دليل أكسفورد في علم اجتماع الشرق الأوسط
The Oxford Handbook of the Sociology of the Middle East
الملخّص
عنوان الكتاب: دليل أكسفورد في علم اجتماع الشرق الأوسط. عنوان الكتاب في لغته: The Oxford Handbook of the Sociology of the Middle East . المؤلف: أرماندو سيلفاتوري وساري حنفي وكيكو أوبوس (محررون). الناشر: نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات: 940 صفحة.
Abstract
Book title: The Oxford Handbook of the Sociology of the Middle East . Author: Armando Salvatore, Sari Hanafi & Kieko Obuse (eds.). Publisher: New York: Oxford University Press. Date of Publication: 2022. Pages: 940.
- علم الاجتماع
- الشرق الأوسط
- شمال إفريقيا
- دليل أكسفورد
- علم اجتماع المعرفة
- Sociology
- Middle East
- North Africa
- Oxford Handbook
- Sociology of Knowledge
عنوان الكتاب:
المؤلف: الناشر:
نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد. سنة النشر: عدد الصفحات:
دليل أكسفورد في علم اجتماع الشرق الأوسط.
. The Oxford Handbook of the Sociology of the Middle East عنوان الكتاب في لغته:
أرماندو سيلفاتوري وساري حنفي وكيكو أوبوس (محررون).
MA in Sociology and Anthropology, Doha Institute for Graduate Studies. Email: jibril.mo.ali@gmail.com
يأتي كتاب دليل أكسفورد في علم اجتماع الشرق الأوسط، لتقديم مساهمة جادة في تطوير الفهم المتعلق بعدد من القضايا التي تقع في صميم مجال علم الاجتماع في منطقة شاسعة أصبحت تُعرف ب "الشرق الأوسط". ويطمح الكتاب إلى تطوير هذا المجال الأكاديمي، ودفعه قدمًا، عبر طرحه مراجعات منهجية ونظرية جادة حول القضايا التي تعامل مها، مع مراجعة للمنجز المعرفي حول كل موضوع جرى تناوله. ومن ميزات الكتاب الإضافية أن كل فصل صمّم، كي يكون قائمًا بذاته حول الموضوع الذي يبحث فيه؛ بحيث يمكن قراءته مستقلً عن الكتاب. يتكون هذا العمل الضخم من اثنين وأربعين فصلً، واستغرق إعداده قرابة الثلاث سنوات. وقد ساهم في هذا العمل أربعة وأربعون باحثًا وباحثة من الأوساط الأكاديمية العالمية والعربية. وينقسم هذا العرض إلى جزأين رئيسين: الأول مخصص لتقديم محتويات الدليل، والثاني يلخص ويناقش الأفكار الرئيسة الواردة في مقدمة الكتاب، تلك التي تتعلق باختراع الشرق الأوسط مج لً جغرافيًا وحقلً بحثيًا. وتتجلى بصفة
أوضح قيمة الدليل وأهميته، عند مقارنته بغيره من الكتب في الباب نفسه، مثل سوسيولوجيا الشرق الأوسط: جرد تفسيريالصادر في مطلع سبعينيات القرن العشرين، أو دليل أي. بي. توريس لعلم الاجتماع والشرق الأوسط الصادر عام 2022.
(1) Christoffel A. O. van Nieuwenhuijze, Sociology of the Middle East: A Stocktaking and Interpretation (Leiden: Brill, 1971). (2) Fatma Müge Göçek & Gamze Evcimen (eds.), The I.B. Tauris Handbook of Sociology and the Middle East (London: I.B. Tauris, 2022).
أولا: بنية الكتاب
يقع الكتاب في ستة أجزاء، ومقدمة وخاتمة. في المقدمة، يؤطر اثنان من محرري الدليل، كيكو أوبوس Obuse Kieko وأرماندو سيلفاتوري Armando، موضوع الكتاب، Salvatore من خلال مداخلة يقدمانها عن اختراع الشرق الأوسط بصفته فضاء جيوسياسيًا واجتماعيًا
متجانسًا، واختصاصًا بحثيًا أكاديميًا مطابقًا له.
ويدرسان كذلك دور علم الاجتماع في هذه العملية، والكيفية التي تأثر بها هذا العلم ذاته بهذه العملية. يخصص المشرفون على هذا المنجز المعرفي القسم الأول منه لدراسات تاريخية ومفاهيمية، تشمل قضايا متعلقة بإرث الصراعات، وبالتحولات الاجتماعية الأبرز في المنطقة. وفي الفصل الثاني من هذا القسم، يدرس ساري حنفي المنعطفات المفصلية في العلوم الاجتماعية العربية، محاجًا بأن البحث
الاجتماعي العربي ما بعد "الربيع العربي" يُظهر تجاوزًا نسبيًا لثنائيات معرفية هيمنت عليه
(كثنائية العالمي والمحلي)، ويظهر كذلك تعددًا في المقاربات المعرفية، وبخاصة المقاربات الما بعد الكولونيالية والإسلامية. في حين يختص الفصل الثالث بدراسة الاستعمار: بداياته التأسيسية، وإرثه، وأشكال استمراريته. ففي هذا الفصل، يدرس مارك ليفين Levin Mark الحالة الاستعمارية بمنهجية تاريخية سوسيولوجية، تسعى للكشف عن العملية المستمرة التي يسميها "استعمارية القوة"، بصفتها خطابًا أساسيًا للتحكم
في الشرق الأوسط، مشددًا على أهمية تبني نظريات ومنهجيات ما بعد كولونيالية وأصلانية لتحليل تاريخ المنطقة وديناميكياتها المعاصرة. ويؤرخ الفصل الرابع لانحسار الإمبراطورية العثمانية وبروز الدول القومية، عبر دراسة
ثلاث حالات متنوعة لدول ما بعد الإمبراطورية العثمانية: اليونان، والعراق، والجمهورية التركية. ويُعنى الفصل الخامس بالأبعاد السوسيولوجية المتعلقة بسؤال فلسطين، بدءًا من وعد بلفور
وصولً إلى "صفقة القرن". أما الفصل السادس فيقدم مسحًا للدراسات التي أجريت حول
الأيديولوجيات السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتفحص فيها المؤلف الروابط التاريخية بين بعض التقاليد الأيديولوجية، وخصوصياتها المفاهيمية، وتطوراتها التاريخية. ويقدم إيلان بابيه Pappé Ilan في الفصل السابع دراسةً تاريخية عن تطوّر الفكر الصهيوني
والحركة الصهيونية. يهتم القسم الثاني من الدليل بمعالجة عدد من المسائل المتعلقة بعلاقات الدولة والمجتمع، وفي الفصل الثامن يدعو عاطف سعيد إلى الحاجة إلى دراسة العلاقة بين قوة الحكم الإكراهية الاستعمارية واستبداد ما بعد الاستعمار في الدول العربية، وذلك من أجل الكشف عن الرابط بين منظومة الاستبداد في المنطقة والتصميم الاستعماري لدول ما بعد الاستقلال. يدرس الفصل التاسع "التحولات التي ظهرت فيها موضوعات 'المؤسسات غير الربحية' و'القطاع الثالث' Sector Third، أساسًا لإنشاء مؤسسات
جديدة وأنواع جديدة من البحث الاجتماعي، وذلك في كل من السياقات الغربية والشرق أوسطية". وتجادل شيرين طرابلسي في الفصل العاشر بأن فشل مشروع الدولة في ليبيا يعود إلى ديناميكيات علاقات القوة بين الفاعلين – سواء الاجتماعين من جهة وبينهم وبين الدولة – من بعد الاستقلال دولة الاستعمار أو دولة ما جهة أخرى، وهذه العلاقات اتسمت بأنماط
مختلفة من التعاون والنزاع. أما الفصل الحادي عشر فهو مخصص لدراسة بعض القضايا الرئيسة المتعلقة بالاقتصاد السياسي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، من قبيل الدور الذي يؤديه النفط والغاز الذي تنتجه المنطقة في أسواق الطاقة العالمية، والنقاشات الدائرة حول طبيعة الدولة والطبقة في الخليج، والنفوذ السياسي والاقتصادي المتزايد للخليج في الشرق الأوسط. ويهتم هذا الفصل أيضًا بآثار هذه الديناميكيات في المسارات المستقبلية للمنطقة. في الفصل الثاني عشر، تقدم زهرة بابار Zahra Babar دراسة عن هجرة العمال في دول الخليج العربية، والآلية التي تدير من خلالها هذه الدول حالة الهجرة بوصفها حالة دائمة من الوجود المؤقت والعرضي. أما الفصل الثالث عشر فهو عن سياسات التعليم في مصر، ويجادل فيه نديم مرشاق بأن إشكالات كبرى متعلقة بالتعليم ما تزال قائمة، مثل رداءة الجودة التعليمية، والفجوة في تلبية المهارات المطلوبة في سوق العمل، واتساع التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية. خصّ المشرفون على هذا العمل القسم الثالث من الكتاب، ويمتد من الفصل الرابع عشر حتى الفصل الخامس والعشرين، بمواضيع الأسلمة والعلمنة. ويتضمن نقاشات حول قضايا مثل: مكانة الإسلام في النظرية الاجتماعية الحديثة، والإشكالات المفاهيمية التي تثيرها دراسات الدين والمدينة، والتحولات التي طرأت على القوانين الإسلامية في إطار الدولة الحديثة، والرؤى المتنوعة والمختلفة للعلمانية في الإسلام قبل الاستعمار وما بعده وتطورها المضطرب في الشرق الأوسط، والعلاقة بين الدولة والدين في
تركيا، والتجديد الإسلامي السني منذ القرن التاسع عشر، والدور التحديثي للمثقفين الإسلاميين، والثورة الإيرانية وفكرة الحكومة الإسلامية، والمسار الفريد لحزب النهضة التونسي بصفته حركة سياسية إسلامية سنية، وصراع دول الشرق الأوسط حول تزعّم العالم الإسلامي وحول إعادة تعريف ما يمثّله، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية وسقوطه. أما القسم الرابع، وهو يشمل الفصل السادس والعشرين إلى التاسع والعشرين، فيتطرق إلى قضايا الشباب والجندر. ويقدم فيه فيليب فارغيس Fargues Philippe دراسة للاضطرابات السياسية في العالم العربي من زاوية ديموغرافية، تركز على التحولات المتعلقة بجيل الشباب. بينما يركز فرانسواز دي بيل إير Françoise De Bel–Air على استعصاء معضلة بطالة الشباب في بلدان الخليج والمشرق العربيَين. وتركز بقية
فصول القسم على التغييرات في أشكال الأسرة وأنماطها. ويختتم هذا القسم بفصل يناقش النضالات الحقوقية للمرأة في المنطقة فيما يتعلق بمسائل الجنوسة. في القسم الخامس، الذي يضم خمسة فصول، يجري الاهتمام بسوسيولوجيا الهوية وحقوق الإنسان، حيث تقدم ريما ماجد مراجعة عن دراسات الطائفية في الشرق الأوسط، وتسلط الضوء على "الفجوات" المنهجية والنظرية فيها. ويقدم كريغ لاركن Larkin Craig دراسة عن سياسات الهوية في المنطقة واستخدامات الذاكرة الجمعية للعنف في تكوين جماعات إثنية/ طائفية. وتتطرق سيرينا تولينو Serena Tolino إلى حقوق مجتمع الميم (المثلية، والمثليين، ومزدوجي الميل الجنسي، ومغايري
الهوية الجنسية LGBTQI) في ثلاثة بلدان عربية؛ تونس ومصر ولبنان. وتناقش ريما صبان سياسات بلدان الخليج العربية في معالجة الانتهاكات تجاه العمالة المنزلية المهاجرة. وتبحث أندريا تيتي Teti Andrea ومعها جينارو جيرفاسيو Gervasio Gennaro تعامل الاتحاد الأوروبي مع حقوق الإنسان في مصر معوّقًا للانتقال الديمقراطي. أما الفصل الأخير في هذا القسم فيمثل محاولة في "بناء علم اجتماع معرفة لدراسات العمل الإنساني في منطقة الشرق الأوسط" (ص. 691) يجمع القسم السادس، من الفصل السادس والثلاثين إلى الحادي والأربعين، أبحاثًا متعلقة بالمجال العام في الشرق الأوسط: المدينة، والإعلام، والتخطيط الحضري، ووسائل التواصل الحديثة. فتحلل ليلى فيغنال Vignal Leïla مدى تأثير العولمة في المجتمعات الحضرية في الشرق الأوسط. وتقدم رتيبة حاج موسى دراسة عن أثر القنوات الفضائية في المجال العام في المغرب. أما الفصل الثامن والثلاثون، فهو عن العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والسياسات الخلافية في مصر وسورية. وتفحص هبة رؤوف عزت التداعيات السوسيوسياسية للتخطيط الحضري في مصر بعد الانقلاب. أما الفصلان الأخيران في هذا القسم، فمخصصان لسوسيولوجيا الثقافة؛ الأول لمارك ليفين عن سوسيولوجيا الموسيقى الشبابية خلال العقود الأربعة الأخيرة، والثاني دراسة إثنوغرافية لسيتراغ مانوكيان Setrag Manoukian عن سوسيولوجيا الشعر في إيران. أما خاتمة الكتاب، لأوبوس وسيلفاتوري، فتعود لمناقشة مسألة اختراع الشرق الأوسط، التي تطرقا لها في مقدمة الكتاب، ولكن هذه المرة من زاوية
يابانية، ليقدما أنموذجًا مغايرًا ساهم في بناء
الشرق الأوسط. تجدر الملاحظة أن دليل أكسفورد عالج "المسألة الفلسطينية" (ص. 97) مباشرةً، عبر إجراء مسح للأبعاد السوسيولوجية المتعلقة بسؤال فلسطين، بدءًا من وعد بلفور ووصولً إلى "صفقة القرن"،
ومن خلال دراسة تاريخية مفصلة عن تطوّر الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية، وضمنًا من خلال الدراسة الموسعة للاستعمار التي تضمنها الفصل الثالث.
ثانيًا: علم الاجتماع و"الشرق الأوسط"
في الفصل الأول، يطرح سيلفاتوري وأوبوس مسألتين أساسيتين مترابطتين؛ تتعلق الأولى بدور علم الاجتماع في بناء الشرق الأوسط بصفته فضاءً جغرافيًا ومج لً بحثيًا، من خلال
عملية يسميانها "الرسم الخرائطي الجيوثقافي" Mapping Geocultural. وتتعلق الثانية بأثر هذا الدور في تشكيل المعالم الرئيسة للسوسيولوجيا الغربية ذاتها. ومقاربة هذه المسائل، في نظرهما، تكمن في تفحص الكيفية التي ساهم بها الشرق الأوسط، من حيث هو فكرة متخيلة أورو–أميركية، في إنتاج تمثل الذات الغربية لنفسها رائدةً في التقدم الاجتماعي، والتي كانت بدورها شرطًا لظهور علم الاجتماع بوصفه علمًا يختص بدراسة المجتمعات الحديثة، التي عُرفت وفق هذه النماذج الغربية. وينطلق الباحثان من ملحوظة محورية تتعلق بهذه المسائل مفادها أن "قوى الهيمنة الاجتماعية والثقافية والفكرية (فضلً عن السياسية) التي أثرت في تعريف الشرق الأوسط بصفته منطقة، أنتجت كذلك حقل دراسة أكاديميًا
مطابقًا لها، على الرغم من أن نقد هذا التعريف قديم قدم إضفاء الطابع المؤسسي الأكاديمي عليه" (ص. 4). ويدرس الباحثان أيضًا، بمنهجية سوسيوتاريخية، الديناميكيات المركبة للتاريخ الفكري والسياسي الذي أنتج مصطلح الشرق الأوسط. يرى الباحثان أن مصطلح/ فكرة الشرق الأوسط نبع من الطموحات العسكرية الاستراتيجية للإمبريالية الغربية في ذروة تمددها، من القرن التاسع عشر إلى قبيل الحرب العالمية الثانية، والتي تلاقت مع الفكر الغربي المنطلق من مقولات دينية حضارية، وأن المعرفة التي تشكلت عن الشرق الأوسط في تلك اللحظة هي نتاج لعملية ممنهجة من "الرسوم والمسوح الجغرافية المستندة إلى مواد أرشيفية، وأركيولوجية، وتقارير إثنوغرافية – وهذه المواد ذاتها أصبحت المدونة التي ترتكز عليها المؤسسات الأكاديمية – تحفزها سرديات الإثنومركزية الأوروبية التي ترى نفسها مسؤولة عن إدخال العالم في الحضارة" (ص. 4). خاصةً عندما ندرك أن تمثيل الأماكن جغرافيًا عبر
الخرائط والرسوم البيانية والمسوح الاستطلاعية وتقارير المستكشفين هي تمثلات وانعكاسات قاصرة للواقع الجغرافي المراد تمثيله، وتمثل هي ذاتها "سرديات لمعانٍ مبنية اجتماعيًا، تشكل
الواقع أكثر من مجرد إعادة إنتاجه". ويطرح الباحثان مفارقتين إزاء ذلك، المفارقة الأولى مفادها أن عملية إنتاج الإمبريالية الأوروبية للشرق الأوسط، أدت إلى أن تستبطن هي ذاتها هذا النتاج. والمفارقة الثانية تتمثل في أن
(3) Guillemette Crouzet, Inventing the Middle East: Britain and the Persian Gulf in the Age of Global Imperialism (Quebec: Mcgill–queens University Press, 2022), p. 94.
ا واختصاصاًّمأسسة الشرق الأوسط حقلً دراسي
ا في الأكاديميا الغربية بدأت مع تراجع بحثي
النزعات الإمبريالية في ثلاثينيات القرن العشرين وعشرينياته. ويرى الباحثان أن هذه المفارقات لا يمكن استيعابها عبر منظور نقد الاستشراق الذي قدّمه إدوارد سعيد (ص. 4) وإذا كانت الأشياء تُعرف بضدها، فإن إنتاج الذات الغربية الحديثة كان في حاجة كذلك إلى إنتاج "آخر" تموضع نفسها مقابله. وهنا يكمن إسهام علم الاجتماع في صناعة فكرة الشرق الأوسط. فالمفكرون المؤسسون لعلم الاجتماع الحديث اتخذوا من مجتمعات المنطقة نماذج يحيلون إليها عند تصويرهم للتحولات الاجتماعية التي ربطوها بظهور الحداثة الغربية. وساهم علم الاجتماع الكلاسيكي بأطروحات منحازة ضد مجتمعات الشرق الإسلامية، تبرر موضعة هذه المجتمعات في خانة التخلف والرجعية، "كافتقارها إلى المدن والطبقات البرجوازية المستقلة، ونظم البيروقراطية العقلانية، والملكية الفردية" (ص. 7)–6
ثالثًا: تعددية المصطلحات والدلالات ومتلازمة فوكو
يناقش سيلفاتوري وأوبوس التحولات التي أدت إلى الاستقرار النسبي لمصطلح الشرق الأوسط والمناطق الجغرافية والثقافية التي يمثلها، متتبعَين خلال ذلك صعود مصطلحات أخرى مقاربة وانحدارها (كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط الكبير، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا). ويفسران هذه التقلبات في
(4) Shehla Burney, Pedagogy of the Other: Edward Said, Postcolonial Theory, and Strategies for Critique (Bern: Peter Lang, 2012).
الاصطلاح، استنادًا إلى أمرين رئيسين: أولً، إن حدود المنطقة كانت تتمدد وتنكمش وفق مصالح الغرب الجيوسياسية. ثانيًا، إن الغرب
كان يقوم بعملية "إعادة تموضع" إزاء تحولات ثقافية حضارية عالمية (ص. 12) فبرزت تسمية المنطقة المتمحورة حول الإمبراطورية العثمانية بالشرق الأدنى في منتصف القرن التاسع عشر. وتحمل عملية إنتاج المنطقة، وفق هذه التسمية، دلالات تتعلق بدوافع ثقافية وفكرية، وبدرجة أقل دوافع أخرى سياسية عسكرية. فمفردة "الأدنى" كناية عن قرب المنطقة من أوروبا، لا من ناحية الجغرافيا فحسب، بل حضاريًا وثقافيًا كذلك. فالمنطقة تشمل الأماكن
التي رأتها أوروبا مهدًا لهويتها الحضارية – الدينية (خاصة من منظور عصر التنوير الذي يرى أن أصول الهوية الأوروبية مزدوجة ومصدر ذلك الإرث اليهودي – المسيحي واليوناني): "القدس وأثينا" (ص. 10)، وقد تزامن استخدام مصطلح الشرق الأدنى مع استخدام مصطلح الشرق الأوسط. واستخدم هذان المصطلحان أحيانًا بصفة تبادلية وأحيانًا يجري التفريق بينهما بصفة واضحة. وكان الغرض من تركيب هذه المصطلحات بهذه الصيغة المبهمة والغامضة، إتاحة المجال للقوى الإمبريالية لتشكيل الحدود الجغرافية والثقافية لهذه المناطق وفق أطماعها واهتماماتها. استقر استخدام مصطلح الشرق الأوسط (مع احتفاظه بقدر من المرونة)، منذ مطلع القرن العشرين، ليدل على المنطقة التي تقع حول الخليج العربي/ الفارسي. وهذا الاستقرار كان نتيجة لأهداف إمبريالية (بريطانية – أميركية). فالإمبراطورية البريطانية كانت تسعى لبسط
سيطرتها على الطرق البحرية بين أوروبا والهند، وعلى الرقعة الجغرافية الممتدة من طهران إلى دمشق وسواحل الخليج كافة. وحينما تأتّى لها ذلك، أرادت إضفاء وجود ثقافي متجانس على هذه المناطق يبرر التعامل معها ككل. ومن الاعتبارات الاستراتيجية العسكرية الأخرى، التي أدت إلى استقرار المصطلح، الحرب العالمية الثانية (1945–1939)، التي أنتجت حاجة ملحّة
إلى السيطرة على موارد النفط في هذه المناطق. كما أن ما تخلل عقد السبعينيات من القرن العشرين (حرب أكتوبر 1973 بين الدول العربية وإسرائيل التي دفعت دول منظمة الأوبك العربية إلى حظر تصدير النفط للدول المؤيدة لإسرائيل، إضافةً إلى الثورة الإسلامية في إيران) قد رسخ صورة في الغرب مفادها ارتباط المنطقة بالأزمات الدائمة. ومن هنا، يرى الباحثان أن "استقرار مصطلح الشرق الأوسط وارتباط مضمونه بمجال حضاري ديني إسلامي لا يستدام إلا من خلال تدعيمه بقلق ثقافي ومخاوف جيوسياسية" (ص. 13) وخلال هذه الأحداث، كان إسهام علم الاجتماع في بناء الشرق الأوسط من بوابة نظرية التحديث، التي جرى تبنّيها لفهم صيرورة التحولات الاجتماعية في مجتمعات ما بعد الاستقلال. وعززت هذه النظرية الرؤى المنحازة ضد المجتمعات الإسلامية من خلال تقديمها تفسيرات اختزالية عن قضايا عديدة متنوعة، واجهتها مجتمعات ما بعد الاستقلال، لتؤكد تخلّف المنطقة عن "الركب الحضاري". وبرز على نحو خاص دور علم الاجتماع في الولايات المتحدة الأميركية، الذي اهتم بدراسة مناطق العالم بصفة ملحوظة مع الحرب الباردة التي جعلت من هذا العالم مسرحًا مفتوحًا للتنافس
على النفوذ. واتخذ علم الاجتماع الأميركي من نظرية التحديث المقاربة الأساسية في دراسة هذه المناطق، وكان علم الاجتماع الأميركي لا يزال متكلً على منهج التطورية الاجتماعية. لذا كانت جل دراساته للمنطقة عبارة عن تقييم هذه المجتمعات إزاء النموذج المعياري للحداثة: الغرب. وظلت نظرية التحديث المدخل الرئيس في دراسة المنطقة، حتى مع تعرّضها سريعًا
لانتقادات شديدة، متعلقة بطبيعتها الاختزالية وتطويعها لأغراض هيمنة عالمية، إلى أن أزاحتها المقاربات النقدية في علم الاجتماع التي سلطت الضوء على تعقيد التحولات الاجتماعية الما بعد كولونيالية. يرى الباحثان أن نظرية التحديث بدأت تفقد قدرتها التفسيرية مع أحداث سبعينيات القرن العشرين. فبتأثير من حدث الثورة الإسلامية في إيران (1979) ظهرت أطروحات ترى أن الإسلام السياسي مثل ردة فعل على فشل مشروع التحديث. ومن ناحية أخرى دعت الأحداث الأخرى، كحظر تصدير النفط خلال الحرب العربية – الإسرائيلية سنة 1973، إلى الحاجة إلى التفكير عبر منظور العولمة. وقد أحدث هذا شرخًا في "المخيال السوسيولوجي" على مستوى التعامل مع مجتمعات ما بعد الاستقلال. ونتيجة لذلك ظهر تحول في طريقة فهم منطقة الشرق الأوسط. ومن دلائل ذلك التفسيرات التي قدمت عن الثورة الإيرانية، والتي ترى فيها استثمارًا للمثل الإسلامية في
(5) Resat Kasaba, "Middle East in Sociology, Sociology in the Middle East," in: Seteney Shami & Cynthia Miller– Idriss (eds.), Middle East Studies for the New Millennium: Infrastructures of Knowledge (New York: New York University Press, 2016), pp. 90–91.
غايات "حديثة"، كالديمقراطية والمساواة. ومن أبرز نماذج هذا المنظور السوسيولوجي الجديد هو ما قدّمه ميشيل فوكو حول الثورة الإيرانية. فقد فسر الثورة من "خلال تتبع تلاشي الزخم الثوري للحداثة الغربية، والذي نسبه إلى فقدان ما أسماه 'الروحانية السياسية'، التي عادت إلى الظهور بأشكال جديدة في الشرق الأوسط" (ص. 16). إلا أن هذا التفسير لا يخلو كذلك من مرجعية استشراقية، تجعل الغرب مَصدرًا ومُصدرًا للقيم الثورية الحديثة. وهكذا استُخدم الشرق الأوسط مرة أخرى أداةً لإعادة تموضع الذات الغربية في سياق تحولات اجتماعية كبرى كالعولمة. ويذهب الباحثان إلى القول إن هذه التحولات المعرفية السوسيولوجية ولّدت حالة من الفراغ واللايقين حول كيفية فهم الشرق الأوسط. فملأت هذا الفراغ سرديات متخيلة جديدة عن الأزمة الدائمة لهذه المنطقة، أنتجتها دوائر الإعلام الغربية رفقة بعض الأكاديميين. وهذا ما دفع إدوارد سعيد في كتابه تغطية الإسلامإلى أن يوجه نقدًا لاذعًا إلى تغطية وسائل الإعلام الغربية للإسلام، التي كانت في رأيه تجمع أحداثًا منفصلة بسياقات مختلفة، وتصورها على أنها أشكال متعددة لأزمة دائمة واحدة. وقد مكّن هذا النوع من النقد من انتشار المقاربات النقدية المعرفية الما بعد استشراقية في دراسة الشرق الأوسط واستقرارها، والتي تتسم بالتعاطف والتضامن مع هذه المجتمعات. إلا أن هذا "البردايم" والخط المعرفي الجديد كانا ما يزالان يعتمدان على "تموضع ذاتي معرفي غربي" (ص. 18). وهذا ما أسماه الباحثان "متلازمة فوكو".
في الأخير، لا يبدي الباحثان تفاؤلً كبيرًا حول
إمكانية علم اجتماع للشرق الأوسط خالٍ تمامًا من أي بقايا للسرديات الثقافية والسياسية الغربية المهينة. فمع انطلاقة ما عُرف بالربيع العربي، عادت إلى المشهد الرؤى الاختزالية لمجتمعات الشرق الأوسط، التي لا ترى لهذه المجتمعات إرادة وفاعلية كاملة في صنع تغيير جذري لظروفها السياسية والثقافية. فبعد اندلاع الثورات العربية، برزت التحليلات السوسيولوجية التي ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة كانت هي "القادح" الذي أشعل هذه الشعوب للخروج والمطالبة بالتغيير. وهذه التحليلات التي أعطت الأولوية في دراسة هذه الأحداث لعوامل ثانوية، مركزةً على دور التقانة والابتكار الغربي، ومقللةً من أهمية الديناميكيات الاجتماعية المعقّدة طويلة الأمد، تعيد إلى الأذهان ما طرحه فوكو حول "الروحانية السياسية" التي وجدها في الشرق بعد أن ضاعت في الغرب. وعلى الرغم من هذا كله، لا يرى الباحثان أن مستقبل علم اجتماع الشرق الأوسط قاتم تمامًا، فالمحاولات التصحيحية التي تطمح إلى إزالة آثار المركزية الغربية والرؤى المنحازة ضد المنطقة (التي يزعم هذا الكتاب أنه يندرج تحتها) تتوالى في الاتساع والانتشار في الأكاديميا المحلية والغربية، بل حتى في المؤسسات الإعلامية والخطاب الغربي العام. ولا يريان كذلك أن الخلاص يكمن في "أهلنة علم الاجتماع"، لما يمثله ذلك من "مخاطرة في إعادة إنتاج ثنائيات معرفية مغلوطة؛ الحداثة والتقدم مقابل الأصالة والتراث" (ص). 21 وعوضًا عن ذلك، يدعو الباحثان إلى تعميق النقد الموجه إلى علم اجتماع الشرق الأوسط عبر التركيز على علاقته بالإرث المعرفي الكولونيالي
الغربي وبالديناميات الجديدة للقوة العالمية عبر منظور "الجنوب العالمي".
خاتمة
يمثل دليل أكسفورد في علم اجتماع الشرق الأوسط متنًا مرجعيًا للباحثين المهتمين بعلم
الاجتماع وقضاياه في المنطقة. وللدليل مزايا عديدة. فهو يقدم مساهمات متعددة لباحثَين مبرزين محليًا وعالميًا في هذا المجال، مع
تنوع واضح في الرؤى والمنطلقات المعرفية والمنهجيات المستخدمة، فضلً عن اشتماله على مقاربات عابرة للتخصصات تتيح تأطير القضايا محل النقاش من زوايا متعددة. كما أن أبحاث الكتاب قائمة بذاتها ما يمكّن من قراءتها منفصلة، وإضافة إلى ذلك تقترح معظم الفصول مسارات بحثية مستقبلية محتملة. لكن، على الرغم من تغطية هذا العمل الضخم لمواضيع واسعة وحالات متعددة وبمنهجيات متنوعة، فإن هنالك مواضيع أخرى لم يعالجها. وبطبيعة الحال لا يمكن أيّ عمل مشابه أن يكون خلاصة وافية شاملة، بيد أن من الموضوعات التي كان من الممكن معالجتها نستطيع ذكر علم
Computational Sociology الاجتماع الرقمي
المراجع
الذي ازداد الاهتمام به مع التقدم التقني الحوسبي في السنوات الأخيرة. فمع الكمّ الهائل من البيانات الفريدة التي أتاحتها وسائل التواصل الاجتماعي والمدونات الرقمية، أصبح هذا المجال البحثي مثيرًا للاهتمام ويكسب كل يوم جدارة معرفية، لكن دليل أكسفورد لا يهتم بالظاهرة، وربما لأن الشرق في المخيال السوسيولوجي للمصممين لهذا العمل المهم جدًا ما زال عصيًا على الفرضيات الكمّية. وغابت في هذا الكتاب، أيضًا، أبحاث حول حالتَي اليمن والسودان، كما أنه لم يتطرق إلى موضوع العِرْق في الشرق الأوسط، خاصةً عند الأخذ في الاعتبار تجربته الفريدة في المنطقة، على الرغم من أن الكتاب اشتمل على إضافات مهمة في مجال التصنيفات الطائفية والعرقية، وغيرها. ومع ذلك، فإن دليل أكسفورد يعتبر عملً رائدًا في مجاله، ومطلوبٌ من كل باحث في المنطقة أن يتحاور معه.
(((على سبيل الذكر، خصص دليل كامبريدج لعلم الاجتماع الصادر عام 2017 أربعة فصول لقضايا متعلقة بالعرق، ينظر:
Kathleen Korgen, The Cambridge Handbook of Sociology: Specialty and Interdisciplinary Studies (Cambridge: Cambridge University Press, 2022).
References
Burney, Shehla. Pedagogy of the Other: Edward Said, Postcolonial Theory, and Strategies for Critique. Bern: Peter Lang, 2012. Crouzet, Guillemette. Inventing the Middle East: Britain and the Persian Gulf in the Age of Global Imperialism. Quebec: Mcgill–queens University Press, 2022. Göçek, Fatma Müge & Gamze Evcimen (eds.). The I.B. Tauris Handbook of Sociology and the Middle East. London: I.B. Tauris, 2022. Korgen, Kathleen. The Cambridge Handbook of Sociology: Specialty and Interdisciplinary Studies. Cambridge: Cambridge University Press, 2022.
Nieuwenhuijze, Christoffel A. O. van. Sociology of the Middle East: A Stocktaking and
Shami, Seteney & Cynthia Miller–Idriss (eds.). Middle East Studies for the New Millennium: Infrastructures of Knowledge. New York: New York University
Interpretation. Leiden: Brill, 1971.
Press, 2016.