العودة إلى تفاصيل المؤلَّف النبز في الثقافة السياسية التونسية

النبز في الثقافة السياسية التونسية

The Insult in Tunisian Political Culture

عبد الله جنوف| Abdallah Janouf *

الملخّص

تُستعمل في تسمية خطاب الإهانة السياسية كلمات كثيرة، منها "الوصم" و"الشتيمة" و"التراشق" ... إلخ. لكنها ليست مصطلحات خاصة بها، بل ترِد في سياقات مختلفة. وينطلق البحث من شرح هذه الكلمات ثم يقترح مصطلح "النبز" لتسمية الإهانة السياسية، ويعرّفه بأنه "لقب مهين يخترعه المتكلم في سياق خاص ويسمي به خصمه لتشويهه". ثم يحلل البحث كلمات وعبارات كثيرة من الخطاب السياسي التونسي في فيسبوك، ويحاول أن يستدل على فكرة أساسية هي أن النبز ليس خطاب سخرية فقط، ولا أداة خصومة أيديولوجية، بل هو خطاب ثقافة سياسية تشكلت في دولة التسلط، ثم كانت من أسباب فشل انتقال الديمقراطية في تونس.

Abstract

Abstract: The main Arabic words used to describe political insults are "smear" (waṣm), "slander/insult" (shatῑma) and "trading barbs" (tarāshuq)... However, these words appear in different contexts and are not specific to a political insult. This article begins with an explanation of these expressions, then proposes the term (nabz) to designate the political insult. Thus, it defines (nabz) as an outrageous descriptor used in a special context to attack political opponents. The article’s main premise is that (nabz) (political insult) is not only a discourse of ridicule and humiliation, and a means of ideological dispute, but also of political culture that originated with the despotic state – one of the reasons why democratic transition failed in Tunisia.

الكلمات المفتاحية:
  • النبز
  • الوصم
  • الشتيمة السياسية
  • خطاب الإهانة
  • الثقافة السياسية
Keywords:
  • Nabz
  • Stigmatization
  • Political Ridicule
  • Insult
  • Political Culture

Insult in Tunisian Political Culture

ملخص: تُستعمل في تسمية خطاب الإهانة السياسية كلمات كثيرة، منها "الوصم" و"الشتيمة "

و"التراشق"... إلخ. لكنها ليست مصطلحات خاصة بها، بل ترِد في سياقات مختلفة.

وينطلق البحث من شرح هذه الكلمات ثم يقترح مصطلح "النبز" لتسمية الإهانة السياسية،

ويعرّفه بأنه "لقب مهين يخترعه المتكلم في سياق خاص ويسمي به خصمه لتشويهه". ثم

يحلل البحث كلمات وعبارات كثيرة من الخطاب السياسي التونسي في فيسبوك، ويحاول

أن يستدل على فكرة أساسية هي أن النبز ليس خطاب سخرية فقط، ولا أداة خصومة

أيديولوجية، بل هو خطاب ثقافة سياسية تشكلت في دولة التسلط، ثم كانت من أسباب

فشل انتقال الديمقراطية في تونس.

Abstract: The main Arabic words used to describe political insults are "smear" (waṣm), "slander/insult" (shatῑma) and "trading barbs" (tarāshuq)... However, these words appear in different contexts and are not specific to a political insult. This article begins with an explanation of these expressions, then proposes the term (nabz) to designate the political insult. Thus, it defines (nabz) as an outrageous descriptor used in a special context to attack political opponents. The article’s main premise is that (nabz) (political insult) is not only a discourse of ridicule and humiliation, and a means of ideological dispute, but also of political culture that originated with the despotic state – one of the reasons why democratic transition failed in Tunisia.

Assistant professor at Higher Institute of Humanities, Medenine, Tunisia. Email: ajanouf@gmail.com

مقدمة

خطاب الإهانة جزء من الحياة السياسية. وأكثر ما  غلب منه في تونس قبل الثورة إهانةُ النظام لمعارضيه. ثم أخذ تبادل الإهانة يتسع في القنوات الإلكترونية، ثم ارتفعت القيود بعد عام 2011، وراج خطاب الإهانة بلا قيد ولا شرط، فتعارف عليه الناسُ، وأضحى له معجمٌ متعاظم وأساليبُ منوعة،

منها النبز. ولا شك في أن النبز أداة فعالة في خصومة سياسية أيديولوجية شرسة، لكن هندسةَ استعماله في عشرية الانتقال الديمقراطي في تونس تمكّن من اختبار فرضية بحثية هي أنه خطابُ ثقافةٍ سياسية. تقتضي هذه الفرضية توضيحين: الأول أن لخطاب الإهانة في تونس أساليب منوعة، منها ما يُعرف

ب  "الغَشة"، وهي المجازات الجنسية؛ ومنها ما يسمى "الكلَم الزايِد"، أي البذيء، وهو المعجم الجنسي خاصة، وكثيرًا ما يقترن به سبّ الدين؛ ومنها الشتيمة والسب؛ ومنها "النَّبْزِيَّاتْ"، وهي

تسمية مجملة لعبارات السخرية والإهانة مباشِرةً وغير مباشِرة؛ ومنها "التنبير"، مصدر من الفعل "نبَّر"، والفاعل "نبَّار"، والمرة منه "تَنْبِيرَه"، وتُطلق على عبارات السخرية من كل شيء؛ ومنها

"الكلَش" Clash في فن الراب، وهو "هجاء" يوجهه الرابر Rapper إلى خصمه ابتداءً أو ردًّا. ويُطلق

"الكلاش" أيضًا على سخرية/ إهانة/ انتقاد كل سياسي لخصمه، في مقاطع فيديو مركبة من كلام شخصيتين تتبادلان التهم والتهديد. وقد يؤخذ مقطعٌ من كلام نائب أو مسؤول سياسي ينتقد فيه

(((في اقتران الصراع السياسي باستعمال الشتائم، ينظر مثلً:

Claire Oger, "La conflictualité en discours: Le recours à l’injure dans les arènes publiques," Argumentation et analyse du discours (Août 2012), accessed on 6/3/2023, at: https://shorturl.at/DINS7

ليست الدراسات الفرنسية والإنكليزية التي اطلعت عليها مخصصة لخطاب الإهانة السياسية فقط، وليس فيها تمييز لصنف معين من الخطاب المهين. بل تتعلق بما أسميه في هذه الدراسة الشتيمة والوصم والنبز. ويغلب عليها استعمال كلمتين " insult /  insulte " و" injure ". وفيها تحليل لخطاب الإهانة: سياقاته وأساليبه وبنيته ومقاصده، في مجتمعاتها. وهي مساعدة على فهم النبز بالمعنى المستعمل في هذا البحث. وأكتفي هنا بالإحالة إلى بعض المراجع، ولا سيما الملفات في المجلات العلمية:

Laurence Rosier, Petit traité de l’insulte (Charleroi: Editions Labor, 2007); Laurence Rosier (dir.), "Insulte, violence verbale, argumentation," Argumentation et analyse du discours (Août 2012), accessed on 6/3/2023, at: https://shorturl.at/ekxzH; Caroline Mellet (dir.), "De l’insulte," Cahiers de praxématique, vol. 58 (2012); Cécile Leguy & Évelyne Larguèche (dirs.), "L’adresse indirecte ou la parole détournée," Cahiers de littérature orale, vol. 7 (2011), accessed on 6/3/2023, at: https://shorturl.at/BMX78

في هذا الملف، ينظر خاصة:

Bertrand Masquelier, "Dire et chanter des mots qui fâchent"; Évelyne Larguèche, "Adresse indirecte et injure?";

ينظر أيضًا:

Dominique Lagorgette et al., Les insultes en français: De la recherche fondamentale à ses applications (Chambéry: Presses Universitaires Savoie Mont Blanc, 2009); Dominique Lagorgette, "Insultes et conflit: De la provocation à la résolution–et retour?" Akofena , no. 3 (Octobre 2020), accessed on 6/3/2023, at: https://shorturl.at/cfhCP; Claudine Sagaert, "L’injure et l’insulte: Une question de laideur," in: Mireille Corbier & Gilles Sauron (dirs.), Langages et communication: Ecrits, images, sons (Paris: Éditions Du Comite Des Travaux Historiques et Scientifiques, 2017), pp. 65–72; Reski Kartini Addas, "Analysis of Insult as Humor in the Context of Politics through Stand–up Comedy Show," Journal of Language, Literature and Teaching , vol. 4, no. 2 (2022), pp. 44–62; Alvin Ping Leong, "The Language of Insults: A Look at Theme, Rheme and Negative Inferences," Explorations in English Language and Linguistics , vol. 10, no. 1 (2022), pp. 1–21.

((("الغشة" هي استعمال مفردة أو عبارة ظاهرها عادي، وباطنها جنسي، القصد منه السخرية والإهانة. ويُتوصل إلى هذا المعنى

بالأساليب البلاغية، مثل التورية والكناية والاستعارة، ولذلك اختصرتها في كلمة المجاز.

خصمه، ويسمى "كلاش" أيضًا؛ ومنها "الوصمُ" "والشتيمةُ" و"التراشقُ"، وهذه المفردات الثلاث

هي المستعملة في الصحافة لتسمية الإهانة السياسية. وسيتعلق البحث بموضوع هذه المفردات دون غيرها من الكلمات المذكورة آنفًا. وسأصف أهم خصائص استعمالها، ثم أقترح مصطلح النبز لتسمية الإهانة السياسية، وأعلّل اقتراحي. التوضيح الثاني، أستعمل الثقافة السياسية باعتبارها "تلك القيم التي تعزز أو تُضعف (تدعم أو تقوّض)

منظومة معينة من المؤسسات السياسية، أو ذلك التوزيع المعين لأنماط التوجهات السياسية والسلوك تجاه النظام السياسي ومركباته المتعددة، والسلوك تجاه دور الذات الإنسانية (الفرد، المواطن) في هذا النظام"، وستكون الأنباز المدروسة متعلقة بالعناصر المذكورة في هذا التعريف. فدراسة الأنباز في تجربة من التجارب السياسية تمكّن من معرفة جانب من القيم المنتجة للثقافة السياسية في تلك التجربة. سأفصّل هذه المعاني في ثلاثة مباحث وخاتمة. الأول في ضبط مصطلح النبز؛ والثاني في تصنيف

الأنباز وتفكيكها؛ والثالث في صلة النبز بالثقافة السياسية.

أولا: ما  النبز؟

تُستعمل في تسمية خطاب الإهانة السياسية كلمات، أشهرها ثلاث: الوصم والشتيمة والتراشق. الوصم مصطلح معروف في الدراسات الاجتماعية، ويعني تسمية شخص بأسماء سلبية، تحرمه من التقبل الاجتماعي، وتُشعره بالتمييز والإهانة والنبذ لاختلافه عن سائر الأشخاص. ويكون الاختلاف في خاصية من خصائصه الجسمية أو العقلية أو النفسية أو الاجتماعية. وقد استقر مصطلح "الوصم" في مجال الدراسات الاجتماعية، وهو أليَق بها من حيث الأصل المعجمي، فالوصم في اللسان هو

"العيب يكون في الإنسان، وفي كل شيء". لكن كوْن العيب في الإنسان، لا يعني أن له وجودًا طبيعيًا

مستقلً خارج عملية الوصم، فثقافة المجتمع هي التي تحدد العيب، وتبرر الوصم. وتُستعمل كلمة "الشتيمة" استعم لً واسعًا جدًا في الكتابة الصحافية، وتعني كل كلام يستعمله المتكلم

لإهانة خصمه. فتكون ألفاظًا نابية (المعجم الجنسي)، أو تشبيهًا بالحشرات والحيوان، أو وصفًا بالجهل

أو القذارة أو الكذب... إلخ، أي كل ما يقع عليه تعريف الشتيمة في العربية، وهي "قبيح الكلام والسب". وأخذ التراشق من المعجم العسكري، من "رشقَ" أي "رمى بالنبل". وتراشق الفريقان: رمى كل واحد

منهما الآخر. وتفيد صيغة "تفاعلَ" المشاركة، وتشير إلى سياق الصراع والمواجهة، لكنها لا تحدد

(((مدخ ناا ممكنان لدراسة الانتقال الديمقراطي في تونس: مدخل "خطاب الإهانة" بجميع أشكاله المذكورة ومدخل أدب السخرية، وهو النصوص الساخرة التي استعملت الأنباز استعم لً أدبيًا. لكنهما مهملان. (((عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة

السياسات، 2020)، ص 420؛ عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007)، ص.87 (((هذا معنى عام في تعريف الوصم يكفي لتمييزه من النبز، وينظر التفصيل في تعريف المصطلح في: بروس ج. لينك وجو ك.

فيلان، "مفهمة الوصمة"، ترجمة ثائر ديب، عمران، مج  8، العدد 31 (كانون الثاني/ يناير 2020)، ص 143 وما بعدها.

موضوع التراشق، هل هو وصم أم شتيمة أم نبز أم غير ذلك. فتُستعمل الكلمة أحيانًا في معنى التقاذف بالشيء، كما في "التراشق بالنسب والأرقام (في الانتخابات)، والتراشق بالتهم"؛ وتُستعمل أيضًا في معنى تبادل الأنباز والشتائم، وتكون مقرونة بنعت "السياسي" (التراشق السياسي). فائدة هذه الكلمات الثلاث أنها حددت خصائص العملية الموصوفة بها، وهي: 1. السلبية، أي استعمال كلمات تهين المقصود بها، وتسلبه خصائصه الإيجابية، وقد تكون الكلمة مما يعتبره المجتمع كلامًا نابيًا. 2. المشاركة، أي تعدد الأطراف المستخدمة الكلمات المذكورة، فلا بد من وجود طرفين على الأقل. 3. الصراع، أي إن العلاقة المستفادة من صيغة "تفاعل" (تراشق، تشاتم) هي علاقة صراع، فكل طرف يحرص على إهانة خصمه، وينافسه على التقبل الاجتماعي أو السلطة... إلخ. هذه الخصائص الثلاث موجودة في الظاهرة المقصودة بالدراسة، وهي التراشق ب "الكلام المهين/ السلبي" في المجال السياسي. ومن أجل تسميتها تسمية دقيقة، بحثتُ في المعجم والتجربة عن كلمة أخرى غير الوصم والشتيمة والتراشق. فوجدت في لسان العرب: "النبَزُ بالتحريك اللقَب... والنبْزُ بالتسكين

المصدرُ [...] نبزَهُ يَنْبِزُه نَبْزًا، أي لَقبَه، والاسم النبَزُ [...] وتَنابَزُوا بالأَلقاب أَي لَقبَ بعضهم بعضًا. والتنابزُ

التداعي بالأَلقاب، وهو يكثر فيما  كان ذمًا [...] وقد يحتمل أن يكون في كل لقب يكرهه الإِنسان".

وتشتمل هذه المادة المعجمية على ثلاثة عناصر، هي التمييز بين فعل الإهانة (النبْز) والكلمة المستخدمة

فيه (اللقب = النبز)؛ وصيغة المشاركة الدالة على الصراع (تنَابزَ)؛ والتخصيص، فالنبْز ليس سبًا وشتمًا

بقبيح الكلام، بل هو استعمال لقب يكرهه الإنسان. والسياق هو الذي يحدد متى يكون استعماله إهانة. أما في التجربة، فوجدتُ أنبازًا كانت مستعملة في الصراع/ الجدل السياسي العقدي القديم. ومنها أن الواقفةَ سُميت بالممطورة، لقول علي بن إسماعيل الميثمي لبعض رجالها: "ما أنتم إلا كلاب ممطورة"،

قال النوبختي: "فلزمهم هذا اللقب فهم يُعرفون به اليوم"؛ ومنها أن الشيعة سُميت بالرافضة، وروى

الطريحي في مادة "نبز" من معجمه "مجمع البحرين" حديث "إِنا قَدْ نُبِزْنَا بِنَبْزٍ انْكسرَتْ لَهُ ظهُورُنَا"،

أي تسمية الشيعة بالرافضة. و"الممطور" في المعجم، هو الذي أصابه المطر، والرافض هو الذي يرفض شيئًا. فلا صلة للفظتين بقبيح الكلام في الأصل المعجمي، ولا في الاستعمال، وليس لهما إذًا دلالة

سلبية، إنما تنشأ الدلالة السلبية من سياق الكلام. ويمكن أن يقع النبز بأي كلمة إذا كان سياق استعمالها ملائمًا لذلك. وما  يقال في النبز يصح قولُه في الوصم أيضًا، إلا أنهما يختلفان في كون الوصم لقبًا

(((أبو محمد الحسن بن  موسى النوبختي، كتاب فرق الشيعة، عني بتصحيحه هلموت ريتر، النشريات الإسلامية 4 (إسطنبول: مطبعة الدولة، 1931)، ص.69 (((الشيخ فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، تحقيق أحمد الحسيني، مج 3 (بيروت: مؤسسة التاريخ العربي، 2007)، ص.347 (((يراجع في هذا المعنى:

Lagorgette, "Insultes et conflit," p. 2; Maxime J. R. Adjanohoun & Julien K. Gbaguidi, "Analyse substantielle des énoncés insultantes en Fͻngbè," Akofena , no. 3 (Octobre 2020), pp. 371–388.

متعلقًا بعيبٍ/  نقصٍ قائم بالموصوم في ثقافة المجتمع، كعمى الأعمى وسمنة السمين وسواد الأسود وفقر الفقير، وكون النبز لقبًا مخترَعًا يحدد السياق دلالته؛ ويختلفان أيضًا في استقرار مصطلح الوصم في الدراسات الاجتماعية، وعدم استقرار النبز في السياسة. نأخذ الآن الخصائص المشتركة (السلبية والمشاركة والصراع) بين الكلمات الأربع (الوصم والشتيمة والتراشق والنبز)؛ ونخرج من تقييد الصفة القائمة بالموصوف في الوصم إلى معاني الاختراع والاشتقاق في اللقب/ النبز؛ وننتقل من غموض التراشق، ومن عموم الشتيمة ومباشرتها، إلى صناعة النبز من كلام عادي في سياق خاص؛ ونخصص النبز للإهانة السياسية. ويمكن حينئذ تعريف النبز بأنه "لقب مهين يخترعه المتكلم في سياق خاص، ويسمي به خصمه لتشويهه". وبهذا التعريف يخرج من مجال الدراسة "التراشق" لعمومه وغموض موضوعه، وتخرج الشتيمة؛ إذ لا اختراع فيها، فتسمية سياسي لخصمه بالحشرة والجرذ والعميل والخائن والجرثومة واللص جمعٌ لمفردات اللغة، لا صناعة فيه ولا اختراع، وهبوطٌ إلى مستوى الخطاب العامي اليومي. ويتمايز الوصم والنبز، فالأول تسمية لصفة قائمة بالموصوف في المجال الاجتماعي، والثاني اختراع للقبٍ يطلق على المخالف في المجال السياسي؛ ويتداخلان من جهة أثر الانتماء السياسي في نشأة الوصم. فتسمية سياسي سمين ب "الكركدن" مثلً، ليست ناشئة من خاصيته الجسمية (السمن)، بل من انتمائه الحزبي الذي يجعل خصومه يخترعون الوصم ويستعملونه في الصراع السياسي. يبدو بهذا التوضيح، أن "الوصم" مجاله الاجتماعي لا السياسي، والشتيمة عامة مشتركة ليس لها دقة المصطلح واختصاصه، والتراشق مفردة غامضة تصف تبادل الشتائم ولا تسمي النبز في نفسه، ولا تدقق المصطلح ولا تخصص استعماله في المجال السياسي. فلهذا اخترتُ مفردة "النبز" وخصصتها في الاصطلاح بما يُخرجها من العموم والاشتراك. فصار لها معنيان: أحدهما معجمي عام وهو أن النبز "كل لقب يكرهه الإِنسان"، والثاني اصطلاحي خاص تقترحه هذه الدراسة.

(((لم أجد في حدود اطلاعي دراسة أكاديمية عربية في النبز، لكن توجد دراسات ومقالات صحافية في الشتائم عامة، أو الشتائم السياسية. ومن الدراسات الخاصة بالشتيمة في البلدان الإسلامية المقالات المنشورة في ملف خاص:

"L’injure, la société, l’islam une anthropologie de l’injure," REMMM , no. 103–104 (2004), accessed on 8/7/2023, at: https://bit.ly/3O0RlfR

وجمع عمرو المنشاوي الشتائم وشرح معانيها في الاستعمال العربي. لكنه سمى أساليبَ الإهانة كلها شتيمةً، وفي كتابه مداخل

كثيرة غير دقيقة، منها: "ممنوع الانتصاب: يستعملها التونسيون بمعنى وقوف السيارات"، وهو غير صحيح؛ "طحان: تعني في تونس اللوطي. مع أنه يعني في اللغة الفصيحة [...] الذي يطحن الطحين لصنع الخبز. فتحولت الدلالة لتشير إلى لزوم قوة الطحن من

أجل مضاجعة الذكَر". وهو استنتاج خاطئ ولا  صلة له بكلمة طحان. ينظر: عمرو المنشاوي، قاموس الشتائم المصرية: أصول

وحكايات الشتائم (القاهرة: مؤسسة إبداع للترجمة والنشر والتوزيع، 2017). ويمكن الإشارة أيضًا إلى كتاب صدر في تونس، وضم

مجموعة مقالات بالعربية والفرنسية، وهو في تأثر اللغة بحدث الثورة، لا في دراسة النبز:

Bourguiba ben Rejeb (dir.), Le parler révolutionnaire: Ruptures et dérives (Tunis: Institut supérieur des langues de Tunis,

ثانيًا: تفكيك النبز

يعلم من يتابع صفحات التونسيين في موقع فيسبوك، أنه لا يمكن استقصاء الأنباز؛ إذ لا يخلو منها مجال، ولا تستثني مسؤولً أو مؤسسة، ولا تحترم مقامًا، ويستوي في اختراعها وتداولها جمهور

عريض على شدة تنوّعه واختلافه. بل تدل التعليقات والتدوينات السياسية على أن استعمال الأنباز

أصبح منوال كتابة وأنتج "معجمًا" جاهزًا، تُنقل مفرداته من سياق إلى سياق، ومن اسم إلى اسم، وتُغرق

الكتابة "السياسية" في السخرية. سأحلل في هذا المبحث مجموعة من الأنباز تتعلق بالأحزاب والنواب والبرلمان والاتجاهات السياسية والفكرية والمفاهيم السياسية والجمعيات والنقابات والصحافة والرئاسة والشخصيات الأكاديمية العامة.

1. الأحزاب وقادتها وقواعدها

حُرّفت "النهضة" إلى "النكبة" و"النهبة" و"النهقة". ويغمر كل نبز الحركة بدلالات سلبية تُستعمل في

سياقات منوعة: النكبة للكوارث والمصائب والهزائم، والنهبة للفساد وسرقة المال العام، والنهقة للشتم والسخرية. ثم يؤدي اجتماعها إلى إخراج الاسم الأصلي من الاستعمال، أو جعل الأنباز ملازمة له، كأنها شرح لمعناه، فتقترن النهضة بمعاني الحرمان والفشل والهزيمة والفساد والغباء والصوت المزعج. وقد تُثبَّت هذه المعاني السلبية بالصور، فيُستبدل بالحمامة في شعار الحزب رأسُ حمار. وحُرّف اسم رئيسها

(راشد) الغنوشي، فدُعي "الخَنْتُوشي"، و"الخَنْتوش" في اللهجة التونسية صغيرُ الخنزير (الخِنَّوْص).

ولا يكاد يُذكر الخنزير إلّ في السياقات السلبية التي يعوّل النابز على ثقافة المخاطَب الشعبية ليستحضرها

كلها عند استعمال النبز. وسُمي أيضًا "ابن آوى" لمكره السياسي الذي يسميه أنصاره التكتيك؛ وسُميت

ابنتُه سميّة "أميرة المعبد الأزرق"، وأشاع خصومها أن الدولة سهلت لها صفقات تجارية هائلة بعد عام

2011، فراكمت ثروة طائلة؛ وسمي مقر الحركة الرئيس في مونبليزير – ولونه أزرق كشعار الحركة – ب "المعبد الأزرق"، وفي التسمية تداخل معقد بين الدين والسياسة والمقدس والدنيوي والورع والجشع والغموض والأسرار؛ وتُضاف إلى هذه المعاني الدلالةُ على الجنس في تسمية المقر ب "هضبة اللذة"، وهي تعريب لاسم الحي Montplaisir الذي يوجد فيه؛ وسُمي قادة النهضة وأتباعها ب  "الدواعش" لحرص

خصومهم على محو التمايز بين "الإسلام السياسي" والحركات الدينية العنيفة. ونُبز "ائتلاف الكرامة" بأنه "باراشوك" النهضة". وقد بدأ الائتلاف تحالفًا سياسيًا وتكتلًانتخابيًا، ثم أصبح حزبًا. واخترع خصومه

النبز من صورة الواقي من الصدمات في السيارة Pare–chocs، لينفوا استقلالية الحزب، فيبدو درعًا تحتمي بها النهضة، وأداةً تشق بها طريقها في الانتخابات وتكوين الكتل في البرلمان ومجادلة الخصوم الأيديولوجيين والسياسيين. وينحط هذا النبز إلى الشتيمة، فيوصف "الائتلاف" أو أحد قادته بأنه "كَبشْ

نْط"ِْيح (كبش معدّ للنطاح). وأما  الناطق الرسمي باسمه، سيف الدين مخلوف (وهو محامٍ ومشارك بارز

في الثورة، ونائب سابق ومترشح لرئاسيات 2019)، فدُعي "زيف الدين مرخوف"، (المسترخي). وانتشر

(1((حي Montplaisir في العاصمة تونس، يُعرّب في الاستعمال بمونبليزير، وفي النبز بمركب إضافي: mont هضبة، و plaisir لذة. (1(("كبشْ النطيحْ" هو الذي يُقتنى للمشاركة في "مصارعة الكباش"، ولها في تونس تقاليد متَّبَعة، وميادينُ تُنظَّم فيها.

نبز "المرخوف"، لأنه يُستعمل في الخطاب اليومي في وصف غير الحازم، والمشبه بالنساء. وله بالمعنى

الثاني دلالة جنسية سلبية. يُقلب أيضًا لقب "نور الدين البحيري" إلى "نور الدين تعويضات"، ويشير النبز إلى قضية تعويض ضحايا

النظام التسلطي منذ الاستقلال. وقد أدّى الإعلام وصفحات البروباغندا في الوسائط الاجتماعية دورًا

كبيرًا جدًا في "إقناع" كثيرين من التونسيين بأن أتباع النهضة نالوا تعويضات جزيلة، أصبحوا بها أثرياء،

وأنهكت اقتصاد البلاد المتهالك. وترتب على هذه الرسالة استنتاجٌ استطاعت وسائل الإعلام تثبيته،

وهو أن كل ما سماه الإسلاميون نض لً ومقاومة للدولة التسلطية ليس إلا نشاطًا بمقابل، لم يسألهم أحد أن يخوضوه، ولم يأذن لهم أحد في تقاضي تعويض عنه بعد الثورة. وشاع على الألسن وفي صفحات فيسبوك استعمال عبارة مهينة هي "بقداش كيلو النضال؟" (كم ثمن الكيلوغرام من النضال؟)، واستُعين بنبز آخر مشهور في العالم العربي، يطلق على الإسلاميين خاصة، وهو "تجار الدين". وبهذا التركيب خرج النقاش من الحديث عن مقاومة الاستبداد ومحاسبة المستبد وضريبة الحرية والمصالحة الوطنية والانتقال الديمقراطي وحق الضحية في جبر الضرر... إلخ، وانهمك الناس في تبادل التهم. كان صهر الغنوشي رفيق عبد السلام قد تخلى عن لقبه العائلي "بوشلْاكَه" (الهاء لا تنطق). فلما صار وزيرًا للخارجية في حكومة الترويكا، أصر خصومه على استعمال اللقب الأصلي لتذكيره بأصوله

الشعبية، ولحصر صورته الإعلامية في معانٍ سلبية تقترن في الذاكرة الشعبية ب "الشلاكة"، أي النعل (شَحاطَه، شِبْشِبْ)، وهي لا  تُلبس في المؤسسات الرسمية التونسية مهما كانت جودتُها، وتُستعمل

في الكلام في سياقات سلبية كثيرة، يترجمها بكثافة شديدة وصفُ كل شخص مكروه أو خبيث أو خسيس بأنه "شوْلكَه". واشتقوا له من اسمه الأصلي اسمًا آخر هو "أب شبشب الشيراطوني"، فالكنية

(أبو شبشب) إشارة إلى عادة التكني في الحركات الدينية العنيفة؛ واللقب مشتق من "نزل الشيراتون" الذي أقام فيه رفيق عبد السلام وهو وزير، واستقبل فيه قريبته، فاخترع خصومه من الحادثة قصة حب ونبزًا يذكره بلقبه العائلي وينسبه إلى الإرهاب ويرميه بتهمة أخلاقية. أما جمهور النهضة المدافع عنها في المواقع الإلكترونية، المهاجم لخصومها، فيُسمَّى "الذباب

الأزرق". والنبز تصرف في عبارة "الذباب الإلكتروني"، لونته كل جهة سياسية بلون خصومها: "الذباب الأزرق" من النهضة، و"الذباب البرتقالي" من التيار الديمقراطي، و"الذباب الأحمر" من اليسار. ثم ظهر لون آخر، لكنه لم يشتهر: "الذباب الأخضر"، سُمي به المدافعون عن سياسة قيس سعيد الذي

خرجت زوجته في يوم الاستفتاء على الدستور (25 تموز/ يوليو 2022) بفستان أخضر. يُشتق الوصمُ من صفة خَلْقية في المنبوز، كما في تسمية لطفي زيتون (كان أحد قادة النهضة)

ب  "الكركدن". وسمي الحبيب خِضْر مقرر دستور عام 2014 (من النهضة) "خنفوس الفول". ويربط الوصمُ بين الموقف السياسي وما يعتبره الواصمُ قُبحًا في الصورة، ليثبّت عند جمهوره "اعتقاد" قبح رأي

الموصوم لا دمامة صورته فقط، فلا يصدر منه إلّ الموقف الخاطئ والفكرة المضطربة. وسبب الوصم

ليس قبح الصورة أو اضطراب الخِلقة، لكن الرأي السياسي والاتجاه الفكري، لا  يقبلهما المخالف،

ولا يملك ثقافة محاورتهما، فيخترع من صورة مخالفه الخَلْقية وصمًا يهينه به. ومن هذه الجهة يكون

الاسم المخترَع وصمًا في الظاهر، نبزًا في الحقيقة. من الألقاب ما يُشتق من السلوك السياسي، ومنها "الزغراطه" وهو نبز أطلق على عبير موسي لحماستها

قبل الثورة في تأييد بن علي، ومشاركتها في حفلات حزبية، تغنّت فيها بشعار "اللهْ وحَد اللهْ وحَدْ وبِنْ

علي ما كيفو حَد"ْ. وتُستعمل عبارة "اللهْ وحَدْ" للتعبير عن الإعجاب، مثل "ما  شاء الله"، وكثيرًا

ما يخاطَب بها الأطفال، وتُقال لحماية موضوع الإعجاب من عين المعجَب. ونُبزت "موسي" بأنباز

أخرى منها "بنت الشعبة" و"الصبايحية" و"الإماراتية" و"الفاشية". وخلاصة دلالاتها في أمرين: الأول أنها بوق دعاية: لا تمثل فكرًا، ولا تحمل مشروعًا سياسيًا، وليست مستقلة في مواقفها، بل هي وظيفيّةٌ

تابعة لنظام مستبد أو جهة أجنبية. والثاني أنها عنصرية شعبوية، تستغل الديمقراطية التي فسحت لها مجال المشاركة السياسية وأوصلتها إلى البرلمان، وتسعى لإعادة إنتاج النظام القديم. ويُشتق من اسمها نبز أتباعها، فيسمون "العبّوريّين"، من "عبّورة"، والأصل أن "عبّورة" نوع من ترخيم

"عبير" في اللهجة التونسية، لكن القصد هنا السخرية. ولا يُستبعد أن يكون في نسبة أتباعها إليها

خلفية جندرية تحط من قيمة المرأة وقيمة من يكون تابعًا لها من الرجال خاصة. ومن أنباز أتباعها

أيضًا "بنو طحنون"، و"طحَاحِينْ". والأول مأخوذ من "طحنون بن  زايد"، لأن معارضي "موسي"

يتهمونها بالتنسيق مع الحكومة الإماراتية لإفشال الانتقال الديمقراطي. ثم استخرجوا من اسمه جمعًا آخر هو "طحاحين"، إلّ أن المفردَ منه ليس "طحنون" بل "طحّان". ويُقال إن أصل كلمة

"طحّان" اشتُقت من تغطية القوات الفرنسية رؤوسَ عملائها وجواسيسها من التونسيين بأكياس

الطحين في الشوارع والمحاكم لئلّ يعرفهم الناس. أطلقها عليهم الوطنيون الرافضون للاستعمار.

ثم أطلقت الكلمة على الخائن والواشي أيًا كان مشغّله. فلذلك سمي سُعاة الحزب الحاكم دائمًا

ب "طحّانة الشُّعْبة/ الحزب". ثم توسع الناس في الاستعمال، فسمّوا "طحّانًا" من يتمسحُ بالمسؤولين،

ومن يعِد بالمساعدة ويخلف، ومن يتقاعس عن نجدة صديقه. وتطلق الكلمة أيضًا على الديّوث.

وتسميةُ أنصار عبير موسي ب  "الطحاحين" شتيمةٌ تكثف هذه المعاني كلها. وتقابلها أنباز أطلقت على أتباع شخصيات أخرى. فجمهور "النهضة" "غنانيش" (من اسم رئيسهم "الغنّوشي")؛ وأتباع

"ائتلاف الكرامة" "مراخيف" جمع "مرخوف"؛ وأتباع قيس سعيد "زقافنة" (من زقفونة) – وسأعود إلى شرح هذا النبز – و"زمَامْرِية قيسون" و"مزَمْرِين"ْ و"زمِّيرَة". ويدل اشتقاق اسم الأتباع من اسم رئيس

(1(("وحَدْ": واحد؛ و"ما يفُو حَدْ": لا كِ نظيرَ له. ومعنى الجملة أعلاه إعجابٌ ببن علي ودعاء بحفظه وحمايته. و"ما شاء الله" تُنطق

"ما شاالله." (1((تُضاف إلى اسم النسبة "واو" للدلالة على أن النسبة ليست حقيقية، بل ادعاء يوظّف فيه المنسوب ما نُسب هو إليه توظيفًا

أيديولوجيًا. وفيها أيضًا معنى التحقير والازدراء. فيقال: إس مااي وشعبي في النسبة إلى الإس ماا والشعب، وإس مااوي وشعبوي

للتعبير عن المعنى المذكور. وهذه الواو لا أصل لها في النسبة الفصيحة، وإن شاعت في الاستعمال. وجاءت في المعاجم العربية

كلمات فيها نون زائدة منها "ضَيْفَنٌ"، وهو الطفيلي الذي يأتي مع الضيف ويأكل الطعام الذي قدمه إليه مُضِيفُه. وأقترح أن نأخذ هذه

النون، ونسميها نون الادعاء، ونضيفها إلى اسم النسبة للتعبير عن معنى الادعاء الأيديولوجي. فالمنسوب إلى الشعب شعبي، وإلى

العلم علمي، وإلى الحداثة حداثي، وإلى الإسلام إسلامي. والمنسوب إلى ادعاء هذه الأمور شعبني وعِلمني وحداثني وإسلامني. (1(("زمامرية" و"زمّيرة" من التزمير، وهو أصوات أبواق سيارات الدعاية السياسية في الشوارع. و"مزَمْرِينْ" تبدو في الظاهر من هذا

المعنى، وهي في الحقيقة جمع "مْزَمرْ"، والمزمر هو الفقير والأحمق والساذج. وكل من يُرثى لحاله فهو "مزمّر."

الحزب أو الزعيم على أن الأحزاب في المتخيل الشعبي، مثل الطوائف الدينية والطرائق الصوفية، الانتماءُ والهويةُ فيها مستفادان من شخص الرئيس/ الزعيم، والأتباعُ ظلال لشخصه. وتوهم الأنبازُ

(الغنانيش، المراخيف، العبّوريّون) والشتائمُ (الطحاحين، القطيع الإخواني، القطيع اليساري) أن

الانتماء إلى الأحزاب ليس تعاقدًا على مشروع سياسي، بل تقليد وطاعة عمياء. ثم يسكت النبز عن أخطر حقيقة مُضمرة، وهي أن قتل السياسة وتخريب الثقافة السياسية يمكنان لسيادة العقل العامي،

وتكوينِ جمهور لاسياسي، ويمهدان لفرض تسلطية مطلقة يُعدّ خطابُ الإهانة الناسَ لتقبلها. صيغة النبز في "غنانيش، مراخيف"، والشتم في "طحاحين" من الكلام اليومي، وصيغة "زقافنة" و"زِمّيرة"

من وضع المتعلمين "المثقفين"، فزقفونة كلمة مهجورة تُستعمل في سياقات تعليمية قليلة. ولا يُستعمل

وزن "زمِّيرَة" للجمع في اللهجة التونسية. ويدل هذا التنوع على استواء جميع المهتمين بالشأن العام في

استعمال النبز اختراعًا وترويجًا. يشتق اللقب أيضًا من العلاقة الزوجية، كما في "رَاجِلْ سامية"، وهو نبز قُصد به محمد عبّو

(رئيس حزب ووزير سابق)، و"سامية" زوجتُه. وصيغة "رَاجِلْ فلانة" (أي زوجها) مألوفة في الخطاب

اليومي. وأما في النبز، فالعبارة كثيفة، تشتمل على طبقات من المعنى. أولاها أنها تمحو صفات المقصود بالنبز كلها: اسمه ولقبه ومهنته وتاريخه السياسي، وتختصر معرّفاته في اسم واحد هو أنه

"راجلْ سامية"، لا هوية له من نفسه، ولا يُعرف إلّ بزوجته. والثانية أن الاسم مأخوذ من صورة الرجل

في علاقته بزوجته في المتخيل الشعبي، فالمتعارَف عليه أن يكون فارضًا رأيه، غالبًا، على زوجته،

فإذا بدا منه تراخٍ أو انقياد لها، اتّخذه الناسُ سخرة. فأراد خصوم عبّو التعبير عن تبعيته لزوجته وانقياده

لآرائها ومواقفها انقيادًا امّحت فيه شخصيته. ولذلك نُبز السياسي اليساري حَمّه الهمّامي بالصيغة

نفسها، فسمّاه خصومه "راجلْ راضية"، يعرضون ببطالته، ويسخرون من زعيم "حزب العمال" الذي

يقولون إنه لم يشتغل في حياته بعمل، واكتفى بما تكسبه زوجته المحامية راضية النصراوي. والثالثة أن الحزب الذي يرأسه عبو – وزوجته عضو فيه – "شركة زوجية"، الأمر والنهي فيها للزوجة، ولا قيمة فيها ولا أثر للمؤسسات الحزبية. تُستعمل كلمة "غوّاصة" لوصف من يندسّ في حزب أو تنظيم ليكون جاسوسًا لحزب آخر. وراجت

كثيرًا في تسمية المتهمين بأنهم عيون "حركة النهضة" في المؤسسات الحكومية والأحزاب. وهي

نبز يرتفع عن الشتائم المستعملة في ما يقارب معناه (مثل: صبَّابْ، قوَّادْ، بَيْدَقْ، هِيدُوقْ)، ويُطلق

على كبار المسؤولين الذين يصر خصومهم على تصنيفهم سياسيًا، وينفون استقلاليتهم، ويجعلونهم

"جواسيس" لشخصيات أكثر نفوذًا أو لأحزاب سياسية.

((1("الصَّبَّابْ"، مبالغة من "صب"، وهو المُخْبر الذي يتجسس الأخبار وينقلها بمقابل. ويسمى أيضًا "قَوادْ". و"الهِيدُوقْ" هو الذي

يعمل في شعبة حزبية، يجمع الأخبار وينقلها إلى رؤسائه، أو إلى السلطة الأمنية في بلدته، ويستقبل شخصيات الحزب في مقر الشعبة والمؤسسات الرسمية، ويحيي ويصفق. وقد ينال مكافأة ضئيلة وقد لا يصيب شيئًا. وتُستعمل الكلمة مضافة أحيانًا، فيقال

"هيدوق شُعبة". يراجع في أصل الكلمة واستعمالها في تونس: أحمد بن أبي  الضياف، إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد

الأمان، لجنة من وزارة الشؤون الثقافية (محرر)، مج 4 (تونس: الدار العربية للكتاب، 2001)، ص.15

أطلق نبز "الشبّيح" على كل مؤيد لبشار الأسد من التونسيين، ونبز "حزب البراميل المتفجرة"

على "حركة الشعب"، وهي حزب قومي تونسي مؤيد لبشار وسياسته، والنسبةُ إليه "براميلي". وأهم دلالات النبزين تأييد الاستبداد، والاستهانةُ بدماء الشعوب، ومعاداةُ الحرية والديمقراطية، والتناقض،   فالموصوفون ب "الشبيحة" و"البراميليين"، يعيشون بحرية في التجربة الديمقراطية التونسية، ويطالبون لغيرهم بالدكتاتورية والحكم العسكري. وهم، عند نابزيهم، جسم سياسي

مجهري يعادي الديمقراطية لعدم شعبيته وفشله في إقناع المواطنين بفكره ومشروعه وعجزه عن الاستمرار من غير حماية المستبد.

2. البرلمان والنواب

تُسمَّى عبير موسِي "عبير موشي"، لافتعالِ نسب بينها وبين موشي دايان (عسكري وسياسي صهيوني)،

والإشارة إلى أنها تنفذ سياسة صهيونية، غايتُها إفشال الانتقال الديمقراطي في تونس. ويُقلب اسمها

أيضًا "عبير روتانا" و"عبير روتانا أفلام"، والمعنى واحد، هو أن مشروعها أفلامٌ تؤدي فيها دورًا وظيفيًا

للإزراء بالمؤسسات الديمقراطية الناشئة، وإيهام التونسيين بأنها شخصية وطنية مقصودة بالتصفية. ويختار معارضوها مشاهد من "أفلامها"، منها الصياح بالمصدح وحمل سترة واقية من الرصاص في البرلمان، ومنها التظاهر بالإغماء في وقفة احتجاجية نظمها حزبها في 7 تموز/ يوليو 2022 لرفض مشروع الاستفتاء على الدستور، ومنها صياحها: "قنَّاصَهْ" (ج. قنّاص في الدارجة التونسية) عندما رأت

شابين أعزلين واقفين على سطح بيتٍ يتابعان كلمتها في أنصارها في مدينة الوردانين. تسمى محرزية العبيدي (النائبة الأولى لرئيس المجلس الوطني التأسيسي. توفيت في 22 كانون الثاني/ يناير 2021) أيضًا "الحارزة"، أي المرأةُ التي تتولى تدليك النساء في الحمام. ومهنة الحارزة محتقرة اجتماعيًا، تُضطر إليها الأرامل واليتيمات والفقيرات، وتقترن في المتخيل الشعبي بالفقر

والمهانة والاشتغال بتافه الأحاديث. وأما "مِحرْزِية"، فمؤنث "مِحْرِز"، ومِ حْرِزْ اسمُ المتصوف

التونسي المشهور مِحْرِزْ بن  خلَف، المتوفى في عام 413 ه، وله في العاصمة مقام يُزار، ومكانة كبيرة عند

سكانها، ويُعرف عندهم باسم "سلطان المدينة". ولذلك يسمي التونسيون أبناءهم "محرز" وبناتهم

"محرزية". لكن النبز يخترع صلة اشتقاقية بين "محرزية" وجذر (ح ر ز)، ويقلب اسمها "حارزة"؛ ولعله

(1((الوردانين (مدينة صغيرة في ولاية المنستير)، في 2022/8/26. وتُدعى أيضًا "بَعْرُورَة"، وفي هذه التسمية انحراف بالاسم من

العبير إلى البَعر، ويطلق هذا الوصف عادة على المرأة القصيرة الغليظة. ومن أشهر ما دُعيت به "بعير موسي". وقلب الأسماء من

أساليب النبز، لكن الخروج من الإنسانية إلى الحيوانية يجعل الكلمة شتيمة. (1((ينظر في التعريف بمهنة الحارزة: خولة الفرشيشي، "الحارزة في حمامات تونس... تنفي جسدها لتهب المتعة لأجساد الأخريات"،

رصيف 22، 2018/4/4، شوهد في 2023/3/6، في: https://shorturl.at/mnGJT؛ سماح الدريدي، "'يسبون ناشطات سياسيات

بعملي'... تونسيات يعملن في مهن هشة ومحتقرة"، رصيف 22، 2021/1/10، شوهد في 2023/3/5، في: https://shorturl.at/rAX24 ((1(يُقال في حكاية شعبية إن ابن عروس (له في العاصمة ضريح يزار كضريح محرز) غضب يومًا على أهل تونس، فهمّ بإلقاء

المدينة كلها في البحر، فأدركه "سيدي محرز"، وقال: "الْهدَا [اهدأ عروس". فكف ابن، على رسلك] يا ابن عروس وقال: احْرِزْ م حْرِز

يا تونس" [دعاء معناه الإقرار بأن نجاة تونس بمحرز، فهو الذي أحرزها ونجاها]. وأما في التاريخ، فقد توفي محرز في عام 413 ه، وتوفي ابن عروس في عام 868 ه. وآخرُ الأنشطة العلمية التي دارت أعمالها على شخصية محرز، ندوةُ "محرز بن خلف في عصره

وعصرنا"، نُظمت في المكتبة الوطنية التونسية بمناسبة مئويته الميلادية، في.2023/1/28

يسخر أيضًا من لباس النائبات الإسلاميات: طويل فضفاض كأنه لباس حارزة، ويعتبرهن عديمات ذوق، قياسًا إلى رؤية للأناقة تحصرها في الهيئة الأوروبية. ثم يتسلق النبز إلى رتبة أخرى، فيسمّي كل

نائبة حارزة، ويمحو المعاني الإيجابية كلها في اسم محرزية، ويمحو شخصية كل نائبة، ويجعلهن كتلة واحدة باهتة تعكس صورة نمطية مركبة من جميع الصفات السلبية في المرأة في المتخيل الشعبي. وتصبح هذه الصورة معيارًا لتقييم ثقافة النائبة ونشاطها السياسي. نُبزت سامية عبّو (نائبة في المجلس التأسيسي، ثم في البرلمان) ب "العيّاطه" لرفعها صوتها في مداخلاتها

البرلمانية. وكانت تُعدّ من نائبات الثورة، وحققت بمداخلاتها القوية في مساءلة المسؤولين شعبية كبيرة. ووصفها جمهورُها المنوع ب "اللبؤة" لردودها الحاسمة على عبير موسي والغنوشي وغيرهما. فإذا

أغضبت بكلامها جزءًا من جمهورها، وإذا وافقت "موسي" في مسألة تَغيّرَ رأي الجمهور، فأخرجوها

من "الصف الثوري"، وسموْها "العيّاطه" (الشديدة الصراخ، أو التي لا تحسن إلّ الصراخ)، وقرنوها

ب "الزغراطه" (عبير موسي)، وقالوا إنهما "وجهان لعملة واحدة". سُمي نائب "التيار الديمقراطي" "هشام عَجْبُوني" ب  "هشام جَعْبوني". أخُِذ النبز من العامية "جَعْبون"،

وتعني المتكلف الذي يحشر أنفه في ما لا يُتقنه ويدعي معرفة كل شيء. وللكلمة صلة بال "جَعْبة"

(القناة، مثل قناة الماء ونحوها) التي تُطلق على المدعي والمتعاظم والمتفاخر بصفات ليست فيه. وتجري في الاستعمال اليومي عبارةُ "الطيِّبْ جَعْبَة"، وهي اسمُ علَم وهمي لتسمية من هذه صفته.

وتُستعمل من الجذر نفسه كلمة/  فِعل "يتْجُوعِبْ"، أي يدعي ما  ليس له، ويتظاهر بمعارف أو خبرة

لا يملكها. وتعمل الصورة المركبة من المفردات الثلاث (جعبون، جعبة، يتجوعب) على محو المعاني الإيجابية التي يمكن أن تُستفاد من "عجْبوني"، وأهمها الإعجاب المقترن عند التونسي بأغنية شعبية

جزائرية شهيرة في تونس: "يا صالح يا صالح يا قمح البَلْيُونِي، وعيون على صالح كحُلْ وعَجْبوني".

فالسياسة بهذا المعنى "تجُوعِيبْ"، أي ادعاء لا  معرفة معه ولا خبرة ولا مبدأ. ينبّه هذا المعنى على ظاهرة الطروء على السياسة بعد الثورة. فقد نجمَ أشخاص لم يكن لهم ماضٍ

سياسي معروف، وقدموا أنفسهم على أنهم مستقلون، لا يقيّدهم انتماء سياسي ولا أيديولوجيا. ومنهم

من قال إنه ترك في بلد إقامته في الخارج الوظيفةَ الرفيعة والراتبَ الكبير وجاء لخدمة وطنه. ثم انتموا

إلى أحزاب سياسية، وعُيّن بعضهم في مناصب وزارية. ويُطلق عليهم نبز جامع يُستعمل بصيغتين:

"القولدن بوي/ الفتيان الذهبيون". ودعُوا أيضًا بأنباز خاصة، فسُمي رئيس الحكومة يوسف الشاهد

/(آب أغسطس 2016 – شباط/ فبراير 2020) ب "فتى السفارة"، لأنه كان موظفًا في السفارة الأميركية في تونس؛ ودُعي مهدي جمعة وهو رئيس حكومة أيضًا (كانون الثاني/ يناير 2014 – شباط/ فبراير 2015) ب "مهدي طوطال"، لأنه كان يعمل في شركة توتال الفرنسية. وأرادت آمال كربول وزيرة السياحة في

((1(وترجموا النبز بشتيمةٍ هي "سامية هَبْ هَبْ". و"هَبْ هَبْ" حكايةُ صوت الكلب. 2(((ينظر مثً: "تونس – الفتيان الذهبيون والمشاريع الصدئة"، حربوشة نيوز، 2021/2/25، شوهد في 2023/3/5، في:

https://shorturl.at/ntNTX. ويسمون أيضًا "تكنوخراب"، لأنهم قُدِّموا إلى الناس باعتبارهم "تكنوقراطيين"، تعلّموا في الخارج

ويملكون كفاءات كبيرة. فقلب النبز هذا المعنى وجعلهم مهندسي الخراب.

حكومة مهدي جمعة أن تقول "تسامح الأديان"، فقالت: "تسامح الديون"، فسُمّيت بهذا النبز. ولا يتقن معظم "الفتيان الذهبيين" العربية، ومنهم من لا يتكلمها، بل يستعمل اللهجةَ التونسية واللغة الفرنسية. تعني ظاهرة الطروء على السياسة دخول أفواج من التونسيين إلى ميدان العمل السياسي بعد الثورة، ومنهم من كان "أميًا" سياسيًا، ومن كان محدود الثقافة والخبرة، ولم يكن للأعم الغالب منهم ثقافة سياسية تؤهلهم للتصدي للمشكلات السياسية الكثيرة في بلد كان غارقًا في الدكتاتورية، وذاكرته الجماعية مثخنة بجراح الصراع الأيديولوجي. ومنهم من كان مقيمًا في الخارج، موظفًا في وظائف سامية وشركات كبيرة، وكان له تحصيل علمي جيد، لكنه مجرد من التجربة السياسية. وأطلق الحبيب بوعجيلة على الطارئين على السياسة اسم "البدون سيرة سياسية"، وهو نوع من النبز. ولا يعني نبزُ هؤلاء استثناءَ من له تجربة سياسية ومساهمة نظرية أو عملية في العمل السياسي في تونس. بل يعني أن النبزَ معيارٌ لتقييم السياسيين، فيُنبز من له تاريخ بتاريخه، ويُنبز من لا تاريخ له بأنه بلا تاريخ. وتدل

هذه المعضلة على أن الثقافة السياسية السائدة مبرمَجة لاختراع الانقسام وصناعة الصراع. تشكّل أنباز النواب صورتهم عند الناس: تجردهم من صفتهم النيابية السياسية، وتغمرهم بصفات من اليومي العامي تجتمع فيها معاني "التزغريط" و"الطحين" والكذب والجنس... وكل ما نُبز به نائب يَلْزَم عند النابز حزبه، لأنه هو الذي خرّجه وقدّمه وأوصله إلى البرلمان. ثم تكثف الأنباز في تسمية النواب

"نوائب"، وتسمية البرلمان "سِيركْ"، أي إنه ميدان تهريج وتمثيل وضحالة فكرية، و"حَمامْ نْسَا"، تعبيرًا عن تفاهة كلمات النواب وكثرة خصوماتهم وارتفاع أصواتهم، و"بَرْخرَابْ" لسوء أدائه وكارثية نتائجه. ثم تلقى التهمة على سبب خروج السياسيين من السجون ورجوعهم من المنافي وتحررهم من قيود القمع، فيتوجه النبز والشتيمة إلى الثورة والديمقراطية. وتُقصد الديمقراطية بالنبز لأنها البيئة التي تترجَم فيها أهداف الثورة وتتخلّق السياسة ويتشكل الوعي وتتكوّن الثقافة السياسية الديمقراطية. وهُندست الخصومة السياسية الأيديولوجية للإقناع بهذه الفكرة، ومثّل خطابُ الإهانة – ومنه النبز – والثقافةُ السطحية، طاقةً متجددة لإدامة الخصومة والصراع.

2(((نظّمت الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات والديمقراطية ندوة "المجتمع المدني والأحزاب: أية ع قااة اليوم؟ "، 3 كانون الأول/ ديسمبر 2022، وفيها قال أيمن البوغانمي في مداخلته: إنه ذهب إلى البرلمان في مهمة، فجرى حديث بينه وبين نائبة كانت تنتمي إلى كتلة برلمانية، ثم خرجت منها. قال: سألتها عن سبب خروجها، فقالت: اكتشفتُ أن الكتلة تشكلت لأسباب سياسية!".

ينظر: الهيئة الوطنية للدفاع عن الحريات والديمقراطية، "ندوة: المجتمع المدني والأحزاب السياسية، أي ع قااة؟"، فيسبوك، 2022/12/3، الدقيقة 61 وما بعدها، شوهد في 2023/3/4، في: https://shorturl.at/mAB28 (2((ينظر ما جمعه أحمد الزوابي: أحمد الزوابي، "منها الزغرادة والباراشوك والبراميل.. السجل الجديد للسِباب بين الأحزاب

والنواب"، ألترا تونس، 2020/7/18، شوهد في 2023/3/4، في: https://shorturl.at/aGW36 (2((تختزل التسمية معاني النميمة والغيبة وتجسس الأخبار والأحاديث التافهة والخصومات البذيئة. (2((من أشهر الأنباز التي ترذل الثورة: "الثورة مؤنث ثور"، و"ثورة البرويطة" (البَرْويطة، من الفرنسية Brouette وهي المِنْقلَة.ُ

والمقصود هنا عربة البوعزيزي). وتسمى الديمقراطية "الديمخراطية" (شتيمة). ثم كُثفت أنباز التجربة الديمقراطية في نبز واحد هو

"العشرية السوداء". ينظر قراءة عادل بن عبد الله في معنى التسمية: عادل بن عبد الله، "العشرية السوداء" أو الاستعارة الكبرى للقوى

الانقلابية في تونس"، عربي 21، 9/9/2022، شوهد في 5/1/2023، في: https://shorturl.at/pAFJO

3. الاتجاهات الفكرية والسياسية

يُستعمل لقب "الحَفْتَرِيشْ" لمخاطبة الجمع. وتُطلق هذه المفردة على من يعتبرهم المتكلم بلا  قيمة.

فكل من لم يكن عندهم نفع، أو كان كلامهم في مواضيع تافهة، أو كانوا أخلاطًا لا انسجام بينهم، أو كانوا دون مهارة منافسهم وتاريخه (في منافسات كرة القدم خاصة)، فهُم عند شاتمهم "حفتريش".

ثم أصبحت في السياق السياسي اسمًا أطلق على مؤيدي خليفة حفتر من التونسيين، وهم خليط من

اتجاهات سياسية وأيديولوجية جمعتهم الرغبة في إفشال الانتقال الديمقراطي. ويجمع هذا الاسم بين مفردة "الحفتريش" بمعناها الأول، ولقب خليفة حَفتر (بفتح الحاء في تونس)، وصيغة الفعل المضارع

"يحَفْتِرْ"، ويعني "يتدبر أمره بأي وسيلة"، ومنه اشتُقّت كلمة "حفَتْرِي". ولا  تجتمع هذه المعاني عند كل

من يستعمل لقب "الحفتريش"، فالفعل "يحَفْتِرْ"، والكلمة المشتقة منه "حفَتْرِي" يُستعملان في الجنوب

الشرقي خاصة، لكن اقترنت باللقب دلالةٌ سلبية، هي أن "الحفتريش" أخلاط من الناس لا فكرَ لهم

ولا مشروع ولا مبدأ، وهم شخصيات انتهازية تافهة متقلبة، همّها مصالحها. وقد يخص به مستعملُه

المدافعين عن سياسة حفتر في ليبيا، المنتظرين مساعدته لإنهاء التجربة الديمقراطية التونسية؛ وقد يعمّ به كل من يساند الانقلاب ويعارض الانتقال الديمقراطي من أجل عداوة أيديولوجية أو طائفية أو

منافع مادية. يُطلق "الحفتريش" أيضًا على المتحررين من قيم المجتمع وأخلاقه، والمطالبين بإغلاق الكتاتيب

وخفض أصوات المآذن، والداعين إلى المساواة التامة بين الرجل والمرأة، والمطالبين بعدم التقيد الحرفي بالأحكام الدينية، والفرانكفونيين المدافعين عن اللغة الفرنسية ومصالح فرنسا في تونس. ويسمى هؤلاء بالحداثيين، ويشتركون على اختلافهم في تأييد انقلاب قيس سعيّد على الدستور لأنه

أخرج الإسلاميين من الحكم. وتطلق عليهم أنباز أخرى منها: "أيتام فرنسا" و"الصْبَايْحِيه" و"بيض الجراد"

و"أولاد مفيدة" و"حدَثُوتْ أَحْرنُوتْ". والمعنى المباشر في النبز الأول هو أنهم أبناء الاستعمار فكرًا

وثقافة وانتماءً، فعندما خرج المستعمر، بقي هؤلاء من غير حامٍ أجنبي، ولا أُ نسب تونسي، فيُتْمهم

مزدوج. "الصبَايْحِية" (م. "صبَايْحِي") في العهد الاستعماري، فِرقٌ عسكرية من التونسيين، فرنسيةُ التأسيس

والتدريب والولاء. ويعتبرها التونسيون رمز الخيانة. وكثر استعمال الكلمة بعد عام 2011 لنبْز المتهمين

بالولاء لفرنسا أو المعادين ل "الهوية" (العربية الإسلامية)، ونُبز بها أيضًا أتباع نظام بن علي، كما نُبزوا ب "الأزلام" و"أزلام بن علي/ النظام السابق". إلا أن نبز "الأزلام" يشير إلى المستفيدين من النظام في

((2(التركيب في صياغة الكلمة يجعلها بين النبز والشتيمة. (2((ينظر مثلً: أمل المكي، "الفرنكفونيون في تونس... 'أيتام فرنسا'؟ (2/1)"، ألترا تونس، 2018/8/8، شوهد في 2023/3/3، في:

https://shorturl.at/bmnEM؛ أمل المكي، "الفرنكفونيون في تونس... 'أيتام فرنسا'؟ (2/2)"، ألترا تونس، 2019/8/8، شوهد في

2023/3/3، في: https://tinyurl.com/2smkxfht

2(((ينظر مثلً: مريم الناصري، "مع إعادة النبش في العلاقات مع فرنسا... عودة مصطلح 'الصبايحية' إلى الواجهة"، ألترا تونس،

2019/9/29، شوهد في 2023/3/3، في: https://tinyurl.com/47m2c85f. وتنطق كلمة "الصبايحيه" بهمزة وصل خفيفة بعدها صاد ساكنة.

المواقع كلها التي احتلوها، ونبز "الصبايحية" يُظهر معنى الخيانة: خيانة الوطن بموالاة فرنسا، وخيانة

الشعب بموالاة النظام الذي تحميه فرنسا. ويبين "بيضُ الجراد" هذه المعاني من زاوية أخرى: ففرنسا (الجراد) لم تغادر الأرض التونسية إلّ بعد زراعة بيضها فيها، وللاستبداد أيضًا بيضه. وسيبقى الوطن مهددًا في هويته وحرية شعبه ما بقي هذا البيض فيه. أما "أولاد مفيدة"، فعنوان مسلسل تونسي يُبث في رمضان، ويركز تركيزًا كبيرًا على تعاطي المخدرات

وزنا المحارم والخيانة الزوجية. ويرى منتقدوه أنه لا يراعي حرمة شهر رمضان، ويستغل حقًا دستوريًا

هو حرية التعبير، فيبالغ في تصوير آفات اجتماعية لا  لمعالجتها، بل ليَألفها المشاهد ويعتبرها جزءًا

عاديًا من حياته. ثم اتخِذ العنوان نبزًا / اسمًا للداخلين في وصف "الحداثيين". ويقابله في السخرية من

الإسلاميين نبز "أولاد الشيخ"، أو "أولاد الغنوشي". وقد يُراد بمعنى البنوّة النسبَ المعنوي بين المقصود

بالنبز والشخص الذي يُنسب إليه؛ وقد يراد به أيضًا شتيمة جارية على ألسن كثيرين من التونسيين

في الخطاب اليومي. ويتداخل هذان المعنيان (النسب المعنوي والشتيمة) في استعمال آخر هو "أولاد بورقيبة"، الرئيس الأول. فأتباعه يطلقونه على المنتسبين إلى خطه الثقافي السياسي، ويفتخرون بذلك. ويستعمله معارضوه لشتم أتباعه بأنهم لقطاء. فقد جمع بورقيبة الأطفال المولودين خارج العلاقة الزوجية في قرى للأطفال تشرف عليها الحكومة، وترعى فيها الأطفال وتعلمهم، وسمّاهم

"أطفال بورقيبة". هذا التداخل في ذهن التونسيين بين المعنى الثقافي السياسي (النسب المعنوي) ومعنى اللقيط في الشتيمة الجارية والعبارة المشهورة "أولاد بورقيبة" هو الذي يوجه النبز في "أولاد مفيدة" و"أولاد الشيخ/ الغنوشي". ويغلب سياقُ النبز والشتم والصراعِ السياسي المعنى الثاني. من الأنباز التي تُطلق على الجمع "النمطُ"، سُمّيت به طائفة واسعة من التونسيين من اتجاهات حزبية

وسياسية وفكرية مختلفة، يجمعها "الخطابُ الحداثي"، ومعارضةُ الإسلام السياسي خاصة، ومنهم

من يتهمه معارضوه ب "معاداة" الدين. ويدافع هؤلاء "الحداثيون" عما يعتبرونه نموذجًا تونسيًا فريدًا،

ويجعلون من سماته التسامح والانفتاح والحداثة وتحرير المرأة... إلخ، فهو إذًا عنوان افتخار. لكنهم لا يقدمون تعريفًا دقيقًا ل "النمط المجتمعي التونسي"، وقد لا تدل آراؤهم على دفاع حقيقي عن

الحريات واعترافٍ بالمخالف السياسي وإيمانٍ بالتعدد. وقد جعلهم فرط استخدامهم لكلمة "النمط"، وغموضُ شعارهم، وتفاوتُ مواقفهم من الحريات والحقوق والتعدد، ودفاعُ بعضهم عن النظام غير الديمقراطي، غرضًا لخصومهم. فأصبحت الكلمة نبزًا عامًا يشتمل عليهم. وخُصصت نُخبتهم بأنباز

تنفي ما يقتضيه شعارُهم (الحداثةُ) من تعدد وحرية وديمقراطية... فسُميت "الإكليروس الحداثي"

و"الكنيسة الحداثية" و"الكهنوت الحداثي". ونُبز من اتهم منهم بالتطبيع الأكاديمي أو الفني أو

السياحي... وغير ذلك، ب  "حدَثُوتْ أحْرنُوتْ"، تحريفًا لاسم الصحيفة الإسرائيلية يديعوت أحرونوت. يكشف كل ما يُتبادل من أنباز في هذا المعنى عن صراع يقسم المجتمع التونسي وطرفيه الكبيرين

((2(العبارة شائعة في الخطاب اليومي التونسي، واشتهرت كثيرًا في قصيدة الشاعر العراقي مظفّر النوّاب "القدس عروس

عروبتكم."

الإسلاميين والعلمانيين، ويعبّر عنهما نبزان آخران: الأول "تونستان"، ويشير به "الحداثيون" إلى أن

غايةَ الإسلاميين تأسيسُ دولة دينية متطرفة في تونس؛ والثاني "بنو علمان"، ومعناه عند الإسلاميين

أن الحداثة والنمط المجتمعي وقضايا المرأة والجندر... وما إلى ذلك، شعارات لحقيقة واحدة هي تنصيب نخبة إقصائية، تحتكر الحكم وتتدين بعلمانية متطرفة وتؤبد تبعية تونس لفرنسا خاصة.

4. مفاهيم سياسية

يُقلب "الصاد" "سينًا" في المصالحة/ "المسالحة"، والمصلحة الوطنية/ "المسلحة" الوطنية. وللنبز صلة

بالسلْح، ف "المسالحة" تقترن في بعض التدوينات بعبارات منها "السالحون على الشعب الكريم دولةً

ومؤسساتٍ". وهو من "نبز المثقفين"، لأن كلمة السلح ليست متداولة، ولا  معروفة عند عامة الناس. يُعبّر "التصويت" في الانتخابات عن المسؤولية والحرية؛ إذ لا يكون إلا بعد وعي سياسي ورأي وإرادة

واختيار عقلي، أو هو تدريب على هذا كله. لكن النبز ينقله إلى جذر آخر، فيسميه "التسويط"، وهو

الضرب بالسوط في  اللهجة التونسية. ومن أمثلته: "حِرصًا على "المَسْلحة" الوطنية، يجري اﻵن "تمرير"

حكومة الفخفاخ (رئيس الحكومة بين شباط/ فبراير 2020 وتموز/ يوليو 2020)، ثم "التسويط" لها في اﻵجال"؛ و"ستكونون محل تسويط". ويتكرر النبز كثيرًا، فيتعدى السخرية الظاهرة إلى قصد تشويش

الثقافة السياسية الديمقراطية: يشوَّه المفهوم في الذهن، ويُنقل المواطن من ممارسة الحرية والمواطنة

والشعور بالمشاركة في بناء الديمقراطية إلى الشعور بالوقوع في العبودية. يُستبدل حرف الذال أيضًا بالضاد، في المناضل والنضال، فيقال: "المناذل" و"النذال". وقد اختفى أكثر

معاني النضال المعجمية، وغلب على الاستعمال المدرسي واليومي معنى واحد ثبّته العمل السياسي

في مقاومة الاستعمار والدكتاتورية، وهو أن النضال عمل بطولي من أجل الحرية والكرامة والسيادة. وقلْبُ الضاد ذ لً تحريفٌ يمحو كل ما اقترن بالكلمتين من معانٍ إيجابية مستفادة من تاريخ الحركة

الوطنية ونشاط المعارضة بعد الاستقلال، ويثبتُ معاني النذالة والخسة، ويَتهم النظامَ السياسي وأعوانه

برفع شعارات الوطنية ومقاومة الدكتاتورية من أجل منافع مادية رخيصة. وهذه صورة راسخة في الذاكرة الشعبية، فكل ما يسميه النظام منذ الاستقلال نض لً، ويجازي عليه بالمال والأوسمة، يوازيه عند الناس تصنيف سلبي يجمع المنتفعين من النظام المستبد برصيد نضال وهمي. فإذا استُعمل النبزُ نفسُه في

السخرية من المعارضة، أخذت صورة المناضل "الرسمي" في المتخيل الشعبي، وعُكست على ضحية الدكتاتورية، فسُمي "مناذلً". وصار المناضلان/ المناذلان متنافسين في النذالة. من خصائص هذا النبز أنه عام غيرُ مقيد بالعلَمية، يتنابزُ به الخصوم جميعهم. ومن نتائج التساهل في

استعماله ترذيلُ قيمة النضال، وازدراءُ المناضلين الذين سحقتهم دولة التسلط عقودًا طويلةً، وتكوينُ

المجتمع تمثلً سلبيًا لنفسه. فلا يرى التونسي مواطنه إلا نذلً. ويغرق النابز في ثقافة سياسية سطحية غير

ديمقراطية، يُمدّها خطاب الإهانة، فتُنتج في كل يوم أنبازًا وشتائم جديدة. وهذه ظاهرة معقدة لا يمكن

تفسيرها بالانحراف الأخلاقي، أو الخلل التعليمي، أو ضعف التدين... إلخ، بل هي هندسة دقيقة من أجل نتيجة محددة: تخريب الثقافة السياسية الديمقراطية وإفشال الانتقال الديمقراطي وتأبيد النظام التسلطي.

5. الرئاسة

نجح خصوم الرئيس الأسبق منصف المرزوقي في تثبيت شتيمة صارت علمًا له: "الطرطور"، واستعملوا

أيضًا نبزًا يحرّف اسمه إلى "الزقزوقي". وتُستعمل كلمة "زقزوق" في السخرية، لما قد تحيل إليه من

الخفة والعجلة. وأطلق النبز بصيغة قريبة على "محسن مرزوق"، فصار "محسن زقزوق" للعلة نفسها، كما يُفهم من نبز آخر هو "محسن مَزْرُوبْ" (أي عجِل)، أو لما يروّجونه في "مغامراته الجنسية" التي

ملؤوا موقع فيسبوك بالحديث عنها، ولا سيما لما اختار "المفتاح" رمزًا لحزبه "مشروع تونس". حُرِّف اسم قيس سعيّد، فصار "قيصصعيد" و"قيصعيد"، وحُرّف شعاره "تصحيح المسار"، فأصبح "تسحيح

المسار/ المصار". وسُمي "الإخشيدي" لتشبيهه وعودَ السياسيين للشعب بوعود كافور الإخشيدي

للمتنبي. ولم تكن الكلمة أولَ الأمر نبزًا، بل كانت قرينة على "ثقافة" سعيّد، أو على تميّز لغته. ثم

استُعملت للسخرية من ثقافته القديمة المحصورة في البرامج المدرسية. لكن تبنى أنصاره النبز، وسموا به صفحاتهم في فيسبوك (صفحة المنجل الإخشيدي الجارح)، واشتقوا منه الفعل "أخْشدَ"، أي أمضى فيه

الإخشيدي حكمه. فعندما  فاز في الدور الثاني من الرئاسيات، قالوا إنه "أخْشدَ" منافسه، ولماَ عزل وزيرًا

قالوا: "أخشَده". وسموا "دولته" "الدولة الإخشيدية العظيمة"، وانتسبوا إليه، فتسمّوا ب "الإخشيديين". سُمي أيضًا "قَيسْبُوكْ" للإشارة إلى أنه لم يفز في الانتخابات الرئاسية بقهوة وقارورة مياه معدنية كما يقول

أتباعه، بل فاز بجيش إلكتروني خفي. واخترع معارضوه "بوَّاسْ الأكتاف" من احتضانه الرئيس الفرنسي

إيمانويل ماكرون عندما زار فرنسا. وكنوا بهذا النبز عن العمالة لحديث سعيّد في لقاء صحافي في

باريس عن عدم حاجة فرنسا إلى الاعتذار عن جرائم الاحتلال، وقولِه إن الوجود الفرنسي في تونس كان حماية لا استعمارًا. واستعملوا "الدمية" للإشارة إلى أن الحكم تسيّره قوة خفية إقليمية – دولية،

واخترعوا نبز "قَيسْ ساطورْ" لاتهامه بأنه لا يقول الحقيقة، ولا سيما في الوعود بإنجاز المشاريع

(المدينة الطبية، القطار السريع... إلخ). وهذا النبز مأخوذ من اسم رجل تونسي يُدعى "أحمد ساطور"،

استُضيف في إحدى القنوات التلفزية ليتحدث عن بطولاته، وكان يروي قصصه كأنه يحدث بشيء واقعي، وهو يخترع قصصًا لا حقيقة لها. فصار اسمه مضرب المثل في الكذب. نُبز ب "زقفونة" لاستعماله هذه الكلمة عندما استقبل نور الدين الطبوبي، ثم قلّبها معارضوه على ستة

وجوه: "زقَفُونَة" و"زقَفُونَا" و"زقَفُونْ" و"زَقْفنَة" و"مُزَقْفَن" و"زقَافِنَة". والأنباز الثلاثة الأوائل تطلق على

سعيّد. والزقْفنة سياستُه وأسلوبُه في الحكم، والمزقْفَن الواحد من أتباعه، والزقافنة أنصارُه. نُبز ب "الضب" لروايته حكاية مثَلية فيها كلمة "الضب"، واستُعمل النبز مفردة، وفي عبارة "يا دين الضب"،

وهي تحريف ل "يا دين الرب"، العبارة الجاهزة التي يستعملها التونسيون للتعبير عن الاستغراب، وقد يكون استغرابًا ممزوجًا بحسرة.

((2(جرى الحوار في 23 حزيران/ يونيو 2020. ينظر مقاطع الفيديو وتعليقات التونسيين في: "على فرانس 24، قيس سعيّد حول

لائحة اعتذار فرنسا: تونس كانت تحت الحماية وليس الاستعمار المباشر وكما  يقول المثل الفرنسي من يعتذر يتهم نفسه"، باب نات، 2020/6/24، شوهد في 2023/3/6، في: https://tinyurl.com/m6h5ymv2

أطلق عليه أيضًا "الارتفاع الشاهق" بعدما وصف "الانفجار الثوري التونسي" الذي أوصله إلى الرئاسة ب "الصعود الشاهق في التاريخ". ولفتت العبارة النظر، لكنها لم تكن نبزًا أول الأمر، ولم تشع مثل

"زقفونة" و"الضب". فلما فُقدت سلع غذائية من الأسواق وتأخر صرف الرواتب عن التاريخ المعهود، وطالت الصفوف أمام المخابز والمغازات، كثُر تداول "الارتفاع الشاهق". ويضاف إليه أحيانًا الفعل "يشهق" للتعبير عن أزمة النظام واختناقه. استُعملت أنباز أخرى تصف سعيّد بالدكتاتورية والانفراد بالرأي، وأشهرها "الحاكم بأمره" و"صاحب

الدستور". والنبز الثاني كثيف الدلالة في التعبير عن رفض مراسيم سعيّد لإلغاء دستور عام 2014،

وإجراء استشارة إلكترونية وتنظيم استفتاء شعبي وإصدار دستور جديد، أعدّه قيس سعيّد، ثم أقره

ووقّعه. ويعبّر عن هذه المعاني نبزُ "سِيدْنَا"، وهو في التاريخ لقب كان يطلق على الباي، وفي النبز

سخرية معناها أن حدَث 25 جويلية (تموز/ يوليو) ليس "تصحيح مسار"، بل تأسيس لحكم فردي مطلق، يحاكي استبدادَ نظام البايات. قُلب الكاف "ميمًا" في اسم نادية عكاشة (مديرة الديوان الرئاسي سابقًا)، فقيل "عماشة"، من العمَش،

تعريضًا بعدم الرؤية وسياسة الخبط وغموض المآل. ولما استقالت/ قيلت ووُصفت بالمُستقالَة. أُ

والكلمة بهذه الصيغة معروفة في مواقع الإنترنت، لكن استعمالها في السياق التونسي يشير إلى التضارب في خبر استقالة/ إقالة نادية عكاشة. فقد أعلنت في تدوينة على فيسبوك (24 كانون الثاني/ يناير 2022) أنها استقالت، ورجت الرئيس قبول استقالتها. ثم أصدر الرئيس بعد يوم أمرًا ينهي فيه مهماتها في إدارة

الديوان الرئاسي. فاستعمل المعارضون وصفًا يمزج وزن اسم الفاعل (مستقيل) بوزن اسم المفعول (مُقَال). وتشير الصيغة إلى غموض الخبر، وتعبّر تعبيرًا مكثفًا عن عدم فهم ما يجري في القصر

الرئاسي.

6. الجمعيات والنقابات والصحافة

قُلب حرف "الجيم" في "المجتمع المدني" "شينًا": "المشتمع المدني". ولا يحيل القلب هنا على

شيء، لكنه نوع من السخرية كما  في عبثِ التونسيين بطاء "خطيبي" في كلام الفتيات، فيكتبون على لسانهن "خَطْشِيبِي"، وهو تحريف مأخوذ من لهجة الجريد التونسي في نطق الطاء "طاءً" و"شينًا"

مدغمين. وسمي الصحافي حمزة البلومي ب "حمزة الفبروكي" لإدانته باختلاق (فبْركة، من الفرنسية

Fabriquer) ملفات إعلامية لتشويه شخصيات ومؤسسات. وقُلب لقب لطفي العماري "الحماري"،

و"اسْتُف يدَ" (كلمة تعني الوشاية، وتُطلق على الذين يوظفهم النظام السياسي وُشاة)، لأنه يُتهم بأنه

كان يكتب تقارير في خصوم النظام قبل عام 2011. وحُرّف اسم نور الدين الطبوبي، الأمين العام

للاتحاد العام التونسي للشغل، فصار "لَخْلَمِينلْعَامْ" (الأخ الأمين العام)، و"نور الدين كَرْشَة"، و"نور

الدين العام التونسي للشغل". والنبز الأول سخرية من كيفية نطق النقابيين صفة الطبوبي، والثاني

(3((ينظر بعض أنباز سعيّد: أحمد الزوابي، "الإخشيدي و'قيس بوك' و'نظام قيس'... طرائف ومنحوتات لغوية تفاعلً مع قيس

سعيّد"، ألترا تونس، 2019/11/4، شوهد في 2023/3/3، في: https://tinyurl.com/5zm2pzy8

يستبدل بلقبه كلمةَ "كرشة" (أحشاء الخروف)، لأنه كان موظفًا في شركة لحوم، ولذلك يطلق عليه أيضًا: "الجزار" و"المرَاقْزِي" (بائع النقانق) تعريضًا بمهنته وضعف تحصيله العلمي. والثالث يمزج اسم

الطبوبي باسم الاتحاد، وأظن أن فيه سخرية من ديمقراطية قيادة الاتحاد، فمواقفُ المكتب التنفيذي واختياراته لا تعبر عند منتقديه عن مواقف المكاتب الجهوية، وسياستُه لا تمثل قواعده المؤلفة من

مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية. فكأن قيادة المكتب التنفيذي هي الاتحاد كله. وتتراكم هذه الأنباز وما يرافقها من صور وشتائم ووقائع حتى تحجب تجربةَ الطبوبي النقابية وتساهم في إنهاك

الاتحاد العام التونسي للشغل وتجريد الشعب من أكبر منظمة للدفاع عنه. ويعبّر عن هذه النتيجة نبز

مباشر شاع كثيرًا في تعليقات الإسلاميين، هو "اتحاد الخراب"، ونبزان ساخران: أولهما كلمة "الخيمة"

التي استعملها النقابيون للدلالة على أن الاتحاد مؤسسة جامعة للتونسيين، فقلَبها الساخرون نبزًا.

فالخيمة في التعبير صورةٌ بدوية رثة، ولا حقيقة لها في الواقع لخضوع الاتحاد في نظر النابزين لنفوذ اتجاهات أيديولوجية تعادي الإسلاميين معاداة جذرية. وثانيهما "أكبر قوة في البلاد"، وهو جزء من الشعار النقابي "الاتحادْ الاتحادْ.. أكبرْ قوة في البلادْ"، ثم قُلب نبزًا. ف "أكبر قوة في البلاد" شعار يصْدق

في الديمقراطية ويكْذب في دولة التسلط، أي إن الاتحاد كان كبيرًا في عشرية الانتقال الديمقراطي:

نظم الإضرابات الكثيرة، وأشرف على "الحوار الوطني"، وشارك في الحكومات. وعندما وقع الانقلاب (25 تموز/ يوليو)، خفت صوته واختفت قوته، بل أيدت قيادتُه الانقلاب. ومعنى هذه المقابلة في نظر النابزين أن قوة الاتحاد ليست ذاتية، بل هي هبةُ الديمقراطية، وأنه استعملها لتخريب الانتقال الديمقراطي، فاستحق اسم "اتحاد الخراب".

7. الشخصيات الأكاديمية العامة

حُرّف اسم أبي يعرب المرزوقي (أستاذ جامعي ومستشار رئيس الحكومة الأولى في حكم الترويكا)

إلى "أبو يضرب التكروري". و"يضرب" فعل يُستعمل في اللهجة التونسية بمعنى "يتناول" و"يأخذ".

و"التكروري" هو القنب الهندي. وينقل النبز المقصودَ به من إنتاج الأفكار (أستاذ فلسفة/ متفلسف) وإبداع الحلول (مستشار) إلى تعاطي المخدرات، ينتجها ليتعاطاها! ونُعت هشام جعيط (ت. 1 حزيران/ يونيو 2021) ب "الخوانجي" لموقفه الإيجابي من الرئيس منصف المرزوقي. واتهم يوسف الصديق بانتهاكه مقدسات الإسلام وشربه الخمر، فسُمي "يوسف السكير"

و"يوسف الزنديق". وسُمي محمد الطالبي (ت. 1 أيار/ مايو 2017) "أبا جهل" و"تمساح الصحراء"

و"المومياء". وتدل أنباز أخرى على احتقار المثقفين عامة، ومن أشهرها "النقبة المثقفة" و"المُخَمِّمْ". ويُطلق

أولهما على نخبة "التيار الحداثي" الذي يسمى في أنباز أخرى "النمط" و"الحدثوت"... و"النقبة"

(3((من أهمها مشاركةُ الاتحاد في حكومات الانتقال الديمقراطي، ثم انقلابه على تاريخه بتسميته عشرية الانتقال ب "العشرية السوداء"، وعقدُه المؤتمر الاستثنائي (تشرين الأول/ أكتوبر 2020)، على الرغم من معارضة قيادات نقابية رفضت تنقيح الفصل 20

من القانون الأساسي. وعُقد المؤتمر ونُقح الفصل الذي يشرط الترشح لعضوية المكتب التنفيذي بولايتين فقط. وتمكنت قيادة

الاتحاد من تجاوز هذا الشرط. فوصفها نقابيون بالانقلابية، وطالبوها باحترام مبادئ الديمقراطية.

هي الثقب، ومعناها في النبز أن هؤلاء لا ينتجون شيئًا مفيدًا، كالثقب لا يمسك شيئًا. ولها أيضًا معنى

جنسي سلبي Passive، وهو المقصود عادةً. و"المُخَمّمْ" هو المفكر، من الفعل "يخَممْ" أي يفكر في الشيء. وكثيرًا ما يدل الفعلُ في الاستعمال

على الحيرة والتردد والعجز. وأهم دلالات النبز الاحتقارُ بحصر مشاغل "المخمم" في ما لا نفع فيه،

وقد يضاف إليه نعت سلبي لزيادة الازدراء، كما في "المخمم الانقيادي"، أي "المفكر القيادي". تسقط من الاعتبار في معاملة هذه الشخصيات قيم احترام العِلم والفكر والمثقف والكبير كلها، وتنكمش مساحة الحوار، ويصبح النبز لغة تخاطب، ومعيار تقييم. ومعظم مستعمليه كتلة بشرية تجمعها ثقافة عامية سطحية تشكل بنية تفكير عامة، وإن بدت في ظاهر مواقفها متباينة الاتجاهات الفكرية والسياسية. ويعمل النبز – وهذا دوره الخطر – على محو التمايز بين النخبة والعامة/ العامي، ويُسقط النخبة من مكانتها الاعتبارية، ويرقّي العامة إلى مرتبة التقييم والحكم والقيادة.

ثالثًا: النبز والثقافة السياسية

بيّنتُ في الفقرة السابقة أن الأنباز تتعلق بجميع ما يشتمل عليه مفهوم الثقافة السياسية، وذكرتُ في

استنتاجات جزئية أن الأنباز في مرحلة الانتقال الديمقراطي خطابُ ثقافة سياسية. وهو ما سأوضحه

الآن ببيان انقسام النخبة التونسية وفشلها في إنجاز التسوية السياسية. تُقسم النخبة التونسية إلى تيارين كبيرين: الأول "العائلة الديمقراطية"، وهذا هو اسمها الجامع وعنوان هويتها وشعارها السياسي. وتخصص بنعوت، منها الحداثية والوطنية والتقدمية والاجتماعية والدستورية والتجمعية. وقد يكون النعت تأكيدًا للاسم ومرادفًا شارحًا، مثل "العائلة الحداثية"، حيث

يشير النعت إلى مشروعها، وهو الحداثة الفكرية والسياسية بمرجعيتها الغربية، وقد يكون تمييزًا

للعائلة الديمقراطية من غيرها من التيارات السياسية، أو تمييزًا بين الاتجاهات السياسية المنتمية إليها.

فصفة "الوطنية" تتضمن تمييزًا بين الأحزاب العلمانية والأحزاب الإسلامية، والكلمتان متقابلتان في

الاستعمال. وصفة "التقدمية" تميز اليسار والقوميين في "العائلة الديمقراطية". وصفة "الاجتماعية" تميز اليسار أيضًا لتبنّيه شعار الدفاع عن حقوق العمال والطبقة الوسطى، ونعت "الدستورية" يميز المنتسبين إلى الحركة الدستورية/ حزب الدستور، وأعني بالمنتسبين إليها الذين يطلبون ريعها السياسي والاجتماعي، فيرفعون شعارات الحركة الدستورية بعدما ذهب مؤسسوها وزعماؤها. وقد تخصص "العائلة الدستورية" بصفة "التجمعية" لتسمية المنتسبين إلى "التجمع الدستوري الديمقراطي" (حزب بن علي). وهي تسمية تترجم الصراع على الإرث البورقيبي النوفمبري. وتنتمي "العائلة الديمقراطية"

(3((يراجع: عادل بن عبد  الله، "هل توجد 'عائلة ديمقراطية' في تونس"، عربي 21، 2019/8/30، شوهد في 2023/3/3، في: https://tinyurl.com/2taevstx. ويعتبر بن عبد الله من أكثر الكتاب التونسيين نقدًا ل "النمط" والمنظومة القديمة والتوافق بالصيغة

التي جرى بها. (3((استعمال تونسي يعني إرث بورقيبة الرئيس الأول، وإرث بن علي الرئيس الثاني. والنوفمبري نسبة إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، الذي وقع في اليوم السابع منه انقلاب زين العابدين بن علي على بورقيبة.

بجميع اتجاهاتها إلى "السردية البورقيبية" التي تعتبر نفسها ممثلة التنوير والحداثة في تونس: تأسيسًا

وتطويرًا وحماية، وترفض أن يكون لها شريك إلّ بشروطها، وفي إطارها. لكن مواقف مكونات هذه

العائلة من الديمقراطية متفاوتة، فمنهم من يدافع عنها، ومنهم من يتحفظ عن مشاركة الإسلاميين مثلً، أو عن محالفتهم، ومنهم من يرفع الشعارات الديمقراطية، ولا يتردد في دعم الدكتاتورية. والتيار الثاني الإسلاميون، وأعني في هذا البحث حركة النهضة خاصةً، لأنها أكبر حزب إسلامي منظم، أعلن عن نشاطه السياسي منذ 6 حزيران/ يونيو 1981، ولها اليوم قاعدة شعبية واسعة، وساهمت في عملية الانتقال الديمقراطي. وهم يعتبرون الديمقراطية أمرًا وجوديًا، ويجدون أنفسهم مضطرين إلى

الانتظام في العملية الديمقراطية والدفاع عنها، ويرون أن أجهزة الدولة ومؤسساتها ومنظومة الحكم فيها تشترك كلها في رفضهم، وأنْ لا سبيل إلى الاعتراف بهم جسمًا قانونيًا، وشريكًا في الحكم محتم لً،

ومواطنين محفوظة حقوقهم، إلا في تجربة ديمقراطية ناجحة. لكن حاجة النهضة إلى الديمقراطية في مؤسسات الدولة ليست كحاجتها إليها داخل مؤسساتها. وقد بدت من زعيمها قرارات غير ديمقراطية في حركته، منها تصرفه في نتائج الانتخابات الداخلية في عام 2019 (إسقاط عبد اللطيف المكي وعبد الحميد الجلاصي مثلً من قائمات تونس الكبرى وتعيين الأول في دائرة الكاف، والثاني في دائرة نابل، ليتمكن الغنوشي من الترشح لمجلس النواب في دائرة تونس). تدل الأنباز على أن خصوم "العائلة الديمقراطية" يتمثلون طبيعتها ومشروعها وشعبيتها ودورها تمثلً أيديولوجيًا؛ فيعتبرونها دينًا مغلقًا لا فلسفة متطورة (الإكليروس الحداثي، الكنيسة الحداثية، الكهنوت

الحداثي، النمط، بنو علمان). ويرون أنها تعتبر نفسها الديمقراطية الوحيدة، وترفض كل من وُجد

خارجها. وأنها استطاعت تثبيت هذه "العقيدة" باستقرار منظومتها في السلطة منفردةً بها من موقعَي

الحكم والمعارضة معًا منذ الاستقلال. وحفظَ توازنَها وهيمنتَها التدافعُ الداخلي بين ألوانها (الحداثية،

العلمانية، الوطنية، التقدمية، البورقيبية، الدستورية، التجمعية) وهوياتها الجهوية (بِلْدِية (البلدية أصيلو

الحاضرة تونس، والمقصود عائلات النفوذ خاصة)، سْوَاحْلِية (سكان الساحل، وقد بقيت نخبة منهم

في السلطة منذ الاستقلال)) ومصالحِها (اقتصاد الريع، الزبونية... إلخ). يرون أيضًا أن مشروعها حكمٌ تسلطي وتغريبٌ في الثقافة والتطبيع (الشبيحة، البراميل المتفجرة، النمط،

النقبة الثقافية، أولاد مفيدة، حدثوت أحرنوت). وليس الإيمان بالديمقراطية وضرورتها للمجتمع مسألة مبدئية في التيار المهيمن على العائلة، فمعنى الديمقراطية عندها هو حفظ "سلالتها الوطنية" التي يعبر عنها نبز "النمط". وعنوانُه الكبير النمطُ المجتمعي التونسي؛ ومُضمَراتُه النسخةُ البورقيبية من

المشروع الحداثي في الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع، ومنافعُ الدولةِ الماديةُ والرمزيةُ، وحراسةُ حدود "العائلة الديمقراطية".

(3((الساحل منطقة ساحلية في الوسط الشرقي التونسي، تتكون من ثلاث ولايات (محافظات): سوسة والمنستير والمهدية. وهي مناطق حضرية قديمة. وكان الرئيس الأول الحبيب بورقيبة من المنستير، ففضّل الساحل في التنمية والمناصب الحكومية. ويذكر منير

الشرفي أن ربع الحكومة كان من المنستير طوال حكم بورقيبة الذي استمر ثلاثين عامًا. ينظر التفاصيل في: منير الشرفي، وزراء

بورقيبة، ط  2 (تونس: دار أبولونيا،.)2017

هي عندهم أقلية لا شعبية لها ولا وزن (صفر فاصل، حفتريش) على طول استئثارها بالحكم الذي مكّنها من وسائل الدولة للاتصال بالناس وهندسة التعليم وصناعة الثقافة... إلخ، فهي لذلك لا تقبل الديمقراطية، ولا يضمن بقاءها وسيطرتها ومصالحها، إلّ الأنظمةُ الدكتاتورية. هي في نظرهم وظيفيةٌ في دورها (أيتام فرنسا، الصبايحية، بيض الجراد، اليسار الوظيفي، بنو طحنون، طحاحين) تقود الثورة المضادة، وتنفذ مشروعًا استعماريًا فرنسيًا خاصة. وتمنعها وظيفيّتها من المشاركة

في انتقال ديمقراطي يؤسس لحكم وطني مستقل استقلالً حقيقيًا. لكل وجه من هذه الوجوه ما يقابله في تمثّل العائلة الديمقراطية للإسلاميين. فهم "دواعش" يتظاهرون بالاعتدال، ويخفون مشروع "أسلمة" المجتمع واضطهاد المرأة (تونستان)، ويحاولون اختراق مؤسسات الدولة (غواصة) للتمكين لأتباعهم ونهب اقتصاد البلاد (نهبة، نكبة، تعويضات)، ويوظفون الدين في غاياتهم السياسية، ولولا ذلك ما كثر أتباعهم (تجار الدين)، ويتلقون التعليمات من تركيا وقطر (قردوغان، قطرائيل) ويفرّطون في استقلال الدولة وسيادتها. المجال الكبير الذي نشط فيه النبز هو معضلة التعايش بين العلمانيين والإسلاميين، ففيه يتجدد صراع سياسي ما زال محكومًا بإرث الخصومة الأيديولوجية بين التيارين منذ أواخر السبعينيات في الجامعة، ولم تمكن المراجعات القليلة من تخفيف حدة الانقسام ومحاصرة الخطاب السلبي المانع التقارب السياسي. وفيه يخوض الطرفان صراعًا أيديولوجيًا حادًا وُظف لإذكاء العداوة وتعميق الانقسام

الاجتماعي. وقد أنتج هذا الواقع مشهدًا مركبًا ملتبسًا: عداوة أيديولوجية موروثة، وخصومة فكرية

غير منتجة، وحكومات رخوة، ونقابات متطاولة، وإعلام موجَّه، وأزمات اجتماعية واقتصادية وأمنية

متراكمة، وانتقال ديمقراطي متعثر بعد ثورة لم يستعد لها أحد، ولم توجّهها قيادة معروفة. في واقع الانقسام الاجتماعي الحاد، قادت هذه النخبة الانتقال الديمقراطي، وكان يُنتظر منها إجراء تسوية سياسية "تاريخية" ليتعايش العلمانيون والإسلاميون، ويتجاوزوا صراع الهوية الذي حكم العلاقات بين التيارين. فتعترف "العائلة الديمقراطية" بدخول ألوان جديدة في الحياة السياسية القانونية، أهمها اللون الإسلامي بهويته العربية الإسلامية وانتمائه الاجتماعي الهامشي ومصالحه الرمزية والمادية. وقد وُجدت في "العائلة الديمقراطية" شخصيات تدعو إلى التوافق مع حركة "النهضة" (أكبر حزب سياسي إسلامي) من أشهرها الباجي قايد السبسي (رئيس الوزراء في الفترة

((3("صفر فاصل" نبز أطلق على الأحزاب اليسارية والقومية و"الليبرالية" التي كانت نسبة نتائجها في الانتخابات ضئيلة جدًا،

ويعني أن لا وزن لها في الواقع، ولا شعبية. (3((أهم نصوص المراجعة وثائقُ "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات". ينظر: "وثائق هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات بتونس"،

نشاز، شوهد في 2023/3/3، في: https://shorturl.at/CEW49. وهيئة 18 أكتوبر هي إطار عمل سياسي شكلته شخصيات وأحزاب

تونسية معارضة في كانون الأول/ ديسمبر 2005. في مراجعات الإس ماايين في تونس، ينظر: صالح كركر، الحركة الإس مااية

وإشكاليات النهضة (باريس: [د. ن].، 1998)؛ ينظر أيضًا دراسة مقارنة بين مراجعة صالح كركر (تونس) وسعد الدين العثماني

(المغرب) في: الأزهر الصقري، "الإسلام العلماني أو العلمانية المقنعة"، مركز نهوض للدراسات والبحوث، 2021/3/29، شوهد في

2023/3/6، في: https://shorturl.at/vCDVY

شباط/ فبراير 2011 – كانون الأول/ ديسمبر 2011؛ ورئيس الجمهورية بين كانون الأول/ ديسمبر 2014 حتى وفاته في 25 تموز/ يوليو 2019). واعتُبر توافق الشيخين (لقاء السبسي والغنوشي في باريس في 15 آب/ أغسطس 2013) شرطًا ضروريًا لبناء ثقافة سياسية جديدة، تتجاوز تاريخ الإقصاء

والاستقطاب الثنائي بين الدساترة والإسلاميين. لكن ثقافة النبز سرعان ما اشتملت على هذا التوافق، فنُعت الباجي ب "البيّوع"، ووصف خطاب التوافق والوحدة الوطنية بأنه خطاب تكاذب، تستهلكه نخبة

سياسية ولوبيات لا تطلب به إلّ مصالحها الخاصة، وقاوم معارضوه من "العائلة الديمقراطية" تحوّله

إلى "تسوية تاريخية"، وحبسوه في حدود "التوافق بين الشيخين"، وشاركهم معارضوه من الإسلاميين في تسميته "التوافق المغشوش"، ووصف بعض الإسلاميين قادتهم ب "الأيادي المرتعشة" لعجزهم وخضوعهم لشروط المنظومة القديمة. ومن مواقف العجز التي يعددونها مساهمة الإسلاميين في إسقاط "قانون تحصين الثورة" في أيار/ مايو 2014، والتصديق على قانون المصالحة الوطنية" في أيلول/ سبتمبر 2017، و"التطبيع" مع المنظومة القديمة التي كانوا يتهمونها باضطهادهم قبل الثورة، والاعترافُ بأن التوافق ينبغي له أن يكون في "بيت بورقيبة"، أي بالانتظام في السردية البورقيبية. يعني انتشارُ الأنباز وحماسة الناس في ترويجها واستواؤهم في استعمالها، العامي والمتعلم

والصحافي والأستاذ والجامعي... إلخ، أن النبز تعبير عن ثقافة سياسية غير ديمقراطية، تكونت قبل الثورة والانتقال الديمقراطي، وليس في قيمها ومفاهيمها الإيمانُ بالرأي المخالف والتعدد والحرية والديمقراطية... إلخ، وإن هي رفعت الشعارات الديمقراطية كلها. وتساهم الأنباز في تفسير عجز النخبة التونسية في مرحلة الانتقال الديمقراطي. فالانهماك في التعبير به عن الموقف السياسي والفكري ينحط بالنخبة إلى عامية الجمهور، ويصبح منتجًا لسلوكها/ انفعالها السياسي، ويحتحت

(يُسقط) قيمتها الاعتبارية عند الناس.

خاتمة

النبز في عشرية الديمقراطية في تونس مدخل لدراسة الثقافة السياسية، يبيّن جانبًا مهمًا من خطة

محاصرة الديمقراطية وقتل السياسة لإعادة نظام التسلط، ويشرح كيف ساهم أنصار الثورة أيضًا في الوصول إلى هذا المصير وهم يظنون أنهم يبنون الديمقراطية. ويمكن استنتاج خلاصتين مما تقدم: الأولى أن الأنباز تبيّن تاريخية الثقافة السياسية وقوة صلتها بالنظام السياسي والنظام الاجتماعي. فخطاب

الإهانة، ومنه النبز، لم تنتجه الثورة ولا الديمقراطية، لكنه ثمرة ثقافة سياسية تشكلت في دولة التسلط والاستبداد، ثم استعملتها أدواتُها بعد الثورة لتعطيل الانتقال الديمقراطي وإفشاله. ولم يكن ممكنًا، بعد ثورة مفاجئة، التحكم في العداوات الكامنة والأحقاد القديمة والجروح النفسية الغائرة، ولا تكوينُ ثقافة سياسية ديمقراطية دفعة واحدة. فاهتم التونسيون بالشأن العام وخاضوا في قضايا الانتقال بثقافتهم السياسية المكتسبة، ولم ينتبه أنصار الثورة والديمقراطية إلى ضرر مجاراة التنابز والتشاتم، فلم يقتصدوا في استعمال خطاب الإهانة وهم يظنون أنهم يدافعون به عن الديمقراطية ويؤسسونها. الثانية أن الأنباز تبين وجود مسارين متوازيين: الأول متخيل هو الانتقال الديمقراطي بجميع مفرداته: الحرية، الديمقراطية،

حقوق الإنسان، المواطنة، البرلمان، النظام البرلماني، المجتمع المدني، التأسيس، التوافق... إلخ. وهو متخيل لأنه مسار خطابي في جوهره، لم يكن البناء الديمقراطي فيه ترجمة لثقافة سياسية ديمقراطية مشتركة، ولم يُراكم المنجزُ السياسي نتائجَ اقتصادية تنعكس على واقع الناس. والثاني واقعي هو الانقسام

المفضي إلى عودة نظام التسلط بأنبازه كلها: النكبة، النهبة، البرخراب، اتحاد الخراب، صفر فاصل، الزغراطة، العياطة، الحارزة، الإكليروس الحداثي... إلخ، وهو واقعي لأنه منجَز جماعي، هندسه وقاده

خصوم الديمقراطية، وشارك فيه بغير وعي أنصارها، ولأنه تعبير عن الثقافة السياسية المحددة للموقف السياسي، الموجهة إلى النخبة وجمهور الأحزاب من المتعلمين ومن عامة المواطنين. وتدل سهولةُ اختراع النبز وكثرةُ تداوله وسرعةُ انتشاره وإطلاقُه على كل شيء واستواءُ الناس في استعماله على أنه صار

مكونًا مركزيًا في الثقافة السياسية التونسية، واستُبدِل بالخطابِ السياسي المنظم المعقلن. فتناولَ مؤسسي

دولة الاستقلال والشخصيات المعارضة والشخصيات العلمية والمفاهيم السياسية والأحزاب... إلخ، وعمّم "منهج" نبش العيوب في تقييم الأشخاص و"نقد" الأفكار حتى غدا الموقف السلبي معيارًا مهيمنًا

في تحديد الرأي السياسي. وأدى هذا كله إلى تبديد المعنى السياسي وتعميم السخرية والتفاهة، وضرب إمكان التفاهم في إطار سياسي ديمقراطي: أصاب الذاكرة المشتركة، فصار الماضي الوطني موضوعًا لنزاع مستمر، وعمّق الانقسام الأيديولوجي والاجتماعي والجهوي لإفشال الانتقال الديمقراطي والحيلولة

دون نجاح الديمقراطية واستقرارها. تنويه وتقدير أشكر أصدقاء كرامًا ساعدوني في إنجاز هذا البحث: سمية المكي (جامعة قطر، كلية الآداب والعلوم)

التي قدمت قائمة مركزة في مقالات لسانية في خطاب الإهانة، وعبد  الله ترْوَايتْ (جامعة قابس، المعهد

العالي للعلوم الإنسانية في مدنين، تونس) لجهده الكبير في توفير قائمة طويلة في دراسات لسانية لخطاب الإهانة بالفرنسية، وقرأ الأزهر الصقري (جامعة قابس، المعهد العالي للعلوم الإنسانية في مدنين) مخطوطة الدراسة، وأبدى ملاحظات نقدية رصينة، وأفادني بمعرفته الدقيقة بالمشهد السياسي التونسي.

المراجع

References

العربية

ابن أبي  الضياف، أحمد. إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان. لجنة من وزارة الشؤون الثقافية (محرر). تونس: الدار العربية للكتاب،.2001 بشارة، عزمي. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،

________. الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2020

الشرفي، منير. وزراء بورقيبة. ط  2. تونس: دار أبولونيا،.2017 الصقري، الأزهر. "الإسلام العلماني أو العلمانية المقنعة". بحوث ودراسات. مركز نهوض للدراسات والبحوث. 2021/3/29:. في vCDVY / at. shorturl:// https الطريحي، الشيخ فخر  الدين. مجمع البحرين. تحقيق أحمد الحسيني. بيروت: مؤسسة التاريخ العربي،.2007 كركر، صالح. الحركة الإسلامية وإشكاليات النهضة. باريس: [د. ن].، 1998. لينك، بروس ج. وجو ك. فيلان. "مفهمة الوصمة". ترجمة ثائر ديب. عمران. مج  8، العدد 31 (كانون الثاني/ يناير.)2020 المنشاوي، عمرو. قاموس الشتائم المصرية: أصول وحكايات الشتائم. القاهرة: مؤسسة إبداع للترجمة والنشر والتوزيع، 2017. النوبختي، أبو محمد الحسن بن  موسى. كتاب فرق الشيعة. عنى بتصحيحه هلموت ريتر. النشريات الإسلامية 4. إسطنبول: مطبعة الدولة، 1931. "وثائق هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات بتونس". نشاز. في: 49 CEW / at. shorturl:// https

الأجنبية

Addas, Reski Kartini. "Analysis of Insult as Humor in the Context of Politics Through Stand–up Comedy Show." Journal of Language, Literature and Teaching. vol. 4, no. 2

Adjanohoun, Maxime J. R. & Julien K. Gbaguidi. "Analyse substantielle des énoncés insultantes en Fͻngbè." Akofena. no. 3 (Octobre 2020). Ben Rejeb, Bourguiba (dir.). Le parler révolutionnaire: Ruptures et dérives. Tunis: Institut Supérieur des langues de Tunis, 2017. "L’injure, la société, l’islam une anthropologie de l’injure." REMMM. no. 103–104 (2004). at: https://bit.ly/3O0RlfR Lagorgette, Dominique et al. Les insultes en français: De la recherche fondamentale à ses applications. Chambéry: Presses universitaires Savoie Mont Blanc, 2009. ________. "Insultes et conflit: De la provocation à la résolution–et retour?." Akofena. no. 3 (Octobre 2020). at: https://shorturl.at/cfhCP Larguèche, Évelyne. "Adresse indirecte et injure?." Cahiers de littérature orale. vol. 7

Leguy, Cécile & Évelyne Larguèche (dir.). "L’adresse indirecte ou la parole détournée." Cahiers de littérature orale. vol. 7 (2011). at: https://shorturl.at/BMX78

Leong, Alvin Ping. "The Language of Insults: A Look at Theme, Rheme and Negative Inferences." Explorations in English Language and Linguistics. vol. 10, no. 1 (2022). Masquelier, Bertrand. "Dire et chanter des mots qui fâchent." Cahiers de littérature orale. vol. 7 (2011). Mellet, Caroline (dir.). "De l’insulte." Cahiers de praxématique. vol. 58 (2012). Oger, Claire. "La conflictualité en discours: Le recours à l’injure dans les arènes publiques." Argumentation et analyse du discours. Août 2012. at: https://shorturl.at/DINS7 Rosier, Laurence. Petit traité de l’insulte. Charleroi: Editions Labor, 2007. ________. (dir.). "Insulte, violence verbale, argumentation." Argumentation et analyse du discours. Août 2012. at: https://shorturl.at/ekxzH Corbier, Mireille & Gilles Sauron (dir.). Langages et communication: Ecrits, images, sons. Paris: Éditions Du Comite Des Travaux Historiques et Scientifiques, 2017.