العودة إلى تفاصيل المؤلَّف صمود عابر للمناطق: ردود اللاجئين على أنظمة القمع المتعدّدة في مخيم برج البراجنة

صمود عابر للمناطق: ردود اللاجئين على أنظمة القمع المتعدّدة في مخيم برج البراجنة

Trans–Territorial Sumud: Refugee Responses to Multiple Systems of Oppression in Burj Barajneh Camp

رامي رميلة| Rami Rmeileh *

الملخّص

تقدم هذه الدراسة إطارًا مفاهيميًا يستكشف أهمية "الصمود" بوصفه جانبًا أساسيًا في حياة الفلسطينيين، يتحدى نظريات المرونة والصدمة الأورو–أميركية، من خلال التركيز على الصمود باعتباره أداة تحليلية. وتستكشف الدراسة الإمكانات التحويلية للصمود في مواجهة الظروف القمعية التي يواجهها الفلسطينيون خارج الأراضي المحتلة، وتركز على الفلسطينيين المقيمين في مخيم برج البراجنة، في سياق الاستعمار الاستيطاني والدولة اللبنانية، وتحلل مدى صلة الصمود في سياقات زمنية ومكانية محددة، كاشفةً عن تجارب واستجابات منوعة للقمع. وتستند الدراسة إلى مقابلات شبه منظمة وملاحظات ميدانية واستبيانات أجريت بين عامي 2019 و2022، وتكشف أيضًا عن التنوع في استجابات الفلسطينيين للقمع، وتؤكد أهمية السرد والعمل الجماعي في تحدي العنف الاستعماري الاستيطاني، وكذلك أهمية جوهر الصمود التحرري.

Abstract

Abstract: This paper introduces a conceptual framework to examine the importance of " sumud " as a fundamental aspect of Palestinian life that challenges Euro– American theories of resilience and trauma. By emphasizing sumud as an analytical tool, it explores its transformative potential for challenging oppressive conditions faced by Palestinians beyond the Occupied Territories. The study focuses on Palestinians residing in the Bourj el–Barajneh camp, within the context of settler colonialism and the Lebanese state. It analyses sumud’s relevance in specific temporal and spatial contexts, revealing diverse experiences and responses to oppression. The research draws on semi–structured interviews, field observations, and questionnaires conducted between 2019 and 2022. The study reveals the heterogeneity of Palestinian responses to oppression and emphasizes the importance of storytelling and collective action in challenging settler colonial and postcolonial state violence, underlining sumud’s liberatory essence.

الكلمات المفتاحية:
  • صمود
  • مقاومة
  • الوعي النقدي
  • استعمار استيطاني
  • اللاجئون الفلسطينيون
Keywords:
  • Sumud (Steadfastness)
  • Resistance
  • Critical Consciousness
  • Settler Colonialism
  • Palestinian Refugees

Trans–Territorial Sumud: Refugee Responses to

Multiple Systems of Oppression in Burj Barajneh

Camp

ملخص: تقدم هذه الدراسة إطارًا مفاهيميًا يستكشف أهمية "الصمود" بوصفه جانبًا أساسيًا

في حياة الفلسطينيين، يتحدى نظريات المرونة والصدمة الأورو–أميركية، من خلال التركيز

على الصمود باعتباره أداة تحليلية. وتستكشف الدراسة الإمكانات التحويلية للصمود في

مواجهة الظروف القمعية التي يواجهها الفلسطينيون خارج الأراضي المحتلة، وتركز على

الفلسطينيين المقيمين في مخيم برج البراجنة، في سياق الاستعمار الاستيطاني والدولة

اللبنانية، وتحلل مدى صلة الصمود في سياقات زمنية ومكانية محددة، كاشفةً عن تجارب

واستجابات منوعة للقمع. وتستند الدراسة إلى مقابلات شبه منظمة وملاحظات ميدانية

واستبيانات أجريت بين عامي 2019 و 2022، وتكشف أيضًا عن التنوع في استجابات

الفلسطينيين للقمع، وتؤكد أهمية السرد والعمل الجماعي في تحدي العنف الاستعماري

الاستيطاني، وكذلك أهمية جوهر الصمود التحرري.

Abstract: This paper introduces a conceptual framework to examine the importance of " sumud " as a fundamental aspect of Palestinian life that challenges Euro– American theories of resilience and trauma. By emphasizing sumud as an analytical tool, it explores its transformative potential for challenging oppressive conditions faced by Palestinians beyond the Occupied Territories. The study focuses on Palestinians residing in the Bourj el–Barajneh camp, within the context of settler colonialism and the Lebanese state. It analyses sumud’s relevance in specific temporal and spatial contexts, revealing diverse experiences and responses to oppression. The research draws on semi–structured interviews, field observations, and questionnaires conducted between 2019 and 2022. The study reveals the heterogeneity of Palestinian responses to oppression and emphasizes the importance of storytelling and collective action in challenging settler colonial and postcolonial state violence, underlining sumud’s liberatory essence.

PhD researcher at the Institute of Arab and Islamic Studies, University of Exeter, UK. Email: rami.rmeileh@gmail.com

مقدمة

كثيرًا ما كانت الجماعات التي عانت الاستعمار والاستعمار الاستيطاني موضوع دراسات

وأدبيات واسعة، كُتبت، عادة، في جامعاتٍ أو مراكز في الدول ذاتها التي ارتكبت فيها تلك الفظائع، ما دفع نماذج مفهومية مثل "الصدمة" و"المرونة" Resilience و"المقاومة" لأن ترتحل بوصفها نظريّاتٍ من السياقات الأوروبية الأميركية إلى سياقات أخرى، فتؤثّر في فهمنا كيفية استجابة

الأفراد والجماعات للفظائع. ومع أنَّ هدف النظرية هو أن ترتحل أبعد من حدودها، فإنَّ عددًا من هذه النماذج المفهومية كانت تسترشد بفهم مركزي غربي، يبدي "إجحافًا معرفيًا"، ما يُهمّش إنتاج

معرفة مضادّة مستوحاة من أولئك الذين اختبروا الإجحاف المنهجي. فُرضَت هذه النماذج على جماعات أخرى من دون تفكّر في السياق السياسي والثقافي المحلّي. ومن المعروف أنَّ إدوارد سعيد (2003–1935) انتقد ما تنطوي عليه هذه المقاربة لإنتاج المعرفة وتطبيق النظرية من إغفال للسياق، بوصفها نظرية "مرتحلة" تتحدد بأنّها "نظرية منفصلة عن لحظة إفصاحها الحياتية الواقعية الأصلية ومطبَّقة على مكان وزمان آخرين، بغضّ النظر عن النتيجة". وألحّ سعيد أيضًا على

الحاجة إلى تجاوز الاقتصار على استعارة النظريّات وتعديلها، باتجاه توسيع حدود هذه النظريات

تبعًا للزمان والمكان المميِّزين لكلّ دراسة. يستكشف هذا البحث، باستخدام البيانات التجريبية، الأبعاد الانفعالية والنفسية الذاتية لتجارب اللاجئين الفلسطينيين، بالعلاقة مع النسيج المادي والاجتماعي لمخيّم برج البراجنة للاجئين

الفلسطينيين في لبنان. غالبًا ما يُفرَط في بحث التجارب المعيشة للجماعة الفلسطينية العالمية إلى

الحدّ الذي يجعل معاناتهم موضعًا لاختبار أطر عمل مفهومية غربية واستنساخها. ولهذا يُقِّر هذا

البحث بالعنف الإبستيمولوجي (المعرفي) الذي يُقصي المعرفة المحلّية ويقوّضها، ما يقود في النهاية

إلى إبادة معرفية: قتل متعمّد للمعرفة. وهذا ما  يدفع هذا البحث لأن ينخرط في مقاومة معرفية

ترفض ترجمة النضال الفلسطيني إلى ثنائيتي المرونة/ المقاومة أو المنفعل/ الفاعل، كما يرفض حصر الفلسطينيين في نماذج مرضية مثل الصدمة، القلق، الاكتئاب. يقدّم هذا البحث إطارَ عملٍ مفهوميًا بديلً، ينعش الصمود ويُعزّزه بصفته طريقة حياةٍ فلسطينية تتضمّن

(1) Boaventura de Sousa Santos, Epistemologies of the South: Justice against Epistemicide (New York: Routledge, 2014); Edward Said, Reflections on Exile and Other Essays (Cambridge: Harvard University Press, 2000). (2) David Damrosch, World Literature in Theory (Oxford: Wiley, 2014), p. 115; Derek Summerfield, "A Critique of Seven Assumptions Behind Psychological Trauma Programmes in War–Affected Areas," Social Science & Medicine , vol. 48, no. 10 (May 1999), pp. 1449–1462. (3) Ferial Ghouzal, Edward Said and Critical Decolonization (Cairo: American University in Cairo Press, 2007), p. 140. (4) Said. (5) Santos.

(((اشتقاقيًا، ظهرت مفردة الصمود في مذكرات داعي الدعاة في الدولة الفاطمية المؤيَّد في الدّين الشّيرازيّ السّلْمانيّ (ت. 470 ه)

وفي شعر أبي وَجْزة السَّعْديّ (ت. 130 ه)، وكلاهما  يشير إلى الصمود بوصفه صفةً مشبهةً أو مصدرًا. يُنظر: معجم الدوحة التاريخي

للغة العربية، شوهد في 2023/7/20، في: https://tinyurl.com/26mp4z4j

كًّلًّ من التفكّر والفعل اللذين يُغيّران معًا واقع الفلسطينيين تحت الاضطهاد. وفي هذا السياق، يعمل

الصمود مدخلً لاستكشاف "معرفة الواقع التجريبية" لدى الفلسطينيين في مخيم برج البراجنة، وهو واقع متوضّع ضمن علاقات للقوة أوسع، خصوصًا ما تعلّق بالاستعمار الاستيطاني والدولة اللبنانية. فما يمارسه نظام إسرائيل الاستعماري الاستيطاني من قوة وعنف يتعدّى حدود فلسطين التاريخية، مؤّثرًا في حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. يُعيد هذا البحث التأكيد على أنَّ الفلسطينيين وتجاربهم ديدنها التغاير، وكذلك استجاباتهم للفظائع، وذلك عبر استكشاف الصمود بوصفه مفهومًا تحليليًا، واقتفاء جاذبيته في زمان ومكان معيّنين، وتحرّي

عمله ضمن تشكيلات اجتماعية محدّدة. وتشير المكتشفات إلى أنَّ التفكّر والفعل أساسيان لممارسة الصمود، فضروب التفكّر يضخّمها قصّ الحوادث المختلفة في تاريخ الفلسطينيين المتغاير وتذكّرها. ومن خلال المقارنة، فإنَّ الفعل – الذي تسلّط عليه هذه القصص الضوء – يرشد ردود الأفراد والجماعة على العنف الاستعماري الاستيطاني (الإسرائيلي) وعنف الدولة ما بعد الاستعمارية (اللبنانية).

أولا: فرضيات البحث ومنهجيته

يقدّم المبحث الأول تعليقًا مفهوميًا مطواّلً عن الجديد في م أدعوه دراسات الصمود، حيث أجريتُ

مراجعةً منهجيةً للأدبيات في هذا الموضوع بالبحث في PsycInfo و Scholar Google. واخترتُ أولهما لأنه يغطّي الأبحاث النفسية والاجتماعية، بينما يتضمّن الثاني حقولً عديدة. كانت لغة البحث الأساسية الإنكليزية، واشتملت معايير الاختيار على وجود "الصمود" في العنوان، واشتمال خلاصة البحث على واحد أو أكثر من المصطلحين التاليين: المرونة، المقاومة. وقام التعليق المفهومي على مراجعة كتاب واحد نُشر في عام 1983، و 28 مقالة (2022–2007)، وخمسة أعمال غير منشورة (ثلاث أطروحات دكتوراه ورسالتا ماجستير). كان أربعة من المؤلّفين في هذه المجموعة فلسطينيين، بخلاف البقية. واستخدمت الدراسات كلها تقريبًا مقاربة نوعية وأجرت أبحاثها في الضفّة الغربية والقدس. تتيح

لنا مثل هذه المراجعة المنهجية للأدبيات أن نراجع على نحوٍ نقديّ المعرفة المُنتجة حول الصمود، وأن نقدّم بديلً مفكّكًا للاستعمار. يستخدم المبحث الثاني نموذجًا كيفيًا ومقاربةً متعددة الاختصاصات كي يقدّم مث لً على مقاربة

مفكّكة للاستعمار تبحث في الصمود عبر تحليلٍ موجز لدراسة حالة في مخيم برج البراجنة. وقد اخترت النموذج الكيفي لكونه يأخذ في الحسبان العوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية المعقّدة التي

(7) Pablo Freire, Pedagogy of the Oppressed (New York: The Continuum Publishing Corporation, 1970). (8) Ibid., p. 134.

(((ملاحظة عن التموضع: أنا لاجئ فلسطيني من الجيل الثالث، من مخيم برج البراجنة للاجئين في لبنان. عادة ما يواجه الباحثون الذين يقومون بالمقابلات والعمل الميداني تحديّات عملية تنبع من هوياتهم، والحواجز اللغوية، والنصوص الاجتماعية، والثقافية.

هذه المشكلات تيسّرت نتيجة انتمائي إلى الجماعة الثقافية نفسها.

تؤدي دورًا في خصوصية الصمود. وبناء عليه، فإن أسئلة البحث الشاملة هي: ما  دور الصمود في

العلاقة مع تشكيلات القوة المختلفة التي تصوغ تجربة اللاجئ الفلسطيني في مخيم برج البراجنة؟ وكيف يؤدَّى ويُعبّر عنه؟ عولجت أسئلة البحث من خلال ثماني مقابلات شبه منظّمة، أجريت في عامُ 2020 مع ثمانية من اللاجئين الفلسطينيين الرجال القاطنين في مخيم برج البراجنة من الجيل الثاني والثالث والرابع، إضافةً

إلى أربع مقابلات غير رسمية وملاحظات ميدانية أجريت في أيّارُ/ مايو 2022 فلسطينيات مع نساءٍ

من الجيل الثاني يعشن في المخيّم. ويعتمد هذا البحث على بيانات منشورة وغير منشورة من تقريرٍ

أجري في عامُ 2019 مع 60 لاجئًا فلسطينيًا في لبنان، كان 20 منهم يعيشون في مخيم برج البراجنة.

دارت أسئلة المقابلة والاستبيان حول الحياة اليومية للمشاركين باستقصاء ثلاثة مجالات: 1. التحدّيات والصعوبات في الحياة اليومية، 2. الرد على هذه التحدّيات واستراتيجياته، 3. فهم الصمود وتقاطعاته مع المجالين السابقين. حُلّلت الإجابات المُقدّمة بعد ذلك من خلال عمليّتين تحليليتين: أولً، استعملتُ تحليلً موضوعيًا

لتحرّي أوجه التشابه والاختلاف ضمن البيانات التجريبية (المقابلات والاستبيانات). أظهرت المرحلة

الأولى للتحليل مجموعة من القصص سردها المشاركون، وحُلِّلت وعُرضت في جدول (نوع القصة،

الراوي، السياق، المغزى). أمّا العملية التحليلية الثانية المُستخدمة لتحليل القصص، فكانت تحليلً

. أتاح لي هذا التحليل الإقرار Interpretative Phenomenological Analysis (IPA) ظاهراتيًا تأويليًا

بالتأثيرات المتعددة لتجربة أو قصة ووضعها في سياقها، وفي "توضّعها التاريخي والثقافي بما فيه اللغة والأعراف والممارسات الاجتماعية". وكشف تحليل القصص سيولة زمنية وجغرافية للصمود. ثمّ

حُلِّلت، بمزيد من التحليل، صلة قصص الصمود بالأفعال التي ترشدها وتلهمها في حياة المشاركين

الحاضرة بربط التحديات التي ذكرها المشاركون بموضوعين يتعلقان بمنظومتي اضطهاد: 1. لبنان بوصفها دولة ما بعد استعمارية، 2. إسرائيل بوصفها دولة استعمار استيطاني.

ثانيًا: قضيّة مخيم برج البراجنة

يركّز هذا البحث على قضية مخيم برج البراجنة، وتحديدًا على دور الصمود بوصفه ممارسة فلسطينية قاعدية شعبية عضوية ضمن المخيّم، بخلاف استخدامها الفوقي من طرف منظمة التحرير

الفلسطينية. وتستكشف مقتطفات المُقابلين الحوادث التاريخية المختلفة التي حوّلت الصمود إلى

ممارسة فلسطينية قاعدية سائلة وشعبية أكثر دينامية. وبذلك تسلّط هذه القصص الضوء على الكيفية تقتصر على  التي يرد بها الصمود على العنف الممارَس على الفلسطينيين في مواقع شتّى – لا

(10) Virginia Braun & Victoria Clarke, Successful Qualitative Research: A Practical Guide for Beginners (London: Sage, 2013). (11) Virginia Eatough & Jonathan A. Smith, "I feel like a Scrambled Egg in my Head: An Idiographic Case Study of Meaning Making and Anger Using Interpretative Phenomenological Analysis," Psychology and psychotherapy: Theory, Research and Practice , vol. 79, no. 1 (2006), pp. 115–135.

الأراضي الفلسطينية المحتلّة – وذلك في الوقت الذي تشدد فيه على استعادة الصمود للشعب بوصفه ممارسة ثورية. وهنا، أستكشفُ الصمود عبر قصص تأمّل الفلسطينيين في نضالاتهم الماضية

والحاضرة. اخترتُ دراسة حالة مخيم برج البراجنة استجابةً للحاجة إلى استكشاف الصمود أبعد من حدود فلسطين التاريخية؛ إذ يخفق معظم دراسات الصمود الموجودة في تمثيل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وكثيرًا ما  خلق عالم لبنان السياسي والديموغرافي والديني الطائفي بيئة

معادية للاجئين الفلسطينيين. وكان تفاعل هذه العوامل سببًا لمجازر ومجاعات وحصارات عدة،

ولإقصاء الفلسطينيين وتهميشهم في الآونة الأخيرة. ولا  تزال تلك الحوادث حاضرةً بقوة في روايات المخيمات التاريخية، ومحفورة في ذاكرة المقيمين فيها. ولا يزال الفلسطينيون في لبنان ضحية فظائع ارتكبتها قوى اضطهاد عديدة. على سبيل المثال، تتصدر النكبة بوصفها نض لً مستمرًا أعوام

التشريد والنفي والحرمان السياسي والتهميش والإقصاء والاضطهاد والسيطرة والحواجز والمضايقات والسَّجن والموت للفلسطينيين. والنكبة باعتبارها حادثًا في عام 1948 وشرطًا مستمرًا يعيشه اللاجئون

الفلسطينيون، هي نتيجة مباشرة للهدف الاستيطاني الإسرائيلي الرامي إلى محو الفلسطينيين (السكان الأصلانيين). تتعدى الغاية الصهيونية المتمثّلة بتهجير الفلسطينيين وتطهيرهم عرقيًا الأمكنة والأزمنة المحدودة،

متخطّيةً فلسطين التاريخية وعام 1948. مثال آخر على الفظائع التي واجهها الفلسطينيون في لبنان "الحرب على المخيمات من حركة أمل الشيعية" (1988–1985)، وما اشتملت عليه من هجمات شنيعة وحصارات واختطافات وقتل وتعذيب وتجويع وتلويث للمياه في مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة. وإلى يومنا هذا يعاني الفلسطينيون في لبنان ما تقوم به الدولة اللبنانية من إقصاء وتهميش وحرمان من الحقوق الاجتماعية والمدنية الأساسية، ما يُمكّن المنظمات غير الحكومية من التدّخل

وتأطير الفلسطينيين بوصفهم قضية إنسانية معزولة عن السياسة. هكذا تتكشّف حياة الفلسطينيين اليومية في لبنان ضمن ثلاث منظومات اضطهاد أساسية متشابكة: المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني، والنيوليبرالية، والدولة اللبنانية بوصفها نموذجًا عالميًا للتراكم الرأسمالي الذي يتغذّى

على الفساد والاستغلال. يعيش الفلسطينيون في لبنان مُوزّعين على اثني عشر مخيمًا للاجئين، ويسعون إلى التكيّف وتطوير

تكتيكات واستراتيجيات وممارسات مختلفة في وجه القوة والاضطهاد. ولذلك يسمح لنا التبصّر في

(12) Jeyda Hammad & Rachel Tribe, "Culturally informed resilience in Conflict Settings: A Literature Review of Sumud in the Occupied Palestinian Territories," International Review of Psychiatry , vol. 33, no. 1–2 (2021), pp. 132–

(13) Sawsan Abdulrahim & Marwan Khawaja, "The Cost of Being Palestinian in Lebanon," Journal of Ethnic and Migration Studies , vol. 37, no. 1 (2011), pp. 151–166. (14) Julie Peteet, Landscape of Hope and Despair: Palestinian Refugee Camps (Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2005).

معرفتهم التجريبية للواقع أن نلتقط الممارسة العملية للصمود وأدائه. وبناء عليه، يقوم هذا البحث في المقام الأولبتدخّلٍ مفهومي يتحرّى حدود مفهومي الصدمة والمرونة لدى تطبيقهما  على سياقات

الاستعمار الاستيطاني؛ إذ يوضح وضع الصمود في علاقته مع الاستعمار الاستيطاني سيولة الصمود، ويوسّع التحاليل الضيقة للنضال الفلسطيني باعتباره موضعًا في حادث (حوادث/) مكان (أمكنة)، مثل

النكبة والانتفاضات. ويكشف البحث، عوضًا عن ذلك، كيف يردّ الفلسطينيون في لبنان على أشكال مختلفة من العنف، منها الإقصاء والتمييز والنزوح والتطهير العرقي. يتخطّى تصدير الممارسة العملية للصمود بوصفه موضوعًا تحليليًا القيود المفهومية التي تحصر

الفلسطينيين في ثنائيات لا تمثّلهم. ولذلك أراجع نقديًّا أبحاثًا عن الصمود وقيودها، وأحلّل مخيم

برج البراجنة كدراسة حالة. وأشير إلى الصمود في هذا البحث بوصفه "نض لً مجسّدًا"، تعزز

المرونة والمقاومة فيه واحدتهما الأخرى، ولا تنفصلان عن إبستيمولوجيا النضال. وعلاوة على ذلك، فإنّ تأطير الصمود بصفته نض لً، يسمح للتجربة الفلسطينية بأن تمتد جغرافيًا ومفهوميًا

أبعد من الأراضي المحتلة لتشمل الجغرافيات الفلسطينية المتعددة، وأبعد من ثنائية المقاومة الفاعلة/ المنفعلة. ويلتقط تعطيل هذه الثنائية على نحو أفضل النضال الفردي والجماعي المنوع الذي يُبديه الفلسطينيون في أماكن عدة – من دون أن يكون محصورًا بالحواجز والمواجهات

العسكرية والانتفاضات، بل يشمل نضالات الفلسطينيين كلها من أجل البقاء والكرامة والتحرّر

والإنسانية.

ثالثًا: إبستيمولوجيا المُضطهَدين

عدّل باحثون من الجنوب العالمي نماذج الهيمنة مثل الصدمة والمرونة والمقاومة، ووسّعوها لتعكس

بشكل أفضل السياقات التي تُطبَّق فيها هذه النماذج. لكن تبقى النماذج المفهومية التي يستخدمها

هؤلاء الباحثون عاجزةً عن تجاوز حدود التخصص في الأوساط الأكاديمية، وهي ذاتها نوع من الاستعمار. لذلك يتطلّب البحث المفكك للاستعمار من الباحثين أن يبنوا على الأدبيات النقدية الموجودة التي تُبرز الحاجة إلى ممارسات مفكّكة للاستعمار، متعددة التخصصات. ويشير "تفكيك الاستعمار" هنا إلى: "الجهود الرامية إلى إعادة أنسنة العالم، وتحطيم تراتبات الاختلاف التي تنزع إنسانية الذوات والجماعات وتدمّر الطبيعة، وإلى إنتاج خطابات مضادة، ومعرفة مضادة، وأفعال خلّقة

مضادة، وممارسات مضادة تسعى إلى تفكيك الاستعمار وفتح المجال أمام عدة أشكال أخرى للوجود في العالم". يمكن استكشاف مصادر مضادة للمعرفة من خلال فهم الناس واقعهم، وفي حالات الإخضاع

(15) Kholoud Saber Barakat & Pierre Philippot, "Beyond Trauma, What Kept them Going? An Analysis of the Lives and Narratives of Five Syrian Women in Lebanon," Middle East–Topics & Arguments , vol. 11 (2018), pp. 44–57. (16) Nelson Maldonado–Torres, "Outline of Ten Theses on Coloniality and Decoloniality," Fondation Frantz Fanon (2016), p. 31, accessed on 25/7/2023, at: https://bit.ly/3OneQA5

الشديد، من خلال معرفة المضطهَدين أنفسهم. يتساءل صاحب نظرية تعلّم المقهورين باولو فريري (1997–1921): "من هو المهيّأ أكثر من المُضطهَدين لفهم الدلالة المريعة لمجتمعٍ مُضطهِد؟ [...]

لن ينال [المُضطهَدون] هذا التحرّر بالمصادفة، بل بممارسة سعيهم ورائه". والبحث المفكك

للاستعمار الذي يجب أن تمليه إبستيمولوجيا تتناول المُضطهَدين وممارساتهم وتصدر عنهم، هو بحث يوسّع فهمنا للكيفية التي يقاوم بها الأفراد والجماعات ويغيّرون وقائعهم اليومية في سعيهم

للتحرّر. تحدث هذه المقاومة ويحدث هذا التغيير من خلال أفعال منوعة تتعلق بأشكال مختلفة من

العنف الذي يختبرونه: ظاهر وخفي، سابق وحالي. ولا يمكن أن يبقى البحث المفكك للاستعمار من دون معرفة المُضطهَدين، تلك المعرفة التي يجب أن تكون راسخةً في ممارساتهم المجسّدة؛ كما يكتب عطا الله وآخرون: "تشدّد الممارسة المفككة للاستعمار على أنَّ الأنطولوجيات (الكينونات) والإبستيمولوجيات (المعارف) المركزية الأوروبية للشمال العالمي، ليست المصدر الصحيح الوحيد للمعرفة والكينونة". ولذلك يتوجّب على البحث المفكك للاستعمار عن فلسطين أن يتضمّن الصمود باعتباره إبستيمولوجيا بناها المُضطهَدون وتناقلتها الأجيال، والجهود المستمرّة من التفكّر

والفعل. فمن خلال هذه السيرورة، يعزز الصمود فهم الفلسطينيين الواعي لاضطهادهم ويُملي سعيهم للتحرّر. حين نُركّز في المقام الأول على المعرفة الأصلية في السياق الفلسطيني، يبرز الصمود باعتباره ممارسة فلسطينية للبقاء في مواجهة الاستعمار الاستيطاني والتشريد. ويعبّر الصمود عن قوة الفلسطينيين

والتزامهم الدفاع عن قضيتهم بالحفاظ على التزامهم تقرير مصيرهم، والتشبّث بأرضهم، وإيجاد

طرائق للبقاء والازدهار، على الرغم من الاستعمار الاستيطاني. لكن ركّز معظم الدراسات على الضفّة الغربية والأراضي المحتلّة، متجاهلًالشتات الفلسطيني، خصوصًا أولئك الذين يعيشون في مخيمات

اللاجئين. فهذه المخيمات، بغض النظر عن كونها خارج الأراضي المحتلّة، تُعتبر "فضاءات أُعيد فيها تجميع تشكيلات اجتماعية من فلسطين لتستمر في المنفى، وأعيد فيها خلقُ ثقافات وتقاليد من فلسطين وأداؤها". هكذا، أرى أنَّ هذه المخيمات تُنجب أشك لً قيّمةً من التجلّد والمثابرة

وممارسات الصمود والتغيير، نابعةً من "الإبداع والنضال والتسوية في التجربة الاجتماعية". يُغني إدراج المخيمات في التحليل الأكاديمي للصمود فهمنا لميزة الصمود العابر للمناطق الذي يمتدّ أبعد من فلسطين التاريخية ردًّا على الاستعمار الاستيطاني.

(17) Freire, p. 19. (18) Devin G. Atallah, Gonzalo Bacigalupe & Paula Repetto, "Centering at the Margins: Critical Community Resilience Praxis," Journal of Humanistic Psychology , vol. 61, no. 6 (2021), p. 567. (19) Hammad & Tribe, pp. 132–139. (20) Adam Ramadan, "Spatialising the Refugee Camp," Transactions of the Institute of British Geographers , vol. 38, no. 1 (2013), p. 74. (21) Dimitrios Theodossopoulos, "On De–Pathologizing Resistance," History and Anthropology , vol. 25, no. 4 (2014), p. 427.

رابعًا: كشف السيطرة الغربية: تحدّي الهيمنة في الإنتاج المعرفي لعلم النفس

للتفصيل أكثر في العنف الإبستيمولوجي – أو الإجحاف المعرفي – الذي فاقمته المؤسسات والباحثون ذوو النزعة المركزية الأوروبية، أنتقِدُ كيف تشابك إنتاج المعرفة في حقل علم النفس مع الاستعمار وفُصل تمامًا عن التحليل النقدي للاستعمار الاستيطاني. حظي مفهوم الاستعمار الاستيطاني بمكانة مركزية بالنسبة إلى الدراسات الفلسطينية منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، حين اهتمّ باحثون عديدون بتحليل أهداف المشروع الصهيوني في فلسطين

وتجلّياته. لكن يبقى الاستعمار الاستيطاني غائبًا عن أبحاث علم النفس التي تركّز بشدّة على "إضفاء

الطابع النفسي على الحياة، صارفةً الانتباه عن العنف الملموس أو المادي للتركيز بصورة حصرية على الأذى العاطفي أو النفسي". ولذلك يُركِّز علم النفس بشدّة على نماذج الصدمة أو اضطراب الشدّة

ما بعد الصدمة PTSD) (الذي يفترض بطبيعته ميزة "ما  البعد" على نضال ما زال مستمرًّا. ويُعاد إنتاج

هذا النوع من نماذج العلاج التقني الطبي الحيوي بكثافة في تدّخلات المنظمات غير الحكومية القائمة على أساس إنساني خيري، ويُجبَر الفلسطينيون على استخدام نماذج غربية حتى يُقَرُّ بمعاناتهم. تحذف

هذه النماذج التقنية الطبية الحيوية الشروط التاريخية والسياسية المحددة التي تُنتَج في ظلّها المعاناة، بينما تهمل في الوقت ذاته فاعلية المُضطهَدين الفردية والجماعية، ليصوَّر الفلسطينيون عوضًا عن ذلك

بصفتهم غير سياسيين، سلبيين، ومرضى، ما "يُضعف أخلاقيات مقاومة الاستعمار الاستيطاني التي

نجدها في حالة الصمود". تطرح هذه الهيمنة للنماذج الغربية في علم النفس السؤال الآتي: كيف تُؤثّر سرديات التاريخ المهيمنة في إنتاج المعرفة في علم النفس في ما يتعلق بسياقات الفظائع الجماعية؟ بل: كيف دُرسَت الجماعات

التي عانت الفظائع الجماعية أو نُظر إليها؟ طرح ديريك سمرفيلد هذه الأسئلة منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين، وساءلَ ازدياد "خبرة" الغرب في حقل الطب النفسي، مُكرّرًا: "من الذي لمعرفته مزايا،

ومن الذي لديه القدرة على تحديد المشكلة؟". يردّ مؤلفون مثل مالدونادو–توريس على تراتبيات السلطة هذه بإدخال مصطلح "كولونيالية" Coloniality الذي تمضي فيه ديناميات القوة أبعد من حدود الإدارة الاستعمارية كي تحدّد الثقافة والعمل وإنتاج المعرفة. وبالمثل، يُراجع غون وكيرماير الأسس

(2((يُنظر الأعمال المنشورة مؤخّرًا التي تتفحّص أبحاث علم النفس الاجتماعي في ما يخص الاستعمار والاستعمار الاستيطاني:

Nader Hakim et al., "Turning the Lens in the Study of Precarity: On Experimental Social Psychology’s Acquiescence to the Settler–Colonial Status Quo in Historic Palestine," British Journal of Social Psychology , vol. 62 (2022), pp. 21–38; Glenn Adams et al., "Psychology as a site for decolonial analysis," Journal of Social Issues , vol. 78, no. 2 (2022), p. 272. (23) Stephan Milich & Lamia Moghnieh, "Trauma: Social Realities and Cultural Texts," Middle East–Topics & Arguments , vol. 11 (2018), p. 17. (24) Summerfield, p. 1449. (25) Nelson Maldonado–Torres, "On the Coloniality of Human Rights," Revista Crítica de Ciências Sociais , vol. 114 (2017), pp. 117–136.

العلمية للدليل التشخيصي الإحصائي للاضطرابات العقلية (الطبعة الخامسة) IV DSM والتصنيف الدولي للأمراض (الطبعة الحادية عشر) 11 ICD–. ويصرّحان بأنَّ هذين الكُتيّبين "عملا  على

تقويض الفكرة المحلّية عن النفس والشخصية والهوية والكرب والصحة والشفاء حول العالم أو

إزاحتها"، كما "عملا  كأداة لتصدير قيمٍ ثقافيةٍ معيّنة، ولا  سيما قيم العلمانية، خصوصًا الفردانية". وبناء

عليه، يُظهِر التقييم النقدي لهاتين المقاربتين أن تطبيقهما المهيمن هو صيغة من الاستعمار، تظهر فيها

الصدمة بوصفها مقولة سريرية لا بوصفها حجاجًا سياسيًا. وهذا يعني أن الصدمة "يمكن أن تُتبنَّى

بسهولة لغايات ومصالح سياسية". على سبيل المثال، في مراجعة منهجية شملت 203 مقالات من مجلّت محكّمة عن صحّة الشباب

وصحة الأسرة في الشرق الأوسط، يُحيل منها ما يزيد على 72.9 في المئة إلى فلسطين واللاجئين

الفلسطينيين، ويشير 58 في المئة من مقالات هذه النسبة إلى أن لدى المشاركين مستويات مرتفعة من اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والعدوان. وتُقدّم مثل هذه الدراسات الفلسطينيين بصفتهم مرضى وعرضة للاضطرابات العقلية، ما يصمهم و"يُحرمهم من الثمار المحتملة المؤكّدة لقيمة

الحياة". وتركّزت أبحاث كثيرة على تأطير الفلسطينيين بصفتهم ذوات مريضة نفسيًا وغير سياسية،

مقو ضةً استراتيجياتهم المحلية في مجابهة المعاناة المتواصلة. هكذا يُقارَب الفلسطينيون من خلال

عدسة الضعف والمرض ومن منظور فرداني، عوضًا عن تفحّص الاستراتيجيات القائمة على الجماعة

والشعبية، واستراتيجيات القرابة والقوة والتضامن. بالنسبة إلى فلسطينيٍ في غزة قُصف منزله، فإنَّ خطر وجود مثل هذه المقاربة الفردانية يُبرز البنى

والمعايير الغربية ويفشل في تبيّن استراتيجيات بقاء أخرى قد يساهم فيها الأفراد أو يطوّرونها ضمن

جماعاتهم. ولا يترك هذا الخطاب في الطب النفسي وعلم النفس سوى فرص قليلة للمشاركين كي يُعبّروا عن معتقداتهم وقيمهم، المتشابكة مع هويتهم الجمعية وصحّتهم، ويعمل في الوقت ذاته على

إعادة إنتاج استجابة كونية شاملة للصدمة. مثل هذا النقد ليس معروفًا بين الأكاديميين فحسب، بل بين ممارسي الصحة النفسية أيضًا. تتساءل سماح جبر، رئيسة وحدة الصحة العقلية في وزارة الصحة

(26) Joseph P. Gone & Laurence J. Kirmayer, "On the Wisdom of Considering Culture and Context in Psychopathology," in: Theodore Millon, Robert F. Krueger & Erik Simonsen (eds.), Contemporary Directions in Psychopathology: Scientific Foundations of the DSM–V and ICD–11 (Guilford: The Guilford Press, 2010), pp. 72–96. (27) Didier Fassin, "The Humanitarian Politics of Testimony: Subjectification through Trauma in the Israeli–Palestinian Conflict," Cultural Anthropology , vol. 23, no. 3 (2008), p. 555. (28) Milich & Moghnieh, pp. 5–15. (29) B.D. Nelson et al., Examining the Needs of at–Risk Youth in the Middle East and North Africa: A Multi–Method Landscape Analysis and Systematic Literature Review (Boston, MA: Harvard Humanitarian Initiative 'Harvard University', 2015). (30) Viet Nguyen–Gillham et al., "Normalising the Abnormal: Palestinian Youth and the Contradictions of Resilience in Protracted Conflict," Health & Social Care in the Community , vol. 16, no. 3 (2008), p. 292. (31) Didier Fassin & Richard Rechtman, The Empire of Trauma: An Inquiry into the Condition of Victimhood (Princeton: Princeton University Press, 2009).

الفلسطينية، عن منهجية علم النفس التقليدية وإغفالها للسياق؛ فتقول: "القصف واقعي جدًا. ليس مُتخيللًاَّ [...]  يوجد 'ما بعد' لأن الصدمة متكرّرة وجارية ومتواصلة. أعتقدُ أنّنا نحتاج إلى أن نكون

صادقين بشأن تجاربنا، ولا نحاول أن نفرض على أنفسنا تجارب ليست لنا". كان لسطوة الطب النفسي الغربي العالمية المتزايدة أن تعطي الأولوية للبنى النفسية المرضية التي تستخدم "مقاربة خارجية" ومفروضة، فالنماذج مثل اضطراب ما بعد الصدمة هي نماذج مفروضة على نطاقٍ واسع، تُبدي عن تعتيم اجتماعي تاريخي يُهمِل الشروط المستمرّة التي تعيد إنتاج

المعاناة في سياقات يُحكَم عليها بأنّها "شرط ما بعديّ" (ما بعد حرب/ صراع). وبالمثل، تسلّط

لينا ميعاري الضوء على تصوير العديد من مراكز الأبحاث المعاناة الفلسطينية على نحو تظهر فيه على أنها ضحيّة مصدومة غير مسيّسة، كما تسلّط الضوء على الكيفية التي "تستولي بها [المنظمات

غير الحكومية] على التجارب الفلسطينية المحدّدة السياق لتضعها في تجربة نفسية شاملة وموحّدة

ومُتخيَّلة". وقد خلُصَت الدراسات والحالات التي قدّمتها من العمل مع مجموعات محدّدة (على

سبيل المثال، النساء والأطفال والسجناء)، إلى اقتراح رابطٍ حتمي بين تجاربهم وخطاب الصدمة،

وإلى تتبّع الأحداث "الصادمة" الكبرى (على سبيل المثال، الانتفاضات وحروب غزّة). ويشير

إبراهيم مكّاوي إلى خطاب الصدمة هذا في فلسطين، على أنه "اختزالي وضعي وفرداني بطبيعته ونطاقه". إنَّ تدخلّات الأكاديميين الفلسطينيين هذه تقدّم تأملات تمهيدية قيّمة باتجاه إعادة النظر

في الصدمة في الشروط الاستعمارية. لهذا السبب، ومن أجل تفكيك استعمار الخطاب القائم، يجب أن يُوضَع الصمود في حوار مع تحليل

النظام الصهيوني باعتباره مشروعًا استعماريًا استيطانيًا. في سياقات مختلفة ركّزت أبحاث أخرى

على: الناجين من الاغتصاب في رواندا، وعدم المساواة البنيوية والفقر في أفغانستان، وحركات حقوق الفلاحين في أميركا اللاتينية، والجماعات المدينية في جنوب أفريقيا. وبناءً على ذلك،

ليس تركيزي على الصمود بوصفه ممارسة شعبية فلسطينية ناجمًا عن كون القضية الفلسطينية حالة

(32) Olivia Glodhill, "Palestine’s Head of Mental Health Services Says PTSD is a Western Concept," Quartz , 21/1/2019. (33) Lena Meari, "Reconsidering Trauma: Towards a Palestinian Community Psychology," Journal of Community Psychology , vol. 43, no. 1 (2015), p. 79. (34) Ibrahim Makkawi, "Towards an Emerging Paradigm of Critical Community Psychology in Palestine," The Journal of Critical Psychology, Counselling and Psychotherapy (Summer 2009), p. 85. (35) Maggie Zraly & Laetitia Nyirazinyoye, "Don’t let the Suffering Make you Fade Away: An Ethnographic Study of Resilience Among Survivors of Genocide–Rape in Southern Rwanda," Social Science & Medicine , vol. 70, no. 10 (2010), pp. 1656–1664. (36) Mark Eggerman & Catherine Panter–Brick, "Suffering, Hope, and Entrapment: Resilience and Cultural Values in Afghanistan," Social Science & Medicine , vol. 71, no. 1 (2010), pp. 71–83. (37) Philip McManus, Relentless Persistence: Nonviolent Action in Latin America (Philadelphia: New Society Pub,

(38) Adrian D. Van Breda, "Developing the Notion of Ubuntu as African Theory for Social Work Practice," Social Work , vol. 55, no. 4 (2019), pp. 439–450.

فريدة؛ فالانتساب الوطني ووسم الممارسات أقل أهميةً من أنسابها وأهدافها وغاياتها. ويمكن وضع الصمود بوصفه ممارسة ضمن شبكات أوسع للقوة ومقاربته بوصفه موضوعًا تحليليًا يسلّط الضوء

على ضروب الاحتكاك والترابط واحتمالات التمزق، وبهذا يوفّر منظورًا أفضل يطل على التفصيلات التاريخية المحدّدة التي قد تقدّم – عند تفحّصها – فهمًا بديلً لسياسات النضال.

خامسًا: الصمود بوصفه موضوعًا تحليليًا

تنوعّت الإشارات إلى الصمود في الأدبيات الأكاديمية التي كتبها باحثون تحرّوا عن هذا الموضوع، فهو فكرة فلسطينية ومفهومٌ وطني ووعيٌ فلسطيني جمعي ومفهوم ثقافي ومثابرة جلودة،

ومقاومة بالوجود ومقاومة تغييرية. وغالبًا ما  يُقرَن الصمود بالمرونة الجمعية والاستراتيجيات

الأيديولوجية والسياسية والمقاومة اللاعنفية وبناء العلاقات والوحدة. وقد مضى تنظير الباحثين الفلسطينيين أبعد من النماذج المفهومية المتصلة بفكرتي المرونة والمقاومة، ليبرزوا عوضًا عن ذلك إبستيمولوجيا الصمود المفككة للاستعمار، ويشيروا إلى الصمود بوصفه ممارسة مناهضة للاستعمار وأداة ما بعد استعمارية للمقاومة. وكما يلاحظ إميل بدارين، فإن "استراتيجية الصمود (الثبات في الأرض) جديرة بالملاحظة على نحو خاص بسبب إبستيمولوجيته المفككة للاستعمار في ردّها على البنى الاستعمارية وممارسات الإزالة الصهيونية". لكنّه من الواضح أنَّ ما  من إجماع ولا فهم مشترك للصمود في الأوساط الأكاديمية، ومنبع ذلك غالبًا هو حقيقة أن تعريف الصمود وشكله يتأثران بالموقع

الجغرافي، واختصاص الباحث، وحضور الإطار المفهومي الاستعماري الاستيطاني في الدراسة البحثية أو غيابه. وعلى وجه الخصوص، فإنَّ البحث الذي ينخرط في النموذج الاستعماري الاستيطاني يميل إلى أن يسلّط الضوء على ما للصمود من "أنطولوجيا مفككة للاستعمار وإبستيمولوجيا مقاومة يناهضان معًا ضد المنطق الإقصاء الاستعماري الاستيطاني ويعبّئان ضده".

((3(إشارة إلى تقويمٍ وفحصٍ نقديين لمسار الصمود على نحو ما يُفصَح عنه جغرافيًا وزمنيًا في الأكاديميا والسياسة.

(40) Mohammad Marie, Ben Hannigan & Aled Jones, "Social Ecology of Resilience and Sumud of Palestinians," Health , vol. 22, no. 1 (2018), pp. 20–35. (41) Alexandra Rijke & Toine van Teeffelen, "To Exist Is to Resist: Sumud, Heroism, and the Everyday," Jerusalem Quarterly , vol. 59 (2014), pp. 86–99. (42) Jamal Raji Nassar & Roger Heacock, Intifada: Palestine at the Crossroads (Connecticut: Greenwood Publishing Group, 1990). (43) Spencer Rangitsch, "Tracing Symbolic Discourse of Steadfastness and Resistance: Collective Memory, Social Practive and Palestinian (trans) Nationalism," Master thesis, Central European University, Budapest, 2007. (44) Nijmeh Ali, "Active and Transformative Sumud among Palestinian Activists in Israel," in: Alaa Tartir & Timothy Seidel (eds.), Palestine and Rule of Power: Local Dissent vs. International Governance (Cham: Palgrave Macmillan, 2019), pp. 71–103. (45) Emile Badarin, "Localizing Resilience: Discursive Projections, Entrapments and Domination," British Journal of Middle Eastern Studies , vol. 15 (2021), pp. 515–530. (46) Ibid.

هذا ما يدفع بحثي إلى أن يتراجع قليلً ويقاوم إغراء الامتثال لواحد من أطر الصمود المحددة مسبقًا التي تُحدّ من سيولته الجغرافية والزمانية. أتبنّى، بدلً من ذلك، مقاربة متعددة التخصصات تعتمد على: 1. ما أنجزه الباحثون الفلسطينيون من أعمال تأخذ في الحسبان الذاتية الفلسطينية وتقارب الصمود انطلاقًا من إطار مفهومي استعماري استيطاني؛ 2. أعمال المفكّرين النقديين الذين شدّدوا على الحاجة إلى تعزيز تقاليد المُضطهَدين الإبستيمولوجية. يزيد اتخاذ مقاربة للصمود متعددة التخصصات من

تعقيد الأدبيات الحالية التي تميل إلى أن تُقاد بهدف مَفْهمَة الصمود ضمن إطار تخصص محدّد. ومن

خلال المقارنة، فإنني أشيح بوجهي عن التحاليل التي تسعى لتأريخ بنى الصمود المميزة، ولا تقارن بما يكفي بين ممارسات الصمود القاعدية الشعبية وأفعال القيادة الفلسطينية. وأكشف، عوضًا عن ذلك، ومن خلال إدراج بُعد اللاجئين الفلسطينيين المُضطهَدين الذين يعيشون في لبنان، كيف خلق

الفلسطينيون في لبنان جسرًا من المعرفة يمتّد عبر الأزمنة والجغرافيات الفلسطينية الخاصة. ينطوي

استكشاف هذا الجسر المعرفي على إمكان الكشف عن الكيفية التي يردّ بها الفلسطينيون على الفظائع وكذلك مساعدتنا في فهم أرحب للعلاقة بين الصمود والقيادة الفلسطينية السياسية (منظمة التحرير الفلسطينية). تأثرت البنية التحتية المتعدّدة الطبقات للصمود وتأثّر تعقيده بالحوادث المختلفة التي عاشها الفلسطينيون في مواقع جغرافية عدّة، وصاغت تلك البنية وذاك التعقيد. يرجع مفهوم الصمود إلى زمن الانتداب البريطاني، ولطالما كان جزءًا من الوعي الفلسطيني، وعكس تجارب الشعب اليومية في حياته تحت

الاضطهاد. أقصد ب "الوعي الفلسطيني" مفهوم فريري conscientizacao الذي يعني إدراك الشخص شرطه بالوعي، وليس بتعليم القيادة الجماهير، أي اللحظة التي يدرك فيها الأفراد أسباب اضطهادهم ويتصرّفون وفقًا لذلك. مثل هذا الإدراك هو جوهر ما يجعل الصمود ممارسة شعبية لا تُعلَّم بل تُعاش.

وقد ترجم الفلسطينيون هذا الوعي إلى ممارسات وأفعال تحرر منظَّمة وغير منظَّمة. ويمكن كشف الممارسات غير المنظَّمة واقتفاء أثرها باستكشاف تجارب الفلسطينيين اليومية في عيشهم شروط القهر الشديد، وهي ممارسات موثّقة بشدّة في المحفوظات غير المؤسّسية، مثل محفوظات التاريخ الشفوي

الفلسطيني. أمّا الممارسات المنظمة رسميًا، فمثلّتها ونسّقتها منظمة التحرير الفلسطينية، وهي محور

رئيس للمقاومة والصمود. ودلَّ دمج ممارسات الصمود "غير المنظَّمة" في منظمة التحرير الفلسطينية على تبني الصمود مفهومًا واستراتيجية وطنيين يهدفان إلى حفظ الهوية الفلسطينية واستعادة الكرامة

خلال النضال الوطني التحرّري. كان السعي لدمج الصمود ضمن استراتيجية منظمة التحرير الفلسطينية بوصفه مفهومًا وطنيًا محاولةً

لاحتواء الصمود بسبب شعبيته في الخطاب الشعبي وتمثيله الرمزي للفلاح الفلسطيني منذ ثورة عام 1936، التي تعدّ "لحظة في التاريخ الفلسطيني، أصبح فيها الشعب، خصوصًا الفلاحين، الفاعل

(4((لا يقلّل تركيز البحث على منظمة التحرير الفلسطينية من أهمية تحليل الفصائل أو النقابات الأخرى، مثل الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

(48) Marie, Hannigan & Jones, pp. 20–35.

الاجتماعي المحوري الذي جرّ القيادة المدنية معه". وإضافة إلى ذلك، تعكس شخصية الفلاح

كفاح الفلاحين كي يبقوا متجذّرين في الأرض، على الرغم من ممارسات المصادرة الإسرائيلية. ويُبيّن تيد سويدينبرغ، في بحثه أهمية الفلاح في بناء معنى الدولة الفلسطينية الموحَّدة، كيف "أصبحت

شخصية الفلاح الفلسطيني القدوة لما يعنيه أن تكون صامدًا، أن تبقى ثابتًا، راسخًا في الأرض بعزمٍ عنيد"، إشارة إلى العلاقة الفلسطينية الحميمة بالأرض وترابها. وهذا ما  نجده أيضًا لدى الشعراء والفنانين الفلسطينيين الذين "جعلوا الفلاح رمزًا للصمود". هكذا، مثّل الصمود نضال الفلاحين، ذلك النضال الذي أرادت منظمة التحرير الفلسطينية أن تستخدمه، خصوصًا خلال سبعينيات القرن العشرين، "كي تعطي الحركة الوطنية بعدًا شعبيًا". بعبارة أخرى، أضفت منظمة التحرير الفلسطينية

على نضال الشعب طابعًا استراتيجيًا، ومثل هذا الجدال لا يُجرّد منظمة التحرير الفلسطينية بالضرورة

من الدور الحاسم الذي أدّته بين سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته. وقد تُرجِم الصمود باعتباره استراتيجيةً إلى أعمال كفاح ونضال، تجسّدت في بنى الرعاية والصحة والبنى الاجتماعية والتربوية المنظَّمة، وكذلك في الكفاح المسلح والممارسات التحرّرية. كانت سبعينيات القرن العشرين حقبة محكومة بتوسّع المستوطنات الصهيونية في الأراضي المحتلة في عام 1967، ما أثار ذكريات النكبة في عام 1948؛ ولذلك كان هدف منظمة التحرير الفلسطينية واضحًا:

التشبّث بالأرض والحدّ من الاعتماد على التمويل والمعونة الأجنبية. ولذلك أُنشئ "صندوق دعم

الصمود" التابع للجنة الأردنية – الفلسطينية المشتركة في عام 1978، وركّز على دعم الجماعات الأكثر هشاشة ممن يواجهون الصعاب وخطر الطرد، ليبقوا "صامدين". واشتملت أهداف الصندوق الأساسية على مواجهة المصاعب النفسية والاستقلال الاقتصادي وتماسك الجماعة، ودعمت ذلك

(49) Ted Swedenburg, "The Palestinian Peasant as National Signifier," Anthropological Quarterly , vol. 28 (1990), pp. 18–30. (50) Ibid. (51) Ibid., p. 22. (52) Rehnuma Sazzad, "Mahmoud Darwish’s Poetry as Sumud: Palestinian Resistance to Israeli Occupation and Subjugation," Interventions , vol. 18, no. 3 (2016), pp. 359–378. (53) Ted Swedenburg, Seeing Double: Palestinian/American Histories of the Kufiya (Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992), p. 351.

((5(يشير الكفاح إلى أفعال المرء الرامية إلى توفير القوت لعائلته بالعمل الشاق. بينما يشير النضال إلى فعلٍ محدّد موجّه سياسيًا

غالبًا ما يُستخدم في جهود التحرر الجماعية الموجّهة نحو هدفٍ معيّن. يُنظَر إلى الرد على التحديات الخيرية الإنسانية باعتبارها غير

سياسية ولا تخدم الأهداف السياسية في العودة والتحرّر. وبالنسبة إلى أولئك الذين كانوا منخرطين بشكلٍ فعال في الكفاح المسلح

في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، كان الرد الإنساني محوريًا ومتشابكًا مع أهدافهم السياسية، كان فعلً منسّقًا. مشى الكفاح

والنضال يدًا بيد وكانا لا ينفصلان عن إبستيمولوجيا النضال، واشتملت منظمة التحرير الفلسطينية في الفترة ذاتها على منظمّاتٍ

للصحة والرعاية الاجتماعية، كما اشتملت على جيش للتحرير، عُرِف ب "الفدائيين".

(55) Toine Van Teeffelen & Victoria Biggs, SUMUD: Soul of the Palestinian People (Bethlehem: AEI–Open Windows,

(56) Khalil Nakhleh, The Myth of Palestinian Development: Political Aid and Sustainable Deceit (Jerusalem: PASSIA,

بتمويل نشاطاتٍ مثل: التعليم والزراعة والرعاية الصحية والإسكان. وأتت الميزة الاقتصادية للصندوق من الردّ على السياسات الاقتصادية الاستعمارية التي فرضتها إسرائيل في الأراضي المحتلة، وهدفت إلى الحيلولة دون أيّ تطويرٍ فلسطينيٍ صناعيٍ أو زراعي، وإلى الحط من قدر "رفاهها

الاقتصادي". لكنّي أتّفق مع باحثين آخرين على أن مأسسة الصمود ودمجه في "أجندة تنموية"

أفسد روحه الأصلية؛ إذ كانت روح الصمود مرتبطةً في الأصل ذلك الارتباط الوثيق بقيم الكرم والاحترام والسلام. في حين اقترن صندوق دعم الصمود بممارسات فاسدة، وبكونه "مفهومًا

عربيًا جامعًا قائمًا على الثروة [...] قائمًا على مكافآت في مقابل الولاء لمنظمة التحرير الفلسطينية،

وممثلةَّ بفيلات خاصة فاخر". يبقى السيف ذو الحدّين للتنظيم والمأسسة والتنسيق عرضةً للفساد والاحتكار، ولا تلغي "الأجندة التنموية" التي أشير إليها، الخدمات التي قدّمتها منظمة التحرير الفلسطينية للاجئين الفلسطينيين حول العالم، ولا سيما في لبنان وسورية والأردن وفلسطين، ولا تقلّل من شأنها. كانت مؤسّسات

كمؤسّسة "صامد" حاسمةً في الحفاظ على إرادة الفلسطينيين في تحمّل ضروب الصعاب والاضطهاد

ومقاومتها. لكن عندما  يعمّ الفساد ولا تتكامل الخدمات الإنسانية مع ممارسات المقاومة التي

تتحدّى المُضطهِد، تصبح استراتيجيات التنمية في مساعي التحرّر عرضة للإلغاء وقلّة الشأن. وتشير

مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو (أيلول/ سبتمبر 1993) إلى حدّ فاصل بين الإنساني والسياسي. منذ اتفاق أوسلو، مضت منظمة التحرير الفلسطينية أبعد من ربط الصمود مع نضال الفلاحين، وأفسدته بأجندات اقتصادية نيوليبرالية ومشاريع تنموية لم تُفد سوى البرجوازية والنخبة. على سبيل المثال، حاول رئيس الوزراء الفلسطيني سليم فياض في عام 2007 إدراج الصمود في أجندته التنموية، مؤكّدًا أنَّ بناء المؤسّسات هو سرّ الحفاظ على الصمود. والحال، إن ربط فياض الصمود بالسياسات

النيوليبرالية أسفر عن خسارة بعض الأراضي من خلال سياسات اقتصادية تخدم الاحتلال وخطته للسلام الاقتصادي، ونُظِر إليه باعتباره نقيض الصمود. ويرى زاه مالك أنَّ إضفاء فياض الطابع الأداتي

(57) Jan Busse, "Everyday life in the face of conflict: Sumud as a spatial quotidian practice in Palestine," Journal of International Relations Development , vol. 25, no. 3 (2022), pp. 583–607. (58) Nassar & Heacock. (59) Salim Tamari, "The Palestinian Movement in Transition: Historical Reversals and the Uprising," Journal of Palestine Studies , vol. 20, no. 2 (1991), pp. 57–70. (60) Van & Biggs (61) Tariq Dana, "Corruption in Palestine: A Self–Enforcing System," al–Shabaka , 18/8/2015, accessed on 20/7/2023, at: https://tinyurl.com/r8x27bvp (62) Emile A. Nakhleh, "The West Bank and Gaza: Twenty Years Later," Middle East Journal , vol. 42, no. 2 (1988), p. 213.

(6((ثمة إطلالة على مؤسّسة صامد، في:

Cheryl A. Rubenberg, "The Civilian Infrastructure of the Palestine Liberation Organization," Journal of Palestine Studies , vol. 12, no. 3 (1983), pp. 54–78. (64) Ethan Bronner, "Palestinians Try a Less Violent Path to Resistance," The New York Times , 6/4/2010.

على الصمود، يُدرجه في إطار المُضطهِد، على عكس الصمود الذي "يتحدّى المُضطهِد، بدلً من

أن يُذعن له [...] ويتبيّن واقع الاحتلال، ويرى أنَّ تدميره هو المهمّة الرئيسة للمقاومة". وما  أراه

هو أنَّ خطابًا واحتواءً كهذين هما مثالان على الطرائق التي يمكن بها استخدام الصمود استخدامًا

أداتيًا يُبعِده عن ضروب الإفصاح اليومية، ويقيّده، ويحوّله إلى جهاز وطني مؤسّساتي. وفي حين كان

للصمود، بوصفه استراتيجية نظّمتها منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، أبعاد سياسية وإنسانية تُترجم على أرض الواقع، بات الصمود ما بعد اتفاق أوسلو مسبق التحديد، ما جعله "صمودًا سكونيًا" مُختزلً إلى مجموعة من الأفعال المحدّدة مسبقًا ومُعتمدًا على ميزانية، لا مجموعة

من الممارسات يدفعها التزام الشعب وموارده. ويكشف تتبع مسار احتواء منظمة التحرير الفلسطينية للصمود عن لحظة تحلل المنظمة من التزامها بالمقاومة والمساعدة. وهذا التحلل أكثر تبلورًا ووضوحًا

هذه الأيام في حقبة ما بعد اتفاق أوسلو. يتصادم احتواء قيادة منظمة التحرير الفلسطينية الصمود، وتحويله إلى استراتيجية سكونية، مع انتقاد باولو فريري "النخب المسيطرة" التي "تعتبر أنَّ الدواء هو مزيد من السيطرة والاضطهاد، يُنفّذان باسم

الحرية والنظام والسلام الاجتماعي (أي سلام النخب"). والنخبة المسيطرة هي أعضاء طبقة اجتماعية لم تعد تمثّل جميع الفلسطينيين، ولا سيما اللاجئين الفلسطينيين. وفي تقريرٍ أعددتُه في عام 2019، اعتبر حوالى 90 في المئة من المشاركين الستين من ثمانية مخيمات للاجئين الفلسطينيين في لبنان، أنَّ صوتهم غير مسموع، وأنهم ليسوا مُمَثّلين. وذكر معظم المشاركين مرارًا أنَّ أحدًا من القيادة

الحالية لم يزرهم في المخيمات أو يهتمّ بمطالبهم. ولا يصحّ هذا في حالة اللاجئين فحسب، بل داخل

فلسطين أيضًا في حالات قمع السلطة الفلسطينية والعنف المنسّق مع الإسرائيليين ضد المقاومة.

ويُعتقَد أن السلطة الفلسطينية، حين يتعلّق الأمر بمطالب الشعب، اختزلت المسألة الفلسطينية بمشروع

بناء دولة، بدلً من مسعى تحرّري. ونتيجة لذلك تبرز السلطة الفلسطينية بوصفها حزبًا حاكمًا و"دولة"

بالديمقراطية، والمساءلة، وحقوق الإنسان، في حين لا تني تقمع حرية التعبير داخل فلسطين وتُقصي الفلسطينيين ما وراء حدود الدولة وأسوارها غير الشرعية. تكشف المبادرات القاعدية الشعبية باستمرار عن احتكاك بين مطالب الشعب من السلطة الفلسطينية وتمثيلها غير الشرعي لهذا الشعب؛ إذ لا يمكن تصوّر الشعب الفلسطيني بصفته منفعلً وصامتًا خلال

أفعال السيطرة هذه التي تمارسها السلطة الفلسطينية. وأرى أنَّ تتبّع مسار الصمود، ولا سيما عودة

ظهوره بوصفه ممارسة قاعدية شعبية، مهمّ لفهم ردّ الشعب الفلسطيني ليس على الاستعمار الاستيطاني

فحسب، بل على سيطرة السلطة الفلسطينية أيضًا.

(65) Zah Malik, "Staying Human, Informing Resistance: a Study of Contemporary Palestinian Sumud," Academia education (2013), p. 13. (66) Freire, p.  78. (67) Rami Rmeileh, "73 Years Later: What life is like for Palestinian refugees in Lebanon: highlighting lived Experiences and Sustainable Policy–Oriented Solutions," Office of MEP Margrete Auken (January 2021), accessed on 21/10/2022, at: http://bitly.ws/H4e3

سادسًا: الصمود بوصفه ممارسة عابرة للمناطق

عملت حوادث ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987) والفظائع في لبنان، على تحرير الصمود من قيوده الفوقية والسكونية، في الوقت الذي أكدت خطابه الشعبي وبنيته التحتية ووسعّتهما بوصفه "نضال فلاحين مجسّدًا". ونقل خطاب الانتفاضة بؤرة الصمود من

المقاومة المسلحة (الفدائيين) إلى نضال شعبي، اشتمل على أفعال مثل "رمي الحجارة والتظاهر وتنظيم الإضرابات وبناء المتاريس وزراعة الخضار في الأفنية الخلفية وإقامة المدارس والعيادات والشرطة البديلة". كما  نقلت هذه الأفعال الخطاب من مصطلح "المقاومة" الذي عكس حركةً مؤسّسيةً منظمة تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، إلى "نضال" يمتدّ إلى أبعد من حدود منظمة

التحرير، بل إلى أبعد من حدود فلسطين الجغرافية. ومهّدت هذه التحولات الطريق للرجال والنساء

والأطفال الفلسطينيين ليستعيدوا دورهم في النضال، ويُعوّل عليهم ويُعترَف بهم أفرادًا مقاومين، بغض

النظر عن موقعهم. خلال حرب لبنان الأهلية (1990–1975)، سواء قبل خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان (1982) أو بعده، خضعت مخيمات اللاجئين الفلسطينية لفظائع شنيعة وحصار ومجازر ومجاعة. عزّزت هذه

الفظائع فكرة "التشبث بالأرض داخل فلسطين"، وتجاوزتها لتتضمّن "تمسّك المرء بموقفه والبقاء على

التزامه الحقوق الوطنية". ولذلك أرى أنَّ الخطاب عن الصمود وممارسته لم يكن متركّزًا على

"الحقوق الوطنية" في فهمها المعياري، بل مثّل التزام الفلسطينيين التحرّر والعدالة، أي حق الوجود

وحق العودة، على الرغم من الأفعال كلها النازعة للإنسانية الممارسَة بحقّهم. بعد تسعينيات القرن العشرين واتفاق أوسلو، كان المجال السياسي الفلسطيني أكثر تشظّيًا من أي

وقت مضى. وصاغت مواقع الفلسطينيين المختلفة حيواتهم اليومية إلى حد بعيد، وكان التواصل عبر البلدان في حدّه الأدنى، ما  يمكن أن يفسّر تراجع ممارسة الصمود الفوقية، كاستراتيجية

تُمليها القيادة السياسية الفلسطينية. لكن عاد الصمود إلى البروز مجدّدًا باعتباره ممارسة قاعدية شعبية فلسطينية، مع حوادث العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، ومن بينها الانتفاضة الثانية وبناء جدار الفصل العنصري وفظائع غزّة، والاعتقال الدائم للأسرى والأطفال الفلسطينيين.

((6(تتضمن الممارسة التفكير النقدي والتأمل والأفعال المطّلعة الرامية إلى الحثّ على التغيير الاجتماعي أو تحقيق أهدافٍ معينة.

وتتضمن الممارسة، في جوهرها، التطبيق العملي للمعرفة والنظريات لتحقيق نتائج أو تحولّات ملموسة في العالم.

(69) Swedenburg, "The Palestinian Peasant," p. 28. (70) Julie Peteet, "Refugees, Resistance, and Identity," in: John Guidry, Michael D. Kennedy & Mayer Zald (eds.), Globalizations and social movements: Culture, power and the transnational public sphere (Arbor: University of Michigan Press, 2000), pp. 183–209. (71) Rijke & van Teeffelen, p. 84. (72) Jamil Hilal, "The Fragmentation of the Palestinian Political Field: Sources and Ramifications," Contemporary Arab Affairs , vol. 11, no. 1–2 (2018), pp. 189–216. (73) Anne Marie Baylouny, "Fragmented Space and Violence in Palestine," International Journal on World Peace , vol. 26, no. 3 (2009), pp. 39–68.

تمكن الإحاطة بالصمود باعتباره ممارسة قاعدية شعبية فلسطينية من خلال قصص الصمود. توجز هذه القصص خلال السنوات العشرين الأخيرة طرائق حياة الفلسطينيين المنوعة في شتّى جوانبها على امتداد المواقع الجغرافية والأبعاد المجتمعية المنوعة: السياسية والإنسانية والتربوية والجماعتية والشخصية. أصبح الصمود مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالقيم، حيث يحوّل أولئك الذين يمارسون الصمود

مواضع معاناتهم إلى مواضع مقاومة. ويمكن تخيّل عودة الظهور الشعبية هذه لممارسات الصمود

وخطابه باعتبارها يقظة جديدة للوعي النقدي الفلسطيني. وهنا أشير إلى إفصاح فريري عن الوعي النقدي باعتباره اللحظة التي يُدرِك فيها الشعب السبب الجذري لاضطهاده ويركّز مقاومته على سبب

معاناته، بدلً من أن تكون موجّهة نحو مسائل عرضية لا يمكنها أن تحقّق تحرّر ذاتهم، وفي ذاتهم. يكشف هذا التعارض بين الاستعمال الفوقي للصمود وعودة ظهوره باعتباره ممارسة شعبية عن أنَّ مطالب منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية تضرب بجذورها في مشروع بناء دولة تهدف إلى السيطرة، مع مطامح للالتحاق بأساليب عالمية للتراكم الرأسمالي. ولم يوافق الفلسطينيون على هذه المطامح، لأنَّ أهدافهم أشدّ ارتباطًا بممارسة تحررية وثورية تعاكس ممارسة النخب المسيطرة: "لا تستطيع الممارسة الثورية أن تتحمّل ثنائية سخيفة تجعل ممارسة الشعب مجرد اتّباع لقرارات القادة،

ثنائية تعكس الطرائق الأوامرية للنخب المسيطرة. الممارسة الثورية وحدة، ولا يمكن للقادة أن يعاملوا المُضطهَدين كملكية لهم". ما أريد قوله هنا هو إنَّ منظمة التحرير الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو لم تحتوِ على الصمود وتستخدمه استراتيجيًا فحسب، بل احتوت أيضًا على القصص البسيطة والعادية التي تتضمن أبعاد حياة الفلسطينيين

اليومية كلها. ترتبط هذه القصص بممارسة ثورية وتحرّرية؛ حيث يتفكّر الفلسطينيون بالماضي بقصد

استلهام فعل (أفعال) ترتقي إلى أن تكون ممارسة (أو ممارسات) قاعدية شعبية.

سابعًا: حكاية القصص وفاعلية/ انفعالية الصمود في مخيم برج البراجنة

شكّك بعض الأكاديميين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين في الصمود وانتقدوه، وأثاروا الأسئلة حول انفعاليته أو سلبيته. تساءلوا، بصورة أساسية، ما إذا كان الصمود يواجه عنف المُضطهِد أم يستوعبه؟

وهل هو استراتيجية مرونةٍ أم مقاومة؟ وهل هو منفعل أم فاعل؟ أو كلاهما؟ ما  أراه هو أنَّ رجا شحادة أجاب عن هذه الأسئلة بصورة غير مباشرة في عام 1982، قبل تحوّل الصمود إلى "مفهوم" أكاديمي

تمكن دراسته، فقد أشار إلى الصمود بأنّه "الطريق الثالثة" التي تتعالى إلى حد بعيد على النماذج

والأُطر المركزية الأوروبية، مثل المقاومة والمرونة. ويُحكم شحادة القول: "أفكِّر كثيرًا بالخيار الذي

يشعر الصامدون بأنّهم مرغمون عليه، إمّا باتّخاذ طريقهم إلى المنفى أو بالاستسلام خضوعًا للاحتلال،

(74) Nadera Shalhoub–Kevorkian, "Living death, recovering life: Psychosocial resistance and the power of the dead in East Jerusalem," Intervention , vol. 12, no. 1 (2014), pp. 16–29. (75) Freire, p. 124.

من جهة، أو بالكراهية الجامحة العمياء والانتقام للإثم المُرتكَب بحقّهم، من جهة أخرى. لكنّ في هذا

التصور للاختيار يكمن الفخ". كان هدف شحادة تقديم الصمود لجمهورٍ غير فلسطينيٍ واسع، عبر مجموعة مختارة من القصص والمداخل من يوميات كتبت خلال ثمانينيات القرن الماضي، بهدف أنسنة الفلسطينيين، وتفكيك الصور النمطية عن حياتهم، وتسليط الضوء على نضالاتهم وردودهم اليومية. تُظهر هذه المقاربة أهمية النظر إلى الصمود بوصفه مفهومًا تحليليًا يمكنه أن يوضح تعقيدات حياة الفلسطينيين في شروط

قصوى، من بينها لحظات الحزن والفرح والأمل والمثابرة وتماسك الجماعة والصمود، وذلك في الوقت الذي تبتعد عن الأُطر التبسيطية التي تقيّد تجاربهم المعيشة وتحصرها. في السياق اللبناني، وعلى المنوال نفسه، يكشف كتاب سامر مناع هذه اللحظات المنوعة من معاناة الفلسطينيين وتغيّرهم، بتقديم سلسلة من الملاحظات والقصص عن الفلسطينيين القاطنين في

مخيمات اللاجئين في لبنان. لكنّ مناع لا يربط هذه القصص بالصمود؛ إذ توحي القصص التي يسردها كيف يواصل الفلسطينيون في لبنان الحياة عبر فظائع شنيعة. وتسلّط قصص مناع الضوء على حوارات حميمية عن النضال والأمل تحدث على المستويين الفردي والجمعي. وتعرض مجموعة منوعة من الممارسات اليومية التهكّمية والسّاخرة والرمزية في بعض الأحيان، لكنها تُبقي اللاجئين الفلسطينيين

على التزامهم "القضية"، بمقاومتهم نزع إنسانيتهم وتمسّكهم بالأمل. وتبعث القصص الاضطراب في

الحدود الثنائية لأفعال المقاومة الفاعلة/ المنفعلة كما في الفهم غير السياسي للمرونة المفصول عن النضال السياسي الجمعي: "أن تكون لاجئًا فلسطينيًا في لبنان، معناه أن تفتخر بعد واحد وستين عامًا،

وعلى الرغم من تراكم الآلام وتلاشي الكثير من الآمال، بأنَّ طفلً لاجئًا يعاني ويتجرّع المرارات، على

أملٍ واحد، حيّ ينبض [...] أمل العودة".

ثامنًا: نتائج الدراسة

1. قصص يومية: صمود بالتفكّر والتذكّر

جدول يبيّن قصص الصمود نوع القصة

الرّاوي معارك وعمليات حصلت

آباء وأجداد

في فلسطين ولبنان

(76) Raja Shehadeh, The Third Way: Journal of the Life in the West Bank (London: Quartet Books, 1982), p. 38.

7(((سامر منّاع، أن تكون فلسطينيًا في لبنان (بيروت: دار  نلسن،.)2015 ((7(المرجع نفسه، ص.13

السياق (أين ومتى)

المغزى من القصة اجتماعات عائلية

المثابرة

قصص عن بلدات وقرى
فلسطينية
فصائل سياسيةفصائل سياسية تُطلق
مناسبات
المقاومة
قادة أو مقاتلون فلسطينيون
رمزيون/ بطوليون
أصدقاء وأفراد من
الجماعة
مناسبات وطنية (النكبة،
النكسة، يوم الأرض،
يوم الشهيد)
الكرامة – الفخر –
الشرف
قصص عن رهائن وأسرى
فلسطينيين وثورات
وانتفاضات وحصار
المخيمات والحرب الأهلية
اللبنانية
مثقفون وصحافيون
وحكواتيون محترفون
خلفيات اجتماعية (مقاهٍ
ومطاعم)
العزيمة
قصص من الأراضي
المحتلة ومن أناس عاشوا
تحت الحصار والاحتلال
جمعيات ثقافية
وورشات فصائل
سياسية
قصص عن المرونة (إعادة
إعمار النساء مخيم عين
الحلوة والتغلّب على
الجوع والفقر)
قصص نجاح فلسطينيين
أفلحوا على الرغم من
عيشهم في الصعاب
والمحن

المصدر: من إعداد الباحث.

عادةً ما يروي قصص الصمود (يُنظَر الجدول أعلاه) رجال ونساء وأطفال يعيشون في مخيم

برج البراجنة في لبنان، وتسلّط تلك القصص الضوء على التعايش بين الرعب والبطولة، وتراوح بين "قصص الخسارة والمعاناة واليأس إلى سرديات بطولية تُبرز الإخلاص للقضية الفلسطينية والتضحية من أجلها". وتمضي هذه القصص أبعد من النكبة وعام 1948 لتشتمل على البنية التحتية المتعدّدة الطبقات للفظائع التي تحمّلها الفلسطينيون في لبنان، وهذا ما يجعلها كمسعى تعليمي غير رسمي

((7(من المعروف أيضًا أنّ مساجد المخيم هي مواقع مهمة لحكاية القصص وخطاب الصمود، ولا سيما خُطَب الجمعة، لكن لم

يذكر ذلك أيٌّ من المشاركين.

(80) Rami Rmeileh, "'Sumud is to Always be One Hand': Culturally Informed Resilience Among Palestinian Refugee Men in Lebanon," Master’s thesis, University of Oslo, Oslo, 2021, p. 45.

حول النضال الفلسطيني، يتيح فهم الأسباب الجذرية للمعاناة الفلسطينية والأفعال العديدة التي يمكن أن يردّوا بها لتأكيد إنسانيتهم. ويُشدِّد كريم على أهمية هذه القصص فهي دروس وعبر يتعلّمها المرء

ويتأملها ويُطبّقها في حياته. يقول كريم: "كلّ القصص التي سمعتها يجب أن تُدرَّس. على سبيل المثال،

على المرء أن يتكلّم دائمًا ويسمع عن كيف صمد الفلسطينيون هنا في المخيمات، وكيف عاشوا ستة

أشهر من دون طعام. نحن [الفلسطينيين] هنا في المخيمات في لبنان وخارج لبنان، لدينا دائمًا مأساة

ونضال، مأساة ونضال ومقاومة، هذه كلّها تأتي من الصمود. كي تتشكّل هوية المرء الفلسطينية، عليه أن يتعلّم عن صمودنا الفلسطيني، عن جميع مآسينا ونضالاتنا". يَرُدّ كريم أيضًا على ثنائية الفاعل/ المنفعل ويقترح تمييزًا أكثر شمولً؛ لأن أفعال المرء المقاوِمة يجب

ألّ "يُحكَم عليها" أنّها "غير كافية" أو منفعلة. ويشير إلى أنَّ "الصمود يمكن أن يكون دفاعيًا أو هجوميًا"،

ولا يعود لهذه الثنائية أهمية إذا ما كان الشخص المعني يرفض الإذعان أو الاستسلام. لا يستطيع الفلسطينيون القاطنون في لبنان مجابهة المعتدين الصهيونيين الإسرائيليين مباشرة والانخراط في كفاح مسلح. ويعيش الفلسطينيون في مخيم برج البراجنة، مثلهم مثل الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال، في ظل قوانين متشدّدة تقيّد حرية حركتهم، وحقّهم في العمل، وتنزع إنسانيتهم يوميًا. لكن

لكل.ٍّ طريقته في الصمود تشير المقابلات التي أجرِيت إلى أنّ الفلسطينيين الذين يمارسون الصمود يعيشون دأبًا يوميُ.ا للتحرّر

ويكشفون، من خلال سردهم قصص الصمود وتذكّرهم إيّاها وتفكّرهم فيها، عن بعد أكثر إنسانية

لمسعاهم التحرّري. ومطلبهم تحرير فلسطين هو في جوهره مطلبٌ لتحرير أنفسهم. وكان الشّعار

السابق "الحرية لفلسطين" قد ركّز بصورة أساسية على الأرض، مغفلًالبعد الإنساني للنضال الفلسطيني الذي يشمل أولئك الذين في الشتات. ويكشف المشاركون من برج البراجنة عن أنَّ قصصهم تتضمن مقاومةً، وردًا وتحويلً لجميع أفعال نزع الإنسانية إلى أفعال تحرر. وتمتدّ هذه القصص عبر أزمنة وجغرافيات مختلفة لتُلهِم جماعتها ألّ تستسلم.

2. سيولة الصمود الزمنية والجغرافية

عند الكلام على الصمود، يبدو المشاركون مدركين أنَّ التجربة الفلسطينية متغايرة، ولا تمكن مجانستها. وعلى الرغم من أنَّ لنضالهم جذرًا مشتركًا – هو الاستعمار الاستيطاني – فإنَّ العنف الاستعماري

الاستيطاني المُمارَس عليهم يتجلّى بأشكال مختلفة باختلاف الزمان والمكان. ويشدّد المشاركون

على قصص الصمود ويسردونها أبعد من مخيمهم وزمنهم الحالي، ليصوّروا علاقتهم الدورية بالزمان

والمكان. يقول هلال: "كنّا نسمع ونحن نكبر عن صمود برج البراجنة [خلال حصار المخيم في عام 1985]، ومخيّم تل الزعتر (1976) ومحاربي قلعة شقيف (1982) وساحات معارك بيروت التي تعرف

أيضًا بمعارك الفنادق (1975)، وكيف صمدت النساء في عين الحلوة خلال الاجتياح [إشارة إلى الغزو

((8(تتحدّى المقتطفات فصل الجسد والعقل والأرض، وتشير إلى جغرافيات جسدية تقع في المركز من مطلب العودة إلى

الأرض، في حين لا يهتمّ الشعار لهذه الجغرافيات الجسدية.

الإسرائيلي] (1982). كنا نكبر، وبدأنا نسمع عن الصمود أو نتعرّف إلى الصمود في الحوادث التي

جرت في لبنان. المواقع والحوادث كلها التي ذكرها هلال، تكرّرت على لسان المشاركين باعتبارها حوادث محورية في

التاريخ الفلسطيني في لبنان، وهو تاريخٌ يمضي أبعد من عام 1948 والنكبة/ مشك لً وعيًا نقديًا لواقع

هؤلاء المشاركين. وتراوح القصص بين مواجهاتٍ مباشرة تتضمّن كفاحًا مسلحًا ضد جنود إسرائيليين

أو أحزاب يمينية فاشية في لبنان، إلى قصص بقاءٍ وجلَد ومثابرة وممارسات تغيير، بدلً من أفعال

استسلام. من أكثر القصص التي رواها المشاركون قصة مخيّم عين الحلوة (أكبر مخيم فلسطيني في لبنان) وأفعال

نسائه في عام 1982 بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان؛ إذ قُصِف المخيم، و"هدمته الجرّافات الإسرائيلية

في محاولة لإجبار سكّانه على الانتقال أبعد شم لً". واعتُقِل حوالى تسعة آلاف رجلٍ ونُقِلوا إلى

معسكر أنصار (في جنوب لبنان)، بينما تُرِكت النساء في ملاجئ ينتظرن انتهاء القصف. تستذكر امرأة من عين الحلوة: "حين غادرنا الملجأ، كانت البيوت كلّها مُدمَّرة، والطرق ممتلئة بالأنقاض، وأنابيب

المياه مكسورة، ومشينا نحو المجهول". ما وصفته النساء بالمجهول هو ما يتذكّره المشاركون بصفته فصلً من التاريخ الفلسطيني في لبنان كان حافلً بصمود النساء الفلسطينيات اللواتي قمن بدور حاسم في إعادة إعمار المخيم وإعالة أسرهم، بينما كان الرجال أسرى. تُؤكّد قصة صمود نساء عين الحلوة، هنا، المثابرة والعزم والتغيير في أوقات الفظائع الشنيعة والمحن. على الرغم من أنَّ معظم هذه الحوادث وقعت بين عامي 1975 و 1990، فإن المشاركين الذين تراوح أعمارهم بين العشرين والثلاثين عامًا كانوا على دراية تامّة بهذه القصص، ويمكنهم سردها بالتفصيل،

كما  لو أنهم عاشوها: "آخر مرّة سمعت فيها قصّة صمودٍ، كنت أسمعها من شخصٍ في (حركة التحرير

الوطني الفلسطيني) فتح منذ بضعة أيامٍ، كان يحكي عن حرب المخيم والحصار. كان الموضوع واسعًا

نوعًا ما، وروى القصّة بالتفصيل". أشار المشاركون أيضًا إلى تجمُّعات حديثة يستذكرون فيها تلك الحوادث، ما يشير إلى الأهمية

والحضور المستمرّين لهذه القصص في مخيم برج البراجنة. ويبدو أن قصص الصمود تتعالى على

الزمان والمكان؛ فتوجد في حوارٍ مع حوادث فظيعة عديدة، وفي مواجهة مع منظومات الاضطهاد.

ولذلك من الضروري التعمّق في استكشاف الصلة بين قصص الصمود والأفعال التي تُرشِدها تلك

القصص وتُلهِمها في حياة المشاركين الحاضرة. ولهذا، يسعى المبحث التالي للإجابة عن السؤال: كيف يُعبّر المشاركون عن صمودهم في مخيم برج البراجنة؟ وما دور الصمود في الرد على الاستعمار

الاستيطاني والدولة اللبنانية؟

(82) Mohsen Mohammed Saleh, History of Palestine: A Methodological Study of a Critical Issue (Cairo: Al–Falah Foundation, 2005), p. 98. (83) "The Kingdom of Women: Ein el Helweh," Al Jana , YouTube, 1/10/2010, accessed on 20/7/2023, at: https://tinyurl.com/38pz76rp

3. الصمود أبعد من الحدود الاستعمارية الاستيطانية المفروضة

أ. أهمية المخيم

تُفصِّل نقاشات المشاركين عن المخيم في الكيفية التي تجعل من المخيم ذاته ردًّا على الاستعمار

الاستيطاني ومحاولات المحو الصهيونية كلها. فمع كلّ طبقة يبنونها فوق غرفهم، ومع كلّ وليدٍ جديد، يرى المشاركون القاطنون في مخيم برج البراجنة أنّهم يردّون على هدف الصهيونيين في إلغائهم،

بتأكيد وجودهم. يروي أحمد: "هناك قول قديم لرئيس وزراءٍ إسرائيلي اعتاد قوله: 'غدًا يموت الكبار، وينسى الصغار'، هل سمعته؟ هنا في المخيم، نضمُّ الأطفال إلى نشاطاتنا لنقول إننا على قيد الحياة،

وإن الأطفال لم ينسوا. التاريخ لم يُكتَب البارحة، بل يُكتَب اليوم وفي كل يوم. كل يومٍ يمضي ويبقى

فيه المخيم، نقول للصهيونيين إننا سنعود، إننا لم نستسلم". يعكس اقتباس أحمد فاعلية "عدم النسيان"، وبذلك يعاكس التذكّر، من خلال "الإخبار"، سردية

الصهيونيين التي تُسكِت التاريخ الفلسطيني وتُلفِّقه. وعلاوة على ذلك، يفرض "عدم النسيان" وجود الفلسطينيين ردًا على أفعال الإقصاء الحالية والمنتظرة مستقبلً. وهذا ما توضحه مشارِكة أخرى،

هي منال: "لو توقفنا عن إقامة الأُسَر، لابتهج الصهيونيون، لأننا نكون تخلّينا عن حقّنا بالحياة. لكننا

لن نتوقّف عن الحياة. نعم، الحالة صعبة كما كانت دائمًا، لكنّنا [الفلسطينيين] لطالما وجدنا سُبلً.

الصمود يولد من المعاناة والنضال، والمخيم هو البرهان". تكشف منال أيضًا عن صلة بالمخيم بوصفه فضاء ل "خلق فلسطين"؛ إذ بنى سكان مخيم برج البراجنة نسخةً عن شمال فلسطين، وغالبًا ما أشار المشاركون إلى الأحياء بأسماء قرى فلسطينية. وفي حالات

أخرى، يشير السكّان أيضًا إلى الروابط، وهي تداعيات لأسماء قرى توفّر خدماتٍ لأولئك المنحدرين من تلك القرى. يُشكّل المخيم، بالنسبة إلى المشاركين، "جزءًا من فلسطين"، و"هويةً"، و"رمزًا

للصمود". يقول كمال: "المخيم في حد ذاته صمود، لأنه [...] إن مشيت في الأزقّة، فيه [المخيم] كلّه، أينما ذهبت، هناك على الدوام حقّ العودة، وعلى الدوام هناك العلم الفلسطيني على الجدار، كلّ شيء يؤكّد ذلك، برهان كبير على الصمود".

ب. الجداريات ردًّا على التجزئة/ الحدود

أشار المشاركون مرارًا، من خلال التركيز على أزقّة المخيم، إلى أهمية الرموز الفلسطينية وسيطرتها

على حياتهم اليومية. ترك التشريد واللجوء الفلسطينيين مجزّئين ومبعثرين حول العالم، ومع كلّ جدارٍ

وحدود يبنيها الصهيونيون لفصل الفلسطينيين بعضهم عن بعضهم، يتأمّل الفلسطينيون القاطنون في

مخيم برج البراجنة في أهمية الوحدة الفلسطينية والترابط من خلال الفن. شارك هلال بمبادرة لرسم معظم الجداريات في المخيّم. يقول: "كانت لدينا منهجية، بدأنا برسم

تلك الجداريات لننقل رسالةً وليس بداعي الرسم وحده. أصبح الرسم على الجدران شيئًا أساسيًا

بالنسبة إلينا [...] رسمنا 'جسر العودة' و'انتفاضة السكاكين'، والعديد من الجداريات عن غزّة

فلسطين)".

ما زال يُنجِب جيلً جديدًا يثبت أنه صامد".

والرهائن، وال ' BDS ' في جورة الطراشحة (منطقة في المخيم المقيمون فيها من منطقة ترشيحا في

الشكل (1) جدارية في مخيم برج البراجنة

المصدر: من إعداد الباحث.)2022(

رُسِمت تلك الجداريات كلها بغية أن يبقى الشعب مرتبطًا بالقضية وبما  يحدث في فلسطين، ولتسليط الضوء على أن الصمود أبعد من المخيم، فيكون الهدف بذلك أن "تُحفَر في العقول" الرسائل السياسية المضمنة في الرسوم. يتابع هلال: "أي قضية صمود أو عملية صمود، سواء كانت في الضفة الغربية أم في غزّة، نسلّط الضوء عليها مباشرة، ونقول: انظروا، الشعب الفلسطيني ما زال حياًّا، م زال صامدًا،

الشكل (2) دعم الصمود البطولي

المصدر: ملصق من أرشيف مؤسسة الدراسات الفلسطينية (بيروت.)

كثيرًا ما كان استخدام الفن كمقاومة أداةً حاسمة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية؛ سواء بالملصقات أم بالشعر، ففي كلّ حقبة، يستخدم الفلسطينيون الأدوات كلها المتاحة لهم لتعزيز نضالهم (يُنظَر الشكل 2). وعلى سبيل المثال، درس الأديب غسان كنفاني (1972–1936) العلاقة بين الشعر والمقاومة

بين عامي 1948 و 1966، ودرس آخرون أدوار الكتابة على الجدران والجداريات في فلسطين. وبالمثل، فإنَّ دراسة الجداريات باعتبارها ردًّا على الاستعمار الاستيطاني، تُعزّز عمليات المقاومة، وتُبرز حق العودة والثقافة الفلسطينية في حياة سكّان المخيم، وتشكّل ميدانًا ثاقبًا للاستقصاء، يستحق

استكشافًا عن كثب أبعد من نطاق هذا البحث.

ج. الصمود ردًّا على اضطهاد الدولة اللبنانية

تحدّث المشاركون عن الممارسات والأفعال المرتبطة باضطهادهم على يد منظومة قضائية تُجرّدهم

من حقوقهم الأساسية وتُقصيهم باستمرار، وتمارس التمييز ضدّهم لكونهم فلسطينيين. والمثال الأبرز الذي قدّمه المشاركون، تعلّق بحقّهم في العمل والتعليم. شدّد كثيرون منهم على أنَّ الردّ على اضطهاد الدولة اللبنانية وقوانينها التمييزية، يوجب على الفلسطينيين في المخيم أن يكونوا يدًا واحدة في التعاون والتنسيق، وأعطوا أمثلة عن مناسبات جمعية مثل ثورة عام 2019 ضد قانون العمل، ومبادرات التضامن خلال وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19–)، وما اشتملت عليه من حملات تلقيح وتوزيع كمّامات وحملات جمع تبرعات لمساعدة السكان في فواتيرهم الصحية وغيرها. وأفصح المشاركون،

عند سردهم هذه المناسبات وربطها بالصمود، عن الكيفية التي يعيشون بها في ظلّ منظومات اضطهاد متشابكة، ما يجعل تخطّي أحدها خطوة نحو تخطي أخرى. ذلك أنّ هدفهم الأسمى، في النهاية، هو

تفكيك هذه المنظومات كلها، وأن يبلغوا التحرّر والقدرة على عيش "حياةٍ كريمة". يصف علي هذه

العلاقة بالقول: "قد لا يكون الاعتراض على قانون العمل مرتبطًا بالقضية الفلسطينية ارتباطًا مباشرًا،

لكّنه جسر. إن حقّنا بعيش حياة كريمة هو الذي سيوصلنا إلى فلسطين. ولذلك، عندما أدافع عن هذا

الحق، أدافع عن فلسطين، وعن حقّي في أن أكون فلسطينيًا في لبنان".ُ تحدث مشاركون آخرون عن حوادث فردية يعيشونها يوميًا، ترتبط بالعنصرية والتمييز. يعتبر كمال عمله

في منظمة غير حكومية لبنانية، في مكاتب ومع موظفين لبنانيين، إنجازًا وفعلَ صمودٍ، لأنه يستطيع أن يعمل حيث لم يستطع أي فلسطينيٍ قبله. ويتوسّع كمال في كيفية مقاومته "التمويه" مع الجماعة

اللبنانية، فيقول: "لا  يناسبني أن أتكلّم بلهجةٍ داخل المخيم ثمّ أغير لهجتي عندما  أمرّ بالحاجز خارج

المخيّم. إنّه لتحد وصمود سأواصله لسبب واحد: لأُظهِر للشخص العنصري الجالس قبالتي، أننا

سواسية، أنا وأنت، لا فرق بيننا سوى المؤهلّات التي نمتلكها". تشتمل حوادث أخرى على قصص لخرّيجين يافعين درسوا الهندسة والطب وإدارة الأعمال

(84) Ghassan Kanafani, Literature of Resistance in Occupied Palestine 1948–1966 (Beirut: Institute for Arab Research,

يُنظَر ((8:(

Craig Larkin, "Jerusalem’s Separation Wall and Global Message Board: Graffiti, Murals, and the Art of Sumud," The Arab Studies Journal , vol. 22, no. 1 (2014), pp. 134–169; Christopher Oshinski, "The Art of Resistance: 'Sumud', Graffiti, and the Palestinian Contestation of the Apartheid Wall in the West Bank," Master’s Thesis, George Mason University, Fairfax, 2018.

واختصاصات أخرى، لكن يُقال لهم دومًا: "عذرًا، نحن لا نوظّف الأجانب". وقد ذكر المشاركون أن

هؤلاء الخرّيجين الشباب يتّجهون إلى افتتاح متاجرهم الصغيرة الخاصة في المخيم، للبقاء بدلً من

الاستسلام. أخيرًا، تكشف محادثة مع رانيا معضلة ما هو داخليّ إزاء ما هو خارجي في الكيفية التي يرى بها

الفلسطينيون المخيم، مقارنة بغير الفلسطينيين. وتفصّل رانيا كم هي فخورة بما حقّقه الفلسطينيون

في مخيم برج البراجنة منذ عام 1948، على الرغم من المعاناة، والفظائع، والفقر: "أتى أهلي إلى هنا وعاشوا في خيام؛ كان لهم حمّامٌ واحد لكلّ الحي. وبنوا سقفًا فوق رؤوسهم، وتمكّنوا من بناء مزيد

من الطبقات لأولادهم. فهم [الأجانب] يرون المعاناة والأزقة هنا في المخيم، أمّا نحن، فنرى الإصرار

والتغيير". من الضروري أن نشير هنا إلى أن قصص المشاركين تسلّط الضوء على نضال من أجل الأنسنة، يجب أن يكون أوسع ارتباطًا بهدفهم الرامي إلى التحرّر. وكما قال كريم: "هدفنا هو التحرّر"؛ لكن

هذه ليست مطامح أساسية، كما قد يحسب الخارجيون أهداف الفلسطينيين، ولا هي مجرّد حوادث

معاناة، فما يرشد النضال الفلسطيني هو إرادة التغيير وعدم الاستسلام. وهذا ما يلتقي مع تحليل فريري للمُضطهَدين؛ إذ يوضح: "أنهم [المُضطهَدون] يقاتلون لا للتحرر من الجوع فحسب، بل من

أجل [...] حرية الخلق والبناء، التساؤل والمغامرة. ومثل هذه الحرية تقتضي أن يكون الفرد فاعلً ومسؤولً". لكن حرية الخلق والبناء هذه موجودة أصلً في المخيمات، على الرغم من الاضطهاد المستمر، وفي الطرائق التي حوّل بها الفلسطينيون مخيماتهم إلى بيوت وأحياء. وبهذا المعنى، ليست الحرية

مقصدًا نهائيًا أو حالة نهائية، بل هي سيرورة: سيرورة يشارك فيها الفلسطينيون كل يوم وهم يبنون

حياتهم في المخيمات وفي غير مكان. وهذه السيرورة الداخلية من صنع الحرية، بغض النظر عن السياسات الخارجية، لا تقتضي فاعلين خارجيين، فهي تنبع حصريًا من روح اللاجئين الفلسطينيين،

ومن صمودهم.

خاتمة

على الرغم من إقرار الفلسطينيين في مخيم برج البراجنة أنّ المحن والفظائع قد تُرهق وتُمرض، فإنّهم يؤكّدون أنّ استمرار الحياة رهنٌ باستمرارهم في الحفاظ على ثقافتهم وكفاحهم من أجل التحرّر.

والصمود هو جزءٌ لا يتجزّأ من حياتهم اليومية، يشتمل على تفكّر بقصص تمتد عبر أزمنة وأماكن شتّى،

وتلهم تلك القصص أفع لً تردّ على شروط الفلسطينيين المُضطربة الحالية، المُحدَثة بأيدي الاستعمار

الاستيطاني والدولة اللبنانية. والصمود، بوصفه مصطلحًا نجا من محاولات الصهيونيين التجزئة والغزو

الثقافي، يبدو محافظًا على معنى الاستمرار الثقافي والتاريخي العابر للأجيال والطوباوي والجمعي

(86) Freire, p. 68.

والباقي؛ ففعل (أفعال) الصمود ينطوي على الوحدة والتنسيق والتعاون في وجه العنف البنيوي، وفي وجه منظومات الاضطهاد كلها التي يعيش الفلسطينيون في ظلّها. ما يغلب حاليًا على البحوث والخطاب الأكاديمي من تركيز على الصدمة الفردية، يعمّي أبعاد الصمود

التوكيدية والجمعية والقادرة، كما أن تركيز هذه البحوث على ما يعانيه الفلسطينيون وما يفتقرون إليه، ينفي إمكان ممارستهم سيرورة صنع الحرية في حياتهم اليومية في المخيمات، كما يُعمّي أفعال

الفلسطينيين منذ إنشاء المخيم في بناء الجماعات والحيوات فيه. وللتغلّب على هذا الخطاب الفرداني، وتفكيك استعمار أفكار الصمود، والانخراط بحق في إبستيمولوجيات المُضطهَدين والافتراق عنها،

يجب أن تستهدي المقابلات بحكاية القصص وتواريخ الجماعات أكثر من ذي قبل، بدلً من أن تُصنَّف

تبعًا لمصطلحات وأهدافٍ إنسانية و / أو نفسية. تنطوي حكاية القصص على إمكان الإحاطة بالكيفية التي يفهم بها الفلسطينيون الصمود، والكيفية التي ييسّر بها صناعتهم معنى نضالهم. ولا يساعد إحلال

كلمات أو نماذج مفهومية أخرى محلّ الصمود على الإحاطة بمعاني الواقع الفلسطيني المنوعة، ولا على تطهير منطلقه التحرّري.

المراجع

References

العربية

منّاع، سامر. أن تكون فلسطينيًا في لبنان. بيروت: دار  نلسن،.2015

الأجنبية

Abdulrahim, Sawsan & Marwan Khawaja. "The Cost of Being Palestinian in Lebanon." Journal of Ethnic and Migration Studies. vol. 37, no. 1 (2011). Adams, Glenn et al. "Psychology as a Site for Decolonial Analysis." Journal of Social Issues. vol. 78, no. 2 (2022). Atallah, Devin G., Gonzalo Bacigalupe & Paula Repetto. "Centering at the Margins: Critical Community Resilience Praxis." Journal of Humanistic Psychology. vol. 61, no. 6 (2021). Badarin, Emile. "Localizing Resilience: Discursive Projections, Entrapments and Domination." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 15 (2021). Barakat, Kholoud Saber & Pierre Philippot. "Beyond Trauma, What Kept them Going? An Analysis of the Lives and Narratives of Five Syrian Women in Lebanon." Middle East–Topics & Arguments. vol. 11 (2018). Baylouny, Anne Marie. "Fragmented Space and Violence in Palestine." International Journal on World Peace. vol. 26, no. 3 (2009). Braun, Virginia & Victoria Clarke. Successful Qualitative Research: A Practical Guide for Beginners. London: Sage, 2013.

Breda, Adrian D. Van. "Developing the Notion of Ubuntu as African Theory for Social Work Practice." Social Work. vol. 55, no. 4 (2019). Busse, Jan. "Everyday life in the face of conflict: Sumud as a spatial quotidian practice in Palestine." Journal of International Relations Development. vol. 25, no. 3 (2022). Damrosch, David. World Literature in Theory. Oxford: Wiley, 2014. Eatough, Virginia & Jonathan A. Smith. "I feel like a Scrambled Egg in my Head: An Idiographic Case Study of Meaning Making and Anger Using Interpretative Phenomenological Analysis." Psychology and psychotherapy: Theory, Research and Practice. vol. 79, no. 1 (2006). Eggerman, Mark & Catherine Panter–Brick. "Suffering, Hope, and Entrapment: Resilience and Cultural Values in Afghanistan." Social Science & Medicine. vol. 71, no. 1 (2010). Fassin, Didier & Richard Rechtman. The Empire of Trauma: An Inquiry into the Condition of Victimhood. Princeton: Princeton University Press, 2009. Fassin, Didier. "The Humanitarian Politics of Testimony: Subjectification through Trauma in the Israeli–Palestinian Conflict." Cultural Anthropology. vol. 23, no. 3

Freire, Pablo. Pedagogy of the Oppressed. New York: The Continuum Publishing Corporation, 1970. Ghouzal, Ferial. Edward Said and Critical Decolonization. Cairo: American University in Cairo Press, 2007. Guidry, John, Michael D. Kennedy & Mayer Zald (eds.). Globalizations and Social Movements: Culture, Power and the Transnational public sphere. Arbor: University of Michigan Press, 2000. Hakim, Nader et al. "Turning the Lens in the Study of Precarity: On Experimental Social Psychology’s Acquiescence to the Settler–Colonial Status Quo in Historic Palestine." British Journal of Social Psychology. vol. 62 (2022). Hammad, Jeyda & Rachel Tribe. "Culturally informed resilience in Conflict Settings: A Literature Review of Sumud in the Occupied Palestinian Territories." International Review of Psychiatry. vol. 33, no. 1–2 (2021). Hilal, Jamil. "The Fragmentation of the Palestinian Political Field: Sources and Ramifications." Contemporary Arab Affairs. vol. 11, no. 1–2 (2018). Kanafani, Ghassan. Literature of Resistance in Occupied Palestine 1948–1966. Beirut: Institute for Arab Research, 1982. Larkin, Craig. "Jerusalem’s Separation Wall and Global Message Board: Graffiti, Murals, and the Art of Sumud." The Arab Studies Journal. vol. 22, no. 1 (2014).

Makkawi, Ibrahim. "Towards an Emerging Paradigm of Critical Community Psychology in Palestine." The Journal of Critical Psychology, Counselling and Psychotherapy (Summer 2009). Maldonado–Torres, Nelson. "On the Coloniality of Human Rights." Revista Crítica de Ciências Sociais. vol. 114 (2017). ________. "Outline of Ten Theses on Coloniality and Decoloniality." Fondation Frantz Fanon (2016). at: https://bit.ly/3OneQA5 Malik, Zah. "Staying Human, Informing Resistance: a Study of Contemporary Palestinian Sumud." Academia education (2013). Marie, Mohammad, Ben Hannigan & Aled Jones. "Social Ecology of Resilience and Sumud of Palestinians." Health. vol. 22, no. 1 (2018). McManus, Philip.  Relentless Persistence: Nonviolent Action in Latin America. Philadelphia: New Society Pub, 1991. Meari, Lena. "Reconsidering Trauma: Towards a Palestinian Community Psychology." Journal of Community Psychology. vol. 43, no. 1 (2015). Milich, Stephan & Lamia Moghnieh. "Trauma: Social Realities and Cultural Texts." Middle East–Topics & Arguments. vol. 11 (2018). Millon, Theodore, Robert F. Krueger & Erik Simonsen (eds.). Contemporary Directions in Psychopathology: Scientific Foundations of the DSM–V and ICD–11. Guilford: The Guilford Press, 2010. Nakhleh, Emile A. "The West Bank and Gaza: Twenty Years Later." Middle East Journal. vol. 42, no. 2 (1988). Nakhleh, Khalil. The Myth of Palestinian Development: Political Aid and Sustainable Deceit. Jerusalem: PASSIA, 2004. Nassar, Jamal Raji & Roger Heacock. Intifada: Palestine at the Crossroads. Connecticut: Greenwood Publishing Group, 1990. Nelson, B.D. et al. Examining the Needs of at–Risk Youth in the Middle East and North Africa: A Multi–Method Landscape Analysis and Systematic Literature Review. Boston, MA: Harvard Humanitarian Initiative (Harvard University), 2015. Nguyen–Gillham, Viet et al. "Normalising the Abnormal: Palestinian Youth and the Contradictions of Resilience in Protracted Conflict." Health & Social Care in the Community. vol. 16, no. 3 (2008). Oshinski, Christopher. "The Art of Resistance: 'Sumud', Graffiti, and the Palestinian Contestation of the Apartheid Wall in the West Bank." Master’s Thesis. George Mason University. Fairfax. 2018. Peteet, Julie. Landscape of Hope and Despair: Palestinian Refugee Camps. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2005.

Ramadan, Adam. "Spatialising the Refugee Camp." Transactions of the Institute of British Geographers. vol. 38, no. 1 (2013). Rangitsch, Spencer. "Tracing Symbolic Discourse of Steadfastness and Resistance: Collective Memory, Social Practive and Palestinian (trans) Nationalism." Master thesis. Central European University. Budapest, 2007. Rijke, Alexandra & Toine van Teeffelen. "To Exist Is to Resist: Sumud, Heroism, and the Everyday." Jerusalem Quarterly. vol. 59 (2014). Rmeileh, Rami. "'Sumud is to Always be One Hand': Culturally Informed Resilience Among Palestinian Refugee Men in Lebanon." Master’s thesis. University of Oslo. Oslo. 2021. _________. "73 Years Later: What life is like for Palestinian refugees in Lebanon: highlighting lived Experiences and Sustainable Policy–Oriented Solutions." Office of MEP Margrete Auken (January 2021). at: http://bitly.ws/H4e3 Rubenberg, Cheryl A. "The Civilian Infrastructure of the Palestine Liberation Organization." Journal of Palestine Studies. vol. 12, no. 3 (1983). Said, Edward. Reflections on Exile and Other Essays. Cambridge: Harvard University Press, 2000. Saleh, Mohsen Mohammed. History of Palestine: A Methodological Study of a Critical Issue. Cairo: Al–Falah Foundation, 2005. Santos, Boaventura de Sousa. Epistemologies of the South: Justice against Epistemicide. New York: Routledge, 2014. Sazzad, Rehnuma. "Mahmoud Darwish’s Poetry as Sumud: Palestinian Resistance to Israeli Occupation and Subjugation." Interventions. vol. 18, no. 3 (2016). Shalhoub–Kevorkian, Nadera. "Living death, recovering life: Psychosocial resistance and the Power of the Dead in East Jerusalem." Intervention. vol. 12, no. 1 (2014). Shehadeh, Raja. The Third Way: Journal of the Life in the West Bank. London: Quartet Books, 1982. Summerfield, Derek. "A Critique of Seven Assumptions Behind Psychological Trauma Programmes in War–Affected Areas." Social Science & Medicine. vol. 48, no. 10 (May

Swedenburg, Ted. "The Palestinian Peasant as National Signifier." Anthropological Quarterly. vol. 28 (1990). ________. Seeing Double: Palestinian/American Histories of the Kufiya. Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992. Tamari, Salim. "The Palestinian Movement in Transition: Historical Reversals and the Uprising." Journal of Palestine Studies. vol. 20, no. 2 (1991).

Tartir, Alaa & Timothy Seidel (eds.). Palestine and Rule of Power: Local Dissent vs. International Governance. Cham: Palgrave Macmillan, 2019. Teeffelen, Toine Van & Victoria Biggs. SUMUD: Soul of the Palestinian People. Bethlehem: AEI–Open Windows, 2011. Theodossopoulos, Dimitrios. "On De–Pathologizing Resistance." History and Anthropology. vol. 25, no. 4 (2014). Zraly, Maggie & Laetitia Nyirazinyoye. "Don’t let the Suffering Make you Fade Away: An Ethnographic Study of Resilience Among Survivors of Genocide–Rape in Southern Rwanda." Social Science & Medicine. vol. 70, no. 10 (2010).