مورفولوجيا فم الذئب: لغة وليد دَقَّة (1961-2021)
A Morphology of the Wolf’s Mouth: The Language of Walid Daqqah (1961–2021)
الملخّص
تتناول هذه الدراسة علاقة الأسير الفلسطيني وليد دَقَّة بالنظام الصهيوني، عبر اللغة العبرية، في ثلاث جغرافيات: الهامش المستعمَري (القرية - باقة الغربية)، والمركز الاستعماري (المدينة - تل أبيب)، والأسر الصهيوني (السجن - المكان الموازي). وعبر أشكلة ديناميات استخدام اللغة العبرية، لغةً محليَّة في فلسطين قبل أن تُتصهيَن وتُتخَذ "غنيمة حرب"، تقرأ الدراسة التاريخ الاجتماعي للغة العبرية في الجغرافيات الثلاث، بوصفها "تشكيلات فم الذئب"، كما تبدو في سيرة ذاتية غير منشورة للأسير دَقَّة. وتتوسَّل الدراسة، منهجيًا، الأداء المزدوج لـ "القصّ النّقدي"؛ لتظهير نص السيرة من الأرشيف، ومن ثم إنقاذه من "ضَحَوِيَّة" العنف المؤسس والعنف الحافظ للصهيونية. وتخلص تحليليًا، إلى تعاقد قرائي يعالج الأسطوريّات النظرية لقراءة الشرط الاستعماري في فلسطين، وتجنيس العلاقات الحضارية، والتضامن في المنبوذيّة الصهيونية، وحروب المكان والمكانة بين اللغتين: العربية والعبرية.
Abstract
Abstract: This article investigates the Palestinian political prisoner Walid Daqqah's relationship with the Zionist regime through the Hebrew language in three geographies: the rural colonized periphery (the village of Baqah al–Gharbiyyah), the urban colonial center (the city of "Tel–Aviv"), and the Zionist prison (as a parallel space). Through problematizing Hebrew as a local pre–colonial language in Palestine before being Zionized, the article reads the social history of Hebrew throughout the three geographies, as the morphology of "wolf’s mouth," reflected in Daqqah’s unpublished autobiography. Methodologically, the article utilizes two acts of "critical fabulation" to recover the autobiography from the archive in a manner that devictimizes it from both the divine and mythical violence of Zionism. The article resolves around this quandary suggesting a reading contract that interrogates prevailing theoretical mythologies in reading the colonial condition in Palestine, sexualizing cultural relations and solidarity in the Zionist pariahdom, and the wars of position and movement between Arabic and Hebrew.
- الصهيونية
- الاستعمار
- السجن
- العربية
- العبرية
- zionism
- Colonialism
- Prison
- Arabic
- Hebrew
ملخص: تتناول هذه الدراسة علاقة الأسير الفلسطيني وليد دقَّة بالنظام الصهيوني، عبر اللغة
العبرية، في ثلاث جغرافيات: الهامش المستعمَري (القرية – باقة الغربية)، والمركز الاستعماري
(المدينة – تل أبيب)، والأسر الصهيوني (السجن – المكان الموازي). وعبر أشكلة ديناميات
استخدام اللغة العبرية، لغةً محليَّة في فلسطين قبل أن تُتصهيَن وتُتخَذ "غنيمة حرب"، تقرأ
الدراسة التاريخ الاجتماعي للغة العبرية في الجغرافيات الثلاث، بوصفها "تشكيلات فم
الذئب"، كما تبدو في سيرة ذاتية غير منشورة للأسير دقَّة. وتتوسَّل الدراسة، منهجيًا، الأداء
المزدوج ل "القصّ النّقدي"؛ لتظهير نص السيرة من الأرشيف، ومن ثم إنقاذه من "ضحَوِيَّة"
العنف المؤسس والعنف الحافظ للصهيونية. وتخلص تحليليًا، إلى تعاقد قرائي يعالج
الأسطوريّات النظرية لقراءة الشرط الاستعماري في فلسطين، وتجنيس العلاقات الحضارية،
والتضامن في المنبوذيّة الصهيونية، وحروب المكان والمكانة بين اللغتين: العربية والعبرية.
Abstract: This article investigates the Palestinian political prisoner Walid Daqqah's relationship with the Zionist regime through the Hebrew language in three geographies: the rural colonized periphery (the village of Baqah al–Gharbiyyah), the urban colonial center (the city of "Tel–Aviv"), and the Zionist prison (as a parallel space). Through problematizing Hebrew as a local pre–colonial language in Palestine before being Zionized, the article reads the social history of Hebrew throughout the three geographies, as the morphology of "wolf’s mouth," reflected in Daqqah’s unpublished autobiography. Methodologically, the article utilizes two acts of "critical fabulation" to recover the autobiography from the archive in a manner that devictimizes it from both the divine and mythical violence of Zionism. The article resolves around this quandary suggesting a reading contract that interrogates prevailing theoretical mythologies in reading the colonial condition in Palestine, sexualizing cultural relations and solidarity in the Zionist pariahdom, and the wars of position and movement between Arabic and Hebrew.
Associate Professor of Philosophy and Cultural Studies, Birzeit University, Palestine. Email: aalshaikh@birzeit.edu
"– من أين لك هذه العربية الممتازة؟ – بل قل لي: من أين لكِ هذه العبرية الممتازة؟
– من أين أنتِ؟ – من المثلث، سيدي الرئيس، من كفرع قرع." من حوارية بين مترجِمة عربية ورئيس دولة إسرائيل، رؤوفين ريفلين،.2013
المقدمة: ريحانة أولى
تتبَّع هذه الدراسة أوديسة احتياز اللغة العبرية كما تصوِّرها مخطوطة سيرة ذاتية برسم الاكتمال
والنشر للأسير وليد دقَّة، بعنوان: "رياحين الشباب بين مفاصل صخر الدولة العبرية"، عُثر على أجزائها الأولى مهملةً خلال جمع الباحث أرشيف دقَّة وتدشينه. تتكوّن المخطوطة، شكلً، من
تسعة مفاصل: أُنجز الأول والثاني منها في سجن الرملة عام 2002. لكن النص لم يكتمل؛ جرّاء
القمع والنّقل والعزل المتكرر من مصلحة السجون الصهيونية، ثم استأنف دقَّة عمله فيه آخر سنتين، فكتب: المفصل الثالث عام 2020، واستكمل الرابع حتى التاسع عام 2021 في سجن "جلبوع" في بيسان المحتلة. وقد حُرِّرت المفاصل من السجن بثلاث طرائق: رسائل بريدية، أو صور عبر تطبيقات
هاتفية، أو تسجيلات صوتية أُفرغت. أما المخطوطة، مضمونًا، فاستدعاءات سيرية من طفولة دقَّة في باقة الغربية، ومن رحلات علاجه إلى الخضيرة (1978–1961)، ومطلع شبابه عاملً في تل أبيب (1985–1979)، ورحلة أسره بين الشباب والكهولة في السجون الصهيونية (2021–1986). في المفصلين: الأول والثاني يستدعي دقَّة مرافقته لوالدته (فريدة) من قريته الآخذة في "الأسرلة" خلال سنوات الحكم العسكري، بعد فجيعة النكسة، إلى مستعمرة الخضيرة لتلقِّي العلاج. وفي المفصلين: الثالث والسادس يسترجع حكايات الطفولة، حيث أول مواجهة مع الآخر اليهودي، سواء أكان في هيئة عدو يخدم في جيش الاحتلال، أم صديقًا للعائلة، بين نكسة حزيران/ يونيو 1967 ونصر تشرين الأول/ أكتوبر 1973. أما في المفاصل الأول والسابع والثامن، فيستذكر الانتقال للعمل في أحد مطاعم تل أبيب، حيث يلتقي اليهود والعرب الآتين للعمل في قاع المدينة. وأما المفصلان الرابع والتاسع، فيركِّزان على تجربة السجن، بما هي حيِّز مواز، مكانًا وزمانًا وإنسانًا.
(((ولد وليد دقَّة عام 1961 في بلدة باقة "الغربية" في فلسطين المحتلة. واعتُقل منذ عام 1986، فحُكم بالسجن المؤبد، ولا يزال
في الأسر. وإضافة إلى دوره البارز في قيادة حركة الأسرى، ممارسةً وتنظيرًا، فإن للأسير دقَّة عددًا من الأعمال الفكرية والأدبية، منها:
يوميَّات المقاومة في مخيَّم جنين 2002 (رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية–مواطن، 2004)؛ صهر الوعي أو إعادة
تعريف التعذيب (الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2010)؛ حكاية سرِّ الزَّيت (رام الله: مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، 2018)؛
حكاية سرِّ السَّيف (رام الله: مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، 2021). (((وليد دقَّة، "رياحين الشباب.. بين مفاصل صخر الدولة العبرية"، مخطوط (سجن الرملة/ سجن "جلبوع"، 2021–2002). ويُشار
إليه، تاليًا، ب: المخطوطة.
(((يختتم دقَّة هذين المفصلين بملاحظة، مؤدَّاها: "لم أنتهِمن الكتابة. أخرجتُها كي تُخزَّن إلى حين أن أنهي كل المفاصل. كتبت
عن مفصلين فقط متباعدين زمنيًا. هناك مفاصل أخرى تقع في المنتصف حتى أصل السجن". المخطوطة، ص.6
خلال هذه الأوديسة يلابس دقَّة مفارقات التواريخ الاجتماعية لهذه الأحياز، في أفق عربي يعاني رضوض الهزائم العسكرية، وفلسطيني يعاني بطش الآلة الصهيونية، من فظاعة شروط العمل، وضروب التمييز في دولة الاستعمار الاستيطاني إسرائيل، وإدراك الاغتراب والاستغلال، إضافة إلى الفظائع الصهيونية التي أسهمت في تحفيزه على الالتحاق بالعمل الفدائي. ولسبر الإشكالية المتمثلة باستكناه ديناميات استخدام العبرية في الجغرافيات الثلاث، تقع الدراسة في ثلاثة محاور: يستهدف الأول منها تأطير الشرط الاستعماري في فلسطين، مقارنة بالحالة الجزائرية، وعرض منهجية "القص النقدي" Critical Fabulation لنص دقَّة المغاير. في حين يسعى المحور الثاني لإعادة "ترتيب" نثار الشذرات؛ لتشكيل "أزمونة" (كرونولوجيا) وخرائطية (كارتوغرافيا) المدوَّنة السيرية للأسير دقَّة، موازية للتزمين والتمكين الفلسطينيين، في القرية والمدينة والسجن. أما المحور الثالث، فيحلل النص نظريًا في ثلاثة مستويات: التعاقد القرائي وغواية الأدوات النظرية الرائج استخدامها في قراءة النظام اللغوي الاستعماري، وعلاقته بعنصرية الأنظمة الاستعمارية المهندسة أيديولوجيًا، والتجنيس Relations Colonial Sexualizing،
والتضامن في المنبوذية الصهيونية، وحروب المكان والمكانة بين العربية والعبرية.
أولا: قَصُّ فم الذئب
لا شكَّ في أن لفلسطين خصوصيتها، بما تعانيه من استعمار استيطاني صهيوني منذ عام 1905، بعد إلغاء "مشروع أوغندا" وصَهْينَةِ الهجرة إلى فلسطين. لكن المقولات المؤسِّسة لعلاقة المستعمِر
بالمستعمَر، في أدبيات ما بعد الاستعمار، لا تزال صالحة للتطبيق عليها، مع الأخذ في الاعتبار
خصوصية الاستعمار الصهيوني بصفته استعمارًا استيطانيًا. ونظرًا إلى تمحور اهتمام هذه الدراسة
حول لغة المستعمِر في حالة دقَّة، فإنها تشتغل في تبيئة مقولة الروائي الجزائري كاتب ياسين، واصفًا ساحةَ مُعاركته لغة المستعمِر بأنها: فم الذئب loup du gueule La. وعلى نحو يذكِّر بتوصيفات فرانز فانون لرغبة الأهالي المستعمَرين بإرسال أبنائهم إلى المدارس الفرنسية، يسرد ياسين واقعة التحاقه
بالمدرسة الفرنسية حين كان في السابعة من عمره، واتخذ والده القرار بزجِّه في"فم الذئب" بالقول:
"لقد فعل ذلك بقلب قاسٍ: اُترك العربية الآن. لا أريدك أن تجلس بين كرسيين مثلي. لا، لن تكون، بإرادتي، ضحيةً للمدرسة. اللغة الفرنسية مسيطرة، وسيكون عليك السيطرة عليها، وأن تترك خلفك ما غرسناه فيك في طفولتك المبكرة، ولكن بمجرد أن تتقن اللغة الفرنسية، يمكنك العودة معنا بأمان إلى نقطة البداية". وعلى الرغم من أن ياسين رأى في ما أحدثته المدرسة الفرنسية من اغتراب عن
(((يجدر التنبيه إلى أن هذا القسم لن يُعنى باستطرادات سياقية تتعلق بالأسرى من فلسطينيي فلسطين المحتلة عام 1948،
وما يُمارس عليهم من سياسات استعمارية إلا بالحدِّ الأدنى، نظرًا إلى تغطية هذه الجوانب في فصول أخرى من هذا المشروع
البحثي. للمزيد يُنظر: عبد الرحيم الشيخ، "الزمن الموازي في فكر وليد دقَّة"، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، مج 39،
العدد 2021(155)، ص.308–271
Abdul–Rahim Al–Shaikh, "The Parallel Human: Walid Daqqah on the 1948 Palestinian Political Prisoners," Confluences Méditerranée , vol. 117, no. 2. (2021), pp. 73–87. (5) Frantz Fanon, Black Skin, White Masks (London: Pluto Press, 1986), p. 10. (6) Kateb Yacine, Le polygone étoilé (Paris: Editions du Seuil, 1966), p. 180.
لغته وثقافته أنه "قَطْعٌ آخر للحبل السرِّي عن لغته – الأم"، فإنه حين أراد لكتاباته الانتشار في المركز
الاستعماري عام 1947، قال: "كان عليَّ أن أتجه إلى باريس، فم الذئب"، مع أنه لم يرَ في ذلك حدثًا
سعيدًا. وخلال مسيرة نضاله التي انتصر فيها لفلسطين وفيتنام وجنوب أفريقيا، صار ياسين لا يكتب إلا بالفرنسية. لكنه أوضح موقفه من الفرنسية في مقولتين دالَّتين: "أكتب بالفرنسية لأن فرنسا غزت بلدي، ومكَّنت نفسها فيها، وكان عليَّ أن أكتب بالفرنسية لأبقى. لكنني رغم كتابتي بالفرنسية، لا تزال
جذوري العربية والبربرية حيَّة"، و"أكتب بالفرنسية لأقول للفرنسيين إنني لستُ فرنسيًا [و] الفرنسية
غنيمة حرب ظفر بها الجزائريون بعد انتصارهم على عدوهم". وعلى الرغم من إشكالية تعامل المصادر مع عبارة اللغة "غنيمة حرب"، وعدم التحقق من سياقها، فإن مواصلة الجدل فيها، في حالة فلسطين، تأخذها إلى مجال أشد تركيبًا، على مستويين: الأول أن العبرية، بما هي لغة النظام
الصهيوني، آلة حرب guerre de Machine، بمفهوم جيل دولوز، في يد ضحاياها المستعمَرين،
أكثر من كونها غنيمة حرب guerre de Butin بمفهوم ياسين. أي إن لغة المستعمِر، على الرغم مما تفرضه من سُلَّميَّات توظِّفها الدولة للتمييز ضد المستعمَرين في فضاءاتها المختلفة، تتحول في
أيدي المستعمَرين الفلسطينيين الذين ينتجون الكتابة المقاوِمة، إلى آلة حرب، يواجهون بها النظام
ويعرُّونه في المجالات التي لا يُحكم السيطرة عليها تمام السيطرة، وهي: الذاكرة الأليفة Domestic
Memory في القرية العربية، والذاكرة الاجتماعية التضامنية في المركز الاستعماري، والذاكرة التي تخشى الفقد في السجن الصهيوني. والمستوى الآخر هو أن العبرية لا تزال لغة "الذئب" المستعمِر الذي لم يتمكن من هزيمة الفلسطينيين وجوديًا، على الرغم من انتصاراته العسكرية.
(7) Ibid., p. 181.
(((كاتب ياسين، "لم أنتهِبعد من تكوين الجزائر"، حاوره كاظم جهاد، اليوم السابع (1987/4/13)، ص.36
(9) Jacqueline Arnaud, La littérature maghrébine de langue française , Tome 2: Le cas de Kateb Yacine (Paris: Publisud, 1986), p. 130. (10) Kateb Yacine, Nedjma (Paris: Editions du Seuil, 1966), p. 131. (11) Yacine, Le polygone , pp. 181–182.
(((1 للاطلاع على أمثلة هذه المعضلة، يُنظر: عبد السلام المسدي، الهوية العربية والأمن اللغوي: دراسة وتوثيق (الدوحة/ بيروت:
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص، 13، 358؛ محمود الذوادي، "اللغة الفرنسية في المغرب العربي: غنيمة
حرب أم استلاب هوية؟" في: سعدون حمادي، الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص 346–333.
Anne Armitage, "The Debate over Literary Writing in a Foreign Language: An Overview of Francophonie in The Maghreb," Alif: Journal of Comparative Poetics , no. 20 (2000), pp. 39–67; Ould Ammar Hassina, L’Exil dans " Le Polygone étoilé" de Kateb Yacine (Batna: Université Hadj Lakhdar, 2011), pp. 26–29;
ويُنظر كذلك مقابلة كاتب ياسين في عام:1971
"Kateb Yacine écrivain public," LUMNI , accessed on 20/3/2021, at: https://cutt.us/jMpfP
(((1 يُنظر:
Gilles Deleuze & Felix Guattari, A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia (New York/ London: Continuum International Publishing Group, 1987), pp. 351–423.
أما منهجيًا، فتعمد الدراسة إلى "إعادة" سرد حكاية النص، عبر فعل القصّ النقدي الذي اقترحته
سايديه هارتمان؛ لتحرير قصص الضحايا الذين أُخرجوا من العالم بالعنف المؤسس، متمثلً في النظام
السياسي (العنصرية)، وأُعيدوا إلى العالم، على الرغم من العنف الحافظ المتمثل في النظام المعرفي (الأرشيف)، وبسببه، حين يصير عتبة لكتابة التاريخ المضاد. يحيل هذا المنهج التاريخَ إلى مسرح، فعلً لا مجازًا، بحيث يكون الخروج منه أداءً أولَ، بينما تكون العودة إليه أداءً ثانيًا، حين يتجرأ المؤرِّخ
الخارج على بروتوكولات التأريخ ومعاييره أن يدخل مشرحة الأرشيف؛ ليمارس في أمكنته وأزمنته المتغايرة إعادات لصياغة الحدث المروِّع. يهدف القَصُّ النقدي إلى تحرير الضحايا من عنف الماضي وعنف الحاضر في آنٍ معًا، عبر "الكتابة المستحيلة" التي تسعى لإنصاف "وجود" ضحايا العنف المؤسس من "تأويل" العنف الحافظ، والبحث عن "حالة الحرية" خارج العنفيْن، وذلك بافتراض
"حالة الحرية" الكتابية لمن هم في "حالة الأسر" الوجودية. وبناء على ذلك، تطرح هذه الدراسة نموذجًا لمنهج دليليٍّ لكتابة تاريخ مضاد للتاريخ السائد الذي
يتناوب مع الأرشيف على سدانة حدود السردية البيضاء، من حيث الأطر النظرية، التي لا يشكِّل إطار الاستعمار الاستيطاني بالضرورة خروجًا عليها. وتعمد الدراسة، ثانيًا، إلى تفكيك "أسطوريات فم
الذئب"، عبر منظومة تحليلية "أصلانية"، وذلك عبر نقد التعاقد القرائي contract Reading وغواية الأدوات النظرية في قراءة النص، وتأطير التجنيس والتضامن في المنبوذية الصهيونية، والإتيان على حروب المكان والمكانة بين العربية والعبرية. وقد اتجهت الدراسة إلى هذه المغايرة المنهجية؛ نظرًا إلى مغايرة نص دقَّة المدروس لنتاج الحركة
الفلسطينية الأسيرة، ذلك أنه يدخل صنف "الكتابة المزعجة"، وهي الكتابة التي "تبتكر أشكالها فيما تنكتب"، و"تنقض العادة". فالنصوص المزعجة معرفيًا هي النصوص المولِّدة الخارجة
على القارِّ، والمستعصية على التقعيد؛ لأنها تخلق معاييرها الجمالية معها، وتخلق أنماط نقدها قبل تحقق تلك الأنماط في النصوص المولَّدة منها وعنها. هنا، لا بد من التذكير بأن هذا الرهان النقدي إنما يحاول مجاراة الرهان الكتابي للنص المدروس في خروجه عن القاعدة؛ بغية تدشين ألفته الخاصة. وفي هذا الصدد، يُفرَّق بين نوعين كتابيين: الكتابة تبعًا لقواعد حداثية منجزة وجاهزة، والكتابة بحثًا
عن أسس من خلال عملية الكتابة نفسها. وبناء على هذا التفريق، يقول حسين البرغوثي بوجود
(14) Saidiya Hartman, "Venus in Two Acts," Small Axe , vol. 12, no. 2 (2008), pp. 1–14.
(((1 للاطلاع على نموذج نقدي للاستخدامات النظرية للاستعمار الاستيطاني في السياق الفلسطيني، يُنظر:
Rana Barakat,"Writing/ Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History," Settler Colonial Studies , vol. 8, no. 3 (2017), pp. 349–363.
((1(أدونيس، الشعرية العربية (بيروت: دار الآداب، 1984)، ص.70 ((1(أدونيس، كام البدايات (بيروت: دار الآداب، 1989)، ص.169 ((1(أدونيس، النص القرآني وآفاق الكتابة (بيروت: دار الآداب، 1993)، ص.55
(19) Jean–François Lyotard, The Postmodern Condition: A Report on Knowledge (Minneapolis: Minnesota University Press, 1984).
نوعين من العقل: واحد ثبوتي يعيش بسلام مع المبادئ الراسية والقواعد المسلَّم بها في نظرية الأدب، ويبذل قصارى جهده للمحافظة عليها. وهذا العقل الاتِّباعي، يؤدّي إلى "اغتيال طاقة الروح"؛ وآخر هو العقل الإبداعي النبوي الذي يَعتبر علةَ وجوده ومعلولها خلق الجديد، والإتيان بالأفكار العذراء التي
لم يسبق إليها أحد. تتجلَّى هنا مهمة النقد في مقدرته على التمييز بين هذين النوعين من العقل، وطاقتهما الإبداعية، وما ينتجان من فكر، ولا شكّ في أن قماشة مدوَّنة دقَّة الكتابية تستدعي بإلحاح هذا التفريق.
ثانيًا: مورفولوجيا فم الذئب
بين المعركة التي لا تزال دائرة في "فم الذئب"، واحتياز اللغة العبرية بوصفها غنيمة حرب، أو بالأحرى استرجاعها بوصفها لغة مشرقية فلسطينية أصلانية، اغتصبتها الصهيونية كما الأرض، تسعى الأقسام التالية، تاريخيًا، لتوصيف مورفولوجيا فم الذئب الاستعماري في سيرة دقَّة؛ إذ سيُتوقَّف عند ثلاثة
تكوينات: اللعاب: باقة – "الخضيرة" (1978–1961)، واللسان: باقة– تل أبيب (1985–1979)، والأسنان: باقة – السجن (2021–1986). والدراسة إذ تعمد إلى هذه التكوينات، فإنها تركن إلى حقيقة أن الفلسطينيين لم ينتصروا على عدوّهم بعد لتكون العبرية غنيمة حرب، مغنمًا من دون مغرم. فالعبرية
لا تزال مادة حية للصراع في فم الذئب الذي لم يتمكن من إنزال الفلسطينيين إلى ظلمة جوفه، ذلك أن التسليم بنزول الفلسطينيين إلى بطن الوحش يعني الظلمة التامة ونهاية الصراع. لكنهم ما زالوا في فم الذئب، يقاومونه ويكسرون أنيابه، ويستعصون بصمودهم على الابتلاع.
1. اللّعاب: باقة - "الخضيرة" (1978–1961)
على الرغم من أن دقَّة لم يقرأ رائعة فانون بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، فإن قارئ السيرة لا يكف عن استدعائها. فنظرًا إلى أهمية اللغة، وضعها فانون على أريكة المحلل النفسي؛ لفهم الصراع بين
المستعمِر والمستعمَر على مستويَي الوعي واللاوعي اللذين يشكِلّان علاقات القوة، إكراهًا وامتثالً.
فاللغة التي يحرص أهالي الأطفال المستعمَرين على تربية أولادهم بها وعليها منذ نعومة أظفارهم،
ينبغي أن تكون "فرنسيَّةَ فرنسا، فرنسيَّةَ الرجل الفرنسي، فرنسيَّةَ الفرنسيين". وبذا، فالأهل يلقون
أبناءهم في فم الذئب لحمايتهم من مخالبه؛ إذ باللغة تتولَّد الآخريَّة Otherness، وعلى أطرافها يسيل لعاب الافتراس، وتتمظهر قابليَّة المفترِس، وقبول المفترَس؛ لذلك يتتبع هذا القسم مسار التضاد بين
(((2 يُنظر: حسين البرغوثي، "بين الشعر والفلسفة" (مخطوطة غير منشورة،.)1999 (((2 كتب دقَّة مخطوطته عام 2002، أي قبل عامين من صدور ترجمتَي الكتاب: العربية (وأنجزها خليل خليل)، والعبرية (أنجزتها
تمار كبلنسكي) في عام 2004، على الرغم من وجاهة الملاحظة التي أبدتها إيلا شوحات، في أن فكر ما بعد الاستعماري لا يجد
طريقه إلى الترجمات العبرية إلا ما ندر، وعلى الرغم من أن معرفة دقَّة الأساسية بالإنكليزية لا نه من قراءة النص الأصلي. للمزيد تمكّ يُنظر:
Ella Shohat, Taboo Memories, Diasporic Voices (Durham / London: Duke University Press, 2006), p. 372. (22) Fanon, pp. 8–27, 82–108. (23) Ibid., p. 10.
العبرية والعربية في طفولة دقَّة ومراهقته اللتين سادهما قدر عالٍ من التعرُّض لمغريات المواجهة، أي لُعاب الأسرلة، في ثلاثة مستويات: تكوُّن اللغة – الأم (العربية) مع الأم التي لم تتأسرَل، وأداتيَّة لغة زوجة – الأب (العبرية) مع المستوطن الذي احتلَّ أرض الجد، وبينية الاختيار بين الأم وزوجة – الأب (العبرية والعربية) في مواجهة ثقافة الهزيمة والأسرلة مع الأب.
أ. اللغة – الأم
منذ البداية كان لدقَّة علاقة فريدة مع العبرية التي يصفها بأنها "لغة زوجة الأب" التي كادت تتغلَّب على لغة الأم. فعلى عكس أنطون شمَّاس الذي اقترنت علاقته ب "لغة الرابَّة" العبرية بالملح، وفركه في الجروح استراتيجيةً دفاعية، تتلخَّص في إتقان "مفردات النجاة" في بداية المراهقة؛ عاش دقَّة نمطًا آخر من العلاقة بالعبرية، يميِّزها عنف ناعم نعومة الممرضة والطاقم الطبي الذين أشرفوا عليه في مستشفى "هلل – يافي" مدة عام ونصف، عرف خلالها العبرية قبل العربية، لا عنف الجندي وصرامة القانون. من هنا، تشكَّل وعي دقَّة اللغوي الإشكالي، فلم يصبح "دوف"، في رائعة غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"، ولكنه لم يصر تمامًا، "خلدون"، بل كان يسير بينهما على خيط رفيع مشدود بين العربية والعبرية. كان مصير دقَّة قريبًا من مصير "دوف" لولا الواقع عنصرية الصهيونية التي رفضته أخلاقيًا قبل أن ترفضه سياسيًا في الفضاء الفلسطيني المستعمَر الذي يعاني هيمنة الرواية الصهيونية
التي كُتِبَت يوميًا على جسده حتى بعد أن غادر المستشفى التي أورثته مرضًا عصبيًا رافقه طوال حياته. في السبع الأولى من طفولة دقَّة، احتل الصهاينة بقية فلسطين في نكسة عام 1967، وصُعِّدت سياسات الحكم العسكري القمعية بأشكال جديدة، وازدادت أجواء الحاضرة الاستعمارية عنصرية تجاه العرب. فما إن يفارق الطفل قريته، حتى يتشظَّى جسده، أو جسد والدته – فريدة، جرَّاء
(((2 للمزيد حول "تنافس" العربية والعبرية في كتابات الفلسطينيين، يُنظر: أنطون شماس، "سبع خواطر وحاشية: اللغات والكتب
ممتلكة ومفقودة ومترجمة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 26، العدد 101 (2015)، ص 44–29؛ يمنى العيد، "أرابيسك: التوظيف
والهوية"، الكرمل، العدد 35 (1990)، ص 92–69؛ محمد صديق، "الكتابة بالعبرية الفصحى: تقدم رواية عربسك وحوار مع أنطون
شماس"، ألف– مجلة الباغة العربية المقارنة، العدد 20 (2000)، ص 167–155.
Rachel Harris, "Hebraizing the Arab–Israeli: Language and Identity in Ayman Sikseck’s to Jaffa and Sayed Kashua’s Second Person Singular," Journal of Jewish Identities , vol. 7, no. 2 (2014), pp. 35–58.
(((2 المخطوطة، ص.18–17 ((2("دوف" هو إحدى الشخصيات المفتاحية في رواية غسان كنفاني عائد إلى حيفا، وهو الاسم العبري الذي مُنح للرضيع
الفلسطيني "خلدون" الذي تركته والدته جرَّاء هول النكبة، وقد خرجت للبحث عن زوجها، فتبنَّته العائلة اليهودية التي استوطنت بيت
العائلة الفلسطينية، بصفته جزءًا من مقتنيات البيت، فنشأ وتربَّى في كنف العائلة الصهيونية، وتبنَّى روايتها، وتصَهْينَ شخصًا وذاتًا.
((2(غسان كنفاني، عائد إلى حيفا (بيروت: المؤسسة العربية للأبحاث، 1987). (((2 إثر النكبة، واستنادًا إلى قانون الطوارئ، شرعت إسرائيل في تطبيق نظام الحكم العسكري (1966–1948). ثم تول ت أجهزة
أخرى، كالمخابرات والشرطة والقضاء، مهمات القمع والتمييز العنصري المنهجي ضد العرب. للمزيد، يُنظر: مصطفى كبها
(محرر)، الأقلية الفلسطينية في ظل الحكم العسكري وإرثه (حيفا: مدى الكرمل–المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية،
"التحديقة البيضاء gaze colonial white " من المستعمِر. في سياق مشابه، يُمَفْهِمَ فانون جسد الأسوَد بالقول إنه يبدأ بالشعور بعقدة النقص منذ مغادرته حيِّزه الأسود (الغابة) نحو حيز الأبيض
(المتروبول)، حيث تستيقظ الدونية لحظة التقاء الأعين، فترسم أعين المستعمِرين للمستعمَر حدود جسده، وتضيِّقُها كلما أفسحت للجسد المجال أن يكون وحده. "لحظة القطار" عند فانون تصير "لحظة العيادة" عند دقَّة، والمكان الشاغر في القطار يتناسخ في مكان شاغر، تتركه الحاجَّة فريدة في سيارة الأجرة، بعد أن تضع صغيرها في حجرها؛ لئلا تدفع أجرة راكبين، حيث مقاعد شاغرة أخرى تنتظرهما في عيادة المستعمِرين. يصف دقَّة المشهد المتكرر لرحلة العلاج مع والدته، من قريته باقة إلى المدينة اليهودية "الخضيرة"، مفصحًا عن بدايات عملية الأسْرَلة التي تتمثَّل في تفشِّي ثقافة الهزيمة، وتحوُّل الفلسطينيين من لبس الكوفية والحطة العربية إلى لبس "البرنيطة"، حيث يخفون "الحطَّات" عند مدخل المدينة، ويحرصون على التوقُّف عن أحاديث السياسة بالاقتراب من الحاجز العسكري، بينما يغيِّر سائق
السيارة محطة الراديو من صوت العربإلى موجة تنطق بالعبرية. لم يكن في وسع ابن السابعة الربط بين الهزيمة وظهور "البرانيط" على رؤوس رجال القرية. لكنَّه كان قادرًا على السؤال: لماذا يخلعون الحطَّات والعقُل ويلبسون البرانيط؟ بل الذهاب أبعد في سؤاله والدته: "يمَّهْ لَيشْ
ما تِشْلَحي الخِرقة، وتلبسي بُرنيطة؟ "؛ كونه كان يرى بعض نساء اليهود المتديِّنات في المدينة يلبسن أشكالً مختلفة منها، فتردُّ: "البرانيط للزلام [للرجال"]. يضحك "الزِلّام" الذين يدركون الهزيمة، ولا يستطيعون أدلجتها، وتواصل الأم صمتها، والطفل تأملاته في زيِّ الأم الذي لم يتغيَّر، ولسانها العربي. لكنّ ثوب الأم الباعث على الهدوء والطمأنينة في الطريق سرعان ما يتحوَّل إلى كابوس مفزع للطفل، حين يصير في مرمى "التحديقة البيضاء". ففي عيادة التأمين الصحي في الخضيرة يمسك الطفل بيد أمّه عند مدخل الممرِّ، وتحدِّق العيون في الجسدين الغريبين والثوب الفلسطيني المزركش، ويضغط الطفل على يد والدته واجلً، فتضغط أكثر، ويزداد وجله من النفوس الصهيونية المشمئزة، والعيون التي
(((2 في تقديمه ل "تجربة الأسود المعيشة"، يلتقط فانون، مصيبًا، مفهوم جورج ف. هيغل ل "لحظة الوجود من أجل الآخر being
others for "؛ بغية توضيح الترسيمة الأنطولوجية لجسد الأسود، ومن ثم ذاته، في محيط استعماري أبيض. وفي هذا السياق، يصف فانون معاناة الأسود، ومن ثمَّ محاولته المستحيلة لتبييض نفسه تحت وقع نظرات البيض الاستعمارية، المهندسة تاريخيًا وعرقيًا،
والتي تظهر في سعي الأسود لبناء أناه الفيزيائية والثقافية (اللغوية على وجه التحديد)، ليتوازن المكانُ الاستعماري و"تتوطَّن الأحاسيس" في غير وطنها. يتوسَّل هنا فانون "لحظة القطار"؛ لقصِّ ألم الأسود قبالة نظرات الطفل الأبيض الخائف دونما سبب،
باستثناء تربيته العنصرية، فيستنجد بأمه في القطار عند رؤية الأسود. إن "لحظة القطار" تفرض على "أنا" الأسود أن تعيش لا انفصامها
هي، بل ضرورة الانفصام، جسدًا ولغةً، كي لا تواصل نظرة "الآخر" الأبيض انتهاكه هلعًا وتذمُّرًا من رؤية الأسود، ومن ثمّ ترك
لا مقعد واحد، ولا اثنين، بل ثلاثة مقاعد مسافةً فاصلةً عن الأسود. للمزيد يُنظر: Fanon, pp. 82–85.
(30) Ibid., p. 84.
(((3 المخطوطة، ص.16 (((3 المرجع نفسه.
تنهش جسد الأم وتحتقره، "وكأنها مخلوق فضائي غريب". ففريدة، والدة الطفل الفلسطيني وليد، التي لا تجيد القراءة لا بالعربية ولا بالعبرية، على عكس إلينور، والدة الطفل المارتينيكي فانون، لم تطلب منه أن يتقن لغة عدوه، وأن يتحدث العبرية (عبرية الدولة العبرية، عبرية الرجل العبري، العبرية العبرية)، بل كانت تؤجِّل الإجابات، وتشرح له تاريخ بلاده، وتاريخ وشم السيَّالة الذي على شفتها
السفلى، والتاريخ الاجتماعي لوادي الحوارث، حين يعودان إلى القرية التي صارت ملجأ. ففي القرية العربية لم يتغير زيُّ النساء جرَّاء "الانفتاح" على المدينة العبرية التي تخفَّى الرجال فيها بالبرانيط،
لم يتغيَّر الثوب – الأم ولا اللغة – الأم. لذلك تبدو حكاية دقَّة كأنها تقترح امتدادًا ل "مرحلة المرآة" لدى
الطفل أكثر مما ينبغي، ولكن على نحو طوَّر لديه انفصامًا، مؤدَّاه اقتراب في القرية العربية حيث الأمان،
وابتعاد في المدينة اليهودية حيث الخطر. ف "في القرية" يقول وليد "هي أمي التي أحتاج لعطفها وحنانها ككل الأطفال، أدفن وجهي في ثوبها وأستنشق رائحتها، وفي المدينة اليهودية هي ظلي أو أنا ظلها، أريدها مرافقة غير مرئية، أو أن أكون حاضرًا معها غير مرئي. كنت، في كل مرة، بعد عودتنا للقرية أشعر
بعفوية وإحساس الطفل المذنب بضرورة تعويضها عن ابتعادي عنها. فأحتضنها بقوَّة وتطرُّف، وفي كل
مرة أجدني أحتضن ثوبًا، ضمر فيه الجسد، وقلَّت نقوشه وتطاريزه فبدا راية بيضاء كلما لبس الرجال
البرانيط. فأصبحنا حاضرين غائبين". وهنا لا يبدو تحليل جوزيف مسعد لطفولة دولة المستوطنين في تسمية أمكنة الأرض التي استعمرتها نافعًا في تفسير تشظِّي هوية الضحية – الطفل، فعلى الرغم من "هوية" الوالدة الواضحة التحديد، عبر ثوبها الفلسطيني، فإن التوتّر العدواني في سياق العيادة يدفع ب "هوية" الطفل إلى هاوية الانفصام، بتغيُّر موقع المرآة – الأم بين القرية العربية والمدينة اليهودية.
ب. الأصاني – المستوطن
ولكن معنى "الحاضرين الغائبين" لم يكن إحساس طفل بجسده وجسد والدته فحسب، بل صار وصفًا قانونيًا لمهجَّري فلسطين المحتلة في أرضهم. وهنا يقدّم دقَّة لمحة عن التاريخ الاجتماعي لهذه
المشهدية، مغايرًا جغرافيات القرية والمدينة والسجن. إنها "أرض عطا" الممتدة على شاطئ المتوسط
(((3 المرجع نفسه، ص 7. وللمزيد عن استخدام النظام الصهيوني للمؤسسة الصحية أداةَ ضبط وإدارة للجسد الفلسطيني الحي، يُنظر:
Rhoda Kanaaneh, Birthing the Nation: Strategies of Palestinian Women in Israel (Berkeley: University of California Press, 2002); Nadera Shalhoub–Kevorkian, Militarization and Violence against Women in Conflict Zones in the Middle East: A Palestinian Case–Study (Cambridge: Cambridge University Press, 2009); Osama Tanous, "Structural Violence and its Effects on Children Living in War and Armed Conflict Zones: A Palestinian Perspective," International Journal of Health Services (31/8/2021).
(((3 للمزيد عن فنّ الوشم، يُنظر: عبد الكبير الخطيبي، الاسم العربي الجريح (بغداد: منشورات الجمل، 2009). ص 110–55؛ قسَم
الحاجّ، "فنّ الوشم: البشري مهندسًا لجسده المقدس"، فسحة ثقافية، 2020/3/24، شوهد في 2021/6/1، في: https://cutt.us/ZedAO (((3 المخطوطة، ص 7–6. (((3 للمزيد عن استخدام مفهمة جاك لاكان ل "مرحلة المرآة" في توصيف صراع الهوية الفلسطيني في المكان الفلسطيني الذي جرت عبرنته، يُنظر:
Joseph Massad, The Persistence of the Palestinian Question: Essays on Zionism and the Palestinians (London: Routledge, 2006), pp. 36–40; Jacques Lacan, Écrits, A Selection (London: Routledge, 2001), pp. 1–6.
جنوب غرب وادي الحوارث، ويفصلها عن البحر طريق الساحل القديمة. فقد امتلكها علي دقَّة، جد وليد لأمه، وبعد النكبة صار "مالكها الجديد" المستوطن شلومو فرانك، يؤجِّرها ل "مالكها الأصلاني" وقد صار حاضرًا غائبًا. لم يكن الجد فلاحًا ولا بدويًا، والمؤكد أنه لم يكن مدينيًا، بل كان في منزلة بين منزلتَي البداوة والفلاحة، لاجئًا هجينًا، وفلاحة الأرض هي ما تمنحه الهوية. لكن دقَّة لم يدرك هذه التفاصيل إلا متأخرًا، فقد كان في السادسة من عمره حين تسلل إلى "بيارة شلومو فرانك"؛ بحثًا عن الأعشاش، حيث واجه العري الاستعماري. ففي طرف البيارة الشمالي عسكرت وحدات من الجيش الإسرائيلي التابعة لقيادة المنطقة الوسطى، فوجئ الصغير ب "كتلة بشرية عارية"، تستحمّ جماعيًا، بعد أن "فرشوا الأرض بصناديق الذخيرة التي أفرغوها في الحرب القصيرة – هزيمة عام 1967، حتى لا تغوص أقدامهم في الأرض الموحلة". أخافه صخبهم، وعريهم الذي تذكَّره بعدئذ، حين شاهد "الأفلام التي تروي قصة المحرقة، فترتبط المحرقة بالعري، وعريهم ارتبط لاحقًا بالاستيلاء على الأرض"؛ لم يكترث الغزاة بالطفل المختبئ. لكن جدَّه أمسك به من أذنه، وحذَّره من أمور يجهلها. لم يردع ذلك الطفلَ الذي اتخذ من العبرية التي عرفها بالتوازي مع العربية، وهو في المستشفى في الثالثة من عمره، سلاحًا للتوغّل في الأرض المغتصبة، والبحث عن الأعشاش، على الرغم من أن علاقته بها راوحت بين الإعجاب والكراهية. هنا، صار الصغير يشارك في موسم جزِّ الصوف بعد اقتياد الغنم إلى البحر الذي تفصله الطريق الساحلية عن أرض عطا، ثم غالبته رغبة شديدة في التبوُّل، وكان البحر ملجأه. وبقيت تلك الذاكرة الأليفة ملازمة لدقَّة حتى بعد عقدين على اعتقاله. ففي إضراب عام 2004، نبَّه مشهد البحر، على الطريق الساحلية، فيه الألم ورغبة التبوّل، خلال نقله في "البوسطة" بين سجني "الشارون" (مركز توقيف تابع لسجن الرملة) وسجن الجلمة (يقع بين مدينتي الناصرة وحيفا المحتلَّتين). لم يجرفه الحنين إلى "استرجاع الحسِّ" لأرض عطا فحسب، بل يقينه كذلك بأن الصهاينة الذين رآهم عرايا، بلا قرون ولا أذناب، ليسوا أبطالً خارقين، وإنما بشر كالفلسطينيين الذين استعمروا بلادهم. هنا، يؤكد دقَّة أن حبه للأرض لم يأت عبر قصيدة، وكرهه للغزاة الذين صار يبول في بركهم الخاصة بتربية الأسماك لم يأت من كتب التاريخ، بل عبر جَدِّه علي الذي عانى السياسات التمييزية الصهيونية ضد أصحاب الأرض، لصالح مزارعي المستوطنات.
((3(للمزيد حول "الحاضرون الغائبون"، وهم "اللاجئون" الفلسطينيون الذين ط ردوا من بيوتهم وبلداتهم. لكنهم بقوا في أراضي
فلسطين المحتلة عام 1948، ينظر: نديم روحانا وأريج صباغ خوري، الفلسطينيون في إسرائيل: قراءات في التاريخ والسياسة
والمجتمع (حيفا: مدى الكرمل–المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، 2011)، ص.46–26 (((3 المخطوطة، ص 8. (((3 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه. (((4 المرجع نفسه، ص.9 (((4 المرجع نفسه، ص.10
ج. الهزيمة – "النصر"
في تواصل لهذا الألم يسرد دقَّة مشهدية الهزيمة بين عامي 1967 و 1973، استمرارًا لذاكرة هزيمة
النكبة الكبرى في عام 1948، حيث خطّ الهدنة بعد اتفاقية رودس لعام 1948 الذي شطر قرية باقة، فصارت شرقية تابعة للحكم الأردني، وغربية تابعة للحكم الإسرائيلي. يتنقَّل دقَّة بين نكسة حزيران/ يونيو ورحيل عبد الناصر، وحرب تشرين الأول/ أكتوبر، عبر قصص تُعدّ مدوَّنة للتاريخ الاجتماعي
للفلسطينيين (العلاقات العربية – العربية)، ولماهية تواصلهم مع الإسرائيليين (العلاقات العربية – اليهودية)، عبر مدوَّنة الأب، بعد أن سرد الأحداث عبر مدوّنتَي الأم والجد. لم ينتهِ نمر دقَّة، الأب، من حفر الملجأ في سفح الجبل المجاور لبيتهم خلال حرب 1967، ولم يتمّه في
حرب 1973، فبقي جرحًا غائرًا في الجبل، كأنه نصب تذكاري، لا لمن سقطوا في الحرب، وإنما لمن
تبددت آمالهم بنتائجها. لكن الحدود التي تفصل شطرَي القرية كُرِّست في أذهان الفتية منطقةً
حرامًا؛ إذ فقد أحدهم ساقه في لغم أرضي. ومن ذاكرة المرار يتوق دقَّة بحسرة مرمَّزة إلى رؤية الطائرات
العربية المشتهاة التي لم تحلِّق في سماء فلسطين التي غطَّت "الضفة" و"فلسطين 48"، وصارت كلُّها "إسرائيل"، يقسمها خط الهدنة الوهمي. ومع بلوغ الطفل التاسعة يشهد تجمُّعًا مختلفًا حول المذياع
الذي أعلن من صوت العرب، من القاهرة، وفاة الزعيم العربي جمال عبد الناصر؛ فقد كان ذلك تتويجًا
لأحزان النكبة والنكسة. يبكي الطفل مع والده الذي انتكس، كأبناء جيله، فخسر تجارته، وأعلن إفلاسه بعد النكسة ببضع سنوات. أما حسرة الأب، فتكتمل برواية دقَّة قصة وفاته عام 1998، وعدم تمكُّنه من وداعه أو حضور جنازته؛ فقد تحدَّث معه هاتفيًا مدة عشرين دقيقة، وافقت عليها سلطات السجون بعد مماطلة. لكن قرارهم
جاء متأخرًا، بعد أن فقد الوالد القدرة على الكلام. طلب الولد الأسير من والده أن يسعل إن كان
يسمعه، وما إن سعل حتى أخذ في تسرية وقت والده على فراش الموت برواية قصص حول نبل سلوكه وطبعه الإنساني الفريد. ذكَّره وليد بمائير سابير الذي جاء في اليوم الثاني من حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، إلى بيت العائلة، ومعه زوجه وطفلاه، مرتديًا بزّته العسكرية، وبيده كيس من النقود ووصيته، وقد استدعي للقتال على الجبهة المصرية. لم يأتمن سابير أخاه على زوجه وطفليه وماله، فجاء بهم إلى العربي الفلسطيني نمر دقَّة، على الرغم من معرفته بوطنيّته وحبّه لعبد الناصر.
قبل نمر الأمانة، وحين انتهت الحرب رجع سابير واستعاد زوجه وطفليه وماله ووصيته. وبعد أكثر من عام ونصف عاد سابير إلى بيت عائلة دقَّة لأمر آخر، فقد عُيِّن مسؤولً عن التجارة في الضفة
الغربية، وجاء ليعرض على نمر وكالة حصرية لشركة "عيليت" الإسرائيلية. رد نمر بغضب وبحزم: "يوم جئت لي بزوجتك وأطفالك، قبلتهم كنمر الإنسان. اليوم، تعرض عليَّ مقابلً بهذه الوكالة،
((4(للمزيد يُنظر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، اتفاقيات الهدنة العربية – الإسرائيلية، شباط/ تموز 1949: نصوص الأمم المتحدة
وملحقاتها (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.)1968 (((4 المخطوطة، ص 12. (((4 المرجع نفسه.
لتحولني من نمر الإنسان إلى نمر المتعاون معكم"، فعلى الرغم من الإفلاس والحاجة رفض نمر العرض – الرشوة.
2. اللسان: باقة - تل أبيب (1985–1979)
تتزاحم قصص العبرية في القرية العربية. لكن في المركز الاستعماري تتصادى المجازات بين فانون وياسين. يكبر الطفل، وينفض عن جسده الغض "لعاب الذئب"، ذاهبًا إلى فمه – الحاضرة
الاستعمارية، وهناك يجد المستعمَرُ نفسه في مواجهة مباشرة مع الذئب، وكلَّما أتقن لغة المتروبول
أكثر، ونسي "لغة الغابة"، صار أشد بياضًا، وفتحت له الأبواب المغلقة؛ إذ يبدأ التحضير لعملية الملاعبة باللسان، تحضيرًا للمضغ، وتصير مفعولية الذات Crushing Objecthoodهي ما تطحن
الذات، لا فاعلية الفك الاستعماري فحسب. لم تكن تجربة الطفل دقَّة في "الخضيرة" إلا تهيئة للتجربة الفعلية في تل أبيب. وتلك التجربة تشكِّلها ثلاث حالات لجوء، تؤدي اللغة فيها دورًا محوريًا، ابتداءً
من تمظهرات صراع القرية مع المدينة، حيث تنكشف الهوية، وينماز "العربي الجيد" من "العربي السيئ"، مرورًا بتمظهرات صراع المخيِّم مع المدينة، حيث تتصاعد الضحويَّة Victimhood، وينماز
"الفلسطيني الجيد" من "الفلسطيني السيئ"، وانتهاء بصراع "الشتات اليهودي" مع "الوطن"؛ إذ تكرِّس
الصهيونية ملامح قوَّتها الطاردة عن المركز الاستعماري التي ينماز فيها "اليهودي الأشكينازي الجيد" من "اليهودي العربي السيئ". وبين حالات اللجوء الثلاث تتصاعد سياسات التضامن بين الضحايا الفلسطينيين والناجين اليهود، عربًا كانوا أم غير عرب، في المنبوذية الصهيونية الجديدة.
أ. "العربي الإسرائيلي" يفتح المدينة
يصف دقَّة بداية علاقته الإشكالية مع اللغة العبرية في أكبر مراكزها الاستعمارية، وتعرُّفه الهوية الذاتية
بين القرية العربية المستعمَرة والمدينة اليهودية المستعمِرة. فبعد الانتهاء من دراسته الثانوية انطلق دقَّة، من دون أن يلتفت إلى حمل بطاقة هويته، ومن دون أن يعرف أثر تلك الحادثة في علاقته بالمدينة اليهودية، رفقة ابن قريته مراد (اسم مستعار) الذي التحق بسوق العمل مبكرًا. جاء مراد لاصطحاب
دقَّة بالسيارة الفارهة إلى المشغِّل اليهودي روني؛ إذ يتمتع بمكانة خاصة عنده، فيأتمنه على سيارته ومطعمه وزوجه وأولاده. يصف دقَّة حماسته للرحلة الجديدة، وقد صار "رجلً ذاهبًا لفتح المدينة...
حالمًا بعوالم تل أبيب وحياتها التي تنتظره وينتظرها، صارخًا جاييك يا تل أبيب، جاييك يا مدينة الليل والغنج، جاييك يا حرية". وقد عرف أن الفردانية فيها لا تعني إلا المجهولية، وكل ما هو عكس
(((4 المرجع نفسه، ص.14
(47) Fanon, p. 82.
(((4 تعبير "المنبوذية" مستعار من حنه آرنت في تصوير "الرابطة الأخوية" في حالات التضامن بين المنبوذين في السياق الأوروبي "العالم الذي يعامل فيه الإنساني معاملة غير إنسانية"، وحالات التضامن بين اليهود وغير اليهود. للمزيد يُنظر:
Hannah Arendt, Men in Dark Times (New York: Harvest Books, 1968), pp. 12–13.
(((4 المخطوطة، ص.1
القرية وما تمثِّله لوليد، كان مراد مسخًا عربيًا مثاليًا لليهودي الجنوبي ("درومي" باللغة العبرية) المُزدرَى
في المجتمع الإسرائيلي، مظهرًا وسلوكًا، فقد بدا متعالمًا، شاطرًا، مدَّعيًا معرفة خفايا المدينة. لم ترقْ
لوليد استعراضية مراد الذي قطع شوطًا بعيدًا في تقمُّص البياض الاستعماري. لكنه قرر أن يقبل عرضه لشراء ملابس جديدة، واعتبر ذلك تنازلً من القروي لأحد قوَّادي المدينة التي "يراها القرويون في مخيلتهم: امرأة تضع المساحيق وتتبرج لتضاجع كل الرجال المارين بها ليلً. والرجل المتمدن بنظره يتزين كالنساء". مراد، بصفته عبد منزل أو قوَّادَ منزلٍ، رسم قواعد اللعبة الأربع، وهي: الامتثال لماكينة تكوين الهوية، وعدم التدخل في الحسابات المالية، وجعل العبرية القنطرة إلى معرفة المدينة ومعرفة نسائها، وتوسيع التواطؤ على عروبة الأيام لتسهيل الانخراط في "الجماعة الجديدة". تفصح القاعدة الأولى عن تحوُلّات الاسم عبر الامتثال لماكينة تشكيل الهوية المظهرية التي أُريد
لوليد أن يبدو بها؛ فإثر وصول دقَّة إلى مكان العمل استقبله روني، صاحب المطعم اليهودي الذي لا يعرف العربية، بلا مبالاة، وصافحه، قائلً: "أهلل"، "الكلمة العربية الوحيدة التي يعرفها ويقصد بها أهلً"، ثم يتوالى اللحن بالعبرية والعربية، وبالتحديد في نطق اسم وليد الذي راوح بين "يليل" و"يلين" على لسان المشغِّل اليهودي، بينما صار "موشيه" على لسان المؤسْرَل مراد جزءًا من تغريب
وليد عن لغته الأم؛ لئلا يثير انتباه الزبائن لعروبته. سلَّم وليد بتحوُلّات اسمه، ودوِّن اعترافه بلا تلعثم: "سجلتُ لتل أبيب ثاني تنازل عن اسمي ولغتي دفعة واحدة؛ حتى لا أخسر فرصة العمل ومضاجعة أول يهودية لا تدقق بالتفاصيل لأنها إن فعلت ستكتشف لكنتي التي لا تلائم لا اسمي العبري الأشكنازي ولا بشرتي القمحية". وعلى الرغم من حداثة سنِّ دقَّة، لم يكن فرحًا بمعرفة الصهيوني روني بعض الكلمات بالعربية. لكنّه امتلك حسَّا دفينًا يرفض أن يتكلّم العدو لغته؛ فالعدو ليس ضيفًا على الأرض، ولا على اللغة، ومن ثم، فقاعدة "إننا ضيوف على اللغة" لا تصلح في هذه الحال، ونحن بالفطرة نتحرّز من تحدُّث الآخر بلغتنا، ذلك أنه لا يتكلّمها ولن يتكلّمها. أما القاعدة الثانية، فتنظِّم اقتصاد الجنس، من حيث نيله وتمويله، بعدم التدخل في الحسابات المالية؛ لأنها من اختصاص مراد الذي افتعل حرصًا على عدم حدوث مشكلات جرّاء مبالغ غير مسجَّلة،
سيضبطها التدقيق الضريبي. وافق وليد من دون عناء، حتى إنه لم يسأل عن مقدار أجره، بل كان كلُّ همِّه ألا يرتبك أمام الزبائن، وبالتحديد إن كانت الزبونة شابة بمثل عمره؛ ليتسنَّى له النظر إلى مفاتنها، وربما إغواؤها. لكنَّه تعلّم في نهاية المطاف كيف يغلق الحساب في صندوق المحاسبة عند نهاية الوردية، ويقتطع بعض المال ويقتسمه مع مراد. وهنا تتضح القاعدة الثالثة حين تصير اللغة مقابل
(((5 المرجع نفسه، ص.2 (((5 المرجع نفسه. (((5 المرجع نفسه. (((5 للمزيد عن نفور أبناء اللغة من تحدُّث الآخر بلسانهم، تحديدًا في الوضع الاستعماري، يُنظر: عبد الفتاح كليطو، لن تتكلَّم
لغتي (بيروت: دار الطليعة للنشر، 2002)؛ وفي سياقات الاستعمار والاستعمار الداخلي يُنظر:
Fanon , pp. 8–27; Achillle Mbembe, Critique of Black Reason (Durham: Duke University Press, 2017), pp. 25–31.
الجنس؛ إذ من يتعلَّم لغة قوم يضاجع نساءهم. فبعد شهر واحد تعلَّم وليد كلَّ شيء، من إخراج اللحوم المجمَّدة من الثلاجة إلى "إخراج الأثداء الدافئة من جحور الصدَّاريات الصغيرة"، وصارت له غرفة
خاصة دشَّن فيها فرديته التي لم يذقها في القرية، على الرغم من كل الانتهاكات التي فرضتها علاقات القوة في سياق العمل. أما القاعدة الرابعة، فاقتضت توسيع التواطؤ على الاسم، نحو القطع مع ماضي الاسم وحاضره ومستقبله؛ لتسهيل الانخراط في الجماعة الجديدة. يسرد دقَّة بألم فعل التقسيمات الاستعمارية للعربي الجيد (من باقة الغربية التي صارت جزءًا من إسرائيل عام 1949) والعربي الرديء (من باقة الشرقية التي
صارت جزءًا من الضفة الغربية عام 1967، وبعد ذلك باتت من أراضي السلطة الفلسطينية 1996)، "لم
يمر وقت طويل حتى وصلت شرطة المباحث في إحدى الليالي و'فضحوا' عروبتي أمام كل الزبائن عندما اكتشف أحدهم لكنتي، وطلب مني بطاقتي الشخصية. لم يسعفني اسمي العبري الجديد بإخفاء هويتي، وسألني أحدهم وهو ينظر بأوراق مواطن يهودي بدى لهم مشبوهًا: 'ما اسمك؟' لم أتردد بالرد 'وليد.. وليد دقَّة' 'من أين أنت؟' 'من باقة الغربية' جاء في هذه اللحظة روني دون أن يقدِّم نفسه، وقال: 'إنه عربي إسرائيلي.. عربي ميشيلانو.. عربي من جماعتنا' لم أكن أعرف إن كان عليَّ أن أفرح
أو أغضب لكوني من 'جماعتنا'، ولم أكن قد قررت إن كنت من جماعتهم أو جماعتنا فأنا ببساطة لم أعرف الجماعات بعد. لكن ما دام هناك 'جماعتنا' فلا بد أن يكون هناك 'جماعتهم' وعليَّ أن أقرر لمن
أتبع. لكنني سكتُّ حين تذكَّرت أن كلمة 'جماعتنا' يستخدمها رجال القرية للدلالة على زوجاتهم في مجالس الرجال كنوع من التغريب بكلمة زوجتي". ولكن تحوَّل دقَّة إلى موضوع استعماري كامل الأوصاف، بوصفه "عربي من جماعتهم" بشهادة
مستوطِن، لم يشفع له أمام الهوس الأمني للشرطي الذي تريد دولته لمن أسمتهم "عرب إسرائيل" أن يكونوا عربًا واضحين، من دون شبهة الانتماء إلى "عرب فلسطين" الآتين من الضفة الغربية بلا تصريح،
أو الآتين حتى من الشقِّ الشرقي لقرية باقة التي قسَّمتها المسطرة الاستعمارية. كان دقَّة مدركًا أن
خسران عروبته لن يربحه "إسرائيليَّته"، فأردف: "في المدينة اليهودية تحاول أن تحظى بمجهوليتك
وفردانيتك فتدفع ثمنها اسمك ولغتك، ثم تأتي الدولة على هيئة شرطي تعيدك إلى جماعتك، فتخسر كليهما. هنا، أنت، حتى لو كنت كما الماء لا طعم ولا رائحة، وعاء الزئبق يرفضك ولا تذوب فيه. كل ما تحظى به في المدينة ليس سوى بعد جغرافي عن عيون أهل القرية، يتيح لك قليلً من الجنس الفائض عن حاجتها، وكثيرًا من مظاهرها. العرب في هذه المدن يدخلونها من مطابخها والمداخل
الخلفية لفنادقها وورشها، ولا تقرِّبهم من ورش إنتاج الحضارة. هنا، يطحن آلاف الشباب في عمر
الرياحين بين مفاصل الدولة العبرية، بين مواطنتهم ووطنيَّتهم. هنا، بدأت أدرك بأن 'جماعتنا' تعني أقل
بكثير مما تعنيه الزوجة كخادمة وكجارية تنظف المطبخ وتلبي حاجات السيد الجنسية".
(((5 المخطوطة، ص.2 (((5 المرجع نفسه، ص.4 (((5 المرجع نفسه.
يستنتج دقَّة أن قواعد اللعبة الأربع لا تغيِّر بشرتك، وإن غيرت لغتك، ووهم انتسابك إلى جماعة سابقة
لجماعتهم، وأن الحرية فردية، في المركز الاستعماري، وليس لها علاقة بالتحرر الجماعي قط.
ب. "العربي الفلسطيني" تفتحه المدينة
وفي تواصل لسردية المدينة الصهيونية، يروي دقَّة قصة مؤلمة عن فتى في الثالثة عشرة، من أحد مخيمات قطاع غزة، جاء للعمل في تل أبيب، رفقة زوج أخته، وهو المعيل الوحيد لأسرته المكوَّنة
من أمه وخمسة أطفال بعد وفاة والده، فيتعرَّف لاجئ المخيم إلى لاجئ القرية في المدينة الصهيونية.
كان فارس (اسم مستعار) يأتي لتناول وجبته المحددة والمكررة في مطعم "بيتزا ريميني" قرب بلدية "تل أبيب"، أثار سلوك الفتى النحيل فضول دقَّة، وحين ألح عليه بالسؤال، انفجر بالبكاء، ما حدا بدقَّة إلى أن يطلب منه الانتظار إلى حين انتهاء ورديته. وحين تعرَّف قصَّته، وجد أن الفتى يعمل بورديتين
في جلي الأطباق في المطعم، وينام مع العمال في السِّدَّة التي يستخدمها صاحب المطعم مخزنًا
للمشروبات، وبعد منتصف الليل يغلقها عليهم بالقفل. أبدى الفتى عدم رغبته في العودة إلى العمل أو مكان السكن، بعد أن باح لدقَّة بأنه "تعرَّض طوال الوقت للتحرش الجنسي... والاغتصاب". أحضر
له دقَّة ملابسه، وأسكنه معه في الشقة، ووفر له عملً في محل للخضروات، "وفي أيام السبت كانت وظيفته تشغيل المكيِّف في الكنيس المجاور؛ لأن تشغيل أي جهاز كهربائي من "الأعمال المحرَّمة"
خلال السبت لدى اليهود المتدينين. لقد عمل، كما يسمونه بالعبرية، "غُويْ شبَاتْ"، ثم اختفى
الفتى فجأة ومعه نسيبه، وبعد مرور عامين، لمحه دقَّة، ولحق به، ولاحظ تحسُّن وضعه من خلال
ملابسه وطريقة كلامه، وأخبر دقَّة أنه يعمل في محل ما، أدرك أنه غير موجود لمعرفته الدقيقة بأحياء المدينة وأمكنتها. وقد تبيَّن، لاحقًا، أن فارس كان في الواقع يعمل "جيغلو"، يقدم خدمات جنسية
للعجائز والأرامل والمطلقات الثريات، إلى أن أدمن المال السهل الذي ظل يرسله إلى والدته. يعقِّب دقَّة على هذا المصير المأسوي الذي انتهى بحادثة أكثر مأسوية، واصفًا الماهية العنصرية لمدينة تل أبيب بالقول: "العام الثاني للانتفاضة الأولى 1987[]، كان معي في الزنزانة رفيق من نفس مخيم فارس. سألته عنه وعن مصيره، قال إنه نفذ عملية أدَّت لاستشهاده، ثم أضاف هذا الرفيق: مات الله يرحمه، ونظَّف سمعته. لا أعرف إذا كان فارس هو الذي بحاجة إلى أن ينظف سمعته، أم تل أبيب التي تزهو في مرآة نرجسيتها فلا ترى احتلالها الذي دنَّس جسده، واغتال روح الطفولة والشباب فيه. تل أبيب، هذه المدينة المغرورة الممتلئة بالأهمية الذاتية 'حشيفوت عَتصميت'، والتي تتوضأ بالقيم الليبرالية صباح مساء، تنتهي يساريتها وليبراليتها عند العرب". لم ينخدع دقَّة بواقع المدينة اللافظة للعربي، وستشهد أضخم المظاهرات احتجاجًا على إجرام الدولة
في صبرا وشاتيلا؛ لتغسل عار عنصريتها التي تؤكِّد للفلسطينيين، كل لحظة، أن النكبة ليست حدثًا مؤسسًا لهويتهم الجمعية فحسب بل هي بنية دائمة التحقق.
(((5 المرجع نفسه، ص.15 (((5 المرجع نفسه. (((5 المرجع نفسه.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن فارس، على ضحويَّته المؤلمة في اللجوء وتقسيم العمل، يمثل البطل
النقيض لوليد؛ إذ باستثناء مرحلة المراهقة التي كانت العبرية فيها قنطرة لتحقيق الرغبة الجنسية، ومصيدة لتحقيق الارتواء العاطفي، لم يستخدم العبرية وليد إلا مِجن ا وتُرسًا. ففي مرحلة الطفولة استخدم العبرية
أداةً للتسلل، فقاده الفضول إلى المجهول من عُري الآخر الاستعماري، وإلى التبوُّل في بِرَكِ مَنْ أسالوا
دم الأرض بتدميرهم محصول البطيخ الخاص بجدِّه لأمه، وفي ربيع الشباب والكهولة في السجن، استخدمها أداة لتغريب الجسد المستباح في التحقيق، دفاعًا عن الحق في الحياة، ونجاة من الموت الذي تفرضه منظومة السجن عليه، واستراتيجية مواجهة، وهذا ما سنفصل القول فيه في المحور التالي من هذه الدراسة. أما فارس، الفتى اللاجئ، فقد استبيح واغتصب فعليًا لا مجازيًا. لكنه سلك الجانب
الأرحب من الطريق حين قاده ظلم اللجوء في المخيم، وفي المدينة التي تضطهد أناس القاع فيها، إلى ظلمات الكسب السريع في تقديم الخدمات الجنسية للمستعمِرات، ومن ثم إلى ظلمة التغييب التام عبر الفعل التطهُّري للشهادة الذي أفنى عبره جسدَه المستباح.
ج. "اليهودي العربي" تسحقه المدينة
ومن مأساة لاجئ المخيم ينقل دقَّة إلى عنصرية تل أبيب ضد أناس القاع، تحديدًا اللاجئين العرب القادمين من القرية الفلسطينية لتتم أسرلتهم، واللاجئين اليهود المستقدَمين من الحواضر العربية (خارج فلسطين) لتتم صهينتهم، كما يحكي ديناميات التضامن بين هؤلاء في منبوذية اللاجئين الاستعمارية. يصف دقَّة هذه المرحلة البينية في حياته، حين كان في العشرين بين المراهقة والشباب، وبين القرية والمدينة، وبين التثقيف الريفي الذي تنازعه تياران واحد ديني ماضوي، وآخر شيوعي عالمي. لكنه يفيد بأنه لم يكن يقرأ أو يسمع الموسيقى لبناء انتماء أو هوية أيديولوجية، وإنما لحل أسئلة وجودية تثيرها نماذج إنسانية تصادفه، بما في ذلك الأحداث التاريخية الكبرى التي غيَّرت مسار حياته بالانخراط في
مسار العنف الثوري بعد مجزرة صبرا وشاتيلا. في تلك الرحلة إلى قلب المركز المديني الصهيوني، يؤكد دقَّة أن الموسيقى والأغنية كانتا له درعًا من الضياع وفقدان البوصلة أكثر مما فعلته اللغة؛ فعبر سماعه الشيخ إمام وأحمد قعبور ومرسيل خليفة وفيروز، تكوَّنت ذاكرته السمعية التي حملها من القرية إلى المدينة؛ إذ لم يستسغ الموسيقى الشرقية
التي جاء بها يهود عرب أحالتهم الدولة الفاشية إلى مستوطنين؛ لأنه انحاز إلى الأصل العربي غير المُصَهْيَن من "ثقافة البلاد". يوضح دقَّة موقفه من العنصرية غير المبني على تنشئة أيديولوجية، بل
(((6 حول الحي ال "تل أبيبي" وبناه الاجتماعية غير المنسجمة، ويقع العربي الفلسطيني على هامشها، يُنظر: إسماعيل ناشف،
معمارية الفقدان: سؤال الثقافة الفلسطينية المعاصرة (بيروت: دار الفارابي، 2012)، ص 150–148؛ "عمل الحدّ: قراءة مختلفة
للصهيونية"، تبيُّن، مج 9، العدد 34 (خريف 2020)، ص 79–45. ولقراءة معمَّقة عن موقع اليهودي العربي في المنظومة الكولونيالية،
يُنظر: يهودا شنهاف، اليهود العرب: قراءة مابعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية (رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات
الإسرائيلية، 2016). ((6(للمزيد بهذا الخصوص يُنظر: علي مواسي (محرر)، الثقافة الفلسطينيّة في أراضي 48: الواقع، والتحديات، والآفاق (رام الله:
مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2018)؛ وكذلك:
Lotte Buch Segal, No Place for Grief: Martyrs, Prisoners, and Mourning in Contemporary Palestine (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2016).
المستند إلى سعي حثيث نحو العدالة بفضل تربيته الفلسطينية التي تقف ضد الظلم أيًا كان فاعله، وأيًا كان مفعوله. يقول: "استفزتني في الطفولة تعليقات من أقرب الناس أحيانًا، أدركت لاحقًا بأنها تعليقات عنصرية، كأن يُقال لي: 'أنت عنيد، لأنك رضعان من عبدة!'، فأمي، ولأسباب صحية، لم تكمل رضاعتي، فأرضعتني الخالة تمام، وهي امرأة من أصول أفريقية تقاسمت حليبها مع ابنها الذي أصبح أخي بالرضاعة وصديق الطفولة. لقد قادتني هذه التجارب أسئلة مبكرة، مثل: إذا كان الله عادلً، فلماذا يخلقنا سودًا وبيضًا... لم يكن بحثي عن العدالة بحثًا مجرَّدًا ونظريًا، وإنما بحث جاء في سياق
عيني محسوس، على علاقة بأشخاص أعرفهم، وأناس من لحم ودم. ولكنه في المقابل لم يكن بحثًا عن عدالة وطنية، في البداية على الأقل، عدالة للعرب، بل عدالة إنسانية. لقد وفرت لي حياتي الموزَّعة بين تل أبيب والقرية بين معارف وأصدقاء عمل يهود وأصدقاء طفولة عرب نماذجَ ليست منحصرة في
عرق أو قومية أو جنس". ولتوضيح هذا الموقف الإنساني، وليس القومي بالضرورة، من العنصرية الصهيونية المؤسسة على أساس قومي، يسرد دقَّة قصة تعاطفه مع يهوديين عربيين: امرأة مغربية ورجل عراقي. أما المرأة، ف "خمسينية يهودية من أصول مغربية، لا تجيد العبرية كما تجيد العربية. كانت لهجتها المغربية مثقلة بالفرنسية. استصعبنا في البداية أن ندير محادثة بالعربية. كلانا لغته العربية أنهكها الاستعمار: هي الفرنسي، وأنا الصهيوني العبري"، كانت تلك المرأة التي تعاني آلام المفاصل تعمل في تنظيف البيوت، تعيل أطفالها الأربعة، "لكن أكثر ما عانته هو الوحدة والاغتراب في هذه المدينة الأشكنازية البيضاء التي تزدريها، فهي مدينة لا تجيد عربيتها ولا لغة الشكوى". ساعد الفلسطينيُّ
المغربيةَ بتوفير فرص عمل، وكان يعطيها ما يتبقى من خبز وبعض الطعام لأطفالها. حتى إن دقَّة ذهب أبعد من ذلك ليرى فيها والدته، حيث إن الفاقة واللغة المغتصَبة والاغتراب في المدينة البيضاء، وحَّدتهما وأنشأت بينهما لغة مشتركة تجاوزت اللغة. وأما الرجل، فاسمه "يوسي"، ولقبه "السكران"،
وهو يهودي عراقي مدمن كحول، يعمل منظِّمًا في ساحة لموقف السيارات، ويبيت في عربة حافلة معطوبة. أجبر "السكران" على الهجرة إلى فلسطين بعد أن حُرم من ابنته التي أنجبها من أم مسلمة،
وصار ينظم شعرًا بالعربية أشبه بالكربلائيات، وبأشعار مظفر النوَّاب بالدارجة العراقية؛ ليعرف دقَّة،
بعدئذ، أنه كان زميل النوَّاب في المدرسة. أحب "السكران" العراق وكره القوميين؛ لأنهم لاحقوا اليهود
والشيوعيين. لكن دقَّة تعاطف معه لمأساته الفردية، واكتشف أنه يلتقي كلَّ سبتٍ برفاقه اليهود العرب في حيفا، حيث يشربون العرق، ويستمعون إلى عبد الباسط عبد الصمد، ويعزفون العود، ويغنُّون مأساتهم المزدوجة، عربًا ويهودًا في آن واحد.
(((6 المخطوطة، ص.16 (((6 في المحور الثالث من هذه الدراسة، ستجري مفهمة ماهية هذا "التضامن" الإنساني مع مظلوميات "الآخرين"، في سياق المركز الاستعماري عمومًا، ولا سيما في "المنبوذية الصهيونية." (((6 المخطوطة، ص 17. (((6 المرجع نفسه.
3. الأسنان: باقة - السجن (2021–1986)
لم يطل المقام بدقَّة في المركز الاستعماري، فبعد مجازر الصهاينة والمتعاونين معهم في لبنان في عام 1982، انتقل للعمل في مدينة طولكرم. وبعد انخراطه في العمل الفدائي المسلح بثلاث سنوات، اعتقل في عام 1986، وفي السجن خبر دقَّة العبرية في أقسى مواقع القمع والاضطهاد في النظام الصهيوني، حيث تشترك في أداء العنصرية منظومة استعمارية متكاملة، وتساهم فيها سلطات الدولة: التشريعية (الكنيست)، والقضائية (وزارة المحاكم)، والتنفيذية (الجيش، والشرطة، وجهاز الأمن العام، ومصلحة السجون)، وترعاها وترويِّج لها سلطة الإعلام الفاش. وإذا كانت
العبرية في المركز المديني الصهيوني هي لسان الذئب (المغنم)، فإن العبرية في السجن هي الجغرافيا السادسة للفلسطينيين، تبدو كأنها استكمال ل "مغنم" لا "مغرم" بعده. لكنّ التدقيق في تفاصيل العبرية في السجن يشي بمزيد من التركيب في هذه المورفولوجيا – المَطْحَنة؛ لذا يضيء
هذا المحور ثلاث قضايا: الأولى، مواجهة النظام الصهيوني قانونيًا، في فترة الأسر، والتحقيق،
والمحاكمة، وما يتلو ذلك من استئنافات للإدارة داخل السجن أو لوزارة المحاكم خارجه؛ والثانية، الفاعلية الثقافية للحياة التعليمية، والكتابة الفكرية والإبداعية، والترجمة؛ والثالثة، التواصل مع متحدِّثي العبرية، ابتداء بالأصدقاء الليبراليين، عبر الإعلام والمنتديات، وانتهاء بالضباط والجنود في السجن، عبر الاتصال المباشر، سجالً واستفزازًا.
أ. مواجهة النظام
بعد اعتقاله من مكان عمله في محطة للوقود، تعرّض دقَّة لتحقيق عسكري قاسٍ، لم يأت على كثير من
تفاصيله في سيرته. لكنه يتوقف عند المعاناة مشتَركًا إنسانيًا، فقد اضطر الفلسطينيون إلى قتال مجتمع
استعماري، نجا بعض أفراده من أهوال النازية. يستذكر دقَّة يهوديًا رومانيًا يُدعى "خاريتون"، نجا من
الموت المحقق مرتين: المحرقة النازية والسرطان. لم يتردد خاريتون في خدمة الزبائن حدَّ الابتذال، وحين ينتقده دقَّة، كانا يتجادلان حول الكرامة والعمل في إشارة إلى الحياة؛ فلم يكف خاريتون عن ذكر ماضيه وماضي عائلته المروِّع. يستدعي دقَّة ما تعلَّمه رسميًا في المدرسة، ويقارن إسرائيل بألمانيا
(((6 كما تبيَّن في القسمين السابقين، فقد عاش دقَّة، في صباه ومراهقته (1978–1961)، قسوة الواقع الاستعماري التي حفَّزته على
الالتحاق بالعمل الفدائي. وقد اعتقل دقَّة على خلفية عمله العسكري في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بتاريخ 25 آذار/
مارس 1986، وحُكم بالسجن المؤبَّد الذي حدد عام 2012 ب 37 عامًا، أضيف إليها في 2018 عامان آخران؛ بادعاء مساعدته لرفاقه
الأسرى في التواصل مع ذويهم، ورُفض الإفراج عنه في أكثر من صفقة لتبادل الأسرى. (((6 حول الأسرى في التجربة الفلسطينية، يُنظر: منقذ أبو عطوان، مأسسة الحياة الاعتقالية ل سأأرى الفلسطينيين في السجون
الإسرائيلية (بيرزيت: جامعة بيرزيت، 2007)؛ وكذلك:
Esmail Nashif, Palestinian Political Prisoners: Identity and Community (London: Routledge, 2008); Abeer Baker & Anat Matar, Threat: Palestinian Political Prisoners in Israel (London: Pluto Press, 2011).
(((6 عن مفهمة فضاء السجون الصهيونية، بعدّها "جغرافيا فلسطينية سادسة"، إلى جانب الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس،
وفلسطين المحتلة في عام 1948، والشتات، يُنظر: عبد الرحيم الشيخ (إعداد وتأطير)، "الجغرافيا السادسة: ندوة الحركة الفلسطينية
الأسيرة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 128 (2021)، ص 59–9. (((6 المخطوطة، ص 10.
من حيث الممارسات العنصرية ضد الضحايا. وتحت التعذيب، تتوالى الهلوسات على دقَّة، ويكون بطلها خاريتون الإسرائيلي الذي لم يكن أكثر من تفصيل هامشي في حياته. فخلال التحقيق العسكري العنيف مع دقَّة في عام 1986، تعرَّض للمنع من النوم، والتجويع،
والتعذيب الجسدي والنفسي. أيقظ المحقق دقَّة، وجذب حقيبته التي اعتقل وهي بحوزته، وفيها الطعام الذي أعدته له أمه، وكان الجوع يفترسه، حين بدأ المحقق يتشمم الرغيف ويغنِّي، بالعربية: "أحن إلى خبز أمي وقهوة أمي"، وهو يرمي الخبز قطعة بعد أخرى في سلة المهملات. عادت الهلوسات لدقَّة، فتخيّل خاريتون يجوب غرفة التحقيق، ويلتقط قطع الخبز ويأكلها. يمزج دقَّة
هذا المشهد بذكريات العمل حين كان خاريتون ينهاه عن رمي الخبز الزائد. وقد تكرر المشهد في حالة الهلوسة؛ إذ سمعه دقَّة يصرخ في وجه المحقق: "أتعرف ماذا فعلت بي الآن؟ ثم أعاد ما رواه لي سابقًا، وأنا أكرر كل كلمة ينطق بها للمحقق: قلتُ: لقد أعدتني إلى رومانيا، فبعد أن اقتيدت أسرتي إلى المحرقة، بقيت أنا ومجموعة من الأطفال مختبئين في إحدى المزارع، ننام بين التبن، ونتناوب مراقبة حاوية النفايات لالتقاط بعض الخبز... أترى هذه القطعة من الخبز؟ قال وهو يدفع بها في وجه المحقق: كانت هذه وجبتي لأسبوع، أراقب الحاوية أيامًا حتى أحصل عليها". لم يكن المحقق يعرف من هو خاريتون، واعتقَد أن دقَّة ممثل محترف، فصفعه، حتى أفقده الوعي من جرَّاء التعذيب والحمَّى؛ إذ أعيد عاريًا إلى الساحة تحت المطر. يواصل دقَّة وصف جلسات
التعذيب المروِّع بعد هذه المواجهة. لكنَّه يشير إلى أنه لم يطلب ترجمة، ولم يتحدَّث، ولم يكتب إفادة إلا بالعبرية. كان يفعل ذلك لئلا يستمر الألم مع تذكُّر كتابته مرة أخرى بلغته العربية، بل يتوسَّل تغريب اللغة عن نفسه، لتبقى العبرية لغةً عدوةً، لأنها لغة عدوٍّ، وذلك حتى يبقي نفسه خارج المشهد، ويحقق بعض التوازن النفسي. وإضافة إلى الأسر والتحقيق، كانت الالتماسات القانونية ميدان مواجهة آخر، يستخدم فيه دقَّة العبرية، وقد شملت قضايا سياسية، كالتحوّل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى التجمع
الوطني الديمقراطي في عام 1998، وقضايا شخصية شملت: تحديد مدة المؤبد، وتخفيض مدة الأسر إلى الثلث "الشليش"، وطلبَ وداع والده والمشاركة في مراسم جنازته في عام 1998. لكنه
قوبل بالرفض، وسُمح له بمكالمة هاتفية فحسب، وبمشاهدة تسجيل فيديو للجنازة؛ وقضايا حيوية، كوضعه الصحي بعد الإصابة بالسرطان، وتمكينه من الخلوة بزوجته لإنجاب ابنتهما ميلاد،
((7(يُنظر: دقَّة، صهر الوعي. (((7 المخطوطة، ص.11 (((7 تطبِّق إسرائيل التي مُؤسست فيها العنصرية، من "صك الانتداب في 1922" حتى "قانون القومية في 2018"، نظامين قضائيين:
نظام عسكري للأصلانيين – العرب، وآخر مدني للمستوطنين – اليهود. وبناء عليهما، تسردِّح سجناءها من المستوطنين اليهو،
بحسب "قانون ديري" وما هاا بعد إتمام نصف المحكومية (حتى من دون وجود مسوغات إنسانية، بل لحل أزمة الاكتظاظ في ت
السجون أحيانًا)، بينما تحرم الأسرى الفلسطينيين من ذلك حتى بوجود المسوغات كلها. وتواصل تحكُّمها في سياسات الموت والحياة مع الأسرى، بمنعهم من وداع موتاهم، أو إقامة العزاء لهم، في السجن كما ينبغي، وتحتجر من يستشهد منهم تحت التعذيب أو بالإهمال الطبي.
أو استخدام التلقيح الصناعي من عام 2001 إلى 2021. وقد رفضت هذه الالتماسات، باستثناء التماسِ تسجيل ابنته "ميلاد" التي جاءت إلى الحياة عبر "نطفة محررة". وقد رفضت سلطات الاحتلال تسجيلها مولودةً "شرعية" في سجلاتها، ورفضت من ثمّ، زيارتها لوالدها، إلى أن أجرت
فحص الحمض النووي، وهي ابنة سنة ونصف. وقد شارك دقَّة، كذلك، في كتابة الالتماسات، وعمل محاميًا غير رسمي لمصلحة رفاقه؛ إذ أهَّله تدريبه الأكاديمي ومعرفته بمدوّنة القوانين
الصهيونية لذلك.
ب. الفاعلية الثقافية
وإضافة إلى فاعليته القانونية وكتاباته بالعربية، وعلى الرغم من انقطاع مسيرته الأكاديمية، تمكَّن دقَّة من الحصول على شهادتي البكالوريوس والماجستير في السجن، وذلك في دراسات الديمقراطية من الجامعة المفتوحة الإسرائيلية في عام 2010، وفي الدراسات الإقليمية مسار الدراسات الإسرائيلية من جامعة القدس في عام 2016، ويحضِّر لدرجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة "تل أبيب". ولدقَّة، في ذلك كله موقف واضح من العبرية وارتباطها، أو عدمه، بالأسْرلَة؛
فهو يرى أن اختزال النظرة إلى العبرية في أنها "سلاح" نغتنمه من العدو ونقاتله به تسطيح لها، يفقدها شموليتها بما هي أداة تواصل واشتباك مع معرفة الآخر. ويمثِّل دقَّة لذلك بموقفين دالَّين: فقبل أسره نهاه الرفاق في جامعة بيرزيت عن الالتحاق بالجامعة؛ كونه يحمل الجنسية الإسرائيلية، وبعد أسره نهاه الرفاق في السجن عن الالتحاق بالجامعة العبرية المفتوحة خشية الأسْرلَة. ومن
جرَّاء الموقفين، يخلص دقَّة، بعد ستة وثلاثين عامًا في الأسر، إلى نتيجة مؤدَّاها أن الأسرلة
ليست باللسان؛ إذ "كم من عربي يجيد العربية بنحوها وصرفها، لكنه يتحدَّث بلغة ليست عبرية فحسب، وإنما صهيونية فصحى [...] لم يدرك الرفيق معنى أني خارج من بطن حوت الأسرلة، حاسمًا خياراتي الأخلاقية أولً، فالأسرلة ليست لغة تحكيها، أو كتابًا تقرؤه، وإنما رواية تتبناها مع
ما يرافقها من منظومة أخلاقية. وأنا، إضافة إلى ما ذكرته حول طفولتي، درست في مدرسة ثانوية تُدعى 'مدرسة يمَّة الثانوية الزراعية للتثقيف الاستيطاني' تابعة، في حينه، لقسم التربية والتعليم
العبري وليس لدائرة التربية والتعليم العربي، وبمسؤولية المجلس الإقليمي 'عيميق حيفر'. بكلمات أخرى، ووفقًا لهذا الرفيق، يُفترَض أن أكون على الأقل نصف مستوطن، وقد أجبت الرفيق: إذا لم
تؤسرلني المدرسة الثانوية التي درست فيها، ولا سكني وعملي في تل أبيب من العام 1979 ولغاية
((7(للمزيد عن السياسات الحيوية المتعلقة بابنته ميلاد، يُنظر مقالة وليد دقَّة التي كتبها باسم ابنته. "ميلاد"، الآداب، 2021/2/11،
شوهد في 2021/6/1، في: fFNG /6 us. cutt:// https؛ ويُنظر أيضًا: عبد الرحيم الشيخ، "معاني فلسطين في حكاية سر الزيت"،
باب الواد، 2018/11/18، شوهد في 2021/6/10، في: https://bit.ly/3jTrkij (((7 بسبب السياسات الحيوية الصهيونية التي لا تتيح ل سأأرى الفلسطينيين الاخت ءاا بزوجاتهم بهدف الإنجاب، عمد الأسرى الفلسطينيون إلى "تهريب"/ تحرير نطف عبر طرق معقَّدة لزوجاتهم خارج السجون، حيث يجري التخصيب في مراكز مختصة بالإنجاب. للمزيد يُنظر:
Mohammed Hamdan, "‘Every Sperm Is Sacred’: Palestinian Prisoners, Smuggled Semen, and Derrida’s Prophecy," International Journal of Middle East Studies , vol. 51, no. 4 (2019), pp. 525–545, accessed on 16/12/2021, at: https://cutt.us/ZF64h
اعتقالي عام 1986، التي كنت خلالها عضوًا في الجهاز العسكري للتنظيم، فهل يُعْقَل أن أتأسْرلَ
وأنا في صفوفكم وبين الرفاق داخل المعتقل؟". وقد انخرط دقَّة منذ بداية فترة سجنه في الحياة الثقافية التنظيمية، وأدرك أن العبرية لا تعدّ أداة تواصل فحسب، بل هي أداة مواجهة ونضال ضمن "برنامج الحياة المجدية" الذي مكّن الأسرى من مراقبة الواقع والمساهمة في تشكيله وتغييره من وراء القضبان. في أول أسره كان دقَّة يفكّر بالعبرية خلال الجلسات التنظيمية والمحاضرات الثقافية، وقد أشعره ذلك بالحرج حدَّ التهدُّج، ما حدا به إلى التركيز على العربية لإنجاز "التكليف الكتابي" الحزبي الشهري. لكن التنقُّل بين لغة الأم (العربية) ولغة زوجة الأب (العبرية)، مكَّنه من الترجمات التعليمية للبرامج التلفزيونية والصحف، وغيرها. وعمل في ترجمات متنوِّعة من
كتابات عسكرية واقتصادية وثقافية لزئيف شيف، وإيهود يعاري، وسامي ميخائيل، ويجيل ليفي، ويجائيل عيلام، ويتسحاق بن يسرائيل، وغيرهم، إضافة إلى كثير من المقالات؛ خدمة للأسرى الذين يحسنون قراءة العبرية، أو لاستخدامها في مقالات تنشر بالعربية، بصورة نادرة، في منابر خارج السجن.
ج. بالعبرية الخالصة
ومقارنة بكاتب ياسين الذي كان يكتب بالفرنسية ليقول للفرنسيين إنه ليس فرنسيًا، كتب دقَّة بالعبرية
للتواصل مع الإسرائيليين: الأصدقاء، والأعداء، ومن هم بين المنزلتين. وبهذا المعنى، يقول: "كانت اللغة سلاحًا، لكنها أيضًا كانت أداة تواصل مع بعض اليساريين الإسرائيليين، ومرآة كنت أعكس من
خلالها روايتنا لهم، روايتنا الفلسطينية عامة، وروايتنا الفلسطينية كأسرى. وكتبت في بعض الهوامش الليبرالية مثل صحيفة 'هآرتس' مرات عدة، إلى أن مُنِعْتُ، وصارت الكتابة حتى بالعربية تكلفني عزلًانفراديًا لأشهر طويلة". فعلى مستوى الأصدقاء اهتم بعض الإسرائيليين بدقَّة وكتاباته، بعدّه حالة فكرية متميِّزة في الأسر. كتب دقَّة كثيرًا من المقالات بالعبرية، عن الأسرى وسوء معاملة إدارة
السجون الإسرائيلية لهم، والحركة الوطنية الفلسطينية، وحكاية ابنته ميلاد، وبعض الحوارات السجالية والمقالات المشتركة مع إعلاميين إسرائيليين مناهضين للاحتلال، نُشر معظمها في صحيفة هآرتس، إضافة إلى مجموعة من المراسلات والمقالات الفكرية والسياسية والردود بخصوص المنتدى الفكري – السياسي الذي أسسه دقَّة مع الأكاديمية عنات مطر من جامعة تل أبيب، وناشطين سياسيين ومثقفين تقدميين آخرين. ولكن العبرية بالنسبة إلى دقَّة كانت، كذلك، أداة تفوّق معرفي وأخلاقي على السجّان، وفي
ذلك يقول: "كثيرًا ما كنت أشعر بأن اللغة تموضعني في موقع النديَّة مع السجّان، حتى حين يكون
(((7 المخطوطة، ص.18 ((7(يُنظر: حاتم الشنار، خمس نجوم تحت الصفر: خاصات في مقاومة الأسر– عسقان 1985–1969 (رام الله: وزارة الثقافة
الفلسطينية، 2010)، ص 222–205؛ أحمد سعدات، صدى القيد (بيروت: دار الفارابي، 2017)، ص.111–89 (((7 المخطوطة، ص 19. (((7 للمزيد يُنظر: الشيخ، "الزمن الموازي."
ضابطًا برتبة عالية. كانت [عبريتي] تحرج هؤلاء الضباط، فهم يفضِّلون التعامل مع أسرى لا يجيدون لغتهم. فيتحدَّثون معهم ب 'عربية الشاباك'، أو بعربية 'افتخ باب!' و'جِيبْ هوية!' أو كما أسمِّيها: 'عربية
أشكنازية'. وسرعان ما تموضع هذه العربية الأسيرَ الذي من المفترض أنه يمثِّل مئات أو آلاف الأسرى
في موقع الدون أمام السيد الإسرائيلي. ربما الأهم ليس اللغة العبرية، وإنما الثقافة، فالاطلاع على الثقافة العبرية هو ما يحصِّن موقع الندية في التخاطب، وربما، أيضًا يموضعك في موضع المتفوق
على سجّانك، رغم قيدك عندما يكتشف، رغم رتبته العالية، ثقافته الضحلة ولغته الركيكة". ولكن
عدم تحقق الندية، تبعًا لدقَّة، قد يحدث مع من يتقنون العبرية، لكنهم لا يجيدون فهم ثقافة العدو، فيقعون في مواقف سياسية إشكاليّة. ومن ثم، فالاستعلاء المعرفي لا يتحقق بالإتقان العالي للغة
فحسب، بل بفولذة المنظومة الأخلاقية في التعامل مع النظام الصهيوني، حاضنة اللغة – العنصرية.
ثالثًا: أسطوريات فم الذئب
للتعرُّف إلى المفاتيح النظرية للنص، بعد سرده، نبحث تاليًا ثلاثة مستويات: النص وما يستدعيه من
تعاقد قرائي يأخذ في الاعتبار خصوصية الشرط الاستعماري في فلسطين، ولا يؤخَذ بغواية الأسطوريات النظرية الرائجة في قراءة كل ما هو فلسطيني في سياق الاستعمار الاستيطاني، وتجنيس العلاقات الحضارية، عبر فكِّ شيفرة التضامن بين اللاجئين الجدد في منبوذية الميتروبول الصهيوني، وحروب المكان والمكانة بين العربية لغةً أصلانية، والعبرية لغةً محلية، اغتصبت الصهيونية إحداهما عبر تبنِّيها لغة لإحياء أسطورتها القومية، وزجَّت بالأخرى في غيَّابة العداء والاستهداف الممنهج.
1. التعاقد القرائي وغواية الأدوات النظرية
يقع نص "رياحين الشباب" على التقاطع بين الرواية والسيرة الذاتية؛ ولذا، فإن تأسيس التعاقد القرائي الخاص بالنص الهجين، لا البحث عنه، هو الأجدى، مع أن هذه الدراسة تتجنب الخوض في ميدان النقد الأدبي، بل تقرأ النص بوصفه كتابة شخصية لتاريخ اجتماعي عام، في شرط استعماري خاص، تحديدًا بعد اتفاق أوسلو (1993). فقد أحيلت القضية الفلسطينية، بحثيًا، إلى حالة "ما بعد استعمار"،
أو "مستعمرة ما بعد استعمارية"، أو "نفق" من حيث التحوُلّات التي تشهدها البلدان المستعمَرة غير
المبنية على الحقوق الوطنية، وإنما على موازين القوى التي تفرض الحل السياسي من دون إنهاء المظلمة التاريخية. ومع ذلك، فالحالة الفلسطينية تضمر بيداغوجية معاكسة للشروط الاستعمارية الأخرى، ذلك لأن ليس ثمة رغبة في الاندماج لا من المستعمِر ولا المستعمَر. وقد أضيف إلى هذه
(((7 المخطوطة، ص.19 (((8 الحديث هنا عن "الأسطوريات النظرية" إشارة إلى قابلية "كل شيء"، بما فيه الأطر النظرية، إلى التحوُّل إلى أسطورة في حيِّز
التداول. يُنظر: رولان بارت، أسطوريات: أساطير الحياة اليومية، ترجمة قاسم مقداد (دمشق: دار نينوى، 2012)، ص.280–223 (((8 لمزيد من الاطلاع على مفهوم "حالة النفق"، ومقاربة الحالة الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو بالحالة الجزائرية بعد الاستقلال، يُنظر:
Abdul–Rahim Al–Shaikh, "Palestine: The Tunnel Condition," Contemporary Arab Affairs , vol. 3, no. 4 (2010), pp. 480–
الأطر النظرية في فلسطين مداخل أخرى: كالاستعمار الاستيطاني، والدراسات الأصلانية، والبحث المحارب. وعلى الرغم من غواية المقولات النظرية سهلة القَدِّ، من نوع "فتنة الغالب" لابن خلدون، و"الوعي المزدوج" لويليام ديبويس، و"الرحلة إلى الداخل" لإدوارد سعيد، فإنها لا تصلح للتطبيق الحرفي هنا، وإن أسهمت في التفسير؛ ذلك أنها تصف الحالة العامة للفلسطينيين، لكنها تقصر عن الاشتغال، في حالة دقَّة التي لا تعدّ استثناء فحسب، بل تعدّ خروجًا دليليًا لافتًا. يمكن استخدام "فتنة الغالب"، مثلً، في تفسير خلع قرويي باقة ل "الحطَّات" ولبس "البرنيطات" قبيل وصول الحاجز، أو تحوُّل مراد، مجايل وليد وابن قريته، بفعل رضَّة حضارية وثقافية إلى مزدوَجِ الوعي، أو تحوُّل بعض رفاق دقَّة في السجن إلى "كابو". لكن لا يمكن هذا المدخل تفسير حالة دقَّة الفريدة. ففي "فتنة الغالب" لا يحصر ابن خلدون رضَّة وعي المغلوب بوعي الغالب في أهل الممالك المتنازعة، فحسب، بل يسحب تلك الرضَّة على مجمل العلاقات السلطوية التي تتأثر فيها موضوعات السلطة بفواعلها في سياق قد لا يكون استعماريًا، فضلً عن أن يكون استعماريًا استيطانيًا. أما "الوعي المزدوج"، وإن كان وليدَ التجربة السوداء في مواجهة عنصرية عوالم البياض الجديدة، فبما هو أداة تحليل نظرية، قد يصلح، كما يقترح فانون وسعيد، لأي تجربة مماثلة، بما فيها تجربة دقَّة. لذا، يمكن تكميم Qualification مقولة "الوعي الشقي" في التجربة السوداء، فلسطينيًا؛ لفحص اغتراب العمال في مركز رأسمالي – استعماري، أو عن الآلة الاجتماعية في مجتمعهم المتخيَّل. فقد أعاد سكَّ مفهوم "الوعي المزدوج" الاعتبار إلى مفهوم الاغتراب بوصفه مثارَ الجدلِ في نظرية الأدب؛ كونه يتناول التفاوت بين الذات والعالم، أو بين الوعي وموضوعات الوعي. وفي هذا السياق تولَّد الوعي المزدوج لدى دقَّة بداية قدومه إلى المدينة؛ إذ وعى اختلافه عن الآخرين، ولكن حين لم يعترف الآخرون بذاته المعترفِة، بزغ وعيها الشقي. وقبالة هذا الإنكار، تكوّن لدى دقَّة شعور بوجود
(((8 عن هذه التوجُّهات، يُنظر: عبد الرحيم الشيخ (محرر)، مفهمة فلسطين الحديثة: نماذج من المعرفة التحررية (بيروت: مؤسسة
الدراسات الفلسطينية،.)2021 ((8(عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابنخلدون (بيروت: دار الفكر، 1988)، ص.140 (((8 لإضاءة هذا المفهوم، يُنظر:
William E.B. Du Bois, The Souls of Black Folks (New York: W.W. Norton & Company, 1999); Sandra Adell, Double– Consciousness/ Double Bind: Theoretical Issues in Twentieth–Century Black Literature (Urbana: University of Illinois Press, 1994).
وجدير بالملاحظة أن هذه الدراسة تستخدم "الوعي المزدوج"، استنادًا إلى توصيفه في الدراسات الأدبية، علمًا بوجود طروحات
عربية تتعلق بالنقد المزدوج للثقافة العربية والغربية في آن معًا، وتحديدًا لظاهرة ازدواج الوعي تجاه المسألة اليهودية في علاقتها
بفلسطين في السياق الفرنسي. للمزيد، يُنظر: عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج (بغداد: منشورات الجمل، 2009). (((8 لمزيد من المعلومات، يُنظر:
Thomas Halot, "The Political Uses of Alienation: W.E.B. Du Bois on Politics, Race, and Culture, 1903–1940," American Quarterly , vol. 42 (1990), pp. 23–301.
ذاتين: واحدة حقيقية غير معترف بها، وأخرى مزيَّفة نتيجة لاعترافها بعدم الاعتراف بها. ولذا، فقد عاش دقَّة اغترابه الخاص، اغتراب وعي عن موضوعات وعيه، أو اغتراب ذاته عن العالم الذي يعرفه، فتمظهر وعيه المزدوج بين المعاينة والرحلة والمعاناة، من دون تصالح؛ ما قاد إلى القطع مع النظام الصهيوني ووكلائه، والتواصل مع ضحاياه. أما "الرحلة إلى الداخل"، فتعين على فهم موقعيَّة المثقف الأصلاني وفاعليَّته الثورية في المركز
الاستعماري، ولكنها تنطبق، في حالة دقَّة، على السجن لا على القرية والمدينة. يبدو سعيد معجبًا
بمفهوم "المسيحانية الثورية" لكتَّاب الهوامش، وقد كتبوا بلغة إمبريالية خلال رحلتهم إلى داخل الميتروبول الاستعماري، فعبَّروا عن انتمائهم إلى مجتمعاتهم المقاوِمة، واستقطبوا تعاطفَ مثقفين
كبار من البيض. أما مسيحانية دقَّة، فقد أغوت مثقفين، غير متجانسي الموقف السياسي، كعنات مطر وسامي ميخائيل وعميرة هاس وجدعون ليفي، وحتى ضباط سجن سابقين كشاي غورتلر، بالكتابة عنه والتواصل معه، وإن لم يتبنَّوا مظلمة شعبه. ولكن السؤال الأهم هو: كيف نقرأ المسيحانية الثورية لمثقفي الهامش الفلسطيني في نقد المركز الصهيوني؟ تتمثَّل الإجابة في سعي سعيد لنزع "الرمنسة" عن كتابات المثقفين الأصلانيين بتحريرهم من صورة المثقف الرسولي الذي يمثِّل شعبه في المركز الاستعماري، وتخليصهم من النحيب الذي يستدعي العطف بوهم الموضوعية التي تكون دومًا ضدَّ الأصلاني، وتجنيبهم النزعة الأمنية – الاستشراقية للمخبرين المحليين الذين لا يولِّدون المعرفة النقدية. وبذلك يدعو سعيد، متأسيًا بساتيا موهانتي، إلى ربط التجربة بالثقافة، في المركز والأطراف،
عبر القراءة الطباقية التي لا تنسب امتياز "الموضوعية" إلى طرفنا، أو عبء "الذاتية" إلى طرفهم"، وهذا هو الضمان لأن يكون عمل المثقفين الثوريين في الرحلة إلى الداخل الحواضري أساسًا لائتلاف القوى الثورية في التصدي للإمبريالية والاستعمار معًا، كما كان حال دقَّة في مرحلة السجن.
2. التجنيس والتضامن في المنبوذية الصهيونية
وفي المقابل، يتناول فانون العلاقة بين الرجل والمرأة في سياق استعماري. لكن ميله إلى توصيف "الإفراط العاطفي" لدى الزنجي، رغبةً في أن "يتزوَّج الثقافة البيضاء"، ويحظى بمحترميَّتها، قد
لا يسعف في تحليل الجنس والتجنيس في سيرة دقَّة. يستدعي فانون النكتة المتداولة عن الأسود
(((8 لمزيد من التفصيلات عن هذه الظاهرة السردية، وعلاقتها بمفهوم الوعي المزدوج والاغتراب آلية مواجهة، وتقنية سردية، يُنظر:
Stanley Rosenberg, The Cold Fire: Alienation and the Myth of Culture (Hanover: University Press of New England,
(((8 عن هذا المفهوم، يُنظر:
Edward Said , Culture and Imperialism (New York: Vintage, 1993), pp. 239–261. (88) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth (New York: Grove Press, 1963), p. 77. (89) Satya Mohanty, "Us and Them: On the Philosophical Bases of Political Criticism," Yale Journal of Criticism , vol. 2, no. 2 (1989), pp. 1–31. (90) Fanon, pp. 28–60.
الفاحم الذي صرخ في لحظة النشوة مع شقراء شَبِقة في سريرها الباريسي: "يحيا شولسر "، ويفيد بأن فيكتور شولسر Schoelcher Victor هو من حفّز الجمهورية الثالثة لتبنِّي مرسوم إلغاء الرِّق، فجعل
تلك اللحظة ممكنة. لكن صرخة الأفريقي الأسود تتضاءل قبالة صرخة أفريقي آخر، هو بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال، مصطفى سعيد: "جئتكم غازيًا"، حين "انقلبت المدينة إلى امرأة ". ثمة
فروق كبيرة بين علاقة سعيد بلندن، ودقَّة ب "تل أبيب"، وإن كانتا حصيلة استعمار إنكليزي واحد، انتهى في السودان وبقي في فلسطين استعمارًا استيطانيًا حيث تجثم تل أبيب حرفيًا فوق الشيخ مونِّس. لكنّ
تسلسل اقتصاد الجنس في سيرة دقَّة يستدعي مقاربات جورج طرابيشي أكثر من مقاربات فانون، حول تجنيس العلاقات الحضارية. ينطلق طرابيشي من افتراض تشوُّه علاقة الرجل بالمرأة في السياق العربي، ونشأ عنه تشوُّه أكبر في
العلاقة بين الإنسان والعالم، وتحديدًا علاقة المستعمِر بالمستعمَر. وقد أكملت اللغة العربية المجنَّسة
هذا التشوُّه، تركيبيًا، بمنح الفاعلية المطلقة للذكر في العملية الجنسية، حين يأتي ويعتلي ويفتضُّ
فيفتح ويلج ويطأ، بينما ترزح المرأة تحته في دائرة المفعولية المطلقة. وفي إطار هذا اللاسواء اللغوي، يفتح الأبيض "الأرض العذراء" ويمتلكها. أما حين يذهب المغزوُّ إلى بلد الغازي، فإنه يسعى للانتقام
لعنانته، والثأر لمبدأ الذكورة المرضوض بامتلاك مبدأ أنوثة الغزاة في عقر دارهم، والاستحواذ عليه
حدَّ تدميره؛ لذلك يتصور أنه سيهزم مستعمِرَه بالجنس، فيتساوى عنده السجال بالفحولة، والمعركة
بالفراش، والمثاقفة بالمجامعة، ويصير عضوه التناسلي آلة ثأره من الغرب، حقيقةً لا مجازًا. يلتقط طرابيشي ارتجاج مقولة الجهات؛ إذ استُبْدِلَ الشرق بالجنوب والغرب بالشمال في عنوان
الرواية ومتنها، ذلك أن موسم الهجرة ينبغي أن يكون إلى الغرب، ولكن الحتمية التاريخية لمسيرة النهر حكمت الجنوب الجغرافي – الشرق الثقافي بالهجرة إلى الشمال الجغرافي – الغرب الثقافي. وبذا يصير الشرقي المصاب برضَّة حضارية في الجنوب المحصلة الميلودرامية لتلك الحفلة التنكرية الكبرى للتاريخ، إنه "العمامة التي حسبت نفسها برنيطة، مثلما إنه البرنيطة التي حسبت نفسها عمامة. إنه خريج مدرسة الاستعمار، حيث اللغة رطانة، وحيث الرطانة لغة. أدخلوه إليهم ليعلموه كيف يقول 'نعم' بلغتهم، فاغتنم الفرصة وتعلم أيضًا أن يقول 'لا'. ولكن مأساته ومهزلته، حدود خيانته ووطنيَّته
معًا، إنه عندما نطق ب 'لا' تلك، نطق بها بلغتهم أيضًا". كان الأفريقي مصابًا بعسر هضم حضاري
في علاقاته بنسائه اللائي كنَّ شَماله المُشتَهى، فتحًا وغزوًا وثأرًا وتملُّكًا، فكان الإله الأفريقي الأسود،
لا "نصف إله"، فحسب، كما اعتقد فانون، حيث أمدَّته عنانته العسكرية؛ نتيجة لامتطائه استعماريًا،
بمادة فحولته "الأكذوبة" ثقافيًا. أما حين يأتي الآخر المستعمِر، في هيئةِ "أُخرى" إلى البلد المستعمَر،
(91) Ibid., p. 45.
((9(الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال (بيروت: دار الجليل، 1997)، ص 45،.76 ((9(جورج طرابيشي، شرق وغرب رجولة أنوثة: دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية (بيروت: دار الطليعة، 1982)،
ص 17–5، 185–142؛ "صورة الأُخرى في الرواية العربية – من نقد الآخر إلى نقد الذات في أصوات سليمان فياض"، في: الطاهر لبيب،
صورة الآخر: العربي ناظرًا ومنظورًا إليه (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 810–797. (((9 صالح، ص 142. (((9 كما في رواية: سليمان فياض، أصوات (القاهرة: دار الأسرة،.)1994
فيحال السرد، بوصفه أنثروبولوجيا حضارية، إلى "فن الآخر"، ويخرج البطل الشرقي من جرح مجتمعه النرجسي إلى كنف الأنثى الغازية، جاعلً من فراشها، في ميتروبول المستعمَرة، ساحة انتقام حضارية،
ينتصر فيها رسول تاناتوس (الموت) على رسولة إيروس (الحياة). تل أبيب، تبعًا لهذا التحليل، هي الميتروبول الاستعماري (الصهيوني) الذي جمع الشرَّين؛ إذ هي
المركز الغربي/ الشمالي الرابض، حرفيًا، على جسد الهامش المستعمَري (الفلسطيني) الشرقي/
الجنوبي، وفي بلده. وفي تل أبيب حالتان لتجنيس العلاقات الحضارية: وليد لاجئ القرية من منشية وادي الحوارث، وفارس لاجئ المخيم من مخيم الشاطئ. الأول، وهو الشرقيُّ المشتهِي، هو البطل
الذي توعَّد تل أبيب بأنه آتٍ إليها، فتمثَّل اقتصاد الجنس لديه في امتلاك "السيطرة" على الذات في
مواجهة الأخرى، ونظرة الغبطة حدَّ الحسد لمراد وعلاقاته النسائية. وتمثَّل في إتقان العبرية التي مكّنته من المتحدِّثات بها، وأمَّنت له استدراج النهود من حافة ثلّجة اللحوم في المطعم البارد، إلى
مركز سرير الغرام في شقّته التل أبيبية الدافئة. أما الآخر (فارس)، وهو الشرقي المشتهَى، فهو البطل – النقيض الذي توعَّدته "تل أبيب"، فتمثّل اقتصاد الجنس لديه: في استباحة جسده من بني جلدته
بالتحرّش غصبًا والانتهاك اغتصابًا، واستهلاك جسده الغض من الأخريات المستعمِرات، حين تحوّل
إلى "جيغلو" يؤنس وحدة الأخرى، ويأخذ نصيبه من دفء محفظتها. لكنّ البطل والبطل النقيض، في الحصيلة النهائية التي تفرضها قواعد توزيع العمل، كانا موضوعين جنسيين حضاريين، ليس إلا؛ لأن فاعليّتهما قد استُلبت بوصفهما "عرفيم ميشلانو"، أي عربًا من الجماعة البيضاء لليهود الأشكيناز،
مَرْضيًا عنهما، أمنيًا، للاستخدام في سوق العمل داخل المستعمَرة الصهيونية. "جماعتنا" هنا، تعني
"ملك يميننا"، وإن ذُكِّر عضواهما التناسليان. ولكن دقَّة، في المقابل، ومن خلال نفيه للأدلجة، وسعيه لتبيان الرفض القائم على اعتبارات إنسانية لما يتعرّض له ضحايا قاع المدينة، يفتح الباب على مصراعيه للقول على المسألة العنصرية في النظام
الصهيوني، مقارنة بعنصرية النظام الاستعماري الفرنسي من منظور فانون. فالتضامن الذي يبديه اللاجئ الفلسطيني العربي من "الحاضرين الغائبين" مع اللاجئ القادم من غزة المحتلة، ومع اللاجئ اليهودي العربي، يشير إلى أمرين: الأول هو الشراكة في المظلومية في النظام الاستعماري، بوصفه (دولة صهيونية)، والثاني هو الشراكة في المنبوذية العربية داخل "الفكرة الصهيونية"، وبين الشراكتين يتموضع الفرق في التعامل بين الضحيتين من الحركة الصهيونية. على مستوى الصهيونية، بما هي فكرة، لا بدّ من الإحالة على سجال "من هو اليهودي؟"، وقيام الفكرة الصهيونية، أشكينازية المنشأ، إنها ردة فعل على فشل مشروع التنوير الأوروبي الرومانسي، كما يؤسس عزمي بشارة. أما الصهيونية، مشروعًا، فلا شكَّ في أن التعامل مع اليهود فيها قد جرى على نحو عُصابي؛ لئلا يتحولوا إلى فلسطينيين محتمَلين. لذا، فإن نقد دقَّة لبياض "تل أبيب المغرورة" يحيل
على نقاش العنصرية على نحو مختلف عما عليه الحال عند فانون مع الاستعمار الفرنسي. فعنصرية الصهيونية البيضاء، لم تبدأ في سلوك الدولة تجاه اليهود الملونين الذين شكّلوا زخمها الديموغرافي
((9(عزمي بشارة، "مائة عام من الصهيونية: من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر"، الكرمل، العدد 53 (1997)، ص.20–11
في مرحلة التأسيس، بل هي دينامية مستمرة في نظام عنصري محيل على ذاته من حيث درجات المواطنة في تبييض الدولة. فالمستعمرون الصهاينة البيض لا يخافون من الأصلاني الفلسطيني الملوَّن
وحده، بل من اليهودي العربي أيضًا حين يتعاطف معه؛ إذ شبح الملوَّن الفلسطيني حين يحلُّ في
اليهودي العربي هو كابوس الصهيوني الأشكينازي الأبيض؛ لأن كلّ غريب للغريب نسيب. وفي هذا السياق، يشير بشارة إلى مفارقة لافتة، في ما يتعلّق بلا تبشيريّة الحركة الصهيونية، وفي محاولتها
سرقة خطاب الأصلاني؛ ف "العربي في تمنّيات الهجرة الثانية هو اليهودي الأصيل أو ما يشبهه على الأقل. ومن هنا، فإن مشروع بن غوريون الأول والساذج هو تهويد العرب، أو مساعدتهم على الأقل على اكتشاف يهوديتهم. ولكن الصهيونية ليست استعمارًا تبشيريًا ولا تتلكأ هنا طويلً... الصهيونية
لا تحمل معها، في نهاية المطاف، دينًا تبشيريًا بل مشروعًا قوميًا. الشكل الأول لنفي العربي هو تقليده،
وذلك لمصادرة علاقته مع الأرض ومع طبيعة البلاد. الصهيوني الأول في الهجرة الثانية يمتطي الخيل وتمتطي رأسه كوفية. الكلمة الأولى التي تنطق بها الصهيونية في مرحلة وجودها المتعيِّن هي كلمة
احتلال. والاحتلال في الفكر الذي تنجبه الممارسة يتميز عن مجرد الاستعمار أو حتى الاستيطان". من هنا يأتي الفرق بين "لحظة البياض" لدى كل من فانون وياسين ودقَّة. فالعبرية لا تصلح قناعًا، ولا يمكن أن تكون قناعًا في إسرائيل التي كان التبييض جزءًا من الصَّهْينَة في تاريخها. يمكن الجزائري
أن يكون فرنسيًا، لكن لا يمكن الفلسطيني أن يكون صهيونيًا، وإن أمكنه أن يكون إسرائيليًا، يمكنه
أن يتحدث العبرية، لكن لا يمكنه أن يكون أشكينازيًا. فالنظام الصهيوني لا يستطيع أن يستوعب
الفلسطيني "المولَّد" في مدينته، كما وصف فانون استيعاب النظام الفرنسي للخلاسي أو الزنجي المولَّد في المركز الاستعماري الفرنسي. يجري هنا تذكير الفلسطيني دومًا بأنه فلسطيني، أي إنه ليس
أبيض ولن يكون، ليس يهوديًا ولن يكون، ليس صهيونيًا ولن يكون. أما اليهود العرب، فقد قُمعت
"عروبتهم" في بوتقة الصهر، وصاروا صهاينة، إضافة إلى ما لديهم من يهودية. ثمة استحالة أن تتخلّى الصهيونية عن عنصريتها؛ لأنها ليست لحظة عابرة، بل هي جوهرها الذي لا ينجب نقيضه، وإن فعلت، فإنها "لا تكون فكرة معادية للصهيونية لأن الصهيونية التأسيسية، صهيونية الوجود تكون قد انتهت". لذلك فإن في كتابة دقَّة عن ضحوية اليهودي العربي في قاع تل أبيب ما يستدعي النسيج المتداخل لاختراع ثلاثية "شعب" "إسرائيل" و"يهوديته" التي درسها شلومو ساند وآخرون، والسلطة التي تمكَّنت بها الصهيونية من السيطرة على يهود العالم. ولذلك لم يتردد محمود درويش، مثلً، في التفريق
((9(ل طاا عاا على قراءة معمَّقة لما يصفه بشارة بتحوُلّات "مشروع بن غوريون الساذج" وتحوُّله إلى خطاب استشراقي لسرقة
خطاب الأصلاني، في المستويين: السياسي والأمني، يُنظر: أنس أبو عريش، خطاب الأصانية في الفكر الصهيوني: من هيرتسل إلى
نتنياهو (بيرزيت: جامعة بيرزيت، 2018)؛ أحمد الأغواني، الصهيونية وعنف الفوضى: الاستشراق، الاستعمار الاستيطاني
والمستعربين (بيرزيت: جامعة بيرزيت،.)2018 (((9 بشارة، ص 14. (((9 المرجع نفسه، ص.18 ((10(يُنظر: شلومو ساند، اختراع الشعب اليهودي (رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2011)؛ شلومو ساند،
اختراع أرض إسرائيل (رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2014)؛ شلومو ساند، كيف لم أعد يهوديًا: وجهة
نظر إسرائيلية (رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية،.)2014
بوضوح بين النظام الصهيوني الفاشي واليهود بشرًا، وتندَّر على عقدة "سارة – هاجر" التي أورثت أبناء
إبراهيم هذه العداوة التوراتية المستفحلة، صنافيةً حديثةً ممركزةً أوروبيًا. فقد أودعت فلسطين، مشهديةً،
في حضورها وغيابها، في الخرائطية التوراتية، وجُعِلَ الفلسطينيون، في وطنهم وشتاتهم، تفصيلً من
"حالة انتظار في المنفى"، بوصفهم يهودًا مجازيين. لقد أصبح تدشين نسابيَّات Genealogies تجعل
الفلسطيني فرعًا من المسار اليهودي للمعاناة، وأداء ذلك التدشين تحت غطاء الأخلاقيات اليهودية، موضة فكرية سائدة. وإذا كان سعيد هو "المثقف اليهودي الأخير"، فقد صار درويش "الشاعر اليهودي" العابر للزمن ضمن هذا النحو الباهت في "تاريخنا العلائقي". وفي هذا السياق، تأتي أهمية مساهمة جيل أنيجار النظرية التي لا تستنكر محاولات تهويد الفلسطيني فحسب، بل تكيل نقدًا لاذعًا لمحاولات نزع عروبة اليهودي. فعبر تفكيك متقن لخطأ موقَعة اليهودي والعربي، واليهودي العربي بخاصة، في السردية الكبرى الممركزة أوروبيًا، يدشن أنيجار نقدًا لاذعًا لعمليات
العلمنة التي أعادت اختراع "اليهودي" و"المسلم" كليهما عدو ا للآخر، عبر الهيمنة المعرفية للمشروعين
الاستعماري الأوروبي، وسليله الصهيوني، وأثر ذلك كله في عدالة القضية الفلسطينية. يتصادى أنيجار مع سعيد ودرويش في توحيد النضال ضد استعمارية المعرفة الغربية الممركزة أوروبيًا واستشراقيَّتها التي تُعدّ
رافعة للمشروعين: الاستعماري الأوروبي والاستيطاني الصهيوني، ومع آخرين ممن اختصّوا بهذه اللحظة
التاريخية كإيلا شوحات، ومنير العكش، وستيفن سلايطة. ولعل ما تصفه شوحات ب "الهوية العلائقية" بين الأندلس وفلسطين، وما وصفه كل من سلايطة والعكش من إغواء مجازي هائل بين "الهنود الحمر" و"الفلسطينيين"، ضمن "فكرة أميركا" يُدشن، تاريخيًا، بتمثيلات عيانية على يديْ أنيجار، خلاصةً لتعالق
المصائر التاريخية بين عامي 1492 و 1948 في متتالية "المسائل" ذائعة الصيت: المسألة الإسلامية، المسألة
(((10 للمزيد عن هذه النزعة يُنظر: عبد الرحيم الشيخ، "المثقفة اليهودية الأخيرة: جوديث بتلر قارئة لدرويش وسعيد"، مجلة
الدراسات الفلسطينية، مج 22، العدد 87 (2011)، ص 119–93؛ "متلازمة درويش 1: النصر، الهزيمة، المنفى"، مجلة الدراسات
الفلسطينية، العدد 122 (2020)، ص 186–159؛ "متلازمة درويش 2: الفكرة، الثورة، الدولة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 125 (2021)، ص 188–147. (((10 يُنظر: جيل أنيجار، "اليهودي العربي: تاريخ العدو"، ترجمة وتقديم عبد الرحيم الشيخ ورنا بركات، الكرمل الجديد،
العددان 4–3 (2012)، ص 169–123؛
Gil Anidjar, Our Place in al–Andalus: Kabbalah, Philosophy, Literature in Arab Jewish Letters (Stanford: Stanford University Press, 2002); Gil Anidjar, The Jew, the Arab: A History of the Enemy (Stanford: Stanford University Press, 2003); Gil Anidjar, Semites: Race, Religion, Literature (Stanford: Stanford University Press, 2008); Gil Anidjar, Blood: A Critique of Christianity (New York: Columbia University Press, 2014).
((10(إي شوحات، "كولومبوس، فلسطين، واليهود العرب: نحو مقاربة علائقية لهوية المجموعة"، الكرمل، العدد 52 (1997)، ص.52–38 ((10(حول هذه الأشكلة لتاريخ صناعة العدو، والتعالق بين "المسألة اليهودية" و"المسألة الفلسطينية"، يُنظر: منير العكش، حق التضحية
بالآخر: أميركا والإبادات الجماعية (بيروت: رياض الريس للكتب، 2002)؛ منير العكش، تلمود العم سام: الأساطير العبرية التي تأسست
عليها أميركا (بيروت: رياض الريس للكتب، 2004)؛ منير العكش، دولة فلسطينية للهنود الحمر (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،
2015)؛ منير العكش، أميركا والإبادات الجنسية 400: سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض (بيروت: رياض الريس
للكتب والنشر، 2012)؛ منير العكش، أميركا والإبادات الثقافية: لغة كنعان الإنجليزية (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2009)؛
Steven Salaita, The Holy Land in Transit: Colonialism and the Quest for Canaan (Syracuse: Syracuse University Press,
اليهودية، المسألة العربية، المسألة الفلسطينية، على التوالي. ومن ثمَّ، يوظِّف أنيجار ذلك في تعرية "لا سامية الحركة الصهيونية"، وينتقد تبنِّي إسرائيل للسياسة المسيحية الغربية في التفريق بين "المواطنة" و"الجنسية" لتفرِّق بين اليهودي دينًا والعربي عرقًا، بدلً من التفريق بين اليهودي والمسلم، أو الفلسطيني والإسرائيلي. كان ذلك، بالطبع، لغايات التغلب على العرب (أصحاب البلاد الأصليين)، بوصفهم خطرًا ديموغرافيًا
استراتيجيًا على وجود إسرائيل التي ترغب في تعريف نفسها، ونيل الاعتراف بها "دولةً يهودية" خالصة، وهو ما يجعل الانطلاق من البعد القومي للصراع العربي الصهيوني أشدّ وضوحًا. وفي استحضار لآرنت يرى أنيجار إسرائيل "دولة انتحارية"، تتخذ من "مفهوم السياسي" آلة أيديولوجية – قانونية، تتوالد عبرها المظلوميات وسياسات التضامن، كما كان الحال في المنبوذية الأوروبية التي تناسخت في إسرائيل، بحسب قراءة دقَّة لقاع تل أبيب المغترّة ببياضها الأشكينازي.
3. العبرية العربية: حروب المكان والمكانة
لكن في المحصلة، لا يمكن النظر إلى العبرية على أنها لغة استعمارية "عادية"، فهي ليست كالفرنسية أو الإنكليزية أو الإسبانية، وإنما هي لغة محليَّة في فلسطين، اغتصبتها الصهيونية، كونها حركة استعمارية
ذات تاريخ غربي وذاكرة صيَّرتها شرقيةً، فأحيت لغة الأسطورة الاستعمارية، وألحقتها بمقتنيات ذاكرتها الملفقة في الأرض التي استعمرتها، ذلك أنه "كي تتحول اليهودية إلى أمة، [احتاجت] الفكرة إلى دولة"، واحتاجت الدولة إلى لغة رسمية، فكانت العبرية هي اللغة الرسمية للأسطورة العربية التي جرَتْ صَهْينَتُها. ولكن هذا الإرباك لا ينبغي له أن يزيح النظر عن السياسات الثقافية التي تمارسها
إسرائيل بتكريسها العبرية لغةً استعمارية؛ لذا فمن الضروري القول بمكان اللغة العربية ومكانتها قبالة اللغة العبرية في النظام الصهيوني.
(((10 يُنظر تعقيب درويش على المشابهة بين حالة "اللاجئ" اليهودي العراقي، والفلسطيني، في حالة يوسي شيلواح الذي أعلنت
عليه الحرب من أركان المؤسسة الثقافية الصهيونية كلها؛ من جراء تجرئه على طرح قضية اللجوء بوصفها مشتركًا إنسانيًا فحسب،
يشمل الفلسطينيين. محمود درويش، عابرون في كام عابر (بيروت: دار العودة، 1994)، ص.75–71
(106) Gil Anidjar, "The Suicide State," Boundary 2 , vol. 44, no. 4 (2017), pp. 57–75.
(((10 بشارة، ص.12 (((10 تجدر الإشارة إلى أن القول بأصلانية اللغة العبرية يأتي في إطار أطروحة نقدية لا يتسع المقام في هذه الدراسة للاستطراد فيها، تسعى لتخليص المكوِّن اليهودي في الثقافة الفلسطينية من براثن الصهيونية على ث ثااة مستويات نقدية: الأول الاستشراق
الصهيوني الذي بنى مشروعه لغزو فلسطين ضمن التاريخ الاستعماري الغربي العام، ورافقه اختلاق روابط بذاكرة مشرقية اعتمد فيها
على مشرقية الديانة اليهودية نفسها ولغتها الطقوسية. والثاني الجهد المُمأسِس لسرقة خطاب الأصلاني الفلسطيني، عبر سياسات
المحو الصهيونية المستندة إلى فكر استعماري استيطاني. والثالث الصهيونية الكنعانية التي أسسها أورييل هيلبيرين Heilperin Uriel المعروف باسمه المُعَبرَن يونتان راتوش Ratosh Yonatan، ونبذها التيار الصهيوني المركزي؛ لرفضها الدين والقومية اليهودية من
المعينين الأوروبيين المركزيين (الأشكينازي/ اليديشي والسفارادي/ ال دااينوي)، ودعوتها إلى ثقافة يهودية مستمدة من الإرث المشرقي للمنطقة، من خ لاا منظمة "العبرانيون الشباب" و"اللجنة لبلورة الشباب العبري"؛ وللمزيد عن هذه المستويات النقدية
يُنظر: أبو عريش، خطاب الأصانية في الفكر الصهيوني؛ وكذلك:
Edward Said, The Question of Palestine (New York: Times Books, 1979); James Diamond, Homeland or Holy Land? The " Canaanite" Critique of Israel (Bloomington: Indiana University Press, 1986); Jacob Shavit, The New Hebrew Nation: A Study in Israeli Heresy and Fantasy (London: Frank Cass, 1987).
لم تكن "مكانة" العربية موضع بحث إلا متأخرًا، بل كان البحث عن "مكانها" على هامش النظام
الصهيوني منذ نشأته؛ لذلك ارتبطت مكانة العربية بقابليَّتها أولً، وقدرتها ثانيًا، على مغادرة ذلك
الهامش من دون الذوبان في المركز الصهيوني الذي حصّن نفسه بآلة أيديولوجية صلبة لطرد كل
ما هو غير صهيوني، أو ما تمَّت صَهْينَتُه، على الأقل، أو أسْرلَتُه. وفي هذا السياق، تفسِّر منظومة
إسماعيل ناشف التحليلية اللافتة تاريخَ اللغة العربية مع النظام الصهيوني، بتوافق مع ما أورده دقَّة من أنّ الأسْرلَة ليست التحدّث باللغة، بل في الموقف من منظومتها الأيديولوجية. ويسعفنا تحليل ناشف
بالآتي: أولً على الفلسطيني أن يتقن لغة الإسرائيلي "بالمعنى الأشمل للغة، لكي يستطيع أن يموضع نفسه باليومي المتدفِّق. اكتساب هذا الإتقان تمأسس من خلال عدة أجهزة أفردها النظام للسيطرة على الفلسطينيين منذ بدايته كدولة". وثانيًا أن ذلك "الإتقان" تحكمه مسارات الهندسة الاجتماعية
والفردنة للريف الفلسطيني (في منطقة المثلث الفلسطيني، ولا سيما في قرية باقة)، مقارنة بالحاضرة الصهيونية (في "المركز"، ولا سيما مدينة تل أبيب)، أو ما عبَّر عنه ناشف ب "معمارية الفقدان" قبالة
"مسارات العضونة"، من حيث علاقة توزيع السكان بالأرض في فضاء استعماري مسبق التصميم بمنظومة الأيديولوجيا الصهيونية. وثالثًا أن التاريخ الاجتماعي للغة العربية، منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم، بين القهري المستعمَري فلسطينيًا والفائض الاستعماري صهيونيًا، شكَّلته أنماط وكالة
المستويين لم تُفضِ، في أحسن أحوالها، إلا إلى تأكيد أن اللغة العربية، في رحلتها لحسم خسارة "المكان" بمقولات "المكانة"، لم تكرِّس نفسها إلا سنًا في دولاب النظام الاستعماري، وإن شاب
ذلك بعض الاستثناءات منذ عقد التسعينيات. وبناء على ذلك، يمكن قراءة تاريخ اللغة العربية في النظام الصهيوني، بوصفه تاريخ انتهاك للحقوق الثقافية لأصحاب البلاد الأصلانيين، وما رافقه من مرافعات قانونية ضد الانتهاك، بأكثر من كونه تاريخ ازدواج لغوي في نظام استعماري تقليدي. وعلى الرغم من أن الادعاء الحقوقي لا ينطلق من الحق الوطني العام لفلسطينيي فلسطين المحتلة عام 1948، فإن البيانات النقدية ضد انتهاك مؤسسات النظام الصهيوني للحقوق الثقافية للأصلانيين الفلسطينيين تتخذ هذا المنحى. فالعربية، بما هي لغة رسمية في البلاد، ولغة "أقلّية قومية" أصلانية تؤلف خُمس سكان الدولة، وتحيا في فضاء لغويّ مغاير
(((10 للمزيد يُنظر: إلياس عطا الله، "منهجيّة زعزعة الخاصّ – اللّغة في إسرائيل"، في: عبد الرحيم الشيخ (محرر)، المنهاج
الفلسطيني: إشكالات الهويّة والمواطنة (رام الله: المؤسّسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية – مواطن، 2008)، ص 185–172؛
ولمزيد من الاطّلاع حول مكانة العربية يُنظر: إلياس عطاالله، وإذا الموءودة سئلت (الناصرة: جمعية الثقافة العربية، 2007)؛ محمد
أمارة (محرر)، اللغة والهويّة في إسرائيل (رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة، 2002)؛ اللغة العربية في إسرائيل:
سياقات وتحديات (الناصرة: دراسات المركز العربي للحقوق والسياسات، 2010)؛ سلمي عرَّاف–بيكر، "قانون القومية ومحاولة نزع
الصفة الرسمية عن اللغة العربية في إسرائيل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 30، العدد 117 (2019)، ص.63–56 ((11(ناشف، 107–106 معمارية الفقدان، ص؛ ويُنظر: إسماعيل ناشف، "حل التواطؤ، أفق الخروج"، جدل، مج 1، العدد 12
(2012)، شوهد في 2021/12/16، في: https://cutt.us/IKkFP ((11(يُنظر: ناشف، معمارية الفقدان، ص.185–101 ((11(يُنظر: إسماعيل ناشف، اللغة العربيّة في النظام الصهيونيّ: قصة قناع استعماري (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث
ودراسة السياسات، 2018)، ولا سيما الفصل الرابع والخاتمة التي لا تبشِّر بوجود مخرج من تلك الورطة في لحظة العربية المتأخرة، ص 247–175.
لفضاء اللغة الأم وفضاء متحدِّثيها، يفترض أن يحمل الدولة على العمل للمحافظة عليها وتطويرها وتدريسها بالطريقة التي تضمن ترسيخها وتثبيتها على الصعد كافة. إن هذا الخطاب، وإن أشار إلى الخصوصية القومية للعرب الفلسطينيين والخصوصية الثقافية للغتهم العربية، فإنه يستند إلى مرجعية تتجلى في نصّين مُولَّدَيْنِ من القانون الاستعماري: ابتداءً من الأمر
الانتدابي لعام 1922، وقد اعتبر العربية لغة رسمية للبلاد، وانتهاءً بتدشين مجمع اللغة العربية في حيفا،
ومنحه صلاحيات تتعلق بتحديد الخصوصية الثقافية للغة العربية ومجتمع متحدِّثيها عام 2007. وقد جاء ذلك إشارة اعتراف بخصوصية اللغة العربية التي عادة ما يُستدعى للتدليل عليها بيانٌ إشكالي
للقاضي أهرون براك، رئيس المحكمة العليا، في معرض رده على أحد التماسات "مركز عدالة" باستخدام العربية في الفضاء العام. وعلى الرغم من جرأة هذا الرأي القانوني في إبراز الخصوصية الثقافية العربية، بوصفها لغة "الأقلّية الأصلية الكبرى في البلاد"، وأن ذلك يستوجب أن تمنح تمثيلً ومكانة ثقافية يليقان بتلك الخصوصية ويتناسبان معها، فإنها لا تتطرق إلى ما ينطوي عليه التغييب الممنهج للعربية وأثره في المس بالذاكرة الجمعية الفلسطينية. غير أن البيان يشي برغبة براك في طرح الثنائية النافية لذاتها في وصف "إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية". وما يُستشفّ من حديثه عن "اللغة
العبرية البكر" التي يجب أن تُعطى دورًا أكثر سيادية، بوصفها لغة "الأغلبية اليهودية" التي تسكن الدولة،
وأشار إليه في سياقات أخرى بوصف العبرية بأنها اللغة الرسمية "الأساسية"؛ كونها لغة التوراة، أي إن العربية، من حيث رسميتها، أقل مكانة من اللغة "الرسمية الأساسية" أي العبرية، في نظر القاضي براك، وفي الرؤية الصهيونية لدولة إسرائيل؛ ولذلك لا تحتل دورًا سياديًا في التعبيرات الرمزية التي تحتكرها
لغة الأغلبية اليهودية.
الخاتمة: ريحانة أخيرة
مع نهاية هذه المغامرة في قراءة مخطوطة سيرة دقَّة؛ لتأطيرها منهجيًا وتظهيرها سرديًا وتحليلها نظريًا،
يتبيّن أن ليس ثمة خلاصات مريحة، إلا بمقدار ما تثيره من أسئلة عن مناطق العمى في دراسة شرط
فلسطين الاستعماري. ولأن الجواب هو شقاء السؤال الذي لا شفاء منه، فإن ما قدّمته هذه الدراسة من مقاربات في محاورها الثلاثة سيزعزع ما يطمئن إليه كثيرون من القارِّ والوثوقي. فمن حيث التأطير المنهجي، يبدو سؤال البحث المقارن في الأطر الاستعمارية ترفًا مثقَّفيًا مع كل
"دراسة حالة" في "حالة استعمارية" جديدة، ليس على مستوى الجغرافيات المبحوثة، كالجزائر وفلسطين فحسب، بل على مستوى التجارب النصّية المفردة التي تتجلّى فيها تمثلّات هذه الحالات
لنستنتج منها، أو نُقْحِمَ عليها، مقولتَي "الاستيطاني" و"الأصلاني"، وغيرهما. قد يكون صحيحًا أن
شمس المعنى لا تشرق من النص وحده، ولا تشرق عليه من خارجه إلا بالمقدار ذاته، لكنّ "التأطير"
(((11 يُنظر: بند 13 (2) من وثيقة حقوق الأقلِّية الأصلية لسنة 2007. (بالعبريّة) (((11 للمزيد في هذا الشأن يُنظر: عبد الرحيم الشيخ، "الهندسة اللغويّة وعبرنة إسرائيل للمشهد الفلسطينيّ: دراسة في الخطاب
الفلسطينيّ المقاوم (2010–1997)"، الأبحاث، العدد 59–58 (2012)، ص 108–61؛ ويُنظر على نحو خاص: مداخلة القاضي
أهرون براك، ردمًّا على الالتماس رق 4112/99. (بالعبريّة)
كان وسيبقى جزءًا من التحدي، ولا بدّ من "التبئير" الذي يتيح لكل حالة نصّية أن تقترح إطارها. لذلك،
فإن مقاربة نص الأسير دقَّة عبر "القص النقدي لفم الذئب"، من دون تدخُّل تعقيبي إلا بالحدّ الأدنى
لجلاء السياق، أتاح لصوته المفرد أن يقترح إطاره الجمعي ضمن أُزمونته وخرائطيَّته الخاصَّتين، من
دون وصاية المتلقّي بفرض تزمينه وتمكينه العامَّين إلا لمقتضيات الإحالة والإيضاح. أما من حيث التظهير السردي الذي ألهمه "القص النقدي" بعزل ثلاث جغرافيات لغرض دراستها، وهي القرية والمدينة والسجن، فقد مكّن من رصد أكثر من "مثل نافٍ" لديناميات اشتغال اللغتين العربية والعبرية. ففي حين تطغى مقولات عامة، نحو "الأسْرلَة" و"الصَّهَيْنَة" و"صهر الوعي" لتوصيف ما يحدثه
النظام اللغوي الاستعماري الصهيوني في مستعمَريه الفلسطينيين، في أحياز القرية والمدينة والسجن
على الترتيب، فإنّ مدوَّنة دقَّة، بصفتها إثنوغرافيا محيلة إلى ذاتها، تفيد بأن اشتغال هذه الديناميات لا يكون بالضرورة على التوالي؛ ذلك أنها تعمل على التوازي في الجغرافيات الثلاث التي تؤلف "مورفولوجيا فم الذئب"، وأن ثمة أمثلة نافية في كل جغرافيا للمقولة العامة المفترضة بخصوصها، وما دقَّة إلا أحدها، وإن بدا الوحيد في دراسة مخصصة لتظهير سيرته غير المكتملة وغير المنشورة بعد. أما من حيث التحليل النظري، فإن التعاقد القرائي الذي اقترحته الدراسة عمل لتفكيك جزئي ل "أسطوريات فم الذئب" في ثلاثة مستويات: الأول أن مقولات "فتنة الغالب"، و"الوعي المزدوج"، و"الرحلة إلى الداخل"، لا تؤكِّد مشابهة حالة دقَّة ل "مثيلاتها" في سياقات أخرى، إلا بمقدار ما تفصح
عن مغايرتها لها. والثاني أن مقولتَي تجنيس العلاقات الحضارية بين المستعمِرين والمستعمَرين،
وسياسات التضامن بين الضحايا، هما أشد المقولات ثباتًا في توصيف عنصرية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. والثالث أن حروب المكان والمكانة المشحونة سياسيًا بين العبرية (لغةً للنظام
الصهيوني)، والعربية (لغة ضحاياه الفلسطينيين)، تتطلب دراسة معمَّقة للمكوِّن اليهودي (بما فيه اللغة
العبرية قبل أن تُصهيَن وتُحوَّل إلى آلة استعمارية) في الثقافة العربية، ولا سيما في مكوّنها الفلسطيني. وإن كان لا بدّ من ختام، فبلغة دقَّة العربية الفصحى التي بقيت ريحانة أخيرة، حيَّة في السجن، أقسى
مفاصل صخر الدولة العبرية، على امتداد ستة وثلاثين عامًا: "آمل اليوم، أنني، وبعد كل هذه العقود من النضال، توقفت عن السير على ذاك الحبل المشدود بين 'دوف' و'خلدون'، فقد حسمت خياري لأكون 'خالدًا'، وآمل أيضًا أن يدرك المتقوقعون في رام الله أن خالدًا قد بلغ من العمر والتجربة ما يؤهِّله ليكون جزءًا من صياغة المستقبل الفلسطيني، وليس متضامنًا مع الشعب الفلسطيني، ولا هو يسار إسرائيلي،
رغم أنه يجيد العبرية. فهل يحسمون خياراتهم كما فعل؟ وإن فعلوا فليخاطبوه بالعربية الفلسطينية. إن الحراك، والهبة الأخيرة أكَّدا لي أن الأجيال الشابة في حيفا ويافا واللد والرملة، أظهرت أنها تنتمي إلى 'خالد'، بعد أن دفنوا فيها الحنين إلى 'خلدون'، 'خالد' الذي يجيد، إلى جانب العربية والعبرية، لغات أخرى، خالد الذي تخرَّج من جامعاتهم، وعلى الرغم منها، لم يتأسْرَل. يعتزُّ بعروبته شامخًا متحديًا
أكثر بكثير من أولئك الذين يجيدون العربية وخانوا العروبة".
(((11 المخطوطة، ص.19
المراجع
العربية
ابن خلدون، عبد الرحمن. مقدمة ابن خلدون. بيروت: دار الفكر،.1988
بيرزيت،.2018
جامعة بيرزيت، 2007. أدونيس، الشعرية العربية. بيروت: دار الآداب،.1984 ________. كام البدايات. بيروت: دار الآداب،.1989 ________. النص القرآني وآفاق الكتابة. بيروت: دار الآداب، 1993.
بيرزيت: جامعة بيرزيت،.2018
والسياسات،.2010
الإسرائيليّة،.2002 الجديد. العددان). 2012(4–3
البرغوثي، حسين. "بين الشعر والفلسفة". مخطوطة غير منشورة،.1999
وزارة الثقافة الفلسطينية،.2010
References
أبو عريش، أنس. خطاب الأصانية في الفكر الصهيوني: من هيرتسل إلى نتنياهو. بيرزيت: جامعة
أبو عطوان، منقذ. مأسسة الحياة الاعتقالية للأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. بيرزيت:
الأغواني، أحمد. الصهيونية وعنف الفوضى: الاستشراق، الاستعمار الاستيطاني والمستعربين.
أمارة، محمد. اللغة العربية في إسرائيل: سياقات وتحديات. الناصرة: دراسات المركز العربي للحقوق
________ (محرر). اللغة والهويّة في إسرائيل. رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات
أنيجار، جيل. "اليهودي العربي: تاريخ العدو". ترجمة وتقديم عبد الرحيم الشيخ ورنا بركات. الكرمل
بارت، رولان. أسطوريات: أساطير الحياة اليومية. ترجمة قاسم مقداد. دمشق: دار نينوى،.2012
بشارة، عزمي. "مائة عام من الصهيونية: من جدلية الوجود إلى جدلية الجوهر". الكرمل. العدد 53
حاتم الشنار، خمس نجوم تحت الصفر: خاصات في مقاومة الأسر–عسقان 1985–1969. رام الله:
الحاجّ، قسَم. "فنّ الوشم: البشري مهندسًا لجسده المقدس". فسحة ثقافيةفي.:2020/3/24.
https://cutt.us/ZedAO
حمادي، سعدون. الهوية وقضاياها في الوعي العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،
الخطيبي، عبد الكبير. الاسم العربي الجريح. بغداد: منشورات الجمل،.2009 ________. النقد المزدوج. بغداد: منشورات الجمل،.2009 درويش، محمود. عابرون في كام عابر. بيروت: دار العودة،.1994 دقَّة، وليد. "رياحين الشباب.. بين مفاصل صخر الدولة العبرية". مخطوط. سجن الرملة/ سجن "جلبوع.".2021–2002 ________. يوميَّات المقاومة في مخيَّم جنين 2002. رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية–مواطن، 2004. ________. صهر الوعي أو إعادة تعريف التعذيب. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2010. ________. حكاية سرِّ الزَّيت. رام الله: مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، 2018. ________. حكاية سرِّ السَّيف. رام الله: مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، 2021. https://cutt.us/86sZQ 2021/2/11.في:. الآداب ________. "ميلاد". روحانا، نديم وأريج صباغ خوري. الفلسطينيون في إسرائيل: قراءات في التاريخ والسياسة والمجتمع. حيفا: مدى الكرمل–المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية،.2011 ساند، شلومو. اختراع الشعب اليهودي. رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية،
________ اختراع أرض إسرائيل. رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية،.2014 ________. كيف لم أعد يهوديًا: وجهة نظر إسرائيلية. رام الله: مدار–المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية،.2014 سعدات، أحمد. صدى القيد. بيروت: دار الفارابي،.2017 شماس، أنطون. "سبع خواطر وحاشية: اللغات والكتب ممتلكة ومفقودة ومترجمة". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 26، العدد 101.)2015(شنهاف، يهودا. اليهود العرب: قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية. رام الله: مدار– المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2016. شوحات، إيلا. "كولومبوس، فلسطين، واليهود العرب: نحو مقاربة علائقية لهوية المجموعة". الكرمل. العدد 52 (1997). صالح، الطيب. موسم الهجرة إلى الشمال. بيروت: دار الجليل، 1997. صديق، محمد. "الكتابة بالعبرية الفصحى: تقدم رواية عربسك وحوار مع أنطون شماس". ألف–مجلة الباغة العربية المقارنة. العدد).2000(20
العدد 155.)2021(________. "معاني فلسطين في حكاية سر الزيت". باب الوادفي.:2018/11/18.
الفلسطينية. العدد). 2021(128
الفلسطينية، 2021.
الفلسطينية. مج 22، العدد 87 (2011).
لدراسة الديمقراطية– مواطن، 2008.
المقاوم (2010–1997)". الأبحاث. العدد).2012(59–58
بيروت: دار الطليعة، 1982.
الدراسات الفلسطينية. مج 30. العدد 117.)2019(عطا الله، إلياس. وإذا الموءودة سئلت. الناصرة: جمعية الثقافة العربية،.2007
للكتب، 2004.
الشيخ، عبد الرحيم. "الزمن الموازي في فكر وليد دقَّة". المجلة العربية للعلوم الإنسانية. مج 39،
https://bit.ly/3jTrkij
________. (إعداد وتأطير). "الجغرافيا السادسة: ندوة الحركة الفلسطينية الأسيرة". مجلة الدراسات
________ (محرر). مفهمة فلسطين الحديثة: نماذج من المعرفة التحررية. بيروت: مؤسسة الدراسات
________. "المثقفة اليهودية الأخيرة: جوديث بتلر قارئة لدرويش وسعيد". مجلة الدراسات
________. "متلازمة درويش 1: النصر، الهزيمة، المنفى". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 122
________. "متلازمة درويش 2: الفكرة، الثورة، الدولة". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 125
_______(محرر). المنهاج الفلسطيني: إشكالات الهويّة والمواطنة. رام الله: المؤسّسة الفلسطينية
________. "الهندسة اللغويّة وعبرنة إسرائيل للمشهد الفلسطينيّ: دراسة في الخطاب الفلسطينيّ طرابيشي، جورج. شرق وغرب رجولة وأنوثة: دراسة في أزمة الجنس والحضارة في الرواية العربية.
عرَّاف–بيكر، سلمى. "قانون القومية ومحاولة نزع الصفة الرسمية عن اللغة العربية في إسرائيل". مجلة
العكش، منير. حق التضحية بالآخر: أميركا والإبادات الجماعية. بيروت: رياض الريس للكتب، 2002. ________. تلمود العم سام: الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا. بيروت: رياض الريس
________. أميركا والإبادات الثقافية: لغة كنعان الإنجليزية. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،
________. أميركا والإبادات الجنسية: 400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2012 ________. دولة فلسطينية للهنود الحمر. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2015 العيد، يمنى. "أرابيسك: التوظيف والهوية". الكرمل. العدد).1990(35 فياض، سليمان. أصوات. القاهرة: دار الأسرة،.1994 كبها، مصطفى. (محرر). الأقلية الفلسطينية في ظل الحكم العسكري وإرثه. حيفا: مدى الكرمل– المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، 2014. كليطو، عبد الفتاح. لن تتكلَّم لغتي. بيروت: دار الطليعة للنشر،.2002 كنفاني، غسان. عائد إلى حيفا. بيروت: المؤسسة العربية للأبحاث، 1987. لبيب، الطاهر. صورة الآخر: العربي ناظرًا ومنظورًا إليه. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999. المسدي، عبد السلام. الهوية العربية والأمن اللغوي: دراسة وتوثيق. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014. مواسي، علي (محرر). الثقافة الفلسطينيّة في أراضي 48: الواقع، والتحديات، والآفاق. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية– مدار،.2018 مؤسسة الدراسات الفلسطينية. اتفاقيات الهدنة العربية – الإسرائيلية، شباط/ تموز 1949: نصوص الأمم المتحدة وملحقاتها. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.1968 ناشف، إسماعيل. معمارية الفقدان: سؤال الثقافة الفلسطينية المعاصرة. بيروت: دار الفارابي، 2012. ________."عمل الحدّ: قراءة مختلفة للصهيونية". تبيُّن. مج 9. العدد 34 (خريف.)2020 ________. اللغة العربيّة في النظام الصهيونيّ: قصة قناع استعماري. الدوحة/ بيروت: المركز العربي
للأبحاث ودراسة السياسات،.2018 ________. "حل التواطؤ، أفق الخروج". جدل. مج 1. العدد 12 (2012:). في https://cutt.us/IKkFP
العبرية
وثيقة حقوق الأقلية الأصلية لسنة 2007. بند 13 (2). (بالعبريّة)
الأجنبية
Adell, Sandra. Double–Consciousness/ Double Bind: Theoretical Issues in Twentieth– Century Black Literature. Urbana: University of Illinois Press, 1994. Al–Shaikh, Abdul–Rahim. "The Parallel Human: Walid Daqqah on the 1948 Palestinian Political Prisoners." Confluences Méditerranée. vol. 117, no. 2 (2021).
".________Palestine: The Tunnel Condition." Contemporary Arab Affairs. vol. 3, no. 4
Ammar Hassina, Ould. L’Exil dans " Le Polygone étoilé" De Kateb Yacine. Batna: Université Hadj Lakhdar, 2011. Anidjar, Gil. Our Place in al–Andalus: Kabbalah, Philosophy, Literature in Arab Jewish Letters. Stanford: Stanford University Press, 2002. ________. The Jew, the Arab: A History of the Enemy. Stanford: Stanford University Press, 2003. ________. Semites: Race, Religion, Literature. Stanford: Stanford University Press,
________. Blood: A Critique of Christianity. New York: Columbia University Press,
________. "The Suicide State." Boundary 2. vol. 44, no. 4 (2017). Arendt, Hannah. Men in Dark Times. New York: Harvest Books, 1968. Armitage, Anne. "The Debate over Literary Writing in a Foreign Language: An Overview of Francophonie in The Maghreb." Alif: Journal of Comparative Poetics. no. 20 (2000). Arnaud, Jacqueline. La littérature maghrébine de langue française. Tome 2: Le cas de Kateb Yacine Paris: Publisud, 1986. Baker, Abeer & Anat Matar. Threat: Palestinian Political Prisoners in Israel. London: Pluto Press, 2011. Barakat, Rana. "Writing/Righting Palestine Studies: Settler Colonialism, Indigenous Sovereignty and Resisting the Ghost(s) of History." Settler Colonial Studies. vol. 8, no. 3 (2017). Deleuze, Gilles & Felix Guattari. A Thousand Plateaus: Capitalism and Schizophrenia. New York/ London: Continuum International Publishing Group, 1987. Diamond , James. Homeland or Holy Land? The " Canaanite" Critique of Israel. Bloomington: Indiana University Press, 1986. Du Bois William E.B. The Souls of Black Folks. New York: W.W. Norton & Company,
Fanon, Frantz. Black Skin, White Masks. London: Pluto Press,1986. Hamdan. Mohammed. "‘Every Sperm Is Sacred’: Palestinian Prisoners, Smuggled Semen, and Derrida’s Prophecy." International Journal of Middle East Studies. vol. 51, no. 4 (2019). at: https://cutt.us/ZF64h ________. The Wretched of the Earth. New York: Grove Press, 1963. Hartman, Saidiya. "Venus in Two Acts." Small Axe. vol. 12, no. 2 (2008). Harris, Rachel. "Hebraizing the Arab–Israeli: Language and Identity in Ayman Sikseck’s to Jaffa and Sayed Kashua’s Second Person Singular." Journal of Jewish Identities. vol. 7, no. 2 (2014).
Halot, Thomas. "The Political Uses of Alienation: W.E.B. Du Bois on Politics, Race, and Culture, 1903–1940." American Quarterly. vol. 42 (1990). Kanaaneh, Rhoda. Birthing the Nation: Strategies of Palestinian Women in Israel. Berkeley: University of California Press, 2002. Lacan, Jacques. Écrits, A Selection. London: Routledge, 2001. Lyotard, Jean–François. The Postmodern Condition: A Report on Knowledge. Minneapolis: Minnesota University Press, 1984. Massad, Joseph. The Persistence of the Palestinian Question: Essays on Zionism and the Palestinians. London: Routledge, 2006. Mbembe, Achillle. Critique of Black Reason. Durham: Duke University Press, 2017. Meena, Alexander. "What Use Is Poetry?" World Literature Today (September 2013). at: https://bit.ly/34le3Lv Mohanty, Satya. "Us and Them: On the Philosophical Bases of Political Criticism." Yale Journal of Criticism. vol. 2, no. 2 (1989). Nashif, Esmail. Palestinian Political Prisoners: Identity and Community. London: Routledge, 2008. Rosenberg, Stanley. The Cold Fire: Alienation and the Myth of Culture. Hanover: University Press of New England, 1976. Salaita, Steven. The Holy Land in Transit: Colonialism and the Quest for Canaan. Syracuse: Syracuse University Press, 2006. Said , Edward. Culture and Imperialism. New York: Vintage, 1993. ________. The Question of Palestine. New York: Times Books, 1979 Segal, Lotte Buch. No Place for Grief: Martyrs, Prisoners, and Mourning in Contemporary Palestine. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2016. Shalhoub–Kevorkian, Nadera. Militarization and Violence against Women in Conflict Zones in the Middle East: A Palestinian Case–Study. Cambridge: Cambridge University Press, 2009. Shavit, Jacob. The New Hebrew Nation: A Study in Israeli Heresy and Fantasy. London: Frank Cass, 1987. Shohat, Ella. Taboo Memories, Diasporic Voices. Durham/ London: Duke University Press, 2006. Tanous, Osama. "Structural Violence and its Effects on Children Living in War and Armed Conflict Zones: A Palestinian Perspective." International Journal of Health Services (31/8/2021). Yacine, Kateb. Le polygone étoilé. Paris: Editions du Seuil, 1966. ________. Nedjma. Paris: Editions du Seuil, 1966.