العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ما قبل الحداثة: اجتهادات في تصوّر علوم اجتماعية عربية

ما قبل الحداثة: اجتهادات في تصوّر علوم اجتماعية عربية

Pre–Modernity: Efforts to Envision Arab Social Sciences

عثمان لكعشمي| Othmane Leguachmi *

الملخّص

عنوان الكتاب: ما قبل الحداثة: اجتهادات في تصوّر علوم اجتماعية عربية. المؤلف: عبد الله حمودي. الناشر: الدار البيضاء: دار توبقال للنشر. سنة النشر: 2022. عدد الصفحات :128 صفحة.

Abstract

Sociology researcher, with an MA in Sociology from Sidi Mohamed Ben Abdellah University, Fes, Morocco. Email: leguachmi.othmane@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • ما قبل الحداثة
  • العلوم الاجتماعية العربية
  • البيروني
  • المنهج والتنظير
  • النقد المزدوج
Keywords:
  • Pre-Modernity
  • Arab Social Sciences
  • Al-Bīrūnī
  • Theory and Method
  • Dual Critique

عنوان الكتاب: المؤلف:

عبد الله حمودي. الناشر:

الدار البيضاء: دار توبقال للنشر. سنة النشر: عدد الصفحات:

128 صفحة.

ما قبل الحداثة: اجتهادات في تصوّر علوم اجتماعية عربية.

مقدمة: رجوع إلى ما قبل الحداثة؟ في الوقت الذي تنتشر فيه تصوّرات

ما  بعد الحداثة في خطاب العلوم الاجتماعية الغربية اليوم، يدعونا عبد الله حمودي، في كتابه ما  قبل الحداثة: اجتهادات في تصوّر علوم اجتماعية عربية، للرجوع إلى ما  قبل الحداثة بُغية

تصوّر علوم اجتماعية عربية. ويحاجّ الكتاب، إجابةً

عن سؤال "هل من جدوى في الرجوع إلى 'ما قبل الحداثة' بهدف تصوّر علوم اجتماعية متجددة؟"،

بأنّ "هذا الرجوع – وفي حالة العلوم الاجتماعية العربية على الخصوص – ليس من قبيل الممكن فحسب، بل إنه من قبيل الضروري" أيضًا (ص. 9) ليست المرة الأولى التي يعلن فيها حمودي عن فكرته هذه، أو بالأحرى مشروعه هذا؛ إذ أعلن عنه أول مرة على نحوٍ صريح ومباشر، في تقديم كتابه الحداثة والهوية، الذي وصفه فيه بأنه مساهمة في "وضع الأسس لبناء معرفة مستقلة تخص المجتمع المغربي والمجتمعات المغاربية والمشرقية بصفة عامة". هذا فضلً عن ضميمة كان قد أضافها في النسخة العربية من كتابه الشيخ والمريد، إضافةً إلى محاضرته "في إعادة صياغة الأنثروبولوجيا"، التي تمثل أرضية كتابه المسافة والتحليل، والذي يعدّ بيانًا لمشروعه؛ من صياغة

(((عبد  الله حمودي، الحداثة والهوية: سياسة الخطاب

والحكم المعرفي حول  الدين واللغة (الدار البيضاء/ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2015)، ص.7 (((عبد  الله حمودي، الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة

في المجتمعات العربية الحديثة، ترجمة عبد  المجيد جحفة، ط 4 (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2010)، ص.320–259 (((لقيت المحاضرة في  أُ 21 أيلول/ سبتمبر 2010 في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ضمن سلسلة محاضرات مركز دراسات الدكتوراه "المجال والإنسان في العالَم المتوسط".

للاطلاع على نص المحاضرة، ينظر: عبد  الله حمودي، المسافة

والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 2019)، ص.47–23

أنثروبولوجيا عربية إلى تصوّر علوم اجتماعية

عربية. بذلك يمكن عدّ كتاب المسافة والتحليل وكتاب ما قبل الحداثة وجهين لعملةٍ واحدة: التخلص من التبعية المعرفية وبناء خطاب علمي اجتماعي مستقل، بهدف إعادة تأسيس علوم اجتماعية متجددة عمومًا، وأنثروبولوجيا وعلم اجتماع عربيَّين على وجه الخصوص. وإنْ كان التخلص من التبعية أو الخروج عنها، انطلاقًا من فكرة الرجوع إلى ما قبل الحداثة بوصفها تقليدًا بحسب الإبستيمية الغربية، يتقاطع مع النقاش السائد في العالَم العربي حول فكرة الخروج من الهيمنة المعرفية والتخلص من الاستعمار، منذ الاستقلال السياسي إلى اليوم، فإنه يختلف عنها من حيث المنهج الذي تعتمده، سواء تعلّق الأمر بتأسيس علوم اجتماعية من منظور عربي إسلامي، أم بتأسيس علوم اجتماعية تقوم على أساس تفاوض بردايمي هوياتي ما بعد حداثي. لم يجد حمودي في هذا المقام ما يقنعه في هذين المشروعين من حيث برنامجهما ومنهجهما. لهذا يقترح علينا الرجوع إلى ما قبل الحداثة بالاعتماد على مجهود نقدي مزدوج، يرمي إلى تجديد العلوم الاجتماعية من جهة، وإعادة تشييد بنيان علوم اجتماعية عربية من جهة أخرى، تأخذ من الأنثروبولوجيا والحال هذه مسرحًا لها: "الرجوع إلى ما قبل الحداثة [...] يحاول تجاوز سلبيات الثنائيات المؤسسة لعلوم الإنسان والمجتمع كما ظهرت وتطورت في إطار المنظومة الإبستيمية الحداثية [...] –  والثنائية الأم – في الأنثروبولوجيا بالخصوص [...] هي ثنائية البدائي والمتحضر، وثنائية التقليد والحداثة، وكلاهما من صنع  الحداثة نفسها" (ص. 15).

لبلوغ هذا المسعى، يرجع حمودي إلى تراث أبي الريحان البيروني (1048–973 م) المتمثل في كتابه تحقيق ما  للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، ليستخلص منه درسًا في مقاربة الآخر

(الفصل الأول)، فيقارب التحولات التي تخللت السلطوية انطلاقًا من مفهوم ما قبل  حداثي (هندوسي)،   ألا وهو مفهوم التناسخ (الفصل الثاني)، ثم يتناول سؤال المنهج في راهنيتنا (الفصل الثالث)، فيقارب عملية التنظير بين كونية الأفق واختلاف المسارات (الفصل الرابع). غير أنّ هذا الرجوع إلى تراث العرب، أو بالأحرى إعادة قراءة بعض المؤلفين العرب، بحسب حمودي، ينطلق من فكرة "التفكير معهم وضدهم، والتفكير بفضلهم والتفكير بأفكارهم [...] فنعيش على عطاءاتهم، ونبدع من صلب منجزاتهم كتراث معاصر حي" (ص. 15)

أولا: عن المسافة والحوار: أي درس للبيروني في مقاربة الآخر؟

لعل رجوع حمودي إلى تراث البيروني بوصفه تراثًا   ما قبل حداثي، أو لنقل بصفة البيروني أنثروبولوجيًا عربيًا مؤسسًا ما قبل  التأسيس

الحديث للأنثروبولوجيا، بما هو رجوع إلى عمل بعينه من أعمال البيروني يتمحور حول مسألة مقاربة الآخر غير العربي/ المسلم والغيرية، من شأنه استخلاص درس منهجي في مقاربة الآخر على مستوى المسافة والحوار، خاصةً عندما يكون الباحث عربي اللسان، يؤلف بالعربية، كما هو تأليف البيروني لكتابه المعني بالهند. وذلك بغض النظر عن المساهمة في وضع أنثروبولوجيا جديدة، من خلال القطع مع تقسيم العمل السائد بين الأنثروبولوجيا والاستشراق من جهة، وإعادة

النظر في "الفرق الكولونيالي" بوصفه امتدادًا لثنائية البدائي وغير البدائي، واستبداله بما سمّاه حمودي "الفرق البيروني" من جهة ثانية، مع الأخذ في الاعتبار مسألة اللغة العربية في كتابة العلوم الاجتماعية. تُعدُّ العودة إلى كتاب البيروني في موضوع الهند، عودة إلى عشرة قرون خلت، عودةً من أجل استخلاص عبرة غياب ثنائية البدائي وغير البدائي، أو ما يحلّ محلها، في ظل وضعية كانت فيها الحضارة العربية الإسلامية موضع قوة وغزو؛ وذلك بغية "تأسيس معارف أنثروبولوجية تقوم بمقارنة ما هو متجانس في المجموعات البشرية المتعددة،   وما هو مختلف بهدف استخلاص العبرة، ومن دون حشر أي مجموعة في خانة البدائي أو التقليدي مقارنة بحداثة تحتكر الكونية لنفسها؛ وبهذا تصبح الكونية أفقًا إنسانيًا ومستقبليًا

يتبارى في بنائها وبناء المعارف في موضوع الجنس البشري [باحثون من مختلف المعمورة] بعيدًا عن التحيز والإقصاء" (ص. 14) وإن كان حمودي قد توقف في كتابه المسافة والتحليل عند مفهوم القبيلة في الرصيد الخلدوني، فإنّه يتناول في كتابه ما قبل الحداثة مفهومًا آخر لا يقل أهمية عن الأول، ألا وهو مفهوم الغيرية والفرق في الرصيد البيروني، والذي يعتبر أعم من الأول وأشمل؛ وكلاهما يعود في نهاية المطاف إلى رصيد واحد هو الرصيد العربي، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار دور مفهوم الغيرية/ الفرق في تأسيس الأنثروبولوجيا

(((حمودي، المسافة والتحليل، ص  104–49. يمكن العودة أيضًا إلى: عبد الله حمودي، "الداخلي والخارجي في التنظير

للظاهرة القبلية: خطوة في طريق تأسيس خطاب أنثروبولوجي

مستقل"، عمران، مج  5، العدد 19 (شتاء 2017)، ص 56–11.

الأورو–أميركية، بما في ذلك ما ينعته حمودي يقوم عليه من ثنائيات  بالفرق الأورو–أميركي وما كما  هو شأن ثنائية بدائي – متحضر وثنائية تقليدي  – حديث. في مقابل الفرق الغربي، ثمة الفرق البيروني بوصفه فرقًا عربيًا (فرق ما قبل

حداثي)؛ فرقًا لم يُخرج أهل الهند من مفهوم

جامع للجنس البشري. وذلك على عكس الفرق الغربي بصفة عامة، والفرق الكولونيالي بصفة خاصة. فمن شأن ذلك الفرق أن يسعفنا في تصوّر

أنثروبولوجيا متجددة؛ إذ يشير حمودي إلى أنّ "الرجوع إلى الفرق البيروني يُمكِّن من الانفلات

من قبضة إبستيمية الفرق الكولونيالي، ليساهم في تأسيس خطاب أنثروبولوجي متجدد" (ص. 20). على الرغم من تشبث البيروني بعقيدته الإسلامية ودينه بوصفه مسلمًا في وصفه حياة أهل الهند

ورسومهم وعقيدتهم، فإنه، بحسب حمودي، حافظ على نوع من التوازن المنهجي من خلال قوله الصدق والحقيقة، أي التزامه ب "إتيقا العدل" بوصفها إتيقا إسلامية، في كل عملية وصف ومعاينة كيفما كان التباين مع منظومته العقائدية، وكذا عبر اعتماده على فكرة "الحكاية المجردة" والمقارنة، أكانت مزدوجة (الهندوسية/ الإسلام)، أو متعددة الأطراف (الهندوسية/ الإغريقية/ الإسلام). إضافةً إلى ذلك، يميّز حمودي في قراءته كتاب البيروني

"الفرق العملي"، وهو فرق الحياة اليومية الاعتيادية – لأهل الهند – ورسومها وعوائدها، فإنه يميز في الفرق البيروني بين ثلاثة فوارق: الفرق الأول هو فرق قابل للمحو الكلي أو التقلص بفعل التحصيل العلمي، وهو يتعلق بتفاوت علمي قابل للزوال مع التحصيل؛ والفرق الثاني لا يمحى إلا جزئيًا

بالتحصيل   كما هو شأن الفرق اللغوي (تعلّم البيروني السنسكريتية)؛ وأما الفرق الثالث فهو فرق قاطع مطلق (فرق ديني) يتعلق بالمنظومة العقائدية

كما هو حال المنظومة الهندوسية بما هي منظومة دينية مغلقة. وبناء على ذلك، يدعونا حمودي إلى إعادة تأسيس الأنثروبولوجيا، أو بالأحرى استنباتها وتجديدها في ضوء المقاربة البيرونية لمسألة الفرق وما تقوم عليه من أرضية منهجية، سواء تعلق الأمر بالالتزام بالحكاية المجردة (تعليق أحكام القيمة)، أو بالمقارنة متعددة الأطراف.

ثانيًا: تحولات سلطوية: مقاربة التحول من منظور التناسخ

يسعى الفصل الثاني من الكتاب "تحولات سلطوية: مقاربة التحول من منظور التناسخ"، إلى تشخيص التحولات التي مست السلطوية في المنظومة السياسية المغربية؛ وذلك بالاعتماد على مفهوم ديني أكثر مما هو سياسي، كما هو حال مفهوم التناسخ (نظرية الحلول) الذي ينتمي إلى الثقافة الهندية (الدين الهندوسي)، أكثر منه إلى الثقافة المغربية، وهو مفهوم غير بعيد عن رصيد البيروني المعني في موضوع الهند. ويزعم حمودي ترحيل المفهوم من المجال الديني إلى المجال السياسي، بل من مجال ديني براني إلى مجال سياسي جواني، ومن ثم الدعوة إلى بناء ديمقراطية بعينها من صلب التحولات السلطوية التي تخللت النسق المغربي ويتخللها. وهو الأمر الذي يختلف على نحو ما مع خطاطة الشيخ والمريد، والتي يصفها هنا بنظرية، بما هي خطاطة ثقافية مبنية على سياق ثقافي محلي (مغربي وعربي إسلامي). مع ذلك، يظل التحليل الثقافي قائمًا، فمفهوم التناسخ في نهاية التحليل هو مفهوم ثقافي. في هذا المقام، نجد أنفسنا في صلب الموضوع: تشخيص تحولات السلطوية

الملَكية المغربية من منظور الحلول والتناسخ، مع الأخذ في الاعتبار "تحرير" المفهوم الأخير من رؤيته الدينية المتمثلة في نظرية الجزاء والخلاص المرتبطَين باللاهوت الهندوسي. في تشخيصه تبدلات السلطوية المغربية (المَلكية)، بما هي نمط من الحكم غير الديمقراطي، كما هو شأن أنماط الحكم السياسية العربية الأخرى، أكانت ملكية أم جمهورية، يحاول تحليل ما وصفه بسياسة التناسخ، أي تحليل الكيفية التي يحلُّ فيها المَلِك الوافد (الجديد) محلَّ الملك الراحل (القديم)، وذلك وفقًا لمفهوم التناسخ والحلول، ليجعل من تحليله هذا منطلقًا له في الكشف عن تحول النظام السلطوي الملكي. إنها ليست سلطوية ملكية، إلا لأن الملكية هي التي أرست أسس السلطوية ورسختها في المغرب؛ تلك السلطوية التي تحولت من سلطوية قمعية، كما شخصها حمودي من منظور الشيخ والمريد، إلى سلطوية أخرى ينعتها بسلطوية تدبيرية تقوم على تدبير الضبط والضغط والإدماج. وإن كانت الأولى توظف أدوات البطش والقوة التقليديين، فإن الثانية توظف القانون والإدارة والقضاء (خرق القانون بمساطر القانون)، فضلً عن الوسائل التكنولوجية المعاصرة. بذلك، نحن أمام سلطوية إدارية، إذًا هي تدبيرية؛ تعمل على إعادة بناء صورة المؤسسة الملكية والجالس على العرش: تثبت الثوابت، وصولً إلى استخلاص الدرس من التحليلات السابقة، المتمثل في توليد نوع من الديمقراطية في سياق سلطوي متحوّل؛ فلم يعد في إمكان السلطوية اليوم

بفضل التدفقات المعولمة وغيرها الصمود أكثر أمام التغيير، كما هو حال تغيير منظومة السلطوية والحال هذه وبناء ديمقراطية مخصوصة: "إن

منظومة السلطوية، ليس بوسعها اليوم وضع حد للمخيال والتطلع في بناء وتغيير النظم" (ص. 81)

ثالثًا: سؤال المنهج في الراهن العربي: اجتهادات في تصوّر علوم اجتماعية عربية

يأخذ حمودي في الفصل الثالث من سؤال المنهج موضوعًا لتحليل يراد له أن يقدم اجتهادات في تصوّر علوم اجتماعية عربية، ويباشر تحليله

بسؤال مركزي: "كيف يتموقع المنهج في موضوع المنهج؟" (ص. 84)، أو بصيغة أدق: "كيف وأين يتموقع المنهج بحيث هو ظاهرة يمكن فصلها عن مواضيع البحوث، لتصبح بدورها موضوعًا مستقلً مرتبطًا بالنصوص المنهجية ومستقلً عنها في الآن نفسه؟" (ص. 86). ليخلص إلى أنّ المنهج موضوع مفارق؛ فهو يتموقع في الكتب المنهجية من جهة، ويتموقع خارجها من جهة أخرى. لذلك ينبغي التعامل مع المنهج باعتباره لصيقًا بموضوع البحث في كل ممارسة بحثية. وعلى هذا الأساس، يرتبط تموقع المنهج بعملية بناء الموضوع أو ما يسمى عادة بالموْضعة، سواء

تعلق الأمر بتموقعه بين الكتابات الخاصة بموضوع المنهج، أو بتموقعه في عملية البحث كما تمارس إمبريقيًا، وإن كان صاحب المؤلَّف

يعتبر التموقع الأخير للمنهج هو التموقع الطبيعي والأساس. وهو ما سيتجلى في استحضاره تجربة بول باسكون Pascon Paul، لكي يحاج فكرة الهوّة الناجمة عن عملية التكييف بين المناهج

المقتبسة واختبارية البحث الإمبريقي. إن سؤال المنهج عندنا هو سؤال تموقع المنهج: فأين يتموقع المنهج في راهنيتنا؟ سؤال المنهج في وضعيتنا الجديدة؛ وضعية العولمة. يتموقع المنهج

في راهننا العربي في موقع الاقتباس. بالنسبة إلى حمودي، تعود هذه الوضعية المفارقة في الأساس إلى العلوم الاجتماعية الغربية، ما دامت العلوم الاجتماعية العربية مقتبسة في مجملها، وإن كان يسكنها هاجس التحرر من التبعية. يتطلب الخروج من هذا المأزق أكثر من النقد الإبستيمي والما بعد استعماري؛ لأن هذا الأخير في نظر حمودي يظل محدودًا وقاصرًا في تصوّر البديل المعرفي

والمنهجي المنشود (ص. 85). ما البديل؟ يُجيب حمودي: "البديل يظهر [...] بوسيلة نقد من نوع آخر سماه مفكرون مغاربة ب 'منهج النقد المزدوج'. و'النقد المزدوج' ليس بنقد المعرفة الأورو–أميركية فقط، ولكن لا بد له من الرجوع النقدي، وبنفس طويل، إلى مقارنة تعيد النظر في موروثين معًا؛ أي الموروث المعرفي العربي الإسلامي، والموروث الأورو–أميركي الذي انتشر عندنا بفعل الاستعمار ثم تَعولَم" (ص. 85). ويُضيف: "المفروض أنّ الإثنوغرافي الذي يمارس النقد المزدوج يدخل مع الإثنوغرافي الأجنبي في نقد وتبادل في الآن نفسه: أي تقابل نقدي وتنافس في الساحة العالمية. وذلك بفعل تلك المسافة، أي في ذلك (البين – بين) الذي يمكِّنه من بناء المنهج باستقلالية نسبية عن تشكيلة العلوم في أوروبا وأميركا أو مناطق أخرى، ذلك هو الإطار المعولم الذي لم يعد فيه المجال لادعاء كونية أحادية" (ص. 105)

رابعًا: في مقاربة عملية التنظير: كونية الأفق واختلاف المسارات

يحاول حمودي في الفصل الرابع تجديد النقاش في تحديد موضوع علم الاجتماع، وذلك عبر

مقاربة عملية التنظير في هذا العلم الاجتماعي، مع الأخذ في الاعتبار أنّ العلوم الاجتماعية العربية ورثت موضوعها – المجتمع – والأزمات التي تخللته مؤخرًا، ومجمل المفاهيم الملازمة

له، بفعل التحولات الناجمة عن تدفقات العولمة وغيرها؛ إذ ورثت مفهوم "مجتمع" عن العلوم الاجتماعية الغربية، فالعولمة تفرض اليوم نوعًا من عدم الاستقرار. وفي هذا الصدد، يتساءل حمودي: "هل هناك اليوم معنى لانتشار المفاهيم والنظريات الغربية، وهل يملي علينا عدم الاستقرار افتراض حقل عالمي جديد بتشكيلات منهجية ونظرية تتمخض عن تعددية المسارات؟" (ص. 110) للإجابة عن هذا السؤال، يتوقف الباحث عند مفهومين مرجعيين في المسار الغربي لتكون العلوم الاجتماعية، هما "ثقافة"  و"مجتمع". ويعالج حمودي مفهوم مجتمع باعتباره نمطًا للتجمع البشري، مقابل نمط جماعة، على اعتبار أنّ المجتمع جاء بعد الجماعة، على الأقل وفق نظرية التطور لدى إميل دوركهايم Durkheim Émile. نجم ذلك التحول بالنسبة إلى دوركهايم عن تقسيم العمل: من التماسك الميكانيكي إلى التماسك العضوي؛ فإذا كانت الجماعة بصفتها تركيبة ستاتيكية تحيل إلى التماسك الميكانيكي باعتباره تقليدًا، فإن المجتمع من حيث هو تركيبة دينامية يحيل إلى التماسك العضوي. أما مفهوم ثقافة، فهو يحدده في عبارة "تقليد"، على أن يجري بناء مفهوم جديد ل "تقليد". هذا المفهوم يتعامل مع التقليد بوصفه رصيدًا متوارثًا قابلً للتصرف. من أجل مجاوزة المضمون التطوري لمفهوم مجتمع الذي ورثه علم الاجتماع العربي عن علم الاجتماع الغربي، يقترح حمودي تبني مفهوم

"عمران" كما جاء به ابن خلدون؛ ذلك أنّ عبارة "عمران" الكامنة في الرصيد الخلدوني، وعلى عكس عبارة "مجتمع" الموروثة عن الرصيد الغربي، كما هو شأن مفاهيم خلدونية أخرى وغير خلدونية من تراثنا العربي، تمنحنا إمكانية الخروج، على مستوى التنظير في علم الاجتماع، من ثنائيات كثيرة أهمها ثنائية جماعة – مجتمع، تقليد – ثقافة. بفضل هذا المقترح، يدعونا الباحث إلى انعتاق "تقليد" باعتباره رصيدًا متوارثًا قابلً للتصرف من جهة وانعتاق "اجتماع" من "مجتمع" من خلال "عمران" من جهة أخرى. ذلك هو السبيل – الأخذ بزمام المبادرة الإبستيمية – في نظره، للانفلات من قبضة المقارنة التطورية وتوسيع آفاق التنظير في موضوع علم الاجتماع أمام علم الاجتماع العربي، بالاعتماد على "نظرية العمران" الخلدونية، لكن من دون السقوط في "فخ الانعكاسية"؛ ذلك الفخ الذي سقط فيه البيروني في موضوع الهند، على نحو ما، وهو ما يعني التعامل مع الثقافة العربية الإسلامية بوصفها إطارًا مرجعيًا للمقارنة وميزانًا

لها في آن، في إصدار أي حكم على الآخر.

خاتمة: النقد المزدوج: نظرية في المعرفة الأنثروبولوجية؟

يحاول حمودي في كتاب ما قبل الحداثة، بوصفه امتدادًا لمشروعه الأنثروبولوجي المتكامل، تطوير نظرية في المعرفة الأنثروبولوجية العربية تهدف إلى تصوّر علوم اجتماعية عربية. بأي معنى هي عربية؟

إنها ليست عربية، إلا لأنها تكتب بلغة عربية. فمسألة اللغة العربية والكتابة بها تشغل مكانة مركزية في مشروع حمودي الذي يحظى براهنية على مستوى النقاش العربي الراهن حول استقلال المعرفة في العلوم الاجتماعية العربية، وتحريرها من النزعة

الاستعمارية والتبعية. ويتأكد هذا فيما يتعلق بارتباط اللغة بالفكر (من اليمين إلى اليسار) من جهة، وفي ارتباطها بنقد الموروث الأورو–أميركي من جهة أخرى؛ ذلك النقد الذي يقوم على فكرة النقد المزدوج التي نظّر لها عبد الكبير الخطيبي. غير أنّ حمودي يصرّ على نسبتها إلى مفكرين مغاربة

بالجمع، مع العلم أنه لم يشر إلا إلى عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي، إشارة خاطفة، ومن دون سبر أغوار هذه الفكرة عند أحدهما، لا سيما أنه اعتمد كثيرًا على تعريف الخطيبي للنقد المزدوج

من دون أي إحالة، أكانت مباشرة أو غير مباشرة، فتارة يصف هذا النقد بالمنهج وتارة أخرى بالنظرية. لكن ذلك لا ينفي إضافة حمودي، فهو ضمَّن النقد المزدوج بمضمون أنثروبولوجي فينومينولوجي، بالاعتماد على تجاربه البحثية الميدانية والنظرية في آن: من تمرسه الميدانيفي واحات ورزازات ودرعة وغيرها، مرورًا ب  الشيخ والمريد والضحية وأقنعتها

وحكاية حج، وصولً إلى المسافة والتحليل وما قبل الحداثة. فما  موقع النقد المزدوج ضمن كتاب ما قبل الحداثة؟ أولً، العودة إلى تجربة البيروني في موضوع الهند، امتدادًا للعودة إلى تجربة ابن خلدون في موضوع القبيلة، من شأنها تخصيب تربة لاستنبات المعرفة

(((صحيح أنّ النقد المزدوج مارسه مفكرون مغاربة عدة من

بينهم عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وغيرهما، لكن من دون وصفه بهذا الاسم أو التنظير له؛ وذلك على عكس عبد الكبير الخطيبي الذي سماه ونظّر له ووضع أسسه الفلسفية والإبستيمية، فضلً عن جعله مهمة أساسًا لعلم الاجتماع العربي. طبعًا لا يمكن

اختزال النقد المزدوج في الخطيبي، لكن ذلك لا يلغي بأي حال من الأحوال الاعتراف بأنه هو من سماه – النقد المزدوج – ونظّر له في العلوم الاجتماعية. يمكن الرجوع في هذا الصدد إلى:

Abdelkebir Khatibi, Maghreb pluriel (Paris: Éditions Denoël, 1983), pp. 47–111;

عبد  الكبير الخطيبي، النقد المزدوج (الرباط: منشورات عكاظ، 2000)، ص 246–185.

الأنثروبولوجية في الأرض الثقافية العربية، وقد تفيد العربي الذي يدرس الآخر غير العربي، أكثر من العربي الذي يدرس مجتمعه. لكن ليس من الموضوعية في نظري المراهنة أكثر على موضوعية "الفرق البيروني"؛ فهو يظل في نهاية المطاف فرق عصره، وإلا كيف يمكننا تفسير وصف البيروني لرسوم الهند ب "الجاهلية" و"الاعوجاج"؟ وذلك باعتراف قارئ البيروني والحال هذه، وإن كان قد اعتبر ذلك الوصف بمنزلة تخفيف للتوبيخ، باستحضاره مقارنة البيروني للهندوس بعرب ما قبل الإسلام. إنّ تخفيف التوبيخ لا ينفي عنه وصفهم بالجاهلية في مقابل "حكمة الإسلام". وفي ذلك، يمكن القول إنّ حمودي قد بالغ إلى حد ما في تأويله لموضوعية البيروني في وصفه بلاد الهند، كما قد يُبالغ نسبيًا في تأويل الفرق عنده، إلى درجة يجعل منه أرضية لإعادة تأسيس الأنثروبولوجيا وتجديدها، والحال أنّ الأنثروبولوجيا الغربية اليوم تحررت على نحوٍ ما من "الفرق الكولونيالي"، وجددت نفسها بنفسها، خاصة في أدبياتها المعاصرة التي تقوم على أساس إبستيمولوجي مغاير: فكر الاختلاف؛ ذلك الفكر الذي تقوم عليه فكرة النقد المزدوج كما صاغها الخطيبي وطوّرها انطلاقًا مما يسميه ب "فكر آخر". أعتقد أنّ في مقدور هذا الفكر تشكيل أرضية إبستيمولوجية خصبة لتطوير نظرية نقد مزدوج.

(6) Ibid., pp. 9–41.

المراجع

العربية

حمودي، عبد  الله. الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية الحديثة. ترجمة عبد المجيد جحفة. ط 4. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2010

ثانيًا، لقد تمكن حمودي من مقاربة بعض

التحولات السلطوية للنسق السياسي المغربي بالتوقف عند بعض ملامح هذا التحول، من خلال مفهوم التناسخ، لكن ذلك لا ينفي قصور هذا المفهوم الديني، الهندوسي الأصل، في تشخيص السلطوية في المغرب. وإن كان قد زعم تحريره من مضمونه الديني وترحيله، فإن حمولة المفهوم الميتافيزيقية انعكست على مستوى التحليل؛ فكيف السبيل إلى تحليل وضع سياسي فيزيقي مغربي بمفهوم هندوسي ميتافيزيقي؟ ثالثًا، إنّ استبدال مفهوم مجتمع بعمران يزيد المسألة غموضًا؛ ذلك أنّ مفهوم عمران الخلدوني أكثر ضبابية من مفهوم مجتمع، ولا يوجد تراكم إبستيمي عربي بصدده في مجالات العلوم الاجتماعية، وإن كان يشير إلى نمط الاجتماع البشري وضرورته في بعض الأحيان، فإنه يحيل إلى "حضارة" في أحيان أخرى، فضلً عن كون العمران البشري لدى ابن خلدون علمًا وليس نظرية كما زعم حمودي. هذا علاوةً على دائرة الزمن التاريخي الخلدوني المغلق التي تقوم عليها نظريته السياسية حول العصبية والدولة، والتي لا تقل تطوريةً عن تطورية الانتقال من جماعة إلى مجتمع. ومن المعلوم أنّ تاريخ السوسيولوجيا هو تاريخ إعادة النظر في مفهوم المجتمع، والذي لا ينفصل عن مفهوم الفرد، بغض النظر عن العلاقات الاجتماعية والفعل الاجتماعي والفاعلين الاجتماعيين والذوات الفاعلة.

References

بيروت: المركز الثقافي العربي،.2015

أنثروبولوجي مستقل". عمران. مج  5، العدد 19 (شتاء.)2017

الخطيبي، عبد  الكبير. النقد المزدوج. الرباط: منشورات عكاظ،.2000

الأجنبية

________. الحداثة والهوية: سياسة الخطاب والحكم المعرفي حول الدين واللغة. الدار البيضاء /

________. "الداخلي والخارجي في التنظير للظاهرة القبلية: خطوة في طريق تأسيس خطاب

________. المسافة والتحليل: في صياغة أنثروبولوجيا عربية. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر،.2019

Khatibi, Abdelkebir. Maghreb pluriel. Paris: Éditions Denoël, 1983.