العودة إلى تفاصيل المؤلَّف سورية: تشكل دولة اللجوء وتفككها

سورية: تشكل دولة اللجوء وتفككها

Syria: The Making and Unmaking of a Refuge State

راما سحتوت| Rama Sahtout *

الملخّص

عنوان الكتاب : سورية: تشكل دولة اللجوء وتفككها . عنوان الكتاب في لغته : Syria: The Making and Unmaking of a Refuge State . المؤلفة : داون تشاتي Dawn Chatty. الناشر : أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد Oxford University Press. سنة النشر: 2018. عدد الصفحات : 269 صفحة.

Abstract

Lecturer in Institute of Arabic and Islamic Studies, University of Exeter, UK. Email: R.Sahtout@outlook.com

الكلمات المفتاحية:
  • سورية
  • بلاد الشام
  • الهجرة القسرية
  • اندماج اللاجئين
Keywords:
  • Syria
  • Bilad al-Sham
  • Forced Migration
  • Refugee Integration

عنوان الكتاب: سورية: تشكل دولة اللجوء وتفككها.

المؤلفة: داون تشاتي Dawn Chatty. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات: 269 صفحة.

أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد Oxford University Press.

عرض الكتاب

يقدم كتاب سورية: تشكل دولة اللجوء وتفككها مراجعة تفصيلية مهمة عن سورية بصفتها التي كانت دولة ملجأ، قبل أن تصبح دولة مُصدّرة للاجئين، من خلال التركيز على الهجرات القسرية الجماعية المتعددة نحو بلاد الشام في القرنين التاسع عشر والعشرين. وتُبيّن المؤلفة أن سوريا الكبرى/ بلاد الشام وسورية الدولة المعاصرة شكّلتا ملجأً لجماعات من إثنيات وديانات مختلفة، وتؤطر الهجرة الجماعية الحالية من سورية وتضعها في غضون 150 عامًا من الحركة غير الطوعية للسكان التي ميّزت المنطقة، بدءًا من العقود الأخيرة للإمبراطورية العثمانية. وتجادل المؤلفة بأن الجهود لتعزيز وجود أمة متعددة الأعراق خلال مرحلة التنظيمات العثمانية، وأزمات لجوء جماعات مختلفة من المهاجرين وطرائق الاستجابة المنظمة التي تبنّتها الإمبراطورية العثمانية في أواخر عهدها، والتي سهلت اندماج أولئك المهاجرين مع الحفاظ على هويتهم ساهمت في تشكيل ثقافة قبول "الآخر" والعيش المحلي والتسامح مع الاختلاف الذي ميّز على نحو خاص دولة سورية الحديثة. بذلك، تحاول المؤلفة، عبر صفحات الكتاب، تسليط الضوء على سمتين أساسيتين اتسمت بهما سوريا/  بلاد الشام: "الكرم" و"التعددية الإثنية والدينية". وشكلت هاتان النقطتان الرسالة الأساسية للكتاب والخيط الجامع بين مختلف فصوله. فالأعراف الاجتماعية والأخلاقية، مثل الكرم وتوفير الملاذ والتكافل في بلاد الشام، سهلت استضافة اللاجئين في تلك البلاد على الرغم من العبء الكبير الذي تحمّلته تلك المنطقة. ومن خلال إعادة بناء التعددية الإثنية والدينية في سورية، ترسم المؤلفة صورة كاملة للأفراد والمجتمعات التي شكلت سورية الحديثة بوصفها دولةَ لجوءٍومجتمعًا نازحًا لاحقًا لا ينتمي أفراده إلى دين أو عرق أو إثنية محددة. وبذلك تواجه المؤلفة في كتابها هذا الخطاب الذي يحاول اختزال الشعب السوري والحرب في سورية في ثنائية سُنّي – علوي. يمثّل الكتاب مساهمة قيّمة في دراسة تاريخ الهجرات القسرية الكبرى في المنطقة، ويسعى لاستخلاص الدروس والتعلّم من ذلك التاريخ المهم والمنسي، فيوظف التأريخ في تحليل سياقات هذه الهجرات ونتائجها ويوضح دورها في فهم أزمة اللجوء السوري وجذورها، اعتمادًا على المنظور الأنثروبولوجي. ويوضح الكتاب أيضًا الإثنوغرافيا والتجربة الفردية التي يعيشها الفرد داخل مجتمعات إثنية وأقلية منفصلة، إضافة إلى المجتمعات المختلطة والحديثة التي ظهرت بعد زوال الإمبراطورية العثمانية. وعلى نحو خاص، ركّزت المؤلفة في هذا الكتاب على استراتيجيات التكيّف وآليات دمج الغرباء والضيوف على مستوى المجتمع، معتمدة، في عملها هذا، على إحدى وأربعين مقابلة، أجري عشرٌ منها بعد عام 2011، وإحدى وثلاثون قبل ذلك، في أعمالها السابقة، في التاريخ الشفوي، وقد أضفى استخدام المقابلات مع المهاجرين القسريين، خصوصًا أولئك الذين ينتمون إلى أقدم الأجيال الباقية على قيد الحياة من المهاجرين الذين شُردّت عائلاتهم على مدار المئة عام الماضية، بُعدًا إنسانيًا مهمًا. يستند هذا الكتاب على نحو كبير إلى أعمال المؤلفة السابقة حول تاريخ الهجرة والنزوح في

الشرق الأوسط، خصوصًا كتابها الصادر في عام 2010، بعنوان النزوح ونزع الملكية في الشرق الأوسط المعاصرالذي تناول أيضًا قضايا اندماج الأقليات مع الحفاظ على هويتها وما نتج من ذلك من تنوع ثقافي استثنائي في الشرق الأوسط. ولم تتطرق المؤلفة في كتابها محل المراجعة إلى دراسة المفاهيم النظرية التي تحكم جوانب الهجرة القسرية في الشرق الأوسط التي كانت قد بحثتها في كتابها السابق، مستندة إلى المصادر الثانوية في المقام الأول. لذا، يمثّل هذا الكتاب مرجعًا مهمًا للمهتمين بقضايا الهجرة القسرية الذين يسعون لفهم تاريخ الهجرات القسرية الكبرى وسياقاتها في المنطقة، ولفهم جذور التعددية الدينية – الإثنية للمجتمع السوري وسيرورة تشكُّل الملجأ المستقبل للهجرة في سورية قبل تفككه وتحوّله إلى مصدر للهجرة القسرية مع اللجوء السوري في ظل الحرب. وهو قراءة سلسة وممتعة تشد القارئ المتخصص وغير المتخصص. يأتي الكتاب في ثمانية فصول، راعت التراتبية الزمنية لفهم قضايا اللجوء والاندماج في الدولة السورية الحديثة، ومن ثم التهجير واللجوء السوريَّين خارج سورية. وما  عدا الفصل السادس الذي تناول أنماط الاندماج في حي الشعلان في دمشق، يتناول كل فصل حالة لجوء جماعي/ هجرة قسرية إلى سورية، متضمنًا الخلفية التاريخية لتلك الحالة، متبوعًا باستجابات معاصرة من المهاجرين قسريًا الذين وجدوا الملجأ في سورية. ويقدم الفصل الأخير

(1) Dawn Chatty, Displacement and Dispossession in the Modern Middle East (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).

مُلخّصًا عامًا حول اللجوء السوري إلى الدول المجاورة: تركيا، ولبنان، والأردن. يبدأ الفصل الأول (ص 48–15) بخلفية تاريخية مهمة حول الهجرة القسرية واللجوء في سوريا/ بلاد الشام في أواخر العهد العثماني خلال الفترة الممتدة بين منتصف القرن التاسع عشر ونهاية الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس – بيكو. ويركز ابتداءً على نظام الملّة العثماني ودوره في الاستجابة للهجرات القسرية الكبرى ودمج المهاجرين في نسيج مجتمعات الشرق الأوسط وثقافاته، فيشرح دور هذا النظام في التعامل مع اللاجئين الوافدين إلى الإمبراطورية وتعقيداته وانهياره. فكل مسلم، بحسب ذلك النظام، وبغضّ النظر عن جنسيته وأصله أو إثنيته، يتمتع بالحقوق كلها التي يتمتع بها أي مسلم في الأراضي العثمانية. وتستدرك المؤلفة أنه على الرغم من التسامح مع باقي الأقليات الدينية، فإن ذلك النظام كان نظامًا متحيّزًا وأسّس لعدم المساواة بين المسلم وغير المسلم في حقوق المواطنة. وتنتقل المؤلفة إلى رسم السمات الخاصة للإصلاحات العثمانية المتأخرة (التنظيمات) التي بدأت منذ عام 1839، وترى أنها شجعت وغذّت الكوزموبوليتانية المحلية المستمرة التي ميّزت بلاد الشام. ومن النقاط المهمة التي تناولتها المؤلفة في هذا الفصل، وفي الفصل اللاحق، الاستجابة المنظمة التي تبنّتها الإمبراطورية العثمانية للتعامل مع حالات التدفق الجماعي للمهاجرين قسريًا نحو أراضيها في القرن التاسع عشر التي ركّزت على الاندماج المحلي للاجئين في أراضي الدولة العثمانية. وهكذا، تُبيّن المؤلفة أن أزمات اللجوء الجماعي والاستجابة المنظمة لمثل هذه الحالات لم تظهر في أوروبا في القرن العشرين، كما الاعتقاد السائد.

في حين يتناول الفصل الثاني (ص. 84)–49 الهجرات القسرية من القوقاز والبلقان إلى سوريا الكبرى/ بلاد الشام في نهاية القرن التاسع عشر، وطرائق استجابة الدولة العثمانية لهذه الهجرات. فيعرض هجرات الشركس والشيشان والتتار التي كانت أولاها من حدود روسيا القيصرية إلى بلاد الشام في مجرى الحروب العثمانية – الروسية. ويُسلّط الضوء على تاريخٍ لم يلقَ الاهتمام الواجب حول معاناة الجماعات المسلمة في الإمبراطورية في أثناء الحروب والمذابح وحملات التطهير العرقي والتهجير القسري في البلقان والقوقاز. وتشرح المؤلفة النظام المؤسساتي الذي حكم جوانب اللجوء والهجرة في الإمبراطورية العثمانية في تلك الفترة، وتركز تركيزًا خاصًا على سياسات إعادة التوطين والدمج المحلي خلال العهد العثماني المتأخر، وتطرح نقاشًا مثيرًا للاهتمام في هذا السياق، موضحة أن السياسات التي تبنّتها الإمبراطورية العثمانية تجاه اللاجئين الوافدين من القوقاز في روسيا كانت سياسات مُعقّدة وبراغماتية ومتطورة. فعلى سبيل المثال، أصدرت الحكومة العثمانية في عام 1857 قانون اللاجئ Code Refugee الذي منحت بموجبه الأراضي للاجئين، ما ساهم في تسهيل اندماجهم وعزّز مشاركتهم الاقتصادية في الأقاليم التي تم توطينهم فيها. وتختم المؤلفة هذا الفصل بمحاولة موفّقة لفهم أنماط اندماج الشركس في سورية باعتبارها دولة حديثة، حيث اعتمدت على مقابلات عدة، أجرتها في عامي 2005 و 2006، لتُبيّن أن التعريف الذاتي للأفراد الشركس يرتكز بالأساس على العرق واللغة والثقافة والعادات، ومع ذلك لا يوجد نقيض بين أن تكون شركسيًا أو أن تكون سوريًا. وتُفسّر المؤلفة تلك الحالة بأنها اندماج، وليست انصهارًا، وأن هذه الصورة هي أحد الحلول المتعددة للاستجابات المعقدة لكونك "الآخر" في مجتمع أكبر غير متجانس، يتكوّن أيضًا من العديد من "الآخرين" مثل سورية (ص. 83) أما  الفصل الثالث (ص  110–85 جاء) الذي بعنوان "الأرمن وغيرهم من المسيحيين يلتمسون الملجأ في سورية"، فيركز على الموجة الثانية من اللاجئين الذين نزحوا من الأناضول خلال الحرب العالمية الأولى، ومن العراق في عشرينيات القرن الماضي، ووجدوا ملاذًا في سوريا الكبرى؛ ولا سيما الأرمن، ويتطرّق على نحو محدود جدًا إلى مسألة لجوء الآشوريين. تناول الفصل هجرة الأرمن منذ عام 1915 والمذابح وحملات التطهير العرقي التي تعرضوا لها، ويخوض في نقاط حرجة مثل الدور الأوروبي في تلك الأحداث، ويعرض قصة الأرمن، ابتداء منذ الفترة العثمانية المتأخرة، حين كان الأرمن الأقلية المحمية الأكثر موثوقية في الإمبراطورية العثمانية، ثم يتناول مرحلة تطور القومية الأرمنية والسياقات التي رافقتها وتحركات الأرمن في سبيل الحصول على دولتهم المستقلة. وفي سياق بحثها في موضوع اندماج الأرمن في الدولة السورية الحديثة، تشير المؤلفة إلى الدور المهم الذي قامت به الكنيسة الأرمنية في تطور هوية الأرمن الثقافية الأرمنية وازدهارها، والتعبير عنها، إضافة إلى دور السياسة الدينية للانتداب الفرنسي في سورية التي ساهمت في توسع الكنائس الأرمنية في سورية. ومن خلال الشهادات الشفوية والمقابلات التي أجرتها المؤلفة مع أفراد من المجتمع الأرمني في حلب ودمشق، تخلص إلى أن الأرمن في سورية يُعبّرون عن "هوية مزدوجة"، بوصفهم مواطنين في سورية، فضلً عن أرمنيتهم وارتباطهم ب "الوطن" الذي تبلور في جنوب القوقاز (ص).109

قضية الأكراد وهجرتهم القسرية من الجمهورية التركية إلى سورية، ابتداء من عشرينيات القرن الماضي، هي محور الفصل الرابع (ص –111 144) الذي يتناول قصة إقامتهم في سورية بصفتهم أشخاصًا عديمي الجنسية واندماجهم بين المجتمعات الكردية السورية الراسخة. يبدأ الفصل بتقديم خلفية تاريخية عن الأكراد وتاريخهم في الإمبراطورية العثمانية، خصوصًا في عقودها الأخيرة. ويناقش تطوّر الحركة القومية الكردية في ظل التجاذبات العسكرية والسياسية المحلية والإقليمية والدولية، خصوصًا منذ نهاية القرن التاسع عشر وخلال الحرب العالمية الأولى وحتى قيام الجمهورية التركية على أنقاض مشاريع الكيانات الكردية والأرمنية. ويُبيّن الفصل الأحداث التي أدّت إلى هجرتهم القسرية في اتجاه سورية في عشرينيات القرن الماضي، بدءًا من ثورة الشيخ سعيد في عام 1925، ومنحهم الجنسية السورية في ذلك الوقت، ثم تجريد العديد منهم منها في عام 1962. ويشكل هذا الفصل قراءة ممتعة من حيث تناوله موضوع الاندماج المحلي من دون الانصهار (الاستيعاب)، وكذلك قضايا الجنسية وانعدامها في دولة استبدادية. ويُبيّن العوامل التي أعطت الأكراد في سورية مساحة للاندماج، مع الحفاظ على لغتهم وثقافتهم الكردية، على الرغم من التحديات. وبناء على شهادات فردية من أشخاص أكراد عديمي الجنسية (بدون) أو (مكتومي القيد)، تُبيّن المؤلفة أن الاندماج الكامل للأكراد المحرومين من الجنسية لا يمكن أن يتم من دون منحهم الجنسية السورية (ص. 142)، وتُبيّن أيضًا أن الأكراد في سورية يسعون لتعزيز أجندتهم السياسية والثقافية والاجتماعية لإضفاء الطابع الرسمي على اندماجهم في البلاد من خلال الحصول على طلبات الجنسية للجميع والاعتراف بهم على أنهم "سوريون"، مع الحق في التحدث بلغتهم الكردية في الأماكن العامة وتعليمها لأطفالهم (ص. 143) ثم يتناول الفصل الخامس (ص. 176)–145 اللجوء الفلسطيني، ويُلقي الضوء على قصص بعض الأفراد من اللاجئين الفلسطينيين ولجوئهم إلى سورية، ويُقدّم عرضًا تاريخيًا تفصيليًا عن الأحداث التي أدّت إلى هذا اللجوء منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين كانت فلسطين جزءًا من الولايات السورية الجنوبية للإمبراطورية العثمانية وحتى النكبة في عام 1948. فتتحدث المؤلفة عن موقف الإمبراطورية العثمانية من طلبات الهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين وظهور الحركة الصهيونية وسياسات الانتداب البريطاني في هذا السياق، وتشرح كيف حصل التهجير، وذلك من خلال العرض التاريخي والمقابلات التي أجرتها مع أفراد من الجيل الأول من اللاجئين الفلسطينيين. وتخلص المؤلفة إلى أن "اللاجئين الفلسطينيين هم نتيجة سياسات عصبة الأمم وخليفتها، الأمم المتحدة، أي إن محنتهم وانعدام الجنسية ومأساتهم هي نتيجة مباشرة لسوء تفسير ميثاق عصبة الأمم، وسوء إدارة الانتداب البريطاني وقرار الأمم المتحدة بتقسيم وطنهم وإقامة دولتين" (ص. 167). إن عرض هذه الأحداث التاريخية التي يتم تجاهلها عمدًا في الغرب، في هذا الكتاب الصادر باللغة الإنكليزية عن مطبعة جامعة أكسفورد، هو مساهمة مهمة في مواجهة الدعايات المضلّلة في الغرب التي تدّعي أن رفض العرب قرار التقسيم كان سبب اللجوء الفلسطيني. وتناولت المؤلفة اللاجئ الفلسطيني في سورية بوصفه اللاجئ الذي يتطلّع إلى العودة إلى وطنه في فلسطين. وعلى الرغم

من   أن المؤلفة أشارت إلى المعاملة الحسنة التي حظي بها الفلسطيني في سورية، حيث يتمتع عمومًا بحقوق مساوية لحقوق المواطنين، ما  عدا حق الانتخاب والترشح لمنصب سياسي (ص. 169)، فإنها تجنّبت مقاربة مسألة اندماج اللاجئ الفلسطيني في سورية استنادًا إلى التوجهات والسياسات السورية المتعلقة بالقضية الفلسطينية ومسألة القومية العربية. وفسّرت سهولة اندماج الفلسطينيين في المجتمع السوري على نحو أسهل مما هو عليه في الدول المجاورة الأخرى، بأنه نتيجة الاعتراف بالارتباط التاريخي للفلسطينيين ببلاد الشام، وأن "العديد من العائلات الفلسطينية كانت لديها بالفعل فروع عائلية مستقرة منذ فترة طويلة في ذلك الجزء من سوريا الكبرى/ بلاد الشام الذي أصبح الدولة السورية في عام 1946" (ص. 175). ولم تناقش المؤلفة المساهمة الاقتصادية والسياسية للاجئين الفلسطينيين في سورية، كما لم تتطرق إلى مشكلة اللاجئ الفلسطيني في سورية اليوم، وكيف أثّرت قرارات الدول المجاورة بعدم استقبال الفلسطينيين في قرارات التنقل واللجوء في ظل الحرب في سورية. تشكُّل حي الشعلان الكوزموبوليتاني في دمشق في القرنين العشرين والحادي والعشرين هو محور الفصل السادس (ص 197–177)، حيث اعتمدت المؤلفة فيه منهجية البحث الإثنوغرافي لتقديم بحث أصيل حول هذا الحي ونشوئه وتطوره وتحوّله إلى مكان ينتمي قاطنوه إلى ثقافات وجنسيات منوّعة. ذلك الحي الذي كان في الأصل منطقة بساتين فاكهة، وتحوّل منذ عهد الانتداب الفرنسي إلى مكان يقيم فيه المنفيون من الثورة البلشفية الروسية والمهنيون السوريون العائدون من التدريب في الخارج مع زوجات أجنبيات، وأرمن ودروز وشركس، والثوريون الفلسطينيون والقادة والمغتربون الأوروبيون؛ وذلك من خلال التركيز على سلسلة من المقابلات مع السكان الحاليين والسابقين فيه، ومع التجار وأصحاب المتاجر. وشرعت المؤلفة فيه في استكشاف الظروف الخاصة التي جعلت من هذا الحي مكانًا يضجّ بالحياة والتنوع حتى في ظل الحرب الحالية. وهكذا على عكس باقي الفصول التي ركزت على مجموعات محددة من اللاجئين، ركّز هذا الفصل على المكان لفهم أنماط الانتماء والاندماج في الدولة السورية المعاصرة. ثم ينتقل الفصل السابع (ص 218–198) لتناول حالة لجوء أخرى هي اللجوء العراقي المستمر منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وصولً إلى التهجير واللجوء الواسعين نتيجة الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003 وما تلاه من فوضى وعنف طائفي. وركّزت المؤلفة فيه على علاقة اللاجئ العراقي بنظام العمل الإنساني القائم في الغرب، موضحة كيف أربك العراقيون ذلك النظام، وتجلّى ذلك على نحو خاص في توجههم نحو المدن، عوضًا عن الخيام التي أُعدّت لهم. وترى المؤلفة أن  هذا السلوك يمثّل رفضًا من العراقيين للمفهوم الغربي المعاصر لفصل الغريب، أو طالب اللجوء، عن باقي المجتمع. ولتفسير هذا الرفض وشرح طبيعة اللجوء والملجأ في سورية ما بعد  العثمانية، تستند المؤلفة إلى الإرث الذي خلّفه نظام الملّة العثماني بشأن الانتماء المرتكز على العوامل غير الإقليمية، مثل الدين والعرق؛ على عكس الخطاب السائد عن الضيافة في الغرب، وفي بيئة المساعدة الإنسانية، حيث يُحتجز طالبو اللجوء في مراكز ومخيمات اللاجئين، وترى المؤلفة أن مفاهيم الضيافة والكرم في سورية وغيرها

من دول المنطقة، جعلت من المستحيل، تقريبًا، على الحكومات أن تتبنى "اللامبالاة البيروقراطية" لحاجات الإنسان ومعاناته (ص  207 وعلى). الرغم   من أن المؤلفة أشارت إلى أن  سورية، مع ما وقع فيها من حرب، لا تزال تشكل ملاذًا للعراقيين، خصوصًا المسيحيين، فإنها لم تتطرق إلى وضع العراقي اليوم في سورية، ولا إلى مواضيع أخرى، مثل إعادة التوطين وكيفية تعامل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR مع هذه المسألة في ظل الحرب المشتعلة في البلد الملجأ سورية. وأخيرًا، اللجوء السوري هو محور الفصل الثامن (ص 246–219) الذي يقدم مُلخّصًا عامًا عن أوضاع اللاجئين السوريين في ثلاث دول مجاورة: تركيا ولبنان والأردن؛ إذ ترى المؤلفة أن السوريين تعلموا الدرس من اللجوء العراقي والفلسطيني، ولم يحاولوا عبور الحدود في عامي 2011 و 2012، لكن مع تصاعد العنف، بدأ هذا اللجوء على نطاق واسع، ولأن المناطق الحدودية في سورية تتمتع بشبكات اجتماعية واقتصادية كبرى، تعود إلى أجيال عدة، ترى المؤلفة أن "الهجرة القسرية الواسعة عبر الحدود السورية، قد تم تحديدها إلى حدٍ بعيد من خلال تاريخها الأخير 'الاستعماري الجديد' والتاريخ العثماني المتأخر" (ص. 229). وفي سياق سردها أوضاع اللاجئين السوريين في الدول المجاورة الثلاث، تقارن المؤلفة طرائق الاستجابة التي تبنّتها تلك الدول، وتخلص إلى أن الأعراف الاجتماعية والأخلاقية، مثل الكرم وتوفير الملاذ والتكافل، عزّزت نجاح التوطين الذاتي السوري واستضافة المجتمع المحلي للاجئين في البلدان المجاورة الثلاثة، على الرغم من العبء الهائل الذي تتحمّله دول الجوار. وتختم المؤلفة بأن الدروس المستفادة من الإصلاحات العثمانية المتأخرة في ما يتعلق بإيواء المهاجرين ودمجهم قسريًا، لا تزال  صحيحة في المنطقة، وتأمل أن تقدم للغرب الذي أغلق حدوده في وجه اللاجئين بعض الدروس المفيدة.

مناقشة الكتاب

يقدم الكتاب أساسًا متينًا عن سورية في ظل الإمبراطورية العثمانية وتاريخها، لكنه لا يحتوي تحليلً كافيًا حول سورية ما بعد  العثمانية باعتبارها دولة معاصرة. ويغيب عن هذا الكتاب تحليل كافٍ حول أنظمة الجنسية في سورية منذ عهد الانتداب، وهذه فرصة ضائعة كان من الممكن أن تُغني النقاش في سياسات الاندماج في سورية. واختارت المؤلفة في هذا العمل ألّ تتطرق إلى نقاط متعددة متصلة بسياق هذا الكتاب، مثل نشوء الدولة السورية ونظامها السياسي والمؤسساتي وأيديولوجية حزب البعث في سورية وفكرة القومية العربية، وتأثير ذلك كله وتأثّره بمسارات اللجوء والهجرة وقضاياها. ويبدو أن القصد من هذا التوجه هو إبراز سورية بوصفها دولة متعددة الأعراق والإثنيات والأديان، منسجمة في ذلك مع توجهها الأنثروبولوجي، وتجاوز الحديث عن سورية بوصفها دولة قومية تتبنّى القومية العربية منطلقًا رسميًا. ويظهر جلي ا عبر صفحات الكتاب أن المؤلفة صممت على أن تتجنّب أي حديث مباشر بالسياسة، واختارت ألّ تخوض في أسباب الحرب الحالية. وقد يلحظ القارئ وهو يقرأ كلماتها عن سورية، وهي الخبيرة بتاريخ المنطقة، وزارت دمشق في مناسبات متعددة وأقامت وعملت فيها وقتًا طويلً وأحبّتها، أنها تحاول أن تُظهر وجه سورية الآخر الذي غفلت عنه وسائل الإعلام، بملامحه المرتكزة على التعددية الإثنية والدينية وقبول

الآخر المختلف، والذي لا يمكن اختزال جذوره ومرتكزاته بأيديولوجيا أو نظام سياسي أو حقبة محددة. ومع ذلك كان ممكنًا لمناقشة أدبيات أساسية في سياق دراسة سورية مثل كتاب عزمي بشارة حول الثورة السورية، وكتاب حنا بطاطو حول سوريةأن  توفر إطارًا تحليليًا غنيًا للكتاب الحالي. نلاحظ   أيضًا أن المؤلفة، في سياق مناقشتها حالات لجوء الأرمن والأشوريين والأكراد إلى سورية، ركزت على نحو خاص على المرحلة العثمانية المتأخرة، ثم تجاربهم في الدولة السورية المعاصرة من خلال المقابلات تحديدًا؛ إذ   لا نجد تحليلً كافيًا لسياسات الاندماج في سورية خلال الانتداب الفرنسي، وكذلك للتلاقي الموضوعي بين السياسة الإثنية الفرنسية وسياسات القمع والتطهير الإثنية الكمالية في تركيا في ما يخص موضوع الهجرات بين عامي 1921 و 1939 التي حدثت خلال فترة الانتداب الفرنسي (1920–1943)،  لا  كما يوجد تحليل كافٍ لهجرة الآشوريين إلى سورية. أما طرائق اندماج المهجرين خلال فترة الانتداب وما بعدها، خصوصًا في منطقة الجزيرة السورية، وهي المنطقة التي استقبلت أكبر عدد منهم، قسرًا، فتغيب على نحو كبير عن هذا الكتاب.

سورية. من النقاط التي تطرقت إليها تشاتي في كتابها، ظاهرة تقديم الملجأ في دول مثل سورية والأردن ولبنان وتركيا، على الرغم من غياب الالتزام القانوني، بحسب رأيها، وذلك بسبب عدم انضمام هذه الدول إلى اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. وتُفسّر تشاتي تلك الحالة بقولها "الواجب بأن تكون كريمًا، وأن توفّر الملاذ للغريب" (ص. 243). وترى أن "سورية، مثل معظم دول الشرق الأوسط، ليس لديها قوانين لجوء محلية إلى حد بعيد، لأن اللجوء متجذّر بعمق في مفاهيم سمعة الفرد والأسرة والجماعة" (ص. 207). وتستند إلى فكرة الكرم في تحليل العوامل المحددة لاستجابات اللجوء على مستوى الفرد والمجتمع تارة، وعلى مستوى الدول وسياساتها تارة أخرى. وقد يكون هذا الطرح غير محدد بعض الشيء وفي حاجة إلى ضبط، وذلك لأسباب عدة، منها: أولً: على الرغم من أهمية إظهار هذه الخصوصية التي اتّسمت بها المنطقة ودورها في مسائل التكافل وإغاثة الملهوف وتقبّل اللاجئين على المستوى المجتمعي والشعبي، فإن فكرة "الكرم"، في ظل غياب تحليل واضح وعميق للسياقات السياسية الوطنية في كل من هذه الدول، لا يمكن أن تشكّل وحدها مدخلً لفهم سياسات اللجوء على مستوى الدولة. على سبيل المثال، لا تساعدنا فكرة "الكرم" في فهم سياسة الباب المغلق التي اتّبعتها هذه الدول، ابتداء من بداية الحرب في سورية، مع الفلسطينيين اللاجئين في

ثانيًا: اعتمدت المؤلفة في بناء رؤيتها ل "واجب الكرم" ودوره بوصفه بديلًاجتماعيًا من القوانين الخاصة باللجوء، على وجود فراغ قانوني تام نتيجة عدم انضمام معظم الدول المستضيفة للاجئين في منطقة الشرق الأوسط إلى اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. وأرى هنا أنه لا يمكن التسليم بفكرة وجود فراغ قانوني تام في هذه الدول في ما يخص قضايا اللجوء. فهذه الدول وإن لم تكن طرفًا في الاتفاقية، فإنها طرف في اتفاقيات متعددة، مثل اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية مناهضة التعذيب التي تفرض التزامات واضحة على الدول تجاه الإنسان اللاجئ، خصوصًا في ما يتعلق بمبدأ عدم الرد الذي يمثّل اليوم، بحسب رأي أغلبية فقهاء القانون الدولي، جزءًا من العرف الدولي الملزم للدول، بغضّ النظر عن التزاماتها التعاقدية. وهناك الكثير من الأدوات الأخرى التي ترتب التزامات على هذه

Guy S. Goodwin–Gill, "Non–refoulement, Temporary Refuge and the 'New Asylum Seekers'," in: David Cantor & Jean–François Durieux (eds.), Refuge from Inhumanity? War Refugees and International Humanitarian Law (Leiden: Brill Nijhoff, 2014).

المراجع

العربية

العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 الدول، حتى لو لم تكن أطرافًا في اتفاقية عام 1951 التي قد تشكل شكلً من أشكال القانون. إضافة إلى ذلك، في ظل الجهود التي تقوم بها المفوضية على الأرض، والتي وُصفت في دول مثل لبنان والأردن بأنها "دولة المفوضية"، لدورها وقيامها بواجبات كان لا بد من أن يقوم بها دول، لا يستطيع "الكرم"، في أفضل الأحوال، أن يمثّل أكثر من عامل مساهم تجاه سياسات أكثر تسامحًا مع اللاجئين. إن وجود أعراف اجتماعية بديلة لا يكفي لتفسير ظاهرة عدم انضمام هذه الدول إلى أدوات قانون اللاجئين الدولي، وهي التي انضمت أصلً إلى معظم اتفاقيات حقوق الإنسان، بل ساهمت في صياغتها أساسًا. وتتطلّب دراسة هذا الموضوع تفصيلً في القانون الدولي للاجئين وتاريخه، وفي النظام الدولي الحالي الذي يحكم جوانب اللجوء وحماية اللاجئ ومشكلاته، إضافة إلى دراسة السياقات الوطنية لتلك الدول.

(7) Rama Sahtout, "Temporary Refuge as a Response to

Large – Scale Refugee Influxes," PhD Thesis, Law

Department, Exeter University, 2019, accessed on

2/8/2021, at: http://hdl.handle.net/10871/35908

References

باروت، محمد جمال. التكوّن التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 بشارة، عزمي. سورية: درب الآلام نحو الحرية، محاولة في التاريخ الراهن. الدوحة / بيروت: المركز بطاطو، حنا. فاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم. ترجمة عبد  الله فاضل ورائد النقشبندي. سلسلة ترجمان. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.

الأجنبية