قراءة مقارنة في كتابي استيعابات سلطوية وحكم العنف
A Comparative Reading of Authoritarian Apprehensions and The Rule of Violence
الملخّص
عنوان الكتاب الأول : استيعابات سلطوية: الأيديولوجيا والحكم والحداد في سورية . عنوان الكتاب في لغته : Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgement and Mourning in Syria . المؤلفة : ليزا ويدين Lisa Wedeen. الناشر : شيكاغو: دار نشر جامعة شيكاغو The University of Chicago Press. سنة النشر : 2019. عدد الصفحات : 257 صفحة. عنوان الكتاب الثاني : حكم العنف: الذاتية والذاكرة والحكومة في سورية . عنوان الكتاب في لغته : The Rule of Violence: Subjectivity, Memory and Government in Syria . المؤلفة : سلوى إسماعيل Salwa Ismail. الناشر : كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج Cambridge University Press. سنة النشر : 2018. عدد الصفحات : 225 صفحة.
Abstract
Authoritarian Apprehensions: Ideology, Judgement and عنوان الكتاب في لغته: Mourning in Syria.
.The University of Chicago Press شيكاغو: دار نشر جامعة شيكاغو
The Rule of Violence: Subjectivity, Memory and Government عنوان الكتاب في لغته: in Syria.
- سورية
- سوسيولوجيا العواطف
- التسلطية
- الذاتية
- Syria
- Sociology of Emotions
- Authoritarian
- The Syrian Civil War
- Subjectivity
المؤلفة: ليزا ويدين Lisa Wedeen. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 257 صفحة. عنوان الكتاب الثاني: حكم العنف: الذاتية والذاكرة والحكومة في سورية.
المؤلفة: سلوى إسماعيل Salwa Ismail. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 225 صفحة.
عنوان الكتاب الأول: استيعابات سلطوية: الأيديولوجيا والحكم والحداد في سورية.
كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج Cambridge University Press.
في نيسان/ أبريل 2021، تكون قد مضت عشر سنوات على بدء الثورة السورية. في تلك السنوات، أنتج الأكاديميون والمفكرون والناشطون أدبيات غنية تناولت العديد من أوجه النظام السوري وأحداث عام 2011 والانزلاق لاحقًا نحو حرب أهلية مريرة. وقد ظهر عملان جديدان، هما كتاب ليزا ويدين استيعابات سلطوية: الأيديولوجيا والحكم والحداد في سورية، وكتاب سلوى إسماعيل حكم العنف: الذاتية والذاكرة والحكومة في سورية، يسعيان لرسم معالم بعض الجوانب غير المتعيّنة من السياسات السورية: العلاقات التي يطوّرها النظام السوري مع مواطنيه، مع التركيز على استخلاص الأنواع المختلفة للفاعل السوري. ويتمحور تركيز إسماعيل على استخدامات العنف في صياغة تجربة المواطنين السوريين وذاكرتهم وضمان إذعانهم السياسي. وينظر كتاب ويدين، وهو نوعًا ما أشمل، في تحصيل أنواع مختلفة من العواطف لدى السوريين وكيف يتيح ذلك للنظام السوري أن يصنع التناقض والحيرة، بدلً من الكثير من الخضوع والولاء. ومع أنّ الكتابين يتعاملان مع مواضيع مختلفة قليلً، فإنّهما يستأهلان المقارنة نظرًا إلى أوجه – مسألة التشابه الكبيرة بين إشكاليات أبحاثهما الذات هي في صميم كلا النهجين – ولأنّ كليهما يخصّصان قدرًا كبيرًا من الاهتمام لدراسة بُعدٍ مُهمل حتّى الآن من أبعاد الصراع السوري. إنّ الأدبيات التي تُعنى بسورية غنية؛ فهناك العديد من الدراسات التي تغطي مسائل الاقتصاد السياسي والبنية الاجتماعية وتنظيم الدولة، منذ فترة حافظ الأسد والسنوات الأولى من حكم بشّار الأسد. وتحاول مجموعة كبيرة أخرى من الأعمال تفسير أحداث الثورة والحرب التي تلتها. لكنّ أغلبية الأعمال الحالية اختارت أن تركّز على الجوانب التنظيمية – السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية للسياسة السورية. وفي المقابل، ركّزت ويدين وإسماعيل على الجوانب العاطفية للتجربة السورية، وكيفية ارتباطها بالحياة السياسية.
أولا: استيعابات سلطوية: عرض كتاب ليزا ويدين
ينقسم الكتاب الأول، استيعابات سلطوية، إلى خمسة فصول. من الناحية النظرية على الأقل، تتناول فصول الكتاب قصة الأيديولوجيا في سورية، حيث توقّف كتاب ويدين السابق غموض الهيمنة: السياسة والباغة والرموز في سورية المعاصرةعند وصول بشّار الأسد إلى الرئاسة في عام 2000. تقول ويدين إن الكتاب يتناول "سوريتين": سورية في الفترة 2011–2000، وسورية السنوات الأولى من الثورة. ولكنّنا من الناحية العملية، لا نجد حضورًا كبيرًا لسورية ما قبل الحرب سوى في الفصلين الأوّلين، وحتى في هذين الفصلين نجد فقط ما يتعلّق بالإجابة عن الأسئلة المتعلّقة بالثورة. وبدلً من ذلك، يدور كل فصل في المقام الأول حول واحدة من النقاط الأيديولوجية في سورية الثورية في المرحلة المبكرة (2011–2015)، وهي الفترة التي أُلّف فيها الكتاب. بعد فصل تاريخي يتتبّع الخطوط العامة للأيديولوجيا في سورية في ظل حكم بشّار، تدور الفصول الأربعة المتبقية حول كيفية توظيف "تأثيرات" عاطفية محددة في
هذه الفترة. والسؤال المركزي الذي تنبني عليه أطروحة ويدين برمّتها هو: كيف تمكّن النظام من إنتاج قدر كبير من الحيرة والتناقض وليس الولاء، وتعزيز إحساسٍ باللامبالاة لدى أعداد كبيرة من المواطنين مما يُسمّى "الشعب الرمادي"؟ ومن بين المسائل المحورية في تحليلها مفهوم لوي بيير ألتوسير عن "الاستجواب"، وعن سياسة "كما لو"، وهي الفكرة القائلة بأنّ عمل الأيديولوجيا، في كثير من الحالات، لا يعتمد على الإيمان التام والصادق بادعاءاتها بقدر ما يعتمد على الرغبة في الاستثمار فيها على الرغم من إدراك أنّها ليست الأفضل (ص. 7) يعالج الفصل الأول، "الاستبداد النيوليبرالي وتفكيكه"، سؤال: لماذا لم تشهد حلب ودمشق احتجاجات كبيرة في الأشهر الأولى من الثورة السورية في عام 2011؟ تتمثّل الفكرة المركزية لهذا الفصل في أن "أيديولوجية الحياة الجيدة انتشرت بين السكان الحضريين الرئيسيين لتنظيم الرغبة وقمع المعارضة"، وهي أيديولوجية تنطوي على "أكثر من مجرد التطلعات المعتادة إلى رفاهٍ اقتصادي، ولكنها أيضًا تشمل تخيلّات احتواء الثقافات المتعددة وخلق هوية وطنية آمنة وذات سيادة ومدعاة للفخر" (ص. 20). إنّ الحملات الإعلامية "لتسويق الرئيس والسيدة الأولى بوصفهما من أعضاء الطبقة النيوليبرالية الأخلاقية" (ص. 27)، والأفلام التي تشجع العمل التطوعي (ص. 30) والتزام النظام بنشاط المجتمع المدني والإصلاحات السياسية (المؤجلة إلى ما لا نهاية) (ص. 32) كانت جميعها بمنزلة حوامل لهذه الأيديولوجية. ونتيجة لذلك، فإنّ أولئك الذين انساقوا وراء "الحياة النيوليبرالية الجيدة" ربما لم يتحوّلوا كليًّا إلى أنصار للنظام. ولكنّ ذلك الانسياق أنتج على الأقل التناقض والحيرة. وهذا بدوره كان كافيًا لإبقاء العديد من الناس "رماديين" وغير راغبين في التصرف، حينما اجتاحت الاحتجاجات البلاد في آذار / مارس 2011 (ص. 35) يحلّل الفصل الثاني، "الفكاهة في الأوقات المظلمة"، سيف الكوميديا ذا الحدين، انطلاقًا من أنّها "تعيد إنتاج [الأيديولوجية] وتعرّضها أيضًا للخطر" (ص. 49). توضّح ويدين هذه النقطة، من خلال تحليلها لكتاب أمل ما في، للكاتب ليث حجّو (2004)، و"ضيعة ضايعة"). 2010–2008(يمكن اتّهام هذين العملين الكوميديين ب "أداء الاستقالة السياسية نفسها التي يشخصانها" (ص. 55)، وبأنهما يعملان بما يشبه التفريغ الآمن للمشاعر التي كان من الممكن توجيهها نحو تحقيق تغيير سياسي (ص 60 وتعزيز)، فكرة الدكتاتورية الناعمة المستعدة لتحمّل النقد. لكنهما أيضًا وفّرا أرضية ل "إنتاج جماهير صاعدة قد تسعى للتغيير" (ص. 60) من خلال "مواجهة سياسات الفصل والعزلة التي تعززها آليات السيطرة الاجتماعية" (ص 50 حينما). حدثت الانتفاضة، أعاد ناشطو المعارضة استخدام العديد من مسرحياتهم الهزلية لخلق جماهير معارضة جديدة وتوصيف تجارب معيّنة بأنها "سورية" بصفة عامة (ص. 61). بيد أنّ هذه المحاولات المبكرة لمخاطبة جمهور سوري جديد أفسحت المجال في نهاية المطاف أمام كوميديا المعارضة التي توجهت بصورة متزايدة إلى مجتمعات سياسية مستقلة وحصرية (ص. 73)
يستكشف الفصل الثالث، "حول عدم اليقين"، انهيار "العوالم المشتركة" الافتراضات (ص. 76) في سورية؛ نتيجة للحمل الزائد للمعلومات. ا إلى ويرجع هذا الحمل الزائد للمعلومات جزئي التلاعب المتعمّد من النظام. لكنّ ويدين تجادل أيضًا بأنّ صحافة المواطن – التي كان يعتقد ذات يوم بأنّها تبشّر بنهاية دعاية النظام وبداية حقبة جديدة من الانفتاح – قد ساهمت في الواقع في الشعور العام بعدم اليقين الذي كان من المفترض أن تهدّئه في الأصل (ص 80–79). ومع وجود الكثير من المعلومات التي لا يمكن مقارنتها والتحقّق منها على نحوٍ فعّال، عاد الناس بصفة متزايدة إلى الروايات التي تتماهى مع تصوراتهم المسبقة الخاصة، سواء أكانت مؤيدة للنظام أو معارضة له أو متناقضة وباعثة على الإحباط (وهو ما يتفق مع الدور الأيديولوجي الذي يؤديه البقاء على الحياد) (ص. 86). وفي بعض الحالات، قام الناشطون والمواطنون الصحافيون "الذين كان ا في السابق من نشر شعورهم بقيمة الذات مستمد الحقائق بمسؤولية" بالاستسلام لهذا النقص في اليقين (ص. 93) ينظر الفصل الرابع، "القومية والعاطفة والحكم"، إلى مسألة تنظيم الحزن والأسى خلال الحرب في سورية من خلال عدسة الميلودراما. تمامًا مثل الكوميديا السياسية ومصادر المعلومات، جذبت النداءات الميلودرامية العاطفية الجمهور السوري العادي في البداية، لكنّ هذا أفسح المجال على نحوٍ متزايد للجماهير "المنعزلة" والخاصة التي تحتكر الحزن (ص. 110). وقد تجلّى ذلك بخاصة في دعاية النظام (ص. 113)؛ إذ "لا يوجد شيء اسمه تضحية غير موجّهة نحو النظام" (ص. 119)، على الرغم من أنّ ويدين تلاحظ بعض الغموض في دور السيدة الأولى أسماء الأسد، التي غالبًا ما تعبر عن حزن ذي طابع عمومي لوفاة "الأبرياء" (ما يسهم في الكياسة الدولية ويوفّر وجهًا "أكثر ليونة" للنظام) حتى في الوقت الذي يدين فيه زوجها كل أولئك الذين يعارضون النظام باعتبارهم إرهابيين (ص. 120). ويناقش الفصل أيضًا، بشيء من الإسهاب، عددًا من الأفلام السورية التجريبية التي تعبر عن تناقض أكثر تعمّدًا حول الوضع في سورية (ص. 138)–120 ويتناول الفصل الخامس، "الخوف والنذير"، نموّ الشعور الطائفي بين السكان العلويين مدفوعًا بزراعة المخاوف "الوجودية" والقلق بشأن المستقبل بين مجتمعات الأقليات حتى قبل أن تتحول المعارضة إلى العنف (ص. 142). وفي الوقت نفسه، اكتسب نوعٌ من خطاب "عبادة الشخصية" خلال فترة ولاية بشّار أهميةً جديدة، بعد أن اقتصر إلى حدّ كبير على التجمعات الحزبية في فترات سابقة، مؤكّدًا على التضامن العنيف والولاء الصارم (ص 151–148 وإذ). تؤكّد ويدين على الشعور الطائفي، باعتباره واحدًا من "الأوضاع الاجتماعية المتبقّية" التي يمكن أن "تنفجر" في أوقات الأزمات، فإنّها تتساءل: لماذا تجلّى الرابط الطائفي بالتحديد، في مقابل التضامن الطبقي أو الديمقراطي، خلال الصراع السوري. وتشير إلى أنّ هذا كان في جزء منه نتيجة جهود متعمدة قام بها النظام، وجزئي ا نتيجة لحرص مماثل من بعض جماعات المعارضة على إضفاء الطابع الطائفي على الثورة (ص 158–156)، وجزئيصًّا نتاج تجربة التعزيز الذاتي (.)154 إنّ مفهوم ويدين للأيديولوجيا ضارب الجذور في أعمال الفلاسفة الماركسيين عن الانعطاف الثقافي، وخاصة ألتوسير، الذي تؤكّد على فكرته عن "الاستجواب" (اللحظة التي يجري فيها
وضع الأفراد بوصفهم فاعلين داخل أيديولوجيا.) والفكرة الرئيسة هي أن الأيديولوجيا "مجموعة من الخطابات المجسّدة والمشحونة عاطفي ا" التي يجري تناقلها من خلال الممارسات اليومية. وممّا له أهمية خاصة بالنسبة إلى النقاش العام فكرة سياسة "كما لو" التي تقضي بأنّ عمل الأيديولوجيا، في كثير من الحالات، لا يعتمد على الإيمان الكامل والصادق بادّعاءاتها، بقدر ما يعتمد على الرغبة في الاستثمار فيها، على الرغم من إدراك أنها ليست الأفضل (ص. 7)
ثانيًا: العنف في سورية: عرض كتاب سلوى إسماعيل
أمّا الكتاب الثاني، حكم العنف، لسلوى إسماعيل، فدائرة تركيزه أضيق. تستكشف إسماعيل دور العنف في البيئة السياسية في سورية. وعلى عكس ويدين، التي تبذل قصارى جهدها للتأكيد على الطبيعة "المثيرة" للأسئلة الأيديولوجية التي تتعامل معها، فإنّ القسم الأكبر من كتاب إسماعيل مكرّس على وجه التحديد للعنف الموجّه من أعلى إلى أسفل في الدولة السورية والأغراض التي يخدمها (على الرغم من أنّ بعض المساحة مخصّص لعنف فصائل المعارضة خلال الحرب الأهلية). ومثل ويدين، ينصبّ تركيز إسماعيل على تكريس ذوات فاعلة سياسية سورية معيّنة، على الرغم من أنّ تركيزها النظري على "الاستجواب" أقل مما هو لدى ويدين. إسماعيل مهتمة على نحوٍ خاص بكيفية تشكيل عنف الدولة – بالسجون والمذابح والوجود المستمرّ لقوات الأمن – للذاتية السياسية. في الفصل الأول، "العنف [طريقةً] للحكم في سورية"، تركّز سلوى إسماعيل على عهد حافظ الأسد، مستعرضةً الوظائف الاجتماعية لشكلين مهمّين من أشكال العنف: المذابح والتعذيب في السجون. وتجادل بأنّ الأسد الأب دشّن نظام "حرب أهلية" أصبح فيه الاعتراض على (أو الفشل في إظهار الاحترام الكافي) لتأليه "الزعيم الأب" والرؤية الطوباوية للبعث علامات على العناصر السامّة "المريضة وطنيصًّا" (5–34) التي هدّدت الجسم السياسي. وقد أبرزت مذابح، مثل تلك التي ارتكبت خلال انتفاضة حماة في عام 1982، هذا الانقسام من خلال مقتل العشرات ممّن يسمّون "المنشقّين" (هم) ولكن أيضًا من خلال الاختيار المشترك لقطاعات واسعة من المجتمع المدني (نحن) جلّدين عبر المنظمات الشبابية والميليشيات (ص 65–60). إنّ المعاملة المهينة والوحشية التي يتعرّض لها السجناء – وهي تقدم قائمة طويلة من الأمثلة المروّعة المستمدة من روايات المعتقلين السابقين في سجن تدمر سيئ السمعة (ص 53–40 الذاتية) – تفكك السياسية المتمرّدة من خلال إجبار المعارضين على التخلّي عن قناعاتهم السياسية و"تحطيم" إنسانيّتهم (ص. 39). يناقش الفصل الثاني، "الحكومة الاستبدادية ودولة الظلّ والذاتية السياسية"، كيفية تعريف الذاتية السياسية السورية من خلال الأمننة ومن خلال "دولة الظلّ"؛ وهي شبكة من العلاقات بين الراعي والعميل مرتبطة بنشاط غير مشروع (ص. 65). ومن خلال ما يسمّى المنظمات الشعبية، تنتج الدولة شريحة عسكرية من السكان يمكن قلبها بسهولة ضد المنشقين (ص. 73). وتخلق شبكةٌ من المخبرين والعملاء منتشرة في كل مكان شعورًا دائمًا بأنّ "الجدران لها آذان"؛ ما يجبر السوريين على تطوير وسائل لتحديد متى يتحدثون ومتى يظلّون صامتين (ص. 78). وكثيرًا
ما انتهى تطور هذه الشبكات إلى الارتباط الوثيق بالانقسامات الهوياتية والطائفية، ولا سيما بسبب الوجود العلوي الكثيف في قوات الأمن (ص. 94). وإضافةً إلى ذلك، فإنّ هاتين المؤسستين تقومان على إجرام تقرّه الدولة (يشير التشبيح إلى كلّ من العنف السياسي الموالي للنظام والتهريب أو الابتزاز) (ص. 84). لكن الدولة نفسها التي تغض الطرف عن جرائم عملائها – والتي يجبر النقص والفساد المستشري المواطنين العاديين على يصبحوا متواطئين فيها – ستعاقب المواطنين أن أيضًا إن أمسكت بهم في عمل غير قانوني؛ ما يضعهم في حالة من عدم الاستقرار المستمر، ويغذّي المناخ العام للخوف (ص. 80). يستكشف الفصل الثالث "ذكريات الحياة في ظلّ الديكتاتورية: الحياة اليومية في سورية البعثية" كيفية يتذكّر السوريون نشأتهم وبلوغهم سنّ الرشد في ظل حكم حافظ الأسد؛ وهي ذكريات تشكّل بوضوح الذاتية السياسية (ص). 98 وتشترك ذكريات الطفولة لدى المنشقين في العديد من السمات المشتركة، بما في ذلك التركيز على عسكرة الحياة اليومية (ص. 101)، وشبكات المخبرين (ص. 105)، والدور البارز للمنظمات الحزبية في المدرسة وأماكن أخرى (ص 106–104). القهر – أحد المفاهيم الرئيسة عند إسماعيل – هو الإطار المعتاد الذي يفسّر من خلاله المنشقون نقص الغذاء والتفاعلات المهينة مع الدولة، وغيرها من التجارب الشائعة في مرحلة الطفولة (ص 116–115). من ناحية أخرى، تميل الذكريات المؤيدة للنظام (على الرغم من أنّ إسماعيل تخصّص صفحة واحدة فقط لهذا الموضوع) إلى تقديم فكرة "الخلاص الوطني" التي يبرّر فيها العنف بالحاجة إلى إنقاذ سورية (ص. 122). بالنسبة إلى المثقفين ا الذين يحاولون مراجعة العموميين الأكبر سن مساراتهم الشخصية، فإنّ الصراع مع إسرائيل هو المفتاح لفهم علاقتهم مع النظام (ص. 122). غير أن الشعور المستمر بالاغتراب وعدم الاستقرار هو الذي يحتلّ مركز الصدارة بالنسبة إلى الأجيال اللاحقة (ص. 125) يسلّط الفصل الرابع، "ذكريات العنف: حماة 1982"، الضوء على الدور الذي أدّته ذكريات ما يُسمّى "أحداث حماة" في الثمانينيات – وهي مذبحة حصدت عشرات الآلاف من الناس في تلك المدينة في أعقاب ثورة إسلامية – في غرس أنواع معيّنة من الموضوعات السياسية (ص. 131). وفي حين أنّ النظام نفسه قمع، إلى حدّ كبير، ذكريات حماة، حتى روايته الخاصة عنها، فإنّ الأحداث ما زالت حاضرة في محاولات لإثبات "الحقائق" (ص 141 بعد). عرض مطوّل لروايات وتحليلات مختلفة قدمها الذين أجريت معهم المقابلات والروائية منهل السرّاج في كتابها النهر يجب أن يكون، تستكشف إسماعيل كيف أنّ عنف حماة "مدرج" في الحياة اليومية (ص. 152). وتجادل بأنّه، بالنسبة إلى كل من الحمويين والسكان السوريين على نطاق أوسع، فإنّ ذكريات الإذلال والقبح اللذين تعرّضت لهما المدينة خلال المذابح تسهم في تشكيل الذاتية السياسية، وتعمل بوصفها تذكيرًا بما سيقوم به النظام لقمع المعارضة (ص. 154): المخاوف من أنّ حماة سوف "تتكرّر" كانت موجودة في الأذهان بانتظام قبل ثورة عام 2011 وبعدها (ص. 155). ثمّ تخصّص إسماعيل بضع صفحات لوصف بناء الذات العلوية من خلال روايات الضحية، موضّحةً كيف تستحضر الجماعات المختلفة ماضيًا مختلفًا في "عمل الذاكرة" (ص. 157). وتخلص إلى أنّ "التوترات
بين ممارسات الذاكرة وبناء الذاكرة تثير التساؤل عن أفكار الأمّة والانتماء التي كان يعتقد أنّه قد جرت تسويتها بإنشاء الدولة القومية ورسم الحدود الإقليمية الوطنية" (ص. 158) يناقش الفصل الأخير "أداء العنف وعواطف الحكم في الانتفاضة السورية" كيف تجلّت سياسات العنف الموصوفة في أماكن أخرى من الكتاب خلال ثورة عام 2011 (ص. 159). ويركّز الجزء الأول من الفصل على نوعية العنف "المرعبة"، مع التركيز على حالة امرأة شابة قتلت على ما يبدو ثمّ أعادتها قوات الأمن إلى الحياة (ص. 162). وهنا، تستخلص إسماعيل النوعية الغريبة من الرعب (ص. 163)، فضلً عن بعض الأطر التفسيرية المستخدمة لفهم ما لا معنى له، ولا سيّما فكرة أنّ النظام "دبّر" الحادث بأكمله (ص. 165). ثمّ تعتبر المذابح عروضًا ليست ذات أهداف استراتيجية أو عسكرية فحسب، بل إنّها "منتجة للرعب" ومن ثمّ لها ذاتية سياسية معيّنة (ص. 175). "رعب الجسد"، بما في ذلك تقطيع أوصال الجثث وتشويهها، يدمّر حرفي ا الوحدة الجسدية وسلامة الذات (ص). 178 إنّ عدم الوضوح فيما يتعلّق بهوية الجناة يخلق شعورًا بالريبة وعدم الاستقرار حيال كل ما هو غير مألوف (ص 183–182 وعندما). تحاكي جماعات المعارضة عنف النظام، فإنّها تعيد إنتاج الحكومة بالعنف بدلً من تحديها (ص. 187)
استبداد المشاعر: خلاصة نقدية
من المفترض أن يكون واضحًا، من هذه الملخصات المتتابعة فصلً فصلً، كلا الكتابين يسعيان لتسليط الضوء على بعد غير مدروس نسبي ا للسياسة في سورية: تكريس أنواع محدّدة من الذوات السياسية. هناك اختلافات بالطبع. تتقصّى ويدين تلك العملية باستخدام فكرة ألتوسير عن "الأيديولوجيا" بوصفها نوعًا من شبكة المعنى المشتّتة يجري تجسيدها في أعمال "الاستجواب" اليومية بدلً من أن تكون من أعلى إلى أسفل وموجّهة خاصةً من الدولة (Acephalous" "، أي بلا رأس، بحسب صياغة ويدين). ويركّز التحليل الذي تقدمه إسماعيل بدلً من ذلك على عنف (الدولة) بوصفه أداة للحكومة. في حين ينصبّ تركيز ويدين على نطاق أوسع ويؤكّد على دور المنتجات الثقافية الأكثر تفاهة – لقد خلق عملها السابق، غموض الهيمنة، صناعة منزلية حقيقية في تحليل البرامج التلفزيونية السورية – في حين أنّ إسماعيل مهتمة على وجه التحديد بالتعذيب والمذابح. لكنّ ذلك يعني أنّ الكتابين يتكاملان. في الواقع، يمكن قراءة حكم العنف، بوصفه إجابة بديلة عن السؤال الذي يطرحه كتاباستيعابات سلطوية: كيف تمكّن النظام من الحفاظ على ولاء، أو لامبالاة، أجزاء كبيرة من الشعب السوري في عام 2011؟ أحد الانتقادات، التي يمكن توجيهها إلى كتاب ويدين على سبيل المثال، هو أنّه في بعض الأحيان يركز كثيرًا على عالم المشاعر المزروعة أيديولوجيًا – الخوف من مذبحة قد تحدث، ترتكبها العصابات الطائفية أو النظام على سبيل المثال – بحيث يصبح هذا المجال غير مرتبط بحقائق عنف النظام (والمعارضة) بوصفه وسيلة لضمان الامتثال. يؤكّد ألتوسير نفسه أنه لا يوجد جهاز أيديولوجي يعمل من دون عنف وأنّ أنّ
العنف والأيديولوجيا وجهان لعملة واحدة. ولم يختر كلمة "استجواب" Interpellation اعتباطًا، وهي كلمة فرنسية تعني "الاستجواب من جانب الشرطة"، لوصف عملية "استدعائه" إلى هوية معينة. بطبيعة الحال، هذه ليست بالضرورة مشكلة كبيرة في نقاش ويدين: إنه لنقدٌ سهلٌ إلى حدّ ما أن نقول إنّ المؤلف كان يجب أن يكتب كتابًا مختلفًا، فقد شرعت ويدين في تأليف كتاب ليس عن العنف بل عن الأيديولوجية. لكنّ رواية إسماعيل عن عنف الدولة الفعليّ تسدّ هذه الثغرة مع الحفاظ على التركيز على الذاتية (أو منح الذات). وبالمثل، فإنّ تركيز إسماعيل على الجوانب الأكثر رعبًا وإثارة لعلاقة الدولة بمواطنيها في بعض الأحيان يرسم صورة قاتمة للغاية عن الحياة في سورية قبل الثورة؛ وهي صورة ملوّنة، بطبيعة الحال، بمشاعر مثقّفي المعارضة الذين شكّلوا أغلبية محاوري إسماعيل. يركّز سردها على لحظتين من الأزمة: (المواجهة مع الطلائع المقاتلة في الثمانينيات، والثورة في عام 2011) حيث جرى تكثيف عنف النظام بصفة كبيرة. لكن في الفترة الفاصلة، انتهت الاعتقالات الجماعية إلى حدّ بعيد وتراجعت الدولة الأمنية نوعًا ما إلى الخلفية. لكن لا شيء من هذا يعني أنّ المخابرات أصبحت قوة أكثر لطفًا أو لينًا في هذه الفترة، أو أنّ رعب السجون والمذابح السابقة لم يعد يُستخدم سياسي ا. إنّه مجرّد إشارة إلى أن الذاتية السياسية السورية، والتجربة السورية (حتى التجربة السياسية)، لا يمكن اختزالها في حالة دائمة من الرفض. يستكشف كتاب ويدين بعض "الجزرات" الأيديولوجية المستخدمة جنبًا إلى جنب مع "العصي"، التي تتحدّث عنها إسماعيل، فضلً عن العديد من الطرائق الأكثر تفاهة التي يجري بها تكريس الفاعلين (وصناعة المواقف وردود الأفعال). وإن كان ثمّة نقطة ضعف واضحة يشترك فيها الكتابان، فهي أنّهما يمثلّان، إلى حدّ كبير، صوت ا من المجتمع السوريّشريحة ضيّقة نسبي. إذ تستشهد كلا المؤلفتين بآراء مجموعة واسعة من المحاورين، لكن يبدو أنّ معظمهم دمشقيون أو حلبيون، وربما من المنطقي افتراض أنّهم لا ينتمون إلى الطبقات الوسطى. إنّ كلا المؤلفتين تعتمدان كثيرًا على العمل الأدبي أو السينمائي للفنانين المنخرطين في السياسة، وإسماعيل على وجه الخصوص تأخذ الكثير من شواهدها من الحسابات الشخصية لمفكري المعارضة. ونادرًا ما يظهر مؤيّدو النظام النشطون في أي من التحليلين. ونظرًا إلى اهتمام ويدين بالحيرة والتناقض، فإنّ هذا ليس مفاجئًا. لكنّ استكشافات إسماعيل لكيفية ارتباط المواطنين السوريين بالعنف ربّما كانت ستستفيد من معالجة أوسع تشمل روايات الموالين للنظام لأحداث حماة. وعلى الرغم من أنّ ويدين محقّة في إشارتها إلى أنّ أيديولوجية "الحياة النيوليبرالية الجيدة" لا تقتصر على الأغنياء الفعليين، فإنّ ا تحليلها يحمل في طياته دلالات طبقية قوية جد ومناطقية. وهذا يقودنا إلى نقطة أوسع؛ فعلى الرغم من أنّ ويدين وإسماعيل تؤكّدان على أن الأيديولوجية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد السياسي، فإنّ منهماّأي ا لا تدخل في الكثير من التفاصيل حول هذه القضايا أو تحاول تقديم رسم دقيق للاقتصاد السياسي السوري (على عكس طريقتَي مناقشتهما لدور المنظمات الحزبية، على سبيل المثال). وهما أيضًا ليستا مهتمّتين
بمسائل مثل البنية الداخلية للنظام السوري. هذه ليست بالضرورة مشكلة لدى أي من المؤلفتين: فهما صريحتان تمامًا بشأن تركيزهما الضيق، ولا يمكن توقّع أن تقدّما وصفين شاملين للثقافة السياسية السورية. لكنّ المهتمين بكيفية ارتباط أجزاء مختلفة من المجتمع بالنظام – والطرائق التي عمل بها الحلم النيوليبرالي بوصفه محرّكًا للاستياء من النظام وكذلك لموالاته – يجب أن يقرؤوا هذين الكتابين إلى جانب أعمال أخرى. وتشمل التوصيات بالضرورة الأقسام المتعلقة بسورية، في كتاب ميلاني كاميت وآخرين الاقتصاد السياسي في الشرق الأوسط، وكتاب أدام باكزكو وجيل دورونسورو وآرثر كيسني الحرب الأهلية في سورية، وكتاب ياسين الحاج صالح الثورة المستحيلة، وكتاب عزمي بشارة سورية: درب الآلام نحو الحرية. بالنسبة إلى
المراجع
العربية
العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013
الأجنبية
هيكل النظام في الأيام الأخيرة من حكم حافظ الأسد، يقدّم كتاب بيرثيس الاقتصاد السياسي في سورية، وكتاب نزيه الأيوبي تضخيم الدولة العربية، رؤى مفيدة.
لكنّ هذه التوصيات لا شك في أنّها تكمل هذين الكتابين بدلً من أن تحلّ محلّهما؛ فالقارئ الذي لا يعرف الكثير عن المجتمع السوري أو الثورة، ولا يهتم بعموميات الصراع، قد يخرج ا لكتابيْ بخيبة أمل من التركيز المحدود نسبي ويدين وإسماعيل. ولكن نظرًا إلى أنّ البعد الأيديولوجي لم يكن موضع دراسة في كثير من الأعمال (باستثناء مقالات ياسين الحاج صالح، الذي يقدم حججًا مماثلة لويدين في مقالته حول أصول "الفاشية السورية")، فإنّ هذا التركيز الضيّق له ما يبرره. يقدّم الكتابان استيعابات سلطوية، وحكم العنف، مساهمة ثاقبة ومطلوبة في موضوع دراسة الأيديولوجية في سورية، وغيرها من الأنظمة السلطوية العربية، ونأمل أن تشجّع الدراستان على المزيد من الأعمال البحثية في هذا الموضوع المهمّ.
References
بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية – محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة / بيروت: المركز
Al–Haj Saleh, Yassin. The Impossible Revolution: Making Sense of the Syrian Tragedy.
London: Hurst, 2017.
Althusser, Louis. On Ideology. London: Verso, 2020.
Ayubi, Nazih. Over–stating the Arab State: Politics and Society in the Middle East.
London: I.B. Tauris, 1995.
Baczko, Adam, Gilles Dorronsoro & Arthur Quesnay. Civil War in Syria: Mobilization
and Competing Social Orders. Cambridge: Cambridge University Press, 2018.
Cammett, Melani et al. A Political Economy of the Middle East. 2 nd ed. New York:
Routledge, 2015.
Perthes, Volker. The Political Economy of Syria under Hafez al–Asad. London: IB
Tauris, 1995.
Wedeen, Lisa. Ambiguities of Domination: Politics, Rhetoric and Symbols of
Contemporary Syria. Chicago: University of Chicago Press, 2019.