العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الشرق الأوسط: إطلالة أنثروبولوجية

الشرق الأوسط: إطلالة أنثروبولوجية

The Middle East An Anthropological View

كارلوتا ماركي | Carlotta Marchi *

الملخّص

عنوان الكتاب: الشرق الأوسط: إطلالة أنثروبولوجية . عنوان الكتاب في لغته: Medio Oriente. Uno sguardo antropologico . المؤلف: أوغو فابييتي Ugo Fabietti. الناشر: Raffaello Cortina Editore. مكان النشر: ميلانو. تاريخ النشر: 2016. عدد الصفحات: 300 صفحة.

Abstract

Ph.D. student in African History at Pavia University (Italy) and Aix–Marseille University (France).

الكلمات المفتاحية:
  • الشرق الأوسط
  • أنثروبولوجيا
  • الإسلام
  • الهوية
  • الحداثة
  • التعصب
Keywords:
  • Middle East
  • Anthropology
  • Islam
  • Identity
  • Modernity
  • Intolerance

عنوان الكتاب:

الشرق الأوسط: إطالة أنثروبولوجية.

. Medio Oriente. Uno sguardo antropologico: عنوان الكتاب في لغته

المؤلف:

أوغو فابييتي Ugo Fabietti. الناشر:

.Raffaello Cortina Editore

مكان النشر: ميلانو. تاريخ النشر: عدد الصفحات:

300 صفحة.

مقدمة

باتت عبارة «الشرق الأوسط» ضمن قائمة المفردات الشائعة في أيامنا. وتشير إلى منطقة جغرافية ومجموعة من السِمات السياسية والدينية والأيديولوجية والثقافية والاجتماعية المرتبطة تلقائيًا بالصفة «الشرق الأوسط». بيد أنه

تعبير غامض، غير واضح الدلالة وحمّال أوجه.

ففي الشرق الأوسط، يمكن العثور على حقائق مختلفة، غالبًا ما تكون متباينة في ما بينها. وهذا

يمنع الباحثين من اعتماد تعريف شامل. في طبعة حديثة لكتابه عيون خشبية: عشر تأمات في المسافة، أشار كارلو غينسبورغ إلى أن عبارة «العالم كله بلد واحد» لا تعني أن جميع الأشياء متشابهة، بل إن كل فرد مشوش بشأن شيء ما وشخص ما. ومن منظور العلاقة بين الشرق والغرب، يتجلّى هذا الشعور بالتشوش وعدم اليقين في أشكال مختلفة: الفصل بين «نحن» و«هم»، أو الصراع بين التقليد والتحديث، أو عدم توافق مفترض في الأنظمة والقيم. في خطاب من هذا النوع، ثمة خصائص تُعدّ أكثر «غربية» وأخرى أكثر «شرقية». فعلى سبيل المثال، تُربط عناصر، مثل اللغة العربية والدين الإسلامي والاستبدادية مباشرة بالشرق الأوسط. وإضافة إلى هذا الربط السطحي، ثمة مغالطات ومعتقدات عدة تُنسب إلى الشرق الأوسط، واسعة الانتشار في أوساط الرأي العام. ويمثل الإسلام هنا الحالة الأكثر رمزية، باعتباره أصبح معيارًا لفهم أحداث العنف، ورمزًا إلى فكرة متخلفة وصارمة عن الأسرة والمجتمع، وسبب عدم التوافق مع القيم «الحديثة»، كالديمقراطية أو

(1) Carlo Ginzburg, Occhiacci di legno: Nove riflessioni sulla distanza (Macerata: Quodlibet, 2019), p. 11.

الحقوق المدنية. وردًّا على هذا الاتجاه الشائع، يهدف كتاب أوغو فابييتي، الشرق الأوسط: إطالة أنثروبولوجية، إلى تحليل المغالطات والتصنيفات الخاطئة المستمدّة من مفهوم الشرق الأوسط وتغييرها ودحضها. وغرض المؤلف الرئيس هو تقديم قراءة أنثروبولوجية «لمجموعة من السِمات الثقافية والاجتماعية للمجتمعات التي عاشت في الشرق الأوسط منذ آلاف السنين»، وتجنّب التعميم وإعطاء صورة تقريبية، والتركيز بدلً من ذلك على السياق. يخاطب الكتاب، الصادر باللغة الإيطالية، ويتألف من عشرة فصول، عموم الجمهور. ويحاول بناء وعي متماسك وتحفيز حوار مثمر بشأن التنوع الذي بات ضروريًا اليوم في المجتمعات الغربية خاصة. وباستخدامه لغة واضحة، يشجع فابييتي القرّاء على التفكير مليًّا في التصوّرات والقوالب

النمطية والأسئلة المتعلقة بالشرق الأوسط: ماذا يعني الشرق الأوسط؟ هل هناك هوية شرق أوسطية؟ ما دور الإسلام؟ ومن خلال أمثلة شتّى،

يُقدّم الكتاب إجاباتٍ قيمة عن هذه الأسئلة، ومن ثم، يتماشى مع التعقيد الفعلي لهذا الواقع. هذا الكتاب يتحدث عن ثقافات تمتد «بين العلمانية من جانب، والأصولية الدينية التي غالبًا

ما تُصاحبها مظاهر عنيفة من جانبٍ آخر»؛ بين «الرغبة في الديمقراطية من جهة، والاستبداد من جهة أخرى [...] بين الماضي والحاضر، بين التقليد والحداثة» (ص. 11)

«الشرق الأوسط»: اختراع غربي

إن إحدى أصعب المشكلات عند تناول «الشرق الأوسط» هي مشكلة التعريف. فمثلً يُعرّف فابييتي «الشرق الأوسط» بأنه تعبير عام،

غير واضح المعالم، يتضمّن مجموعة من

الخصائص «التاريخية واللغوية والجغرافية والثقافية والدينية»، المرتبطة ارتباطًا وثيقًا في ما بينها (ص. 13). ومن هنا يبدو أن «الشرق الأوسط» مفهوم مصطنع، يهدف إلى توحيد أنظمة ووقائع، يُنظر إليها بوصفها مختلفة. بهذه الطريقة، يجب مناقشة أصل التعبير في الاتجاه العام لتعريف «الآخرين» في نظام قيم معترف به ومقبول: النظام الغربي وفقًا لهذا الكتاب. يمكن القول عمومًا إنه عند الحديث عن الغرب، فإننا نفترض وجود نقيض له: «أصبح الشرق [وتصنيفه إلى ‘أوسط’ و‘أدنى’ و‘أقصى’] القطب ‘المغاير’ و‘الآخر’ بالنسبة إلى الغرب»، وبات، في الدرجة الأولى ما يسمونه «عبء  الرجل الأبيض». وعلى مر السنين، أخذ تصوير الآخر أشكالً مختلفة: «صراع الحضارات»، وفكرة التحديث المفقود، والتحول الأصولي، وكذلك ضرورة تصدير القيم الديمقراطية. وينطبق الشيء نفسه على صفة «الشرق الأوسط» التي غالبًا

ما تشير إلى سمات سلبية ومتباينة، كما هو الحال بالنسبة إلى مكوّنات «منطقة» الشرق الأوسط:

العلاقات الاجتماعية، والفرد ودوره في المجتمع، والسياسة، والعرب والعروبة، والإسلام، والسامية، و«العقل العربي». أطلق إدوارد سعيد على هذه العملية اسم «الاستشراق»، وهو «مجموعة كتابات نظرية وعملية استُثمر فيها مادّيًا طوال أجيال»، و«نظام لمعرفة الشرق، وفيلم دخل الشرق من خلاله

(2) Massimo Campanini, Storia del Medio Oriente contemporaneo (Bologna: Il Mulino, 2006), p. 7. (3) Edward Said, "Shattered Myths," in: Alexander L. Macfie, Orientalism: A Reader (Edinburgh: Edinburgh University Press, 2000), p. 89.

إلى وعي الغرب وثقافته». لذلك، من المهم التغلّب على هذا الميل برفض الأفكار والتصوّرات المسبقة المستمدة من فكرة الآخر، ومن الشعور العام بالخوف من «الآخر». على الرغم من تحرير النقاش العلمي من التشوّهات، فإن تعبير «الشرق الأوسط» لا يزال يعتمد حتى اليوم على دوافع واعتبارات تاريخية وجغرافية وثقافية مختلفة. والمعنى الأنثروبولوجي هو، على سبيل المثال، «منطقة تظهر فيها – على الرغم من وجود اختلافات واضحة – أشكال تاريخية متكررة للتكيّف، وسِمات ثقافية مرتبطة

بنظام المعاني نفسه، وبوجهات نظر عالمية مختلفة (غالبًا ما تكون غير متوافقة، لكنها مرتبطة بجذور

تاريخية مشتركة)، وبمؤسسات اجتماعية قائمة على المبادئ الأخلاقية والافتراضات العملية نفسها» (ص. 16). وعالم الأنثروبولوجيا، والباحث عمومًا، مدعوان إلى تجنّب التصنيفات المسبقة، والتركيز على مختلف «ميادين العمل» و«مجالات المعنى» التي تجري فيها عملية التبادل الاجتماعي والرمزي (ص. 55)

«هويات قيد البحث»

عند تناول قضايا الشرق الأوسط، يؤدي تعريف الهوية الشرق أوسطية دورًا مركزيًا أيضًا. وفي الواقع، غالبًا ما يكون هناك ميل إلى الحديث عن

المجتمع العربي، أو بصفة أعم، العالم العربي، بطريقة مُبسّطة، بمعزل عن مجموعة من العمليات

(4) Edward Said, Orientalismo: L’immagine europea dell’Oriente (Milano: Feltrinelli Editore, 2013), p. 16.

(((يُشدّد المؤلف على أنه يمكن العثور على بعض السمات

في مكان آخر، خارج ما يسمى الشرق الأوسط؛ سيكون هذا

دليً على استحالة تبنّي تصنيف وحيد، وضرورة التفكير في

سلسلة علاقات أكثر شمولً.

التاريخية والاجتماعية والثقافية التي ميّزت هذه المنطقة. فمن جهة، يُعزّز هذا الاختزال فهمًا جماعيًا مشوّهًا للشرق الأوسط. ويشحن من جهة أخرى، سلسلة من العمليات الداخلية داخل مجتمعات الشرق الأوسط من حيث التمثيل الذاتي والإدراك الذاتي. ووفقًا لماسيمو كامبانيني، فإن نتيجة هذا الاتجاه المزدوج هي «تشويه الصور المتبادلة» الذي يصبح عاملً رئيسًا في العلاقات بين الغرب والشرق. يتّفق فابييتي مع الفكرة القائلة باستحالة اعتماد تصنيفات تستند أساسًا إلى معايير لغوية ودينية في أثناء دراسة الشرق الأوسط. وفي هذا المجال، أسفرت عملية بناء الدولة القومية عن إنشاء دول لا تتّسم بتجانس لغوي وثقافي وديني، وترسيخ سلسلة انقسامات داخلية يصعب علاجها. ولهذا السبب، يُنظر إلى الشرق الأوسط عادةً باعتباره «فسيفساء»، يتّسم بتشظٍ شديد، ومن ثم بمستوى عالٍ من الاضطرابات. وعلى العكس من ذلك، يجب البحث عن أصل هذه الاضطرابات في الإطار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي حصل فيه الصراع، ولا يمكن تكوين فهم أفضل «للهويات قيد البحث» إلّ عبر تحليلها من حيث المكان والزمان، مع التركيز على العلاقات الفردية والاجتماعية داخل المجتمعات ومع العالم الخارجي. في عام 1940، قال عالم الأنثروبولوجيا إيفانز– بريتشارد إن النهوض بهذا الحقل من البحوث يستوجب اعتماد «مفاهيم مناسبة للعلاقات،

(6) Said, "Shattered Myths," p. 89. (7) Campanini, p. 8.

يُعبَّر عنها بالأوضاع الاجتماعية». واستخدم

فابييتي هذا المنظور، وركّز على الجوانب الأكثر إثارة للجدل في ما يتعلق بالفرد وعلاقاته بالأسرة والمجتمع والخارج. وبتبنّيه نظرية غوليك بشأن «مبدأ انعدام الأمن»، يركّز المؤلف على مفاهيم المأوى والخطر والتصور الاجتماعي والمركز والتمثيل، وعلى تحليل معمّق لمضامين شتى: الأبوّة والنسب وتضامن الأقارب والعرق وعرض دراسات عيانية مختلفة. وبناء عليه، إذا أردنا مناقشة الهويات والتمثيلات الشرق أوسطية على نحو صحيح، لا يمكن استخدام مفاهيم ضيّقة

وثابتة؛ إذ تتحدّد الهوية الفردية ضمن العلاقات الاجتماعية، وهذه بدورها مرنة ومتغيّرة ومنوّعة

ومرهونة بالظروف. يرتدي هذا الخطاب أهمية خاصة عند ربطه بقضايا الحداثة والعولمة؛ وحتى فكرة «القبَلِيَّة»، كما يؤكد

فابييتي، «هي الحل لمسألة غياب المؤسسات والأيديولوجيات الموحِّدة» (ص  117 وأدّت). التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي أسفرت عن إدخال التعليم المدرسي ونشره ووسائل الإعلام الجديدة، إلى تغيير عميق في تصوّر الفرد لذاته واتصالاته مع الآخرين؛ وهكذا، أعادت عمليات التحديث والعولمة تعريف مفهوم الفضاء والعلاقة الاجتماعية. إن «قضية المرأة» أو «مشكلة المرأة»، وهي مهمة جدًا في النقاش المتعلق بالشرق الأوسط،

(8) Edward E. Evans–Pritchard, I Nuer: Un’anarchia ordinata (Milano: Franco Angeli Editore, 2002), p. 344.

(((كما افترض عالم الأنثروبولوجيا جون غوليك، يشير تعبير «مبدأ انعدام الأمن» إلى «موقف عقلي، صيغ وعمم ثقافيًا (و

[...] تاريخيًا)، وهو مصدر توتر، ويشكل جانبًا أساسيًا من نظام

الع قااات العامة والخاصة»، الذي استشهد به كتاب فابييتي (ص. 90)–86

واضحةٌ في مثل هذا التحليل. فوفقًا للمؤلف، يُعدّ «الهوس الغربي» بشأن اضطهاد المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط نتيجة لتحيّز مشترك،

يهدف إلى تأكيد التفوق الغربي. وهنا أيضًا، من أجل تجاوز هذا التشويه، وتحسين فهم دور المرأة ومكانتها في مجتمعات الشرق الأوسط، يتعيّن

مراعاة عوامل ثقافية واجتماعية واقتصادية وزمنية عدة. لعل المثال الأكثر دلالة هو الحجاب. فكلمة «حجاب» تنمّ عن تبسيط شديد. وهي من جهة، تُستخدَم للإشارة إلى مجموعة مركّبة من العادات المختلفة، ومن جهة أخرى، تُصبح رمزًا إلى «الظلامية الإسلامية»، مع أنه يحمل معانيَ كثيرةً:

الاحتجاب والحماية والتحدي والإغواء والسيطرة والحياء. وكما يقول فابييتي، من الضروري أن نضع في اعتبارنا أن أي مخطوطة رمزية تتفاعل مع الظروف ويمكن أن تتكيّف معها. ويُرجى من

القارئ أن يتجنّب أي موقف اختزالي وأن يتبنى نهجًا أكثر توازنًا، ويركز بالأساس على الاختلافات

التي تميّز أي واقع.

المسألة الدينية: دور الإسلام

تُعدّ المسألة الدينية، لأسباب مختلفة، مشكلةً كبرى أخرى تتعلق بالشرق الأوسط. فللدين الإسلامي، أولً، مكانة راجحة ودور مهم في هذا المجال؛ إنه متغير أيديولوجي وسياسي. وثانيًا، تُعدّ منطقة الشرق الأوسط فضاءً للتواصل

والصراع بين الأديان المختلفة. وثالثًا، كان الإسلام

(((1 في هذا الصدد، ما يثير الاهتمام بوجه خاص هو عمل الباحثة الإيرانية فريبا عادلخان عن أهمية الحجاب واستخدامه بين «المسلمات»، الذي استشهد به في كتاب فابييتي (ص –194

(11) Campanini, p. 8.

ودوره السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولا يزال، موضوعًا لنقاشات عدة، ينجم عنها في معظم الحالات عدم الدقة وتشويه الحقائق. وينطبق هذا بصورة خاصة على الوقت الحاضر، سواء من حيث الخيال الغربي وتفسير الدين الإسلامي بوجه عام، أم الدور الذي قام به الإسلام في مرحلتي المطالبة والانتقال، أو ما  يسمى «الربيع العربي»، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، اعتبارًا من عام 2010. والسؤال الأساسي هو عن دور الإسلام من وجهة نظر سياسية واجتماعية؛ والمشكلة هي أن هذا السؤال يُطرح عادة من دون تقييم السياق التاريخي. يتناول المؤلف الموضوع الديني بالتركيز على جانبين: العلاقة بين السياسة والدين، والتجربة الدينية من منظور فردي واجتماعي على حد سواء. ويناقش آثار اندماج المجالين السياسي والديني بعرض حالة السعودية. وبفضل هذا المثال، يتبيّن

بجلاء أن الإسلام كان قوة دافعة أساسية في عملية بناء الدولة والمبدأ الأساسي للشرعية السياسية والدعم السياسي. بيد أنه يمثل أيضًا القاعدة التي تنطلق منها التحريفات والمبالغات، مثل الاتجاهات المتطرفة والأصولية. وبشأن التجربة الدينية، تختار دراسة فابييتي الدور الاجتماعي للإسلام منظورًا ينطلق من القاعدة، أهدافه هي الأفراد والعادات والعلاقات بينهم، وكذلك المجتمعات. مرة أخرى، يبدو الاتصال بالتحديث والعولمة ذا قيمة خاصة. فإذا افترضنا أن القرن الحادي

(((1 في ما  يتعلق بدور الدين الإس مااي، وعلى نحو عام النقاشات والأسئلة المتعلقة بمرحلة ما بعد عام 2010، ينظر:

Gian Paolo Calchi Novati (ed.), Verso un nuovo orientalismo: Primavere arabe e Grande Medio Oriente (Roma: Carocci editore, 2012).

والعشرين يمثل، بالنسبة إلى العالم الإسلامي، لحظة «انفصال أيديولوجي وروحي بين الماضي والحاضر، والتقاليد [...] والحداثة »، فإن هذا يقودنا إلى التساؤل عن موقف الدين ودوره في المجتمعات الحديثة والمعاصرة؛ هل يمثل الإسلام ركيزة ونظامًا أساسيًا للقيم؟ أهو أداة

ضرورية للانتقال والتغيير أم شيء يجب التخلّي عنه ورفضه؟ تشكل هذه الأسئلة جزءًا من حوار موسّع، يجذب

الأضواء هذه الأيام، يتعلّق بوجود «إسلام حديث» ودوره في العالم المعاصر، وخصوصًا بشأن

التغيرات الاجتماعية والسياسية (مثل التوافق مع القيم الديمقراطية). وغالبًا ما تكون الإجابات

متباينة وتستند إلى وعي غير متعمّق. يُعزى جزء كبير من التحامل الغربي على الشرق

الأوسط إلى الدين الإسلامي، كما لو أنها صفات جوهرية للدين نفسه؛ هذا هو حال دور المرأة والموقف منها في الأسر والمجتمعات، وكذلك التصنيفات المتعلقة بالمجال الفردي والعلاقات الإنسانية؛ أو حتى السياسات الداخلية والخارجية والموقف في الشؤون الدولية، عند الحديث عن المؤسسات السياسية. أما بالنسبة إلى الحالات السابقة، فلا يمكن إجراء تقييم صحيح لدور الإسلام إلّ من خلال ترتيب الظواهر في سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث يتّخذ الدين أدوارًا ودلالات محدّدة. من الأمثلة الصارخة على ذلك عملية تطرف فكرة الرأي العام المتعلقة بالإسلام بسبب الهجمات الإرهابية في العشرين عامًا الأخيرة، بدءًا من

عام 2001؛ أما بالنسبة إلى الأصولية، فالإرهاب،

(13) Massimo Campanini, Islam e politica (Bologna: Il Mulino, 2015), p. 265.

بحسب تلك الفكرة المتطرفة، جزء طبيعي من الدين الإسلامي. لكن كما يدّعي المجتمع العلمي، كي يتسنّى تحليل هذه الظواهر، ينبغي أن يكون السياق نقطة البداية. السياق هو حجر الزاوية في بناء فهم صحيح لجميع تلك الجوانب، مثل فكرة الجهاد والاستشهاد والحج والإرهاب والتطرف، التي تُربَط تلقائيًا بالإسلام،

والتي بدورها لها طبيعة بالغة التعقّد.

خاتمة

الشرق الأوسط الذي رسمه أوغو فابييتي هو منطقة يتوافر فيها مجموعة من الحقائق الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية المختلفة، وترتبط جميعها بخصائص وعناصر مشتركة. وفي نهاية القراءة، يظهر الشرق الأوسط حقيقة معقدة، ويحثّ المؤلف القارئ على إمعان التفكير في أكثر الصور النمطية والمغالطات انتشارًا واستعمالً وإساءة. وتُعدّد صفحات الكتاب أوجه التنوع الاجتماعي والثقافي، معتمدة وجهة نظر متّجهة من القاعدة، كما هي العادة في النهج الأنثروبولوجي، وتشير إلى أهمية الظروف العيانية في أي نوع من التحليل. وهكذا تظهر الخلفيات التاريخية والمؤسسية والأيديولوجية، باعتبارها العنصر المحوري لمعرفة وفهم سليمين. يُدرج كتاب الشرق الأوسط: إطالة أنثروبولوجية ضمن الدراسات الأنثروبولوجية العلمية المتعدّدة المستويات والأبعاد، التي تهدف، كما أوضح

(((1 على سبيل المثال:

Enzo Pace & Renzo Guolo, I Fondamentalismi (Roma/ Bari: Editori Laterza, 2002); Campanini, Islam e politica ; Cemil Aydin, The Idea of the Muslim World: A Global Intellectual History (Cambridge: Harvard University Press, 2017).

إدوارد سعيد، إلى إعادة سرد ثقافات ومجتمعات وعوالم «الآخرين»، وإعادة تركيبها وإظهارها وإعطاء صوت للأفراد والعادات والتقاليد (الصغار والكبار على حدّ سواء) والتخلي عن نهج خارجي ومغاير وأوروبي المنحى. إضافة إلى ذلك، يتميّز

كتاب فابييتي بجمع أكثر قضايا الشرق الأوسط إثارة للجدل، والجمع بين عمل المؤلف وعمل باحثين آخرين، كما يتضح من قائمة المراجع الغنية. وهو يخاطب عموم الناس، باستخدام لغة بسيطة ومباشرة، مع الحفاظ دائمًا على منظور

تاريخي ضروري؛ جميع هذه الميزات بالغة الأهمية، ولا سيما في المجتمعات الغربية اليوم، حيث تستمر حلقات «الإسلاموفوبيا» والعنصرية

المراجع

والتباعد الاجتماعي، وفوق كل ذلك، «الخوف العام من الاختلاف». الحصيلة النهائية، إنه كتاب يساهم في تحديد فكرة الشرق الأوسط وتوضيحها، مع إبراز أهم الجوانب والديناميات المتّصلة بها: الفردية والمجتمع والعلاقات الاجتماعية. وأخيرًا، يبدو

واضحًا أن المغالطات والقوالب النمطية المرتبطة

بالشرق الأوسط كانت، ولا تزال، إجابة خاطئة عن معتقدات وقناعات مبررة استنادًا إلى «صراع الحضارات» وعدم التوافق بين الثقافات وغياب التحديث.

References

Aydin, Cemil. The Idea of the Muslim World: A Global Intellectual History. Cambridge: Harvard University Press, 2017. Campanini, Massimo. Islam e politica. Bologna: Il Mulino 2015. ________. Storia del Medio Oriente contemporaneo. Bologna: Il Mulino, 2006. Ginzburg, Carlo. Occhiacci di legno: Nove riflessioni sulla distanza. Macerata: Quodlibet, 2019. Macfie, Alexander L. Orientalism: A Reader. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2000. Novati, Gian Paolo Calchi (ed). Verso un nuovo orientalismo: Primavere arabe e Grande Medio Oriente. Roma: Carocci editore, 2012. Pace, Enzo & Renzo Guolo. I Fondamentalismi. Roma/ Bari: Editori Laterza, 2002. Evans–Pritchard, Edward E. I Nuer: Un’anarchia ordinata. Milano: Franco Angeli Editore,

Said, Edward. Orientalismo: L’immagine europea dell’Oriente. Milano: Feltrinelli Editore,