العودة إلى تفاصيل المؤلَّف إبستيمولوجيا الجائحة: مقدمة المحرر الضيف للعدد

إبستيمولوجيا الجائحة: مقدمة المحرر الضيف للعدد

Epistemology of the Pandemic: Guest Editor's Introduction

دارم البصام| Darim Albassam *

الملخّص

يضمُّ هذا العدد الخاص من دورية عمران للعلوم الاجتماعية حول "إبستيمولوجيا الجائحة" أعمالًا لمفكرين وباحثين في الحقول المختلفة للعلوم الاجتماعية، الذين لكلٍ منهم مساهمته المتميزة في حقل اختصاصه. إلا أن ما يجمعهم في إطار الكتابة حول جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) هو تجاوز الحواجز الإبستيمولوجية Epistemological barriers لمجالهم والقيام بتطوير مقاربات جديدة لدراسة الظاهرة.

Abstract

Epistemology of the Pandemic

الكلمات المفتاحية:
  • الجائحة
  • إبستيمولوجيا
  • مخيال سوسيولوجي
  • فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)
Keywords:
  • Epistemology
  • Sociological Imagination
  • Pandemic
  • Covid-19

Introduction to the Issue

يضمُّ هذا العدد الخاص من دورية عمران للعلوم الاجتماعية حول «إبستيمولوجيا الجائحة » أعمالً لمفكرين وباحثين في الحقول المختلفة للعلوم الاجتماعية، الذين لكلٍ منهم مساهمته المتميزة في حقل اختصاصه. إلا أن ما يجمعهم في إطار الكتابة حول جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–) هو تجاوز الحواجز الإبستيمولوجية barriers Epistemological لمجالهم والقيام بتطوير مقاربات جديدة لدراسة الظاهرة. لماذا؟ وما الذي دفعهم إلى مثل هذا التجاوز؟ وما سبب التخلي عن «البراديغمات» السائدة والمألوفة في منطق البحث العلمي والتفكير في منهجيات وأطر نظرية جديدة ومغايرة؟ لعل الدافعية لكل ذلك قد أتت من القطيعة الإبستيمولوجية التي فرضتها لحظة الجائحة على نحوٍ جعلها مستعصية على الفهم بالرؤى والأدوات التقليدية. جعلتنا مثل هذه القطيعة نطرح على أنفسنا، بوصفنا باحثين في حقول العلوم الاجتماعية، أسئلة مفصلية، منها: هل نفكر في ما نفكر فيه بسبب ما نلاحظه ونراه؟ أم هل نرى ما نرى بسبب ما نفكر فيه؟ قد يبدو هذان السؤالان بسيطَين، لكنهما ليسا كذلك، فهما يطرحان مسألة «العائق الإبستيمولوجي في توليد المعرفة». هنالك العديد من التحيزات التي تؤثر في معقولية منطقنا، من ذلك فَهْم المشكلة بعد حدوثها، والحكم بمعايير مسبقة، والتأثر بمسلّمات البراديغمات السائدة، والتأثر بنمط التفكير غير المنظّم ذي النزعة الانتقائية. كل ذلك سيستدعي منّا أن نوجّه الانتباه إلى تلك التحيزات وأن ننظر إليها بمنظار إشكالي؛ فمنطق ظاهرة كونية مثل هذه الجائحة يجعل من غياب المعرفة حولها أشد صلة بالمعرفة التي نمتلكها عنها. تسلّم الدراسات في هذا العدد بأنّ الأزمة الإبستيمولوجية في هذا المقطع التاريخي الذي جاءت في إطاره الجائحة هي أزمة ثقافية سببها عدم قدرتنا على تخيّل طرق بديلة للتعرف والفهم. فالحقبة التطورية الحالية التي تمر بها البشرية ومظاهر التعقّد التي أفرزتها ثورة النفاذ إلى المعلومة، قد جاءتا بتبعات إبستيمولوجية ورؤية مختلفة للعالم في ما يتعلق بالسلطة والمعرفة والذات والحقيقة والزمن الاجتماعي.

كل ذلك له أثره في المخيال العلمي؛ فالجائحة قد أثبتت أنّ النظريات الكبرى ومساهماتها قد تعجز عن إيراد تفسيرات لما يجري، بعد أن أصبحت النظم الاجتماعية في حالة تعرية، وأنّ جميع المؤسسات والعلاقات والتفاعلات في إطار ذلك أصبحت ذات إشكالية. يعني هذا أنّ الفرضيات المسلّم بها للحياة اليومية قد تزعزعت وأصبحت محل تساؤل وعدم يقين. بتعبير أكثر دقة، يمكن التأكد من أنّ الجائحة ليست حدثًا منفردًا أو لحظة محددة في التاريخ كي تحدث تلك القطيعة، ولكنها جاءت في إطار حقبة تحولية تآكلت فيها الطرق القديمة للتعرف إلى الظواهر والتحقق منها، في الوقت الذي لم تتبلور بعد بدائل من ذلك بصورة كاملة. يعني هذا التحوّل أنّ التغير لا يحدث ببساطة على سطح الأشياء ولكن بالأساس على المستوى الإبستيمولوجي: مستوى المبادئ الأساسية للحقبة التأريخية الحالية ورؤيتها للعالم. سوسيولوجيًا، يتشكل مخيالنا العلمي في إطار حالة مستمرة ومتراكمة من أثر العلوم المصنّعة Sciences Manufactured، التي تشتغل بطريقة شبه آلية وتقوم بعملها على نحوٍ يمنعنا من التحقق من أنّ المستقبل يولد وينشأ ونحن في غفلة عنه. يحدث ذلك، ببساطة، لكوننا أسرى تمثلاتنا الإبستيمولوجية للعالم. يعتقد المؤرخ والمحقق في فلسفة العلم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار، والذي استعانت بآرائه دراسة دارم البصام في هذا العدد، أنّ هناك حواجز إبستيمولوجية تمثّل التحدي الفكري الذي يواجه العلماء والباحثين في عملهم. ومن أجل التوصل إلى رؤى ومقاربات جديدة في النظر إلى المشكلات في العلوم، على الجماعة العلمية أن تتغلب على الحواجز الإبستيمولوجية، وعلى العوائق التي تفرضها رؤيتهم المسبقة للعالم. وهو بهذا يعتقد أنّ العلوم لا تمر عبر الزمن بتطور خطّي مستمر، ولكن بهزّات تتميز بالقطيعة مع الفكر العلمي المألوف. هذه التقطعات في التاريخ، والتي قد تزيد من حدّتها الكوارث، كما هو الحال مع كارثة جائحة فيروس كورونا، هي التي تولّد مقاربات جديدة للمشاكل العلمية، وتؤدي غالبًا إلى مقاربات جديدة للعلم عمومًا. في هذا الإطار، يأتي مفهوم «الإبستيمولوجيا الكارثية» الذي أوضحته دراسة فرانسيس بير وروبرت هاريمان في هذا العدد، والذي يعني عندهما ضرورة السعي لتجنب إعادة إنتاج الأوضاع التي ولّدت الكارثة، والاعتراف بأنماط العجز البنيوي التي أفرزتها الأزمة. وبذلك، يدعو الباحثان إلى اكتشاف مصادر المعرفة المفقودة وإلى ربط أنفسنا (بوصفنا باحثين) بوسائل وأدوات متعددة لتطوير الذات العارفة المتمكنة من تحديد المستقبلات البديلة، حيث إنّ التغلب على الحاجز الإبستيمولوجي يمكن أن يقودنا إلى تطوير معمار نظري مختلف تبقى أبعاده محل نقد وتحوير وتطوير أو حتى هجران. نقطة الإقلاع في كل ذلك هي أن نطوّر مخيالنا وأن نتصور العالم على نحوٍ مختلف في تطوير المعرفة. يشير الباحثان في هذا السياق إلى أنّ البيولوجيا وعلوم الأوبئة والطب الحيوي كلها حقول تعمل لفهم ظاهرة الجائحة في إطار أدوات نمطية يمكن أن تُدعى بالعلوم المألوفة science Normal، وأنّ النظم والمعايير التجريبية تولّد مناهج ذات صدقية وفق معايير لتلك النظم والسياقات المهيكلة.

وفي نظرهما، فإنّ هذا الشكل أو النمط وحده لا يكفي لدفع استجابات فاعلة عبر الفضاءات الأخرى للتنظيم الاجتماعي. إحدى منافع مقاربة «الإبستيمولوجيا الكارثية» التي طوّرها بير وهاريمان هي قدرتها على إثارة الأسئلة التالية: لماذا تصل «المعرفة» متأخرة جدًا؟ ولماذا نستمر في تكريس تعلّم ما نعلمه أساسًا؟ ولماذا لا يكفي رصيدنا من «التعرف» أساسًا لإحداث التغيير؟ في السياق نفسه، ترينا دراسة دارم البصام في هذا العدد أنّ الفشل في توفير فهم حقيقي لإبستيمولوجيا الجائحة كان بمنزلة الإعلان عن «نهاية عهد البراديغمات»، إذ يرى الباحث أنّ المعرفة العلمية لم تعد قادمة من النظريات الكبرى، بل تتطور دائمًا ضمن محددات يتم اكتشافها من خلال دراسة الدينامية الاجتماعية للسياق المجتمعي المدروس، وأنّ الخطاب السوسيولوجي يجب أن يتم تطبيقه في سياقه الخاص من أجل الإنتاج المعرفي وفقًا لإبستيم الثقافات المختلفة. يعني ذلك عنده الحاجة إلى تطوير سوسيولوجيا تجريبية لفهم ظاهرة الجائحة. بمعنى آخر، ضرورة إعادة التبصّر، إبستيمولوجيًا، لإحداث انعطافة في الفكر السوسيولوجي الشائع، وتبنّي مقاربة للتعامل مع الوباء ضمن نسقه المعقّد. فهذا المخبر الحي الذي ولّدته الجائحة يحتاج، في نظره، إلى تفكير نسقي مغاير وإلى رؤية وأدوات منهجية جديدة. فالمقطع التاريخي الحالي هو بمنزلة بوابة بين عالم وآخر؛ ما يجبرنا على إعادة ترتيب المخيال السوسيولوجي حول ما هو «اجتماعي» و«ثقافي»، وفي العلاقة بما هو بيولوجي. ويعتقد البصام في مقاربته أنّ اللحظة التي أصبحت فيها الجائحة ظاهرة اجتماعية هي اللحظة ذاتها التي تتطلب تعريفًا اجتماعيًا. واللحظة التي تحوّل فيها الوباء إلى كارثة، هي اللحظة ذاتها التي تتسبب في قطيعة إبستيمولوجية مع الحقيقة كما اعتدنا على التسليم بها. بقي الفهم الإبستيمولوجي الشائع إلى وقت قريب يؤكد أنّ المعرفة العلمية يجب أن تتيح تمثيلً موضوعيًا للعالم الخارجي، وأنّ هذا العالم، مهما بلغت درجة تعقّده، يمكن مفصلته وحلّه من خلال اجتزاء الظواهر واختزالها إلى أبسط مكوناتها. ولكن من الواضح أنّ هذه التطورات قد وصلت إلى طريق مسدود، فالعقل البشري يتّسم بالتعقّد ولا يحمل صفة الخطية. وهو بذلك يتمرد على كل المحاولات «الاختزالوية» و«الحتموية» لفهمه. تنحو الأوبئة هي الأخرى نحو التعقّد واللاخطية في سلوكها، بحيث تنتج آثارًا لما يمكن ولما لا يمكن التنبؤ به أو توقّعه، وذلك من خلال التفاعل والتكيّف في الوسط الثقافي، على نحوٍ يولّد بيولوجية/ ثقافية (بايو–ثقافية اصطلاحًا) نستطيع من خلالها أن نختبر كيف أن العمليات السوسيوثقافية والاقتصادية السياسية تؤثر في الموقف من الجسد والصحة والاعتلال وإعادة إنتاج الحياة. مثل هذا التبصّر النسقي القائم على التعقّد والتكيّف والذي تحاول دراسة دارم البصام تطوير أبعاده في هذا العدد يساهم في إعادة تعريف الرؤية الإبستيمولوجية لسوسيولوجيا الجائحة، حيث يزوّدنا بعدسات مغايرة ننظر من خلالها إلى ظاهرة الوباء في سياقها المجتمعي بكل تعقّداته، على نحوٍ يتيح

للباحث السوسيولوجي إمكانية تفكيك الأحداث والعلاقات والرؤى المختلفة للعالم لدى الجماعات الاجتماعية في الأنساق الفرعية وإعادة تركيبها، والتمكّن من فهم الدوافع وأنماط السلوك المستبطنة التي لا يمكن تغطيتها عادةً بالمناهج التقليدية؛ إذ يجري إهمالها في عمليات التجريد والتصنيف التي عادة ما تمليها منهجية التفكير العلمي المنطقي الذي اعتدناه. في السياق السيكولوجي لمناقشة موضوع «الإنسان والجائحة»، وفي إطار تداخل موضوعات الأبحاث وتقنياتها المنهجية، تتساءل دراسة بنعيسى زغبوش في هذا العدد عن تحليل بنية التفكير التي طبعت البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ويناقش الباحث الثنائية المتمثلة في البيولوجي–العصبي/ الثقافة أو الفطرة/ الاكتساب، ويعتقد أنّ هذه الثنائية في العلوم المألوفة قد تكون في موضع إشكالي ومساءلة إبستيمولوجية بعد أن تدخّل عامل ثالث من أصول طبيعية (فيروس جائحة كورونا) ليحدث بيئة اجتماعية جديدة تتطلب رؤية مغايرة، تتجاوز في تبعاتها التأثير في الفرد في ذاته وتتوسّد في فضاء علاقاته وسياقات وجوده، ما يدفع الباحث السيكولوجي إلى الدعوة إلى تغيير المعادلة المعرفية ذاتها. أخيرًا، وفي سبيل توفير الأرضية للإضافات المعرفية التي تقدّمها الدراسات، عمل هذا العدد الخاص على إجراء مسحٍ شبه كامل لمساهمات العلوم الاجتماعية في المجتمعات الغربية في دراسة ظاهرة الجائحة، وذلك من خلال دراسة تفصيلية للباحث دومينيك فانك الذي أكد أنّ الجائحة قد وضعت على المحك معارفنا السابقة عن المجتمع وقدرته على إنتاج نفسه، حيث اتضح من خلال ما تم إنجازه من بحوث ودراسات أنه تم تدوير المفاهيم الجاهزة واستخدام البراديغمات المألوفة وتبنّي أطر مرجعية تعود إلى الماضي من أجل تحليل الحاضر وتفكيكه والقيام بالاستشرافات المستقبلية على نحوٍ خطّي من أجل التنبؤ بواقع ما بعد الجائحة. عمومًا، كما تبيّن الدراسات المسحية لدومينيك فانك، فإن دراسات التفاعلية الرمزية وأنماط التفاعل الاجتماعي وسلوك المواجهة للفاعل الاجتماعي هي التي سيطرت على غالبية البحوث من خلال التركيز على الواقع المعيش وتأثيرات الجائحة: الحجر المنزلي، والتباعد الاجتماعي ووضْع الكمامة، والوصم الاجتماعي، وسيكولوجية الخوف. كما عرضت دراسة فانك كمًا آخرَ كبيرًا من الدراسات الماكروسوسيولوجية لمعالجة الجائحة في إطار مجتمع المخاطر ومكانة العلم في المجتمع، إضافةً إلى بحوث السياسات العامة وطرق إدارة الحالة الاستثنائية للجائحة وأساليبها، والتطرق إلى قضايا تعدّد مصادر المعلومات وتضاربها ودور وسائل الاتصال الاجتماعي في ذلك. وهي تكشف بحقّ الطرق التي تعاملت بها الجماعات العلمية والسياسات العامة في البلدان الغربية مع جائحة فيروس كورونا، ونقاط ضعفها وقوّتها المعرفية والاجتماعية. أخيرًا، وعلى المستوى الدولي، يذكّر الباحث بتوافر عديد الدراسات التي تناولت الجائحة بوصفها ظاهرة كونية، وأهمية التضامن والتعاون الدوليَّين، والتنسيق بين الأنظمة الصحية الوطنية والمنظمات الدولية والجهات المانحة مقابل القضايا السيادية.