طفولات الطبقة: حول اللامساواة في صفوف الأطفال
Class Childhoods: Inequality among Children
الملخّص
بمدينة مكناس.
* طالبة باحثة في تكوين الدكتوراه، الديناميات الاجتماعية وحكامة التنمية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي إسماعيل
Abstract
Book title : Enfances de classe: De l'inégalité parmi les enfants . Author : Bernard Lahire. Publisher : Paris: Seuil. Date of Publication : 2019. Pages : 1229.
- اللامساواة
- المدرسة
- التربية
- الفقر
- الطفل
- Inequality
- Schools
- Education
- Poverty
- Children
عنوان الكتاب:
المؤلف:
بيرنار لاهير Bernard Lahire. الناشر:
باريس: Seuil. سنة النشر: عدد الصفحات:
9122 صفحة.
طفولات الطبقة: حول الامساواة في صفوف الأطفال.
. Enfances de classe: De l’inégalité parmi les enfants عنوان الكتاب في لغته:
Doctoral Candidate in Social Dynamics and Development Governance, Faculty of Arts and Humanities, Moulay Ismail University, Meknes. Email: jeounibouchra2019@gmail.com
مقدمة
إذا كانت نظرية اللامساواة قد خضعت، منذ الثمانينيات، للتجاوز البردايمي الذي أنجزته مجموعة من النظريات العلمية، فإن هذا لا يعني وجود قطيعة إبستيمولوجية نهائية وحتمية. بل ما تزال هذه النظرية ملائمة لدراسة الواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا اليوم في ميادين عديدة، وذلك نظرًا إلى استمرارية التفاوتات
الاجتماعية والهيمنات وأشكال الهشاشة في معظم بلدان العالم، على الرغم من تنامي التصورات والمقاربات والسياسات الرامية إلى الرفع من جودة نمط عيش الإنسان. ولهذا نجد أن بيرنار لاهير كان واعيًا بأن دراسة اللامساواة
ليست مسألة اختيارية كبقية المواضيع الأخرى، وإنما هي مسألة اضطرارية لأن اللامساواة تسود في كل زمان وفي كل مكان، وتمس فئات اجتماعية مختلفة. لذلك، يقدم كتاب، طفولات الطبقة: حول اللامساواة في صفوف الأطفال، مقاربة نقدية ورؤية جديدة في الحقل السوسيولوجي. ويستند إلى نتائج بحث ميداني جماعي قاده بيرنار لاهير رفقة فريق بحث شمل 17 باحثًا سوسيولوجيًا ومجموعة من الطلبة الباحثين،
ودعمه عدة شركاء. ويتضمن ثلاثة فصول: يقدم أولها إطارًا إشكاليًا ومنهجيًا للبحث في
التنشئات واللامساواة. ثم يعرض الفصل الثاني وصفًا معمقًا للحالات المدروسة، يبين الغوص في عوالم أسرية وطفولية متباينة ومتغيرة من سياق إلى آخر. ويشمل الفصل الثالث تحليلات مفصلة، تكشف عن مختلف أشكال اللامساواة في صفوف الأطفال؛ وهو فصل يحلل المعطيات الميدانية التي يتضمنها الفصل السابق. أخيرًا،
يختتم الكتاب بخاتمة مطولة تكشف عن مستويين يثيران علاقة اللامساواة في صفوف الأطفال بالحدود القائمة بين الفقر والغنى. تنقسم مراجعة هذا الكتاب إلى محورين؛ يعرض أولهما إضاءات نظرية ومنهجية لموضوع اللامساواة في صفوف الأطفال، ثم يلخص الثاني أشكال هذه اللامساواة التي رصدها الكتاب. وتتوخى هذه المراجعة تقريب القارئ من إدراك القيمة المضافة لهذا الكتاب في البحث العلمي، وكذلك الاستفادة مما قدمه هذا العمل الرصين من أجل إنجاز أبحاث سوسيولوجية مستقبلية عن الطفولة داخل السياق العربي.
أولا: اللامساواة في صفوف الأطفال: إضاءات نظرية ومنهجية
1. إشارات حول التأطير الإبستيمولوجي للموضوع
يتميز البحث الذي قدمه بيرنار لاهير في هذا الكتاب بكونه انفتح على حقول علمية متنوعة، من أبرزها: العلوم الطبيعية (وتحديدًا النظرية الداروينية في أصل الأنواع)، والتاريخ، والأنثروبولوجيا، والفلسفة، وعلم النفس. كما ارتكز أيضًا على مسألة تقاطع أعمال السيكولوجيا الثقافية لتنمية الطفل وسوسيولوجيا التنشئة الاجتماعية للطفل. وفي هذا الإطار، انطلق بناء موضوع البحث من مجالين لهذه الأعمال: المجال الأنكلوسكسوني والمجال الفرنكفوني، هذا فضلً عن انفتاحه على السوسيولوجيا الألمانية؛ لأن المؤلف عاد إلى تصور نوربيرت إلياس Elias Norbert ليشرح مفهوم التشكل الأسري، حيث يرى أنه نظرًا إلى طبيعة العلاقات
التي يدخل في إطارها الأطفال مع الأشخاص المتدخلين في بنائهم الذهني والسلوكي، فإنهم لا يبنون الكفايات نفسها، والحاجات نفسها، ولا يكونون متساوين من حيث التكيف مع الأسواق المهيمنة في المجتمع، ولا سيما السوق المدرسية والسوق المهنية (ص. 30). إضافة إلى ذلك، أشير إلى أن موضوع هذا البحث يتمحور حول مجموعة من المفاهيم المركزية من قبيل: الطفولة، واللامساواة، والأسرة، والمدرسة، والفقر والغنى. ولقد جرت صياغة إشكاليته بناءً على
تداخل مجموعة من الميادين السوسيولوجية: سوسيولوجيا التربية، وسوسيولوجيا الثقافة، وسوسيولوجيا الفقر والهشاشة، وسوسيولوجيا اليومي، وسوسيولوجيا التغذية، وسوسيولوجيا الصحة، وسوسيولوجيا الجسد، وسوسيولوجيا الرياضة. كما ارتكز تحليل المفاهيم الأساسية لموضوع هذا البحث على العودة إلى أعمال رواد السوسيولوجيا الكلاسيكية، والسوسيولوجيا المعاصرة معًا. وتجدر الإشارة إلى أن المؤلف قد تطرق، طويلً، إلى عوائق قياس اللامساواة؛ فطرح تساؤلً إبستيمولوجيًا ومنهجيًا مهمًّا:
" ما الذي يُحدث اللامساواة؟ " (ص. 38). أي إنه
يتساءل: ما السياقات التي يمكن تعريفها بكونها تعكس اللامساواة الاجتماعية للولوج إلى سلسلة من الموارد والمعارف والممارسات والمؤسسات والخدمات؟ وما السياقات التي لا يتعلق فيها الأمر بهذا المفهوم؟ إضافة إلى ذلك، ينتقد المؤلف عائقين من عوائق سوسيولوجيا اللامساواة. أولً، يثير مسألة إهمال السوسيولوجيا، منذ سنوات الثمانينيات، لدراسة اللامساواة والهيمنة. وهنا يتساءل: لماذا يستثمر بعض السوسيولوجيين في مناهضة كل ما يهم دراسة هذه الحقائق، معتبرين أنها بمنزلة أيديولوجيات محضة؟ ثانيًا،
ينتقد المؤلف مسألة تقسيم العمل العلمي داخل الجماعة العلمية، على مستوى موضوع البحث السوسيولوجي، وعلى مستوى جانبه المنهجي. فما القيمة المضافة لهذا الكتاب؟
2. أطروحة الكتاب وقيمتها المضافة
إذا عدنا إلى قراءة أهم ما كُتب في سوسيولوجيا اللامساواة، فسنجد أن أغلب الأعمال العلمية اهتمت باللامساواة في صفوف الراشدين، والتي تمس ميادين اجتماعية عديدة. لكن في المقابل، نلاحظ ندرة الأعمال السوسيولوجية المهتمة باللامساواة في صفوف أطفال ينتمون إلى فئات اجتماعية مختلفة. وهنا تكمن القيمة المضافة لهذا البحث الذي قاده بيرنار لاهير؛ إذ حاول أن يجعل اللامساواة في صفوف الأطفال موضوعًا سوسيولوجيًا قائمًا بذاته. يكشف هذا الموضوع
عن وجود مستويين مهمين يثيران علاقة اللامساواة بالحدود القائمة بين الفقر والغنى، وهما مستويان يلخصان بعمق أطروحة الكتاب. يتجلى المستوى الأول في اعتبار الغنى امتدادًا للذات. إن اللامساواة التي جرت الإحاطة بها في هذا الكتاب، والتي تكون اقتصادية، سكنيّة،
مدرسية، لغوية، ثقافية، صحية، غذائية، لباسية، جسدية... إلخ، تعكس الولوج المختلف اجتماعيًا لكل امتدادات الذات، ولكل أشكال
تراكم واقعه أو سلطته المفروضة على الواقع. وأوضح الكتاب أن شروط الوجود لما تكون متاحة داخل الأسر، فإن ذلك يتيح إمكانية استبطان الأطفال لها؛ بحيث تتدخل ظواهر التوارث على نحوٍ واعٍ أو غير واعٍ في بناء اللامساواة بين الأبناء منذ طفولتهم المبكرة. ويتمثل ذلك في كون الموارد الاجتماعية والثقافية والمهنية التي تحظى بها الأسر في الطبقات العليا والمتوسطة
تحقق استعدادات الأطفال في مختلف مجالات الحياة اليومية. وهذا يقود إلى رفع حظوظ نجاحهم المدرسي؛ إذ تُعدّ المدرسة مؤسسة يمر فيها كل منهم عبر طقوس جرت شرعنتها ثقافيًا
واجتماعيًا. وهذا يؤكد استمرار المدرسة في
أداء مهمة إعادة الإنتاج الثقافي؛ لأن اللامساواة والفوارق الاجتماعية السائدة في صفوف الأطفال تتضح في مدى امتلاكهم اللغة المدرسية. وعلاوة على الغنى الذي يحظى به هؤلاء الأبناء على مستوى تملّك ثقافة المدرسة، ترى الباحثة أنيت لارو أن الأسر المنتمية إلى هذه الطبقات تتميز " بتشجيع الأطفال على التفاوض وعلى المحاجّة. وهذا ما يجعلهم يحسون بأن لهم سلطة لإبداء آرائهم واقتراح طلباتهم على الراشدين الموجودين في وضعية سلطة، ويتمكنون أيضًا من الحصول على نتائج توافق متمنياتهم. وفي المقابل، يظهر أبناء الأسر المنحدرة من طبقات شعبية أقل فطنة في تبادلاتهم مع الراشدين ". توصل الكتاب إلى هذه الملاحظة نفسها، كما أشار أيضًا إلى أن الفئة الثانية من الأسر تعيش ظروفًا اجتماعية، تتسم بعدة إقصاءات أُجْمِلها في مفهوم اللاإدماج désinsertion La، وهو مفهوم عرّفه فانسون دوكولجاك وإزابيل تابوادا
ليونيتي بكونه " يتميز بالإقصاء الذي يعكسه أحد المقاييس التالية: العطالة، الفقر، العزلة، الوصم
(1) Pierre Bourdieu, "Les rites comme actes d’institution," Acte de la recherche en sciences sociales, Persée , vol. 43
(2) Pierre Bourdieu & Jean–Claude Passeron, La reproduction, éléments pour une théorie du système d’enseignement (Paris: Les éditions de Minuit, 1970). (3) Annette Lareau, Unequal Childhoods, Class, Race, and Family Life, 2 nd ed. (Berkeley: University of California Press, 2011), p. 45.
الاجتماعي، واللاتشجيع ". ومن ثمّ، فإن تحقق
شروط الوجود لدى الأسر الغنية يمكّن الأطفال من اكتساب قدرات تنمية الذات من جهة، ويجعلهم من جهة أخرى يستدخلون مبكرًا معايير
الغنى وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة والسلطة. وفي المقابل، لما تتقلص أو تنعدم هذه الشروط داخل أسر ذات مستوى اجتماعي وثقافي ومهني متدنٍ، فإن ذلك يجعل الأطفال يعيشون وضعية هشاشة اجتماعية تتولد عنها هشاشة مدرسية. وهذا ما يبين أن نجاح تفعيل منطق العدالة المدرسية لا يتجسد فقط في أن تُبنى المدرسة على عدالة واحدة تقوم على الاستحقاق، بل يكون رهينًا بتحقيق عدة عدالات متداخلة، مع ضرورة نزع الطابع المدرسي عن المجتمع لكي تتحقق نجاحات متعددة بدلً من النجاح المدرسي الوحيد. ويتجسد هذا المنطق أيضًا في تأهيل الأطفال على مستوى قدراتهم الشخصية، وتمكينهم من اكتساب مهارات التفكير والاستقلال الذاتي، بدلً من أن تكون هذه الإمكانات حكرًا على
أبناء الطبقات الغنية المهيمنة داخل المجتمع. إنه منطق أصبحت اليوم مجموعة من التصورات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للتربية تؤكد أهميته؛ نظرًا إلى كونه يقود إلى إعادة النظر
في وظيفة المدرسة ذاتها. فبدلً من أن تكون هذه المؤسسة فضاءً لإعادة إنتاج اللامساواة
الاجتماعية، ومحركًا لصناعة إنسان يستجيب لحاجيات السوق، يدعو رواد هذا التصور إلى مقاومة الليبرالية وجعل مهمة المدرسة تقوم على
(4) Vincent de Gaulejac & Isabel Taboada–Léonetti, La lutte des places: Insertion et désinsertion (Paris: Desclée de Brouner, 2007), p. 76.
(((ينظر:
François Dubet, Les sociétés et leur école. Emprise du diplôme et cohésion sociale (Paris: Seuil, 2010).
تمكين الإنسان من اكتساب قيم التفتح. ولهذا، يركز المفكر كريستوف وولف، وهو من مؤسسي أنثروبولوجيا التربية، على مفهوم " استلهام الحياة "؛ لأن المدرسة في نظره تُعتبر حياةً، أي نمط عيش. التصور نفسه تتقاسمه معه مجموعة من المفكرين الذين يدافعون عن هذا الطرح. هذا فيما يخص بعض الإضاءات التحليلية للمستوى الأول من أطروحة الكتاب، أما مستواها الثاني، فيتمثل في معارضة المؤلف لانحطاط شروط الحياة الاجتماعية واستفحال ظاهرة الفقر. تعتبر هذه الظاهرة اليوم مسألة اجتماعية تعكس تآكل أنساق الحماية الاجتماعية واضمحلالها وانتشار هشاشة المكانات؛ وينتج ذلك من مجموعة من المحددات لخصها روبيرت كاستلز في " ثلاثة عناصر ": • تفكك الروابط الاجتماعية. • ضعف الدولة " الاجتماعية " في بناء سياسات ناجعة وتفعيلها لمحاربة الفقر والتهميش. • تدني شروط العمل داخل المقاولة؛ فإذا كان هذا التنظيم يعتبر مصدرًا للثروة الوطنية ونموذجًا
للنجاعة والفاعلية، فإنه يظهر في المقابل بوصفه آلة للهشاشة وآلة للإقصاء، لأنه يتطلب كفاءات تخدم حاجيات السوق. ومن هذا المنطلق، يطرح المؤلف مسألة معارضة التقهقر من خلال إبرازه كيفية توزيع الثروات؛ فيشرح هذا التوزيع بإلزامية إغناء الأكثر
(((ينظر:
Christophe Wulf, Anthropologie de l’éducation (Paris: L’Harmattan, 1999). (7) Robert Castel, Les métamorphoses de la question sociale (Paris: Fayard, 1995), p. 404.
فقرًا وتقليص الثروة للأكثر غنى. ولهذا يدعو
السياسات العمومية إلى ضرورة اهتمامها، على نحوٍ فعّال، بتوزيع الثروات الأقل مساواتية، هذا إن أريد تقليص اللامساواة السائدة في صفوف أطفال مختلف الطبقات الاجتماعية (ص. 1178). يتبنى هذا التصور، في العمق، المنطق نفسه الذي يتبناه أمارتيا سين الذي يرى أن الفقر هو حرمان من القدرات والحريات، والتي يتمثل أبرزها فيما يلي: الولوج إلى التربية، والولوج إلى الصحة، والولوج إلى الشغل، والأمن الغذائي، والمساواة المجالية، والمساواة بين الجنسين، والمشاركة في النقاش العمومي، وممارسة حق المراقبة والمساءلة... إلخ. ولذلك، يؤكد سين " ضرورة تمكين الأفراد من هذه الحريات إن أريد تحقيق الالتزام الاجتماعي. فمن دون حرية جوهرية، ومن دون القدرة على مباشرة فعل معيّن، لا يستطيع الشخص أن يكون
مسؤولً تجاه القيام بهذا الفعل ". وفي هذا السياق، يرى فرانسوا دوبي وديديي لبيروني أنه على الرغم من نهج الدولة عدة سياسات تروم تحقيق حماية اجتماعية للأشخاص في وضعية هشة، فإن هناك استمرارية للفقر وانتشاره انتشارًا ملحوظًا.
ومع أنه قد أُحدثت برامج تهم تحسين الحياة الاجتماعية للساكنة الحضرية، فإن " الجماعات المحلية تركز تركيزًا كبيرًا على مسائل التهيئة
وتولي اهتمامًا أقل لمسألة المرافقة الاجتماعية
والثقافية للإجراءات التي تُبرمج لتنمية الساكنة في وضعية هشاشة ". وهو الأمر الذي يدل هنا على أن اللامركزية استمرت معها ظاهرة الفقر
(8) Amartya Sen, Un nouveau modèle économique. Développement, justice, liberté , Michel Bessières (trad.) (Paris: Editions Odile Jacob, 2000), pp. 369–379. (9) François Dubet & Didier Lapeyronnie, Les quartiers d’Exile (Paris: Seuil, 1992), pp. 221–222. (10) Ibid.
والإقصاء؛ نظرًا إلى ضعف السياسات المحلية في
مواجهة هذه المعضلة، ولهذا يدافع سورج بوكام ونيكولاس ديفو عن " ضرورة تحقيق التكامل بين الدولة المتضامنة والمدينة المتضامنة " لمواجهة الفقر. إضافة إلى ذلك، يرى كلود بير أنه لمحاولة التصدي للتحديات التي يواجهها أبناء الفقراء، ينبغي العمل على تحقيق مبادرات الشراكة بين الأسرة والمدرسة على الصعيد المحلي. ولذلك أكد أهمية ثلاثة مبادئ أساسية يجب أن ترتكز عليها هذه الشراكة، وهي: مبدأ الالتقائية بين المدرسة والأسرة؛ ومبدأ المعرفة، أي فهم المدرسة للأوضاع والصعوبات التي تعيشها الأسر الفقيرة؛ ومبدأ الاعتراف بانتظارات هذه الأسر وبجهودها والاعتراف بكرامتها وحقوقها. وفي هذا الإطار، يؤكد بير أن تغير العقليات والمواقف تجاه المقصيين ينبغي أن يكون بمنزلة تغير المجتمع. نجد هذا التصور نفسه حاضرًا بعمق في المستوى
الثاني لأطروحة هذا الكتاب، وهو المستوى الذي يقترح بديلً للتخفيف من اللامساواة بين الأطفال، حيث إن مبدأ الاعتراف وتفعيل التوزيع العادل للثروات من بين المحركات الأساسية لتنمية نمط عيش الطفولة، والرفع من جودته في مختلف الأوساط الاجتماعية، بلا تمييز أو حيف. إضافة إلى كل ما سبق، إن قيمة البحث الذي قدمه المؤلف في هذا الكتاب لا تكمن فقط في أهمية الموضوع، بل تتجلى أيضًا في جانبه المنهجي.
3. منهجية البحث وأهميتها
اعتمد المؤلف رفقة فريق بحثه على مقاربة منهجية كيفية، تهدف إلى دراسة أشكال
(11) Serge Paugam & Nicolas Duvoux, La régulation des pauvres , 2 nd ed. (Paris: PUF, 2013), pp. 76–80. (12) Claude Pair, L’école devant la grande pauvreté (Paris: Hachette, 1998), pp. 211–212.
اللامساواة بين الأطفال من جهة، وفهم نمط عيشهم من جهة أخرى. وشمل هذا البحث مختلف المدن والضواحي والقرى الفرنسية، واستغرق إنجازه المدة 018–2014.2 واعتمد هذا العمل على آلية دراسة الحالة، همّت 35 طفلً
راوحت أعمارهم بين 5 و 6 سنوات يدرسون في التعليم الأوّلي، جرى اختيارهم بعناية في فضاء
اجتماعي يتضمن الطبقات التالية: الطبقات الشعبية، والطبقات المتوسطة، والطبقات العليا؛ بحيث يعيش آباؤهم أوضاعًا اجتماعية متباينة
جدًا (يمتلك بعضهم رأس مال ثقافيًا ولغويًا عاليًا
جدًا ويتكلم بعضهم الآخر الفرنسية بصعوبة ولا يجد مأكلً لسدّ رمق جوعه)، وينتمي إلى فئات مهنية مختلفة (مهندسون، أطر القطاعين العام والخاص، مشتغلون في مهن ليبرالية ومهن فكرية أو فنية، أساتذة التعليم العالي، والثانوي والابتدائي، فلاحون، عمال ومستخدمون صغار، أشخاص من دون شغل... إلخ). واستهدف البحث عينتين، تضمنت الأولى الأطفال أنفسهم، بينما خُصِّصَتْ العينة الثانية لتجميع المعطيات
الميدانية عن الفاعلين الذين لهم صلة مباشرة بتنشئة الأطفال، والذين تجاوز عددهم 175 فردًا، وهم كما يلي: آباء (مقابلة ثلاثة أفراد لكل أسرة)، أشخاص لهم صلة وثيقة بالمحيط الأسري مثل الجدة، المربية... إلخ (فرد واحد بالنسبة إلى كل طفل)، مدرسون ومدرسات في مدرسة التعليم الأولي (فرد واحد لكل طفل). وفيما يخص الأدوات المنهجية المعتمدة لتجميع المعطيات الميدانية، ارتكز هذا البحث على استعمال ثلاث أدوات مهمة وهي كما يلي: • الملاحظات الإثنوغرافية، جرى القيام بها خاصة داخل المدرسة (قاعة الدرس، وفترة الاستراحة)، وفي بيوت الأطفال.
• أربعة تمارين لغوية موجهة إلى الأطفال؛ يتعلق الأمر هنا بتقديم تمارين صغيرة ومختلفة للأطفال ترتكز على سلسلة من الصور المرسومة. تهدف هذه التقنية إلى موضعة بعض الكفايات اللغوية للطفل (كفايات معجمية، ونحوية، وسردية). ولقد تعامل فريق البحث مع هذه العينة بعناية خاصة، متمكنين من الطرائق الديداكتيكية التي ينبغي التعامل بها مع الأطفال لأنهم اعتمدوا مبدأ التدرج في التمارين الموجهة إليهم. • المقابلات المعمقة، أجريت مع أفراد العينة الثانية. تكمن أهمية هذا البعد المنهجي في كونه يرتكز على سلّم الحالات الفردية، وهو سلّم يقوم على تعدد الميادين السلوكية وتنوع مؤشرات الحياة الاجتماعية. لذلك، استطاع هذا البحث فهم أصناف اللامساواة التي يعيشها الأطفال في حياتهم اليومية.
ثانيًا: اللامساواة في صفوف الأطفال بمختلف أشكالها
تعمّق هذا الكتاب في تقديم عشرة أنواع للامساواة
التي يعيشها الأطفال؛ بحيث يعكس كل نوع مستوى من مستويات التراتبية الاجتماعية بين الطبقات الاجتماعية، وأحيانًا بين مجموعات أسرية داخل الطبقة نفسها.
1. اللامساواة على مستوى السكن ومكان الإقامة
أوضح الكتاب أن نتائج البحث كشفت عن وجود فوارق اجتماعية كبرى على مستوى الدخل الشهري والوضع المهني للأسر؛ ما أدى إلى إحداث اللامساواة الاجتماعية على مستوى ظروف السكن ومكان الإقامة؛ وهذه اللامساواة
أثرت تأثيرًا بالغًا في التعلم والنجاح المدرسي
للأطفال (ص 35–933.)9
2. اللامساواة أمام ااستقرار المهني والشغور الأسري لرعاية الأطفال
أظهرت نتائج البحث وجود أوضاع متباينة جدًا على مستوى الاندماج المهني؛ وهو ما يحدث انعكاسات فورية على شروط تنشئة الأطفال. واتّضح أيضًا وجود تباين على مستوى شغور الآباء لرعاية الأطفال.
3. اللامساواة على مستوى التنشئة المالية للأطفال
بيّن الكتاب أن الأطفال منذ سن الخامسة يعيشون
مجموعة من التجارب التي تقود إلى توجيه إدراكهم إلى المال وإلى طرق استعماله، ومن خلال تلك التجارب يستدخلون معنى الفقر أو الغنى (ص. 8)96 ولمعرفة كيفية تمثّل ذلك، استفسر الباحثون الآباء عن استعمالات أبنائهم للمال (هل يحصلون عليه؟ بأي قدر يحصلون عليه؟ كيف يستعملونه؟ وماذا يقول لهم آباؤهم في هذا الشأن؟). كما دعوا الآباء إلى وصف وضعيات شرائية مخصصة لأبنائهم أو جرت بحضورهم. ولقد اتضح، من خلال تحليل خطاباتهم، أن التنشئة المالية تختلف من وضعية إلى أخرى داخل المجال الاجتماعي، حيث خلص البحث إلى وجود أربعة أنواع لهذه التنشئة: • تنشئة مالية قائمة على عادات الاقتصاد لدى الأسر الشعبية، حيث يتم تعليم الأطفال بأن يكونوا مقتصدين économe في استعمال المال، ولا سيما أن بعض الآباء في هذه الفئة يعيشون وضعية عطالة، وبعضهم الآخر يعرفون وضعية مهنية غير مستقرة.
• تنشئة مالية قائمة على علاقة انعكاسية وتخطيطية للمال لدى أسر الطبقات المتوسطة والعليا للقطب الثقافي. • تنشئة مالية قائمة على التشجيع على الادخار لدى أسر الطبقات المتوسطة للقطب الاقتصادي. • تنشئة مالية قائمة على التشجيع على الغنى لدى أسر الطبقات العليا للقطب الاقتصادي.
4. اللامساواة على مستوى الولوج إلى التعليم الأولي
كشف البحث عن أن التعليم الأولي ليس بمنزلة لعبة للأطفال، بل هو مجال لبناء استراتيجيات مبكرة للتنشئة المختلفة اجتماعيًا؛ بحيث تتباين
انتظارات الآباء من ولوج أبنائهم لهذا التعليم، بحسب تباين الطبقات الاجتماعية. يحرص الآباء المنتمون إلى طبقات عليا على تعلم أبنائهم مكتسبات طفولية مبكرة، تكون غالبًا موجهة نحو
تحقيق التفوق المدرسي؛ وذلك لعدة دوافع من أهمها: تفادي المشاكلات الموجودة في التعليم العمومي، والبحث عن بيداغوجية تعتمد ثنائية اللغة. أما الآباء المنحدرون من طبقات متوسطة، فتهدف استراتيجيات تسجيل أبنائهم في التعليم الأولي إلى تشجيع تنمية حس العيش الطفولي، حيث يقود ذلك على نحوٍ خفي إلى تنشئتهم على المنافسة المدرسية التي ستمتد إلى المنافسة
(1((استعمل المؤلف مفهوم " القطب " pôle Le، بدلً من أن
يستعمل مفهوم " رأس المال " الذي وظفه بيير بورديو في كتاباته حول ال مااساواة بين الطبقات الاجتماعية. فمثً يقول بيرنار
لاهير: " الأسر المنتمية إلىالقطب الثقافي/ الاقتصادي pôle Le culturel "، بدلً من أن يقول الأسر ذات رأس المال
الثقافي/ الاقتصادي. ((1(التعليم الأولي maternelle" La "، هو المستوى التعليمي الذي يكون قبل مرحلة التعليم الابتدائي، أي رياض الأطفال إن صح التعبير.
المهنية. فمثلً أم الطفل مينغ Meng، وهي أستاذة اللغة الصينية تتخذ طابع مقاولة ذاتية، تحرص على اكتساب طفلها دروسًا قريبة من خصوصيات
المقاولات. أما الآباء المنتمون إلى طبقات شعبية، فيحرصون على إحداث علاقات جيدة مع الأطر التربوية المزودة بمختلف الموارد التي تساعد أبناءهم على الاندماج المدرسي والاجتماعي؛ إذ يعتبرون المدرسة بمنزلة مأوى وحاضنة لأبنائهم؛ لأنها تقدم لهم دعمًا اجتماعيًا ينهض به عدة
فاعلين، مثل لجنة دعم الأسر بلا مأوى وبلا وثائق الإقامة، وجمعية الآباء، وأطباء... إلخ.
5. اللامساواة على مستوى التنشئة النقدية وروح ااستاقللية
أثبتت نتائج البحث، بخصوص التنشئة النقدية وتبني روح الاستقلالية، أن الحالات المدروسة تتميز بوجود نموذجين تربويين مختلفين. يتجلى أولهما في النموذج التربوي العقلاني الذي يحضر لدى الأسر المنتمية إلى طبقات عليا ومتوسطة، حيث يعيش أبناؤها في وسط اجتماعي يتميز بتنمية المواقف النقدية بشأن ميادين عديدة؛ إذ ينتقد الآباء: الوسط المدرسي، والوسط السياسي، والمواقف الدينية الدوغمائية، والتصورات النمطية للنوع الاجتماعي. أما بالنسبة إلى النموذج التربوي الثاني، فيتمثل في النموذج التربوي التبعي، أي شمولي بتعبير مارسيل موس. ويحضر هذا النموذج داخل الأسر الشعبية. ويخضع أبناء هذه المجموعة إلى تدخلات مباشرة لآبائهم، حيث يتم إعدادهم لاستدخال فكرة أن السلطة تمارس من الخارج؛ إذ
(15) Marcel Mauss, Essai sur le don. Forme et raison de l’échange dans les sociétés archaïques (Québec: Les classiques des sciences sociales, 17/2/2002 [1923–1924]), accessed on 1/8/2021, at: https://bit.ly/3GCC7Zs
يتجلى ذلك في تربيتهم على الخضوع للتعليمات في البيت كما في القسم.
6. اللامساواة على مستوى رأس المال اللغوي
حاول البحث في هذا النوع من اللامساواة فهم كيفية اكتساب الأطفال، منذ السنوات الأولى، طرائق الكلام والعلاقات المختلفة اجتماعيًا مع
اللغة، أكانت شفوية أم كتابية، التي تجهزهم بموارد لامتساوية ثم تصنفهم في تراتبية مدرسية ثم اجتماعية (ص. 1029). ولقد اهتم البحث في هذا الجانب بالممارسات والاستعدادات الأبوية التي تشكّل موارد لغوية أسرية، تتباين بتباين تنشئات الطبقات الاجتماعية.
7. اللامساواة على مستوى القراءة والكلام
اهتم البحث، إلى جانب المستوى السابق، بدراسة مستوى آخر من مستويات فهم الآثار المبكرة للتنشئات اللامتساوية اجتماعيًا في
ميدان اللغة. وقد أثبت أن هذه اللامساواة تتمظهر في مستويين أساسيين يحضران لدى أسر الطبقات العليا والمتوسطة مقابل غيابهما لدى أسر الطبقات الشعبية: التملك المبكر للقراءة واللغة المكتوبة، وتملك اللغة الشفهية. ولقد أوضحت نتائج البحث، بخصوص الإنتاجات اللغوية الشفهية للأطفال، أن أبناء الطبقات العليا والمتوسطة اعتادوا على التفاعل مع آبائهم ومع راشدين آخرين؛ ولذلك كان تفاعلهم مع أسئلة الباحثين أمرًا عاديًا
بالنسبة إليهم، عكس أبناء الطبقات الشعبية. ويظهر هذا الامتياز لدى المجموعة الأولى من الأطفال في اكتسابهم عادة التحدث عن يومهم الذي يقضيه كل منهم؛ وهي عادة تجري
إما على نحوٍ مفصل وعفوي، وإما عبر الإجابة عن أسئلة، أو عبر تحوير هذه الأسئلة إلى خطابات سردية قصيرة (ص. 1069).
8. اللامساواة على مستوى الأوقات الحرة
توجد ممارسات خارج الوسط المدرسي تنتج استعدادات تساهم في رفع التحصيل الدراسي، وهي الألعاب والممارسات الثقافية والفنية خلال الأوقات الحرة؛ ما يجعل هذه الممارسات تؤدي دورًا مركزيًا في بناء اللامساواة الاجتماعية منذ الطفولة المبكرة (ص. 1095). وتتجلى هذه اللامساواة، بحسب ما كشفت عنه نتائج البحث، في مستويين: الممارسات الترفيهية للأوقات الحرة الخارجية (الذهاب إلى المسرح، والتردد على السنيما والمعاهد الموسيقية والمتاحف)؛ والممارسات الترفيهية الداخلية (أي قضاء الوقت الحر باستعمال الخيرات الثقافية والفنية التي تتوفر عليها الأسرة، كقراءة الكتب، وملازمة المكتبة الأسرية، واستعمال أشرطة سمعية بصرية ورقمية... إلخ) (ص. 1097). وقد اتضح أنه كلما ارتفع المستوى الاجتماعي للأسر، تحققت الممارسات الثقافية والفنية للأطفال، وأدى ذلك إلى امتلاكهم استعدادات تعيد إنتاج الطبقة الاجتماعية التي ينحدرون منها. غير أن العلاقة مع هذه الممارسات تختلف من فئة إلى أخرى داخل الطبقة الواحدة؛ نظرًا إلى تباين استراتيجيات كل فئة.
9. اللامساواة على مستوى الرياضة
أثبت هذا البحث أن ممارسة النشاطات الرياضية للأطفال ليست عملً رياضيًا فحسب، وإنما هي
عمل يهدف إلى تعلم أشياء أخرى، بل تعتبر " ذوقًا
رياضيًا " تُبنى من خلاله الفوارق الاجتماعية
ويعاد إنتاجها. وتقود هذه النشاطات بطبيعة الحال إلى تشكيل استعدادات لامتساوية في المسار المدرسي والمهني؛ لأن ذلك يُعدّ نتاجًا لإعادة إنتاج التجارب الرياضية اللامتساوية في صفوف الأطفال. لذلك، خلص البحث إلى وجود أربع مجموعات لامتساوية على مستوى ممارسة الرياضة: • منطق الإقصاء لدى الطبقات الشعبية الهشة.
الهشة.
• منطق التلطيف لدى الطبقات الشعبية المستقرة، حيث تتميز هذه المجموعة بممارسة رياضات غير منظمة مؤسساتيًا. • منطق إثبات الذات لدى أبناء الطبقات المتوسطة ذات القطب الثقافي. • منطق تحقيق المنافسة لدى الطبقات المتوسطة ذات القطب الاقتصادي ولدى الطبقات العليا.
10. اللامساواة على مستوى الجسد: اللباس والصحة والتغذية
أثبت البحث وجود مسافة تفصل أبناء الطبقات المهيمنة اجتماعيًا عن بقية الأطفال الآخرين،
وذلك على مستوى ثلاثة أنواع من الإمكانيات: اللباس، والصحة، والتغذية.
أ. مظهر الأطفال يعكس الامساواة ورهانات التمايز
يكشف المظهر اللباسي والجسدي للأطفال عن اللامساواة الاقتصادية، وعن الوضعية التي يتخذونها داخل المجال الاجتماعي.
(16) Pierre Bourdieu, Questions de sociologie , 2 nd ed. (Paris: Les éditions de Minuit, 2002), pp. 173–174.
ب. الامساواة في صفوف الأطفال على مستوى الصحة والتغذية
أثبت البحث أنّ تغذية الأطفال وكذلك الاستهلاك الطبي للأسر يتغيران بدلالة الخصائص الاجتماعية للآباء، ولذلك كشف عن وجود اختلافات بين أربع فئات اجتماعية: • المشاكلات الصحية والسلوكات الغذائية للفقر بالنسبة إلى الأسر المنتمية إلى الطبقات الشعبية
• الوضعية الصحية والغذائية المستقرة لأبناء الطبقات الشعبية المستقرة. • بين احترام المعايير الغذائية وبناء مسافة نسبية عن الجسد الطبي بالنسبة إلى الأسر المنتمية إلى الطبقات العليا ذات القطب الاقتصادي. • تعلّم ممارسات الصحة بوصفها أسلوب عيش بالنسبة إلى أسر الطبقات المتوسطة والعليا ذات القطب الثقافي.
خاتمة
في الختام، يمكن القول إن هناك ثلاث ملاحظات أساسية تهمّ موضوع اللامساواة في صفوف
الأطفال الذي يتضمنه هذا الكتاب. أولً، لقد كشفت نتائج البحث المعروضة في الكتاب عن مختلف مظاهر اللامساواة، الصريحة والضمنية، السائدة في صفوف الأطفال؛ وهو ما جرى إغفاله في السوسيولوجيا وفي حقول علمية مجاورة. ثانيًا، استطاع هذا العمل البحثي أن يجعل المقاربة
الفهمية في خدمة المنطقين المنهجيين الفرداني والكلياني؛ بحيث تمكّن فريق البحث، عبر استعماله أدوات منهجية كيفية، من فهم المعنى الذي يضفيه الآباء على نمط عيشهم هم وأطفالهم
من جهة، وكذلك رصد أشكال اللامساواة في صفوف الأطفال من جهة أخرى. ثالثًا، أوضح الكتاب أن اللامساواة في صفوف الأطفال هي ظاهرة بنيوية، تكون نتاجًا لعلاقات
وتفاعلات يتداخل فيها ما هو اجتماعي وثقافي بما هو اقتصادي وصحي وسياسي... إلخ. ولهذا أكد ضرورة إعادة النظر في مسؤولية المجتمع إزاء هذه الظاهرة. ولذلك دعا السياسات العمومية إلى الحرص على تفعيل التوزيع العادل للثروات من أجل تقليص الهوة الشاسعة بين أغنياء المجتمع وفقرائه، وهي هوة تؤثر تأثيرًا ملموسًا في الحياة
اليومية للطفولة.
المراجع
إجمالً، لقد توفّق هذا الكتاب في إثارة موضوع راهني في الحقل العلمي، مبرزًا الواقع اليومي للّمساواة التي يعيشها الأطفال في سياقات اجتماعية مختلفة. لكن مع ذلك، يلاحظ أن موضوع الكتاب لم يتناول مسألة أساسية، هي مسألة " الإعاقة " في علاقتها باللامساواة في صفوف الأطفال؛ بحيث لم يشمل البحث أطفالً ذوي اختلافات صحية ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة، ليكشف عن نمط عيشهم داخل أوساط اجتماعية متنوعة. ولهذا تمثّل هذه المسألة أفقًا جديدًا للبحث تنهض به أعمال سوسيولوجية لاحقة.
References
Bourdieu, Pierre & Jean–Claude Passeron. La reproduction, éléments pour une théorie du système d’enseignement. Paris: Les éditions de Minuit, 1970. Bourdieu, Pierre. "Les rites comme actes d’institution." Acte de la recherche en sciences sociales. Persée. vol. 43 (23/4/2018 [1982]). _______. Questions de sociologie. 2 nd ed. Paris: Les éditions de Minuit, 2002. Castel, Robert. Les métamorphoses de la question sociale. Paris: Fayard, 1995. Dubet, François. Les sociétés et leur école. Emprise du diplôme et cohésion sociale. Paris: Seuil, 2010. Dubet, François & Didier Lapeyronnie. Les quartiers d’Exile. Paris: Seuil, 1992. Dubet, François, Francis Lebon & Chantal de Linarès. "Sociologie de l’expérience sociale." Agora Débats/ Jeunesses. no. 49 (2008). at: https://bit.ly/3aItAUy Gaulejac, Vincent de & Isabel Taboada–Léonetti. La lutte des places: Insertion et désinsertion. Paris: Desclée de Brouner, 2007. Lareau, Annette. Unequal Childhoods, Class, Race, and Family Life. 2 nd ed. Berkeley: University of California Press, 2011. Mauss, Marcel. Essai sur le don. Forme et raison de l’échange dans les sociétés archaïques. Québec: Les classiques des sciences sociales (17/2/2002 [1923–1924]). at: https://bit.ly/3GCC7Zs Pair, Claude. L’école devant la grande pauvreté. Paris: Hachette, 1998.
Paugam, Serge & Nicolas Duvoux. La régulation des pauvres. 2 nd ed. Paris: PUF, 2013. Sen, Amartya. Un nouveau modèle économique. Développement, justice, liberté. Michel Bessières (trad). Paris: Editions Odile Jacob, 2000. Wulf, Christophe. Anthropologie de l’éducation. Paris: L’Harmattan, 1999.