السلطة السياسية في إعادة تنظيم الحياة السياسية من خلال الإقرار بالعودة إلى المسار الانتخابي، ولكن وفق الشروط التي حدّدتها السلطة نفسها. واستمرت رغبة النظام في تحييد الإرادة الفعلية للشعب، ومصادرة الآراء من خلال التضييق على العملية الانتخابية وتوجيهها الوجهة التي يريدها، في مقابل الإعلان عن جملة من الإصلاحات المتعلقة بالحريات السياسية. وقد شملت هذه الإصلاحات بالأساس إعادة النظر في سلسلة من القوانين والنصوص التشريعية المنظمة للتعددية وللحياة السياسية، التي سبقها تعديل الدستور في عام.1996 كان هذا التوجه تجسيدًا لمفهوم الديمقراطية من منظور إجرائي أدنى Minimaliste، يضمن حرية المواطنين في الإدلاء بأصواتهم في إطار تعددي، لكن ذلك لم يتجسد إلا في النواحي الشكلية، إذ سرعان ما أثبتت نتائج الانتخابات التشريعية لعام 1997 أن العملية الانتخابية لم تكن لتحترم حرية الناخبين الذين زورت إرادتهم كما أثبت ذلك الكثير من الشهادات.

ثالثًا: مسألة الحريات والمطالب النسوية

قد يبدو مفاجئًا القول إن المطالب النسوية في الجزائر كانت قد ظهرت على نحو أكثر حدّة من المطالب

الأخرى التي نادى بها الجزائريون بعد الاستقلال. وكان تبرير مطلب حرية المرأة ومساواتها مع الرجل هو نفسه منذ سنوات طويلة، وقد تجسّد في فكرة مؤداها أن مشاركة المرأة مع الرجل في حرب التحرير

الوطنية منذ ثورة 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954 كفيل بإعطائها الحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجال، وذلك ضمن المنظومة القانونية الدستورية المعمول بها في الجزائر. وإن كان الدستور الجزائري قد كفل منذ الاستقلال مبدأ المساواة بين المواطنين، ولم يضع أي تمييز بين الجنسين، فإن الواقع أثبت أن النساء أصبحن موضع تمييز وهجوم من جانب بعض التيارات الدينية والمحافظة، وتهميش وإقصاء من جانب النظام كما تجسد ذلك في ضعف حضورهن في المؤسسات التي تدير الشأن العام.

(((2 عدة جمعيات كانت مقربة من النظام، وتم استغلالها في بعض الأحيان بوصفها أذرعًا إعلامية وسياسية لمواجهة الانتقادات

الموجهة من جمعيات دولية إلى الحكومة الجزائرية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

(25) Ahmed Rouadjia, "La lutte des femmes laïques en Algérie," Confluences Méditerranée , vol. 4, no. 59 (Automne 2006), pp. 125–132.

((2(ينظر مثلً شهادة والي وهران وعنابة السابق: بشير فريك،؟ (الجزائر: الشروق للإعلام والنشر الولاة في الجزائر: في خدمة من،

لقد تركزت المطالبة النسوية، معززة بتأييد عدد من القوى السياسية ذات التوجه اليساري أساسًا، على

تعديل قانون الأسرة الصادر في عام 1984. ويعتبر هذا القانون المنظمَ للعلاقة الأسرية من خلال

تحديد شروط الزواج والطلاق وحضانة الأطفال والميراث... إلخ، وهو يستمد معظم أصوله من تعاليم الشريعة الإسلامية، و«المبادئ والقيم الاجتماعية والأخلاقية والدينية، وكذا الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع، الاقتصادية والسياسية فيه» من دون التقيد بمذهب معين، رغم أن المالكية هي المذهب الغالب في الجزائر. وجاء في المادة 222 من هذا القانون أن «كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية.» وأثار ظهوره اهتمامًا شعبيًا، نظرًا إلى المواقف المتباينة بين مؤيد ومعارض له. ويعكس تبنّي

هذا القانون التجاذبات السياسية والأيديولوجية داخل النظام الحاكم وحزب جبهة التحرير الوطني (محافظون وليبراليون)، بحيث كان النظام يبحث عن توافقات من أجل تمريره إلى البرلمان. وقد استغرق صدور القانون 22 عامًا (1984–1962)، إذ ظهرت خلال تلك الفترة عدة مسودات من مشروع

القانون كانت تلاقي معارضةَ عدد من الجمعيات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، بسبب فرض الولي في إبرام عقود الزواج وإباحة تعدد الزوجات وتقييض حضانة الأطفال للأمهات بعد الطلاق... إلخ، وقامت تلك الجمعيات بعدة نشاطات وتجمعات من أجل العمل على منع هذا القانون. وقد كانت مسألة الحريات الفردية للمرأة في صلب هذه المطالب التي تنادي برفض القانون، وكانت فكرة المساواة حاضرة بقوة في صياغتها، كما نلاحظ ذلك في مرجعيات أدبيات في الحركات النسوية التي أكدت حق النساء في التنقل وإبرام عقود الزواج وولوج عالم الشغل من دون تمييز. وقد مثلت القوانين الدولية نقطة الارتكاز في النضال النسوي، ولا سيما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الموقّعَين في عام 1966. لكن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» CEDAW الموقعة في عام 1981، التي وافقت عليها الجزائر مع عديد التحفظات في عام 1996، هي السند الرئيس في المطالب النسوية. وعلى الرغم من توجيهات الرئيس إلى الحكومة من أجل رفع هذه التحفظات، فإن ذلك لم يحصل بسبب

(((2 محمد بوطرفاس، «الأسرة الجزائرية بين القانون والعرف»، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 33 (حزيران/ يونيو 2010)، ص.263–255 (((2 عبد القادر بن حرز الله، الخ صة في أحكام الزواج والط قاا في الفقه الإس مااي وقانون الأسرة الجزائري (الجزائر: دار الخلدونية للنشر والتوزيع،.)2007 (((2 ينظر: محمد الأمين لوعيل، المركز القانوني للمرأة في قانون الأسرة الجزائري (الجزائر: دار هومة للطباعة والنشر، 2004)؛

كريمة بولخراص، «تعدي ت قانون الأسرة الجزائري بين مقاصد المشرع ومقاصد الشرع»، مجلة الحضارة الإس، مااية مج 13، العدد 16 (أيار/ مايو 2012)، ص.192–171 (((3 تمثل ذلك في رسالة الرئيس بوتفليقة في 8 آذار/ مارس 2016 بمناسبة عيد المرأة «كلمتي لن تكون إلا دعوة قوية صريحة للهيئات المؤهلة من أجل إعادة النظر في تحفظات الجزائر على بعض مواد الاتفاقيات الدولية لمحاربة كل أشكال التمييز ضد المرأة، بما يتناسب والمكتسبات التي حققناها في مجال ترقيتها وحمايتها، وذلك كله في كنف احترام مراجعنا السمحة. كما نعتز بمساهمة ب داانا في خطة العمل التنفيذية حول ‘المرأة والأمن والس ماا’، في إطار جامعة الدول العربية بالتعاون مع هيئة الأمم

المتحدة». ينظر: «وثيقة/ رسالة الرئيس بوتفليقة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة»، الجزائر اليوم، 2016/3/8، شوهد في

2020/8/18، في: https://bit.ly/31bnEk9

مقاومة التيارات المحافظة والإسلامية التي لها موقفها من هذه الاتفاقية، معتبرة أنها من صناعة غربية، وترمي إلى فرض الهيمنة على الدول ثقافيًا. وهذا ما يتجلى في مختلف المواقف الرسمية للأحزاب

والجمعيات الإسلامية. وجدير بالإشارة إلى أن الاتفاقيات الدولية المصدّقة تسمو على القوانين الوطنية، ولأجل ذلك استغلت الجمعيات النسوية هذا المبدأ في حملتها الدفاعية عن الحقوق والحريات، وفي مقدمتها تغيير قانون الأسرة الجزائري لعام.1984 كانت الفترة التي أعقبت تشرين الأول/ أكتوبر 1988 الأكثر خصوبة في النشاط الجمعوي، واهتمامًا بقانون الأسرة الجزائري بين مطالب بإلغائه نهائيًا وداعٍ إلى تعديله مع الأخذ في الحسبان

النقائص المسجلة في المسائل التي تخص حقوق المرأة مثل إبرام عقود الزواج وحضانة الأطفال والخلع... إلخ. وفي الفترة التي أعقبت عام 1990، انصبّ اهتمام هذه الجميعات على حرية المرأة

من حيث التهديد الذي تعرضت له؛ بسبب تزايد حدّة الخطاب الذي كانت تمثله السلفية الجهادية التي كانت تنتقص من مطالب الجمعيات النسوية. وكان من الطبيعي، إذًا، أن تتقلص مطالب الحريات في فترة ساد فيها العنف والفوضى، وباتت مؤسسات الدولة مهدّدة في استقرارها، بل كادت الدولة الجزائرية تتهاوى. وكانت التحديات التي تواجهها النساء الجزائريات ذات تأثير مباشر في كيان الجمعيات النسوية، وفي التوجهات التي وجب اتباعها، بحيث أصبحت محل استقطاب سياسي يعكس الصراع الأيديولوجي السائد والخلاف الذي طغى بشأن التعامل مع الأزمة السياسية في الجزائر. ومن ثمّ أمكننا تصنيف التيار النسوي بين «استئصالي» لا يرى تحقيق مطلب الحريات إلا بإنهاء التيار الإسلامي وإحداث القطيعة مع دعاته وممثليه، وتيار يدعو إلى «المصالحة» مركّزًا على ضرورة إنهاء الأزمة بتحقيق التوافق السياسي الذي يعد بمنزلة الأولوية من أجل العودة إلى مسار الديمقراطية. وبعد عودة الاستقرار إلى مؤسسات الدولة، عقب إقرار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية رسميًا في

شباط/ فبراير 2006 من جانب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقبل ذلك مع قانون الوئام المدني في 13 تموز/ يوليو 1999، كان سؤال الحريات بقوة في المطالب النسوية تؤيده التنظيمات السياسية ذاتها التي كانت تنشط من قبل، وإن تغيرت التسميات مثل «التجمع النسائي المستقل» و«الجمعية من أجل المساواة أمام القانون» (غير المعتمدة). ولكن الجديد في هذا هو بروز خطاب يتبنّى هذه المطالب على المستوى الرسمي، بل بدأ يعطيها مشروعية لم تحصل عليها من قبل.

((3(ينظر مثلً: «‘حمس’ تدعو بوتفليقة إلى عدم رفع التحفظ على الاتفاقية الدولية ‘سيداو »’، الحوار، 2016/3/16، شوهد في 2020/8/17، في: https://bit.ly/2Y9OoQ6؛ بلقاسم حوام [وآخرون]، «الجزائر تستسلم للضغوط الأوروبية في تعديلات قانون

الأسرة»!، الشروق، 2016/3/14، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/345GR8C (((3 ينظر في هذا الموضوع:

Remaoun, pp. 129–143.

منذ مجيء الرئيس بوتفليقة إلى الحكم في نيسان/ أبريل 1999، بدأت بوادر الاهتمام بالشأن النسوي تزداد في الخطابات السياسية، وتجسّدت ميدانيًا في عدد من القوانين التي تبنتها الحكومة. وفي هذا

السياق، دعت حركة 20« سنة بركات» التي قادها عدد من الجمعيات النسوية مثل «لالة فاطمة نسومر» و«جمعية الدفاع عن حقوق المرأة وترقيتها»، الرامية إلى تحسيس الرأي العام والسلطات الجزائرية بضرورة إلغاء قانون الأسرة وإقرار مبدأ المساواة، وتجسيد حرية المرأة فعليًا في كل قوانين

الدولة كما يقتضي بذلك الدستور. وفي رسالتها إلى الرئيس (وهو في عهدته الثانية) ذكّرت الجمعيات بمطلب النساء في تحقيق الحرّية، كما ذكّرت الرئيس بالالتزام الذي أبداه أمام الأمة في الخطاب الموجه

بمناسبة إعادة انتخابه رئيسًا للجمهورية، معتبرًا أنّه «لا يمكن القبول بأن تكون المرأة الجزائرية خاضعة

لقانون ينال من حقوقها ويفرض عليها وضعية دون وضعية الرجل». وفي خضم هذه التفاعلات السياسية التي أعقبت وصول الرئيس بوتفليقة إلى الحكم، اتجه عدد من الجمعيات الوطنية، مثل شبكة وسيلة، والجمعية الوطنية لترقية وحماية المرأة والشباب، والجمعية النسوية لازدهار الفرد وممارسة المواطنة؛ والأحزاب السياسية مثل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والحركة الديمقراطية والاجتماعية، وجبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال، إلى تجديد مطالبها المتمثلة أساسًا في تغيير قانون الأسرة. بدا الاتجاه الغالب يطالب بتعديل القانون،

وبذلك كان الاعتدال في المطلب بالنسبة إلى النظام السياسي فرصة لتقديم التعديل المنتظر ضمن منظومة الإصلاح السياسي التي تبناها، بحيث تبع ذلك عدد من التشريعات الجديدة التي أعطت المرأة الجزائرية مزيدًا من الحقوق، تمثلت في تعديل قانون الأسرة الجزائرية، وقانون الجنسية في 2005، وإصدار قانون توسيع حظوظ تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة في 2012، واستحداث صندوق خاص بالنفقة للنساء الحاضنات لأطفال قُصّر، وتعديل قانون العقوبات من أجل تشديد الجزاءات ضد حالات العنف الممارس ضد المرأة في.2015

رابعًا: قانون الأسرة الجديد (2005): الحقوق أولا، الحرّيات ثانيًا

مثّل تصديق التعديل على قانون الأسرة الجزائري في عام 2005 تجسيدًا لمسار طويل من النضال النسوي من أجل حقوق المرأة وتحقيق المساواة بين الجنسين، وذلك على الرغم من أنّه لم ينل رضا عدد من الجمعيات التي اعتبرتُه ناقصًا ولا يلبي كل المطالب. أما بالنسبة إلى النظام الجزائري، فقد تبنّى هذا القانون بموجب أمر رئاسي (أي بموافقة البرلمان، ولكن من دون فتح نقاش بشأن مضمونه أو تقديم تعديل بعض مواده)، وهو ما يعبّر عن تخوف النظام من فتح نقاشات عامة حول أمور مصيرية.

(((3 نسبة إلى مرور 20 سنة على قانون الأسرة الجزائري. (((3 رسالة إلى الرئيس، في:

Collectif 20 ans barakat, accessed on 17/8/2020, at: https://bit.ly/3g7kge9

(((3 ينظر في هذا الشأن:

Lalami.

وإلى حد ما، يمثل هذا القانون خطوة نحو تجسيد مبادئ المساواة والمواطنة والإنصاف التي يضمنها الدستور بين جميع المواطنين. لم يكن مبدأ حرّية المرأة وازعًا في تعديل هذا القانون بالنسبة إلى الحكومة الجزائرية؛ لأن ذلك من

شأنه أن يطرح قضايا سياسية واجتماعية أكثر حدّة من القانون نفسه، وتتجاوز مسألة وضعية المرأة وحقوقها ومكانتها. ولذلك فإن النظام الجزائري لم يخُض في مسألة المرأة من منظومة الحريات، واكتفى بجعلها قضية تتعلّق بالإنصاف. وكانت التبريرات التي قدّمتها الحكومة الجزائرية أمام البرلمان ترتكز على توجهات الرئيس وبرنامجه والتزاماته من أجل إعطاء المرأة الجزائرية مكانتها. وقد بدا واضحًا، خلال النقاش الذي ميّز التحضير لهذا القانون وعرضه على البرلمان من أجل

تصديقه، أن التوجّه العام كان يركّز على الجوانب القانونية أكثر من السياسية، كما كان الدين في صميم هذا النقاش، وكان كلا الطرفين (من المؤيّدين لتعديل القانون من مناضلي الدفاع عن حقوق المرأة والحريات الفردية والجماعية، والمعارضين لتعديله لأنه مستمد من الشريعة الإسلامية ونابع من القيم الاجتماعية والثقافية للجزائريين) يسعى إلى تبرئة الدين من كل إجحاف يخص حقوق المرأة. أما التيار السياسي الإسلامي، ممثلً خاصة في حركة مجتمع السلم (حمس) وحركة البناء الوطني وحركة الإصلاح الوطني، فقد عبّر عن مواقفه من القانون في كثير من البيانات، ومن خلال تدخلات مسؤوليه

في ندوات وتجمعات أقيمت في مناسبات عديدة. وكانت مواقفهم تنظر بكثير من الريبة إلى هذا التعديل الذي اعتبروه ميلً إلى التغريب، بل إلى التخلّي عن مبادئ الإسلام وقيم الأسرة الجزائرية، ورضوخًا للإملاءات الأجنبية والمنظمات الدولية غير الحكومية، وهي المواقف نفسها تقريبًا التي

عبّروا عنها خلال مناقشة القوانين الأخرى، كما سنبين ذلك لاحقًا. إلى جانب ذلك، عبرت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (غير الحكومية) عن امتعاضها من هذا القانون، وقد هاجمته في صحيفتها البصائر، وتهجّم رئيسها عبد الرزاق قسوم على الناشطات في الحركة النسوية على نحو عنيف، مطالبًا رئيس الجمهورية بالعدول عن التعديل. والمتمعّن في القانون الجديد يلاحظ أن حرية المرأة هنا ارتكزت على مسألة عقد القران والطلاق، بحيث أعطاها المشروع حرية كاملة في شأن الزواج، ولم يعد وجود الولي يحظى بالمكانة نفسها، إذ لم يعد الولي في القانون الجديد إلا مجرّد شاهد ليس له سلطة على المرأة، بل أصبح للمرأة

(((3 ينظر: «قانون الأسرة والعقوبات يدخلان حلبة المزايدة السياسية»، الحوار، 2015/3/18، شوهد في 2020/8/17، في:

https://bit.ly/3aw9ooQ

(((3 على سبيل المثال نذكر بعض ما ورد في مقالة لرئيس الجمعية عبد الرزاق قسوم: «لقد خرج من نسلنا، داعيات يكفرن بالعشير، ويطالبن بحرية السرير، تحت غطاء الدفاع عن شخصية المرأة، وحرية المصير. فتحتَ هذه الشعارات البراقة، ومثلها الدفاع عن

الأنوثة، وغض الطرف عن آفة الديوثة، ترفع الجمعيات النسوية المتحررة من كل القيم، شعار إسقاط الولي الشرعي، وإثبات اللقيط الدعيّ، بزعم الاكتراث بحق الإناث». ينظر: عبد الرزاق قسوم، «النُّصرة.. لإنقاذ الأسرة»، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين،

2016/3/23، شوهد في 2020/7/17، في: https://bit.ly/32eSKXp

الحرية أيضًا في اختيار الولي إذا تعذر على والدها الحضور لسبب أو لآخر. وكما لاحظ بعض المختصين في هذا الشأن، فإن ذلك لا يعني إطلاقًا أن المشروع قد تحرر من الأخذ برأي الدين، بل إن المشرع أخذ بموقف آخر وهو المذهب الحنفي، ومن ثمّ فإن الاتجاه الذي سلكه المشرع

الجزائري هو التوفيق بين الدّاعين إلى إلغاء شرط الوليّ، والمتمسكين به لاعتبارات دينية واجتماعية

وثقافية. ويعبر هذا الموقف أيضًا عن أن «المشرع وجد نفسه في معالجة قضية حقوق المرأة بين جهتين ضاغطتين هما لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وأصالة المجتمع الجزائري المُحافظ». هكذا ظهرت مسألة حق المرأة في تزويج نفسها بنفسها وكأنها جوهر المطالب النسوية المتعلق بحقوق المرأة، وهو ما أفقد مسألة المطالب جوهرها. وبذلك نجح النظام في تجاوز هذا الوضعية التي استمرت أكثر من 20 سنة بدت فيها حقوق المرأة كأنها شوكة في حلق النظام، خاصة بسبب تقارير هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان التي ما انفكت تطالب السلطات الجزائرية بإعادة النظر في هذا القانون. وفي الفترة نفسها، أقرت الحكومة الجزائرية قانونًا جديدًا، منحت من خلاله أبناء المرأة الجزائرية الحق في الحصول على الجنسية الجزائرية، حتى إن كانوا من آباء غير جزائريين أو مجهولين أو فاقدي الجنسية. ومثّل هذا القانون خطوة مهمة على مسار تكريس الحقوق والحريات، الذي كان واحدًا من التحفظات الجزائرية بشأن اتفاقية «سيداو.» وفي كلا القانونين (قانون الأسرة، وقانون الجنسية)، دأبت الحكومة الجزائرية على تأكيد أن ذلك لا يتعارض مع الدّين، وأن الإسلام مكوّن للمشروع الوطني. ويمكن الاستخلاص أيضًا أن حرّية المرأة

لم تكن في جوهر التعديلات، بل سرعان ما تحوّل النقاش الدائر خلال تلك الفترة إلى حديث عن

(((3 تنص المادة 11 من قانون الأسرة المعدل: «تعقد المرأة الراشدة زواجها بحضور وليها، وهو أبوها أو أحد أقاربها أو أي شخص آخر تختاره»، ينظر: «أمر رقم 02–05 مؤرخ في 18 محرم عام 1426 الموافق 27 فبراير سنة 2005، يعدل ويتمم القانون رقم

11–84 المؤرخ في 9 رمضان عام 1404 الموافق 9 يونيو سنة 1984 والمتضمن قانون الأسرة»، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 2005/2/27، ص 18، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/3lbPMvl لمزيد من التفاصيل حول هذه التعديلات، ينظر:

Nahas M. Mahieddin, "L’évolution du droit de la famille en Algérie: Nouveautés et modifications apportées par la loi du 4 mai 2005 au code Algérien de la famille du 9 Juin 1984," L’Année du Maghreb , vol. II (2005–2006), pp. 97–137.

(((3 ينظر: لوعيل؛

Nahas; Lalami.

(((4 هي لجنة للأمم المتحدة مكلفة بمتابعة تطبيق الجزائر للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، صدّقتها الجزائر مع العديد

من التحفظات بشأن المواد التي اعتبرتها متناقضة مع الدستور والقوانين الجزائرية، لا سيما ما اعتبر متنافيًا مع الإسلام، «دين الدولة»

وفق المادة الثانية من الدستور الجزائري. ((4(أعمر يحياوي، «الإجراءات الإيجابية: أي حل لمعالجة ال مااساواة الفعلية بين الرجل والمرأة »، المجلة الجزائرية للعلوم

القانونية والاقتصادية والسياسية، العدد 1 (2008)، ص.206–205 (((4 «أمر رقم 01–05 مؤرخ في 18 محرم عام 1426 الموافق 27 فبراير سنة 2005، يعدل ويتمم الأمر رقم 86–70 المؤرخ في

17 شوال عام 1390 الموافق 15 ديسمبر 1970 والمتضمن قانون الجنسية الجزائرية»، الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية، 2005/2/27، ص 15، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/3lbPMvl

دور الدّين والمؤسسات والأعراف في الحدّ من التمييز بين الجنسين، واستمرّ الأمر كذلك مع القوانين

الأخرى التي تبنّتها الحكومة الجزائرية بعد أحداث «الربيع العربي.»

خامسًا: المرأة الجزائرية بعد عام 2011: «استثناء» الإصلاح؟

في الوقت الذي هبّت فيه كثير من الشعوب العربية نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 منادية بتغيير

النظم السياسية السائدة وإقرار الحريات والعدالة الاجتماعية، كانت الاضطرابات في الجزائر محدودة. وهو ما سُمي «الاستثناء الجزائري» Algérienne Exception، وقد كان ذلك في الواقع تعبيرًا عن

وضعية سياسية واجتماعية واقتصادية خاصة بالجزائر، وجد فيها مواطنوها أنفسهم في حيرة من أمرهم؛ فبعد نحو 10 سنوات من العنف والتخريب الذي مسّ العديد من المؤسسات، ساد شعور بأن الحراك

الاجتماعي والسياسي من شأنه أن يعيد إلى الأذهان هذه الذكريات السيئة، إضافة إلى أنّ استعمال السلطات الجزائرية للريع النفطي، ولا سيما في توزيع السكنات الاجتماعية وعقود العمل، كان غير محفّز للمواطنين من أجل التظاهر. وبشأن مطلب الحريات التي بادرت إليها مجموعة محدودة من التنظيمات السياسية والنقابية بمشاركة عدد من النساء، منهن قيادات في جمعية «لالة فاطمة نسومر»، ضمن التنسيقية الوطنية للتغيير والديمقراطية، سارعت الحكومة الجزائرية، بواسطة حشد إعلامي (حكومي وخاص)، إلى إبراز هذه المطالب على أنها مؤامرة ضد الجزائر وتدخّل خارجي في شؤونها.

وفي الوقت ذاته، كان الخطاب الرسمي الذي تبنّى مطلب الحريات يضعها في سياق عام س مته

الإصلاح وإقرار السلم والتنويه بالإنجازات الحاصلة. وفي مقابل ذلك، استطاع النظام السياسي ضمن منطق «الزبائنية» حشد تأييد واسع من بعض الناشطات والجمعيات النسوية من أجل التمكين للرئيس بوتفليقة، والنظام السياسي الذي يمثله، كي يستمر في الحكم. ومن مظاهر استغلال النظام هذه المواقف ما ورد في خطاب الرئيس بوتفليقة الموجّه إلى الأمة في

15 نيسان/ أبريل 2011، الذي ذكر فيه مسألة الحرية 6 مرّات، معتبرًا أنها مجسّدة في الواقع من خلال

التعددية السياسية والإعلام المتنوع، وأنها ستتعزز في ضوء الإصلاحات التي وعد بها في الخطاب ذاته. وكانت الإصلاحات الموعودة تتجه أيضًا إلى فئة النساء، بحيث كانت دعوة الرئيس موجّهة إلى

الحكومة من أجل التعجيل بتبنّي القانون العضوي الخاص بتوسيع تمثيل المرأة في المجالس المنتخبة

(الذي تأخر صدوره مدة 4 سنوات من سنة 2008 إلى.)2012

(((4 ينظر في هذا الشأن: ناصر جابي، لماذا تأخر الربيع الجزائري؟ (الجزائر: منشورات الشهاب،.)2012 (((4 تنظيم أنشئ في كانون الثاني/ يناير 2011 يضم عددًا من الأحزاب المعارضة والجمعيات الناشطة في مجال حقوق الإنسان،

بهدف الضغط على النظام من أجل تحقيق التغيير السياسي ورفع حالة الطوارئ. وبسبب خلافات عديدة بين أعضاء هذا التنظيم انسحب بعض الفاعلين فيه من أجل تشكيل تكتلات سياسية أخرى. ((4(هذا ما يمكن استخ صه من تصريحات الرئيس بوتفليقة، خاصة في مناسبات عيد المرأة، وكذلك تصريحات الحكومة والمسؤولين الجزائريين. (((4 عدد كبير من النساء اللواتي كن ناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة تقلدن عدة مناصب سامية في الدولة مثل السيدة خليدة تومي مسعودي، التي كانت أيضًا من إطارات التجمع الوطني للثقافة والديمقراطية التي تقلدت حقيبة وزيرة الثقافة في عهد الرئيس بوتفليقة في الفترة 2014–2002. كما عمل النظام على توزيع عدد من المناصب على هؤلاء النساء في مجلس الأمة (ضمن مقاعد الثلث الرئاسي) وفي هيئات حقوقية رسمية مثل المجلس الأعلى لحقوق الإنسان.

وفي نهاية عام 2011، شرع البرلمان في مناقشة هذا المشروع الحكومي الذي اقترح تخصيص حصص (كوتة) انتخابية للنساء في المجالس المنتخبة المحلية، وفي المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى في البرلمان). ورغم حصول الحكومة على العدد الكافي من الأصوات داخل البرلمان من أجل تمرير هذا القانون، فإن النقاش كان بالغ الحدّة، ولم يعرف البرلمان الجزائري مثل ذلك الجدل السياسي في مناقشة مشروع هذا القانون. استعمل المؤيّدون والمعارضون للقانون

الدين، واتفق الجميع على أنه لا يعارض مشاركة المرأة في السياسة، لكن بعض القوى المحافظة المنتمية إلى التيار الإسلامي، ممثلة خاصة في حركة مجتمع السلم وحركة الإصلاح الوطني، إضافة إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حرصت على إبداء معارضتها لما اعتبرته إملاءات أجنبية وأجندة مشبوهة. وافق البرلمان على هذا القانون ضمن ما سمي مسار الإصلاح الذي رسمه الرئيس بوتفليقة في خطابه المذكور. وقد سار هذا المنحى إلى تأكيد إشراك المرأة الجزائرية في الحياة السياسية والحياة العامة، تجسيدًا لمبدأ المساواة بين الجنسين والتكفل بمطالبها بهذا الشأن. لم يتوقف الاهتمام بالمشاركة النسوية على أساس هذا القانون، بل سعى النظام إلى إقرار مواد جديدة في الدستور المعدل في عام 2016 تقضي بتفعيل وجود النساء في الحياة العامة، وهو ما يمثل في خطاب الرئيس «نقلة أخرى في ترقية مكانتها على صعيد الشغل وتقلد المسؤوليات»، وأن الدستور الجديد «يوفر للجميع، سلطة ومعارضة، نساءً ورجالً، أرضية صلبة لمشروع حكامة في ظل دولة الحق

والقانون». وفي هذا الشأن أكد الرئيس أن «الدين لا يتعارض مع التشريعات الجديدة». كان هذا الخطاب موجّهًا إلى تيارين متعارضين بشأن الموقف من حقوق المرأة: الأول يعتبر الدين (أو

استعمال الدين) سببًا في تكريس التمييز بين الجنسين والإنقاص من حرية المرأة، والثاني يدافع عن

المرأة باسم الدين، ولكنه يضع لذلك حدودًا تقف عند القيم الاجتماعية والثقافية للمجتمع الجزائري. والمتابع للنقاش البرلماني خلال تلك الفترة يلاحظ أن المرجعية الدينية، المتمثلة في المبادئ العامة التي تحكم المجتمع من وجهة نظر العلماء والفقهاء، قد أصبحت أكثر حضورًا لدى الحكومة والبرلمان

وبعض وسائل الإعلام، إضافة إلى المؤسسة الدينية التي تمثلها الوزارة المعنية بذلك، وكذلك المجلس الإسلامي الأعلى التابع لرئاسة الجمهورية.

(47) Benzenine.

((4(بالنسبة إلى حركة مجتمع السلم مثلً: «هذا القانون هو وليد إملاءات جهات خارجية، ونتاج ضغط من نساء الصالونات في

الجزائر»، الشرق الأوسط،.2004/8/26 (((4 بالنسبة إلى رئيس حركة الإصلاح الوطني هناك 16 تحفظًا يعتبرها تعارض الشريعة الإسلامية في نصوصها الصريحة المتفق

عليها. ينظر: أحمد روابة، «حركة الإصلاح الجزائرية ترفض تعديل قانون الأسرة»، الجزيرة نت، 2014/10/4، شوهد في 2020/8/18،

في: https://bit.ly/3g2wYux

(((5 «الرئيس بوتفليقة: الدستور حقق نقلة نوعية للمرأة، نقلا عن جريدة الحوار»، موقع الحوار، 2016/3/8، شوهد في 2020/9/24،

في: 2 RVdcb /2 ly. bit:// https

((5(لمعرفة أوسع بحيثيات النقاش البرلماني من خ لاا تدخ ت النواب والنائبات من مؤيدي المشروع ومعارضيه، يمكن

الاطلاع على الجريدة الرسمية للجلسات، الأعداد 161، 162، 163، آذار/ مارس 2015، شوهد في 2020/8/18، في:

https://bit.ly/2YcnWFw

ولئن تميّزت الجزائر من دول أخرى مثل مصر بغياب مؤسسة دينية رسمية مثل الأزهر تحظى إلى حد

بعيد بالتأثير والاحترام لدى الأوساط الحكومة والشعبية، تلجأ إليها الحكومات أحيانًا لتمرير قوانينها، فإن ذلك لم يمنع الحكومة الجزائرية من استعمال الدين لتبرير مواقفها على نحو مباشر أثناء تقديم تلك القوانين إلى البرلمان. كان تعديل قانون العقوبات في عام 2015، من أجل تشديد الجزاء ضد كل أشكال ممارسة العنف في حق المرأة، فرصةً أخرى أكدت فيها الأحزاب الإسلامية والمحافظة رفضها الطريقة التي تتعامل بها السلطة مع قضية المرأة، بحيث رأت في ذلك نهجًا لا يتوافق مع فكرة الحرية التي أقرها الإسلام، والتي

تقضي بحسب رأيهم بضرورة احترام العلاقات الزوجية القائمة على قوامة الرجل، وعلى تقييد حرية المرأة بما يتفق والأعراف السائدة داخل الأسرة والمجتمع. وللتذكير فخلال هذه العهدة الانتخابية (2017–2012)، كانت الأحزاب الإسلامية، ممثلة في حركة مجتمع السلم ثالث تنظيم سياسي من حيث التمثيل في البرلمان وتحالف العدالة والنهضة والبناء، تسعى، في مداخلات النواب خلال المناقشات العامة لقانون العقوبات، إلى التأثير في الرأي العام الوطني. وقد اعترفت وزيرة التضامن الوطني والأسرة وقضايا المرأة آنذاك، مونية مسلم، بأن قانون العقوبات واجه «اعتراضات» من بعض الأحزاب الإسلامية التي «ومع الأسف» يلقى خطابها الديني صدى قويًا على مستوى البرلمان. واعتبرت حركة مجتمع السلم مثلً أن قانون العقوبات «مصادمة واضحة لآية قرآنية قطعية الثبوت وقطعية الدلالة ‘الرجال قوامون على النساء’». وبقلم رئيس الحزب، فإن الاجتهاد لا يمكن أن يكون تحت «ضغط الساسة والسياسة»، و«لا يكون بإملاءات قوى أجنبية وضغوطات أطراف داخلية وخارجية لا يهمها أمر الإسلام في شيء». وفي مثل هذا الموقف تعيد القوى الإسلامية التذكير بالمادة الثانية من الدستور التي تعتبر أن «الاسلام هو دين الدولة» لكي تؤكد رفضها «المشروع» وأي قانون أو معاهدة دولية مثل (اتفاقية بكين لحقوق المرأة واتفاقية كوبنهاغن) لا تتفق بحسبها مع تعاليم الدين الإسلامي. واعتبر عبد الله جاب الله رئيس جبهة العدالة والتنمية، ثاني حزب إسلامي من حيث التمثيل البرلماني، أن القانون الذي يحمي المرأة من التحرش وكل أشكال العنف، حتى لو كان من جانب زوجها، هو تكريس «للتوجّه العلماني للنظام الذي يحاول فسخ هوية المجتمع الجزائري»، وأنه قانون «سنّته زبالة

نساء العالم وزعيمات الفجور».

(((5 بالنسبة إلى حركة مجتمع السلم، وعلى لسان النائبة في البرلمان نورة خربوش فإن السلطة «مارست كل أنواع التحايل والت عااب لتمرير إم ءااات أجنبية في شكل تشريعات قانونية، تحت طائل مناهضة العنف ضد المرأة، وخاصة ما تعلق بالعنف الأسري المرتبط بالخلافات الزوجية والعلاقات الأسرية، التي تكون المرأة فيها ضحية». ينظر: نورة خربوش، «قانون العقوبات... عبثية السلطة»، موقع حركة مجتمع السلم، 2015/12/18، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/3kPiu53 (((5 «قانون الأسرة سيشهد تعديلات»، الخبر، 25/11/2015، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/34sPier (((5 عبد الرزاق مقري، «لماذا عارضنا قانون العقوبات المتعلق بمسألة العنف ضد المرأة؟»، موقع حركة مجتمع السلم، 2015/3/9، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/2Y9qTqk (((5 عبد الله ندور، «جاب الله: قانون العقوبات سنته ‘زبالة نساء العالم وزعيمات الفجور»’، جزايرس، 2015/4/3، شوهد في

2020/8/18، في: https://bit.ly/314NtC8

واعتبر نائب من الحزب نفسه أن الأمر بات يتطلب سنّ قانون «يمنع التعرّي والتبرج للنساء في الأماكن

العمومية لأنه السبب الأول للتحرّش بهن». ورأى نائب مستقل أن هذا القانون يُقيد حرية الرجل ويساهم

في انتشار العلاقات خارج الزواج. يظهر جليًّا في ردود الأفعال هذه أن مسألة حرّية المرأة وضمان حقوقها وحمايتها من كل أشكال

العنف لا يمكن تناولها في نظر التيارات الإسلامية والمحافظة إلا في إطار المرجعية الثقافية والدينية والاجتماعية التي تدافع عنها، وهي المرجعية ذاتها التي تعبّر عن الأيديولوجيا الإسلامية. وقد نحا

النظام الجزائري في معالجة هذه المسألة من خلال التوفيق بين الآراء المتضاربة، ومن ثمّ كان الاتجاه

السائد هو معالجة مسألة الحريات من حيث هي مبدأ دستوري، وفق ما تقتضيه الحقوق المعترف بها للرجال والنساء على حدّ سواء. إن تناول حقوق المرأة ضمن منظومة قانونية ترمي إلى تحقيق إصلاحات سياسية على النحو الذي ارتأته السلطة لم يفصل في قضية الحريات الفردية بالنسبة إلى المرأة، حتى إن بدا في الظاهر أنه أولاها عناية خاصة. ويكشف واقع الأمر أن حرية المرأة بقيت حتى في خطاب السلطة نفسها مقيدة بالأطر التشريعية التي وضعتها بالتوافق غير المعلن مع التيارات الدينية المؤثرة في المجتمع، وكذلك الأحزاب السياسية الأكثر تمثيلً في البرلمان مثل حزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، وبموقف الرأي العام إلى حدّ ما، ولا سيما مع تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، كان النظام يسعى إلى إرضاء بعض الأطراف السياسية من الاتجاه العلماني من أجل الوقوف موقف الوسط والظهور بموقف المدافع عن حقوق المرأة والحريات الفردية والجماعية. ليس الحضور الذي حصلت عليه المرأة في البرلمان بعنصر يمكن اعتماده مقياسًا للتعبير عن درجة

الحرّية ما دام تأثيرها لم يكن فاعلً في البرلمان، ولا سيما في ما يتعلق بالدفاع عن حقوق المرأة،

وكذلك تمثيلها في الحكومات. ولم يظهر إذًا قانون الأسرة الجديد باعتباره ثورة تكرس حرّية المرأة

بوصفها مواطنة وفاعلة في المجتمع؛ إذ ما تزال الأعراف الاجتماعية تمارس سلطتها في الزواج وفي العلاقات الزوجية والأسرية، وتحد من هامش الفرد في السلوك والقرار المستقل. كما أن التشديد الذي ظهر في قانون العقوبات، من خلال التعديلات التي أدخلت عليه في عام 2015، يبقى غير ذي جدوى ما دامت المرأة لا تملك كامل الحرّية في إيداع شكوى أو الوقوف أمام أجهزة الأمن والقضاء بسبب

الممارسات الذكورية المهيمنة. يظهر من الواقع اليومي للمرأة الجزائرية نقص الضمانات التي تمكنها من ممارسة حريتها المكفولة دستوريًا (بسبب موقف المجتمع الذي ما يزال يرى أن حرّية المرأة لا يمكن أن تكون إلا ضمن

((5(أخبار اليوم،.2015/3/7 ((5(نادية سليماني، «تعديل قانون الأسرة يثير جدلً وسط الحقوقيين والأئمة »!..، الشروق، 2015/3/9، شوهد في 2020/8/18،

في: https://bit.ly/320LgqO

منظومة القيم التي يحدّدها المجتمع ويؤطرها الدين). ويمكن سرد عديد الأمثلة كحالة الفتاة التي تعرضت في حزيران/ يونيو 2018 لاعتداء جسدي ولفظي أثناء ممارستها الرياضة في رمضان من جانب المارة، ولم تلق المساندة من فرقة الدرك التي أودعت لديها شكوى بهذا الشأن، بحجة أنها ما كان لها أن تفعل ذلك (ممارسة الرياضة) وهي الحادثة التي أثارت ردود فعل متباينة في المجتمع الجزائري. وتدفعنا مثل هذه الأمثلة أيضًا إلى العودة إلى ما حدث في 13 تموز/ يوليو 2001 في مدينة حاسي مسعود البترولية، عندما هاجمت فئات من سكان حي شعبي يقطنه عدد من النساء العاملات بالمنطقة والقادمات من الشمال، بعضهن وحدهن وأخريات مع أطفالهن، وكان الاعتداء بتحريض من إمام المسجد الذي اتهم النساء بممارستهن الفجور، وأدى ذلك إلى جرح العديد منهن، إضافة إلى الترويع والترهيب اللذين تعرّضن لهما. يعتبر هذا الحادث في حد ذاته أن حرّية النساء في العمل وفي تحقيق

استقلالية خاصة بهن تبقى محدودة بل تحت المراقبة، لأن ثمة تعدّيًا على المعايير التي تحكم المجتمع، والتي تجعل المرأة القاطنة وحدها أو مع أطفالها مشبوهة، بحيث لا تستطيع استقبال من تريد أو الدخول والخروج بحسب رغبتها. ومع ذلك، وجب التأكيد أن مثل هذه الحالات ليست القاعدة، ولم تمنع أشكال العنف الجسدي أو الرمزي النساء من مواصلة مسارهن المهني، حتى إن كانت نسبة النساء العاملات في الجزائر تبقى ضئيلة؛ إذ لا تتجاوز 20 في المئة فقط مقارنة بالذكور. وتدل الإحصاءات على أن أغلب النساء يعملن في القطاع العام بما نسبته 62.9 في المئة، ولا سيما في قطاع التوظيف العمومي بحيث يمثلن 56.5 في المئة منه، خاصة في مجالات التربية والتعليم والصحة والعدالة، وهي مهن يعتبرها المجتمع مناسبة للدور الأصلي للمرأة وهو التربية والرعاية. تظهر هنا الهيمنة الذكورية وكأنها ترسم حدود الحرية للمرأة وتصنع قيودًا على حركتها وتنقّلها وعملها. وكانت ممارسة النساء لحقوقهن الفردية التي يضمنها الدستور محلّ رفض فئة من المجتمع من ذوي التوجه المحافظ أو الإسلامي أو من الذين يتخوفون من تغيير قانوني، من شأنه أن يكون له انعكاس على العلاقات الأسرية. وتتجه هذا الرؤى إلى اعتبار أن الحريات الفردية لا يمكنها أن تمارس من جانب المرأة، وأن العنف الذي مورس ضد نساء حاسي مسعود كان مبررًا لدى كثير من الناس، بل

((5(ينظر مثلً: «حملات فايسبوكية تحرض على العنف ضد المرأة »، أخبار اليوم،.2018/6/17 (((5 ينظر تقرير الباحثة دليلة إعمران جربال:

Dalila Iamarene–Djerbal, "Affaire de Hassi Messaoud," NAQD , vol. 1–2, no. 22–23 (Fall–Winter 2006), pp. 11–40.

(((6 ينظر: الأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، تقرير المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة.

(61) Mohamed Cherif Belmihoub, Etude exploratoire sur l’accès des femmes au marché du travail en Algérie (Alger: Friedrich Ebert Stiftung, 2016).

((6(ينظر مثلً: «حقوقيون يطالبون بمراجعة صندوق النفقة وإجراءات الطلاق والخلع قوانين تحرر المرأة وراء تفشي الجريمة ضد

الزوجات»، الشروق العربي، 2017/10/1، شوهد في 2020/9/22، في: https://bit.ly/344VTdh

إن تعامل القضاء مع المعتدين الذي وُصف بالمتساهل، وهو ما يعبّر عن نظرة طغت في بعض

أوساط المجتمع تقضي بتقييد الحريات الفردية للمرأة، لأن هناك تخوفًا من «ممارستها حقوقها، وأنّ حرية المرأة أصبحت مرادفة للفجور والفسوق في بعض أدبيات التيارات الإسلامية المحافظة.» وهناك عشرات المقالات تنشر في الجرائد الجزائرية، إضافة إلى مواقع شبكات التواصل الاجتماعي تهاجم هذه الإصلاحات بدعوى تفكيك الأسرة الجزائرية، وتغريب المجتمع والإخلال بالقيم الثقافية المحافظة للمجتمع الجزائري.

خاتمة

مع بداية التعددية السياسية والحزبية التي عرفتها الجزائر منذ عام 1989، استفادت الجمعيات النسوية من الوضع الجديد من أجل تفعيل المطالب المرتبطة بحقوق المرأة وحريتها. وقد تعاملت السلطات الجزائرية مع هذا الوضع وفقًا لمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، مع الأخذ في الحسبان السياق السياسي المعقد الذي ميز الجزائر، ولا سيما في فترة التسعينيات. وضمن خطاب سياسي عام يحمل شعار الإصلاح السياسي والتغيير والأخذ بمستلزمات العصر وتطوراته، بادرت السلطات الجزائرية، من جهة، إلى تمرير مجموعة من القوانين تندرج في إطار السعي لإعطاء المرأة مكانة أكبر في الساحة السياسية وفي الشأن العام، ومن جهة أخرى، كان سعيها يرمي إلى إصلاح بعض أوجه القصور في التشريعات التي تُعنى بالمجال الخاص للمرأة، مثل القوانين المتعلقة بالأسرة والجنسية والتحرش الجنسي. لقد أبانت النقاشات البرلمانية وردود الأفعال من لدن الأحزاب السياسية والجمعيات مدى حساسية موضوع الحريات، عندما يتعلق الأمر بشؤون المرأة، كما أبانت أن قرار السلطات السياسية في هذا الشأن قد اعتمد مبدأ الوسطية من أجل تلافي تلك التجاذبات السياسية التي أخذت منحى صراع أيديولوجي بدأ منذ الاستقلال، وألقى بظلاله على وضعية المرأة خلال خمسة عقود من الزمن. ومهما يكن المراد بهذه الإصلاحات والنتائج التي تحققت من خلالها، فإن حرية المرأة تبقى إشكال بالنسبة إلى الحركة النسوية الجزائرية، ليس فقط بسبب الخلاف في تحديد مضمون الحرية والمراد تحقيقه من هذا المطلب، بل أيضًا بسبب الرهانات الاجتماعية والسياسية والثقافية المتداخلة التي تخفيها هذه المسألة المعقدة.

(63) Iamarene–Djerbal, "La violence," pp. 103–142.

((6(يمكن مثلً قراءة: بلقاسم حوام [وآخرون]، «قانون أسرة جديد بتعديلات أوروبية »!، قناة الجزائر، 2016/3/15، شوهد في

2020/8/18، في: https://bit.ly/31pP5ql؛ كامل الشيرازي، 13« وصفة ضدّ مسخ الأسرة الجزائرية»، الشروق، 2016/3/12، شوهد

في 2020/8/18، في: https://bit.ly/3aCuge4؛ سلمى حراز وصورية بورويلة، «البيت الجزائري في خطر»، الخبر، 2015/3/18، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/2QlS5ha (((6 بحسب رأي الرئيس السابق للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان المحامي بوجمعة غشير فإن النقاش بشأن قضايا المرأة في الجزائر تتصدره «ثلاث فئات من المنظمات النسائية، الأولى مرتبطة بالسلطة وتؤيد مشاريعها، والثانية علمانيات لهن حضور إعلامي داخل وخارج الب داا ولا يعرفن المجتمع، والثالثة إس ماايات عددهن كثير وليس لديهن أي مبادرة». ينظر: أميمة أحمد، «المرأة

بالجزائر جدل بعد عن الواقع»، الجزيرة نت، 2010/3/14، شوهد في 2020/8/18، في: https://bit.ly/2FAHYD1

References

المراجع

العربية

«أمر رقم 01–05 مؤرخ في 18 محرم عام 1426 الموافق 27 فبراير سنة 2005، يعدل ويتمم الأمر رقم 86–70 المؤرخ في 17 شوال عام 1390 الموافق 15 ديسمبر 1970 والمتضمن قانون الجنسية الجزائرية.» الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. 2005/2/27:. في https://bit.ly/3lbPMvl «أمر رقم 02–05 مؤرخ في 18 محرم عام 1426 الموافق 27 فبراير سنة 2005، يعدل ويتمم القانون رقم 11–84 المؤرخ في 9 رمضان عام 1404 الموافق 9 يونيو سنة 1984 والمتضمن قانون الأسرة.» الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية. 2005/2/27:. في https://bit.ly/3lbPMvl الأمم المتحدة. مجلس حقوق الإنسان. تقرير المقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد المرأة، وأسبابه وعواقبه، ياكين إرتورك: مؤشرات بشأن العنف ضد المرأة ورد فعل الدول إزاءه. نيويورك.2008/1/29:

في: https://bit.ly/3gpiKEf

براهيمي، عبد الحميد. في أصل الأزمة الجزائرية،.1999–1958 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 بن حرز الله، عبد القادر. الخلاصة في أحكام الزواج والطلاق في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري. الجزائر: دار الخلدونية للنشر والتوزيع،.2007 بوتفنوشت، مصطفى. العائلة الجزائرية: التطور والخصائص  الحديثة. ترجمة أحمد دمري. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.1984 بورغدة، وحيدة. «المشاركة السياسية والتمكين السياسي للمرأة العربية: حالة الجزائر.» العربية المجلة للعلوم السياسية. العدد 36 (خريف.)2012 بوطرفاس، محمد. «الأسرة الجزائرية بين القانون والعرف.» مجلة العلوم الإنسانية. العدد 33 (حزيران/ يونيو.)2010 بولخراص، كريمة. «تعديلات قانون الأسرة الجزائري بين مقاصد المشرع ومقاصد الشرع.» مجلة الحضارة الإسلامية. مج  13، العدد 16 (أيار/ مايو.)2012 جابي، ناصر. لماذا تأخر الربيع الجزائري؟ الجزائر: منشورات الشهاب،.2012 درار، أنيسة بركات. نضال المرأة الجزائرية خلال الثورة التحريرية. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب،

طوالبي، نور الدين. الدين والطقوس والتغيرات الاجتماعية. ترجمة وجيه البعيني. بيروت/ باريس: منشورات عويدات؛ الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.1988

ظريف، زهرة. مذكرات مجاهدة من جيش التحرير الوطني: منطقة الجزائر المستقلة. الجزائر: منشورات الشهاب،.2014 عدي، الهواري. الاستعمار الفرنسي في الجزائر: سياسة التفكيك الاقتصادي–الاجتماعي، –1830 1960. ترجمة جوزيف عبد الله. بيروت: دار الحداثة،.1983 عنصر، العياشي. سوسیولوجیا الدیمقراطیة والتمرد بالجزائر. القاهرة: دار الأمین،.1999 غانم–يزبك، دالية. «المرأة في معترك الرجال: الطريق نحو المساواة في الجيش الجزائري.» مركز كارنيغي للشرق الأوسط. 2015/11/4:. في https://bit.ly/3he2xDm فريك، بشير. الولاة في الجزائر: في خدمة من؟ الجزائر: الشروق للإعلام والنشر،.2014 قنطاري، محمد. من بطولات المرأة الجزائرية في الثورة وجرائم الاستعمار الفرنسي: حقائق وثائق، دراسات، تحقيق وشهادات. وهران: دار الغرب للنشر والتوزيع،.2007 لوعيل، محمد الأمين. المركز القانوني للمرأة في قانون الأسرة الجزائري. الجزائر: دار هومة للطباعة والنشر،.2004 ونيسي، زهور. المرأة والثورة. الجزائر: مطبوعات المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954،.1996 يحياوي، أعمر. «الإجراءات الإيجابية: أي حل لمعالجة اللامساواة الفعلية بين الرجل والمرأة». المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية. العدد.)2008(1

الأجنبية

Addi, Lahouari. Les mutations de la société algérienne: Famille et lien social dans L’Algérie contemporaine. Paris: La Découverte, 1999. Aït–Aoudia, Myriam. L’expérience démocratique en Algérie (1988–1992): Apprentissages politiques et changement de régime. Paris: Presses de Sciences Po, 2015. Amrane – Minne, Danièle – Djamila. Les femmes dans la guerre d’Algérie. Paris: Kartthala, 1993. Belmihoub, Mohamed Cherif. Etude exploratoire sur l’accès des femmes au marché du travail en Algérie. Alger: Friedrich Ebert Stiftung, 2016. Benzenine, Belkacem. "Les femmes algériennes au parlement: La question des quotas à l’épreuve des réformes politiques." Égypte/Monde Arabe. vol. 10 (December 2013). Bourdieu, Pierre & Abdelmalek Sayad. Le déracinement: La crise de l’agriculture traditionnelle en Algérie. Paris: Les Éditions de Minuit, 1964.

Bouzina–Oufriha, Fatima Zohra. L’émergence des femmes algériennes dans la sphère économique: Modernisation de la société, marché du travail , femmes. Alger: Éditions Houma, 2016. Cheriet, Boutheina. "Le genre et la citoyenneté comme ‘troc’ dans l’Algérie postcoloniale." Diogène. vol. 1, no. 225 (2009). Fanon, Frantz. Sociologie d’une révolution. Paris: François Maspero, 1972. Iamarene–Djerbal, Dalila. "Affaire de Hassi Messaoud." NAQD. vol. 1–2, no. 22–23 (Fall–Winter 2006). ________. "La violence islamiste contre les femmes." NAQD. vol. 1–2, no. 22–23 (Fall–Winter 2006). Lacoste–Dujardin, Camille. La vaillance des femmes: Les relations entre femmes et hommes berbères de kabylie. Series textes à l’appui. Paris: Éditions La Découverte,

Lalami, Feriel. Les algériennes contre le code de la famille: La lutte pour l’égalité. Paris: Presses de Sciences Po, 2012. Lazreg, Marnia. The Eloquence of Silence: Algerian Women in Question. London: Routledge, 1994. Leperlier, Tristan. "Les écrivains algériens et l’expérience démocratique dans les années 1990." Communications. vol. 2, no. 99 (Janvier 2016). Mahieddin, Nahas M. "L’évolution du droit de la famille en Algérie: Nouveautés et modifications apportées par la loi du 4 mai 2005 au code algérien de la famille du 9 Juin 1984." L’Année du Maghreb. vol. II (2005–2006). Mohsen–Finan, Khadija (dir.). L’image de la femme au Maghreb. Paris: Éd. Actes Sud/ Barzakh, 2008. Oussedik, Fatma. "Postcolonie et rapports de genre en Algérie." Tumultes. vol. 2, no. 37 (Octobre 2011). Remaoun, Malika. "Les associations féminines pour les droits des femmes." Insaniyat. vol. 3, no. 8 (Mai–Août 1999). Rétrospective statistique 1970–1996. Alger: Office National des Statistiques, 1999. Rouadjia, Ahmed. "La lutte des femmes laïques en Algérie." Confluences Méditerranée. vol. 4, no. 59 (Automne 2006).