العودة إلى تفاصيل المؤلَّف الثقافة السياسية، والتصدّعات الاجتماعية، والديمقراطية: دراسة حالة الجزائر

الثقافة السياسية، والتصدّعات الاجتماعية، والديمقراطية: دراسة حالة الجزائر

Political Culture, Social Cleavages, and Democracy: Algeria Case

* Abdelkader Abdelali عبد القادر عبد العالي|

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في الكيفية التي تؤثّر بها توجّهات الثقافة السياسية في العلاقة بين التصدّعات الاجتماعية والتحوّل الديمقراطي في الجزائر. ويعتمد البحث على معالجة المعطيات الإحصائية لمؤشّرات مسح القيم في العالم WVS، وعلى تقارير مؤشّرات الديمقراطية العالمية؛ ويجادل بأنّ بنية التصدّعات الاجتماعية القائمة في الجزائر ضعيفة في جانبها التراكمي وهي ذات طابع متقاطع، ولا تعكس التوجّهات نحو تأييد الديمقراطية، أي القبول بالتمايز الثقافي والاجتماعي بين المجموعات، بحيث يكون هناك ميل وتقارب نسبي في تأييد الديمقراطية بوصفها نظامًا مناسبًا للتعايش ولإدارة الشأن السياسي أكثر من رفضها. ذلك لأنّ الاصطفاف الحزبي في الجزائر حول ثلاث عائلات سياسية رئيسة: الوطنيّن، الإسلاميّين، الديمقراطيّين، يميل إلى تعزيز تصدّع تراكمي حول الهوية الدينية واللغوية وله أثره الملموس في التأثير الظرفيّ في تراجع بعض مؤشّرات الطلب على الديمقراطية.

Abstract

Abstract: This study considers the way in which political culture perspectives impact the relationship between social cleavages and democratic transition in Algeria. It draws on statistical analysis of World Values Survey (WVS) data, and global democracy indicators to argue that the structure of current social cleavages in Algeria is cumulatively weak. It is intersectional and does not reflect pro–democracy inclinations (i.e., acceptance of sociocultural variation between groups) such that there would be a relative tendency to support, not oppose, democracy as a system of coexistence and managing political affairs. This is because partisan alignments in Algeria in terms of three main political families – nationalists, Islamists, and democrats – tend to exacerbate the cumulative cleavage in religious and linguistic identity, and they have a tangible impact on the circumstantial decline of some indicators of demand for democracy.

الكلمات المفتاحية:
  • الثقافة السياسية
  • الجزائر
  • التصدّعات الاجتماعية
  • العائلات الحزبية
  • القيم السياسية
Keywords:
  • Political Culture
  • Algeria
  • Social Cleavages
  • Party Families
  • Political Values

Political Culture, Social Cleavages, and

Democracy: Algeria Case

ملخص: تبحث هذه الدراسة في الكيفية التي تؤثّر بها توجّهات الثقافة السياسية في العلاقة

بين التصدّعات الاجتماعية والتحوّل الديمقراطي في الجزائر. وتعتمدُ الدراسة على معالجة

المعطيات الإحصائية لمؤشّرات مسح القيم في العالم WVS، وعلى تقارير مؤشّرات

الديمقراطية العالمية؛ وتجادل بأنّ بنية التصدّعات الاجتماعية القائمة في الجزائر ضعيفة في

جانبها التراكمي وهي ذات طابع متقاطع، ولا تعكس التوجّهات نحو تأييد الديمقراطية، أي

القبول بالتمايز الثقافي والاجتماعي بين المجموعات، بحيث يكون هناك ميل وتقارب نسبي

في تأييد الديمقراطية بوصفها نظامًا مناسبًا للتعايش ولإدارة الشأن السياسي أكثر من رفضها.

ذلك لأنّ الاصطفاف الحزبي في الجزائر حول ثلاث عائلات سياسية رئيسة: الوطنيّن،

الإسلاميّين، الديمقراطيّين، يميل إلى تعزيز تصدّع تراكمي حول الهوية الدينية واللغوية وله

أثره الملموس في التأثير الظرفيّ في تراجع بعض مؤشّرات الطلب على الديمقراطية.

السياسية.

Abstract: This study considers the way in which political culture perspectives impact the relationship between social cleavages and democratic transition in Algeria. It draws on statistical analysis of World Values Survey (WVS) data, and global democracy indicators to argue that the structure of current social cleavages in Algeria is cumulatively weak. It is intersectional and does not reflect pro–democracy inclinations (i.e., acceptance of sociocultural variation between groups) such that there would be a relative tendency to support, not oppose, democracy as a system of coexistence and managing political affairs. This is because partisan alignments in Algeria in terms of three main political families – nationalists, Islamists, and democrats – tend to exacerbate the cumulative cleavage in religious and linguistic identity, and they have a tangible impact on the circumstantial decline of some indicators of demand for democracy.

الجزائر.

Professor , Department of Political Science and International Relations , Faculty of Law and Political Science ,

Dr. Moulay Tahar University , Algeria. Email: abdelaliabk@gmail.com

مقدمة

اهتمّت الدراسات السياسية والاجتماعية بمسألة الثقافة والعامل الثقافي في تفسير الكثير من الظواهر والأحداث السياسية والاجتماعية والفوارق بين النظم السياسية ومؤسّساتها الفرعية، وهو مجال شغل ويشغل حيّزًا كبيرًا من الدراسات الأنثروبولوجية، ما شجع الباحثين في السوسيولوجيا

وعلم السياسة على توظيف التحليل الثقافي في الأبحاث الميدانية لتفسير سلوك الأفراد ولكشف القواعد المتجذّرة ثقافيًّا، التي تحكم المؤسّسات، والكيفيّة الّتي تؤثّر بها أبنية التصدّعات الاجتماعية

ومحاور الانقسام في ترسيخ بعض القيم الثقافية. وهناك نموذجان من الدراسات الخاصّة بصياغة نظرية للثقافة السياسية، الأوّل ذو توجّه سلوكي يعتبر الثقافة السياسية متغيّرًا مستقًّلًّ، والثاني ذو توجّه بنيوي، خصوصًا عند الغرامشية الجديدة، يعتبر الثقافة

متغيّرًا تابعًا وحصيلة لتغيّرات طبقية واقتصادية. لكنّ كلا النوعين من الدراسات لم يولِ ما يكفي من

الاهتمام للتغيّر الثقافي، وكيف يمكن للمؤسّسات السياسية القائمة أن تؤثّر في الثقافة السياسية، وأنّ

هذه المؤسّسات تتّسم بعدم الانسجام مع الفوارق القائمة والمتزايدة بين النخبة والجماهير وبين الفئات العمرية في المجتمع، وغيرها من الفوارق، ما يعني أنّ الثقافة السياسية ليست متغيّرًا تابعًا

للظروف القائمة، وليست متغيّرًا مستقًّلًّ لا يخضع للتأثّر، وأنّها أيضًا ليست متغيّرًا مطلقًا يفسّر كلّ شيء

يحدث في العالم الواقعي، بل هناك عملية تفاعل مستمرّة بين الأبنية السياسية والاجتماعية ونواتجها

الثقافية. وهنا يمكن طرح الأسئلة التالية: كيف تسهم القيم الثقافية في إعادة إنتاج البنى التسلّطية وتبرير المصالح؟ وكيف تحدّ بذلك من مجال التحوّل الديمقراطي؟ وهل تتأثّر الثقافة السياسية بالانقسامات الاجتماعية والسياسية العميقة (أي بأبنية التصدّع الاجتماعي)؟ وما أثر تراكمية التصدّعات وقوّتها في تأييد الديمقراطية وتبلور قيم ثقافية مشجّعة على الديمقراطية؟ تعتمد الدراسة على استعمال منهجية مركّبة تجمع بين التحليل البعديّ للأدبيّات Analysis Meta

والتحليل الإحصائي لمجموعة من البيانات باعتماد معطيات المسح العالمي للقيم WVS، وعلى مؤشّرات الديمقراطية وقياساتها لدى وحدة تحليل مجلّة إيكونومست، وهي تقوم على فحص إحصائيّ للعلاقة بين متغيّرات الانتماءات الاجتماعية: الطبقة والأصول الإثنية والدين، وعلاقتها بتأييد

الديمقراطية، وإذا ما كان تراكم هذه الانتماءات يؤثّر في قوة الارتباط بتأييد الديمقراطية أم لا. تنقسم الدراسة إلى ثلاثة محاور: يناقش الأوّل الإطار النظري لنموذج دور الثقافة السياسية بوصفها متغيّرًا وسيطًا بين بنية التصدّعات الاجتماعية والتحوّل الديمقراطي، من خلال الأدبيات الأساسية

في المجال. ويدرس الثاني التصدّعات الأساسية في المجتمع الجزائري وعلاقتها بالعائلات الحزبية السياسية القائمة، التي أفرزتها التعدّدية الحزبية بعد 1989. أمّا الثالث فيبحث علاقة القيم الثقافية

(1) "WVS Database: World Values Survey Wave 6: 2010–2014," World Values Survey , accessed on 14/10/2022, at: https://bit.ly/3Mxll0P (2)  Democracy Index 2021: The China Challenge (London: The Economist Intelligence, 2022).

السياسية بالموقف من الاستقطابات وقضايا التصدّع الاجتماعي والسياسي، وعلاقة هذه القيم بالميل نحو الديمقراطية، ومؤشّر الديمقراطية وتطوّره في الجزائر.

أولا: الثقافة السياسية، التصدّعات الاجتماعية والتحوّل الديمقراطي

انشغل العديد من الدراسات بدور الثقافة السياسية في تحوّل النظم السياسية وأنماطها على المستويين النظري والعالمي. وأبرزها وأكثرها شهرة دراسة غابريال ألموند وسيدني ڤيربا في موضوع الثقافة المدنية، وهي تعدّ كلاسيكية في مجالها، إذ إنّها أصبحت مرجعية لما هو لاحق لها من الدراسات عبر العالم. إن معظم الدراسات حول الثقافة السياسية في العالم العربي أقرب إلى كونها دراسات نقدية للوضع الثقافي القائم، وتنقسم إلى دراسات إمبيريقية تاريخية ودراسات معيارية ذات توجّهات أيديولوجية. ومن بين الدراسات الأكثر شهرة دراسة هشام شرابي حول الأبوية وكيف تشكّل محدّدًا ثقافيًّا للسلطوية

في المجتمع العربي، تلاها العديد من الدراسات، وكلّها تكاد تجمع على أنّ نوعية الثقافة، التي تتّسم بالرعائية Parochial أو بالخضوع والقيم الأبوية، هي العامل المهمّ في غياب الديمقراطية، وهشاشة مؤسّساتها القائمة، وضعف الميل نحو المشاركة السياسية. في ذلك الوقت، برز هذا التيّار في منافسة

تيّار أسبق هو التيار البنيويّ الطبقيّ الّذي يركّز على علاقة السياق الثقافي بالأوضاع السياسية، ويزعم

أنّ الظاهرة التسلّطية Authoritarianism واستمراريّتها تقوم على هيمنة ثقافة سياسية ذات قيم تسلّطية وأبوية تميل إلى ازدهار الخطابات العاطفية واللاعقلانية وإلى الممارسات الشعبوية، كما تؤكّد ذلك مثلً دراسة آمال العبيدي حول الثقافة السياسية في ليبيا. ويمكن أن نضيف أيضًا أنّ هذه الدراسات تتّسم بغلبة التفسير القيمي والثقافي الوصفي.

(3) Gabriel A. Almond & Sidney Verba, The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations (Newbury Park: Sage Publications, 1989). (4) Amal Obeidi, Political Culture in Libya (Richmond: Curzon, 2001), pp. 15–21; Tawfic E. Farah, "Political Culture and Development in a Rentier State: The Case of Kuwait," Bureaucracy and Development in the Arab World (January 1989), pp. 106–113; Kamal El–Menoufi, "The Orientation of Egyptian Peasants towards Political Authority between Continuity and Change," Middle Eastern Studies , vol. 18, no. 1 (1982), pp. 82–93; Iyad Barghouti, "Religion and Politics among the Students of Najah National University," Middle Eastern Studies , vol. 27, no. 2 (1 April 1991), pp. 203–218; Lisa Blaydes & Justin Grimmer, "Political Cultures: Measuring Values Heterogeneity," Political Science Research and Methods , vol. 8, no. 3 (July 2020), pp. 571–579.

(((هناك أمثلة كثيرة من الدراسات التي تناقش هذه الظواهر، خصوصًا الدراسة المشهورة لهشام شرابي حول الأبوية، بوصفها

أساسًا تفسيريًّا لتأثير هذا النوع من الثقافة على مجمل المشهد الاجتماعي والثقافي والسياسي. ينظر: هشام شرابي، النظام الأبوي

وإشكالية تخلّف المجتمع العربي، ترجمة محمود شريح (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992). ينظر أيضًا: كمال المنوفي،

"الثقافة السياسية وأزمة الديمقراطية في الوطن العربي"، المستقبل العربي، مج  8، العدد 80 (تشرين الأول/ [أكتوبر] 1985)، ص –65

78؛ باسم الزبيدي، الثقافة السياسية الفلسطينية (رام  الله: المؤسّسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، 2003)؛ محمد صادق الهاشمي،

الثقافة السياسية للشعب العراقي وأبرز تحولّاتها (بيروت: دار الساقي، 2013)؛ فايد العليوي، الثقافة السياسية في السعودية (الدار

البيضاء: المركز الثقافي العربي،.)2012

لكنّ الكثير من الدراسات لا يكاد يخرج عن التصوّر السلوكي Behavioral لدى ألموند وڤيربا،

لذا حاول بعضهم طرح بدائل نظرية ودراسات نقدية تركّز على التحليل البنيوي للثقافة Structural Analysis، وقد اعتمدها خصوصًا أنصار الغرامشية الجديدة (نسبة إلى أنطونيو غرامشي)، ومدرسة بيير بورديو في علم الاجتماع الفرنسي، وقد مهّدت هذه المحاولات لبروز تيّار ثالث تطغى عليه

التوجّهات البنائية Constructivism بدل البنيوية وما  بعد الحداثية، وهي ترى أنّ المفهومين السلوكيّ

والبنيوي للثقافة السياسية يعجزان عن حلّ الكثير من مسائل علاقة الثقافة بالفعل السياسي وبأبنية التصدّعات الاجتماعية. وفي موضوع التصدّعات الاجتماعية، هناك دراسات أكّدت على دور هذه التصدّعات في تشكيل محاور الانقسامات والاصطفافات السياسية، وفي مقدّمتها دراسة ستاين روكان وسايمور ليبست، التي تعتبر تفسيراتها وتطبيقاتها المتعدّدة على حالات تاريخية وجغرافية مختلفة مرجعية بالنسبة إلى ما  أتى بعدها من الكتابات، مع ملاحظة أنّ الحالة العربية تكاد تغيب عن هذه الدراسات، ربّما لحداثة التجربة الديمقراطية فيها.

1. التصدّعات الاجتماعية والسياسية وأبنيتها

نقصد بالتصدّعات الاجتماعية محاور التقسيم العميقة في المجتمع، وهي ذات أساس بنيوي وثقافيّ وتتحدّد بها محاور الصراعات والاصطفافات الاجتماعية والسياسية لفترة طويلة من الزمن،

ويجري فيها تثبيت الهويّات الجمعية على أساس وشائجيّ أو استعمالي. إنّها نوع من الانقسامات

الاجتماعية الدائمة والمستمرّة والعميقة، وهذا التعريف يحظى بشبه إجماع عند دارسي نظرية التصدّع

كما هو عند ستاين روكان وسايمور ليبست وسيتفانو بارتوليني وروبرت داهل وآلن زوكرمان، ولكنّها لا تدلّ على حتمية وجود صراع عنيف، بقدر ما تشير إلى مظاهر التمايز الوظيفي والاجتماعي، الذي يتعزّز بوجود رموز ومعان ثقافية له، وتدلّ على وجود مجموعات اجتماعية لها حدود انتماء واضحة، إمّا على أساس تراتبات اجتماعية أو على أساس تمايزات وظيفية وثقافية وأحيانًا قيمية وأيديولوجية. تشكّل هذه التمايزات الوظيفية والسلوكية في المحصّلة بنية انقسام سياسيّ واجتماعي

مشكَّلةً من التراتبات والتمايز والانتماءات والاصطفافات السياسية والحزبية في حال تحوّلها إلى

تصدّع سياسي، وذلك بحسب التوزيع الذي يحدّده الفضاء المكاني والتمايز الثقافي والاقتصادي بين الجهات والأقاليم.

(6) Pierre Bourdieu & Jean–Claude Passeron, La reproduction: Éléments pour une théorie du système d’enseignement , Collection "Le sens commun" (Paris: Éd. de Minuit, 2005), pp. 47–48. (7) John Street, "Political Culture–from Civic Culture to Mass Culture," British Journal of Political Science , vol. 24, no. 1 (1994), p. 113. (8) Seymour M. Lipset & Stein Rokkan, "Cleavage Structures, Party Systems, and Voter Alignments: An Introduction," in: Cleavage Structures, Party Systems and Voter Alignments: An Introduction (New York: Free Press, 1967), pp. 1–64.

(((عبد القادر عبد  العالي، التصدعات الاجتماعية وتأثيرها في النظام الحزبي الإسرائيلي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

هناك نقاش نظريّ وبحثيّ حول علاقة التصدّعات الاجتماعية والقيمية بالتصدّعات السياسية، على

أساس وجود ثلاثة أنواع من أبعاد التصدّع: التصدّع البنيوي، والتصدّع القيمي، والتصدّع السياسي، وكيفيّة انعكاس هذه الانقسامات العميقة في تشكّل الكيانات الحزبية ومحاور اصطفافها وتأثيرها في

السلوك الانتخابي والاستقطابات والتحيّزات الاجتماعية والقيميّة والثقافية. وقد برز الطرح البنيوي في

دراسة التصدّعات الاجتماعية ومحاور الاصطفاف الاجتماعي انطلاقًا من الدراسة المحورية لروكان

وليبست، الّتي تؤكّد أنّ هذه التصدّعات تطوّرت في قارّة أوروبا بناءً على ثورتين اجتماعيّتين هما الثورة

الوطنية الناجمة عن عمليّتي بناء الدولة وبناء الأمّة، والّتي ولّدت الصراع بين المركز والمحيط وأفرزت

صراعًا بين الكنيسة والدولة؛ والثورة الصناعية التي ولّدت نوعين من الصراعات: الصراع بين العمّال

وأرباب العمل، وهو تصدّع وظيفيّ طبقيّ؛ والصراع بين الريف والمدينة، وهو تصدّع وظيفيّ بين

المصالح الفلاحية والصناعية. وقد انعكست تلك التصدّعات في تشكّل النظم الحزبية الأوروبية وذلك محصّلة للاصطفافات الأيديولوجية والسياسية. إنّ بناء الدولة وبناء الأمة عمليّتان منفصلتان يشكّل تعاقبهما أو تزامنهما فارقًا في تشكّل الأحزاب

السياسية وفي بناء المؤسّسات السياسية للدولة، فإذا سبقت عمليّة بناء الدولة بناء الأمّة، كما في

الحالة الفرنسية، فإنّ الدولة المركزية تتحوّل إلى مركز سلطة ثقافيّ يفرض معيارًا ثقافيًّا وسياسيًّا ولغويًّا

على بقية المناطق الفرنسية، بينما في حالات أخرى، مثل حالة إيطاليا وألمانيا، فقد سبقت عملية بناء الأمّة عملية بناء الدولة أو تزامنت معها، فأنتج ذلك بنية سياسيّةً فيدرالية في ألمانيا، وبنية ذات تعدّدية

حزبية مفرطة مع نزعة خصوصية قويّة بين المقاطعات في إيطاليا. ويعني هذا أنّ مسعى بناء ثقافةِ

مركزٍ مهيمنةٍ يكون له ردّ فعل متفاوت في القوّة من جانب القوى والمناطق الطرفيّة. لا يحدّد البعد المادّي للصراعات وحدَه محاور الانقسام، فهناك تصدّع قيميّ ذو بعد جديد تأثّرت به

الثقافة السياسية لأجيال، وهو يعبّر عن صراع وتمايز قيميّ ذي طابع جيليّ بين القيم المادّية والقيم

ما بعد المادّية، كما يرى إنجلهارت في مقاله الشهير حول الثورة الصامتة الّتي أسّست لتصدّعية جديدة

في المجتمعات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. لكنّ أهمّية هذه التصدّعات ومحاورها تختلف من مجتمع لآخر، فهناك مجتمعات تطغى عليها التصدّعات الدينية، وأخرى تطغى عليها التصدّعات الإثنية نظرًا إلى القوّة النسبية والتنظيمية التي تعرفها بعض المجموعات الهويّاتية.

(10) Stefano Bartolini, "La formations des clivages," Revue internationale de politique comparée , vol. 12, no. 1 (2005), pp. 9–34. (11) Lipset & Rokkan, "Cleavage Structures," pp. 38–48. (12) Stein Rokkan, State Formation, Nation–Building, and Mass Politics in Europe: The Theory of Stein Rokkan: Based on His Collected Works (Oxford: Oxford University Press, 1999); Seymour M. Lipset & Stein Rokkan, "Cleavage Structures, Party Systems, and Voter Alignments: An Introduction," in: Cleavage Structures, Party Systems and Voter Alignments: An Introduction (New York: Free Press, 1967), pp. 1–64. (13) Stein Rokkan, "Cities, States, and Nations: A Dimensional Model for the Study of Contrasts in Development," in: S. N. Eisenstad (ed.), Building States and Nations , vol. 1 (Beverly Hills: Sage Publications, 1973), p. 84. (14) Ibid. (15) Ronald Inglehart, "The Silent Revolution in Europe: inter–Generational Change in Post–Industrial Societies," The American Political Science Review , vol. 65 (1971), pp. 999–1000.

يظهر انعكاس محاور التصدّع الاجتماعي على المستوى السياسي، وتزداد أهمّيته حسب ثلاثة مؤشّرات: المؤشّر الأوّل تشكّل أحزاب سياسية ذات مرجعية اجتماعية وأيديولوجية وطائفية أو إثنية تتشكّل إثرها اصطفافات سياسية للكيانات الحزبية ذات المرجعيّات المشتركة، والمثال الأبرز هو الأحزاب الدينية

والأحزاب العمّالية، والأحزاب الطائفية. المؤشر الثاني هو ميل المجموعات المتمايزة طبقيًّا ودينيًّا

وإثنيًّا إلى أن تتمركز جغرافيًّا، ما يضاعف من حجم تأثيرها الانتخابي والسياسي، خصوصًا إذا

كان حجم الدائرة الانتخابية كبيرًا. أمّا المؤشّر الثالث فهو ميل كلّ مجموعة حزبية إلى أن يكون لها

معقل انتخابيّ من الأنصار والأتباع ضمن أوساط اجتماعية، والمثال الأبرز: هو تشكّل خريطة جغرافية

للتصويت للأحزاب حسب الانتماءات الإثنية واللغوية والدينية والطبقية، تختلف من بلد إلى آخر.

2. أبنية التصدّع الاجتماعي والمؤسّسات الديمقراطية

يرتبط تأثير التصدّعات الاجتماعية في التحوّل الديمقراطي والحفاظ على المؤسّسات الديمقراطية

بطبيعة بنية نسق التصدّعات الاجتماعية على مستوى الاصطفاف الحزبي وعلى مستوى الجماعات، فالنظم الديمقراطية – كما يراها كثير من الدراسين (بيتر مائير، وستيفانو بارتوليني، روبرت إنجلهارت، دونالد هوروفيتش، وروبرت داهل) – هي أنظمة تمكّنت من مأسسة الصراعات، وتحوّلت التصدّعات

الاجتماعية فيها – أو بعض منها – إلى إرثٍ من الماضي، وتجمّدت ضمن تقاليد سياسية تميّز بين

الأحزاب السياسية على أساس أيديولوجي، من اليمين إلى اليسار، وهناك نسبة عالية من التغيّر في

توجّهات التصويت عند المواطنين أدّت إلى إضعاف الاصطفاف الانتخابي على أساس الانتماءات

الاجتماعية. يختلف الأمر في الأنظمة التسلّطية والانتقالية وبعض النظم الديمقراطية الهجينة، حيث يشكّل بعض محاور التصدّع خطرًا يهدّد استقرار المؤسّسات السياسية واستمرار الديمقراطية، خصوصًا حين يتشكّل

نسق من التصدّعات التراكمية أو التصدّعات القوية الّتي تستقطب المجموعات والأحزاب، وتعمّق التمايزات والانقسامات بين المجموعات. وعلى الرغم من أنّ دراستَيْ فيرون ولايتين من جهة، ودراسة

بوزنر من جهة أخرى، لا تؤكّد بوضوحٍ وجود علاقة بين مؤشّر التصدّعات الإثنية والدينية واللغوية

(16) Shaheen Mozaffar, James R. Scarritt & Glen Galaich, "Electoral Institutions, Ethnopolitical Cleavages, and Party Systems in Africa’s Emerging Democracies," American Political Science Review , vol. 97, no. 3 (August 2003), pp. 387–

(17) Peter Mair, "The Problem of Party System Change," J ournal of Theoretical Politics , vol. 1, no. 3 (July 1989), pp. 251–276; Stefano Bartolini, "La formations des clivages," Revue internationale de politique comparée , vol. 12, no. 1 (2005), pp. 9–34; Stefano Bartolini, The Political Mobilization of the European Left, 1860–1980: The Class Cleavage , Cambridge Studies in Comparative Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 2000); Ronald Inglehart, The Silent Revolution: Changing Values and Political Styles Among Western Publics (New Jersey: Princeton University Press, 1977); Donald L. Horowitz, Ethnic Groups in Conflict (Berkeley: University of California Press, 1985); Robert A. Dahl, Political Oppositions in Western Democracies (New Haven: Yale University Press, 1966). (18) Russell J. Dalton, "Political Cleavages, Issues, and Electoral Change," in: Lawrence LeDuc, Richard G. Niemi & Pippa Norris (eds.), Comparing Democracies: Elections and Voting in Global Perspective , vol. 2 (London: Sage Publications, 1996), pp. 320–321.

ودرجة الاستقرار والميل إلى العنف السياسي، فإنّ الانقسامات الاجتماعية وحدها لا تشكّل عامل في عدم الاستقرار Instability تعزّز عوامل أخرى – مثل الفوارق في الدخل – من ضمن   بقدر ما الفوارق بين المجموعات، أو يمكن أن تتحوّل الانقسامات الإثنية واللغوية إلى أداة بيد النخبة السياسية تستعملها في التحشيد من أجل الصراع على السلطة، ومن أجل التصويت لفائدتها خلال الانتخابات؛ أو قد لا تستطيع المؤسّسات القائمة تقديم ترتيبات مؤسّسية تضعف من حدّة التصدّعات الاجتماعية. وهذا ما يشهده الكثير من الأنظمة السياسية الّتي عرفت تمرّدات مسلّحة على خلفية دينية أو إثنية أو انفصالية، وكذلك الأنظمة الديمقراطية القائمة على انقسامات اجتماعية عميقة ومؤسّسات سياسية غير فعّالة في التمثيل السياسي وتوزيع السلطة، وتعاني أزمات استقرار حكومي متكرّرة. يمكن الافتراض أنّ بنية التصدّعات الاجتماعية ذات الطبيعة التراكمية Overlapping أو البارزة Salient تضعف المؤسّسات الديمقراطية أكثر ممّا تفعله التصدّعات المتقاطعة، والأمر لا يعود إلى درجة التجانس المنخفضة داخل المجتمع ووجود التعدد الديني واللغوي والطائفي، بقدر ما يعود إلى تراكم التمايزات بين المجموعات دون وجود تقاطعات تمثّل جسور ربط شبكيّ بينها، ما يتسبب عنه إنتاجٌ وإعادة انتاجٍ لثقافة سياسية غير مدنية ضمن مجموعات منغلقة على نفسها تتّسم علاقاتها بالقيم التسلّطية والصراعية فيحول ذلك دون وجود أحزاب سياسية ذات قدرات تعبوية عابرة لهذه المجموعات.

3. الثقافة السياسية ومستويات التحليل

لقد أثار العديد من الدراسات أهمّية الثقافة في تدعيم المؤسّسات الديمقراطية القائمة والمساعدة في التحوّل الديمقراطي وأيضًا في عرقلته. وبعض هذه الدراسات اختزل الثقافة في مجرّد متغيّر تابع أو مستقلّ، مثلما يؤكّد ألموند وباول في عملهما المشترك حول الثقافة المدنية، ويؤكّدان أنّ المؤسّسات الديمقراطية تستند إلى نوع خاصّ من الثقافة السياسية يسمّيها ألموند بالثقافة المدنية، وهي تجمع بين مكوّنات الثقافة المشاركة والرعائية وثقافة الخضوع، وتتّسم بقيم التفاوض والتسوية والتسامح والاعتدال، وعدم الميل إلى العنف. وهو ما ذهب إليه أيضًا هنتنغتون، الذي يرى أنّ للثقافات والأديان دورًا كبيرًا في التشجيع على الديمقراطية، زاعمًا أنّ الإسلام والكونفوشيوسيّة لا يشجّعان على

(19) James D. Fearon & David D. Laitin, "Ethnicity, Insurgency, and Civil War," The American Political Science Review , vol. 97, no. 1 (2003), pp. 81–82; Daniel N. Posner, "Regime Change and Ethnic Cleavages in Africa," ULCA , accessed on 23/5/2021, at: https://bit.ly/3UfIKr9

(((2 يؤكّد بيتر ميركل أنّ "وجود الانقسامات الشاملة [...] هو عامل رئيس للاستقرار والشرعية في النظام السياسي. وهذا ينطبق

على البلدان التي تمرّ بأزمة شرعية ناجمة عن انهيار المؤسّسات المحافظة الكبرى أو استبعاد المجموعات الرئيسة من الوصول إلى

النظام السياسي".

Peter H. Merkl, Modern Comparative Politics (New York: Holt. Rinnehart; Winston, INC, 1970), p. 328. (21) Almond & Verba. (22) Ibid., p. 6.

الديمقراطية بالمقارنة مع المسيحية البروتستانتية، وهو تفسير أثار – كما هو معروف – نقاشات كبيرة حول دقّة استنتاجه، وكيف أنّه أهمل متغيّرات ثقافية أخرى تتعلّق بالطلب على الديمقراطية

ودرجة التمكين والتوجّهات الثقافية لهذه الديانات ولمعتنقيها، الّتي تشهد تغيّرًا عالميًّا وتاريخيًّا نحو

الديمقراطية، وهي الوضعية نفسها التي كانت عند الكاثوليكية قبل سبعينيات القرن الماضي. يكشف بعض الأبحاث المسحية عن وجود علاقة بارزة بين الثقافة السياسية وأبنية المجتمع الطبقية والتراتبية والجماعاتية ودور هذه التصدّعات الاجتماعية في عرقلة الديمقراطية أو تدعيمها، وتأثير نوعية الثقافة السياسية في تشكّل علاقة محدّدة بين بنية التصدّعات الاجتماعية والديمقراطية. فقد أكّد ذلك ليبهارتعندما  شرح كيف يسهم تبلور نوع من الثقافة التوافقية عند النخب في تدعيم المؤسّسات

الديمقراطية، بقوله إنّ المؤسّسات الديمقراطية المهندسة وفق النموذج الإجماعيّ تساعد في تبلور

ثقافة ديمقراطية توافقية وغير صراعية، وهذا يؤدّي إلى إضعاف حدّة بروز التصدّعات الاجتماعية. ثمّ أكّد روبرت بوتنام على أنّ الممارسة الميدانية لنخب الحكم المحلّي يصاحبها تغيّر في الثقافة

السياسية من الراديكالية والتطرّف والصراع الأيديولوجي إلى الاعتدال والتعاون والتسامح ما يسهم في

تعزيز الديمقراطية وتخفيف أهمّية التصدّعات الاجتماعية والانقسامات الأيديولوجية. نموذج العلاقة بين التصدّع الاجتماعي والسياسي، والثقافة السياسية والديمقراطية

المصدر: من إعداد الباحث.

وفق هذا الرسم التوضيحي، هناك علاقة تفاعل بين الأقطاب الثلاثة: الثقافة السياسية، والديمقراطية، والتصدّع الاجتماعي، حيث تقوم الثقافة السياسية بتعديل قوّة التأثير بين كلا النسقين وطبيعته. تعتبر الثقافة في هذا السياق أكثر من مجرّد متغيّر، إذ إنها فئة متنوّعة من المتغيّرات الوسيطة التي تتدخّل

وتتفاعل مع مكوّنات البنية الاجتماعية، وهي أيضًا محصّلة التغيير السياسي الذي يحدث باستمرار.

(23) Samuel P. Huntington, The Third Wave: Democratization in the Late 20 th Century , vol. 4 (Oklahoma: University of Oklahoma Press, 2012), pp. 76, 300. (24) Arend Lijphart, Patterns of Democracy: Government Forms and Performance in Thirty–Six Countries , 2 nd ed (New Haven: Yale University Press, 2012), pp. 30–45. (25) Robert D. Putnam, Robert Leonardi & Raffaella Nanetti, Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy (Princeton: Princeton University Press, 1993), pp. 33–37.

وتحدّد البنية والثقافة مسار الأحداث، كما تؤثّر الأحداث والتجارب في كلّ من الثقافة ومكوّناتها وفي

البنية الاجتماعية. وهكذا فإنّ تحليل العلاقة بين التصدّعات الاجتماعية والتحوّل الديمقراطي ومدى

قوّة المؤسّسات الديمقراطية، يمرّ من خلال تحليل المدركات والتشكلّات الثقافية للأبنية والمؤسّسات

الاجتماعية ومستوى الولاء لها، في عدّة مستويات للتحليل من المستوى الكلّي للمؤسّسات، والمستوى

الوسيط للأنشطة والمستوى الجزئيّ للأفراد (ينظر الجدول.)1 الجدول (1) مستويات تحليل الثقافة السياسية مجال التحولّات

الحكومة

الاقتصاد

المجتمع

مجال التحولّاتالحكومةالاقتصادالمجتمع
موضوع التحوّلدمقرطةاالتحوّل نحو اقتصاد السوقتطوّر المجتمع
المدني
مستوى التحوّلالنسق السياسياالنسق الاقتصاديالنسق المدني
1. المستوى
أ الكل ّ ي
المؤسّسات
السياسية
واالأحزاب
المؤسّسات الاقتصادية والعوامل
الاقتصادية: الدخل القومي الخام،
نإسبة البطالة، مخرجات الإنتاج... إلخ
المؤسّسات المدنية:
الإعلام، النقابات،
الجمعيات
2. المستوى
الأوسط
النشاطات
السياسية
االنشاطات الاقتصادية، الشركاتأشكال المشاركة
العامة، المنظّمات غير
االحكومية
3. المستوى
الجزئي
المواطنون
والتصويت
االفاعلون الاقتصاديون والملاكالعائلات والشبكات
الاجتماعية

المصدر: نقلً عن (بتصرف):

Christian W. Haerpfer & Kseniya Kizilova, "Support for Democracy in Postcommunist Europe and Post–Soviet Eurasia," in: Russell J. Dalton & Christian Welzel (ed.), The Civic Culture Transformed: From Allegiant to Assertive Citizens (New York: Cambridge University Press, 2014), p. 160.

سنتبيّن في الفقرات اللاحقة – استنادًا إلى تجربة يمكن اختبار القيمة التحليلية لهذا الجدول – كما

المجتمع الجزائري وطريقة تشكّل ثقافته السياسية، وهي حصيلة تأثّره بذهنية الحكم الخاصّة بالتجربة الجزائرية، وبالقيم والقناعات الخاصّة بالشأن السياسي والسارية منذ عقود عند القادة والنخب

والمسؤولين السياسيّين الجزائريين على جميع المستويات، وقد توطّدت بشكل تصوّرات وقيم

ومدركات وذاكرة جماعية عند المواطنين مستمدّة من التجربة الكولونيالية وحرب التحرير الجزائرية.

ثانيًا: نسق التصدّع الاجتماعي السياسي والعائلات الحزبية في الجزائر

لا تكاد تختلف الحالة الجزائرية عمّا حدث في كثير من البلدان فيما يتعلّق بتشكل نسق التصدّعات الاجتماعية ودور القيادات والنخب السياسية والحزبية في إدارتها، فمحاور الانقسام الأيديولوجي

والثقافي في الجزائر برزت خلال الفترة الاستعمارية عند الحركة الوطنية ضمن ثلاثة توجّهات اختلفت حول طريقة حلّ المسألة الوطنية، هي: جناح الإدماج وحلّ المسألة ضمن الإطار الديمقراطي والثقافي لفرنسا الاستعمارية، وجناح الاستقلال الثقافيّ مع البقاء ضمن السيادة الفرنسية، وهو ما طرحته جمعية

العلماء المسلمين، قبل أن تميل وتندمج ضمن الجناح الثالث الوطنيّ الجذري، الذي بدأ ضمن حزب

الشعب الجزائري لينتهي بتأسيس جبهة التحرير الوطني، وأكّد على نهج الاستقلال التامّ وإنهاء حالة الاستعمار. بعد الاستقلال، وعلى الرغم من اعتماد الحزب الواحد، فقد تبلورت العائلات الحزبية الرئيسة في الجزائر ضمن ثلاثة أجنحة داخل الحزب الواحد: جناح يساريّ راديكالي ذو توجّه علماني، وجناح إسلاميّ محافظ، وجناح وسطيّ براغماتي. ولمّا اعتمدت الجزائر التعدّدية الحزبية بعد دستور 1989،

ظهرت ثلاث مجموعات حزبية مختلفة. لكنّها لا تخلو من التقاطع الفكريّ في بعض المسائل: الأحزاب الوطنية، والأحزاب الإسلامية الدينية، والأحزاب العلمانية الديمقراطية. لقد قدّمت هذه العائلات الحزبية إجابات وتصوّرات مختلفة ومتصارعة حول الأمة الجزائرية وهويّتها وبناء الدولة من حيث: علاقة الدين بالدولة، وعلاقة الثقافة الوطنية المركزية والرسمية بالثقافات الفرعية والطرفية والجهوية، وعلاقة الدولة بالطبقات الاجتماعية، وبذلك شكّلت هذه التجارب ملامح الثقافة السياسية المعاصرة للجزائريّين، ومواقفهم المختلفة حول تأييد الديمقراطية.

1. التصدّع الديني العلماني في الجزائر

على غرار كلّ الدول التي عرفت التحوّل الديمقراطي، وعرفت ظهور حركات دينية ضمن مخرجات عملية بناء الدولة – الأمّة بأسسها العلمانية الحديثة، ظهر التصدّع الديني العلماني حول مكانة الدين والمؤسّسة الدينية في الدولة الجزائرية وفي المجال العامّ. وكما ذهب إلى ذلك إنجلهارت في

مقترحه النظري، فإنّ هذا التصدع تطوّر تدريجيًّا ليصبح له بعدان: بعد يتعلّق بالانقسام بين

المجموعات الدينية، وبعد آخر يتعلّق بمستوى التدين – متديّنون وغير متديّنين – وهذا البعد الأخير هو الحاضر في السياسة المحلّية الجزائرية، وله أهمّية في تشكّل السجالات الخطابية السياسية والإعلامية بين الأحزاب ذات الطابع العلماني والوطني من جهة، تلك التي تقول بمدنيّة الدولة وبضرورة العلمانية

للديمقراطية، واستقلالية التعليم عن القيم الدينية، وبين الأحزاب الإسلامية الدينية، من جهة ثانية، تلك الّتي تدعو إلى التمسّك بالثوابت الهويّاتية، وأهمّها الإسلام، وبضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية واعتمادها في قوانين الجمهورية. ورغم تراجع خطاب تطبيق الشريعة على نحو واضح منذ نهاية التسعينيات، حيث كشفت أحداث تلك العشرية عن خطورة التصدّع الدينيّ العلماني، فإنّ الأحزاب

(((2 نور  الدين ثنيو، إشكالية الدولة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي ل بأأحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.543

(27) Ronald Inglehart, "The Changing Structure of Political Cleavages in Western Society," in: Russell J. Dalton, Scott C. Flanagan & James E. Alt (ed.), Electoral Change in Advanced Industrial Democracies: Realignment or Dealignment? (Princeton: Princeton University Press, 1984), pp. 452–454.

الإسلامية التي تعتبر خطابها إصلاحيًّا ومعتدلً ويحترم الديمقراطية (حركة حمس، النهضة، حركة البناء

الوطنيّ، وحركة العدل والحرية) ترى أنّ احترام الإسلام، بوصفه أحد الثوابت الوطنية، مسألة ضرورية،

وأنّه أحد أبعاد الهوية الجزائرية. ولذا يعيد الخطاب السياسي المهيمن داخل الساحة الجزائرية، الكثير من الجدالات المرتبطة بوضعية الدين الإسلامي ضمن المجتمع الجزائري، وحساسية طرح القضايا الخلافية وخاصّة قضايا حرّية المعتقد والهوية الإسلامية.

2. التصدّعات الناجمة عن العلاقة بين المركز – المحيط في الجزائر

يبرز التصدّع بين المركز والمحيط أو بين الثقافة المهيمنة والثقافات الفرعية/ أو المضادّة نتيجة لمخرجات عملية بناء الدولة – الأمّة التي تصاحبها مركزية لغويّة وقوميّة، فقد انعكس هذا في تشكّل

مقاومة ثقافية طرفية للمركزيّة اللغويّة والثقافية الجديدة، وظهر في شكل تصدّعات لغوية وإثنية قومية وفق عدّة أشكال وتنوّعات تنظيمية وأيديولوجية، منها التصدّع اللغوي، والتصدّع الإثني، والتصدّع

القومي. وفي الجزائر يعتبر الانقسام الجهوي أحد التمايزات الثقافية البارزة والمفعّلة عند النخب منذ ما قبل الاستقلال: وسط، شرق، غرب، وجنوب. وكذلك داخل الجهات: منطقة الأوراس، منطقة جرجرة، الغرب الوهراني، منطقة الحضنة. منطقة الونشريس. وحتّى الصحراء الجزائرية فيها تمايزات ثقافية وعوالم صحراوية متفاوتة: مناطق الرقيبات، الجنوب الغربي، الجنوب الشرقي. وينعكس هذا البعد الجهوي في كونه بعدًا تراكميًّا من طرف واحد مع أبعاد علاقة المركز بالأطراف والدينيّ بالعلماني

والعكس. فالأحزاب الجهوية هي، تحديدًا، الأحزاب ذات النزعة العلمانية القوية والمعلنة، مثل حزب الأرسيدي (اختصار فرنسي لحزب التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية) والأفافاس (اختصار فرنسي لجبهة القوى الاشتراكية)، التي تتركّز قاعدتها الانتخابية وقيادتها الحزبية في منطقة القبائل، بينما يتمتّع الحزب الوطني الحاكم؛ حزب جبهة التحرير الوطني، بحضور قويّ في الأرياف والمدن الصغرى، مع تراجع قوّته الانتخابية في المدن الكبرى وضواحيها الفقيرة التي أصبحت معقلً للأحزاب

الإسلامية. يرجع بروز التصدّع القائم على الهوية الثقافية اللغوية والجهوية في الجزائر إلى عملية بناء الدولة الجزائرية فيما بعد الاستقلال بحدّ ذاتها. لقد راهنت الدولة الجزائرية منذ نشأتها على أولوية بناء ثقافة مركزية وطنية، تكرّست في النظام التعليمي والإعلامي. وفي الدساتير، منذ دستور 1963 حتّى دستور

1989، اشتُرط في اعتماد الأحزاب، التي سُمّيت جمعيّات ذات طابع سياسي، أن يكون لها ولاء للدولة

ولقيم ثورة تشرين الثاني/ نوفمبر، شرطًا أساسيًّا لاعتمادها. وكان قبل اعتماد التعدّدية عام 1988 قد

اشتُرط تبنّي الاشتراكية خيارًا لا رجعة فيه، ما يعني تهميش كلّ المعارضة السياسية التي لا توافق على هذه المرتكزات ودفعها إلى العمل السرّي أو غير الرسمي ضمن أجنحة الحزب الواحد لجبهة التحرير

(28) Lahouari Addi, "Les Partis Politiques en Algérie," Revue des Mondes Musulmans et de la Méditerranée , no. 111– 112 (31 March 2006), pp. 139–162.

الوطني. لذا ظهرت التعدّدية الحزبية المستقطبة أيديولوجيًّا بعد دستور 1989 في ردّ فعل على الأحادية

السياسية والثقافية وتوجّهات العلمنة الاشتراكية، وتمثّل ذلك في بروز أحزاب وحركات سياسية طالبت

بالاعتراف باللغة الأمازيغيّة لغةً رسمية، وأخرى دينية يتصدّرها حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتدعو

إلى تطبيق الشريعة الإسلامية وإقامة دولة إسلامية.

3. التصدّع الطبقي والتراتبية الاجتماعية الجزائرية

بشكله الحديث برز التصدّع الطبقي في المجتمعات التي تطوّرت فيها طبقة متوسّطة أثناء عمليّتي

التصنيع – التحديث، وما تركته من أثر في مستوى البنية الطبقية للمجتمع، وعلاقة المدن بالأرياف والقرى المجاورة حيث يجري الصراع بشكل محاور وظيفية داخل المدن (بين العمّال وأرباب العمل)، أو بين

البروليتاريا والبورجوازية بالتعبير الماركسيّ، و/ أو بين مصالح المدن وكبار الملّك في الأرياف، وهو

ما تولّد منه في بلدان أوروبا الإسكندنافية بروز أحزاب الفلّحين، وهي ظاهرة نادرة، بينما في باقي أنحاء العالم برزت التصدّعات الجهويّة القائمة بين المركز والمحيط، بسبب التفاوت بين المناطق ذات

الامتياز التنموي والمناطق الهامشية، وتمركز الإثنيّات والمجموعات الدينية في مناطق محدّدة من المدن

والمناطق داخل كلّ بلد، ونتيجة لذلك تشكّلت محاور الانقسام الاجتماعي المرصود انتخابيًّا بحسب

الانتماءات الاجتماعية الطبقية والمهنية. وقد أكّدت أعمال بيير بورديو أنّ الانقسامات الطبقية تعيد إنتاج الثقافة المهيمنة بوسيلة الفعل المدرسيّ الذي يتضمّن أشك لً من العنف الرمزي وشرعنة ثقافية للوضع

القائم. ولكنّ الأهمّية السياسية للانقسام الطبقي في المجتمع الجزائري أخذت في الانحسار، لأنّه من حيث

هو انقسام اجتماعي ظلَّ غير واضح الملامح، ذلك لأن المجتمع الجزائري لم يعرف ثورة صناعية كبرى، ولم تعد فيه المتغيّرات الطبقية هي العامل الأساسيّ للاصطفاف، على الرغم من أهمّية هذا

العامل في توصيف البنية الطبقية للأحزاب السياسية الجزائرية. وفي هذا المجال ترى مغنية لزرق بأنّ تشكيلة جبهة التحرير الوطني، التي قادت الثورة ضدّ الاستعمار الفرنسي، تمثّل تحالفًا لكلّ الجزائريين الذين جرى إقصاؤهم وتهميشهم من جانب النظام الاستعماري الفرنسي الذي صادر أملاك الجزائريين وأقصاهم من نظام الإنتاج الكولونيالي. فجبهة التحرير الوطني، وفق هذا التصوّر، شكّلت تحالفًا من

البروليتاريا والبورجوازية الصغيرة ضدّ العدوّ المشترك، وجمّدت الصراعات الأيديولوجية التي كانت

قائمة بين الاندماجيّين والمركزيّين، ليعود الصراع الطبقيّ إلى الظهور بعد الاستقلال حين انتصرت

البورجوازية الصغيرة على الملّك والمستثمرين الكولونياليّين ومن تحالف معهم.

(29) Lipset & Rokkan, "Cleavage Structures, Party Systems, and Voter Alignments," pp. 44–45. (30) Posner; Lisa Watanabe, "Religion, Ethnicity, and State Formation in Algeria: 'The Berber' as a Category of Contestation," in: Kenneth Christie & Mohammad Masad (eds.), State Formation and Identity in the Middle East and North Africa (New York: Palgrave Macmillan US, 2013), pp. 159–172; Sebastian Elischer, Political Parties in Africa: Ethnicity and Party Formation (New York: Cambridge University Press, 2013). (31) Bourdieu & Passeron, pp. 22, 26, 57. (32) Marnia Lazreg, The Emergence of Classes in Algeria: A Study of Colonialism and Socio–Political Change (New York: Routledge, 2018), pp. 181–182.

ما يمكن التوقّف عنده في التحليل الطبقي لدى مغنية لزرق، هو تركيزها على البنية الطبقية من حيث علاقتها بقوى الإنتاج وبالقدرات التنظيمية في إطار المقاربة الماركسيّة، مهملةً في الوقت ذاته دور

الطبقات من حيث هو متغيّر محتمل في تشكّل الثقافة السياسية وفي التحوّل الديمقراطي. ومن خلال

المعطيات المشتقّة من بيانات المسح العالمي للقيم تبيّن أنّه لا يوجد استقطاب طبقيّ قويّ في الجزائر

ينعكس في الاصطفافات الحزبية (ينظر الجدول 2)، واستنادًا إلى دراسة ليندا أسود وآخرين، يمكن أن نعدّ الأحزاب الإسلامية أحزاب الطبقات الوسطى الدنيا، والأحزاب الديمقراطية أحزاب الطبقات الوسطى ذات الانتماءات المهنية التقنية، والأحزاب الوطنية أحزابًا تجمع تحالفًا طبقيًّا موسّعًا مشك لً

من الطبقات الوسطى المتحالفة مع طبقة الفلّحين وكبار الملّك في الأرياف والطبقات العليا في المدن. ويمكن أن نلاحظ أنّه على الرغم من ظهور أحزاب يساريّة تدافع عن القضايا العمّالية وقضايا

الشغل، مثل حزب العمّال، فإنّها ظلّت من الناحية الانتخابية ضعيفة، وربّما لا تمثّل حتّى العمّال بقدر

ما تمثّل فئات طبقية متوسّطة. الجدول (2) الانتخاب للأحزاب بحسب الانتماء الطبقي في الجزائر الطبقة الطبقة

من دون
إجابة
الطبقة
الدنيا
الطبقة
العاملة
الطبقة
الوسطى
الدنيا
الطبقة
الوسطى
العليا
الطبقات
العليا
المجموع
36.129.926.925.623.210.726.4لن أنتخب
2.56.53.54.52.803.8خيارات أخرى
13.96.513.811.217.935.713.8جبهة التحرير الوطني
0.80.92.12.98.110.73.8حزب التجمّع الوطني
الديمقراطي
3.36.57.86.13.23.65.5حزب حركة مجتمع
السلم
0.801.10.81.400.9حركة النهضة
1.64.74.24.373.64.7جبهة القوى
الاشتراكية
13.13.77.810.98.17.19التجمّع من أجل
الثقافة والديمقراطية
4.17.54.65.6605.3حزب العمّال
الاشتراكي

(33) Lydia Assouad et al., "Political Cleavages and Social Inequalities in Algeria, Iraq and Turkey, 1990–2019," Working Paper, World Inequality Lab , no 2021/12 (March 2021), p. 29.

الحركة من أجل

0.81.90.72.91.401.7الحركة من أجل
الإصلاح الوطني
0.801.11.32.101.2الجبهة الوطنية
الجزائرية
0.800.40.80.400.5حزب عهد 54
00.90.40.803.60.5الحزب الوطني من
أجل التضامن والتنمية
00.91.10.81.100.8جبهة العدالة والتنمية
21.329.924.721.317.52522.1من دون إجابة
122107283375285281200المجموع

المصدر:

WVS Database: World Values Survey Wave 6: 2010–2014, World Values Survey , accessed on 14/10/2022, at: https://bit.ly/3Mxll0P

ثالثًا: الثقافة السياسية في الجزائر وحدود الانتقال الديمقراطي

من اللافت أنّ معظم أدبيات الديمقراطية والتحوّل الديمقراطي لم تنتبه إلى القيمة المنهجية للتفاعل بين الثقافي والبنيوي، واقتصرت إمّا على دراسة شروط الديمقراطية البنيوية مثل مارتن ليبست وآدم برزيوسكي، أو على الاهتمام بعمليات الانتقال إلى الديمقراطية وإجراءاته، وفي هذا الموضوع يستخلص عزمي بشارة في كتابه الانتقال الديمقراطي وإشكاليّاته، بعد عرضه مجموعة من عوامل التحوّل، أنّ هناك عاملين مهمّين في تفسير الفرق بين التجربة التونسية والمصرية، يتمثلّان في دور مؤسّسة الجيش والثقافة السياسية عند نخب الحكم والمعارضة، إضافة إلى تأثير العوامل الخارجية بناءً على الوزن الاستراتيجي لكلّ بلد. وفي الحقيقة تتطلّب دراسة التغيير السياسي نحو الديمقراطية وخياراته دراسة الشروط البنائية – وليس البنيوية – فقط: بمعنى التفاعل المستمرّ بين البنية والثقافة والفاعلية Agency، التي تؤدّي في المحصّلة، بحسب كلّ مرحلة، إمّا إلى التحوّل الديمقراطي أو إلى إعاقة مثل هذا التحوّل والعمل على تعزيز الممانعة التسلّطية القائمة على وجود ثقافة سياسية اجتماعية ضعيفة الطلب على الديمقراطية. وهكذا، فإنّ التفكير في هذه العلاقة بمفاهيم "العقل العربي" و"الثقافة العربية"، أحيانًا بمحتوى تعميميّ مجرّد، لا يساعد على فهم البعد الديناميكي والخاصّية الفواعلية للعلاقة بين التحوّل الديمقراطي والتصدّعات الاجتماعية والثقافة السياسية، وكيف ينعكس هذا في تبلور أبنية ثقافية ومادّية جديدة بين التصدّعات الاجتماعية والثقافة السياسية بوصفها متغيّرًا وسيطًا.

(34) Huntington; Larry Jay Diamond, Political Culture and Democracy in Developing Countries (Boulder: Lynne Rienner, 1994).

((3(عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكاليّاته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2020)، ص 222،.535

1. توجّهات القيم الثقافية نحو الديمقراطية

من الدراسات الرائدة، التي نبّهت إلى أهمّية دراسة القيم الثقافية، خصوصًا من الجانب العقلاني والعلماني

وصلتهما بالقيم الدينية، دراسة هنتنغتون في ربطه بين صراع الحضارات وظاهرة تأييد التحوّل والانتقال نحو

الديمقراطية، الّتي يؤكّد فيها على أنّ الديمقراطية تحتاج إلى قيم عقلانية، بينما ترتبط الدكتاتورية والتسلّطية بقيم جماعية ومحلّية تركّز على البعد الكاريزمي والدينيّ والأخلاقي لشخصية القائد، وهي مسائل ظلّت

محًّلًّ لأدبيّات واسعة في الدراسات العربية التي بحثت وما زالت تبحث في الأصول الثقافية للاستبدادية

في هذه المنطقة، وتربطها بالأبوية، والسلطانية، والقبلية، والروابط الطرقيّة القائمة على علاقة الشيخ

بالمريد... إلخ. غير أنّ هناك متغيّرًا آخر ذا علاقة بهذه المسألة المعقّدة لا يمكن تجاهله، يتعلّق بقيم الوحدة

والاعتزاز الوطني وصلتها بالتصدّعات الاجتماعية السياسية وحديّتها، وبمدى توليدها لولاء وطني موحّد أو مجزّأ، وعلاقة ذلك بالتحوّل الديمقراطي حيث يمكن للشوفينية القومية أن تكون عائقًا أمام الديمقراطية،

مثلها مثل وضعية الحركات الانفصالية. ثمّ إنّ الموقف من حقوق الإنسان يؤثّر في هذه العلاقة لأنّ القيم الديمقراطية تتطلّب احترام حقوق الإنسان الأساسية ولا سيّما حرّية التعببر والتجمّع. وتبرز هنا قيم مختلف

عليها ضمن مناصري الديمقراطية ومناهضيها على السواء، مثل الموقف من حكم الإعدام. وهذا يعني أنّ مكوّنات الثقافة السياسية، التي لها شأن ودلالة في تأييد الديمقراطية، هي مكوّنات متعدّدة الأبعاد تتضمن كلّ المكوّنات القيمية التي تؤيّد الطلب على الديمقراطية بصفة مباشرة أو غير مباشرة، منها مضامين الرأسمال الاجتماعي والرأسمال الثقافي واستخداماتهما، وقيم "الثقة" بالمؤسّسات الاجتماعية والسياسية، نظرًا إلى أثرها في التحوّل الديمقراطي والتحديث، وأثرها في مؤشّرات الثقة

بالمؤسّسات الحكومية، وفي الحوار الاجتماعي، وما تفرزه من مواقف ومفاهيم قيمية أخرى تتعلّق باحترام القانون وبدولة القانون وبقيم الطاعة والولاء للمجموعة الوطنية، وغير ذلك من القيم المساندة للتعدّد والحرية والإجماع، وهي من ركائز قيام المؤسّسات الديمقراطية. الجدول (3) قيم الديمقراطية في الجزائر بحسب معطيات المسح العالمي للقيم العدد

الحدّ

الحدّ المتوسّط توحيد

توحيد
المتوسّطات
المتوسّط
الإحصائي
ا
الحدّ
اإلأقصى
الحدّ
األأدنى
العدد
األكلّي
3.871.55411051النظام السياسي: وجود نظام
سياسي ديمقراطي
4.394.39101923الديمقراطية: يتولّى الجيش السلطة
عندما تكون الحكومة غير كفؤ

(36) Huntington, pp. 300–309. (37) Putnam, Leonardi & Nanetti, p. 36; Gabriel Badescu & Eric M. Uslaner (eds.), Social Capital and the Transition to Democracy , Routledge Studies of Societies in Transition (London/ New York: Routledge, 2003), p. 4.

الديمقراطية: السلطات الدينية

5.105.101011006الديمقراطية: السلطات الدينية
تفسر القوانين.
5.575.571011034الديمقراطية: تفرض الحكومات
ضرائب على الأغنياء وتدعم
اإلفقراء
5.752.30411131احترام حقوق الإنسان الفردية في
الوقت الحاضر
5.785.781011033الديمقراطية: الناس يطيعون
حكّامهم
5.795.791011084ما مدى ديمقراطية هذا البلد الذي
يحكم اليوم؟
6.746.741011026الديمقراطية: الدولة تجعل دخل
الناس متساويًا
7.052.8241942النظام السياسي: وجود خبراء
يتّخذون القرارات
7.227.221011052الديمقراطية: الناس يتلقّون
مساعدات حكومية للبطالة
7.377.371011044الديمقراطية: تتمتّع المرأة بالحقوق
نفسها التي يتمتّع بها الرجل
7.587.58101949الديمقراطية: الحقوق المدنية
تحمي حرّية الناس من الاضطهاد
7.903.1641955النظام السياسي: وجود قائد قوي ّ
7.903.1641882النظام السياسي: وجود حكم
الجيش
8.128.121011043الديمقراطية: الناس يختارون
قادتهم في انتخابات حرّة
8.128.121011113أهمّية الديمقراطية

أهمّية الديمقراطية 1113

المصدر:

يفيد الجدول المشتقّ من معطيات المسح العالمي للقيم أنّ تأييد النظام الديمقراطي مرتفع نسبيًّا في المجتمع الجزائري، وأنّ هناك أولويات قيمية ذات طابع تقليديّ ودينيّ، حيث يحتلّ الدين أهمّية مركزية في الحياة العامّة. وتعزّز نتائج المسح العالمي للقيم أيضًا ما توصّلت إليه نتائج البارومتر العربي

(((3 يُنظر الملحق.)1(

Ibid.

في تأييد النظام الديمقراطي، مع وجود مؤشّرات متواضعة للديمقراطية ما زالت دون المستوى، رغم الارتفاع الملحوظ لأهمّية الديمقراطية وتأييد النظام الديمقراطي لدى العيّنة المسحية. لقد أثبت كلّ من دالتون وويلزل، في دراستهما، وجود توجّه عالمي نحو الانتقال من الثقافة الولائيّة

Culture Allegiant إلى الثقافة التوكيدية والثقة بالذات Assertive، فالأولى تتضمّن قيمًا تركّز على أهمّية الطاعة والولاء للسلطة والمجموعة، والثانية تتضمّن قيمًا تؤكّد على التحرّرية والنزعة

الاستقلالية للأفراد وتمثّل مؤشّرًا من مؤشّرات التمكين. وقد اعتمدا في ذلك على معطيات المسح

العالمي للقيم، وعلى منهجية التحليل الانحداري Analysis Regression، فالمجتمعات، التي فيها معيار أكثر من ثقافة الولاء، هي الأقلّ من حيث وجود الثقافة التوكيدية، وبناءً على معطياتهما يوجد

في الحالة الجزائرية ميل نحو ثقافة ولاءٍ أكثر وثقافة توكيد أقلّ، ولكن مع وجود تغيّر في ميل الأجيال

الحديثة نحو ثقافة توكيدية أكثر. ويمكن الاستنتاج أيضًا أنّ الثقافة التوكيدية مرتبطة أكثر بالنظم السياسية التي تتحقّق فيها أعلى معدلّات مؤشّرات الديمقراطية. ودراستهما تثبت أنّ العلاقة بين الثقافة التوكيدية والثقافة الولائية متفاوتة بحسب المجالات الثقافية للمجتمعات، فالمجتمعات الصناعية المتقدّمة والدول الإسكندنافية فيها معدّل أعلى من ثقافة الولاء وثقافة التوكيد في الوقت نفسه.

2. التصدّع القيمي والطلب على الديمقراطية

يعتبر التصدّع القيمي بمنزلة البعد الثقافي المؤطّر لنسق التصدّعات الاجتماعية، وهو ذو علاقة بانقسام توجّهات الأفراد وأفضليّاتهم تجاه السياسات العامّة، وتجاه القضايا العامّة، بحسب القيم التي تحدّد

توجّهاتهم نحو الديمقراطية، ما يعني أنّ هناك بعدين من هذه القيم: تلك التي تكرّس السلطوية، وتلك

التي تؤيّد الديمقراطية، وهي تؤثّر في نسق التصدّعات الاجتماعية وتعمل على إضعاف الاصطفافات الحزبية والانتخابية الناتجة منها. وهنا يطرح السؤال التالي: هل يفتقر المجتمع الجزائريّ إلى مثل هذه القيم؟ أو هل هذه القيم موجودة في المجتمع لكنّ بلورَتها وتطويرها ليسا كافيين للإتيان بمخرجات

متنوّعة: استقرار سياسي، ورفاه اقتصادي، وتوفير مستوى ثقافي معرفي عالٍ في المجتمع، وتنوّع ثقافي

وفكري ولغوي وتراثي؟ إنّ هذا يتطلّب مراجعة القيم السياسية الأكثر بروزًا في الثقافة السياسية الجزائرية، مثل النزعة المساواتية الشديدة الموروثة عن العهد الاشتراكيّ وعن الأعراف المجتمعية القديمة. وفي علاقة بهذه المسألة بيّن كنوتسن أنّ أحد محاور التصدّع في المجتمعات يتركّز حول الصراع

بين قيم التسلّطية وقيم الديمقراطية: الأولى تؤكّد على قيم الطاعة والنظام وخضوع الفرد للجماعة

(39)  Arab Barometer V: Algeria Country Report (Arab Barometer: 2019), pp. 2–3. (40) Russell J. Dalton & Christian Welzel (eds.), The Civic Culture Transformed: From Allegiant to Assertive Citizens (New York: Cambridge University Press, 2014), p. 295; Dirk Berg–Schlosser, "Political Culture," in: Dirk Berg–Schlosser, Bertrand Badie & Leonardo Morlino (eds.), The Sage Handbook of Political Science (Thousand Oaks: SAGE Inc., 2020), pp. 619–640. (41) Oddbjørn Knutsen, Social Structure, Value Orientations and Party Choice in Western Europe (Cham: Springer International Publishing, 2018), p. 14.

والسلطة، والثانية تؤكّد على قيم الحرّية وتحقيق الذات. وبيّن أيضًا أنّ بلدان أوروبا الغربية تتركّز فيها

حزمة قيم التسلّطية أكثر عند الأحزاب اليمينية والقومية وتقلّ عند الأحزاب اليسارية. وتعدّ دراسة بايبا نوريس وإنجلهارت نموذجية في هذا المجال، وهي حول تزايد أهمّية الطلب على الديمقراطية وتراجع

قيم التسلّطية وانحسارها في المجتمعات الإسلامية، وتحديدًا في مسائل تشمل علاقة الرجل بالمرأة وبالأدوار الجندرية في المجتمع بصفة عامّة. لكنّ كلّ هذه الدراسات ركّزت على مجتمعات تسودها

أنظمة ديمقراطية، ولم تنتبه إلى إمكانية تأثير القيم الثقافية في التحوّل الديمقراطي في المجتمعات التي

تسودها أنظمة تسلّطية، وإذا ما كانت هناك فوارق ذات دلالة تفسيرية. ومن زاوية النظر هذه يمكن أن نلاحظ أنّ التصدّع القيميّ القائم بين التوجّهات الثقافية التسلّطية

والتوجّهات الديمقراطية في الجزائر، أي الميل نحو تأييد قيام نظام سياسيّ ديمقراطيّ أو عدمه،

لا يتراكم مع محاور التصدّع الدينيّ العلماني، فلا توجد علاقة تأثير قويّة بين الانتماء الهويّاتي أو

اللغوي وتأييد الديمقراطية، ذلك لأنّ كلّ الفئات المعبّرة عن هويّة لغويّة (أمازيغية، عربية، فرنسية)،

أو هويّاتية: (أمازيغ، عرب) تكاد تتساوى في التوجّه نحو تأييد الديمقراطية، مع تفوّق طفيف لفئة من

يعرّفون هويّتهم بالهويّة الأمازيغية على الهويّة العربية، ولفئة الأمازيغ في بلاد القبائل على فئة الهويّات

الاجتماعية الأخرى. وهناك علاقة تأثير لافتة بين الميل إلى التديّن وتأييد الديمقراطية، إذ يلاحظ أنّ

التوجّهات نحو الديمقراطية ونحو تأييد نظام سياسي ديمقراطي موجودة أكثر لدى المتديّنين ومن عبّروا

عن كونهم أكثر تديّنًا. وتتقارب نسبة عدم تأييد الديمقراطية كذلك بين من يعتبرون أنفسهم متديّنين ومن

يعتبرون أنفسهم غير متديّنين، ولا توجد علاقة واضحة بين تأييد الديمقراطية والمستوى الدراسيّ،

ويزداد تأييد الديمقراطية أكثر في المدن ذات الكثافة السكّانية أكثر من المدن الأقلّ كثافة، والطبقات العليا أكثر تأييدًا للديمقراطية من الطبقات الدنيا؛ إذ كلّما اتّجهنا إلى أسفل السلّم الطبقي، قلّت نسبة

تأييد الديمقراطية. ومع ذلك، فإنّ عدم تأييد الديمقراطية ليس له اتّجاه منتظم في السلّم الطبقيّ. أمّا

قيم الاعتزاز الوطني فهي أكثر ارتباطًا من بقية المتغيّرات بنسبة تأييد الديمقراطية؛ إذ كلّما زاد الافتخار

بالانتماء الوطنيّ، زادت نسبة تأييد الديمقراطية، وكلّما نقصت درجة الافتخار بالانتماء الوطني، زادت

نسبة عدم تأييد الديمقراطية. لكنّ هذا لا ينفي وجود اصطفاف واستقطاب سياسيّ تراكمي على المستوى الانتخابي بين الأحزاب

العلمانية والأحزاب الدينية يرتبط أكثر بمحاور التصدّع الجهويّ، وهو ما أثبتته دراسات ليديا أسود

(42) Pippa Norris & Ronald F. Inglehart, "Islam & the West: Testing the Clash of Civilizations Thesis," SSRN 316506 (2002), pp. 11–12, 30.

(((4 ينظر الملحق.)1((((4 ينظر الملحق.)2((((4 ينظر الملحق.)3((((4 ينظر الملحق.)4((((4 ينظر الملحق.)5((((4 ينظر الملحق.)6(

وآخرين حول وجود اصطفافات انتخابية على أساس جهوي لكن لا يعضده تمايز طبقي، فتصويت منطقة القبائل يغلب عليه الاحتجاج، ولكن لا توجد تمايزات طبقية تجعلهم يختلفون عن بقية الجزائريّين، فهناك تصدّع تراكميّ بين الأحزاب الديمقراطية التي طالبت باعتماد اللغة الأمازيغية. أمّا

الأحزاب الوطنية والإسلامية فتارة تعدّ هذا المطلب قضية هامشية، وتارة تضطر إلى الاعتراف الجزئي به ضمن رؤية ضبابية كما هو الحال بالنسبة إلى حزب حركة مجتمع السلم. وهناك مواقف ترفض هذا المطلب وتعتبره مهدّدًا للوحدة الوطنية، وتعترض بشدّة على دسترته كما عند حركة البناء التي يقودها عبد الله جاب الله، قبل أن يضطرّوا إلى تغيير خطابهم، بعد التعديلات الدستورية المتتالية

منذ 2002، الذي أدخل اللغة الأمازيغية في الدستور لغةً وطنيّة ثمّ رسمية عام 2016 ثمّ لغة رسمية

من الثوابت الدستورية العشرة في دستور 2020. وفي المقابل، يتسامح أنصار الأحزاب المحسوبة على التيار الديمقراطي أكثر مع التعدّدية الدينية ومع التعدّدية اللغوية ويعدّون ذلك في خانة المطالب المدنية ولا يعدّونه تهديدًا للوحدة الوطنية. بينما تراه الأحزاب الإسلامية مهدّدًا للوحدة الوطنية ومسألة ينبغي التعامل معها بحزم.

3. التصدّعات الاجتماعية ومؤشّرات الديمقراطية

إنّ بنية التصدّع التراكمية قد تشكّل أحد العوامل المعوّقة للتحوّل الديمقراطي فيما إذا تمكّنت من

التبلور والبروز سياسيًّا إلى حدّ التسبّب في ارتفاع مستويات العنف والصراع. وقد وظّفت نخبة الحكم

في الجزائر مسألة الانقسامات الأفقية في العديد من المناسبات، وآخرها مناسبة الحراك الشعبي سنة 2020–2019 لإضعاف المعارضة الاحتجاجية وزخمها الديموغرافي وتقسيمها إلى أجنحة متصارعة. وهذا يظهر جليًّا في تراجع مؤشّر الثقافة السياسية بعد عام 2015 (الجدول 4)، الذي تزامن مباشرة مع

تصاعد خطابات الكراهية والنقاش حول قضايا الانقسامات الأفقية في المجتمع. إنّ هذا التوظيف الاستراتيجيّ والتكتيكي للتصدّعات الاجتماعية ناجم عن التصوّر الثقافي لحدود المجموعات

والهويات وتصوّرات الذات الجماعية في ظلّ مجتمع يتّسم في الواقع بتجانس ثقافي ذي قاعدة تاريخية وأنثروبولوجية مشتركة. الجدول (4) مؤشّرات الديمقراطية الكلّية بحسب مجلة إيكونومست مقارنة بمؤشر الثقافة السياسية والحرّيات المدنية

مؤشّر الحرّيات المدنيةالمؤشّر الفرعي للثقافة
السياسية
مؤشّر الديمقراطية بحسب
إيكونومست
السنة
38.253.772021
38.253.772020

(49) Assouad et al., p. 24.

41.254.12019
38.253.52018
41.253.562017
41.253.562016
44.16.253.952015
44.15.633.832014
44.15.633.832013
44.15.633.832012
44.15.633.442011
44.15.633.442010
44.15.633.442009
44.15.633.322008
39.75.633.172007
35.35.633.172006

المصدر:

2022).،Intelligence Economist The (London: Democracy Index 2021: The China Challenge

يمكن تأويل المعطيات في الجدول أعلاه، بأنّ دور التصدّعات الاجتماعية في تأييد قيم الديمقراطية، يتأثّر إلى حدّ بعيد بالمتغيّرات الوسيطة للقيم الثقافية في الجزائر، وبسياق الثقافة السياسية للمجتمع،

التي تؤطّر هذه التصدّعات وتعطيها معنى محدّدًا يميل نحو تشكيل الاصطفافات أو تكوين كتل من المجموعات التي تدعو أعضاءها أو مناصريها إلى المزيد من العزلة عن البقية. وبذلك تميل الممارسات التسلّطية الحكومية والحزبية إلى تشجيع سياسات هووية ذات طابع صراعي منتجة اصطفافًا أيديولوجيًّا انتخابيًّا يؤمّن للحزب والسلطة الدعم الانتخابي المطلوب، ويروّج هذا التكتيك أيضًا لشعارات شعبوية تقوم على تحويل مجموعات جهوية واجتماعية إلى أهداف للتحريض الإعلامي والسياسي باستعمال الشبكات الاجتماعية وآليّات التنشئة الاجتماعية، مثل خطاب الكراهية الذي يستهدف في كلّ مرحلة أو حدث إحدى المجموعات الوطنية: منطقة القبائل، الإباضية في غرداية، بعض أطياف المعارضة... إلخ، وقد أدّى هذا التأطير الثقافي لبنية التصدّعات الاجتماعية – السياسية القائمة إلى إضعاف الفواعل والمؤسّسات السياسية وتعطيلها عن أداء وظيفتها الخاصّة بمأسسة التصدّعات الاجتماعية سياسيًّا، بدليل تجاوز الحركات الاحتجاجية للأحزاب السياسية القائمة وللمؤسّسات التمثيلية، وقد أدّى ذلك أحيانًا إلى فتح باب العنف الجماعي والطائفي (حالة غرداية التي شهدت حوادث عنف متكرّرة بين أطراف من المالكية وأطراف من الإباضية) لكي تنشغل الحركات الاحتجاجية بمعارضيها داخل المجتمع بدلً من معارضيها داخل السلطة.

إنّ بروز خطابات الهوية في الخطاب السياسي وفي الاصطفافات الانتخابية في بعض المراحل من صعود مؤشّرات الديمقراطية، يعني بروز خلافات سياسية غير قابلة للتفاوض، لأنّها قائمة على أساس الهوية والتمايز بين "نحن" مقابل "هم"، وعلى محاولة وضع حدود بين المجموعات السياسية والاجتماعية الّتي لم تكن قائمة من قبل، وذلك بدل أن تكون هذه الخلافات فرصة لنسج التحالفات الانتخابية والسياسية لحلّ بعض القضايا التي تهمّ إدارة الشأن العامّ، لأنّ السياسة في طبيعتها هي محلّ انقسام تعقبه لعبة التحالفات، وإلّ لتحوّلت القضية من المجال السياسي إلى مجال آخر، أي إلى نهاية

السياسة؛ فمن القضايا الأكثر جدلً في المجال السياسي في الجزائر قضايا الهوية التي تصدّرت في بعض الأحيان معظم الاهتمامات، ما همّش قضايا المشاركة السياسية والمطالبة بالمزيد من الحرّيات،

والتنافس الانتخابي وموقع الأحزاب من الامتيازات القائمة، والموقف من السياسات الحكومية المثيرة للجدل خصوصًا قانون المالية السنوي والارتفاع المتزايد للتضخّم والبطالة. إنّ تواضع مؤشّرات قيم الثقافة الديمقراطية في الجزائر يأتي ضمن سياق هيمنت فيه النزعة الثقافية – السياسية المتّسمة بالترويج للوطنية ضمن صيغة شعبوية تخدم مصالح النظام السلطوي العاجز عن التفريق بين التعدّدية الحزبية والتعدّدية السياسية، وعن وضع سقف لهما قابل للتحكّم، وعن تخفيض سقف الحرّية والتداولية في المجال العامّ. تقوم هذه الثقافة الشعبوية المهيمنة، والسائدة عند كلّ الفواعل

السياسية الموالية للنظام والمعارضة له، على إقصاء الطرف المنافس، والاتّهام بالعمالة للمعارضين له، وبناء سرديات بطولية تستند إلى شرعية الثورة التحريرية، ويصاحب ذلك الترويج لتبرير الممارسة السياسية ضمن ثقافة سلطوية تتضمّن أولويات الطاعة والولاء وتخالف روح الدستور الديمقراطي،

مثل تبرير فتح العهدات في انتخابات العهدة الثالثة سنة 2012، وغياب الفصل بين السلطات، وتبرير بعض أوجه سلطوية السلطة التنفيذية بأنّها ضروريّة للمصلحة الوطنية. قد يكون للنخب السياسية دور في تحريك بعض الانقسامات الاجتماعية وإكسابها بعدًا سياسيًّا،

وترجمتها إلى اصطفاف انتخابي خصوصًا التصدّع الديني العلماني الذي يتراكم أساسًا مع التصدّع

اللغوي الجهوي، وينتج ما يسمّيه بعض الدراسين بالقومية الدينية أو الشعبوية الدينية، وهي نزعة قد

تضع حدودًا أمام القبول بالتعدّدية السياسية وتمنع التمسّك بقيم مشتركة للنظام السياسي الدستوري.

ويمكن تفسير ذلك بأنّ النظام السياسي السلطوي ذا البنية الكوربوراتية، يميل إلى تعزيز آليات الهمينة بتوظيف الانقسامات الاجتاعية التي تؤدّي إلى إضعاف أحزاب المعارضة أو عزلها في مقاطعات ومناطق محدودة؛ ما يحدّ من تأثيرها السياسي، ويجعلها خاضعة للمراقبة والتطويع وفق ثقافة سياسية مهيمنة تتعامل مع الديمقراطية بطريقة مختزلة في الإجراءات الانتخابية والرسميات السياسية، وتدين كلّ أشكال المعارضة الناشئة من المجتمع المدني المستقلّ وتشكّك فيها.

خاتمة

تشير المعطيات التي درسناها إلى أنّ نسق التصدّع الاجتماعي – السياسي في الجزائر متأثّر إلى حدّ بعيد بالتشكّل الثقافيّ للهوية وبإعادة تفعليه في الخطاب السياسي. كما أنّ التصدّعات القيمية القائمة على

أساس القيم التسلّطية أو الديمقراطية أو على أساس المواقف من الديمقراطية ما بين التأييد والرفض، متقاطعة مع التصدّعات الاجتماعية السياسية التي تشكّل الكيانات الحزبية، ما يمكن ملاحظته على مستوى شكل توزّع التأييد للديمقراطية أو عدمه بين كلّ الفئات. وتبيّن من ناحية أخرى كيف أنّ السياسات الحزبية والحكومية تشجّع بعض أشكال الاصطفاف الحزبي لتعزيز التصدّع السياسي وتحويله إلى تصدّع تراكمي. والقيم الدينية هي الأكثر أولويّة في العائلات الحزبية الإسلامية، وتطرح مسألة الثوابت الهويّاتية القائمة على الإسلام ومكانته في الدولة والمجتمع، بينما طوّرت العائلات الحزبية الوطنية لنفسها سرديّات الاستمرارية الوطنية والتاريخية اعتمادًا على الحدث المؤسّس لثورة أوّل تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، مؤكّدة على القيم الوطنية القطرية، وعلى منجزات الدولة الوطنية واستمراريّتها، وعلى مشروع التعريب والهوية العربية قبل سنة 2001. أمّا العائلات الحزبية العلمانية والديمقراطية فتؤكّد على قيم العلمانية وعلى ضرورة فصل الدين عن السياسة وعلى القبول بالتعدّدية اللغوية. لكنّ المفارقة هي أنّ كلّ هذه العائلات لا تجعل من الديمقراطية أولويّة كبرى لديها، بل تضع لها شروطًا لتطبيقها بتصوّرات إقصائية. وتشير الدراسة أيضًا إلى أنّ التصدّعات المعزّزة والمتراكمة Cleavages Overlap تمثّل ظاهرة محدودة وغير قوية في الجزائر، وهي تعبّر عن تكوين ثقافي وقيمي مرتبط بالقيم والتصوّرات الثقافية، وتتعلّق بالهوية اللغوية والدينية. وقد أسهمت في بلورتها السياسات الحزبية والحكومية القائمة في رسم الاصطفاف الحزبي والانتخابي والسياسي على الثقافة الجهوية، ما يدفعها إلى الاشتغال على محور التصدّع الديني العلماني والتصدّع اللغوي الجهوي، حيث تميل الأحزاب الديمقراطية إلى امتلاك قاعدة انتخابية في منطقة القبائل ذات الأغلبية الأمازيغية، والأحزاب السياسية الإسلامية في المدن المتوسّطة وضواحي المدن، والأحزاب الموالية للسلطة في المدن والأرياف. وهذا التصدّع التراكمي، على الرغم من ضعفه، مسؤول إلى حدّ معيّن عن إضعاف نسب تأييد الديمقراطية، فقسم معتبر من الفئات ذات التوجّه العلماني يرى في الديمقراطية، بشكلها القائم على حكم الأغلبية، نوعًا من التهديد لوجودها، ومقدّمة لتأسيس دولة إكراه ديني، بينما ترى الأغلبية ذات التوجّه الوطني – الإسلامي الديمقراطية أداة لفرض رأي الأغلبية وسحق الأقلّية غير الوطنية. فغير المتديّنين في الجزائر يعترضون على الديمقراطية لكونها – بحسب وجهة نظرهم – ستؤدّي إلى المزيد من تكريس قيم المحافظة وسنّ القوانين الدينية وفرض التعريب، وعند المتديّنين تشكّل فرصة للوصول إلى السلطة، وعند الطرف الوسط بينهما، يعتبر المطلب الديمقراطي غير المتحكّم فيه بوساطة الهندسة الانتخابية، أداة لفقدان السيطرة السياسية وتهديدًا جدّيًّا لبقاء الوضع القائم. لكنّ هذا لا ينفي وجود تأييد للديمقراطية في بعض جوانبها الإجرائية من الأغلبية مهما كانت الانتماءات الاجتماعية لديها، وبغضّ النظر عن توجّهاتها الثقافية والدينية واللغوية.

References

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. الانتقال الديمقراطي وإشكاليّاته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020 ثنيو، نور  الدين. إشكالية الدولة في تاريخ الحركة الوطنية الجزائرية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2015 الزبيدي، باسم. الثقافة السياسية الفلسطينية. رام  الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية،

شرابي، هشام. النظام الأبوي وإشكالية تخلّف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 عبد العالي، عبد  القادر. التصدّعات الاجتماعية وتأثيرها في النظام الحزبي الإسرائيلي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 العليوي، فايد. الثقافة السياسية في السعودية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،.2012 المنوفي، كمال. "الثقافة السياسية وأزمة الديمقراطية في الوطن العربي". المستقبل العربي. مج  8، العدد 08 (تشرين الأوّل/ [أكتوبر] 1985). الهاشمي، محمد صادق. الثقافة السياسية للشعب العراقي وأبرز تحولّاتها. بيروت: دار الساقي،.2013

الأجنبية

Addi, Lahouari. "Les partis politiques en Algérie." Revue des mondes musulmans et de la Méditerranée. no. 111–112 (31 March 2006). Almond, Gabriel A. & Sidney Verba. The Civic Culture: Political Attitudes and Democracy in Five Nations. Newbury Park, California: Sage Publications, 1989. Arab Barometer V: Algeria Country Report. Arab Barometer, 2019. Assouad, Lydia et al. "Political Cleavages and Social Inequalities in Algeria, Iraq, and Turkey, 1990–2019." Working Paper. World Inequality Lab. no 2021/12 (March 2021). Badescu, Gabriel & Eric M. Uslaner (eds.). Social Capital and the Transition to Democracy. Routledge Studies of Societies in Transition. London/ New York: Routledge, 2003. Barghouti, Iyad. "Religion and Politics among the Students of Najah National University." Middle Eastern Studies. vol. 27, no. 2 (April 1991).

Bartolini, Stefano. "La formations des clivages." Revue internationale de politique comparée. vol. 12, no. 1 (2005). Bartolini, Stefano.  The Political Mobilization of the European Left, 1860–1980: The Class Cleavage. Cambridge Studies in Comparative Politics. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2000. Berg–Schlosser, Dirk, Bertrand Badie & Leonardo Morlino (eds.). The Sage Handbook of Political Science. Thousand Oaks: SAGE Inc., 2020. Blaydes, Lisa & Justin Grimmer. "Political Cultures: Measuring Values Heterogeneity." Political Science Research and Methods. vol. 8, no. 3 (July 2020). Bourdieu, Pierre & Jean–Claude Passeron. La Reproduction. Éléments Pour une Théorie du Système d’Enseignement. Collection "Le Sens Commun". Paris: Éd. de Minuit, 2005. Dahl, Robert A. Political Oppositions in Western Democracies. New Haven: Yale University Press, 1966. LeDuc, Lawrence, Richard G. Niemi & Pippa Norris (eds.). Comparing Democracies: Elections and Voting in Global Perspective. London/ New York: Sage Publications,

Dalton, Russell J. & Christian Welzel (eds.). The Civic Culture Transformed: From Allegiant to Assertive Citizens. New York: Cambridge University Press, 2014. Diamond, Larry Jay. Political Culture and Democracy in Developing Countries. Colorado: Lynne Rienner, 1994. Elischer, Sebastian. Political Parties in Africa: Ethnicity and Party Formation. New York: Cambridge University Press, 2013. El–Menoufi, Kamal. "The Orientation of Egyptian Peasants towards Political Authority between Continuity and Change." Middle Eastern Studies. vol. 18, no. 1 (1982). Farah, Tawfic E. "Political Culture and Development in a Rentier State: The Case of Kuwait." Bureaucracy and Development in the Arab World (January 1989). Fearon, James D. & David D. Laitin. "Ethnicity, Insurgency, and Civil War." The American Political Science Review. vol. 97, no. 1 (2003). Horowitz, Donald L. Ethnic Groups in Conflict. Berkeley: University of California Press, 1985. Huntington, Samuel P.  The Third Wave: Democratization in the Late 20 th Century. vol. 4. Oklahoma: University of Oklahoma Press, 2012. Dalton, Russell J., Scott C. Flanagan & James E. Alt (eds.). Electoral Change in Advanced Industrial Democracies: Realignment Or Dealignment? New Jersey: Princeton University Press, 1984.

Inglehart, Ronald. The Silent Revolution: Changing Values and Political Styles Among Western Publics. New Jersey: Princeton University Press, 1977. ________. "The Silent Revolution in Europe: Intergenerational Change in Post– Industrial Societies." The American Political Science Review. vol. 65 (1971). Knutsen, Oddbjørn. Social Structure, Value Orientations and Party Choice in Western Europe. Cham: Springer International Publishing, 2018. Lazreg, Marnia. The Emergence of Classes in Algeria: A Study of Colonialism and Socio–Political Change. New York, NY: Routledge, 2018. Lijphart, Arend. Patterns of Democracy: Government Forms and Performance in Thirty–Six Countries. 2 nd ed. New Haven: Yale University Press, 2012. Lipset, Seymour M. & Stein Rokkan. Cleavage Structures, Party Systems, and Voter Alignments: An Introduction. New York: Free Press, 1967. Mair, Peter. "The Problem of Party System Change." Journal of Theoretical Politics. vol. 1, no. 3 (July 1989). Merkl, Peter H. Modern Comparative Politics. New York/ Chicago: Holt. Rinnehart and Winston, INC, 1970. Mozaffar, Shaheen, James R. Scarritt & Glen Galaich. "Electoral Institutions, Ethnopolitical Cleavages, and Party Systems in Africa’s Emerging Democracies." American Political Science Review. vol. 97, no. 03 (August 2003). Norris, Pippa & Ronald F. Inglehart. "Islam & the West: Testing the Clash of Civilizations Thesis." SSRN 316506 (2002). Obeidi, Amal. Political Culture in Libya. Richmond: Curzon, 2001. Posner, Daniel N. "Regime Change and Ethnic Cleavages in Africa." UCLA. at: https://bit.ly/3UfIKr9 Putnam, Robert D., Robert Leonardi & Raffaella Nanetti. Making Democracy Work: Civic Traditions in Modern Italy. Princeton, N.J: Princeton University Press, 1993. Eisenstadt, S. N. (ed.). Building States and Nations. Beverly Hills [Calif.]: Sage Publications, 1973. Rokkan, Stein. State Formation, Nation–Building, and Mass Politics in Europe: The Theory of Stein Rokkan: Based on His Collected Works. Oxford University Press, 1999. Street, John. "Political Culture–from Civic Culture to Mass Culture." British Journal of Political Science. vol. 24, no. 1 (1994). The Economist Intelligence Unit. "Democracy Index 2021: The China Challenge." London: New York, Hong Kong: The Economist Intelligence, 2022. Christie, Kenneth & Mohammad Masad (eds.). State Formation and Identity in the Middle East and North Africa. New York: Palgrave Macmillan US, 2013.

الملاحق

الملحق (1) تأييد الديمقراطية بحسب الهوية واللغة في الجزائر بحسب معطيات المسح العالميّ للقيم الموقف من تأييد: النظام السياسي:

المجموعمن دون
إجابة
غير مؤيّدمؤيّدالموقف من تأييد: النظام السياسي:
واجود نظام سياسي ديمقراطي
1. بحسب الانتماء الهوياتي
10012.3780.7جزائري عربي
100136.280.7جزائري قبائلي
10013.22363.8جزائري شاوي
10000100جزائري أمازيغي من مجموعات أخرى
2. اللغة في المنزل
1007.87.285الأمازيغية
10051580الفرنسية
10013.68.477.9الدارجة الجزائرية
1005.421.672.9العربية

المصدر:

"WVS Database: World Values Survey Wave 6: 2010–2014," World Values Survey , accessed on 14/10/2022, at:

الملحق (2) مستويات التديّن وعلاقتها بتأييد الديمقراطية بحسب معطيات المسح العالمي للقيم 1. أهمّية الدين في الحياة

من دون

https://bit.ly/3Mxll0P

1. أهمّية الدين في الحياة
المجموعممن دون إجابةغير مؤيّدمرؤيّد للديمقراطية
10012.48.778.9المجموع
10012.67.579.9مهمّ جدّا
10002575اًّمن دون إجابة
99.97.121.471.4لىيس مهاًّمًّ جدّا
1001018.871.2اًّمًاإىهمّ إلى حدّ ما
100.127.39.163.7لايس مهاًّمًّ على الإطلاق
10001000لا أعرف
2. هل أنت شخص متدين
المجموعممن دون إجابةغير مؤيّدمرؤيّد
10012.48.778.9المجموع
10011.38.280.5لست شخصًا متديّنًا
10011.89.279.1شخص متديّن
10015.56.378.2من دون إجابة
1005012.537.5ملحد
3. كم مرّة تصلي؟
المجموعnoغير مؤيّدمرؤيّد
10012.48.778.9المجموع
10005.994.1فًاقط عند حضور الشعارالدينية
99.954.990عأيمليًّا لا أمارس العبادة
100.19.56.484.2عيدّة مرّات في الأسبوع
10014.87.977.3عأيدّة مرّات في اليوم
100151075فيقط في الأعياد الدينية
99.96.120.773.1ميرّة واحدة في اليوم
99.97.121.471.4أيقلّ من مرّة في السنة
10033.366.70مرّة واحدة في السنة

مرّة واحدة في السنة 0

المصدر:

2. هل أنت شخص متدين

Ibid.

الملحق (3) تأييد الديمقراطية وعلاقته بالمستوى الدراسي بحسب معطيات المسح العالمي للقيم مؤيّد

من دون

المجموعمن دون
إجابة
غير مؤيّدمؤيّد
للديمقراطية
10012.48.778.9المجموع
99.96.95.787.3مستوى ابتدائي غير مكتمل
1008.88.382.9مستوى ثانوي غير مكتمل وتحضير جامعي
10011.6781.4مستوى ثانوي مكتمل
99.99.410.280.3مستوى جامعي مع شهادة علمية

مستوى ثانوي وتحضير جامعي 80.1

10011.9880.1مستوى ثانوي وتحضير جامعي
100713.579.5مستوى ابتدائي
10012.68.479مستوى جامعي دون الحصول على شهادة
99.912.79.178.1مستوى ثانوي غير مكتمل
99.927.6765.3دون تعليم رسمي
10001000دون إجابة

المصدر:

الملحق (4) تأييد الديمقراطية وعلاقته بحجم المدينة بحسب معطيات المسح العالمي للقيم مؤيّد للديمقراطية

المجموعnoغير مؤيّدمؤيّد للديمقراطية
10012.48.778.9المجموع
10013.33.383.450,000–20,000
100108.281.8500,000–100,000
1006.213.780100,000–50,000
10013.17.279.610,000–5,000
10015.38.476.3أقل من 2,000
10020176320,000–10,000

المصدر:

الملحق (5) تأييد الديمقراطية وعلاقته بالانتماء الطبقي بحسب معطيات المسح العالمي للقيم مؤيّد

Ibid.

غير مؤيّدno المجموع

Ibid.

غير مؤيّدno المجموع

المجموعnoغير مؤيّدمؤيّد
10012.48.778.9المجموع
100.13.610.785.8الطبقة العليا
100.19.97.882.4الطبقة الوسطى الدنيا
10010.57.881.7الطبقة الوسطى العليا
10010.61178.4الطبقة العاملة

الطبقة الدنيا 72 دون إجابة 66.4

المصدر:

هل أنت فخور بجنسيّتك؟
المجموعnoغير مؤيّدمؤيّد
10012.48.778.9مجموع
10011.16.282.7فخور جدًّا
10011.210.778.1فخور
10016.719.463.9لاإست فخورًا جدًّا
99.933.32541.6لست فخورًا على الإطلاق
99.943.32036.6دون إجابة
10050500أنا لست [جنسية]

المصدر:

Ibid.

الملحق (6) تأييد الديمقراطية والانتماء الوطني بحسب معطيات المسح العالمي للقيم هل أنت فخور بجنسيّتك؟

Ibid.