العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نظام الأشياء : التفكير في ما بعد الحداثة

نظام الأشياء : التفكير في ما بعد الحداثة

The Order of Things Thinking about Postmodernity

رشيد بن بيه | Rachid Benbih *

الملخّص

عنوان الكتاب: نظام الأشياء: التفكير في ما بعد الحداثة . عنوان الكتاب في لغته: L’ordre des choses: Penser la postmodernité . المؤلف: ميشيل مافيزولي Michel Mafessoli. ترجمة: سعود المولى ورنا دياب. الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مكان النشر: الدوحة/ بيروت. تاريخ النشر: 2020. عدد الصفحات: 280 صفحة.

Abstract

Assistant Professor of Sociology, National School of Architecture, Agadir, Morocco.

الكلمات المفتاحية:
  • ما بعد الحداثة
  • نظام الأشياء
  • السوسيولوجيا الفهمية
  • إبستيمولوجيا ما بعد حداثية
  • المعرفة العادية
Keywords:
  • Postmodernity
  • the Order of Things
  • Conceptual Sociology
  • Postmodern Epistemology
  • Ordinary Knowledge

عنوان الكتاب:

نظام الأشياء: التفكير في ما بعد الحداثة.

. L’ordre des choses: Penser la postmodernité: عنوان الكتاب في لغته

المؤلف:

ميشيل مافيزولي.Michel Maffesoli

ترجمة:

سعود المولى ورنا دياب. الناشر: مكان النشر: الدوحة/ بيروت. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

280 صفحة.

The Order of Things

Thinking about Postmodernity

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

يواصل ميشيل مافيزولي، في كتابه نظام الأشياء: التفكير في ما  بعد الحداثة، نقد صرح الحداثة، الجميل كما يصفه (ص. 9)، الذي بدأه منذ أربعين عامًا. ورغم حدّة الانتقادات التي استهدفته، بوصفه سوسيولوجيًّا مُنظرًا لما

بعد الحداثة وأستاذًا لعلم الاجتماع، يبدو أن تأثير مافيزولي آخذٌ في التوسّع بفعل الترجمات الكثيرة لكتبه إلى لغات أخرى مثل العربية، والإنكليزية، والإسبانية، والإيطالية. يُعدُّ كتاب مافيزولي مقالة منهج جديدة غير ديكارتية، وعدَ بها القراء منذ كتابه مزايا العقل

(((تعرّض مافيزولي لانتقادات لاذعة بسبب إشرافه على

أطروحة دكتوراه حول علم التنجيم من إليزابيت تيسيي، وقد تفجّرت هذه الانتقادات عام 2001 بعد مناقشة الأطروحة، وقد

اعتبرَ جيرالد برونير وإتيين جيان ذلك نوعًا من مظاهر

الأيديولوجيا الرجعية. يُنظر: جيرالد برونير وإتيين جيان، الخطر

السوسيولوجي: في نقد خطاب الحتمية الاجتماعية، ترجمة حسن احجيج، ترجمات (الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد  العزيز آل سعود للدراسات الإس مااية والعلوم الإنسانية، 2019)، ص.25–19 (((يعكفُ الأنثروبولوجي المغربي عبد الله زارو، وهو طالب سابق لمافيزولي خ لاا الثمانينيات في جامعة السوربون، منذ مدة، على ترجمة جميع أعمال مافيزولي، يُنظر: ميشيل

مافيزولي، حصة الشيطان: في الشر المحتوم وتجلياته، ترجمة عبد الله زارو (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2020)؛ ميشيل

مافيزولي، دنيا المظاهر وحياة الأقنعة: لأجل أخاقيات جمالية، ترجمة عبد الله زارو (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.)2017

(3) Michel Maffesoli, The Shadow of Dionysus: A Contribution to the Sociology of the Orgy , Cindy Linse & Mary Kristina Palmquist (trans.) (New York: State University of New York Press, 1992). (4) Michel Maffesoli, La tajada del diablo: Compendio de subversion posmoderna , Ivonne Murillo, Josefina Anaya Daniel & Gutiérrez Martínez (trad.) (Madrid: Siglo XXI de España Editores, 2006). (5) Michel Maffesoli, Il tempo delle tribù: Il declino dell’individualismo nelle società postmoderne , Valentina Grassi (trad.) (Milan: Guerini e Associati, 2004).

الحساس: دفاعًا عن سوسيولوجيا تفاعلية، بهدف مواجهة يقينيات رسّختها الحداثة، وإظهار

نظام الأشياء الذي تعجز النظريات الملوثة بالحداثة عن كشفه؛ كونها تختزل الواقع في أحد أبعاده: الاقتصادي، أو السياسي، أو الثقافي. كما يساهم الكتاب في وضع مقاربات مغايرة لفهم ظواهر جديدة، مثل عودة التقاليد، وانبعاث طرائق فكرٍ اعتبرتها النزعات الحداثية «رجعية» و«ظلامية»، وإعادة الارتباط بالسحر، على خلاف تصورات اعتبرت أنّ الحداثة قد فكّكت سحر العالم، وقطعت مع الماضي إلى غير رجعة. ويبحث مافيزولي هذه الظواهر، انطلاقًا من إشكالية الزمن التي زحزحها عن إطارها الحداثي الذي يعتبر الزمن تقدميًّا. يبدأ مافيزولي خطابه حول المنهج بنقد السائد من طرق التفكير الحداثية (ص. 145)، مشيرًا في بعض

الأحيان صراحةً إلى هؤلاء – من أمثال بيير بورديو

Raymond وريمون بودون Pierre Bourdieu

Boudon – (ص. 163)، المسيطرَين بتوجههما

في البحث في أوروبا وخارجها، وملمِّحًا إلى

بعض التفسيرات الأخرى البنائية والجدلية في أحايين كثيرة. ويستند مافيزولي في بناء خطابه على مدشّن ما بعد الحداثة الرئيس فريدريك نيتشه Nietzsche Friedrich تحديدًا، وكارل غوستاف يونغ Jung Gustav Carl، ومارتن هايدغر Martin Heidegger، وروّاد السوسيولوجيا الفهمية، مثل

ماكس فيبر Weber Max وجورج زيمل Georg Simmel... إلخ.

(((ميشيل مافيزولي، مزايا العقل الحساس: دفاعًا عن

سوسيولوجيا تفاعلية، ترجمة عبد  الله زارو (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2014)، ص.58 (((يُفضّل مافيزولي المقاربة لأنها «تبقى مطعمة بالتواضع

الخاص بنزعة إنسانية)Humanisme(حقيقية»، خ فااًا للنظريات والأفكار «المسبقة» التي يطالب بوضعها بين قوسين (ص 45،.)139

بنية الكتاب

يتكون الكتاب من ثمانية فصول، إضافةً إلى مقدمة واستشراف بدلً من خاتمة، غير أن تحليل مافيزولي   لا ينضبط لمنطق التقسيم الصارم للكتاب على شكل فصول، بل يعتمد كتابه التحليل بما يشبه حركات المد والجزر؛ فما يتناوله من قضايا في الفصل الأول، يعود إليها في فصل آخر، كما يستأنف ما حلّله في أحد الفصول في فصول لاحقة، فعلى سبيل المثال، خصَّ مافيزولي مفهوم «الحقيقي الواقعي» بتحليلات في جميع فصول الكتاب. ينشغل الفصل الأول «من العلم إلى المعرفة» بتَفهُّم الطرق المؤدية إلى فهم نظام الأشياء، ويختزل عنوانه منظور مافيزولي للسوسيولوجيا، بوصفها معرفة لا علمًا، ويؤكد بذلك نقده

للمنظور العلموي الإحصائي للسوسيولوجيا، وانتماءه إلى السوسيولوجيا الفهمية. وبعد ذلك، يشرع في عرض مبادئ الحداثة ونقدها، متوجهًا إلى مفهوم التقدم، وما يخفيه من إرادة الهيمنة: «كان العالم الغربي يعتقد أن المستقبل وقف عليه، واثق في أنه بطل التقدم، والمحرك ل ‘عجلة التاريخ’ هذه السائرة بتطورها الثابت نحو سعادة البشرية»  (ص. 23). يشدد مافيزولي في نقد الحداثة على نسبية التواريخ، ضدًا على «غربنة العالم» (ص. 24)، ويدافع عن نسبية الحقيقة التي تعمل عقيدة العصمة البابوية على إنكارها (ص. 27)، ويؤكد أنه «لا توجد الحقيقة إلا نسبةً إلى حقبة معينة» (ص. 48). إن الحقيقة، وفق مافيزولي، لا يمكن الإمساك بها في قبضة المفهوم، بسبب استخدام المفهوم بلا روية من جهة، ولطابعه البنائي التجريدي من جهةٍ أخرى. وهذا غير مُجدٍ في فهم «الواقعي»، لِبُعد

المفهوم عن انسياب الحياة، فالمفاهيم تحتجز واقعًا منسابًا غير قابل للحجز والإمساك، كما يدل على ذلك المعنى اللغوي لكلمة مفهوم، الذي يعني التسوير والإمساك بالشيء (ص. 43)، ويقترح استخدام معارف أولية، وإعادة الاعتبار للحس السليم والحكمة، والنظر إلى الظواهر كما تتبدى. ولا تنفصل المعرفة عن الرغبة بحسب مافيزولي؛ إذ تُعدّ الرغبة التي أقصتها الحداثة الأهم في النهج الفكري، كما أن الفكر يغتني بالحواس، وقد أطلق على ذلك «العقل الحساس». وقد تحسّر مافيزولي على فقدان هذه الرغبة لدى

أغلبية المفكرين. ومن خصائص رغبة المعرفة كونها لا تنشغل «بالأجوبة ولا بالمطالب التي هي محض انشغال سياسي»؛ «فرغبة المعرفة قبل كل شيء محرك لتساؤل لا يمكن إرضاؤه أبدًا» (ص. 50). يُعرّف نظام الأشياء بأنه ولادة متجددة للماضي

و«الأمر متعلق إذًا بدورة لا نهاية لها»، وهي فكرة مستوحاة من نيتشه الذي كتب «ماضينا البعيد Altertum) (يصبح حاضرًا جديدًا Neutum) (،

عبر التفاعل الخصب في دورة الزمن» (ص. 48) ينبني تحليل مافيزولي لنظام الأشياء على نقد مفهوم الزمن الحداثي، فقد كتب: «أما هذا الكتاب، نظام الأشياء choses des L’ordre، فيتعمق في بعض الموضوعات ويولي الزمن أهمية خاصة» (ص. 10). يحتفي مافيزولي هنا بالحس السليم، والإدراك القويم، ويدعو إلى تشغيل العقل الحسي، متضمنًا الحلم والخيال والحواس، تفاديًا للدوغمائية، وهنا نوجد في قلب إعادة توجيه جوهرية للفكر، وهو ما يسميه مافيزولي «المعرفة العادية التي تستطيع الربط

(((يُنظر: مافيزولي، مزايا العقل الحساس.

بين التفكر والتجربة، وبين الحس السليم، ذات الجوهر التعددي والعقل المنفتح» (ص). 55 في الحصيلة، إن الفكر متعدد الأشكال ونسبي، ويتطلب الخروج من السائد بالتخلص  من «النظريات الخدرة، ومن تلك الروتينيات الفلسفية التي تعمل عمل المسكنات» (ص. 52)، وإن ارتباط كل حقيقة بعصر يدحض وجود جهة يسير إليها التاريخ. يعود مافيزولي في الفصل الثاني إلى مسألة الزمن، فهو لا يعتبر الزمن خطيًا، إنما استعادة لزمنٍ مضى؛

إذ يحضر الماضي دومًا في الحاضر، ويعود كذلك إلى مفهوم «الواقعي الحقيقي»، ليؤكد «أنه لا يوجد تقدمية غير محددة في ‘الواقعي الحقيقي الملموس’ وإنما هناك استمرار تقدمي» (ص. 74). وعلى هذا الأساس، يعتبر الفكر صدى لماضٍ سحيق كما يتجسد في العيش المشترك اليومي، فإيقاع الحياة لا يُفهم إلا في نقطة محددة، هي نبع كل جريان وأصله. ويضيف أنها «تشكل أحد تلك القوانين النادرة التي يتعذّر دحضها، والمؤسسة لجميع المجتمعات البشرية» (ص. 70). لذا من الملائم القيام بحفر عميق لسراديب كي نتتبع النماذج الأصلية الباطنة التي تستخدم أساسًا

لكل كينونة العيش معًا، فاشتغال هذا الطراز الغابر هو ما يسميه مافيزولي الملحمة الأسطورية. ففي الظواهر   المعاصرة، لا بدّ للسوسيولوجي من التمرّن على استخراج الصور البدئية السحيقة؛

ما  يعني خلود القديم ضدّ تفسيرات القطيعة والتجاوز والنهاية؛ فكل شيء يعود، لأنه يمثّل القاعدة الصلبة للعيش المشترك. وعلى الرغم من سهولة انتقاد تصوّر مثل هذا كما يتوقع مافيزولي،

فإنه يقدّم أمثلة على العودة إلى الماضي من قبيل، «تذكّر الزمن البعيد وتثمين التراث الفني والثقافي

والمعماري، وتمجيد الفنون الأولى، وعودة الأزياء العرقية، وتنامي نزعة التجارة الأخلاقية» (ص. 79). يبحث الفصل الثالث أهمية التقاليد في فهم الحاضر، الذي يوليه مافيزولي أهميةً، فالواقعي الحقيقي ينطلق من جذور: «فنحن ندين للجذور الثقافية والذاكرة الجمعية والغرائز الحيوانية بالكثير، فما نعتقده أنه أفكارنا لا تخصنا لوحدنا بل يأتينا من بعيد، فهو مدفون في الذاكرة الجمعية» (ص. 109)، بل أكثر من ذلك، يعتبر التراث والتقاليد أساس التجذر، فهي رغم محاولة إطاحتها، تعاود الظهور؛ معلنةً بذلك استمراريتها؛ ما  يبين أن كره الماضي ورفضه يعدّان من خصائص  الأزمنة الحديثة، وليس كرهًا لكون هذا الماضي غير ملائم. وما بعد الحداثة تنتبه لهذه الخاصية، لأن الحياة الفعلية ارتكاس دائم للماضي. لهذه الفكرة دور مهم في فهم علاقتنا بالماضي والتراث، في دول المغارب والمشرق، ونتساءل هنا: أليس نقد التراث سوى تعبير عن كره الماضي والتقاليد الذي دشنته الحداثة؟ يتناول الفصل الرابع، «أن تعلم الشيء يعني أن ترى ال هذا»، قضايا المنهج وفق مقاربة ما بعد حداثية، وكما يبين عنوانه، فالوصول إلى المعرفة يبدأ بالنظر؛ فأن نعرف، بحسب مافيزولي، هو أن نرى «هذا الموجود ‘هنا’ الذي لا نعرف أنه هنا ولا نريد أن نراه» (ص. 129). كما يقترحُ الفصل

طرائق الوصول إلى معرفة هذا الماثل أمامنا، وتتمثل في الكف عن طرح سؤال «لماذا؟» والاهتمام ب «كيف؟»، وأخذ الظواهر على محمل الجد؛ أي العودة إلى الشيء ذاته، اعتمادًا على منهجية بصرية (ص. 134). وبتعزيز دور النظر، يتخلى مافيزولي عن مقالة المنهج الديكارتية،

وعمادها «أنا أفكر أنا موجود» وريثة المسيحية، فاحتقار النظر في المسيحية أنتج هذه اللامبالاة المسببة لخراب العالم. ويتبين أن مافيزولي بصدد تحديد قواعد لهذا المنهج الوصفي مثلما يَعدُنا (ص. 136)، كما يكشف أن منظوره للوصف يختلف عن السائد: «للوصف قواعده الصارمة التي تتيح الدخول إلى ‘واقع حقيقي’ أوسع بكثير من الحقيقة الاقتصادية الكسيحة»، وتحيل هذه الحقيقة الاقتصادية ضمنيًا إلى المقاربة الماركسية

التي ينتقدها، وهكذا يتبين أن طريقة التفكير هذه «مخالفة للطريقة المعتادة للتفكير الخاصة بالحداثة الغربية، أي أولوية الفاعل المفكر» (ص. 140) ويدرس الفصل الخامس إشكالية الحقيقة والواقع الكلاسيكية، ويتحدث عن الواقعي الحقيقي المتعدد والمعقد، تمييزًا له من الواقع كما اختزلته الحداثة في أحد جوانبه: الاقتصاد أو الثقافة أو السياسة مثلً. يقترح مافيزولي مفهوم الواقعي الحقيقي الذي أعلن عنه في الفصل الأول، ويحلل في ضوئه إشكالية الزمن التي خصص لها هذا الكتاب: «يخص الأمر هنا توضيحًا فريدًا

يظهر أن هذا ‘الواقعي الحقيقي’ يتجاوز الزمن بعيدًا من حقيقة قصيرة ومختزلة ببعد واحد تاريخي أو حقيقة اجتماعية أحادية الجانب، وأنه متعدد أساسًا. ويبقى في ‘عود أبدي’» (ص. 160)،

فالتاريخ ليس تقدميًا، بل عود أبدي ومحاكاة

لنماذج أصلية، ولعل النظر إلى الزمن بهذه الطريقة هو الذي سيسمح لنا بفهم ظواهر تبدو لاعقلانية، مثل جميع أنواع الفنتازيات، والهويات التقليدية التي تهيمن في الزمن الحاضر. ويُعدُّالفصل السادس استمرارًا لسابقه، ويتناول إشكالية الفصل بين الأنا والآخر، ويقوم بالوصل

بينهما، فما عاد «أنا أفكر» الديكارتي هو السائد، بل نحن نفكر، كما يوصل بين الأنا والآخر والطبيعة؛ لأن الكينونة تعني «أن يكون الواحد مع الآخر» (ص. 187). ويدافع مافيزولي عن الجمع بدلً من التفرقة، ويضع النظريات بين الأقواس، مفضلًالعودة إلى الأشياء ذاتها، أي إلى القلب النابض للأشياء، ويرفض القطع مع الماضي، وفكرة التجاوز؛ كون الفكر متجذرًا في ماضيه،

وبدفاعه عن الوصل مقابل التجاوز الديالكتيكي يمكن الانتقال بحسب مافيزولي «من فرد العقد الاجتماعي الواحد بهوية واحدة إلى شخص الميثاق المجتمعي المتعدد» (ص. 197) عَنون مافيزولي الفصل السابع ب «مجتمعية حاضرية»، ومفردة مجتمعية أشدّ استعصاءً على

الترجمة، فمقابلها الفرنسي Socialité تُرجم إما بمجتمعية كما فعل مُترجما هذا الكتاب سعود

المولى ورنا دياب، أو بكلمة أنسية التي اختارها عبد الله زارو، معتمدًا على مميزات الحقبة ما بعد الحداثية التي تتميز بالنوازع الديونيسيوسية الصاخبة، والتي يسعى فيها الناس إلى ابتداع أشكال الأنس واللهو بعيدًا عن إكراه المؤسسات، أكثر من العمل والجد الذي ميّز الحقبة الحداثية.

ويعود مافيزولي مجددًا إلى مسألة الزمن، ليبين أن كل ما اجتهدت أسطورة التقدم الحداثية، في نفيه وبتره ونكرانه، يعود من هيستيريات جماعية وطقوسٍ اعتبرت بالية، «ففي أشكال الحاضر، شيء من الأصلي القديم وحتى البدائي» (ص. 208). ويتم ذلك رغم اجتهاد مؤسسات التنشئة الاجتماعية في محاصرته؛ إنه انبعاث للجانب الشيطاني والمظلم في الإنسان، أو

(((ميشيل مافيزولي، في الحل والترحال: عن أشكال التيه

المعاصرة، ترجمة عبد  الله زارو (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010)، ص.12

ما يسميه في كتاب آخر «حصة الشيطان» الذي ميّز الدورة ما بعد الحداثية. عَنون مافيزولي الفصل الثامن ب «التفكير الشغوف»، كي يبين أساس الفكر ونهج الفهم، ويطلق على ذلك «الديونيسيوسية الإبستمولوجية»، التي تنسجم مع الديونيسيوسية المجتمعية؛ فعلى خلاف برومثيوس المُعبّر عن

المجتمع الحداثي العقلاني، يعبر ديونيسيوس عن العبث والمجون، وهذا النوع من الإبستيمولوجيا يستعيد كل ما أقصته الحداثة عن دائرة العقل، من أحلام وأساطير وغرائز وعواطف. لكن تبعًا لمافيزولي، تحفّز الأساطير، على سبيل المثال، العقل على التفكير، كما أن هذه الإبستيمولوجيا ترفض الفصل بين العلم والحكمة، وأن التفكير، في نهاية الأمر، ليس سوى حس سليقة وحدس. ويخص مافيزولي القلب بأهمية في المعرفة، «فإذا كانت طريقة العقل هي البرهان، فإن طريقة القلب هي الإظهار الفج» (ص. 234)، أما الرغبة التي اعتُبرت عائقًا للفهم، فَتُعد وفق مافيزولي محركة للتفكير الشغوف، وتهدف هذه الإبستيمولوجية الجديدة إلى التوافق مع روح العصر، و«فهم إرادة الأشياء المجتمعية» (ص. 218) يتبين، بعد عرض الأفكار الأساسية لمختلف فصول الكتاب، أن مافيزولي ينشغل بسؤال: كيف يمكن الوصول إلى معرفة بنظام الأشياء؟

نظام الأشياء

يهدف مافيزولي إلى وضع مقالة منهج غير ديكارتية، أو إبستيمولوجيا جديدة، قصد معرفة نظام الأشياء التي عجزت النظريات الحداثية عن

((1(يُنظر: مافيزولي، حصة الشيطان.

فهمه. يقود فهم نظام الأشياء إلى إشكالية الزمن، التي حللها مافيزولي في هذا الكتاب، على نحو مختلف عن التصور الحداثي الخطي التقدمي للزمن. ويتبين أن مافيزولي يدافع عن تصور مختلف للزمن، يحتلُ فيه الماضي دورًا أساسيًا

ومؤسسًا للحاضر، ويقترح نمط التفكير الجذري؛

أي «الفهم حتى الجذر» (ص. 14) مسلكًا للفهم، وبطريقة كهذه يفهم، ويحلل عودة التقليدي التي يشهدها العالم، ليدحض تقدمية الزمن، وليبين استنادًا إلى جيلبير ديران أن الطراز الغابر بنى أنثروبولوجية يُبنَى عليها العيش الحاضر، وأن كره الماضي، الذي ميّز الدورة الحداثية انتهى،

«لأن الإحساس بالتراث، وكذا بنظام ترميزي هو الخاصية الجوهرية لما يجري في الدورة ما بعد الحداثية» (ص. 112). نظام الأشياء إذًا، هو ولادة متجددة للماضي في الحاضر؛ فالأمر متعلق بدورة لانهائية، وهي فكرة مستوحاة من نيتشه كما أشرتُ من قبل. لا تعيش المجتمعات الزمن إلا متداخلً، فالثالوث الزمني ماضٍ/ حاضر/ مستقبل، نعيشه في اللحظة الراهنة دائمًا. وتُعتبر مقاربة مافيزولي التي تعود جذورها

إلى نيتشه، وهنري برغسون Bergson Henri، وخصوصًا الثاني الذي اعتبر الزمن ديمومة أساسية لفهم ظواهر العودة إلى التقاليد والدين والسحر، وظواهر أخرى تبدو لاعقلانية من وجهة نظر حداثية (ص. 56) لا تسعف النظريات الحداثية، وفق مافيزولي، في فهم نظام الأشياء، بل تُعيق هذا الفهم؛ لأن نظام الأشياء يسبق الفكر، ما يعني التخلّي عن النظريات، ويقصد تحديدًا النظريات البنائية

(11) Gilbert Durant, Les structures anthropologiques de l’imaginaire (Paris: PUF, 1960).

(ص. 165) والجدلية (ص. 97)، ونظرية النوع، وإن لم يخصها بالتحليل. يلزم إذًا، وضع النظري بين أقواس؛ لأن النظريات والمفاهيم التي تشكّل نواتها، تميل «إلى التصلب في دوغمائيات غير قادرة على فهم الجانب الكثيف [المجموع في حزمة واحدة] لواقع هو متعدد أساسًا» (ص. 163)،

فالمفاهيم الحداثية الموظفة، التي نواصل ترتيلها في نهاية الحقبة الحديثة بكل رتابة، لم تعد تحاكي روح العصر المقبل. ولن يتأتى التجديد إلا بتوظيف لغة ملائمة لروح العصر؛ لغة تعتمد المجاز والبلاغة والاستعارة، فالمجاز «وسيلة منهجية نستطيع بفضلها أن نحدد موقعنا بدقة بالنسبة إلى الآخرين وإلى العالم» (ص. 40) إنّ واحدةً من نقاط ضعف المفاهيم الحداثية تتمثل في كونها تختزل الواقع، إما في الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي؛ ما يعني تجذّر مقولات الحداثة في الفكر الديني المسيحي اليهودي، كما بيَّن مافيزولي استنادًا إلى كارل شميت

Schmitt Carl (ص. 23). فقد تشكّل العلم وفق توحيدية الدين. و«إن هذا الاختزال بالواحد سيستمر على المدى الطويل في المخيال اليهودي المسيحي بمتغيراته الفردية ثم الحديثة». هكذا يبين مافيزولي أن الحداثة الكارهة للماضي تُخفي بين أحشائها نماذج ماضوية دينية، بَنت على أساسها تصورها للحقيقة. ومنبع دوغمائية الحقيقة هو الأصول الدينية المسيحية اليهودية التي تأسست عليها، فقد «طعمت كذلك إمبراطورية العلم بمفهوم أحادي المعنى ل ‘الحقيقة’ المتقدسة في جوهرها نفسه» (ص. 28). اعتُبرت الحقيقة يقينًا، وألا شيء مهم سوى ما هو قابل للتكميم (ص. 149)، وأنتج ذلك عبودية الدوكسا العلمية. وعلى خلاف هذا

الاختزال، لا يُمكن فهم نظام الأشياء إلا بإكمال العقل بالحواس، والغرائز والمشاعر وجميع المظاهر الأخرى، ضدّ الإقصاء العقلاني لها الذي ميّز العلوم الاجتماعية؛ هو ذا ما يسميه مافيزولي

الواقعي الحقيقي، العقلي واللاعقلي، «لأن الواقعي الحقيقي يتجاوز الزمن، بعيدًا من حقيقة قصيرة ومختزلة» (ص. 160)؛ فالحقيقة متعددة وفق مقاربة ما بعد الحداثة، على خلاف تصور الحداثة لها، «وتتبدّل تبعًا للحظة التي نموضع فيها أنفسنا» (ص. 25)، ومثلما أنكرت البابوية نسبية كهذه، سارت الحداثة على هديها. هكذا تتطلب معرفة نظام الأشياء التخلي عن ثلاثية العقلانية والتقديمة والفردانية؛ لأن المجتمعات المعاصرة تشهد «ذوبان الفرد في كيانات قبلية» (ص. 165)، ولأن الفكر لم يكن نتاج «أنا» مفكرة، بل هو نتاج «نحن» جماعية، وصدى لنماذج أصلية تعود إلى نظام غابر.

مقاربة منهجية لمعرفة نظام الأشياء

يسعى مافيزولي إلى «الفهم حتى الجذر» لنظام الأشياء، معتبرًا الملاحظة أساس المعرفة، وأن

العلم بالشيء هو أن ترى، ويُعدُّ هذا أساس تغيير في الإبستيمية، واكتسابًا «للنظرة السوسيولوجية» التي مجّدها جورج زيمل (ص. 147)، كما يدعو إلى الفهم بدلً من التفسير، واعتماد التأويل؛ كونه متحررًا من جميع الادعاءات الدوغمائية، وكون هذه «المقاربة التأويلية لا تنوي ‘بناء’ أي شيء» (ص. 37)، ويرفع ما يبدو لاعقلانيًا مثل الأساطير

والخرافات إلى مرتبة رافعة منهجية، لفهم الظواهر التي تميز المجتمعات ما بعد الحداثية، مثل عودة التقاليد، وبروز النزعات الإثنية... إلخ. ونحدد

العناصر الأساسية للمقاربة الإبستيمولوجية ما بعد الحداثية لفهم نظام الأشياء، كما حللها مافيزولي فيما يلي.

1. أن تعرف هو أن تلاحظ

يجب أن تتوجه النظرة إلى الواقعي الحقيقي، الذي لا يمكن اختصاره في بعد واحد؛ كونه لا يشمل العقلاني فقط، بل العاطفي كذلك، وهو واقع يعبّر عن كلية الكينونة بما تضمّه من متناقضات

متعايشة غير متعارضة، فهو واقع حقيقي ممتلئ بنقيضه. وتفعيل الملاحظة هو في منزلة إظهار فج؛ لأنها تركز على العلاقة بين الوقائع، وتهتم بسؤال: كيف؟ وتعرض عن سؤال: لماذا؟ فاحتقار النظر وتفضيل الكشف الذهني الموروث عن المسيحية واليهودية، أنتجا اللامبالاة تجاه الظواهر؛ وهو ما قاد إلى خراب العالم. يدعو مافيزولي مقاربته هذه المقاربةَ الظاهراتية: «نستطيع في الواقع أن نَسِم مقاربة منهجية كهذه بالظاهراتية لجهة أن النظريات والأفكار ‘المسبقة’ موضوعة بين أقواس، الأمر الذي يتيح الانعكاسية أو الحركة المستمرة بين الفاعل المفكر [الذات المفكرة] والموضوع المفكّر فيه» (ص. 139)، يتعلق الأمر بمعرفة مصاحبة للأشياء، أو مداعبة لها، تفكّ رموز الواقع من دون إخضاعها لتأويلات مسبقة؛ أي «تناول الأشياء كما هي من دون إخضاعها لزعم الذات المفكرة» (ص. 35).

2. الانتصار للمقاربة التأويلية

ينتصر مافيزولي لمقاربة تأويلية: «إن لادوغمائية المقاربة التأويلية لا تنوي ‘بناء’ أي شيء، إنها تأويل يطمح فقط إلا أن يكون وصفًا، مجرد عرض للأشياء» (ص. 37)، وفي هذا استعادة لأهمية الوصف   الذي غالبًا ما تعتبره الحداثة مرحلة

أولية غير كافية في البحث، لأنه لا يجيب عن سؤال لماذا؟ ولهذا لم تحظَ الدراسات الوصفية بامتياز داخل الأكاديميا. وعلى عكس ذلك، يرى مافيزولي أن الاشتغال على الظواهر أكثر فائدة؛ لأن «خاصية المقاربة التأويلية تكمن في قدرتها على إخراج ما هو جوهري حتى من قلب المظاهر» (ص. 43). والتأويل «بحث دائم في غير المفكر فيه من أي عمل، أو وضع أو ظاهرة. إنه تساؤل عن مصدر هذا كله، ف ‘غير المفكر فيه’، يجدر فهمه بكل بساطة كما لو أنه الشيء البعيد كل البعد من أي سلوك تفكيري والمتجاوز له»  (ص. 36). تختلف المقاربة التأويلية عن المقاربات البنائية التي تبني الموضوع وفق مقاربات نظرية، بناءً يختزله ويفقده خصائصه،

وسوف تؤدي هذه المقاربة إلى النظر إلى الأشياء كما هي، لا كما نريد.

3. كيف نؤوّل؟

يعتبر مافيزولي ما يمور به الحاضر من مظاهر وأشكال واحدًا من أعراض عدة للنماذج الأصلية المستمرة في الحياة اليومية بعدة طرائق؛ كونها تعبّر عن المعيش الآني، «إن التكرار في الأسلوبية

الحديثة كالعودة إلى الإثنية، و‘الموضة’ بتحولاتها المختلفة، ونجاح النسابة والعودة المزعجة إلى ‘القبائلية’ على اختلاف مظاهرها، والقوطية الموسيقية، والحنين إلى القرون الوسطى، وأهمية الباطنية والتوليفية الدينية، وتجارة منتجات محلية وفولكلورية، هذا كله وأشياء أخرى أمور تذكر بسطوة أعراض النماذج الأصلية في البنية المجتمعية ما بعد الحداثية» (ص. 119). هكذا تتبيَّن أهمية العودة إلى النماذج الأصلية في

عملية التأويل؛ لأن الأشياء «تملك معنى حرفيًا

وآخر رمزيًا في الوقت نفسه» (ص. 20)؛ معنى

رمزي يحتاج التأويل، وهي عملية لن تتم من دون البحث في النماذج الأصلية التي تشكّل قاعدة الحاضر؛ أي البحث في «كيف يمكن للرمزي أن يتحيّن [يصبح راهنًا في الحين]، فالحالي تجسيد

لما هو جوهري» (ص. 37). وهكذا يصبح التأويل تساؤلً مستمرًا عن أصل المعنى الذي يتجدد

دائمًا وأبدًا في الحياة اليومية.

4. العودة إلى الخرافات والأساطير رافعة منهجية للفهم

لا تُعتبر الخرافات والأساطير مظاهر غير عقلانية يجب تجاوزها، أو غض الطرف عنها، لكونها غير ذات أهمية، بل هي دعامة ملائمة لفهم عدد من الظواهر، و«تكون العودة إلى الخرافات، والحكايات، والأساطير، والملاحم الجمعية الأخرى، رافعةً منهجية أكثر ملاءمة لتفكيك جميع الظواهر المعاصرة» (ص. 123)؛ إذ يسمح تأويلها بالوصول إلى النماذج الأصلية الثانوية خلفها، ومن ثم فهم الحاضر الذي تتخذ فيه هذه النماذج أشكالً جديدة، تبدو عصية على الفهم الحداثي الذي لم يعمل إلا على إقصائها، بدعوى كونها غير عقلانية.

5. الفهم بدلًا من التفسير

يُبقي مافيزولي على التمييز الذي أقامته السوسيولوجيا الألمانية بين الفهم والتفسير، ويبرّر

انتصاره للفهم بكونه يسمح بالتعامل مع الأشياء كما هي، انطلاقًا من سؤال «كيف؟»، والاستماع لما هو موجود، ف «الفهم هو الإصغاء أو معرفة الإصغاء»، بينما التفسير الذي نبحث من خلاله للجواب عن سؤال «لماذا؟» يدلُّ على «‘التقشير’ بالمعنى الاشتقاقي لكلمة تفسير (باللاتينية)» (ص. 35)، ففي تحديده مفهوم الفهم، لا يهتمّ

مافيزولي بالتداخل بين الفهم والتفسير كما حاول

بورديو توضيحه مثل، بل يشدّد على معنى محدد له، يتوافق مع منظوره للسوسيولوجيا ما بعد الحداثية التي ترغبُ في التعامل مع الظواهر كما

هي، وكما تتبدى.

مناقشة ختامية

يُعدُّ كتاب نظام الأشياء: التفكير في ما بعد الحداثة تطويرًا وتوضيحًا لقضايا أثارها مافيزولي في كتبه

السابقة. وتتعلق هذه القضايا أساسًا بتوضيح منظوره للسوسيولوجيا والبحث السوسيولوجي، التي بدأها في كتاب المعرفة العادية: مختصر السوسيولوجيا الفهمية. وبقدر ما طوّر كتابه قضايا سابقة، فهو يطرح أفكارًا جديدة مثل المقاربة الوصفية، فنحن أمام كتاب مفتوح على ما قبله من كتب، وأخرى سوف يصدرها لاحقًا كما نفترض استنادًا إلى إشارته بذلك. ورغم الغرابة التي يمكن أن يَستشعرها القارئ غير المعتاد على كتابات مافيزولي، وعلى نمط الفكر ما بعد الحداثي عمومًا، يمكن القول إن مجمل أفكاره مؤسّسة على إرث الفكر الغربي التي لم يسمح لها بالانتشار لسيادة تقاليد أكاديمية تنتصر للحداثة، نعتها مافيزولي بالمنظومة الأكاديمية الحاكمة Establishment (ص. 15). ولعل تتبع جذور فكر مافيزولي، في هذا الإرث الغربي المهمّش، يرفع في ذهن القارئ هذا الإحساس بالغرابة؛ كونه سيبين أنّ ما بعد الحداثة تعبير عن

(12) Pierre Bourdieu, La misère du monde (Paris: Seuil, 1993), pp. 1389–1447.

((1(خصوصًا كتاب: مافيزولي، مزايا العقل الحساس.

(14) Michel Maffesoli, La connaissance ordinaire: Précis de sociologie compréhensive , Coll. Sociétés (Paris: Libraire des Méridiens, 1985).

وعي جزء من المفكرين الغربيين بأزمة الغرب الفكرية. وفي المجال السوسيولوجي، تبدو أفكار مافيزولي غير مقبولة في سياق هيمنة سوسيولوجيا وضعية تحاول نزع الاعتراف بطابعها العلمي، غير أن مافيزولي، ذاته، يفسّر ذلك بسيادة أكاديميا لا ترى من حقيقة غير الحقيقة التي تدافع عنها، فقد ظلّ يواجه وحده هؤلاء الذين يسميهم «حرّاس المعابد الدوغمائية» (ص. 15)، موحيًا

بهذه التسمية إلى الجذور الدينية للدوغمائية الحداثية. تمثِّل كتابات مافيزولي صلة وصل بين النقد الغربي للحداثة من جهة، والنقاش الفكري العربي الإسلامي الناقد لهذه الحداثة من مداخل التغريب والخصوصية، وقصور العقلانية المادية من جهة أخرى. فمجمل آراء مافيزولي من قبيل نسبية التواريخ، وقصور العقلانية، وقضايا أخرى ناقشها باحثون غربيون يمثّلون قلة داخل الأكاديميا الغربية، ما زال تداولها قائمًا في البلدان

المراجع

العربية

برونير، جيرالد وجيان إتيين. الخطر السوسيولوجي: في نقد خطاب الحتمية الاجتماعية. ترجمة حسن احجيج. ترجمات. الدار البيضاء: مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية،.2019 المسيري، عبد  الوهاب (محرر). إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة لاجتهاد. ج 2. سلسلة المنهجية الإسلامية 9. ط 2. هيرندن، الولايات المتحدة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.1996 مافيزولي، ميشيل. في الحل والترحال: عن أشكال التيه المعاصرة. ترجمة عبد الله زارو. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2010 _______. مزايا العقل الحساس: دفاعًا عن سوسيولوجيا تفاعلية. ترجمة عبد الله زارو. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2014

العربية؛ ما يعني أهمية فكر مافيزولي، لإحداث الوصل بين تيارات الفكر الناقدة للحداثة. كما أن نقده النظريات الغربية سيحدُّ من حماس مروّجي النظريات داخل «الأكاديميا العربية»، الذين سيجدون في هذا الكتاب مبررات تحدُّ من غلواء استيراد الأفكار. أخيرًا، يقع خطاب مافيزولي خارج الأكاديميا الغربية السائدة، وخارج جماعاتها العلمية، مثله مثل النقد العربي للحداثة تمامًا؛ فهو يناقش إشكاليات طرحتها كتابات عربية حول الموضوعية، والتحيز، وقصور المنهج الوضعي؛ ما يفتح مجالً لاستجماع الاتجاهات خارج الأكاديميا، شرقًا وغربًا، قصد تأزيم المعرفة الغربية المهيمنة.

(((1 عبد  الوهاب المسيري (محرر)، إشكالية التحيز: رؤية

معرفية ودعوة لاجتهاد، ج 2، سلسلة المنهجية الإس مااية 9، ط 2 (هيرندون، الولايات المتحدة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.)1996

References

_______. دنيا المظاهر وحياة الأقنعة: لأجل أخاقيات جمالية. ترجمة عبد الله زارو. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2017 _______. حصة الشيطان: في الشر المحتوم وتجلياته. ترجمة عبد الله زارو. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2020

الأجنبية

Bourdieu, Pierre. La misère du monde. Paris: Seuil, 1993. Durant, Gilbert. Les structures anthropologiques de l’imaginaire. Paris: PUF, 1960. Maffesoli, Michel. Il tempo delle tribù: Il declino dell’individualismo nelle società postmoderne. Valentina Grassi (trad.). Milan: Guerini e Associati, 2004. _______. La connaissance ordinaire: Précis de sociologie compréhensive. Coll. Sociétés. Paris: Libraire des Méridiens, 1985. _______. La tajada del diablo: Compendio de subversion posmoderna. Ivonne Murillo (Diseño gráfico), Josefina Anaya Daniel & Gutiérrez Martínez (trad.). Madrid: Siglo XXI de España Editores, 2006. _______. The Shadow of Dionysus: A Contribution to the Sociology of the Orgy. Cindy Linse & Mary Kristina Palmquist (trad.). New York: State University of New York Press, 1992.