العودة إلى تفاصيل المؤلَّف مجموعات الألتراس في تونس: تقاطعات الرياضة والسياسة والدين

مجموعات الألتراس في تونس: تقاطعات الرياضة والسياسة والدين

Ultras Groups in Tunisia: The Intersections of Sports, Politics and Religion

قيس تريعة| Kais Triaa *

الملخّص

تبحث الدراسة في ممارسات مجموعات الألتراس في تونس، من خلال تتبّع دلالاتها السوسيولوجية عبر حقول الرياضة والسياسة والدين، وتتبع امتدادات هويات هذه المجموعات وتأثيراتها الاجتماعية المتبادلة. وتعتمد الدراسة على قراءة سيميوسوسيولوجية للمدونة الفنية (أغانٍ وشعارات وممارسات) لمجموعات الألتراس داخل الملعب وخارجه، إضافةً إلى مقابلات مع عدد من أعضاء هذه المجموعات. وتهدف إلى فهم ما تحمله ممارسات مجموعات الألتراس في تونس من دلالات ورمزيات في فضاءات اجتماعية متعدّدة. وخلصت الدراسة إلى أن تقاطعات الرياضة والسياسة والدين أفرزت أشكالًا جديدة من الرّفض نقلتها مجموعات الألتراس من فضاء العيش اليومي في "الحومة" (الحي الشعبي) إلى الحقل الرياضي، ومن الحقل الرياضي إلى الحقل السياسي بمضامين دينية أعطاها سياق الثورة، الذي سمح بحرّية تشكُّل الأحزاب والمنظمات المدنية، أبعادًا جديدة.

Abstract

Abstract: This paper examines the practices of ultras groups in Tunisia through sports, politics, and religion. It traces the extensions of their identities and their mutual social influences. The paper depends on the semiosociological reading of the technical blogs like songs, slogans, practices of the ultras groups inside and outside of the stadium, in addition to interviews with a number of these groups’ members. The paper aims to understand the connotations and the symbols revealed through the practices of the ultras in multiple social spaces. The intersections of sports with politics and religion have resulted in new forms of dissent that groups of ultras transferred from the space of daily life in the popular neighbourhood of Al– Houma to sports, which gives new dimensions to the freedom of forming parties and non–governmental organisations.

الكلمات المفتاحية:
  • الألتراس
  • الرياضة
  • السياسة
  • الدين
  • تونس
Keywords:
  • Ultras
  • Sports
  • Politics
  • Religion
  • Tunisia

ملخص: تبحث الدراسة في ممارسات مجموعات الألتراس في تونس، من خلال تتبّع

دلالاتها السوسيولوجية عبر حقول الرياضة والسياسة والدين، وتتبع امتدادات هويات هذه

المجموعات وتأثيراتها الاجتماعية المتبادلة. وتعتمد الدراسة على قراءة سيميوسوسيولوجية

للمدونة الفنية (أغانٍوشعارات وممارسات) لمجموعات الألتراس داخل الملعب وخارجه،

إضافةً إلى مقابلات مع عدد من أعضاء هذه المجموعات. وتهدف إلى فهم ما تحمله

ممارسات مجموعات الألتراس في تونس من دلالات ورمزيات في فضاءات اجتماعية

متعدّدة. وخلصت الدراسة إلى أن تقاطعات الرياضة والسياسة والدين أفرزت أشك لً

جديدة من الرّفض نقلتها مجموعات الألتراس من فضاء العيش اليومي في "الحومة"

(الحي الشعبي) إلى الحقل الرياضي، ومن الحقل الرياضي إلى الحقل السياسي بمضامين

دينية أعطاها سياق الثورة، الذي سمح بحرّية تشكّل الأحزاب والمنظمات المدنية، أبعادًا

جديدة.

Abstract: This paper examines the practices of ultras groups in Tunisia through sports, politics, and religion. It traces the extensions of their identities and their mutual social influences. The paper depends on the semiosociological reading of the technical blogs like songs, slogans, practices of the ultras groups inside and outside of the stadium, in addition to interviews with a number of these groups’ members. The paper aims to understand the connotations and the symbols revealed through the practices of the ultras in multiple social spaces. The intersections of sports with politics and religion have resulted in new forms of dissent that groups of ultras transferred from the space of daily life in the popular neighbourhood of Al– Houma to sports, which gives new dimensions to the freedom of forming parties and non–governmental organisations.

Researcher for the Transmission, Transition and Movements Research Unit at the University of Tunis. Email: kaiss.triaa@gmail.com

مقدمة

إنّ ما  تحظى به الرياضة في تونس، وخاصّة كرة القدم، من اهتمام ومرافقة إعلامية لم يَحِد في مُجمله عن طغيان الجانب التجاري والرّبحي فيها. فالعرض الفرجوي لمباريات كرة القدم يمكن اعتباره الوجه الآخر للمال والمرادف العام للسّلعَنة، لتتلاشى بذلك، شيئًا فشيئًا، المبادئ التي تأسست عليها كرة القدم من متعة وترفيه. فالعروض التي ترافق حضور "مجموعات الألتراس" في ملعب كرة القدم (الأهازيج، وعرض لافتات عملاقة، ومواجهات مع قوّات الأمن، وإشعال الشماريخ) حوّلته إلى فضاء فرجوي، تتقابل فيه إرادات مختلفة تُضفي على ممارساتها دلالات ورمزيات وصراعات، اقتصرت التغطية الإعلامية في أغلبها على تناول الجانب المتعلّق منه بالعنف وارتباطه بممارسات مجموعات الألتراس. ويُعدّ هذا الواقع نتيجة لعوامل مختلفة، يتداخل فيها السياسي بالرياضي والتاريخي بالثقافي، لتتشكّل عبر ذلك علاقة ربطت الدّال مُمَثلً بمجموعات الألتراس بمدلولات تُحيل إلى ممارسة العنف في ملاعب كرة القدم وخارجها؛ فالدّال عَلم والمدلول تلك الفكرة التي يُثيرها. لماذا نهتمّ اليوم بدراسة مجموعات الألتراس في تونس؟ تتعدد الإجابات عن مثل هذا التساؤل، غير أنّ المحدد الأساسي لسلامة التحليل يكمن في الاعتماد على أدوات ومقاربات بحثية تُتيح للباحث فكّ شفرات ممارسات هذه المجموعات ورمزياتها ودلالاتها، وتتبّع تقاطعاتها عبر فضاءات اجتماعية

مختلفة. فقد ساهم الصراع بين مجموعات الألتراس والمجموعات المنافسة خلال العشرية الأخيرة (2021–2011) في بروز أشكال جديدة من الرفض والتّضاد، مثل الصراع الذي يجري بين مجموعات ألتراس تشجّع الفريق نفسه، والصراع مع السلطة والصراع مع المجموعات السلفية، التي امتدت لتخترق فضاءات أخرى (فضاء عام، وواجهات مؤسسات تربوية... إلخ) بهدف كسب الدعم المعنوي ومراكمة رأس المال الرمزي.

أولا: المرتكزات النظرية والمنهجية للدراسة

1. مشكلة الدراسة

تتمحور الإشكالية الرئيسة لهذه الدراسة حول تأثيرات الديناميات الاجتماعية والتغيرات السريعة التي شهدها المجتمع التونسي، ولا يزال، في مجموعات الألتراس، وعلاقة ذلك بامتداد الصراع بينها من خلال تتبّع ميكروسوسيولوجي يساعد في رصد المتغيرات الدالّة على تلك التقاطعات في حقلي

السياسة والدين، وتفاعلات ذلك في الحقل الرياضي.

(1) Guy Debord, La société spectacle (Paris: Éditions Gallimard, 1992), p. 29, accessed on 2/9/2022, at: https://bit.ly/3qv9CWe (2) Patrick Mignon, "Supporters ultras et hooligans dans les stades de football," Communications , no. 67 (1998), p. 52. (3) Jean–François Dortier, Le Dictionnaire des sciences humaines (Beyrouth: Edition Deltas, 2007), p. 776.

لم تكن أشكال الرفض والاحتجاج المرتبطة بمجموعات الألتراس في ملاعب كرة القدم و"الحومة" وليدة الثورة التونسية، بل لها امتداد تاريخي يعود إلى ما قبل التأسيس الرسمي لأول مجموعة "ألتراس المكشخين" المنتمية إلى فريق "الترجي الرياضي التونسي" عام 2002. والجدل ما زال قائمًا إلى يومنا هذا حول تاريخ تأسيس مجموعة النادي الإفريقي المنافسة Winners African وذلك بسبب أن هذه المجموعة تزعم أن تاريخ تأسيسها يعود إلى عام 1995، لكن ذلك لم يكن رسميًا، بينما كان تاريخ

تأسيسها بمعايير بقية المجموعات أواخر عام 2003. من المبادئ التي تأسست عليها مجموعات الألتراس رفضها الاستغلال السياسي للجمهور الرياضي، ليتحوّل الملعب إلى فضاء تعبيري موازٍ و/ أو مُضاد، تمارس فيه هذه المجموعات عروضها الفُرجوية؛ أي في ظاهرها تشجيع وولاء مطلق للفريق، وفي باطنها تعبير عن قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية. فالأغنيات والأهازيج التي يرددها أعضاء الألتراس واللافتات العملاقة التي يرفعونها، تحمل شحنة دلالية تعكس رفضًا للواقع المعيش لأعضائها. ويلاحظ المتابع نشأة مجموعات الألتراس في تونس تطوّرًا في تعبيراتها الفنية وممارساتها الثقافية، وخاصة تحوّل فضاءات السيطرة من "الفيراج" بوسيلة تعليق "الباش"، إلى الحيّ و"الحومة" عبر كتابات ورسومات جدارية Graffitis، تُعلن من خلالها

عن هويتها وحدود القطاع الذي تُسيطر عليه. من ناحية أخرى، يوجد في تونس تداخل بين الحقل السياسي والرياضي منذ نشأة النشاط الرياضي بمنظومته الحديثة، وتدعَّم ذلك على نحو مباشر ورسمي عام 1972 عندما فرض الحزب الحاكم انتماء رؤساء الجمعيات الرياضية إلى مكتبه السياسي في إثر أحداث العنف التي شهدها نهائي كأس تونس لكرة القدم بين الترجي الرياضي والنادي الصفاقسي. ثم تواصلت هيمنة السلطة على الحقل الرياضي في فترة حكم زين العابدين بن علي (2011–1987) من خلال سيطرة الموالين إياه وأصهاره على أقوى الجمعيات الرياضية. فالاستخدامات السياسية للرياضة هو ما ميّز هذه المرحلة؛ إذ أصبحت

الرياضة أداة للدعاية في يد النظام السياسي ومج لً تعبيريًا لسلطته.

((("الحومة"، تسمية نابعة من اللهجة الدارجة التونسية، تعني "الحيّ." (((يُقصد في تونس بكلمة "مكشخين" (جمع مكشخ) الذين يضحكون ضحكة شماتة واستهزاء. وتحيل في حالة ألتراس فريق

الترجي الرياضي التونسي إلى فكرة أن أنصاره يحصلون دائمًا على الألقاب ويضحكون ضحكة شماتة واستهزاء بالفرق الأخرى. (((محمد فخر الدين لواتي، ثقافة الألتراس في تونس (تونس: وزارة الشباب والرياضة والإدماج المهني، المرصد الوطني للشباب، 2021)، ص 24، شوهد في 2022/8/13، في: https://bit.ly/3RRzszd ((("الفيراج" جزء من ملعب كرة القدم خلف المرمى، وتعدّ هذه المدرجات مدرجات اقتصادية. ((("الباش"، كلمة أصلها فرنسي وتعني في الملعب اللافاتات البلاستيكية العملاقة المشجعة للفريق. (((نشأت أهم الفرق التونسية في السياق الاستعماري، وأدت دورًا في تقوية الهوية الوطنية التونسية بصفتها درعًا ضد المحاولة

الكولونيالية لتفتيتها.

(10) Franck Moroy, "L’Espérance de Tunis: Genèse d’un mythe bourguibien," Maghreb – Machrek , no. 157 (1997), p. 75. (11) Driss Abbassi, "Sport et usages politiques du passé dans la Tunisie des débuts du XXI e siècle," Les politiques publiques du risque , vol. 26, no. 2–3 (2007), p. 142.

وعلى الرغم من القطيعة السياسية التي أحدثتها ثورة 2011 وما رافقها من ديناميات اجتماعية وسياسية، فإن السلطة المُستجدة حافظت على الاستراتيجيات نفسها في تعاملها مع مجموعات الألتراس، من دون إنجاز أيّ عمل يقطع مع مقومات الواقع السياسي القديم. وقد مارست ذلك من خلال ربط وجودها في ملاعب كرة القدم بأحداث العنف والشغب، وفرضها اللّعب من دون حضور الجمهور تارة، وسماحها بحضور جمهور الفريق المضيف فحسب، تارة أخرى. ولذلك، فنحن نعتبر أن ارتدادات هذه الحركية الاجتماعية والسياسية، وانعكاساتها على مجموعات الألتراس، تمثِّل منطلقًا مهمًا لفهم التطورات والتغييرات الطارئة على دينامية صراعها مع المجموعات المنافسة والتقابل بين نحن وهُم.

2. أهداف الدراسة

تهدف هذه الدراسة إلى البحث في مجموعات الألتراس في تونس، من خلال النّبش في سياقات تشكّلها، وما تحمله ممارساتها من مدلولات ورمزيات في فضاءات اجتماعية متعددة، داخل ملعب كرة القدم وخارجه. فالعروض التي ترافق حضور هذه المجموعات في مدرّجات "الفيراج" والإيقاع الذي تفرضه عبر تسلسل زمني وانضباط كلي لتوجيهات "الكابو" و"رئيس القطاع"، والكتابات والرسومات المنتشرة على الجدران في قطاعاتها، تحمل في طيّاتها دلالات ورمزيات تُحيلنا إلى حقول مختلفة. تتناول هذه الدراسة التقابل بين نحن وهُم (مجموعات ألتراس – المجموعات المنافسة) لمحاولة تحديد التأثيرات المُتَبادَلة فيما بينها من خلال تتبّع ميكروسوسيولوجي لنشاطهم داخل ملاعب كرة القدم وخارجها في سياق الثورة التونسية. فقد ساهمت التغيرات الاجتماعية والسياسية التي عقبت 14 كانون الثاني/ يناير 2011 في تطوّر آليات الصراع وأشكاله وامتداد فضاءاته، وذلك مع بروز المجموعات السلفية بصفتها منافسًا للألتراس داخل الأحياء والمدن، نتيجة اتساع دائرة الفقر والبطالة وتفاقم التهميش وبلوغ العنف في الملاعب درجةً وصلت حدَّ وفاة بعض المشجعين؛ إذ إن ظاهره عُنف تُمارسه هذه المجموعات، وباطنه تعبير عن قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية.

3. الدراسات السابقة: "من الكوني إلى المحلي"

لم يَحِد الإنتاج السوسيولوجي المرتبط بالحقل الرياضي في تونس قبل عام 2011 عن السياق العام الذي تطبّعت به البحوث الإمبريقية، فقد كان هناك سقفٌ غيرُ مرئي، لكنه ذو فاعلية رهيبة، تضعه السلطة المُستبدة أمام كل باحث، من الخضوع للمراقبة أثناء التفكير والعمل الميداني وكذلك عرض

(1((مولدي القسومي، مجتمع الثورة ومابعد الثورة (تونس: دار محمد علي للنشر، 2020)، ص.356 ((1(المرجع نفسه، ص.190 ((1(وفاة أحد مشجعي "النادي الإفريقي" عمر العبيدي في 31 آذار/ مارس.2018

النتائج. غير أن الحدث الثوري فتح الباب أمام علماء الاجتماع لتناول حقل معرفي بِكر، ظلّ رهين قراءات لا تتجاوز حدود الفضاء الرياضي (الملعب) وتلك الهرمية التي يتميز بها التنظيم الداخلي ل "مجموعات الألتراس". فلا يمكن، بأيّ حال من الأحوال، التغاضي عن امتداد فكرة الألتراس وكونيّتها وانخراطها فيما هو مُعولم؛ إذ هي حمّالة دلالات تحتاج إلى تتبّعها عبر حقول مختلفة. ويمثّل

العرض التالي لمحة مُختصرة عن الدراسات والبحوث التي تناولت مجموعات الألتراس دوليًّا ومحليًّا،

وسنعرض الأطروحات أولً ثم نعلق عليها بصفة عامة. • دراسة جاك جليس، "النظام الرياضي: دين للحداثة؟": تتناول تحوّل معظم الملاعب الرياضية إلى

رهانات تتعلق بالسلطة في فضاءات مشحونة بالرمزيات: سلطة مدينة على أخرى، ومنطقة على أخرى، ودولة على أخرى، ومن مجموعة من البلدان على أخرى. لكن تداول السلطة هذا هو أيضًا الذي يخلق الروابط الاجتماعية؛ فالصراع بحسب رأيه علاقة وشكل من أشكال الاتصال، والصراع ضد المجموعة الأخرى شكل من أشكال الصراع على الفضاء. وتناقش الدراسة كذلك فكرة الدين الرياضي؛ فاللغة، بالكلمات أو من دونها، هي التي تنظّم النظام الرياضي، وتشكّل أحدَ عناصر الدّين العالمي. فعمليًّا،

لا وجود لدولة أو منطقة في العالم لا يعرف فيها المرء قواعد كرة القدم، والمصطلحات، وأنظمة الشفرات المُستخدَمة في الرياضات المختلفة، والتسلسلات الهرمية، وبطولات العالم، وأسماء أبرز

الأبطال والمُنتَخبات. • كتاب كريستيان برومبيرغر مقابلة كرة القدم: يتساءل مؤلفه عن كيفية تفسير الحماس الذي تُثيره كرة

القدم؟ ثم قواعد توزيع الجماهير في الملعب، إضافة إلى تطرقه إلى البعد الطّقسِي لمباراة كرة القدم. ويعتمد الكتاب على طرائق بحث مختلفة: مقابلات موسعة مع مشجعين، وملاحظات في الملاعب الأوروبية أو فضاءات تدور فيها مناقشات حول مقابلة كرة القدم (مقرّات النوادي وحانات المشجعين)،

وتحليلات نصوص، واستبيانات. ويهدف إلى الكشف عن علاقة الجماهير بكرة القدم في ثلاث مدن أوروبية (نابولي وتورينو ومرسيليا). ومن نتائجه أنه خلافًا للأفكار المسبقة، لا تشجع الجماهير آليًّا

فريق مدينتها؛ فالتّعقيدات والارتباطات تتجاوز ذلك باعتبار ما لها من امتدادات إقليمية وانتماءات

اجتماعية تؤدّي إلى تعزيز الصراعات الموجودة أصلً. ويُشبّه برومبيرغر مجموعات الألتراس ب  "فرق

الكوموندوس" التي تحتلّ "الفيراج" داخل الملعب، وهي لا  تعكس وحدة المدينة وملعب كرة القدم؛ فالصراعات والتّقابل والاختلافات الأيديولوجية والمنافسة الشّرسة بين المجموعات على الزعامة هو ما يميّزها.

(1((المولدي الأحمر، "شباب دوّار هيشر وحيّ التضامن في مدينة تونس الكبرى: بحث سوسيولوجي"، عمران، مج  4 العدد، 14

(خريف 2015)، ص.142

(16) Jacques Gleyse, "Le système sportif: Une religion pour la modernité," Corps et culture , no. 3 (1998), p. 5.

((1("الكوموندوس" فرقة عسكرية خاصة، يتميّز أعضاؤها بقدرات قتالية عالية.

(18) Christian Bromberger, Alain Hayot & Jean–Marc Mariottini, Le match de football: Ethnologie d’une passion partisane à Marseille, Naples et Turin (Paris: Éditions de la Maison des sciences de l’homme, 1995), p. 243.

• كتاب أكرم خميس ثورة جيل الألتراس: يستعرض مؤلفه ظروف نشأة مجموعات الألتراس في تونس والمغرب ومصر التي نشأت فيها مجموعة "ألتراس رد ديفلر" عام 2007، ويدرس توظيف النظام المصري السابق الرياضة، من أجل تحقيق أهداف ومكاسب سياسية؛ إذ يربط بين المشاركة الفاعلة لمجموعات الألتراس في الثورة المصرية والأحداث التي شهدها ملعب بورسعيد ("مذبحة" بورسعيد) عام 2012، والتي راح ضحيتها 74 مشجّعًا، أغلبهم أعضاء في "ألتراس أهلاوي"، وهذا في وقت اعتقد فيه قادة الألتراس، قبل هذه الأحداث، أن مشاركات الألتراس في الثورة وما تلاها من أحداث جعلت الداخلية تُجهّز للثأر منهم. • دراسة عبد الرحيم بوريقة "تحقيق سوسيولوجي حول العنف الحضري في المغرب": تبحث في إشكالية الهوية الفردية والجماعية لدى الشباب المغربي من خلال دراسة مجموعات الألتراس التابعة لفريقي الرجاء الرياضي ونادي الوداد الرياضي، لتخلص، أخيرًا، إلى أن هناك روابط وثيقة بين

ممارسات هذه المجموعات داخل الملعب والقضايا الاجتماعية والسياسية في بلادهم؛ فالمشجّعون غالبًا ما يصفون سلوكهم العنيف بأنه نوعٌ من ردّة الفعل ضد المجتمع في حدّ ذاته، وضدّ مؤسساته

وسُلطاته العامّة التي ترمُز إلى قمع الدولة. • دراسة منير سعيداني: "أن تكون ألتراس يعني أن يكون وجودك الاجتماعي مُنْشَقًّا": تتتبع نشأة مجموعات الألتراس في الوطن العربي وما تحمله ممارساتها داخل الملعب وخارجه من دلالات ورمزيات؛ إذ تتميز هذه المجموعات بتنظيم هرمي، وتقسيم للأدوار، وانتشار يمكن أن يمتد ليشمل قطاعات متعددة، وتستمدّ سرديّاتها من الشعور بالظلم ومعاداة قوّات الأمن والدفاع عن الفريق. وترصد

انتق لً في دلالات ورمزيات ممارسات هذه المجموعات بربطها بثلاث سمات كبرى: أولً، تزايد عُسر الأوضاع الاقتصادية لدى الطبقات الوسيطة والفقيرة. ثانيًا، الإقصاء السياسي الذي يضرب هذه

الطبقات نفسها ويُهمّش دورها. ثالثًا، تحوّل نشاط كرة القدم إلى مجال فعل ذِي صبغة تجارية يهدف

إلى تحقيق أرباح مالية. ومن هذا المنطلق، تتجاوز تعبيرات مجموعات الألتراس الزمان والمكان بأشكال مختلفة، وتُعزز شعور أعضائها بالانتماء إليها، مثل الأغاني والغرافيتي. ففي رسم هذه المجموعات إعلانات لوجودها عن طريق الغرافيتي مع إعلان العداء للخُصوم الأمنيين، وهي تقوم بذلك عَمْدًا وعلى نحو واعٍ، بهدف إعادة تقسيم فضاءات العيش الاجتماعية والحضرية والمدنية، من

خلال إعادة تسميتها بالإحالة إلى مجموعة المُحبين، ومن ثمَّ إلى الفريق وتَعْمِيدها بعلامات السيطرة

ورسم حدود النفوذ فيها.

(1((أكرم خميس، ثورة جيل التراس (القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان، 2012)، ص.75

(20) Abderrahim Bourkia, "Ultras in the City: A Sociological Inquiry on Urban Violence in Morocco," The Philosophical Journal of Conflict and Violence , vol. 2, no. 2 (2018), p. 326.

(2((منير سعيداني، "أن تكون ألتراس يعني أن يكون وجودك الاجتماعي مُ نْشَقًّ ا"، مجلة الفيصل، 2018/5/1، شوهد في

2022/5/15، في: https://bit.ly/3na4hSz

• دراسة سميّة عبد اللطيف "من المدرّجات إلى ميدان الحركات الاجتماعية": تناقش تطوّر التعبيرات

الفنيّة لمجموعات الألتراس في تونس واعتبارها شكلً من أشكال الرفض والاحتجاج، من خلال

تحدّي السلطة بالهتافات والأغاني ومواجهة قوّات الأمن داخل مدرّجات الملاعب الرياضية، ومحاولة

تحديد عددها والمجال الذي تنشط فيه ومضامين إنتاجاتها الفنيّة، إضافة إلى ربط ذلك بالسياقات

الاجتماعية والسياسية التي أفرزتها. تتفق معظم هذه الدراسات على مبدأ الارتباط الوثيق بين ممارسات مجموعات الألتراس وتعبيراتها، من جهة، والواقع الاجتماعي الذي تولّدت عنه في فترة تاريخية ومجتمع بعينه، من جهة أخرى. غير أنّه إذا كان بعضها يحصر المشاهدة في الملعب، فإن غالبيتها لا تخرج عن مجال العلاقة بين التهميش وعنف الملاعب بوصف ذلك تعبيرًا عن رفض تلك الهامشية. ونتفق من جانبنا مع هذا التوصيف في

مجمله، لكننا نرى فيه طرحًا يختزل الظاهرة الرياضية في معادلة الإقصاء والرفض والرغبة في التعبير عن الذات، وعن جملة من المطالب الاجتماعية؛ ذلك أن سياق الثورة التونسية كشف أبعادًا جديدة للظاهرة، وبيّن أنّ الحقل الرياضي ليس إلا مج لً من مجالات تجلّي بعض مكونات الظاهرة، كما ظهر

أن هذا الحقل يمكن أن يتداخل حتى مع الحقل الديني، ويبدو أن هذا التداخل في ظاهره سياقيٌّ، لكنه

يكشف عن بنى كامنة في الحقلين نحاول الكشف عنها في هذه الدراسة.

4. أهمية الدراسة وفرضياتها

تكمن أهمية الدراسة في أنها تدرس ممارسات مجموعات الألتراس على أنها تمثّل شكلً من أشكال الصراع مع المجموعات المنافسة لها داخل ملعب كرة القدم وخارجه، وتكشف عن تأثيرات الحدث الثوري في ديناميّاتها الموَلِّدة للصراعات والفضاءات موضوع التّحوز وإثبات الهوية، وذلك من خلال

تتبّع المتغيرات التي أفرزتها التقاطعات بين حقول الرياضة والسياسة والدين. وسنناقش هنا فرضيّتين أساسيتين كما يلي: • مثلت مجموعات الألتراس في السياق التونسي قبل الثورة تعويضًا عن انسداد الأفق الاجتماعي أمام الشباب، وعكست غياب التأطير السياسي، وحتى المدني المناسب، الذي يمنحهم هويتهم ويُمكّنهم من التعبير عن حاجاتهم والمُطالبة بحقوقهم، غير أن بروز المجموعات السلفية بعد عام

2011 بوصفها منافسًا للألتراس في الفضاءات التي تتحوّزها ورأس مالها البشري، ساهم في امتداد

الصراع وتقاطعه مع الحقل الديني. • ساهمت فجائية الثورة التونسية، وما أعقبها من حركية اجتماعية وسياسية، في تطور آليات الصراع

بين مجموعات الألتراس والمجموعات المنافسة؛ ما  أفرز أشك لً جديدة من الرفض والتضاد داخل ملعب كرة القدم وخارجه.

(22) Soumaya Abdellatif, Safouane Trabelsi & Zahia Ouadah Bedidi, "From the Stands to the Arena of Social Movements: Post–2011 Football Terrace Chants in Tunisia," Cosmopolitan Civil Societies , vol. 14, no. 1 (2022), p. 65.

5. منهجية الدراسة

تقوم الدراسة في منهجها على نقد مزدوج، موضوعه تركيز أغلب دراسات الألتراس في الأدبيات العربية على ظاهرة العنف في الملاعب، وقد عزّز ذلك الإعلامُ الرياضي بسبب تفاعله مع تلك الدراسات تأثيرًا

فيها وتأثرًا بها، واختزال هذه الظاهرة في مقولات وصْم وإدانة أخلاقية، تعمّق شعور المشجعين بالظلم

والتهميش. لذلك، ارتأينا أولً توسيع مجال المشاهدة ميدانيًا، وثانيًا الاعتماد على أدوات سوسيولوجية

نظرية قادرة، في رأينا، على النفاذ إلى تعقيدات الظاهرة وكشف أبعادها الاجتماعية الدّفينة التي تتقاطع فيها. وقد تناول البحث الميداني الرياضي والسياسي والديني في سياق تونسي غير مسبوق هو سياق الثورة، وقدرات النظام السابق وآلياته في السيطرة على الفضاءات العامة. لذلك، تستند هذه الدراسة إلى مفهوم الحقل الاجتماعي كما حدده بيير بورديو، وميزة هذا المفهوم أنه يساعد في التنقل بين حقول اجتماعية مختلفة مع خيط ناظم هو تصريف رؤوس الأموال الرمزية وانتقال قوى اجتماعية من حقل اجتماعي إلى آخر للتعبير عن ذاتها وعن مطالبها. و"الحقل" عند بورديو ليس إلا مُكوِّن من مكوّنات العالم الاجتماعي، محكوم بقوانين وقواعد داخلية خاصة. فحقول

الصحافة والأدب أو الفنون تمثّل عوالم شبه مُغلقة، مع قواعد دخول ونشاط ومعارف ومهارات ومعايير

ومنظومات ذهنية مشتركة (هابيتوس) لا يُتقنها غير المُنتمين إلى تلك الحقول. والحقل كذلك فضاء

للهيمنة والصراع، فهو حقل تصارعي يخوض فيه الأفراد والمجموعات صراعات بهدف السيطرة على الموارد والمواقع. وبذلك، يكون الحقل الرياضي محلّ صراعات، من بين رهاناتها احتكار التعريف الشرعي للممارسة الرياضية والوظيفة الشرعية للنشاط الرياضي وفرضه، والهِواية ضدّ الاحتراف، والرياضة المُمَارسَة ضد رياضة الفرجة، والرياضة المتميزة للنخبة ضد الرياضة الشعبية للجماهير. يمثّل التقابل بين نحن وهُم شكلً من أشكال الصراع على مُقدَّرات الرساميل والمواقع في الحقل

الرياضي، بهدف تعزيز رأس المال الرمزي للمجموعة؛ لتتقابل في الملعب هويات مختلفة تنشط في الحقل نفسه. ولا  بد من تأكيد التقاطعات بين مفهوم "الهوية" ومفهوم "الهابيتوس"؛ فالأخير، كما حدده بورديو، يتفرّع إلى ثلاثة مستويات: أولها "الهابيتوس الفردي"، ثم "هابيتوس الجماعة

المحليّة المحيطة بالفرد"، ثم يتفرع بدوره إلى أوّلي وثانوي. فالهابيتوس بهذا المعنى بنية داخلية دائمة

الانبناء في الشّخصية، وبناءً عليه، تتطوّر الهوية وفقًا للتجارب التي تمرّ بها. إضافة إلى "منطق

الحقل" باعتبار أن كل حقل من الحقول، مثل الحقل الديني والسياسي والفني... إلخ، يخضع لمنطق خاص به، تشهد بنيته على الصراعات بين مختلف مكوّناته. وفي الحالة التونسية، شهد المجتمع

(23) Pierre Bourdieu, "Champ du pouvoir, champ intellectuel et habitus de classe," Scolies: Cahiers de recherche de l’Ecole normale supérieure, no. 1 (1971), pp. 7–26. (24) Pierre Bourdieu, Questions de sociologie (Paris: Les éditions de Minuit, 1984), p. 181. (25) Pierre Bourdieu, Le sens pratique (Paris: Les éditions de Minuit, 1980), p. 88.

((2(عماد عبد  الغني، سوسيولوجيا الهوية: جدلية الوعي والتفكيك وإعادة البناء (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2017)، ص.135

(27) Gilles Ferréol (dir.), Dictionnaire de sociologie (Paris: Armand Colin, 2009), p. 11.

بعد عام 2011 تغيرات سريعة شملت الحقل السياسي والحقل الديني، وامتدت تأثيراتها لتشمل الحقل الرياضي، وتساهم في بروز أشكال جديدة من التقابل أخذت أحيانًا شكل الانتماء الهوياتي. فاعتمادنا مفهوم "الهوية" في علاقة ب "مجموعات الألتراس" سيكون وثيق الصّلة بمعاني الانتماء والبحث عن الاعتراف، باعتبار أن هذه المعاني تمثِّل مجموع التصنيفات الانتمائية التي يرى بواسطتها الفاعلون أنفسهم ومحيطهم. نتجاوز في هذه الدراسة التعريف الكلاسيكي لملعب كرة القدم، لنتناوله باعتباره فضاءًاجتماعي ا

تدور فيه مباريات ومقابلات متعددة ومختلفة، ميزتها الأساسية "الصراع"، وهدفها إحكام السيطرة على مقدّرات الفضاء وتحجيم سلطة الآخر. لذلك، هو صراع يولّد ثنائيّات نحن – هم، ويعزز رأس المال الرمزي للمجموعة. فالعُروض التي ترافق حضور مجموعات الألتراس في "الفيراج" وما تحمله "الدّخلة" والأهازيج من مدلولات، موجّهة في أغلبها إلى المجموعات المنافسة وقوّات الأمن، وهذا يفرض تجاوز حدود الملعب وانتق لً بين حقول وفضاءات متعددة لتحديد خلفياتها السوسيولوجية، وهو ما ينقل المشاهدة إلى البنى الاجتماعية وما فيها من نسيج دلالي ورمزي، والانفتاح على مجالات معرفية أخرى كالسيميولوجيا. فعلم العلامات العام "السيميولوجيا"، يهتمّ بأشكال الخطابات جميعًا مهما كانت تعبيراتها: رسوم، وحركات، وأفلام، ونصوص، ولباس... إلخ، ما يساعدنا في تأليف مقاربة "سيميولوجية – اجتماعية" تجعل عالم الاجتماع مُنتبّهًا إلى

ما في المعطى الاجتماعي من أبعاد رمزية وأنظمة دلالية، ومتيقّظًا لما يمكن أن يُوجد في العلاقات والممارسات من صراعات وتناقضات. تعتمد هذه الدراسة على طريقة البحث الكيفي، والمراوحة بين مقاربة الحقل الاجتماعي والمقاربة السيميوسوسيولوجية، وذلك على مستويَين: • العمل الميداني: يستند إلى تقنية الملاحظة من خلال مواكبة نشاط مجموعة ألتراس Dodger’s 2007 (قطاع منزل بورقيبة)، قبل مباراة دربي العاصمة وخلالها من داخل ملعب كرة القدم، وإلى رصد أثرِ الكتابات والرسومات الجدارية Graffitis المنتشرة على الواجهات والفضاءات المختلفة التي تُثبت من خلالها المجموعة سيطرتها وإخضاعها للقطاع. وتعتمد كذلك تقنية المقابلة نصف الموجّهة من خلال إجراء ستّ مقابلات مع منتمين إليها على اختلاف مواقعهم داخل تنظيمها الهرمي،

وامتداد جغرافي فرضته مجريات العمل الميداني، انطلقنا فيه من منزل بورقيبة وصولً إلى حومة رأس

(2((محمد الكوخي، سؤال الهوية في شمال أفريقيا: التعدد والانصهار في واقع الإنسان واللغة والثقافة والتاريخ (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2014)، ص.13 (2((ينظر في هذا المجال: روبرت شولز، السيمياء والتأويل، ترجمة سعيد الغانمي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994)؛

مارسيلو داسكال، الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة، ترجمة حميد لحمداني [وآخرون] (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.)1987 ((3(شملت خطّة العمل مراحل الإعداد والتنفيذ، وامتدّت من أواخر نيسان/ أبريل حتى أواخر أيار/ مايو.2022 ((3(مباراة كرة قدم جمعت فريقي العاصمة التونسية، الترجي الرياضي التونسي والنادي الإفريقي في 8 أيار/ مايو.2022

الدّرب وحومة المِركاض في مدينة تونس العتيقة باعتبارهما  يمثلان فضاءً نشأت فيه المجموعة قبل انتشارها. • قراءة سيميوسوسيولوجية لمثالين من الأغاني التي تُرددها مجموعات الألتراس التابعة للنادي الإفريقي: – الأولى: أغنية ACAB لمجموعة 2007 Dodger’s.

. Africain Winners لمجموعةYa Hyetna/ Alla vecchia Maniera – الثانية: أغنية

ثانيًا: نتائج الدراسة

1. ما الألتراس في تونس وخصائصه؟ وما مجموعة Dodger’s 2007؟

يَدين أعضاء الألتراس بالولاء لفريقهم الرياضي وللمجموعة التي ينتمون إليها، ويتميّزون بصفتهم مجموعة بتنظيم داخلي هرمي محكم (قادة، ومساعدون، وأعضاء). وليس الانتماء إلى مجموعتهم متاحًا للجميع، بل يخضع للعديد من الشروط، أهمها الولاء للفريق والمجموعة، وهم يرتدون قُمصانًا وقُبّعات مميزة، ولهم جملة من الممارسات الخاصة بهم في الملاعب وفي الأحياء التي يسكنونها. وبالنسبة إلى التمويل، فتعتمد مجموعات الألتراس في ذلك على الموارد الذاتية للأعضاء، وهُم جلّهم من الشباب. ويتجمّع في المدرّجات الواقعة خلف المرمى المشجعون الأكثر شبابًا، والأشدّ فقرًا والأكثر حماسة؛ أولئك الذين أدخلوا نوعية جديدة من الأغنيات، والذين أسسوا مبدأ التمييز بين المشجع المحلي والمشجع الزائر، بما ترتّب عليه من تحديد لفضائهم الحصري داخل الملعب. ومن جملة مميزات مجموعات الألتراس: • التّموقع في "الفيراج" باعتباره فضاءً حصريلًّا للممارسات الفرجوية، مث Nord Curva و Sud Curva

كما هو مبيّن في الشكل.)1(

((3(حومة "رأس الدّرب" وحومة "المِركاض" حيان يقعان في محيط المقر المركزي ل "النادي الإفريقي" في "باب الجديد" أحد

أبواب مدينة تونس العتيقة. ((3(تتفرّع "مجموعات الألتراس" المنتمية إلى جماهير "النادي الإفريقي" إلى أربع مجموعات أساسية، وذلك بناء على تصريحات

المستجيبين الذين شملتهم المقاب: 1. مجموعة "أفريكان وينييرز" ت Winners Africain، والجدل ما زال قائمًا حول تاريخ

التأسيس؛ 1995 أو.2003 2. مجموعة "ليدارز كلوبيست" Clubistes Leaders تأسست عام.2003 3. مجموعة "دودجيرز كلوبيست" Clubistes Dodger’s تأسست عام.2007 4. مجموعة "نور فاندالس" Vandals North تأسست عام.2007

(34) Dodgers Clubiste, "Dodger’s Clubiste – A.C.A.B," YouTube, 3/4/2018, accessed on 8/9/2022, at: https://bit.ly/3xz3U9M (35) African Winners, "15 – Ya Hyetna/ Alla vecchia Maniera," YouTube, 23/12/2018, accessed on 1/6/2022, at: https://bit.ly/3nd8W6h (36) Mignon, p. 45.

المصدر: من إعداد الباحث.

إنهاءً لوجود المجموعة.

المجتمع.

مكبّر صوت، ويتحكّم في نسق التشجيع.

((3(لواتي، ص.10 ((3(المرجع نفسه، ص.11 ((3(المرجع نفسه، ص.10

الشكل (1) مخطط لملعب كرة قدم يوضّح موقع المدرّجات التي ترتادها مجموعات الألتراس

• "الباش": لافتة ضخمة تحمل اسم المجموعة وشعارها، وترسم من خلالها المجموعة هويتها وفضاء "سيادتها"، إذ إنَّ سرقته من طرف مجموعة منافسة ونشره مقلوبًا في مواجهة مباشرة أو تمزيقه يعتبر

• "الدخلة" Tifo: تكون عادة مع بداية المباراة، وتعبّر عن موقفٍ ورأي، وترافقها أغانٍوأهازيج، وهي رسالة توجهها مجموعة الألتراس إلى الفريق أو إلى المجموعة المنافسة أو إلى الأمن أو إلى

• "الكابو": المسؤول عن قيادة المجموعة، من خلال التنسيق مع رؤساء القطاعات؛ فهو الرئيس، وهو الشخص الذي يكون واقفًا على السياج أو المنصّة ومتّجها إلى الجماهير لا إلى الملعب، ويحمل

• "رئيس قطاع": المسؤول عن قيادة أعضاء المجموعة في قطاع معيّن، ويتولى القيادة أيضًا "الفيراج "

من خلال التشجيع والتحفيز المتواصل. • "الكراكاج": عرض احتفالي يكون عادة بين الدقيقتين 70 و 80 من مدة مباراة كرة القدم، وذلك من خلال إشعال متزامن لعدد كبير من الشّعلات في "الفيراج". ويكون الإعلان عن بداية "الكراكاج" بإطلاق "باراشوت" وهو شعلة كبيرة تستخدم عادة في إقلاع المناطيد. • "الكورتيج": يعني أن تسير مجموعات من الألتراس التابعة للنادي الضيف في شوارع مهمة في المدينة التي يتبعها النادي صاحب الأرض بشماريخ ولافتات وهتافات في عرضٍ أشبه باستعراض العضلات. • كتابات ورسومات جدارية Graffitis: تُبرِز شعار المجموعة والفريق الرياضي وتسميتهما، وتكون عادة على شكل رسوم كبيرة الحجم في أماكن بارزة للعيان، وتنتشر على الجدران الخارجية ل "الحومة"، وهي حمّالة رمزيات ورسائل موجهة، أساسًا، إلى السلطة والمجموعات المنافسة، وإثبات وجود

وتحديد جغرافي للفضاء والقطاع الذي تُسيطر عليه المجموعة؛ إذ تثبّت مجموعات الألتراس أشك لً

من الروابط المجالية التي تنظّم المنافسة فيما  بينها، وتمارس "التأشير الرمزي" على الفضاء من خلال الكتابات Tag والرسومات الجدارية، وكذلك الملصقات Stikers. الشكل (2) البنية التنظيمية لمجموعة الألتراس

المصدر: من إعداد الباحث استنادًا إلى العمل الميداني. ((4(عندما تنتشر عقلية مجموعة ألتراس معينة في منطقة جديدة (حي أو حومة أو مدينة)، يتولى رئيس القطاع قيادة المجموعة والإشراف عليها. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يشرف على تحفيز الأعضاء الموجودين في "الفيراج" وقيادتهم طوال ردهات المقابلة، ويكون عادة مقابل الجماهير وفي مكان مرتفع نسبيًا وفي حركية دائمة. ((4(خميس، ص.58

(42) Bérangère Ginhoux, "En dehors du stade: L’inscription des supporters 'ultras' dans l’espace urbain," Métropolitiques , 13/5/2015, p. 1, accessed on 25/7/2022, at: https://bit.ly/3qvUF6a

2. نحن Dodger’s 2007

ضمن هذا السياق الذهني الذي له أبعاد كونية باعتبار أن التسميات الأولى لمجموعات الألتراس مستوردة وبلغات غير العربية، تشكَّلت مجموعة 2007 Dodger’s؛ إذ تُحيل تسميتها على "المراوغين الأفريقيين"، حيث يرمز الاسم إلى المراوغة والحيلة والقدرة على البقاء خارج النظام، وذلك بالانتماء إلى النادي الإفريقي. وقد تأسست هويّة المجموعة على جملة القيم والمبادئ

الأساسية التي ذكرناها سابقًا في توصيفنا خصائص الألتراس بصفة عامة. بهذا المعنى، تتشكل هويّة مجموعة 2007 Dodger’s من خلال تعزيز شعور أعضائها بالانتماء إلى

المجموعة والنادي. والانضباط لتوجيهات القيادة في ظاهره تشجيع للفريق الرياضي، غير أن البنية الداخلية وميزة التضامن بين أعضائها تستدعيان، على مستوى البحث، تجاوز تراتبية الأدوار داخلها والانفتاح على الدلالات السوسيولوجية التي يُضفيها أعضاؤها على ممارساتهم داخل الفضاءات التي يتحوّزونها، والأحياء التي يسكنونها، في خضمِّ دينامية اجتماعية سريعة التغيير. يقول أحد المستجيبين:

"نحن عائلة واحدة، نعيش مع بعضنا في نفس القطاع، نتقابل يوميًّا وإذا غابت أخبار أحدِنا ليوم واحد

نبحث عنه لتفقد أحواله". يمكن أن تكون جغرافية القطاع، من وجهة نظر "ألتراسية"، حيًا من الأحياء، أو "حومة" أو قرية أو

مدينة أو بلدًا أجنبيااًّ. فكُلّم امتدّت هويّة المجموعة وتَكاثر عدد المقتنعين بمبادئها وقِيمها، تأسس

قطاع جديد. ويمكن أن تأخذ عملية الامتداد أشك لً مختلفة، وخاصّة تلك التي تأتي في إطار صراع مع مجموعة فريق منافس أو حتى من الفريق نفسه، وهذا يكون في إطار تنقلات المجموعة لمتابعة فريقها خارج ميدانه؛ إذ يشبهها أحد الأعضاء ب "الفتوحات" وكأننا إزاء موقعة دينية تاريخية تستدعي فيها مجموعة الألتراس ملحميّة الحروب التي خاضتها الجيوش الإسلامية في صدر الإسلام. وتجري

عملية إخضاع قطاع جديد عبر تعبيرات ورمزيات خاصة، تتعلق مثلً بشطب شعار مجموعة الفريق المنافس المنتشرة على الجدران وطمسها، وكتابة اسم المجموعة ورسم شعارها بدلً منه. وهذه آلية من آليات الهيمنة والصراع، تهدف إلى بسط النفوذ؛ إذ تتجه المجموعة إلى شوارع المدينة، لتَثبيت وجودها فيها، والامتلاك الرمزي لفضائها، واعتبارها منطقة نفوذ من الضروري المحافظة عليها؛ ذلك أن وجود هذه المجموعات من خلال الإعلان عنه بالغرافيتي، وبالاستعراض الشارعي وفي الملعب وعلى حواشيه، إعادةُ بناء للجغرافيا الاجتماعية والثقافية الحضرية.

((4(يحتاج البحث في العلاقات المعقدة التي تشكلت بين الحقل الرياضي العالمي والحقل الرياضي التونسي بحثًا خاصًا. ((4(نسبة إلى النادي الإفريقي. ((4(لواتي، ص.29 ((4(جملة القيم والمبادئ الواردة في هذا العنصر مستقاة، أساسًا، من مخرجات العمل الميداني والمقابلات التي أجريت مع

أعضاء المجموعة. ((4(رئيس قطاع "مجموعة 2007 Dodger’s "، مقابلة شخصية، منزل بورقيبة،.2022/5/2 ((4(عضو "مجموعة 2007 Dodger’s "، مقابلة شخصية، تونس،.2022/5/7 ((4(سعيداني.

الصورة (1) صراع بين مجموعة 2007 Dodger’s ومجموعة ألتراس تشجع الفريق نفسه

المصدر: من العمل الميداني، مدينة منزل بورقيبة، أيار/ مايو.2022

يتجاوز امتداد "عقلية الألتراس" وتوسّعها حدودَ شطب شعار المجموعة المنافسة، ليتحوّل إلى

إعلان عن وجودها ودعوة إلى الاعتراف بسلطتها على القطاع المعني، وفي ذلك تعزيز لرأس مالها الرمزي. وتكون الرسالة هنا موجهة إلى طرفين: الأول المجموعات المنافسة، والثاني السلطة السياسية باعتبار أنّ أغلب هذه الكتابات تكون على جدران مؤسسات تربوية وملاعب رياضية، وعلى واجهات بارزة للعيان، وفي فضاءات عامة. فرمزية هذه الفضاءات تدعونا إلى ضرورة الانتباه؛ كون هذه الكتابات والرسومات، إضافة إلى ما ذكرناه سابقًا، تعتبر دعوةً إلى الانتماء، وإعلانَ انتدابٍ موجهًا إلى الفئات الاجتماعية التي ترتادها من تلاميذ وجماهير رياضية. الصورة (2) صراع بين مجموعة 2007 Dodger’s ومجموعة ألتراس تشجع فريقًا منافسًا

المصدر: المرجع نفسه. ((5(تعبير متداول بين أعضاء مجموعة الألتراس، يُحيل إلى التشبّث بهوية المجموعة ومبادئها.

الصورة (3) كتابات في مفترق طرقات رئيس في مدينة منزل بورقيبة

المصدر: من العمل الميداني، مدينة منزل بورقيبة، نيسان/ أبريل.2022

تحفز هذه الكتابات والرسوم الجدارية على الحفر في ما وراءها من مدلولات، وما يستدعيه ذلك من فكّ لشفراتها السيميولوجية؛ فدينامية الصراع الذي تخوضه مجموعة 2007 Dodger’s تتجاوز ملعب كرة القدم لتخترق الفضاء العام في حدود القطاع الذي تتحوّزه، فننتقل بذلك من فضاء فرجوي (الفيراج) بما يرافقه من أهازيج ولوحات تستعرض بوسيلة "الدخلة والكراكاج" المخزون الرمزي للمجموعة، إلى القطاع خارج الملعب، حيث يتحوّل الفضاء العام إلى رهان، وينتقل الصراع من شكله الفرجوي إلى شكله التواصلي الرمزي غير المباشر. فمجموعات الألتراس تنتمي إلى العالم الاجتماعي الذي تتأسس فيه الأنشطة والمواقع والخطابات على قاعدة ثقافية موحّدة، وتتأثر هذه الخطابات والرموز والصراعات بالروابط والقواسم المشتركة مع عوالم أخرى، مثل عالمي الموسيقي والسياسة وغيرهما. فهذا الصراع الذي تخوضه مجموعة 2007 Dodger’s حول مقدرات الحقل الرياضي من رساميل ثقافية واقتصادية ورمزية، توظَّف فيه أدوات نابعة، أساسًا، من واقع اجتماعي وسياسي وثقافي، وهي في خضمّ ذلك، تتأثر بنشاط المجموعات المنافسة، من جهة، وبالتّغيرات والديناميات الاجتماعية الطارئة، من جهة أخرى.

3. الحقل الرياضي والدلالات السياسية

تستمدّ مجموعة 2007 Dodger’s قدرتها على التأثير في فئات واسعة من الشباب من توظيفها لما تعتبره زخمًا نضاليًا تاريخيًا للنادي الذي تنتمي إليه، وهو النادي الإفريقي. وتعتمد في ذلك على

(51) Ginhoux, p. 2.

الرواية القائلة إنّ أصول تسمية فريقها تعود إلى عام 1915 لمّا حاولت مجموعة من التونسيين تأسيس

جمعية "الملعب الإفريقي" التي رفض المُستعمِر الفرنسي منحها تأشيرة النّشاط، وذلك بعد رفض

مؤسسيه تعيين فرنسيٍ على رأس النادي، إضافة إلى تمسّكهم باللّونين الأبيض والأحمر ميزةً للِباس

اللاعبين، في إحالة إلى ألوان العلم التونسي، وشعار النجمة والهلال في إحالة إلى الهوية الإسلامية. وفي تلك الفترة، كان يُسمح للأندية بالنشاط إذا ما كان على رأسها مسؤولون من غير التونسيين.

وعندما فرض التونسيون نواديهم، كان هناك تصنيف لجمعيات إسلامية وأخرى فرنسية وإيطالية، وكان النادي الإفريقي مصنّفًا ضمن الجمعيات الإسلامية ويرأسه تونسي. يمثل ربط جمعية النادي الإفريقي بمقاومة المحتل الأجنبي، رأسَ مالٍ رمزيًا تأسّست عليه جماهيريته

في تونس، إذ أصبحت الشعارات والرمزيات التي تعتمدها مجموعات الألتراس التابعة له تعني "الدفاع عن المظلومين والمهمّشين". وبذلك نشأ مُتخيَّل لدى المتعصبين للفريق مفاده أن هذه

المجموعات تمثل ملاذًا لفئات اجتماعية عديدة، وخاصة الشباب، لأنها تشترك في هامشية الموقع والدور الاجتماعي (فقر وبطالة وانقطاع مدرسي... إلخ). وقد انتشر هذا التمثل للفريق شيئًا فشيئًا داخل المدن والأرياف، وخاصة بعد عام 2011؛ فلا تكاد تخلو منطقة من كتابات جدارية تُثبت المجموعة من خلالها وجودها بصفتها تلك. وقد رأت السلطة في هذا الانتشار تهديدًا لها ومنافسة لها في شرعيّتها. وبناءً عليه، أصبحت ترى فيه خطرًا يجب التّصدي له. إذًا، كان الصراع مع

النظام السابق محصورًا في أغلبه داخل الملاعب، وكانت ثنائية المواجهة بين قوّات الأمن والمنتمين

إلى هذه المجموعات، فأصبح جزءٌ مهمٌ من هذه الصراعات، المؤطَّرة بالحقل الرياضي بمفهوم

بورديو، يجري خارج الملعب في الأحياء الشعبية، وفي سياق الثورة تقاطع فيه الحقل السياسي مع الديني. من المنظور البحثي، أصبحت علاقة التهميش بممارسات السلطة، قبل عام 2011 وبعدها، مفتاحًا

لفهم دلالات الصراع وديناميته بين مجموعات الألتراس في حد ذاتها وبينها وبين السلطة. وقد تبيّن أن هذه التحولات وثيقة الصلة بسياقات الثورة التونسية؛ ما يدفعنا – كما ذهب إلى ذلك

المولدي الأحمر – إلى إجراء تمييز بين مجموع الثائرين ضدّ الإقصاء السياسي والاقتصادي وفق موقعهم في إنتاج الثورة، على أساس تمتّعهم من عدمه بالاعتبارات الاجتماعية وبرأس المال الثقافي. ويمكن هنا ملاحظة أن التجمعات السكانية التي تظهر فيها مجموعات الألتراس ومناصروهم تمثِّل مجالات من الهامشية المدينية، يُعاني سكّانها الهشاشة والإقصاء الاجتماعي،

وقد تحولت في سياق الثورة إلى "مجالات احتجاجية" تتخلّق في رحمها الهويّات الرافضة، مثل

(52) Lotfi Zahi, Aux origines du Club Africain (Tunis: Editions Karem Sharif, 2012), p. 136.

((5(عضو "مجموعة 2007 Dodger’s "، مقابلة شخصية، منزل بورقيبة،.2022/5/12 (5((فؤاد غربالي، "سوسيولوجيا المعاناة من خلال المعيش اليومي لشباب الأحياء الشعبية: شباب مدينة صفاقس مث لً"، عمران،

مج 4، العدد 16 (ربيع 2016)، ص.81 (5((المولدي الأحمر، "حطب الثورات: الفقراء والمهمشون في الثورة التونسية"، المجلة العراقية لعلم النفس الاجتماعي

والسياسي، العدد  4 (2022)، ص.47

مجموعات موسيقى "الرّاب" ومجموعات الألتراس، والمجموعات الدينية المتطرفة والهَبّات

الشعبية الغاضبة. الصورة (4) كتابة على جدران الشركة التونسية للكهرباء والغاز: "العدالة أو الفوضى"

المصدر: من العمل الميداني، مدينة منزل بورقيبة، حزيران/ يونيو.2022

بهذا المعنى، يمكن تعريف التهميش بأنه إقصاءٌ ناتجٌ من الحرمان من النّفاذ إلى مقدّرات رأس المال

الاقتصادي. ومن المثير سوسيولوجيًا، ملاحظة كيف تحول الانتماء إلى مجموعة ألتراس – في شكل

من أشكاله – إلى مصعد اجتماعي يُكسِب العضو الاعتراف والتقدير في مجتمعه الضيق، ويمنحه بعض الشرعية والقوة التي يقارع بهما السلطة السياسية التي يعتبرها سببَ حالة التهميش التي يعيشها هو وأعضاء مجموعته والحي الذي يسكنه بصفة عامة، بل تشجعه المجموعة حتى على تهديد تلك السلطة بالفوضى، وهو ما يعبَّر عنه في الكتابات على جدران المؤسسات العمومية. وتُبرز كتابات

أعضاء ألتراس على جدران المؤسسات التربوية الصراع على رأس المال الثقافي الذي تحتكر المدرسة إنتاجه. ويمكن اعتبار خيار الكتابة على جدران المدرسة أداة من أدوات تأكيد الحضور، واحتجاجًا أيضًا على اللامساواة الاجتماعية التي يكرّسها التقسيم بين مؤسسات تربوية عموميّة، أصبحت تنتج

الهامشية، وأخرى خاصة تنتج التّميز.ُّ

(5((جهاد الحاج سالم، مسارات التطرف الجهادي وتجارب الإقصاء اليومي عند شباب الأحياء الشعبية: محاولة في الفهم (تونس: مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان، 2020)، ص 1، شوهد في 2022/05/13، في: https://bit.ly/3eYxAqp

الصورة (5) كتابات على جدران مؤسسة تربوية من أمام معهد ثانوي

المصدر: من العمل الميداني، مدينة منزل بورقيبة، نيسان/ أبريل.2022

لم تتغير حالة المهمشين الذين حسموا أحيانًا معارك المتظاهرين ضد الشرطة في بداية الثورة بعدما سقط النظام السابق. وقد تولدت عن الثورة خريطة سياسية فسيفسائية ومتضخّمة، تتكون من أكثر من 200 حزب سياسي. فتعاقب على رئاسة الحكومة عشرة رؤساء، وشارك في تشكيلها أكثر من عشرة أحزاب سياسية، لا تجمع بينها مرجعيات أيديولوجية متقاربة. وقد ساهم هذا التشتت السياسي في تسخير الرساميل المختلفة وتوظيفها في الصراع بينها، بما في ذلك في الحقل الرياضي. وفي الوقت ذاته، واصلت السلطة الجديدة ممارسات النظام القديم تجاه الرياضة أولً، ثم مجموعات الألتراس. فبداعي الأمن، فرضت على الفرق اللعب من دون جمهور، واستمرَّ ذلك أحيانًا فتراتٍ طويلة. فكانت

النتيجة أن ولّدت هذه السياسة مزيدًا من الإقصاء تجاه المنتمين إلى مجموعات الألتراس التي وجدت نفسها مطاردة من جديد من رجال الأمن، وبدا لأعضائها أن النظام الجديد يطاردهم بالطريقة نفسها التي كان النظام القديم يطارد بها الإسلاميين والناشطين من اليسار السياسي. هنا يقول أحد رؤساء القطاعات في مجموعة 2007 Dodger’s: "عندما يكون موعد مباراة 'النادي الإفريقي' على الساعة الثالثة مثلً، يجب أن أكون في مركز الأمن على الساعة الثانية لإثبات عدم ذهابي للملعب". وقد بلغ الصراع بين السلطة ومجموعات الألتراس أقصاه عام 2018 عندما فرض الأمن على أحد أنصار النادي الإفريقي السباحة داخل قناة مياه عفنة قريبة من الملعب الذي جرت فيه المباراة، قائلين له "تعلم عوم" (تعلم السباحة) ما أدى إلى غرقه وموته، فأصبحت العبارة أحد الشعارات الاحتجاجية التي

((5(الأحمر، "حطب الثورات." ((5(رئيس قطاع "مجموعة 2007 Dodger’s "، مقابلة شخصية، منزل بورقيبة،.2022/5/17 ((5(المرجع نفسه.

العامة.

4. دلالات سيميولوجية لتعبيرات "ألتراسية"

تحليل وقراءة سيميوسوسيولوجيين. أ. أغنية A.c.a.b لمجموعة 2007 Dodger’s "شفتو ملا  خرافة قطاع الأمني والصحافة المنظومة ميبونة، l’intérêt كان يقمعونا شفتونا ما قدّونا، ولاد القحبة لي ظلمونا

((6(كلمة رائجة في اللهجة الدارجة التونسية، تُحيل الأغنية من خلالها إلى التساؤل بمعنى: هل شاهدتم؟ ((6(كلمة نابية مستخدمة في اللهجة الدارجة التونسية، تعني العاهرة. ((6(كلمة فرنسية تعني "الهدف والاهتمام."

((6(كلمة نابية مستعملة في اللهجة الدارجة التونسية، ويُقصد بها في هذا السياق أنّ رجال الشرطة أبناء عاهرة.

ترددها مجموعات الألتراس المشجعة للفريق المذكور، وليُعزّز ذلك الصراع على رأس المال الرمزي في فضاءات اجتماعية مختلفة، مثل الملعب الرياضي والحي والحومة والأنهج الضيّقة والساحات

الصورة (6) كتابات على جدران الملعب البلدي

المصدر: المرجع نفسه.

يتناول هذا الجزء مثالين من الأغاني، نسعى من خلال تحليلهما لتحديد أدوات الصراع ورمزيّاته عبر

((6(كلمة نابعة من اللهجة الدارجة التونسية، تحيل في هذا المقطع إلى عجز رجال الشرطة عن مواجهة مجموعة الألتراس.

Partout في حيوط شافوها في stadets البلاد سمعوها

A.c.a.b A.c.a.b

أعيان البلاد في الكورة فُسّاد، أعوان الشرطة بقاو عبيد يسخّف حال بلادي، نحاربوكم ونموتو عادي موتة وحدة تنادي يا بوشلطة يا بوجادي

" A. c. a. b A. c. a. b

تمنحنا القراءة السيميوسوسيولوجية لهذه الأغنية القدرة على فك تشفير علاماتها وتحديد مدلولات الصراع الذي شمل حقول الرياضة والسياسة والإعلام في تونس. تعبّر الكلمات والألفاظ الموظَّفة في هذه الأغنية على العداء الصريح والمباشر الذي تُكنّه مجموعة

2007 Dodger’s لقوّات الأمن، من خلال توظيف كثيف للّهجة الدارجة المحلية مع عبارات وألفاظ

نابية، تحطّ من قيمتهم وتشكك من منظور أخلاقي في شرفهم وشرعية أصولهم، والهدف من ذلك هو تحفيز الأعضاء وتعزيز انتمائهم "الأصيل" إلى المجموعة التي يعتبرونها في حالة حرب مُعلَنة مع قوّات الأمن. فتوظيف المُختصر b. a. c. A في هذا الصراع، هو في حدّ ذاته ترميز لوجهة نظر "التيفوسي" تجاه أعداء المجموعة والفريق من متنفّذين وأعوان أمن في خدمتهم. فالملصق الرسمي الذي يرافق الأغنية

((6(كلمة فرنسية تعني "في كل مكان." ((6(المقصود بهذا المقطع أن الكتابات والرسوم الجدارية المتضمنة ACAB منتشرة في كل مكان. ((6(كلمة مستعملة في اللهجة الدارجة التونسية مستوحاة من اللفظ الفرنسي stades Les؛ أي ملاعب كرة القدم. ((6(اختصار عبارة رجال الشرطة جميعًا أوباش، Bastards Are Cops All. وهو أكرنيم من أصل بريطاني، ظهر خ لاا إضراب

عمال المناجم في بريطانيا عامي 1984 و 1985 يد استعماله في تونس، خاصة من مجموعات الألتراس ومشجعي نوادي كرة. أ عِ القدم. ينظر:

Audrey Pluta, "Pas de révolution pour la police? Syndicats et organisations internationales autour de la 'Réforme du

((6(كرة القدم. ((7(المقصود هنا أن رجال الشرطة ليسوا إلا بيادق بيد المتنفذين الفاسدين. ((7(تعبير المقصود به كون وضع البلاد (تونس) يدعو إلى الشّفقة. ((7(كلمة متداولة في اللهجة الدارجة التونسية، مرتبطة بتوصيف يحتقر رجال الشرطة، ف "البوشلطة" هو عون الأمن الذي يحتل أدنى الرتب في السّلم الوظيفي، فالشّعار الذي يحمله على كتفيه يكون مُعلّمًا بخط واحد (شلطة واحدة) ومن هنا جاءت التسمية. ((7(" البوجادي" في اللهجة الدارجة التونسية، هو الشخص ذو المعرفة والعلم المحدودين؛ إذ يكون من السهل خداعه ومراوغته. ((7(التيفوسي أو تيفوسي، هي كلمة تُطلق على مجموعة من الأنصار الذين يُشكّلون التيفو في مختلف الألعاب الرياضية، نحو

كرة القدم وسباقات الفورمولا وغيرهما من الأصناف التي تعرف حضورًا جماهيريًا غفيرًا.

secteur de la sécurité' en Tunisie après 2011," Lien social et Politiques , no. 84 (2020), p. 140.

وحاملة الدروع، في إشارة إلى أعوان الأمن الذين يمثلون البيادق في لعبة الشطرنج.

ومواقفهم.

إلى النادي الإفريقي

إشارة إلى الألوان الرسمية للنادي الإفريقي. "يا جدادنا... جينا لحفرة سموهالنا بلادنا حفرة ما نعيشو فيها كيم أندادنا نحبو نخليو عيشة هانية لأولادنا يعيشو غرامهم في الفيراج كيم عبادنا حُسّادنا... كمشة جبورة يحبو يجيبوها أسيادنا حسدونا في غرامنا وهلكولنا ستادنا يحبو يقاومونا وما عرفوش عنادنا فيراج نحاربو عليه ونفكو بلادنا يا حياتنا... عيشتنا إيلّ خترناها هذي حياتنا هذي دنيتنا إيلّ فيها حكاياتنا

((7(المقصود هنا التقليل من قيمة المنافس.

يلخّص المشهد من خلال الاعتماد على رمزيّة البيادق السوداء حاملة الهراوات ومرتدية الخُوذات

وتمثل هذه الأغنية، التي هي تعبير من تعبيرات مجموعة 2007 Dodger’s، صرخة في وجه المنظومة السياسية وكذلك الإعلامية التي تشوه، بحسب رأيهم، صورتهم وتساعد الأمن على قمعهم؛ لذلك هم يلجؤون إلى وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الفيسبوك واليوتيوب، لنشر أخبارهم وأفكارهم

المنتمية African Winners لمجموعةYa Hyetna/ Alla vecchia Maniera ب. مقطع من أغنية تتميز كلمات الأغنية بكثافة المادّة السيميولوجية والرمزيات التي تحيل إلى أحداث بعينها. فعنوان الأغنية في حدّ ذاته يحمل شحنة سيميولوجية تحيل إلى معاني الاعتزاز بالانتماء، إضافة إلى ما  يحمله الملصق المرافق من رمزيّات من خلال تعليق "الباش" في "الفيراج" وغلبة اللّون الأبيض والأحمر، في

هوني الڨرحة هوني نحاربو على خواتنا وِيلّ ماتو ديما عايشين بيناتنا غناياتنا... على الإفريقي والرِّبْحة إيلّ زَهّاتنا على الحرية والبلاد إيلّ نساتنا على المظلومين والدولة إيلّ خلاتنا وعلى الحق إيلّ يبقى رقبة بيناتنا مولانا... الحرام يطيح فيكم يوم القيامة في الشعب يصيح البلاد صارت جبانة إليي يجيبها قبيح يروح يبعد ينسانا أسمع مليح لغة فيراج حذانا نتمنى... عمر ولد الفيراج إن شاء  الله في الجنة ندعيولو بالرحمة فقبرو يتهنى بلاد غبينة ما  عندك ما تستنى نجيبو حقو لآخر دقيقة عندنا يا القاضي... طالبين الحق ملّينا الكلام الفاضي

((7(إحالة على معاني الرجولة. ((7(المقصود هنا الثّأر القائم بين السلطة والمجموعة بعد حادثة وفاة "عمر العبيدي." ((7(تعني "جبّانة" في اللهجة الدارجة التونسية مقبرة. ((7(المقصود هنا، "فيراج" الترجي الرياضي التونسي. ((8(عمر العبيدي. ((8(دلالة على الغُبن والقهر.

آخرتها موت بحكم ربي راضي غير ال  Curva إليي تداوي ليا أمراضي نحاربو السيستام كيم درنا في الماضي" تتميز هذه الأغنية بالتناغم بين الأجزاء الموسيقية ونبرة الصوت وذلك على مستويَين: • إيقاع ترافقه نبرة صوت مرتفعة كلّما كانت الرسالة موجّهة إلى "العدو" من قوّات أمن ومجموعات

منافسة. • إيقاع ترافقه نبرة صوت هادئة كلّما تعلّق المعنى بالنادي الإفريقي والفيراج والمجموعة. فمحددات الصراع وأهدافه عديدة، يمكن تقسيمها أربعة أصناف انطلاقًا من البناء الداخلي للأغنية: • أولً: الإقصاء والتهميش هما  ما يميزان الواقع الاجتماعي في تونس؛ فالسياسي – في هذه الأغنية – احتكر مقدرات البلاد ورهنها للأجنبي، ما أدى إلى توسّع انتشار الفقر والبطالة. إضافة إلى الهجرة غير

الشرعية وحوادث مؤلمة راح ضحيتها عديد الأبرياء والمهمشين. • ثانيًا: التغني بأمجاد الفريق والاستعداد لمواجهة قوّات الأمن ومجموعات الفرق المنافسة لتحرير

"الفيراج" الذي يعتبرونه الوطن، في إحالة إلى الصراع القديم مع مجموعات الترجي الرياضي التونسي، واعتبارها ممثِّلة للسلطة. فال "فيراج" بهذا المعنى يتحوّل إلى الوطن الحقيقي ل "التيفوسي"

نتيجة حالة الإقصاء والتهميش والاغتراب التي يعيشها. • ثالثًا: استدعاء معجمية دينية مستوحاة من اللهجة الدارجة التونسية (مولانا... الحرام، ويوم القيامة... إلخ)، فهي دعوات يتوجّه بها "التيفوسي" إلى الله لنصرة "فيراج" الحق ومحاسبة الأعداء

الظالمين في فيراج الباطل المقابل. • رابعًا: تحديد صريح ومُعلَن للعدو، ممثل بالسلطة و"السيستام"؛ أي المنظومة، بما  في ذلك السلطة

القضائية التي لم تُنصِف أصدقاءهم، فالحرب مُعلنة، والمواجهة مفروضة على "التيفوسي". في هذه الأغاني، تحوّل الوطن من "تونس" إلى "الفيراج". ف "التيفوسي" بهذا المعنى يعيش حالة

اغتراب عزّزها إحساسه بالتهميش والإقصاء، نتيجة حرمانه من النّفاذ إلى الرساميل الاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي من المفترض أن يوفرها الوطن، ليتحول الملعب إلى فضاء مشحون، ميزته الأساسية التمرّد والرّفض والصراع مع السلطة وكل من يُمثلها. وبهذا التموقع في العلاقة بالسلطة

وبالنظام السياسي، المسؤول في رأيهم عن تهميشهم وفقرهم وشعورهم بالقهر، يبدو الانتماء إلى هذه المجموعات بمنزلة بحث عن تأكيد الذات في حضور من يُنكر عليهم ذلك: السلطة السياسية من منظور اجتماعي – سياسي، ومجموعات الألتراس المقابلة من منظور تنافسي.

((8(Nord Curva "اتحاد مجموعات الشمال" للدلالة على مجموعات الألتراس التابعة للنادي الإفريقي التي تكون دائمة الوجود في المدرّجات الشمالية داخل الملعب.

5. جدلية "الخَيمة الدَّعوِيّة" و"مجموعة الألتراس "

إن هذا البحث عن الاعتراف والمرئية، بما حمله من بُعد احتجاجي على التهميش، كان شكلً، فحسب، من أشكال الصراع الاجتماعي والسياسي في تونس الذي عبّرت عنه الثورة التونسية في الفترة 2011–2010. فقد كانت هناك أشكال أخرى من الاحتجاج ومحاولات التعبير عن الذات، أخذت لها موقعًا في الحقل الديني، وعبّرت عنها المجموعات الدينية المتشددة الرافضة للنموذج التنموي والتحديثي الذي يُقصي منه اقتصاديًا الفئات الشعبية التي ينحدر منها كثير منهم، ولا يعترف لها بمعاييرها ومرجعياتها المنسوبة إلى هذا النموذج. وهنا شهدت فترة ما بعد عام 2011، التي فسحت المجال في تونس لكل المواطنين للتعبير عن توجهاتهم الفكرية والسياسية والمطالبة بتلبية حاجاتهم الاجتماعية والاقتصادية، بداية تقاطع وتداخل نَشِطين بين حقول الرياضة والدين والسياسة؛ ليُلقي

الواقع الاجتماعي بثِقله على تعبيرات مجموعات الألتراس وممارساتها، ويتحوّل الحقل الرياضي إلى حلبة صراع تسعى مجموعات متقابلة للسيطرة عليه، موظِّفة في ذلك مكتسباتها الرمزية واستعداداتها الكامنة (الهابيتوس). وقد عزز حدث الثورة ديناميات الصراع وآلياته، لتُفرز بدورها فاعلين جددًا، امتدّ تأثيرهم ليشمل المجتمع بحقوله المختلفة. من هذا المنطلق، يطرح التقاطع بين الحقلين الرياضي والديني في الحالة التونسية إشكاليات عديدة؛ فهذه المجالات تمثِّل بالنسبة إلى الدين والرياضة والسياسة رهانات سلطة وهيمنة، وتخترقها صراعات خفية تارة وظاهرة تارة أخرى. ومع وصول أحزاب سياسية ذات مرجعية دينية إلى السلطة بعد عام 2011، ساهم التّداخل بين الحقلين السياسي والديني، متمثلً بالخلط الذي تعمّده الإسلام السياسي، على حدّ تعبير حاتم بن مراد، بين الإله والدولة؛ ومفهوم المؤمن ومفهوم المواطن؛ ومفهوم الشريعة ومفهوم الدستور، في بروز مدّ لمجموعات دينية استثمرت في الحدث الثوري. وقد ظهرت السلفية على مسرح الأحداث لتحتلّ الفضاءات العامة، مستفيدة في ذلك من العفو التشريعي العام، وارتفاع سقف الحريات مع ضعف الدولة وحالات الانفلات المجتمعي، متغذّيةً في ذلك من قطاع كبير من الشباب الناقم المُحبط العاطل عن العمل وشبه الأمّي. قبل الخوض في عناصر هذا التداخل ومخرجاته، لا بدّ هنا من التذكير بحدثين أساسيين: • الأول: بعد عام 2011، برزت المجموعات السلفية واخترقت الفضاء العام بحقوله المختلفة، من خلال السيطرة على المساجد وتكوين أحزاب سياسية وجمعيّات خيرية وخيمات دعويّة، ومجموعات

((8(اعتمادنا هذا اللفظ يأتي بصفته تعبيرًا رمزيًا عن امتداد المجموعات السلفية في تونس بعد عام 2011 التي رافقها انتشار واسع

للخيمات الدّعوية بصفتها آليّة من آليات نشر الفكر السلفي.

(84) Jean–Marie Brohm, Les Meutes sportives: Critique de la domination (Paris: Éditions L’Harmattan, 1993), p. 432. (85) Hatem M’rad, Révolutions Arabes et Jihadisme (Tunis: Nirvana, 2017), p. 137.

(8((عادل بالحاج رحومة، "السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة"، عمران، مج  1 العدد،  2 (خريف 2012)، ص.196

أمن موازٍ... إلخ، وقد طرح عماد المليتي جوانب من هذا الموضوع في دراسته العلاقة بين التحولات الاجتماعية والحريات الفردية لدى الشباب في تونس. • الثاني: فرض السلطة والجامعة التونسية لكرة القدم بعد 2011 مطوّلة، اللعب من دون، فتراتٍ

جمهور، سواء بهدف الحفاظ على الأمن العام أو تطبيقًا للعقوبات المسلّطة على الفرق الرياضية وما ترتب عليه من غلق للملاعب في وجه مجموعات الألتراس. إن تطور العلاقة بين الحقل الرياضي والحقل الديني – السياسي في تونس قد نشأ في هذا السياق. فمن خلال مقارنة بسيطة بين مجموعات الألتراس والمجموعات السلفية، اعتمدنا فيها على الأدبيات التي فحصت خصائص الأخيرة، وعلى البحث الميداني الذي قمنا به لإنجاز هذا العمل، يمكن تحديد أوجه التشابه والاختلاف بين هذين الصنفين من المجموعات وفق الجدول. جدول يوضح تقاطعات خصائص مجموعات الألتراس والمجموعات السلفية المتغيرات

المتغيرات
المجموعة
الحقلالفضاءاألعدوالأهدافاالوسائلالامتدادالخزّانالمرجعية
مجموعات
الألتراس
رياضي• فيراج
• حومة
السلطةتحرير
"الفيراج"
الصراعالقطاعالشبابتيفوسيّة
مجموعات
سلفية
ديني• مساجد
• حومة
االسلطةإقامة دولة
الخلافة
الصراعإمارةالشبابسلفية

المصدر: من إعداد الباحث.

إن ما يدعو إلى التساؤل تلك القواسم المشترَكة بين المجموعتين: فضاءات محليّة (أحياء شعبيّة،

وحومة... إلخ)، وعدوّ مشترك، وخاصة الفئات الشبابية التي تُعتبر رأسَ مال بشريًّا لكِلتيهما. وكما نلاحظ، فالعلاقة وطيدة بين وجود السلفيين بوصفهم ممثلين لتيار سياسي – ديني متشدد في هذه الأحياء ووجود الفئة الشّبابية الناشطة في مجموعات الألتراس. وقد خلق هذا التجاور لدى الشباب، بصفة عامة، تمثلً لهوية "المجموعات السلفية": هم أفراد ينتمون إلى "الحومة"؛ أيّ الحي، ويرتبطون بالسكان عن طريق الجِيرة والصُّحبة وأحيانًا القرابة، ويُشاركونهم همّهم في البطالة والفقر وقمع الشرطة

لهم. وهم قريبون، مثلهم مثل غيرهم من الشباب العاديين أو الجانحين بيّاعِي الخمور خِلسة والمواد

المخدّرة، وحتى قُطّاع الطرق. في هذه الأثناء، مثَّل حدث تواتر فرض السلطة اللّعب من دون حضور الجمهور، ومنع "مجموعات

(8((عماد المليتي، "التحولات الاجتماعية والحريات الفردية لدى الشباب في تونس: أي علاقة؟"، عمران، مج  8، العدد 32 (ربيع 2020)، ص.34 (8((الأحمر، "شباب دوار هيشر"، ص.144

الألتراس" من دخول ملاعب كرة القدم، لحظةً مفصلية نتج منها خلل في الدينامية المولّدة لزخم هذه المجموعات وقدرتها على استقطاب مزيد من الأعضاء. وقد عبّر أحد رؤساء قطاع مجموعة 2007 Dodger’s عن نتائج هذه الإجراءات أن هذه القطيعة مع الملاعب جرّدت "التيفوسي" من فضائه الاستعراضي وهو "الفيراج"، ومن قدرتها على استقطاب الشباب. وهنا، أدى هابيتوس الهامشية والشعور بالإقصاء والقهر ومنظومات التصنيف المتولدة عن ذلك، دور الوسيط في سلاسة استقطاب "التيفوسي" من طرف "المجموعات السلفيّة"، وهو ما خلق فضاءً موازيًا "للفيراج"، متمثلً في الخيمة الدعوية التي أصبح يجد فيها ممثلوها بعض ما يُعبَّر عنه. الصورة (7) صورة لعضو مجموعة ألتراس

المصدر: صفحة 2007 Clubiste Dodgers، فيسبوك، 2022/5/26، شوهد في 2022/6/3، في: Up 79 OA /3 ly. bit:// https

تجلى التقاطع بين الحقلين بوضوح في التغيرات التي طرأت على ممارسات أحد رؤساء قطاع مجموعة 2007 s ’ Dodger الذي تحوَّل من محتجٍّ على السلطة السياسية التي تهمّشه وتقمَعه إلى تبنّي الأفكار السلفيّة التي لا تعترف بالدولة التونسية أصلً، وتدعو إلى إقامة دولة الخلافة. وبصفة أعمّ، مثل هذا

((8(رئيس قطاع "مجموعة 2007 Dodger’s "، مقابلة شخصية، منزل بورقيبة،.2022/5/22 ((9(عضو "مجموعة 2007 Dodger’s "، مقابلة شخصية، تونس،.2022/5/12 ((9(رئيس قطاع "مجموعة 2007 Dodger’s "، مقابلة شخصية، منزل بورقيبة،.2022/5/15

التداخل جليًّا شخصية "ريكوبا" (بوصفه مث لً تونسيًّا) عن هذا الامتزاج بين عقلية "التيفوسي "

وعقلية الديني السلفي، وهو نتيجة للديناميات السريعة والفجائية التي رافقت الحدث الثوري في تونس، والظروف التي أحاطت بإدارة الدولة للشأن الرياضي. وكانت هناك محاولات لاستقطاب قيادات من الألتراس، في هذا السياق، من جانب الأحزاب والمجموعات ذات المرجعية الدينية. فالقواسم المُشتركة وتَماثل الظروف الاجتماعية ساهمت في

ترك أثر واضح في البنية الذهنية لأعضاءٍ من مجموعات الألتراس، تلخصها الصورة (7)؛ إذ يمتزج الديني بالتقليدي والتيفوسي في شكل اللّباس ودلالاته: "طربوش وجُبّة" وارتداء طوق رقبة يحمل

شعار مجموعة 2007 s ’ Dodger، إضافة إلى رمزيات الشُّعلة المُلتهبة وعلاقتها بالفيراج.

خاتمة

تعكس تعبيرات مجموعات الألتراس وممارساتها في تونس واقعًا اجتماعيًّا متأزِّمًا، بلغ فيه إقصاء فئات

واسعة من الشباب وتهميشها مداه؛ إذ إن الحدث الثوري لم يحقق آمال الألتراس، ومن خلفهم الخزّان الشبابي في الخروج من دائرة الإقصاء، بل زاد في تهميشهم. لقد تركّز اهتمام هذه الدراسة على مجموعة 2007 s ’ Dodger بوصفها مث لًانطلقنا منه لتتبّع تطوّر

مدلولات الصراع وأشكاله، والتقابل بين نحن وهُم، داخل ملعب كرة القدم وخارجه. وبيّنت الدراسة أن

الحدث الثوري، وما رافقه من ديناميات سريعة ومتعددة، ساهم في تطوّر أشكال الصراع وأدواته، وبروز

مجموعات تُنافس الألتراس؛ مخزونها من رأس مال رمزي مختلف، لكنها تعمل برأس مال بشري استمدّته من الخزّان نفسه الذي تستخدمه مجموعة الألتراس. وقد ساهم التقاطع بين حقلي السياسة والدين في اختراق المجموعات السلفية الفضاءات التي تتحوّزها مجموعات الألتراس داخل الأحياء

والمدن. وعلى الرغم من الاختلاف على مستوى الأهداف والمرجعيات والحقل الذي تنشط داخله كلتا المجموعتين، فإنهما تشتركان في عدائِهما للسلطة وفي صراعِهما معها. وبيّنت الدراسة أن مقولة رؤوس الأموال المتجولة عبر الحقول، في نظرية بورديو، ربما تحتاج إلى

عودة نقدية من منظور أن الانتقال من الحقل الرياضي إلى الحقل الديني لم يكن استثماريًا بقدر

((9(الاسم الحقيقي هو "محمد أمين العقربي" كُنيته "ريكوبا". عضو سابق في مجموعة ألتراس تابعة لفريق الترجي الرياضي

التونسي، ثم بعد عام 2011 تحوّل إلى قائد بارز في "لجان حماية الثورة" وقريب من حزب "حركة النهضة" ذي المرجعية الإسلامية،

وكذلك قريب من الجماعات السلفية، فقد أكّد أنه مع تأسيس دولة الخلافة على مناهج النبوة، وذلك في تصريح إعلامي بثّه عبر

صفحته الرسمية في فيسبوك. ينظر: "كل العالم يسعى إلى الوحدة إلا أمة الإسلام وعندما تسعى إلى الوحدة ينعتون أمّتنا بالإرهاب

والتّطرف"، فيسبوك، 2020/1/29، شوهد في 2022/9/12، في: https://bit.ly/3BxNv6N ((9(يوجد العديد من الأمثلة والتجارب لهذا الانتقال أو الامتزاج في دول عربية أخرى، نذكر منها "توبة السقندح" وهو "كابو الوينرز" في المغرب. ينظر: "توبة السقندح قائد إحدى مجموعات الألتراس 'سابقًا' (كابو الوينرز)"، فيسبوك، 2015/3/7، شوهد في

2022/8/12، في: https://bit.ly/3Uly0XX

((9(رئيس قطاع "مجموعة 2007 s ’ Dodger "، مقابلة شخصية، منزل بورقيبة،.2022/5/22 ((9(إشارة إلى اللّباس التقليدي الذي يرتديه عضو مجموعة 2007 s ’ Dodger.

ما كان متولدًا عن الاشتراك في الأصول الاجتماعية نفسها والبنى الذهنية للفاعلين الاجتماعيين، وأن إلى الأطروحة  التماثل في المواقع في نسيج العلاقات الاجتماعية الصراعية – بمنظور يحيل إلى حد ما الماركسية – سهّل التقاء فاعلين اجتماعيين، عملوا مدةً في حقول مختلفة، في حقل واحد هو الحقل الديني، وفي تنظيم واحد هو الإسلام السلفي. وفي الحقيقة، يبقى مجال التلاقي بين الحقلين الديني والرياضي المخترقين بالحقل السياسي، موضوعًا بكرًا إلى حد بعيد، والبحث فيه واعد ويستحق

تطويرًا أشمل. كذلك الأمر من منظور أنثروبولوجي. فالصراعات بين فرق الألتراس ثم المجموعات الدينية المتطرفة تحيل في بعض خصائصها إلى ما عزاه إيفانز بريتشارد وإرنست غيلنر – على الرغم من النقد الذي تعرضا له – إلى آلية الانشطار والانصهار، مع اختلاف حاسم في حالة الألتراس والمجموعات الدينية المتطرفة، وهو أن انقساماتها وانصهاراتها ليست محكومة بالقرابة في المجتمع الانقسامي كما زعم الباحثان، بل بمتغيرات أخرى تحتاج إلى النظر والتحقيق، وهذا ما قد يفتح آفاقًا جديدة للبحث الأنثروبولوجي في اتجاه التحرر من الإرث الأنكلوسكسوني المغاربي في المجال.

References

المراجع

العربية

الأحمر، المولدي. "شباب دوّار هيشر وحيّ التضامن في مدينة تونس الكبرى: بحث سوسيولوجي".

عمران. مج  4 العدد،  14 (خريف.)2015 ________. "حطب الثورات: الفقراء والمهمشون في الثورة التونسية". المجلة العراقية لعلم النفس الاجتماعي والسياسي. العدد.)2022(4 الحاج سالم، جهاد. مسارات التطرف الجهادي وتجارب الإقصاء اليومي عند شباب الأحياء الشعبية: محاولة في الفهم. تونس: مركز دعم التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان،:2020. في

https:// bit. ly /3 eYxAqp

خميس، أكرم. ثورة جيل التراس. القاهرة: المنظمة العربية لحقوق الإنسان،.2012 داسكال، مارسيلو. الاتجاهات السيميولوجية المعاصرة. ترجمة حميد لحمداني [وآخرون]. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.1987 رحومة، عادل بالحاج. "السلفيون والثورة التونسية: الهوية والمواطنة". عمران. مج  1 العدد،  2 (خريف

(96) Edward Evan Evans–Pritchard, The Sanusi of Cyrenaica (Oxford: Clarendon Press, 1949). (97) Ernest Gellner, Les Saints de l’Atlas (Paris: Bouchène, 2003). (98) Abdallah Hammoudi, "Segmentarité, stratification sociale, pouvoir politique et sainteté: Réflexions sur les thèses de Gellner," Hespéris–Tamuda , vol. 15, no. 1 (1974), pp. 147–180.

سعيداني، منير. "أن تكون ألتراس يعني أن يكون وجودك الاجتماعي مُنْشَقًّا". مجلة الفيصل.2018/5/1.

في: hSz 4 na /3 ly. bit:// https

شولز، روبرت. السيمياء والتأويل. ترجمة سعيد الغانمي. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،

عبد الغني، عماد. سوسيولوجيا الهوية: جدلية الوعي والتفكيك وإعادة البناء. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2017 غربالي، فؤاد. "سوسيولوجيا المعاناة من خلال المعيش اليومي لشباب الأحياء الشعبية: شباب مدينة صفاقس مث لً". عمران. مج  4، العدد 16 (ربيع.)2016 القسومي، مولدي. مجتمع الثورة وما بعد الثورة. تونس: دار محمد علي للنشر،.2020 الكوخي، محمد. سؤال الهوية في شمال أفريقيا: التعدد والانصهار في واقع الإنسان واللغة والثقافة والتاريخ. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2014 لواتي، محمد فخر الدين. ثقافة الألتراس في تونس. تونس: وزارة الشباب والرياضة والإدماج المهني، المرصد الوطني للشباب، 2021، في: RRzszd /3 ly. bit:// https المليتي، عماد. "التحولات الاجتماعية والحريات الفردية لدى الشباب في تونس: أي علاقة؟". عمران. مج 8، العدد 32 (ربيع.)2020

الأجنبية

Abbassi, Driss. "Sport et usages politiques du passé dans la Tunisie des débuts du XXI e siècle." Les politiques publiques du risque. vol. 26, no. 2–3 (2007). Abdellatif, Soumaya, Safouane Trabelsi & Zahia Ouadah Bedidi. "From the Stands to the Arena of Social Movements: Post–2011 Football Terrace Chants in Tunisia." Cosmopolitan Civil Societies. vol. 14, no. 1 (2022). Brohm, Jean–Marie. Les Meutes sportives: Critique de la domination. Paris: Éditions L’Harmattan, 1993. Bourdieu, Pierre. "Champ du pouvoir, champ intellectuel et habitus de classe." Scolies: Cahiers de recherche de l’Ecole normale supérieure. no. 1 (1971). ________. Le sens pratique. Paris: Les éditions de Minuit, 1980. ________. Questions de sociologie. Paris: Les éditions de Minuit, 1984. Bourkia, Abderrahim. "Ultras in the City: A Sociological Inquiry on Urban Violence in Morocco." The Philosophical Journal of Conflict and Violence. vol. 2, no. 2 (2018). Bromberger, Christian, Alain Hayot & Jean–Marc Mariottini. Le match de football: Ethnologie d’une passion partisane à Marseille, Naples et Turin. Paris: Éditions de la Maison des sciences de l’homme, 1995.

Debord, Guy. La société spectacle. Paris: Éditions Gallimard, 1992. at: https://bit.ly/3qv9CWe Dortier, Jean–François. Le Dictionnaire des sciences humaines. Beyrouth: Editions Delta, 2007. Evans–Pritchard, Edward Evan. The Sanusi of Cyrenaica. Oxford: Clarendon Press,

Ferréol, Gilles (dir.). Dictionnaire de sociologie. Paris: Armand Colin, 2009. Gellner, Ernest. Les Saints de l’Atlas. Paris: Bouchène, 2003. Ginhoux, Bérangère. "En dehors du stade: L’inscription des supporters 'ultras' dans l’espace urbain." Métropolitiques. 13/5/2015. at: https://bit.ly/3qvUF6a Gleyse, Jacques. "Le système sportif: Une religion pour la modernité." Corps et culture. no. 3 (1998). Hammoudi, Abdallah. "Segmentarité, stratification sociale, pouvoir politique et sainteté: Réflexions sur les thèses de Gellner." Hespéris–Tamuda. vol. 15, no. 1 (1974). Mignon, Patrick. "Supporters ultras et hooligans dans les stades de football." Communications. no. 67 (1998). Moroy, Franck. "L’Espérance de Tunis: Genèse d’un mythe bourguibien." Maghreb – Machrek. no. 157 (1997). M’rad, Hatem. Révolutions Arabes et Jihadisme. Tunis: Nirvana, 2017. Pluta, Audrey. "Pas de révolution pour la police? Syndicats et organisations internationales autour de la 'Réforme du secteur de la sécurité' en Tunisie après 2011." Lien social et Politiques. no. 84 (2020). Zahi, Lotfi. Aux origines du Club Africain. Tunis: Editions Karem Sharif, 2012.