تحولات دولة الرعاية في الجزائر: السياسات الاجتماعية على مِحك أزمات الاقتصاد والتنمية
Transformations of the Welfare State in Algeria: Social Policies on the Line of Economic and Development Crises
الملخّص
تروم هذه الدراسة الكشف عن العلاقة بين تحولات الدولة الريعية الاجتماعية في الجزائر وإكراهات المسألة الاجتماعية، في سياق وضع اقتصاديّ متأزم. وتحاول فَهم السّياقات التاريخية والأيديولوجية التي ساهمت في ظهور الدولة الاجتماعية ورأسمالية الدولة، وكذلك تحولات السياسات الاجتماعية بالنظر إلى أزمات الاقتصاد وتعثّر مشروع التنمية. ستمكّن هذه القراءة، المعّززة بالأرقام والمقارنات الإحصائية، من معرفة راهن الدولة الاجتماعية ومآلاتها في سياق ميَّزته حالة الاحتجاج المعبّر عن احتقان اجتماعيّ متراكم خلال السنوات القليلة الماضية؛ إذ كانت ممارسات " خصخصة الدولة"، وانحرافات الأوليغارشية المالية، من أهم أسبابه وعوامله.
Abstract
Abstract: This study aims to investigate the relationship between welfare state transformations in Algeria and the coercion of the social question in the context of a crisis economic situation. It attempts to understand the historical and ideological contexts that contributed to the emergence of the social state and state capitalism as well as social policy shifts in view of the economic crises and the Development project failure. This study will try through numbers and statistic comparisons, to learn about present status and the future of the welfare state, in context characterized by the state of protest expressing social outrage
- دولة الرعاية
- السياسات الاجتماعية
- السياسات العمومية
- مشروع التنمية
- الريع
- Welfare State
- Social Policies
- Public Policies
- Development Project
- Rents
ملخص: تروم هذه الدراسة الكشف عن العلاقة بين تحولات الدولة الريعية الاجتماعية في الجزائر وإكراهات المسألة الاجتماعية، في سياق وضع اقتصاديّ متأزم. وتحاول فَهم السّياقات
التاريخية والأيديولوجية التي ساهمت في ظهور الدولة الاجتماعية ورأسمالية الدولة، وكذلك تحولات السياسات الاجتماعية بالنظر إلى أزمات الاقتصاد وتعثّر مشروع التنمية. ستمك ن هذه القراءة، المعزّزة بالأرقام والمقارنات الإحصائية، من معرفة راهن الدولة الاجتماعية ومآلاتها في سياق ميَّزته حالة الاحتجاج المعبّر عن احتقان اجتماعيّ متراكم خ لاا السنوات القليلة
الماضية؛ إذ كانت ممارسات «خصخصة الدولة»، وانحرافات الأوليغارشية المالية، من أهم أسبابه وعوامله.
Lecturer in the Sociology Department, Mohamed Lamine Debaghine University, Sétif 2, Algeria.
accumulated over the past few years, where the practices of state privatisation and aberrations of the financial oligarchy are one of their most important causes and factors.
مقدمة
كان مبدأ دولة الرعاية دائم الحضور في سياق بناء دولة ما بعد الاستقلال الاجتماعية، وذلك منذ النصوص الأولى المؤسسة للدولة الجزائرية، وتحديدًا «بيان أول نوفمبر »1954 الذي أكّد أنّ هدف حرب التحرير كان من أجل «إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة»، في لحظة ثورية كانت ضدّ كلّ ممارسات الاستعمار وأيديولوجيته الإمبريالية التي صادرت الحرية والسيادة كما صادرت الاقتصاد والثروة والأرض. لقد تأسست الدولة الاجتماعية في الجزائر في ظرف تاريخي ودولي سادت فيه السرديات الاشتراكية والتقدمية أغلب الدول حديثة الاستقلال، وفي سياق حالة من الخلط بين الاستعمار والرأسمالية، وهذا ما ظهر في أغلب النصوص المؤسسة للدولة الجزائرية لاحقًا منذ اللحظة التأسيسية في مؤتمر طرابلس في حزيران/ يونيو.1962 فرغم ما مَيز تلك المرحلة من صراع سياسي محموم على قيادة الدولة الوليدة، فإنّ طابع الدولة الاجتماعي والتقدمي كان محلّ اتفاق بين أغلب التيارات السياسية التي شكّلت المشهد السياسي ما بعد الاستقلال. ظهرت أولى بوادر ذلك النموذج التنموي «العالم ثالثي» بعد استتباب الأمر لهيئة الأركان في انتزاع السلطة وتسيّد المشهد خاصة بعد انقلاب سنة 1965، وهي مرحلة اختلطت فيها الآمال الثورية
بمنطق الدولة الاشتراكي في جزائر السبعينيات، مع تعاظم دور الدولة في مشروع التنمية، وقد اختارت له مسارات قسْرية احتكرت فيه كل أدوات الإنتاج؛ إذ كان الاقتصاد وقطاعات الإنتاج الكبرى تحت عباءة الدولة، خصوصًا بعد مسار التأميمات منذ سنة 1971، التي جرَت دسترتها سنة
1976 (لا سيما المادة 14 منه)، كضامن ومؤكد لشكل دولة الرعاية، سياسة واقتصادًا، في إطار المشروع الاشتراكي طبعًا. أنشأ هذا الوضع منظومة تعاقدات، بين مجتمع أريد له الركود ودولة رازقة واجتماعية، اجتذبت فئات اجتماعية واسعة وغير متجانسة تعيش على عطاءاتها، ومعتمدة عليها في تلبية حاجاتها للترقّي الاجتماعي، من خلال السعي للتقرب من مراكز السلطة، وموارد الريع؛ ذلك أنّ الإطار الوحيد لتحقيق الثروة هو عبرها وبها، وليس بموقعها من نظام الإنتاج والعمل، في إطار نظام مغلق على السوق والمنافسة، وبيئة تكون فيها الزبونية بكل مستوياتها طبيعة مهيمنة على العلاقات بين الدولة والأفراد، وحتى بينها وبين طبقات اجتماعية بأكملها.
(((«بيان أول نوفمبر 1954»، وزارة الاتصال الجزائرية، 2018/10/31، شوهد في 2021/6/25، في: https://bit.ly/2UxaRr3 (((الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، مجلس الأمة، دستور 1976، شوهد في 2021/6/25، في: https://bit.ly/2T65AX5
لقد استمرت هذه العلاقة عقودًا عرفت خلالها حالات من التشنج ثم الاستقرار، وأدّت فيها التحولّات العميقة التي عرفها المجتمع الجزائري، وتبدل بنية العلاقات داخله، وكذلك بينه وبين مؤسسات الدولة، دورًا مهمًّا في رسم راهن مضطرب، مع أخذ الحراك الاحتجاجي مسلكية سياسية أكثر منها اجتماعية قد تكون أكثر عمقًا وشمولية من سابقاتها في الثمانينيات. وفي هذا الإطار، ستحاول هذه الدراسة ملامسة هذا الموضوع من خلال طرح جملة من الاستشكالات التي نراها ملحّة في هذا السياق، وهي: ما السياقات التاريخية والأيديولوجية المؤسّسة لدولة الرّعاية والحاملة لمشروع السياسة الاجتماعية في الجزائر؟ هل ساهمت النزعة الاجتماعية في السياسات العمومية للدولة في نجاح مشروع التنمية؟ وهل كانت هذه النزعة مرتبطة فقط بموارد الريع وسياق تحولات السلطة في الدولة؟ ما مآلات العلاقة بين دولة الرعاية والمجتمع بعد عقود من السياسات الاجتماعية في سياق أزمة الاقتصاد في الجزائر؟
أولا: في الأسس الفلسفية للدولة الاجتماعية: دولة الرفاه في السياق الأوروبي
لقد ارتبط نشوء الدولة الاجتماعية، أساسًا، بأزمة الرأسمالية ومسألة التناقضات الطبقية في سياق تاريخي وسوسيولوجي معقّد حكم مسار تحول المجتمعات الأوروبية منذ القرن الثامن عشر؛ ف «هي نتاج التاريخ أولً وصانعة له ثانيًا. وبقدر ما تعزز دولة الرفاه التطور المتدرج لثقافة النزعة الإنسانية، بقدر ما هي جوهريًّا خاضعة على نحو أوضح لقاعدة حكم رأس المال كعلاقة اجتماعية». لقد كانت مهمة الدولة الاجتماعية في السياق الأوروبي إعادة إنتاج القوة العاملة، وذلك لصالح رأس المال ومن أجله، بحيث يتحقق توازن الساكنة بين نقطتين: الأولى دنيا؛ إذ لا تزداد فيها أعداد العاطلين عن العمل حتى تمثل قوة متماسكة اجتماعيًّا تهدّد رأس المال. أما الثانية، فهي نقطة عليا تبدأ فيها أشكال النقص في العمل على اقتطاع أرباح من خلال أجور أعلى. وتعرّف آسا بريغز Briggs Asa في سياق فلسفة الديمقراطية الاجتماعية، دولة الرفاه، بوصفها ذلك
الشكل من الدولة التي تستخدَم فيها السلطة المنَظمة بتأنٍّ وعن قصدٍ، عبر السياسة والإدارة، في التخفيف من تفاعل قوى السوق في ثلاثة مسارات أساسية: أولً، بضمان دخل أدنى للأفراد والأسر بغضّ النظر عن القيمة السوقية لعملهم أو ملكيتها. ثانيًا، تقليص حالة عدم الأمان لدى الأفراد والأسر عبر تلبية أنواع معينة من الطوارئ الاجتماعية، كالمرض والشيخوخة والبطالة، التي قد تقود إلى أزمات فردية وأسرية. ثالثًا، بضمان أنّ كلّ المواطنين، من دون تمييز في المكانة أو الطبقة، سيحصلون على أفضل المستويات المتَاحة من الخدمات الاجتماعية، وهو ما تذهب إليه ماري دالي في فهم مبدأ الرفاه على أنه «الكفاية المادية وتوفير الحاجة ضمن خدمة منظمة للمحتاجين والسكان على نطاق
(((أحمد السيد النجار [وآخرون]، دولة الرفاهية الاجتماعية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006)، ص.87 (((المرجع نفسه، ص.92 (((ماري دالي، دولة الرفاه، ترجمة عمر سليم التل (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.118
أوسع». إننا إزاء نموذج نشأ بأشكال مختلفة في أوروبا الغربية، تأسست فيه العلاقة بين الأفراد والدولة والاقتصاد بصورة تتداخل فيها الضريبة مع رأس المال مع قوة العمل، كما ترى ذلك دالي حين تتصور دولة الرفاه على أنها «دولة وَسطية تجبي الضرائب وتستثمر مجددًا في إعادة إنتاج طبقة عاملة
تبيع لرأس المال طاقة عملها المطابقة لمقتضى الحال. وبمقدار ما تحوز الطبقة العاملة الأكثر تعلّمًا
بمزيد من العافية». يقود الحديث عن الدولة الاجتماعية في السياق الأوروبي إلى الحديث عن أزمة الرأسمالية مع بدايات القرن العشرين، إننا بصدد مرحلتين تاريخيتين تميزتا بتدخل الدولة في تسيير الشأن الاقتصادي: المرحلة الأولى: هي أزمة الكساد العالمي سنة 1929 التي كانت من أكثر الأزمات الاقتصادية الدورية حدّة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ومظهرًا واضحًا من مظاهر ذلك التناقض الحاصل بين الأجور
والأرباح، الذي أكّد عدم قدرة الأفراد والشركات على تلافي المعضلات الكامنة في الاقتصاد الرأسمالي؛ ومن ثمّة حتمية انخراط الدولة على نحو أوسع في تأطير الاقتصاد وتدخلها في رسم السياسات العامة
ومراقبة السوق. لقد اتفق جون مينارد كينز مع كارل ماركس في اعتبار الرأسمالية تنطوي على بعض الخصائص غير الرشيدة، مع التسليم بإنتاجيتها طبعًا. رأى كينز أنّ خلق شكل من الاقتصاد المختلط سيساهم في تثبيت رأسمالية السوق، من خلال إدارة الطلب والتوجه نحو نوع من التأميم في قطاعات بعينها في سياق شكل من الديمقراطية الاجتماعية. عارضت رؤية كينز الماكروية فكرة التصحيح الذاتي للسوق وأنّ الاختلالات التي تعتري النظام الرأسمالي – وتحديدًا الركود الاقتصادي – لا يمكن اتقاؤها إلا تحت مفهوم «إدارة الدولة للطلب الفعال» الذي يستند إلى الإنفاق العمومي/ الحكومي مقابل الإنفاق الاستثماري والاستهلاكي الخاص. المرحلة الثانية:فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1975–1945)، أو فترة الثلاثين المجيدة les trentes glorieuses، التي رسمت ملامح عالم جديد تقتسمه، أو تتنازعه، ثلاثة مشاريع أو نماذج: • نموذج رأسمالي ليبرالي أنكلوساكسوني نشأ في بريطانيا وعاود الانطلاق في الولايات المتحدة
الأميركية، يقوم على الحرية المطلقة للسوق.
(((المرجع نفسه، ص.24 (((النجار، ص.90 (((أنطوني جيدنز، الطريق الثالث تجديد الديمقراطية الاجتماعية، ترجمة أحمد زايد [وآخرون] (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 2010)، ص.44 (((النجار، ص.176 ((1(في فرنسا مثلً عرفت هذه الفترة حضورًا كبيرًا للدولة الاجتماعية بفعل النمو الاقتصادي الكبير ونسب التوظيف شبه التامة؛ إذ
كان السبب لهذا النمو هو الاقتصاد الكينزي والتخطيط الاقتصادي الذي بني على التعاون بين الدولة وجهات العمل ونقابات العمل كان الشريك الاجتماعي في رسم السياسة الاجتماعية مسألة حيوية. خطت فرنسا خ لاا هذه الفترة خطوات متقدمة فيما تعلق
بالحماية الاجتماعية والضمان الاجتماعي وقوانين الأسرة والحد الأدنى ل جأأور. ينظر: جون ديكسون [وآخرون]، دولة الرفاهية
الاجتماعية في القرن العشرين، ترجمة سارة الذيب (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2014)، ص.164
• نموذج رأسمالي للدولة الحامية أو دولة الرفاه الاجتماعي يؤيد تدخلً أكبر للدولة، لضمان التوازن في توزيع الثروة، المستندة إلى فاعلية النظم الإنتاجية الوطنية. • مشروع اشتراكي سوفياتي أو «الرأسمالية دون الرأسماليين» الذي استقلّ عن النظام العالمي المسيطر. أفرزت مرحلة ما بعد الحرب، إذًا، ترسيمات جيوسياسية ميزتها ثنائية القطبية مع صعود الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي قوتَين صاعدتَين على أنقاض الإمبراطوريات الأوروبية المحطّمة، إضافة إلى مؤسسات سياسية ومالية كالأمم المتحدة والبنك الدولي في سياق ضرورات إعادة الإعمار وإلحاح مسألة التنمية التي لم تَعد مطلبًا أوروبيًّا حصرًا، بل ظهرت مطلبًا عالميًا لاحقًا مع حركة الاستقلالات
وبروز كتلة الدول النامية التي اعتمدت مقاربة تنموية ترسّخت من خلال التدخل الدولة الحِمائي. مثلت الديمقراطية الاجتماعية خيارًا لأغلب الدول الأوروبية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية
الثانية. وفي هذا الصدد، يقول أنطوني غيدنز: «إنّ الديمقراطية الاجتماعية هيمنت على الاشتراكية في الغرب – الاشتراكية البرلمانية المعتدلة – التي تقوم على تدعيم دولة الرفاهية [...] بما في ذلك بريطانيا. لقد كانت دولة الرفاه ثمرة لسياسات اليمين بذات القدر الذي كانت به ثمرة لسياسات اليسار، قبل أنْ يدّعي الاشتراكيون أنّهم أصحاب فكرة دولة الرفاهية»، وهو السياق الذي كان فيه للدولة مكانة مركزية في إعادة توزيع الموارد، في مقابل عدم المساواة التي قد توّلدها علاقات السوق. فالهدف
هو المساواة في إطار السياسات الاجتماعية. تمدّدت الأحزاب ذات الرؤية الاجتماعية تحديدًا بعد تفكك الكتلة الشرقية السوفياتية سنة 1989 وتحوّل
أغلب الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية إلى الاقتراب من طروحات الديمقراطية الاجتماعية. إننا إزاء دولة الطبقة الوسطى والعليا، أو دولة التمكين State Enabling، أو دولة الاستثمار الاجتماعي، وهو شكل الدولة الذي استمر في كل أنحاء أوروبا إلى غاية بداية الألفية الثالثة حين عرفت أوروبا تحولات داخلية وخارجية معقدة ارتبطت أساسًا بتعاظم تأثير العولمة، خصوصًا الاقتصادية منها،
وصعود الأحزاب اليمينية وذلك الانقسام داخل البيت الأوروبي، الاتحاد الأوروبي؛ بسبب الآثار السياسية والاقتصادية التي خلّفتها ظواهر طارئة كالهجرة غير الشرعية والإرهاب.
(((1 سمير أمين، الاقتصاد السياسي للتنمية في القرنين العشرين والواحد والعشرين، ترجمة فهمية شرف الدين (بيروت: دار الفارابي، 2002)، ص.23 (((1 المرجع نفسه.
(13) Guive Khan–Mohammad, "Le retour de l’Etat développementaliste en Afrique: Une lecture paradigmatique," Working Paper "Developmental State Strikes Back?," Swiss Programme for Research on Global Issues for Development , January 2017, accessed on 25/6/2021, at: https://bit.ly/2OAemqs
(((1 جيدنز، ص.39 (((1 دالي، ص.92 (((1 جيدنز، ص.52 (((1 دالي، ص.106
ثانيًا: من الدولة التنموية إلى الدولة الاجتماعية: مقارنات وسياقات
يعني مفهوم الدولة التنموية أن الدولة هي القائمة بالتنمية، وهو نموذج يَحْضر حضورًا كبير في الدول الآسيوية، ظهر مع صعود دول جنوب شرقي آسيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ مثل كوريا الجنوبية، وتايوان، وماليزيا، خصوصًا مع بداية الستينيات، وهو نموذج اتبعته لاحقًا دول أميركا اللّتينية وأفريقيا. لقد اتفق هذا النموذج مع السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه الدول الحديثة الاستقلال، الباحثة عن تثبيت الكينونة السياسية المضطربة لأنظمتها، من خلال التدخل الدولة الموسع في الشأن الاقتصادي، ودعم الاقتصاد الوطني وتقييد السوق. الدولة التنموية، إذًا، هي ذلك النموذج من التنمية المؤسَّس على استراتيجية التصنيع بغرض اللحاق بالدول الأكثر تقدّمًا. واتساقًا مع رؤية كانت سائدة آنذاك تعتقد بحتمية أولوية التصنيع في أيّ مشروع تنمية حقيقي، يمثّل قطيعة مع البنية الإنتاجية التقليدية ومستويات الإنتاج الضعيفة. وفي الحالة العربية، ارتبطت مسألة التنمية ارتباطًا كبيرًا بمسار تدخل الدولة في الاقتصاد والنمو المطّرد له في القرن الماضي، وهو سياقٌ عام مرّت به أغلب الدول العربية كغيرها من دول العالم الثالث، بغض
النظر عن الأيديولوجيا التي كانت تؤطّر أنظمتها الحاكمة أو تحالفاتها آنذاك؛ اشتراكية، ليبرالية، أو
(((1 بعد حالة الإحباط التي أصيبت بها هذه الدول بعد فترة الحرب، وما نتج منها من دمار، تَحوَّل ذلك الجهد الحربي تلقائيًا إلى
جهد من أجل التنمية بهدف اللحاق بالغرب المتفوق والمنتصر، وهذا بالتحديد ما أعطى شرعيةً لسياسات الدولة وأهدافها وممارساتها تجاه المجتمع والسوق؛ إذ ارتبطت تجارب التنمية في هذه الدول أساسًا بتلك العلاقة المعقّدة الناشئة بينها وبين الغرب. فالحالة الكورية الجنوبية، تأسست تجربتها على القطاع الخاص ذي الفاعلية العالية (مكافحة الفساد، وديناميكية القطاع الخاص على المستوى الدولي)؛ إذ اعتمد مشروع التنمية على المجموعات الكبرى الخاصة الاقتصادية « Chaebols »، في إطار قاعدة تسييرية هي المركزية في التخطيط مقابل اللامركزية في الفعل، إضافة إلى ترك المجال للحكومات المحلية، ومبادرات المؤسسات في سياق عملية توجيه التنمية. أما التجربة التايوانية، فقد مَثّلت مفارقة في بداية تجربتها في التنمية، إذ كانت في خضم صراع وجودي بين ما يعرف بالصين الوطنية،
والصين الشيوعية، والذي كان أحد طرفيه جنرال عسكري هو تشيانج كاي–تشك (1975–1886) الذي أسّس نظامًا عسكريًا قويًا
متحالفًا مع الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة الحكومة الصينية الشيوعية، حين انتقاله إلى جزيرة تايوان بعد صراع طويل مع
الشيوعيين في البرّ الصيني. لقد جرَت عسكرة الدولة والسياسة، لكن الأمر كان مختلفًا حين تعلّق بالاقتصاد والتنمية التي كانت
تعتمد على خيار التسيير اللامركزي، وعلى نمط المؤسسات المتوسطة والمصغرة والتسيير الفوقي (Méta Management)، لتنتقل –
على نحوٍ لافت للانتباه – إلى دولة حديثة التصنيع في زمنٍ وجيز، رغم الظروف الجيوسياسية المحيطة بها، ينظر:
Taib hafsi, Le Développement économique de l’Algérie: Expériences et perspectives (Algérie: Casbah Editions, 2011).
أما الحالة الماليزية، فهي نموذج آخر من الدولة القائمة على التنمية développeur) – (Etat؛ إذ انتقلت من دولة زراعية غَداة الاستقلال، حيث 56.4 في المئة من سكانها يزاولون نشاطات زراعية، إلى دولة أصبحت ذات قدرة على تصدير ما نسبته 43 في المئة من تكنولوجيا الإلكترونيات الدقيقة سنة 2013. لقد وصلت هذه الدولة إلى هذا المستوى من الفعالية الاقتصادية بالنظر إلى اتباعها
نموذج الدولة التنموية في السبعينيات إلى غاية الثمانينيات، تحت مظ لة نظام بيروقراطي قويمسؤول عن التخطيط الصناعي،
وبقيادة نخبة سياسية متفرّدة ركّزت على التنمية الاقتصادية، والتحديث في سياق سلطة ناعمة/ نظام سياسي نصف ديمقراطي، ينظر:
Toby Carroll & Darryl S.L. Jarvis (eds.), Asia after the Developmental State: Disembedding Autonomy (Cambridge: Cambridge university press, 2017). (19) Esteban Pérez Caldentey, "The Concept and Evolution of the Developmental State," International Journal of Political Economy , vol. 37, no. 3 (September 2008), pp. 27–53.
محافظة، جمهورية كانت أو ملكية، وسواء كانت دولً نفطية أو لم تكن كذلك. لقد ارتبطت فيها عملية التنمية بمسألة توسيع البرقرطة، حيث ساد الاعتقاد في تلك الفترة أن البرقرطة هي بمنزله التنمية. يمكن فهم هذا التوجه من خلال فهم السياق التاريخي لبناء الدولة العربية الوليدة منذ الخمسينيات؛ إذ ارتبط بناؤها آنذاك بتوسيع جهازها البيروقراطي إلى أقصى الحدود، ومن ثمّ نموّ قطاع عام متَضخم كان
في البداية يلبّي حاجات ملحّة وحقيقية في إدارة عملية التنمية لتلك الدول حديثة الاستقلال، بيد أنّه
تحول إلى مشكلة بالنسبة إلى الاقتصاد، والتنمية نفسها، خصوصًا في تلك الدول التي يعتمد اقتصادها على الريع النفطي. لقد تمركز مشروع التنمية في الدول العربية، في الغالب، حول أهداف كبرى مترابطة أسّست لمشروع دولة ما بعد الاستقلال هي: النمو، والوحدة الوطنية، والعدالة الاجتماعية، والاستقرار
الاجتماعي، طبعًا في سياق الديمقراطية المؤَجّلة، وهو المشروع الذي قِيد (guidée) بطريقة شمولية على امتداد عقود. في هذا الصدد، يعرّف الطيب حفصي التنمية بأنها جملة العوامل الاجتماعية والسياسية التي تغذّي
إرادة الفاعلين الاجتماعيين من أفراد، ومؤسسات، وأحزاب، وحكومة مركزية لتتفاعل بطريقة بنّاءة، كما أنها تؤطَّر، وتتحدد بالأفكار الكبرى والأيديولوجيات المسيطرة في المجتمع، فهي لا تتحدد فقط بالعوامل الاقتصادية، بل باشتغال الكل المجتمعي. وهو الأمر الذي لم يتحقق في الحالة العربية بعامة والجزائر مثال لها؛ إذ قُيّد فيها مشروع التنمية أساسًا بأيديولوجيا السياسي. لقد كانت عملية أدلجة
للتنمية، خصوصًا في عهدَي الرئيسَين الأسبقَين أحمد بن بلة وهواري بومدين، بالنظر إلى خياراتهما الأيديولوجية، أي: التسيير الذاتي بالنسبة إلى الأول، ثم الاشتراكية بالنسبة إلى الثاني، في سياق تاريخي معادٍ للإمبريالية، وفي جوّ ساد فيه الكثير من الخلط بين الأخيرة والرأسمالية آنذاك. وهو مسار انخرطت
فيه كل مؤسسات الدولة، حتى التربوية والثقافية منها؛ كالمدرسة، والجامعة، والمسجد... إلخ، من أجل الترويج للمخططات الثلاثية في تلك الفترة 1977–1967، واعتماد خيار الصناعات المصنعة أساسًا لهذه التنمية، وجعل مشروع التأميم سنة 1974 بمنزلة الاستقلال الثاني للبلاد، بل تأكيد أنه في صميم المواثيق المؤسّسة للدولة الجزائرية.
ثالثًا: حول السياقات التاريخية للدولة الاجتماعية في الجزائر
عند الحديث عن جملة السياقات التاريخية المحيطة ببناء الدولة وعلاقتها الإشكالية بالاقتصاد والسوق، فإنّه من المهم الإشارة إلى الهواري عدي حين يقول: «تشرح الأصول التاريخية لدولة ما بعد الاستقلال تلك القطيعة التي نشأت بينها وبين الاقتصاد السياسي. لقد ناقضت تلك الجذور الأيديولوجية والتاريخية المؤسسة لتلك الديناميكية الوحدوية كل المقدمات المنطقية لاشتغال قوانين
(((2 نزيه أيوبي، تضخيم الدولة العربية السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط، ترجمة أمجد حسين (لبنان: المنظمة العربية للترجمة، 2010)، ص.574
(21) Hafsi, p. 32. (22) Ibid.
الاقتصاد السياسي. لقد رفضت السلطة تحرير الاقتصاد معتقدة أن فتح الاقتصاد سيكون عامل تفرقه في سياق يحتاج المجتمع فيه إلى الوحدة وذلك من أجل الحفاظ على الاستقلال». في الحقيقة لم تكن هنالك أهداف اقتصادية من مشروع التنمية، بقدر ما كانت أهداف سياسية وأيديولوجية؛ فقد حكم مشروع التنمية في الجزائر حالة من العقلانية السياسية مقابل العقلانية الاقتصادية في الدول الليبرالية، وبغضّ النظر عن تحقق هدف الحفاظ على السيادة والوحدة الوطنية في ظروف جيوسياسية وداخلية مضطربة جدًّا. إلّ أنّ هذه الأهداف قد تحولت إلى مقاربة شعبوية لا تنظر إلى المجتمع من خلال المصالح الاقتصادية الخاصة به، بل على العكس؛ فلقد اعتقدت السلطة آنذاك أنها ستكون سببًا في
تشظيه وانقسامه. يتضح لقارئ المواثيق المؤسسة للدولة الجزائرية منطق عداء الدولة آنذاك للسوق انطلاقًا من ميثاق طرابلس سنة 1962 الذي ورد فيه ما يلي: «التنمية الحقيقية والطويلة المدى بالنسبة للوطن، مرتبطة بإقامة صناعات قاعدية لا بد منها من أجل فلاحة عصرية. وللجزائر إمكانيات هائلة بالنسبة للصناعات النفطية والحديد [...] هذا وتبين تجارب بعض الدول أن الدولة لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تساهم في خلق قاعدة صناعية لفائدة البرجوازية المحليّة، بل على الدولة أن تَحدّ من تطورها بالتدابير
الملائمة». لم تخرج نصوص دستور 1976 عن هذا السياق المعادي للبرجوازية كذلك، ومنطق تمدّد الدولة في مصادرة كلّ أشكال أنماط النشاط الاقتصادي؛ إذ تؤكد المادة 29 منه أن «تعمل الدولة على تغيير علاقات الإنتاج، وتسيير الاقتصاد الوطني، وتضمن تنميته على أساس تخطيط علمي المفهوم، ديمقراطي التصميم، حتمي التنفيذ، تنظم الدولة الإنتاج وتحدد توزيع الدخل القومي، وهي العنصر الأساس في تحويل الاقتصاد ومجموع العلاقات الاجتماعية». وإلى غاية الميثاق الوطني سنة 1986 الذي مثل شكلً من المراجعة الجزئية و/ أو الشكلية للخيارات البومدينية في السبعينيات تحت مسوغ «أن الاستمرارية يهددها خطر الجمود والدوغمائية»، بقي يؤكّد الطبيعة الأيديولوجية لتدخل الدولة في الشأن الاقتصادي «بغرض القضاء على الظلم والاستغلال [...] وأنْ تضمن لكل مواطن في مرحلة أولى نمطًا من الاستهلاك يتجاوب ومقاييس العيش الكريم [...] ورغم أنّ هذه الاستثمارات ذات الطابع الاجتماعي تشكل عبئًا ثقيلً، فإنّها بدون شك، تعدّ من أهم عوامل التنمية». ظهرت الدولة الاجتماعية، إذًا، في سياق مشروع التنمية المنبثق من ظروف الاستقلال التاريخية والأيديولوجية. فقد تأسس على مصادرة كل أشكال النشاط الاقتصادي من الهياكل العملاقة للتعدين
(23) Lahouari addi, L’impasse du populisme: l’Algérie, collectivité politique et État en construction (Alger: Entreprise nationale du livre, 1990), p. 151.
((2(النصوص الأساسية لثورة نوفمبر 1954 (الجزائر: منشورات ANEP، 2008)، ص.95–94 ((2(دستور 1976. (((2 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، «الميثاق الوطني»، الجريد الرسمية، العدد 7، السنة 23، 1986/2/16، ص.148 (((2 المرجع نفسه، ص.168
إلى أصغر الورشات الصغيرة بحيث لا تكون هنالك أيّ استقلالية اقتصادية للأفراد أو الجماعات، وذلك لكلّ الطبقات الاجتماعية، الوسطى منها والدنيا، التي لم تكن لها القدرة على الانتظام في نقابات أو أحزاب حقيقية، حيث كانت هذه الدولة «الحامية» هي النقابة الوحيدة، وهي الحزب، وهي المانعة لأيّ تناقضات قد تنشأ في المجتمع بسبب تعارض المصالح الاقتصادية لأفراده. لقد أنشأت هذه الوضعية في بداية الثمانينيات، قطاعًا عامًّا متضخمًا تَسوسه بيروقراطية متَنفّذة حوّلت رُيوع الدولة إلى مصادر للتربح، وذلك من خلال تشكّلها في عصب تقتسمه هذا الريع بحسب قربها من نواة السلطة؛ ما حوّل مسار الدولة من دولة تنموية إلى دولة ريعية استمرت سنوات على المسار نفسه إلى غاية سنة 1986، وأدّى إلى انهيار أسعار النفط وعدم قدرتها على تلبية متطلبات المسألة الاجتماعية من سكن، وعمل، وصحة... إلخ، بحكم ضعف مواردها وعدم جدوى سياسات الإصلاح (التصحيح الهيكلي للمؤسسات 1987–1979، وقوانين إصلاح القطاع الفلاحي). ونتيجة لذلك، عرفت البلاد هزّات اجتماعية عميقة انتهت بانتفاضة أكتوبر 1988 التي طالبت، إضافة إلى حرية التجمع والديمقراطية، بالتغيير في تسيير الاقتصاد والخدمات الاجتماعية؛ إذ سينقضّ السكان على نظام الدولة التوزيعي الذي أرغم الأكثرية على العوز والفاقة. لقد أحدث هذا الوضع شروخًا عميقة في شكل العلاقة بين المجتمع والدولة، استمرت طيلة عقد التسعينيات، مع تحوّل الأزمة الاقتصادية إلى سياسية في بداية التسعينيات، ثم إلى أزمة أمنية خطيرة مع صعود الشعبوية الدينية.
رابعًا: السياسات العمومية/ الاجتماعية لدولة الرعاية: من التمدد إلى الانتكاس
ظلّ الخطاب الرّسمي للسّلطة يؤكّد طوال عقود في نصوصه و/ أو ممارساته – على الأقل إلى غاية نهاية عقد الثمانينيات – أنّ مشروعه، بعد تحقيق الاستقلال والحفاظ على مكتسبات ثورة التحرير، هو تحقيق التنمية المتوازنة والشاملة والعدالة الاجتماعية، وذلك في سياق تاريخي تميّز في مرحلة معينة بتصدر الخطاب المعادي للإمبريالية والرأسمالية واقترابها الشديد من السرديات الكبرى للاشتراكية على نحو ما تمّت الإشارة إليه من قبل. وفي هذا الصدد يمكن القول إنّ الدولة الجزائرية كانت أقرب إلى شكل الدولة التنموية كما قدّم لنا في نموذج دول شرق آسيا، خصوصًا ما تعلّق بخيارات السياسات الصناعية في تلك الفترة؛ حيث انتهجت الجزائر خيارات ماكروَّية (Macroéconomique) احتاجت إلى استثمارات عمومية ضخمة كالصناعات المصنعة والمجمعات الصناعية الكبرى؛ إذ ارتفعت طرديًّا نسبة الاستثمار في القطاع الصناعي من نسبة 5 في المئة سنة 1963 إلى ما نسبته 29 في المئة سنة 1969
(28) Lahouari addi, Algérie, chroniques d’une expérience postcoloniale de modernisation (Alger: barzakh, 2012), p. 189.
(((2 غازي حيدوسي، التحرير الناقص، ترجمة خليل أحمد خليل (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 1997)، ص.88
من الناتج المحلي الخام، وهو قطاع كان يوظف أعدادًا كبيرة من العمالة التي كانت في جزء معتبر منها عمالة غير مؤهلة. لقد تحولت المؤسسة العمومية خلال عقد من الزمن، بين سنتَي 1968 و 1978، في إطار المنظومة التخطيطية آنذاك إلى: الموظف الأول، والمستثمر الأول والمنتج الأول، إضافة إلى قطاع الإدارة. وتوازيًا مع ذلك، حذت الدولة خطوات متسارعة في مجالات التعليم وتعميم الرعاية الصحية في إطار استثمار عمومي خلق دولة اجتماعية راعية يسيّر اقتصادها الكلي مصادر ريعية، ويمثل القطاع العام
فيها أكبر جاذب لقوة العمل؛ ما أدّى إلى حالة من برقرطة الاقتصاد، على نحو يكون فيه الريع الأداة المالية لخدمة هذه البيروقراطية، كما يخدم – هذا الريع – وضعية اجتماعية أكثر منه أداة اقتصادية، وقد نتج من ذلك سعي الأفراد للحصول على حصّة من الريع من دون المساهمة النشطة في الإنتاج الاقتصادي وهي وضعية تمأسست بعد سنة 1973 وغيّرت أدوار وشكل الدولة إلى كيانات ريعية خاصة
في المنطقة العربية. اعتمدت الدولة سياسات عمومية اجتماعية من خلال التمدّد والاستثمار العمومي في الخدمات الأساسية؛ كديموقراطية التعليم، ومجانية الرعاية الصحية، والرعاية الاجتماعية والتحويلات الاجتماعية، ودعم المواد الأساسية والسكن. غير أنّ هذه السياسات الاجتماعية احتاجت إلى موارد متزايدة سنويًا مع الزيادة الديموغرافية، ثمّ إنّ تضاعف الطلب على الإنفاق العمومي جعل السلطة، في منتصف الثمانينيات، بعد حالة من التوازن الظَّرفي، تصطدم مباشرة بانقلاب كفّة المعادلة بين الإيرادات النفطية الريعية وبين التزاماتها الاقتصادية والاجتماعية الداخلية؛ ما أدخلها في حلقة من المديونية الخارجية تزايدت من 19.86 مليار دولار سنة 1980 إلى 32.61 مليار دولار سنة 1995 بنسبة خدمة ديون قدّرت ب 38.7 في المئة. وقد أثّر هذا العجز المالي المزمن في القدرة بالإيفاء بمتطلبات المسألة الاجتماعية، خصوصًا العمل والسكن، بصفتها مطالب ملحّة لقطاعات عريضة
من المجتمع، مع ضعف القطاع العام، المشبع أصلً، عن تلبية هذا الطلب المطّرد على العمل.
(30) Gerard déstanne de bernis, "Les industries industrialisantes et les options algériennes," Revue Tiers Monde , vol. 12, no. 47 (1971), p. 545.
(((3 عرفت تلك الفترة هجرة كبيرة من الأرياف إلى المدن، وهي التي يمكن اعتبارها الموجة الثانية بعد الموجة الأولى التي تلت السنوات الأولى للاستقلال مباشرة بعد الفراغ الذي تركه المستعمرون الفرنسيون آنذاك. لقد كانت هذه الموجة الثانية من الهجرة (النزوح الريفي) بسبب قوى طاردة كضعف التنمية وقلة المرافق؛ إذ كان التركيز في سياق مشروع التنمية على الحواضر الكبرى، وهو ما خلق تنمية غير متوازية بين الحواضر والريف، وجعل المدن أكثر جذبًا لهؤلاء النازحين ريفيًا، بالنظر إلى توافر
فرص التعليم والصحة، وكذا توافر مناصب العمل خاصة في مجال الصناعة بصفتها مشروعًا واعدًا، غير أنها «عمالة ريفية» غير
مؤهلة بالنظر إلى المهارات المطلوبة في مجال معقّد كالصناعة. تجدر الإشارة كذلك إلى أن هذا النمط من الهجرة سيخلق
مشك ت كبرى لاحقًا كأحزمة الفقر في هوامش المدن والأحياء القصديرية في نهاية الثمانينيات، وبؤرًا لمشك ت أمنية في
التسعينيات. ينظر: عبد اللطيف بن أشنهو، التجربة الجزائرية في التنمية والتخطيط بين 1980–1962 (الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.)1982
(32) Samir bellal, La crise du régime rentier (Tizi ouzou: Editions frantz fanon, 2017), p. 92. (33) Abdelkader Sid Ahmed, "Paradigme rentier en question: L’expérience des pays arabes producteurs de brut. Analyse et éléments de stratégies," Revue Tiers Monde , no. 163 (Septembre 2000), p. 503.
وأفرز ذلك أيضًا قطاعًا اقتصاديًّا غير رسمي، أو قطاعًا موازيًا للقطاع الرسمي، بوصف ذلك نتيجة حتميّة لانسحاب الدولة التدريجي من مواجهة الحاجات الاجتماعية والاقتصادية. ويمكن التفصيل
في ذلك كما يلي:
1. مسألة السكن
انتقل عدد السكان من 18.7 مليون نسمة سنة 1977 إلى 24 مليون نسمة سنة 1988، مع زيادة سنوية قدّرت ب 3 في المئة. وانعكس هذا التحول الديموغرافي على المناطق الحضرية والمدن بشكل خاصّ، حيث زاد عدد السكان في المدن بنسبة 4.8 في المئة سنويًّا بين سنتَي 1980 و 1990.
ومن نتائج هذه الزيادة المطّردة زيادة الطلب على السكن مع تزايد أعداد المنتقلين من الريف إلى المدينة؛ ما اضطر الدولة آنذاك إلى إصدار القانون 86/07 الخاص بالسماح للخواص ببناء «سكناتهم الفردية»، وفتح المجال للخواصّ للاستثمار في قطاع السكن، إضافة إلى منح قطع أراض من الأملاك العقارية المملوكة للدولة كحلّ لجأت إليه الدولة، بسبب عدم قدرتها على تلبية طلبات السكن بصفته أحد أهم مطالب المسألة الاجتماعية المتزايدة. لقد لمّح هذا التراجع إلى الأثر
الكبير الذي تركه تراجع المداخيل النفطية في عدم قدرة الدولة آنذاك على الاضطلاع بدور اجتماعي أكثر من قدرتها وإمكانياتها. نضيف كذلك أنّ الوضع الأمني المتأزم قد فاقم الطلب على السكن وعلى المرافق العامة بعامة، بعد الهجرة الداخلية الكبيرة التي عرفتها عديد المدن خاصة الداخلية منها، والتي كانت لأسباب أمنية أكثر منها سوسيو–اقتصادية كسابقاتها في السبعينيات والثمانينيات. لقد ضاعف هذا الوضع الطلب على التكفّل الاجتماعي بقطاعات واسعة من الساكنة الجدد، الطالبين للتعليم والصحة والشغل في الأحياء العشوائية على هوامش المدن.
2. مسألة الشغل
إضافة إلى التراكمات التي تركتها سياسات إعادة الهيكلة في الثمانينيات، كان خيار الخصخصة سنة 1995، أهمّ مؤشر من مؤشرات تراجع الدولة الاجتماعية في دعم النشاط الاقتصادي والمؤسسات العمومية من تسيير، وتمويل، وتوزيع، وتطهير مالي... إلخ؛ إذ جرى حل 650 مؤسسة عمومية ومحلية في بداية التسعينيات لتضاف إليها 250 وحدة إنتاجية في مختلف الفروع الإنتاجية، وجرى تسريح آلاف العمال لتصل نسبة البطالة إلى 27 في المئة سنة 1995، ولترتفع إلى 30 في المئة سنة 2000. وهي فترة عرفت تفاقم البطالة بمستويات هي الأعلى في تاريخ الجزائر المستقلة، كما يوضح الجدول.)1(
(34) Rachid aoussi, "Classes moyennes algériennes rente et stagnation politique," Naqd , no. 36 (April 2018), p. 124.
(((3 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، «قانون رقم 7–86 مؤرخ في 23 جمادى الثانية عام 1406 الموافق 4 مارس سنة
1986 يتعلق بالترقية العقارية»، الجريد الرسمية، العدد 10، السنة 23، 1986/3/5، ص.350
(36) Nordine grim, L’économie algérienne otage de la politique (Alger: Editions Casbah, 2004), p. 61.
الجدول (1) حجم الفرق بين طلبات وعروض العمل (2001–1990)
| المجموع | مناصب غير دائمة | مناصب دائمة | طلبات العمل المقدمة | السنوات |
|---|---|---|---|---|
| 60498 | 27443 | 33055 | 229845 | 1990 |
| 42219 | 22837 | 19382 | 158875 | 1991 |
| 36668 | 21916 | 14752 | 170709 | 1992 |
| 35431 | 20258 | 15173 | 153898 | 1993 |
| 36985 | 24179 | 12806 | 142808 | 1994 |
| 41463 | 29885 | 11578 | 168387 | 1995 |
| 32110 | 25976 | 6134 | 134858 | 1996 |
| 24830 | 19740 | 5090 | 163800 | 1997 |
| 26564 | 22638 | 3926 | 166299 | 1998 |
| 22377 | 18650 | 3727 | 121309 | 1999 |
| 22215 | 19201 | 3014 | 101520 | 2000 |
| 23696 | 20505 | 3191 | 99913 | 2001 |
المصدر: الديوان الوطني للإحصائيات، شوهد في 2021/6/20، في: https://bit.ly/3qSIoIo (بتصرف.)
من خلال هذه الأرقام، تتضح حالة التراجع في عروض العمل أمام تزايد الطلبات عليه. وهي أرقام تشرح بجلاء ضعف قطاعات التوظيف العمومية في مواجهة مشكلة البطالة المتفاقمة بسبب عدم قدرة القطاع الاقتصادي والقطاع العام على احتوائها، بالنظر إلى ما عرفاه من اختلالات هيكلية ومالية؛ إذ تراجعت مناصب العمل الدائمة المعروضة بين سنتَي 1990 و 2001 بحسب معطيات الجدول (1) بنسبة 90 في المئة، في إطار زمنيّ كان يفترض أنْ يحصل خلاله العكس؛ أي بأنْ تتضاعف عروض العمل
قدر الإمكان لتستوعب الطلب المتزايد. ردّ المجتمع على هذا الوضع بأنْ خلق في دائرته اقتصادًا غير رسمي، ظهر منتصف الثمانينيات، وتعاظم حضوره في التسعينيات. إنه اقتصاد يتغذى من الموارد الشحيحة للدولة ويعيد تدويرها، في الوقت الذي كانت فيه أجهزة الدولة منهمكة في الحرب على الإرهاب والراديكالية الإسلاموية.
3. االقتصاد غير الرسمي
مَثّل الاقتصاد غير الرسمي (المارشي نوار noir marché le) قطاعًا خاصًا غير مراقب ومتَفلّتًا من أدوات الدولة وسلطتها، لقد كان سلطة اقتصادية موازية، له القدرة على توظيف قطاعات واسعة من
(((3 وهو اللفظ المتداول شعبيًا في الجزائر، والذي يقصد به كلّ سلعة أو نشاط اقتصادي خارج أطر رقابة الدولة، وهو تعريب
للمفهوم باللغة الفرنسية noir marché le أي السوق السوداء. واللفظ بهذه الصيغة حامل لدلالات عديدة في المخيال الشعبي،
تاريخية واقتصادية وفئويةً كذلك.
طالبي العمل، واستثمار موارد ضخمة، واقتحام قطاعات واسعة من النشاط، بفاعلية أكبر، كمرادف لمنطق اقتصاد السوق، حتى في غياب بنية تشريعية تنظمه وتقبله. إنه اقتصاد يَعتاش على عطايا الدولة الاجتماعية حتى في زمن الأزمة، لكنه في المقابل يمارس «عصيانًا اقتصاديًا» ضد أدواتها الرقابية والضريبية والقانونية والبيروقراطية. وفي حالات أخرى، لغايات تسليفية بسبب غياب نظام مصرفي ناجع. ومن أجل فهْم تطور الاقتصاد غير الرسمي إحصائيًّا، نعرض ذلك من خلال الشكل التالي. شكل تطور الاقتصاد غير الرسمي نسبيًا
بالنظر إلى الناتج الداخلي الخام PIB)2015–1991(
المصدر:
"Algeria: Shadow Economy," The Global Economy, accessed on 20/6/2021, at: https://bit.ly/3cWqJKa
يتضح من خلال الشكل السابق، كيفية تزايد حجم هذا الاقتصاد مع بداية التسعينيات؛ إذ تراجعت أسعار النفط إلى مستويات دنيا وصلت إلى 17 دولارًا كمتوسط سنويّ سنة 1995 و 12 دولاراةً سن 1998، وهي
السنوات التي عرفت أعلى تمدّد للاقتصاد غير الرسمي؛ بسبب ضعف استثمارات الدولة العمومية في التشغيل والاقتصاد والرعاية الاجتماعية، ليتراجع لاحقًا بدايةً من الألفية الثانية أثناء عودة الاستقرار الأمني والسياسي، مع انتخاب الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة وتثبيت المؤسسات السياسية؛ من حكومة، وبرلمان... إلخ، بعد عقد من الاضطرابات الأمنية وعدم استقرار مؤسسات الدولة.
خامسًا: تحولّات السياسة الاجتماعية: الطبقة المتوسطة مثالا
يأتي طرح موضوع الطبقة الوسطى، في سياق الحديث عن الدولة الاجتماعية في الجزائر، من حتمية مفادها أنّ هذه الطبقة في النهاية هي نتيجة سياسات الدولة الاجتماعية عبر ستة عقود من العلاقة بين هذه الدولة الراعية وبين المجتمع و « طبقتها المتوسطة » لأنّها من مخرجاتها وأهدافها. وقد نما وتمدّد حجمها في حضن هذه الدولة. فهذه الطبقة لم تنشأ من خلال موقعها من نظام الإنتاج والعمل؛ بل من خلال تراكم الريع، إضافة إلى جملة من التسويات مع الطبقة السياسية. لقد ساهم تحوّل مجتمع ما بعد الاستقلال
من «مجتمع مُترَّيف» إلى مجتمع منخرط في مشروع التنمية، يسعى إلى بناء صناعة واقتصاد مكتَف
(((3 حيدوسي، ص.91
(39) Aoussi.
ذاتيًا، بالارتكاز على موارد نفطية تحسّنت أسعارها في السبعينيات؛ إذ انتقلت حصته من 5 في المئة إلى
33 في المئة بين سنتَي 1962 و 1977 من الناتج الداخلي الخام، ثم جرى تحويل هذه الموارد المهمة إلى الاستثمار العمومي؛ من تعليم، وصحة، وتوفير للعمل، والسكن، في تشكّل طبقة متوسطة، في خضّم مشروع التنمية، مع توافر الظروف والشروط لتميّز طبقة بعينها في الفضاء الاجتماعي. لقد تشكلت
هذه الطبقة على هامش مشروع أيديولوجي يزعم أنه يريد إلغاء كل الفروق الاقتصادية بين الأفراد. التزم المجتمع، بداية من سنة 2011، وتحديدًا الطبقة الوسطى، حالة من الترَّقب والحياد، إزاء ما
يحدث في الدول العربية من ثورات واضطرابات. ويبرّر هذا الهدوء عديد العوامل التاريخية والنفسية
والاقتصادية، كما تفسّره طبيعة العلاقة الناشئة بين هذه الطبقة وحاضنتها؛ أي الدولة الاجتماعية. ومن المهمّ العودة في هذا السياق إلى انتفاضة أكتوبر 1988، التي كانت بالفعل ذات أهداف سياسية، لكن بدوافع اقتصادية واجتماعية، فهي في النهاية كانت نتيجة تراكمات بدأت منذ بداية الأزمة الاقتصادية سنة 1986، وهو ما لم يكن حاضرًا ومتفاعلً في السنوات الأولى لما يعرف ب «الربيع العربي»؛ إذ كانت
الجزائر، في تلك الفترة على الأقل، إلى غاية سنة 2014 تعيش استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا انعكس على
مزاج مجتمعي عامّ كان يستحضر دائمًا سنوات الأزمة الأمنية وأثارها الأليمة. لقد دامت هذه الوضعية عقدَين من الزمن (2019–1999)، مثّلت الطبقة الوسطى خلالها ما يصفه الباحث رشيد عويسي «قاعدة النظام» إذ مثلت عاملً مهمًّا في حاله. فرغم وجود حوامل أيديولوجية؛ مختلفة توجهها – أي هذه الطبقة – فإنّ ما يوحدها هو الرّيع، وهذا ما يطلق عليه محفوظ بنون ذلك
التعاقد الذي يحفظ «توازن الركود»، والبقاء في حالة من الزبونية ل «الطبقة – الدولة»، لتتحوّل من محرّك نحو التحوّل الديمقراطي إلى عامل سكون وركود. كانت التحويلات الاجتماعية أهم أداة مالية للدولة في الحفاظ على هذا التوازن، من خلال طرح مخصّصات كبيرة لدعم السكن، والمواد الغذائية الأساسية، والمواد الطاقوية والكهرباء، والصحة، والتعليم، إضافة إلى الحماية الاجتماعية للفئات الهشّة. لقد حافظت الدولة على امتداد عقود على مسألة التحويلات الاجتماعية بندًا ثابتًا في كلّ قوانين المالية المتعاقبة، غير أنّه كان يتأثر في حدود معينة بأسعار النفط وتقلباتها، وفي ذلك، يوضح الجدول (2) كيفية ارتفاع قيمة هذه التحويلات خلال التسعة عشر عامًا الماضية.
(40) Ibid., p. 132.
(((4 يقع جدل في هذا الصَّدَد حول تشكل الطبقة الوسطى في الجزائر تاريخيًا، لكن تجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يمكن الحديث عن
طبقة متوسطة قبل الاستقلال، كما هي في حالات مماثلة في دول الجوار، وهذا بالنظر إلى حالة التدمير والتفكيك الممنهج الذي مارسه الاستعمار الفرنسي على الاقتصاد أثناء فترة الاحت لاا. مع الإشارة إلى أن ما يمكن تصنيفه طبقة متوسطة في تلك الفترة؛ فهي تلك البيروقراطية الكولونيالية الأوروبية المتنفذة والمالكة لموارد الثروة، إلا ما يصفه سمير أمين ب «الطبقة الريفية المسلمة» المحلية من الجزائريين، والتي لم تكن تحتل أي مكانة مركزية في نظام الإنتاج. فانعدام الأمان الوظيفي المرتبط بعدم انتظام الدخل مع عدم الاستقرار في العمل، يمنع الفئات ما تحت البروليتارية الانتظام في هيكل متجانس حامل لمطالب اقتصادية واجتماعية وحتى سياسية، ينظر:
René galissot, "Les classes sociales en Algérie," L’homme et la société , no. 14 (1969), pp. 207–225. (42) Aoussi.
في 2021/6/20، في: https://bit.ly/3zJWtMa
الجدول (2) قيمة التحويلات الاجتماعية (2020–2001)
المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى: وزارة المالية الجزائرية، المعطيات الإحصائية للمديرية العامة للتقدير والسياسات، شوهد
يمكن ملاحظة ذلك التزايد المطّرد لمخصصات الدعم الاجتماعي خاصة بين سنتَي 2007 و 2014، وهي السنوات التي عرفت ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار النفط؛ إذ وصلت إلى 141 دولارًا للبرميل في صيف 2008 مثلً. وبالنظر إلى مداخيل الريوع النفطية طوال السنوات اللاحقة ارتفع مبلغ التحويلات الاجتماعية ليصل إلى ما يقارب الضعف خلال سبع سنوات، غير أنّها استقرت أو كانت هنالك زيادة طفيفة فقط، بعد بداية هبوط أسعار النفط بداية من سنة 2014؛ ما يعبّر عن ارتباط حيوي بين تقلب أسعار النفط ومدى
انخراط الدولة في مسألة الدعم الاجتماعي، والذي كان يستهدف بالأساس المحافظة على هذه الطبقة المتوسطة الوظيفية. نضيف ملمحًا آخر مفاده أنّ هذا الدعم كان يتغير بحسب البنود والظروف من دعم أسعار الطاقة، والكهرباء، مع الاحتفاظ بذلك الدعم الموجّه إلى حاجات التعليم والصحة أو الموجّه إلى أهداف أيديولوجية (دعم المجاهدين). ويعطي الجدول (3) صورة عن هذه الحالة بين سنتَي 2009 و 2014 بحسب التقرير الوطني لأهداف الألفية من أجل التنمية الصادر عن الحكومة الجزائرية. الجدول (3) توزيع التحويلات الاجتماعية (2014–2009)
| الزيادة)%( | 2014 | 2009 | |
|---|---|---|---|
| 30.5 | 255192 | 195620 | درأعم السكن |
| –8.1 | 422140 | 459342 | دعم الأسر |
| –3.8 | 42478 | 44155 | التعويضات العائلية |
| 31.5 | 103012 | 78359 | دأمعم التعليم |
| 11.2 | 213693 | 192223 | دعم المواد الغذائية الأساسية |
| –56.5 | 62957 | 144605 | املغاز والكهرباء |
| 68.9 | 252097 | 149247 | دعم المتقاعدين |
| 81.1 | 320478 | 176948 | دمعم الصحة |
| 62.2 | 180557 | 111284 | دعم المجاهدين |
| 1059.1 | 178659 | 15414 | دعم أصحاب الحاجات الخاصة والدخل الضعيف |
يتبع)(
تابع)(
مجموع التحويلات 1207855
| 33.2 | 1609123 | 1207855 | ماااجموع التحويلات |
|---|---|---|---|
| 21 | 29 | التحويلات الاجتمعية/ ميزانية اااالدولة)%( | |
| 9.3 | 12.1 | التحويلات الاجتمعية%/ PIB (43) |
المصدر:
Gouvernement de la République algérienne, Rapport national 2000–2015: Algérie objectifs du millénaire pour le Développement (Algérie: 2016), p. 34.
سادسًا: المآلات السياسية للدولة الاجتماعية
استعادت الدولة الاجتماعية حضورها خلال العشرين سنة الماضية، كما تمّت الإشارة إلى ذلك
سابقًا، على أساس التعاقدات نفسها التي كانت تحكم العلاقة بينها وبين المجتمع، وهي السياسات الاجتماعية المموّلة رِيعيًّا من عائدات الجباية البترولية، والسائلة في قنوات السياسات العمومية
ومشاريع النفع العام. فمنذ سنة 2001، انطلقت الدولة في إطلاق مشاريع لإنقاذ الاقتصاد الوطني، كان أولها مشروع الإنعاش الاقتصادي 2004–2001، بغلاف ماليّ قدّر ب 525 مليار دينار (6.8 مليارات
دولار)؛ ليأتي بعده البرنامج التكميلي لدعم النمو 2009–2005 بغلاف ماليّ قدّر ب 4202 مليار
دينار (56 مليار دولار)، 45 في المئة منها كانت مخصصة لمتَعلقات المسألة الاجتماعية، ثمّ يليه
برنامج توطيد النمو الاقتصادي 2014–2010 الذي قدر غلافه المالي ب 21.214 مليار دينار (286 مليار دولار) 40 في المئة منها مرتبطة بمسائل ذات علاقة مباشرة بحاجات الأفراد من عمل وصحة وسكن وتعليم وحماية اجتماعية. لقد تركت هذه المشاريع آثارًا اقتصادية واجتماعية عميقة طوال ما يقارب
عقدين من حكم الرئيس السابق بوتفليقة. ارتبطت مخصصات مشاريع التنمية التي انطلقت منذ سنة 2001، بتطور أسعار النفط التي ما فتئت تتصاعد تدريجيًّا إلى غاية سنة 2014، وارتبطت أيضًا بمواعيد سياسية فارقة كانت فيها وعود التنمية
واحدة من أهم سبل تثبيت شرعية غير مستقرة؛ إذ كان السلم الاجتماعي أهمّ هاجس للسلطة آنذاك،
بالنظر إلى تصاعد الحركات الاحتجاجية الاجتماعية؛ سواء على المستوى الوطني أو الفئوي، و/ أو على المستوى الجهوي والمحلي. صحيح أنّ قطاعات عريضة من المجتمع قد نالها قسطٌ من الرفاه وأنّ وضعيّتها الاجتماعية تحسّنت، خصوصًا من ناحية الأجور ورفع الأجر الوطني المضمون، ومراجعة
القوانين الأساسية وسُلّم الأجور لقطاعات التربية والتعليم العالي والصحة والسكن، غير أنّ هذا
(((4 على الناتج الداخلي الخام. (((4 طبعًا بسعر الدولار مقابل الدينار الجزائري سنتَي 2001 و 2005 بحسب أرقام الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار ANDI.
(45) "Algérie–développement–programme, Programme De Developpement Quinquennal 2010–2014: Communique Du Conseil Des Ministres," Food and Agriculture Organization of the United Nations, accessed on 25/6/2021, at: https://bit.ly/3xRFoyi
(((4 سكنات عدل AADL، السكن الترقوي المدعم LPA، السكن التساهمي LSP، السكن الاجتماعي، الدعم الريفي، والعديد من الصيغ بحسب الفئات الاجتماعية.
لم يحدَّ من الطّلب الاجتماعي المتزايد لمجتمع يعيش 70 في المئة من أفراده في مدن تحتاج إلى تغطية متعلقة بالخدمات العمومية من غاز، وكهرباء، وماء، وتغطية صحية... إلخ، إضافة إلى المطالب الاجتماعية؛ ومن ثمّ ارتفاع وتيرة الاحتجاج الاجتماعي خصوصًا بعد سنة 2014 وبداية تراجع أسعار النفط وتأكّل احتياطي الصرف بعد نفاد موارد صندوق ضبط الإيرادات سنة 2016، هذا الأخير الذي كانت مهمته مواجهة تقلبات أسعار النفط العالمية لسد العجز في الموازنة العامة للدولة. لقد أنتج هذا الشكل من الإنفاق العمومي للدولة، في إطار أدوارها الاجتماعية، أوليغارشية مالية، نمَت وتمدّدت من خلال علاقة زبونية مع الدولة مكّنتها من النفاذ إلى تلك البرامج الضخمة والخماسية في إطار السياسات العمومية التي استهدفت بحسب ما يتداوله الخطاب الرسمي آنذاك «تحسين معيشة المواطنين ودفع عجلة التنمية». لقد كان هذا النفاذ غير مؤسّس على قوانين السوق والمنافسة والشفافية، بل بحسب قرب هذه الأوليغارشية من الدوائر الضيقة للسلطة؛ ومن ثمّ موارد الدولة، حيث كانت العصبويّة عملية ممنهجة في عملية اقتسام ريوع الدولة. فكما كانت هذه الدولة مانحة ورازقة لمواطنيها، كانت كذلك موفرة لبيئة سمحت بحصول حالة من الافتراس لمواردها؛ فلم تكن الدولة ولا المجتمع إزاء فاعلين اقتصاديين منتجين للثروة وخالقين لعلاقات إنتاج جديدة، تساهم في إيجاد أوضاع اقتصادية ليبرالية كفاعلين جدد يكونون سندًا ماديًّا لتحرير الفعل السياسي لاحقًا. لا يمكن في الحقيقة التسليم بأنّ حراك 22 شباط/ فبراير 2019 حصل لأسباب اقتصادية أو اجتماعية بدرجة أولى؛ بحكم أنه جاء في سياق أزمة سياسية معقدة تراكمت عواملها منذ بداية العهدة الرابعة لبوتفليقة سنة 2014. فقد كانت كلّ من انتخابات 18 نيسان/ أبريل 2019 والتحضير لعهدة خامسة شرارةً لانطلاق احتجاجات ومظاهرات لم يعرفها البلد من قبل، تعبيرًا عن حالة الرّفض الشعبي لهذا المسار. لقد مثّل هذا
الحراك الشعبي «المبارك» كما وصفته السلطة ذاتها، نقطة تحوّل تاريخية في علاقة المجتمع بالدولة.
أهمّ ملامحها هي: حالة السلمية التي حافظ عليها الجميع، سلطةً وحراكًا، والتي جنّبت الدولة والمجتمع انحرافات جسيمة ومخاطر كبيرة، وكذلك «خطاب القطيعة» مع الممارسات الماضية؛ إذ إنّ السلطة تشدّد على ذلك، خصوصًا فيما يتعلق بالشأن الاقتصادي والرقابة على المال العام. في الجهة المقابلة، أي الحراك، ساد مطلب «القطيعة الشاملة» وحالة الرفض الجمعي العميقكذلك، على الأقل فيما رفع من شعارات، مع السلطوية والأبوية والتسويات الريعية التي كانت سببًا على امتداد
(((4 في نهاية صيف 2019 وفي خضم الحراك الشعبي، جرت محاكمات للعديد من رجال الأعمال (ولا تزال) من الذين كانت لهم علاقات برؤساء حكومات سابقين ووزراء في عهد بوتفليقة، حيث تبين أنهم بنوا ثروتهم خ لاا العشرين سنة الماضية من خلال الاستفادة من الصفقات العمومية ومشاريع النفع العام في إطار علاقاتهم من دوائر السلطة آنذاك وبطرق مخالفة للتشريع والقانون.
(48) Adel Abderrazak, "Le mouvement populaire en Algérie: Vers une rupture systémique?" Revista Argelina , no. 8 (Juillet 2019), p. 40, accessed on 25/6/2021, at: https://bit.ly/2Rp3ptu
(((4 وصف رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الحراك ب «المبارك» في أول خطاب له بعد انتخابه لرئاسة الجمهورية بعد انتخابات 12 كانون الأول/ ديسمبر 2019، كما دأب على هذا الوصف في العديد من خطاباته ولقاءاته الإعلامية، إضافة إلى دسترته في ديباجة دستور الجمهورية الجزائرية المقدمة للاستفتاء يوم 1 تشرين الثاني/ نوفمبر.2020
(50) Abderrazak, p. 46.
عقود طويلة في إدخال البلد والاقتصاد في أزمات دورية، أفشلت فتح الاقتصاد الوطني على المنافسة الحقيقية في إطار علاقات السوق، وعطَّلت معها المجال السياسي والنقابي واجتماع الأفراد في هياكل مجتمع مدني حقيقي. مع ذلك، لم تتنازل الجماهير عن مطالب العدالة الاجتماعية ومكسب الدولة الاجتماعية كذلك؛ فمهما جمعت من سلبيات ونقائص، كانت حاضنة للجميع وحامية لهم.
خلاصة واستنتاجات
حاولت الدراسة من خلال قراءة تاريخية وتحليلية فهم السياقات التاريخية والأيديولوجية المؤسسة لدولة الرّعاية والحاملة لمشروع السياسة الاجتماعية، وتاليًا البحث في شكل العلاقة بين النزعة
الاجتماعية في السياسات العمومية للدولة وصيرورة مشروع التنمية بالنظر إلى تحولات علاقات السلطة المؤسسة ريعيًّا، وارتباط هذه النزعة بموارد الريع، إضافة إلى البحث والاستشراف في مآلات
العلاقة بين دولة الرعاية والمجتمع، في سياق أزمات متراكمة ومتداخلة سياسيًّا واقتصاديًّا أدّت/ وتؤدّي
دوريًّا إلى توترات وشروخ مجتمعية عميقة. ارتبطت السياقات التاريخية للدولة الاجتماعية، مبدئيًّا، بحالة الانتقال من شكل الدولة الظالمة
(الاستعمار) إلى دولة العدالة الاجتماعية (دولة ما بعد الاستقلال)، وقد تجسدت في الممارسات الاجتماعية لدولة أرادت أنْ تكون رازقة وحامية لمواطنيها، وفي الوقت نفسه معادية للسوق وقوانين لبرلة علاقات الإنتاج كخيار أيديولوجي من أجل غايات سياسية في ظروف تاريخية مضطربة. ظهر ذلك في نصوصها التأسيسية وقراراتها ومؤسساتها ككيان متمدد في كلّ تفاصيل العلاقات الاقتصادية داخل المجتمع وموجهة ومؤطّرة له. يبرز مسار السياسات العمومية/ الاجتماعية، وتحديدًا ما تعلّق بمقتضيات المسألة الاجتماعية، ارتباطه الوثيق الصلة بتحولّات مشروع التنمية في الجزائر صعودًا وانتكاسة، خصوصًا خلال الثمانينيات والتسعينيات التي شهدت أزمات انخفاض أسعار النفط والاضطراب السياسي والأمني، قدرةَ الدولة الاجتماعية على الإيفاء بمتطلبات المسألة الاجتماعية؛ إذ تراجع أداؤها الاجتماعي؛ ما أثّر كثيرًا في
العلاقة الناشئة بين الدولة والمجتمع، خاصة الطبقة المتوسطة التي مثّلت قاعدة النظام وأهم فئة أنتجتها الدولة الاجتماعية، ومن ثمّ توسع مجال الاحتجاج الاجتماعي الذي أخذ أبعادًا سياسية وراديكالية كَسرت حالة الرّكود التي دامت على امتداد عقود. كما خلق تحسن مستوى التدفقات المالية الريعية مع
بداية الألفية الثانية، وتوسع النزعة الاجتماعية في السياسات العمومية، وضعًا سمح بافتراس الاقتصاد الوطني من الأوليغارشية المالية وشبكات كومبرادورية في فترة ضيق وأزمة، أبانت عن مأزق مركّب يعيشه كلّ من الاقتصاد والمجتمع والدولة. يحيل البحث في تاريخ تشكل دولة الرعاية في الجزائر وتناقضاتها وأزماتها المتعاقبة إلى التساؤل عمّا يمكن أنْ يؤول إليه هذا النموذج، بعدما خرج الجزائريون للتظاهر ضدّ مخلفاته السياسية والاجتماعية. ورغم أنه يصعب التنبؤ بالمستقبل؛ إذ لم تتوقع العلوم الاجتماعية ما يسمى الربيع العربي، فإنه يبدو
جليًا، من خلال تقييم موضوعي لمسار الدولة الاجتماعية في الجزائر، أنّها أنتجت مظاهر انحراف
خطِرة على الاقتصاد وعلى بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع، بسبب تفاقم مخلفات أزمتها السياسية في البلاد التي كان من بين آثارها عدم تحرير السوق ولبرلة الاقتصاد على أساس قواعد المنافسة والشفافية، وصعود الزبونية وتمدّد العلاقات الرّيعية. وهو السياق الذي نتج منه خروج الجزائريين إلى
الشارع بأعداد كبيرة، في شباط/ فبراير 2019، في إطار حراك شعبي رافض لمسار إعادة انتخاب و/ أو التمديد للرئيس السابق بوتفليقة لعهدة خامسة؛ في أوضح صورة على نهاية تلك التعاقدات الريعية بين مجتمع أراد أن يتحرّك وسلطة تعاني السكون والجمود آنذاك. لقد شكّل الحراك الشعبي ديناميكية
جديدة ولحظة تحوّل تاريخية رافضة لتلك التسويات التي لطالما مارستها السلطة مع المجتمع في إطار
الدولة الاجتماعية؛ أي شرعية المنح التي تقدّمها الدولة في مقابل الشرعية الشعبية. في السياق نفسه، وفي قراءة للفعل الانتخابي بعد استقالة الرئيس السابق بوتفليقة، وتحديدًا نسب المشاركة في الاستحقاقات اللاحقة بعد ذلك؛ أي الانتخابات الرئاسية في كانون الأول/ ديسمبر 2019 (39.8 في المئة)، والاستفتاء على الدستور في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 (في المئة 23.7)، ثم أخيرًا الانتخابات التشريعية في حزيران/ يونيو 2021 (في المئة 23.03)، نستطيع القول إنّ هذه الأرقام
تبرز مدى تراجع المشاركة الشعبية في هذه الاستحقاقات، وتسجل أهم مؤشر دالّ على مدى انخراط المجتمع في خيارات السلطة، وكذلك مصير ذلك الجهد الكبير الذي بذلته السلطة للتسويق للقطيعة مع ممارسات الماضي تحت وَسْم بناء «الجزائر الجديدة». ويوحي هذا العزوف، أو هذه المقاطعة،
بوجود نوع من «الحراك الصامت» داخل قطاعات واسعة من المجتمع، استفادت من عطايا هذه الدولة الاجتماعية، الثابتة والمرغوب فيها، لكنّها بدأت تنسحب من استحقاقات وخيارات هذه السّلطة، وهو
مؤشّر مهمّ دالّ على تحوّل عميق في الثقافة السياسية للمجتمع، يستلزم حتميّة انتقال ديمقراطي حقيقي
يحافظ على مكسب الدولة الاجتماعية ويتجاوز عوامل تناقضاتها وأزمتها.
References
المراجع
ةالعربي
أمين، سمير. الاقتصاد السياسي للتنمية في القرنين العشرين والواحد والعشرين. ترجمة فهمية شرف الدين. بيروت: دار الفارابي،.2002 أيوبي، نزيه. تضخيم الدولة العربية السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط. ترجمة: أمجد حسين. لبنان: المنظمة العربية للترجمة،.2010 بن أشنهو، عبد اللطيف. التجربة الجزائرية في التنمية والتخطيط بين 1980–1962. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية،.1982 الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. «قانون رقم 7–86 مؤرخ في 23 جمادى الثانية عام 1406 الموافق 4 مارس سنة 1986 يتعلق بالترقية العقارية.» الجريد الرسمية. العدد 10، السنة.23.1986/3/5
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. «الميثاق الوطني.» الجريد الرسمية. العدد 7، السنة.23
جيدنز، أنطوني. الطريق الثالث تجديد الديمقراطية الاجتماعية. ترجمة أحمد زايد [وآخرون]. القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب،.2010 حيدوسي، غازي. التحرير الناقص. ترجمة خليل أحمد خليل. لبنان: دار الطليعة للطباعة والنشر،
دالي، ماري. دولة الرفاه. ترجمة عمر سليم التل. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 ديكسون، جون [وآخرون.] دولة الرفاهية الاجتماعية في القرن العشرين. ترجمة سارة الذيب. بيروت:
الشبكة العربية للأبحاث والنشر،.2014 الديوان الوطني للإحصائيات. شوهد في 2021/6/20، في: qSIoIo /3 ly. bit:// https النجار، أحمد السيد [وآخرون.] دولة الرفاهية الاجتماعية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006 النصوص الأساسية لثورة نوفمبر 1954. الجزائر: منشورات ANEP،.2008
ةالأجنبي
Abderrazak, Adel. "Le mouvement populaire en Algérie: vers une rupture systémique?" Revista Argelina. no. 8 (Juillet 2019). at: https://bit.ly/2Rp3ptu Addi , Lahouari. L’impasse du populisme: l’Algérie, collectivité politique et État en construction. Alger: entreprise nationale du livre, 1990. ________. Algérie, chroniques d’une expérience postcoloniale de modernisation. Alger: édition barzakh, 2012. Aoussi, Rachid. "Classes moyennes algériennes rente et stagnation politique." NAQD. no. 36 (April 2018). Bellal , Samir. La crise de régime rentier. Tizi ouzou, éditions Frantz fanon, 2017. Caldentey, Esteban Pérez. "The Concept and Evolution of the Developmental State." International Journal of Political Economy. vol. 37. no. 3 (September 2008). Carroll, Toby & Darryl S.L. Jarvis (eds.). Asia after the Developmental State: Disembedding Autonomy. Cambridge: Cambridge university press, 2017. Galissot, René. "Les classes sociales en Algérie." L’homme et la société. no. 14 (1969). Gouvernement de la République algérienne. Algérie: objectifs du millénaire pour le développement. Rapport National 2000–2015. June 2016. accessed on 25/6/2021, at: https://bit.ly/3gTiQrl
________. Rapport national 2000–2015: Algérie objectifs du millénaire pour le Développement. Algérie: 2016. Grim, Nordine. L’économie algérienne otage de la politique. Alger: éditions Casbah,
Hafsi, Taib. Le développement économique de l’Algérie: Expériences et perspectives. Alger: édition la casbah 2011. Khan–Mohammad, Guive. "Le retour de l’Etat développementaliste en Afrique: Une lecture paradigmatique. " Working Paper " Developmental State Strikes Back?" Swiss Programme for Research on Global Issues for Development. January 2017. accessed on 25/6/2021, at: https://bit.ly/2OAemqs PNUD. CNES. Rapport National sur le Développement Humain, Algérie 2006, 2007. Sid Ahmed, Abdelkader. "Paradigme rentier en question: L’expérience des pays arabes producteurs de brut. Analyse et éléments de stratégies" Revue Tiers Monde. no. 163 (Septembre 2000).