العودة إلى تفاصيل المؤلَّف النساء والانتفاضة العراقية: التفاوت والفضاء ضمن آفاق نسوية

النساء والانتفاضة العراقية: التفاوت والفضاء ضمن آفاق نسوية

Women and the Iraqi Uprising: Inequality, Space, and Feminist Perspectives

Asmaa Jameel Rasheed & Zahra Ali | **

وزهراء علي *

أسماء جميل رشيد

الملخّص

تستكشف الدراسة معنى مشاركة النساء في انتفاضة تشرين 2019 ومضمونها وأهميتها، من خلال تقديم رؤى نقدية تساعد على تفسير أوضاعهن المعقدة في العراق، وتحليل السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وانعكاساته على حياتهن بما في ذلك التفاوتات الجندرية. وتضع الدراسة مشاركة النساء في حركة الاحتجاج ضمن واقعها التاريخي والاجتماعي، وتستكشف معنى هذه المشاركة ومضمونها وأهميتها من منظور الاقتصاد السياسي النسوي. ثم تجادل بأن الانتفاضة، بوصفها ظاهرة حضرية في الغالب، أنتجت فضاءً اجتماعيًا بديلًا تحدى فضاءً حضريًا معسكرًا ومخصخصًا وذكوريًا. أخيرًا، تحاول الدراسة فهم غياب الأجندة النسوية، وتزعم أن الإطار السائد الذي كان متاحًا للنساء هو أن يضعن مشاركتهن في إطار القومية بدلًا من النسوية، بحيث يستطعن أن ينتزعن حق المشاركة أسوة بأي مجموعة اجتماعية أخرى؛ لذلك لم تكن مشاركتهن الواسعة محدّدة بالجندر، بل شاملة وتحويلية حتى تمنحهن الفرصة للمساومة مع الأبوية السائدة.

Abstract

Abstract: This article explores the meaning, significance, and implications of women’s participation in the October 2019 uprising. It provides a critical perspective to analyse the complex realities of women in Iraq, and explain the social, political and economic context and how it impacts their lives and reinforces gender inequality. After situating womenʼs participation in its historical and social reality, and from a feminist political economy perspective the article then explores its meaning and significance. It argues that the uprising as a mostly urban phenomenon produced an alternative social space that challenged the dominant militarized, privatized, and masculine space. Finally, the article explores the absence of a proper feminist agenda, arguing that the dominant frame that was available for women is to frame their participation within nationalist rather than feminist terms, to assert their participation as any other social group. As such, their massive participation was not gender–specific, but inclusive and transformative, which allowed them to negotiate with the dominant patriarchy.

الكلمات المفتاحية:
  • النساء
  • العراق
  • انتفاضة تشرين
  • الفضاء
  • التفاوت
  • النسوية
Keywords:
  • Women
  • Iraq
  • October Uprising
  • Space
  • Inequality
  • Feminism

Asmaa Jameel Rasheed & Zahra Ali | ** وزهراء علي * أسماء جميل رشيد

Women and the Iraqi Uprising: Inequality, Space,

and Feminist Perspectives

ملخص: تستكشف الدراسة معنى مشاركة النساء في انتفاضة تشرين  2019 ومضمونها

وأهميتها، من خلال تقديم رؤى نقدية تساعد على تفسير أوضاعهن المعقدة في العراق،

وتحليل السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وانعكاساته على حياتهن بما في ذلك

التفاوتات الجندرية. وتضع الدراسة مشاركة النساء في حركة الاحتجاج ضمن واقعها

التاريخي والاجتماعي، وتستكشف معنى هذه المشاركة ومضمونها وأهميتها من منظور

الاقتصاد السياسي النسوي. ثم تجادل بأن الانتفاضة، بوصفها ظاهرة حضرية في الغالب،

أنتجت فضاءًاجتماعيًا بديلً تحدى فضاءً حضريًا معسكرًا ومخصخصًا وذكوريًا. أخيرًا،

تحاول الدراسة فهم غياب الأجندة النسوية، وتزعم أن الإطار السائد الذي كان متاحًا للنساء

هو أن يضعن مشاركتهن في إطار القومية بدلً من النسوية، بحيث يستطعن أن ينتزعن حق

المشاركة أسوة بأي مجموعة اجتماعية أخرى؛ لذلك لم تكن مشاركتهن الواسعة محدّدة

بالجندر، بل شاملة وتحويلية حتى تمنحهن الفرصة للمساومة مع الأبوية السائدة.

Abstract: This article explores the meaning, significance, and implications of women’s participation in the October 2019 uprising. It provides a critical perspective to analyse the complex realities of women in Iraq, and explain the social, political and economic context and how it impacts their lives and reinforces gender inequality. After situating womenʼs participation in its historical and social reality, and from a feminist political economy perspective the article then explores its meaning and significance. It argues that the uprising as a mostly urban phenomenon produced an alternative social space that challenged the dominant militarized, privatized, and masculine space. Finally, the article explores the absence of a proper feminist agenda, arguing that the dominant frame that was available for women is to frame their participation within nationalist rather than feminist terms, to assert their participation as any other social group. As such, their massive participation was not gender–specific, but inclusive and transformative, which allowed them to negotiate with the dominant patriarchy.

Professor of Sociology at the University of Baghdad. Email: Asmaajameel71@yahoo.com

Assistant Professor of Sociology at Rutgers University, US (Corresponding Author). Email: z.ali@rutgers.edu

بإشراف إسحاق ديوان.

مقدمة

في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، انتشرت حركة احتجاجية ضخمة في وسط العراق وجنوبه، شارك فيها المحتجون والمحتجات من مختلف الطبقات والفئات العمرية والخلفيات التعليمية، وكان من أبرز سماتها الحضور القوي للنساء، ولا سيما الشابات منهن، فقد اندفعن من تلقاء أنفسهن، واتخذن قرار الاحتجاج من دون وجود جهة تنظمهن أو تدعوهن للانخراط. رابطت المتظاهرات في ساحات الاحتجاج معتصمات، وظهرت الشابات قائدات رأي وقارعات طبول يعتلين المنصات بالخطب والهتافات. ولم تخرج أكثرهن ليعبرن عن مطالبهن الخاصة، وإنما تبنين مطالب الحراك وأهدافه الذي قاده الشباب، واصطففن مع شعاراته الموح دة "إنريد وطن" و"نازل آخذ حقي"

التي لم تسمح بظهور مطالب خاصة كالمطالب الطبقية أو الفئوية المحددة مثلً. وقد جمع ذلك الاصطفاف النساء والرجال من مختلف الخلفيات الاجتماعية والأيديولوجية من دون الاضطرار إلى التعامل مع قضايا تثير الانقسام والاختلاف. غير أن غياب الأجندة النسوية لا يعني غياب البعد الجندري النسوي في الانتفاضة، فلغة السلطة السياسية التي قمعت الانتفاضة وخطابها جندريان بامتياز، حيث اتهما المتظاهرات والمتظاهرين بالفساد الأخلاقي وخرق المبادئ الدينية والاجتماعية التي طالما حدّت من الاختلاط وحددت العلاقات بين الجنسين في العراق. وردًا على هذا القمع، نُظِّمت في شباط/ فبراير 2020 تظاهرة نسائية بعنوان "بناتك يا وطن"، ورُفعت فيها شعارات تخص النساء مثل "صوت المرأة ثورة". ولا يقتصر البعد الجندري على مشاركة النساء، بل يتعدى ذلك إلى ما أنتجته الاحتجاجات، بوصفها ظاهرة حضرية، من فضاء اجتماعي بديل استعادت فيه المتظاهرات والمتظاهرون فضاءً

كان معسكرًا ومخصخصًا وذكوريًا، وأنتجوا فضاء عامًا وشاملً وبعيدًا عن العنف المسلح، يمكنهن

فيه أن يتحدين الأعراف الجندرية المهيمنة، وأن يشاركن بفعالية في بناء نسيج اجتماعي غير أبوي أو أقل أبوية مما هو قائم. تحاول هذه الدراسة أن تستكشف معنى مشاركة النساء في انتفاضة تشرين ومضمونها وأهميتها من خلال تقديم رؤى تساعد على تفسير أوضاعهن المعقدة في العراق وتحليل السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وانعكاساته على حياتهن بما في ذلك التفاوتات الجندرية. وذلك بالاعتماد على مجموعة البحوث الميدانية والتحليلية التي قامت بها الباحثتان لتقصي أوضاع النساء في العراق وفي مجالات مختلفة، إلى جانب بحوث ميدانية أخرى تناولت مشاركتهن في احتجاجات تشرين. وتستند الدراسة إلى ما توافر من البيانات، الكمية منها والنوعية، لتحليل التفاوتات بين الجنسين. وبدلً من تناول مفهوم التفاوتات بالمعنى المحدود (أي الفروق بين النساء والرجال)، تستعين الدراسة بمقاربة تعتمد على النظرية النسوية العلائقية التي تستند إلى النهج التحليلي النقدي مع التركيز

(((ترى النسوية أن النساء لا يمثلن فئة واحدة متجانسة، ولا يتعرضن جميعًا للقدر نفسه من التمييز؛ فهناك عوامل أخرى إضافية

كالدين والطبقة والعرق والميول الوطنية تؤثر بالتمييز الذي يواجهنه بصفتهن نساء؛ بمعنى أن هناك تقاطعًا بين التمييز الذي يواجهنه

على أساس ديني وعرقي وطبقي، وما يواجهنه من تمييز من حيث هن نساء.

على الاقتصاد السياسي النسوي والتاريخ الاجتماعي للنساء؛ لقدرتهما على تقديم فهم لطبيعة العلاقة المعقدة بين البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للسلطة والموارد، وكيفيات الحصول عليها والمسؤول عن تفاوت توزيعها. ويساعد تحليل الاقتصاد السياسي النسوي في إبراز التفاوتات، بوصفها أحد الأسباب التي هيأت لانخراطهن في الفعل الاحتجاجي خاصة من جيل الشباب، حتى إن لم تكن هي الدافع المحرك لهذا الفعل. وإضافة إلى الاقتصاد السياسي النسوي والبعد العلائقي، تستخدم هذه الدراسة مفهوم إنتاج الفضاء لعالم الاجتماع الفرنسي هنري لفيفير، لتحليل الاحتجاجات وإبراز بعدها الجندري، فقد أشار إلى أن الفضاء الاجتماعي يكون موضوعَ إنتاجٍ وبناءًاجتماعيًا، بحيث لا يمكن اختزاله في بنائه المادي أو إنتاجه اقتصاديًا، بل هو نتاج تطوير من خلال دينامية اجتماعية ومادية وعقلية، هي ثمرة القيم والتمثيلات الجماعية التي يجري تصورها وفهمها وتجربتها واقعيًا في الحياة اليومية. ونستخدم مفهوم "إنتاج الفضاء" لتأكيد حقيقة أنه نتاجٌ للمجتمع ومنتج له في الآن نفسه، حيث تجري تجربته وتصوره وإدراكه معًا. ونأخذ في اعتبارنا أن ليفيفر وضع أيضًا نظرية للفضاءات الاجتماعية المنتجة للإمكانيات، حيث ينبثق الخيال الاجتماعي الثوري واليوتوبيا من أفعال الناس اليومية العفوية، وليس من خلال خطة واعية. وعلى ذلك جادل ليفيفر بأن الحركة الثورية ليست هي التي تنتج الفضاء، ولكن انقطاع الفضاءات نفسه هو الذي يخلق شيئًا مختلفًا، وبديلً من القوة السائدة. وبهذا المعنى، يكون الفضاء العام هو مكان تفاوض القيم والأيديولوجيات والأعراف التي تشكل "العقد الاجتماعي" لمجتمع ما؛ ذلك أن احتلال الفضاء نفسه يسمح للأفراد الذين يشاركون فيه بالمساهمة في تشكيل هذا العقد والتفاوض بشأنه. سنضع أولً مشاركة النساء في حركة الاحتجاج ضمن سياقيها التاريخي والاجتماعي، ونجادل بأن وضعهن وطبيعة النظام الأبوي في العراق مرتبطان بالأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تشكلت من خلال الحروب والحصار الاقتصادي وطبيعة النظام السياسي (الاستبدادي – الريعي ثم الطائفي). فليس من الممكن فهم وضعهن وطبيعة الممارسات والتصورات الجندرية وتحليلها بمفردها، بما أن قضايا النساء والجندر بنية اجتماعية، فالبنيوي هو أيضًا جندري. وسنستكشف ثانيًا معنى مشاركتهن في الاحتجاجات ومضمونها وأهميتها، ونجادل بأن الانتفاضة، بوصفها ظاهرة حضرية في الغالب، أنتجت فضاءًاجتماعيًا، حيث استعاد المتظاهرات والمتظاهرون فضاءً حضريًا معسكرًا ومخصخصًا وذكوريًا. ومن خلال إنتاج فضاء اجتماعي بديل وعام وشامل وبعيد عن العنف المسلح، تمكنت النساء من جميع الفئات من تحدي الأعراف الجندرية المهيمنة والمشارَكة بفعالية في بناء نسيج اجتماعي أقل أبوية مما كان قائمًا. أخيرًا، نحاول أن نقدم فهمًا لغياب الأجندة النسوية أو أجندة قائمة على النساء في الانتفاضة. ونحن نزعم أن الخيار الوحيد السائد الذي كان متاحًا لهن هو أن يضعن مشاركتهن في إطار القومية بدلً من النسوية؛ وبذلك يستطعن أن ينتزعن حق المشاركة

(2) Henri Lefebvre, La production de l’espace (Paris: Anthropos, 1974). (3) Ibid.

أسوة بأي مجموعة اجتماعية أخرى؛ لذلك لم تكن مشاركتهن الواسعة محددة بشؤون النساء، بل شاملة وتحويلية وتمنحهن الفرصة للمساومة مع الأبوية السائدة.

أولا: التفاوتات الجندرية في العراق

1. البنيوي هو جندري

إن المقاربة النظرية التي نقترحها هنا تأخذ في الاعتبار السياقية والتعقيد والعلائقية والتاريخانية، باعتبارها ضرورية لدراسة قضايا النساء والجندر في أي مكان في العالم. وُلِد التحليل العلائقي من رحم

الدراسات النسوية النقدية التي تأخذ في الاعتبار علائقية أنواع من السلطة كالأبوية والطبقية الاجتماعية والانتماء الإثني والديني والطائفي، والسياق الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والمجتمعي، في تحليل واقع النساء وقضايا الجندر. تشير أنثياس ويوفال–ديفيس، على سبيل المثال، إلى أنه لا يوجد تعريف لهن غير قائم على الطبقة أو الإثنية أو العمر أو الجنس وما إلى ذلك. ما نطرحه هنا هو أن تناول حياة العراقيات، من خلال عدسة معقّدة علائقية، يعني ترسيخًا لتجاربهن في التحليل الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي، وهذا يقتضي إثنوغرافيا معمقة، نطبق عليها عدسة تاريخية. كما يعني ترسيخ تجاربهن في سياقاتها المحددة ومواقفها المحلية، وفي الوقت نفسه رؤية الديناميات العابرة للقومية التي تشكل حيواتهن. إنه تحليل الطرائق المعقدة ومتعددة المستويات والطبقات التي تعمل فيها الأشكال المختلفة للسلطة والمنصب، وتتفاعل فيما بينها. وإضافة إلى المنظور النسوي العلائقي والبعد التاريخي، نرى أنه يجب أخذ طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي في الاعتبار لفهم قضايا النساء والتحديات اليومية التي يواجهن والتفاوتات الجندرية وتحليلها، فنهج الاقتصاد السياسي النسوي لا يعني وضعهن في منظور اقتصادي تقليدي، بل يعني اعتبار الجندر والتنميط الجندري للعمل وللأدوار الاجتماعية والتصورات الجندرية عاملين أساسيين في تشكيل الصُّعد الاقتصادية والسياسية للمجتمع. وكما أشارت نسويات كثيرات، ليست هناك

قطيعة بين المجالين الخاص والعام؛ لأن النظام الرأسمالي مبني على إخفاء العمل المنزلي الذي

(4)  Maria Lugones, "Towards a Decolonial Feminism," Hypathia , vol. 25, no. 4 (2010), pp. 742–749; Chandra Talpade Mohanty (ed.), Feminism without Border: Decolonizing Theory, Practicing Solidarity (Durham: Duke University Press, 2003); Chandra Talpade Mohanty, "'Under Western Eyes' Revisited: Feminist Solidarity through Anticapitalist Struggles," in: Mohanty (ed.), pp. 192–221; Chandra Talpade Mohanty , Ann Russo & Lourdes Torres (eds.), Third World Women and the Politics of Feminism (Bloomington: Indiana University Press, 1991); Suad Joseph, Gender and Citizenship in the Middle East (Syracuse: Syracuse University Press, 2000); Suad Joseph, "Elite Strategies for State Building: Women, Family, Religion and the State in Iraq and Lebanon," in: Deniz Kandiyoti (ed.), Women, Islam, and the State (London: Macmillan, 1991), pp. 176–200; Patricia Hill Collins & Sirma Bilge, Intersectionality (Malden: Polity Press, 2016). (5)  Floya Anthias & Nira Yuval Davis (eds.), Woman–Nation–State (London: Palgrave Macmillan, 1989); Nira Yuval–Davis, Gender and Nation (London: SAGE, 1997). (6) Christine Delphy, L’ennemi principal 2: Penser le Genre (Paris: Syllepse, 2001); Christine Delphy, L’ennemi principal. 1. Economie politique du patriarcat (Paris: Syllepse, 1998); V. Spike Peterson, "Thinking through Intersectionality and War," Race, Gender & Class , vol. 14, no. 3–4 (2007), pp. 10–27; V. Spike Peterson, "How (the Meaning of) Gender Matters in Political Economy," New Political Economy , vol. 10, no. 4 (2005), pp. 499–521.

تضطلع به النساء، بحيث لا يعتبر "عملً"، بينما يستند إليه اقتصاديًا واجتماعيًا بصفة أساسية. ولذلك

يعتبر الاقتصاد السياسي النسوي الدور الأساسي للنساء في المجالين العام والخاص، بوصفهن قوة إنجابية وإنتاجية، ويحلل العلاقة بين النظام الأبوي والنظام السياسي، من خلال السياسات الجندرية للدولة والنظام الاقتصادي، عن طريق طبيعة الإنتاج في بعدها الجندري. وتجدر الإشارة إلى أنه يجب فهم العلاقة بين وضعهن وتطور نظام الدولة الريعية، من دولة قوية توزع الوظائف والخدمات قبل أن ينتاب الضعف مؤسساتها في سياق العقوبات الاقتصادية، وصولً إلى تفكك الدولة من خلال تشظي النظام بعد عام.2003

2. من دولة الاستبداد الريعية إلى التشظي والخصخصة

ساعد النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الناجم عن عائدات النفط على تحسين ظروف حياة النساء العراقيات وحقوقهن القانونية، خلال سبعينيات القرن العشرين، وأضعف التمثلات الجندرية النمطية. غير أن طبيعة النظام نفسها عززت جزئيًا الأبوية الجديدة؛ إذ كان رئيس الدولة بمنزلة الأب

الذي يحتكر ممارسة العنف ضد أي شخص يعارض هيمنته. وشهدت الثمانينيات الحرب مع إيران، وعسكرة المجتمع التي انطوت على تعزيز معايير أبوية للذكورة والأنوثة وهياكل السلطة التي هيمن عليها الرجال، وتكريس العنف السياسي. وساهمت هذه العوامل في فقدان المكاسب التي تحققت للنساء في عقد السبعينيات. وعلى الرغم من أن الحرب أفرزت أدوارًا جديدة للنساء، تحملن خلالها أعباء الإعالة واضطلعن بأدوار كانت مقصورة على الرجال، سواء في قيادة الأسرة أو في العمل خارج المنزل للتعويض عن غيابهم في الحرب، فإن سياسات الدولة قدمت صورة الأم على حساب الصور الأخرى التي يمكن أن تقدم فيها النساء جزءًا من حركة تطور المجتمع؛ نظرًا إلى الوظيفة الإنجابية التي تخدم مصلحة النظام في

تعويض النقص الحاصل في الهرم السكاني، نتيجة موت الذكور في الحرب. وتعززت هذه الصورة بسياسات تمنح إجازات طويلة عن العمل، وزيادة في الأجور عن كل مولود جديد، وفرض العقوبات على كل من تتنصل من هذه الوظيفة عن طريق لوائح منع الإجهاض أو تداول أدوية منع الحمل. شهد العراق تدهورًا كبيرًا في نظامه الاقتصادي خلال التسعينيات؛ بسبب العقوبات الاقتصادية التي

فرضتها عليه الأمم المتحدة في/ أغسطس 1990. وثمة أثر مدمّر لهذه لعقوبات التي امتدت نحو آب

12 عامًا، وأدت إلى تدهور النسيج الاجتماعي العراقي وتدمير الدولة، مقدّمةِ الخدمات الاجتماعية والاقتصادية الرئيسة التي اعتمدت النساء عليها كثيرًا. فقد تسبب تفاقم الفقر والأزمة الإنسانية الناجمة

عن العقوبات في وضع العراقيات والمجتمع بأسره في وضعية الحفاظ على البقاء التي اندرجت ضمن علاقات معيارية جندرية، وأسست لبروز أنواع جديدة من الأبوية في فترة ما بعد العقوبات

(7) Hisham Sharabi, Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society (Oxford: Oxford University Press,

(((ينظر: لاهاي عبد  الحسين، أثر التنمية والحرب على النساء في العراق 1988–1968: (بغداد: دار الشؤون الثقافية،.)2006

وتناقص خدمات الدولة ومؤسساتها. كانت عقوبات الأمم المتحدة في الواقع "حربًا غير مرئية"، دمرت مؤسسات الدولة الأساسية وأغرقت سكان البلاد في الفقر. وتآكلت القيم الاجتماعية والثقافية الأساسية، مع انتشار الفساد والعلاقات القائمة على المصلحة الاقتصادية، وتفكك التضامن الأسري في سياق كافح فيه الأفراد لإيجاد وسائل للبقاء. في هذا السياق، حدث انخفاض عام في معدلات الزواج، وظهرت زيجات غريبة مثل زواج الفتيات الصغيرات من رجال أثرياء، فضلً عن ارتفاع معدلات الزواج غير الرسمي. أدى الانهيار الاقتصادي الناتج من العقوبات الاقتصادية إلى إفقار المجتمع العراقي، وتدني مستوى المعيشة؛ فقد بلغت نسبة الفقر المطلق خلال التسعينيات من القرن الماضي 89.4 في المئة على مستوى الأفراد في الحضر و 92.5 في المئة في الريف، أما على مستوى الأسر فقد بلغت 85.6 في المئة في الحضر و 89.86 في المئة في الريف. وخلق الحصار معاناة كبيرة للعراقيين في مجالي الدخل والاستهلاك، تمثلت في ارتفاع الأسعار والتضخم وزيادة الطلب على المواد الغذائية، وزيادة نسبة الإنفاق على هذه المواد. وأتت هذه الزيادة على حساب الإنفاق على السلع والخدمات الأخرى غير الاستهلاكية. وكرست حالة الفقر الأدوار النمطية التي تربط النساء بالعمل المنزلي، فقلة الدخل مقابل ارتفاع أسعار المواد الغذائية تَطّلبت منهن تحديدًا أن يضاعفن جهودهن في أعمال المنزل، لتأمين وجبات الغذاء للعائلة في ظل شح المواد. وكرسن جهودهن خلال فترة الحصار لشؤون البيت والطبخ الذي أصبح، خلال العقوبات الاقتصادية، لا يشمل إعداد الوجبات فقط، وإنما إعداد المواد الأولية التي يحتاجها الطبخ. وبالتوازي مع ذلك، تعزز نفوذ العشيرة وأعيد إحياؤها على حساب تنظيمات المجتمع الأخرى، بعد تزايد اهتمام نظام البعث بالعشائر واعتماده على أقرباء مسؤولي الدولة وأعضاء الحزب الحاكم وعشيرتهم، في فرض سيطرته على المجتمع خلال الحرب مع إيران. وتعاظم دور العشيرة خلال التسعينيات؛ نتيجة ضعف قبضة السلطة ومحاولة الرئيس صدام حسين استمالة رجال العشائر وشيوخها لضمان ولائهم من جهة، وميل الناس إلى العودة لعلاقاتهم العشائرية في فض نزاعاتهم، وحل مشكلاتهم، وعدم التعويل على أجهزة السلطة في حفظ الأمن بفعل الحصار الاقتصادي.

(9) Joy Gordon, Invisible War: The United States and the Iraq Sanctions (Massachusetts: Harvard University Press, 2012); Yasmin H. Al–Jawaheri, Women in Iraq: The Gender Impact of International Sanctions (London: I.B. Tauris,

(((1 ينظر:

Zahra Ali, Women and Gender in Iraq: Between Nation–Building and Fragmentation (Cambridge: Cambridge University Press, 2018).

((1(محمد كاظم المهاجر، الفقر في العراق قبل وبعد حرب الخليج، (الأمم المتحدة: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"،.)1997 (((1 آمال شلاش وسهام عبد الحميد، "الفقر بين النساء"، ورقة مُقدّمة في ندوة النوع الاجتماعي والتنمية المستدامة، الاتحاد العام

لنساء العراق، بغداد، تموز/ يوليو 2001، ص.5 (((1 فالح عبد  الجبار وهشام داود، "شيوخ ومنظرون"، تقرير الشرق الأوسط، العدد).2000(215

وشهدت الفترة ذاتها تصعيدًا في مظاهر التدين، في إطار ما عرف بالحملة الإيمانية التي فرضت على المجتمع مجموعة من السياسات، كانت الغاية منها إشغال المواطن بالقضايا الدينية وضمان انصرافه عن الاحتجاج أو تحدي نظام السلطة أو التمرد عليه، تحت وطأة الظروف الاقتصادية الصعبة. كما حاول النظام السياسي من خلال هذه الحملة أن يضفي شرعية على سلطته، تستند إلى مبادئ ومقولات فقهية تدعو إلى طاعة الحاكم حتى لو كان جائرًا، وتظهره بصورة المتدين التقي. وعلى

هذا النحو، تحولت السياسات الجندرية لدى حزب البعث من قومية علمانية مجندرة في سياق دولة الاستبداد الريعية القوية إلى سياسة قبلية – إسلامية، في سياق دولة ضعيفة، بسبب الحرب والعقوبات الاقتصادية. وكانت حقوق النساء وأجسادهن وجنسانيتهن في صميم أيديولوجيات النظام وتعريفاته للأمة. شهدت هذه المرحلة سن مجموعة من القوانين عكست توجهًا ذكوريًا في سياسة النظام الحاكم تجاه

النساء، من بينها منع من هن تحت سن الخامسة والأربعين من السفر خارج العراق من دون محرم (أي رجل من أقارب الدرجة الأولى) وتشجيع ممارسة "جرائم الشرف" من خلال تخفيف العقوبة على الجناة فيها. كما أصدر النظام الحاكم قرارًا يسمح من خلاله للرجل بالزواج من امرأة ثانية أو ثالثة من دون الرجوع إلى موافقة الزوجة الأولى. وأكدت سياسات النظام السياسي القائم على الدور الإنجابي للنساء من خلال اللجنة التي تشكلت عام 1997 لوضع استراتيجية النهوض بواقعهن التي جاء في أهدافها تحقيق المساواة في فرص التعليم والتدريب مع ملاحظة عدم تعارض الاستمرار في التعلم مع الدور الإنجابي للنساء. وعمومًا، أثرت الحروب المتواصلة والعقوبات وما تبعها من

أزمات إنسانية والسياسات القبلية – الإسلامية للنظام في ظروف الحياة اليومية للنساء وحقوقهن، وفي التمثيلات الجندرية، وفي تزايد ممارسة قيم اجتماعية معيارية محافظة، وخلقت أنواعًا جديدة من الأبوية؛ فزادت من القيود المفروضة على حركتهن واستقلاليتهن، وصار يُنظَر إلى كل نزعة تفرّد منهن

على أنها مرادفة للرذيلة. شكلت الحروب المتتالية والتحول القبلي – الإسلامي، في سياق الإفقار والانهيار الاقتصادي، إطارًا حكمَ ديناميات تطور أوضاع العراق بعد الغزو الأميركي في عام 2003، فقد اتسمت هذه الفترة بارتفاع العنف الطائفي والفوضى السياسية، وصعود القوى الإسلاموية المحافظة. وقد أدت مأسسة سلطة الائتلاف المؤقتة لنظام سياسي طائفي، وتسل م النخبة السياسية المعارضة لحزب البعث التي هيمن عليها القوميون الكرد والإسلامويون الشيعة المحافظون الذين استخدموا أيديولوجيا المظلومية، وسياسات سلطة الائتلاف المؤقتة والنظام الجديد، إلى تفاقم التوترات الاجتماعية والسياسية، وإغراق

(((1 سعد سلوم، مقابلة شخصية أجرتها أسماء جميل رشيد، بغداد، أيلول/ سبتمبر.2010 ((1(في نهايات السبعينيات أُدخلت إصلاحات مهمة على قانون الأحوال الشخصية رقم 158 لسنة 1959. من هذه الإصلاحات عدم قانونية تطليق الزوج زوجته شفاهيًا وحصر صلاحية الطلاق لدى المحاكم، ومنع الزوج من الزواج بامرأة ثانية من دون موافقة

الزوجة الأولى، وتيسير حصول الأم على حضانة الأطفال في حالات الانفصال والطلاق. ينظر: آمال رسام، "العراق"، في: حقوق

النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: المواطنة والعدالة (واشنطن دي سي: فريدم هاوس، 2005)، ص.16 ((1(تقييم وضع المرأة العراقية في ضوء مناهج عمل بيجين (صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة: 2004)، ص.91

العراق في عنف شامل. وصارت الدولة الجديدة تحكم أمة مجزأة؛ حيث منحت مستويات مختلفة من المواطَنة مبنية على الطائفية، وكان لتدمير الدولة، بوصفها كيانًا موحدًا، والمزود الاجتماعي والاقتصادي الرئيس، تأثير عميق في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعراقيات والعراقيين. وفاقم الفساد المستشري للنظام الجديد من العنف الطائفي والسياسي. ونتيجة لكل هذه العوامل، باتت العراقيات يعشن في ظل دولة ضعيفة وغير جديرة بالثقة، فهي غير قادرة على توفير الحقوق الأساسية لمواطنيها؛ مثل الأمن والخدمات الأساسية (المياه والكهرباء والرعاية الصحية)، وغير قادرة على إنفاذ القانون، فضلً عن غياب البرامج وتعطيل الاستراتيجيات الخاصة بالنهوض بواقعهن. وكان لهذا تأثير كبير في حياتهن اليومية، وتشكيل القيود على إمكانيات الدعوة لحقوقهن، فقد أثر هدر المال العام والاختلاس في تراجع قدرة الدولة الهشة أصلً على تخصيص موارد من الموازنة العامة، لسد الفجوة بين الجنسين في مجالي التعليم والعمل، والحد من العنف المسلط على النساء وخفض معدلات وفيات الأمهات. وبسبب انعدام موارد تُخصص لتحسين الخدمات، كان لتردي البنية التحتية وتدني الخدمات الصحية والتعليمية وخدمات الحماية آثار مضاعفة عليهن؛ نظرًا إلى دورهن الإنجابي ومسؤولياتهن في إدارة شؤون الأسرة ومتابعة الوضع الصحي والتعليمي لأفراد العائلة.

3. عسكرة المجتمع واستشراء العنف القائم على الجندر

مثلت العسكرة ظاهرة اجتماعية وسياسية في العراق منذ ثمانينيات القرن الماضي، وعلى الأخص خلال الحرب مع إيران التي استمرت زهاء ثماني سنوات. ففي تلك الفترة، أُعيد ترتيب الأولويات وفقًا لمنهج العنف والصراع، وأعطت الدولة الجانب الحربي الأهمية، عبر الزيادة في الإنفاق على المؤسسة العسكرية، تلتها زيادة عدد منتسبي الأجهزة الأمنية، وتعدد هذه الأجهزة على حساب المؤسسات المدنية الأخرى، وفرض الخدمة العسكرية الإلزامية، وانتشار الزي العسكري ومفردات الحرب في كل مفاصل الحياة. كان للعسكرة أثر كبير في تحديد الأعراف والعلاقات الجندرية، وأعادت تشكيل تمثلات الأنوثة والذكورة في العراق؛ إذ ارتبطت الذكورة في الحملة التي رعتها الدولة بشخصية الجندي الذكر المسؤول عن حماية الأمة التي جرى تعريفها على أنها أنثوية، وجرى تصوير النساء على أنهن ضعيفات وسلبيات،

(((1 سامر مؤيد عبد  اللطيف وحسين كاظم الشمري، "عسكرة المجتمع وأثرها في البناء الديمقراطي (دراسة حالة العراق)"، المجلة

السياسية والدولية، العدد  34–33 (2016)، ص.130 ينظر (:((1

Cynthia Cockburn, "Gender Relations as Causal in Militarization and War," International Feminist Journal of Politics , vol. 12, no. 2 (2010), pp. 139–157; Cynthia Cockburn & Cynthia Enloe, "Militarism, Patriarchy and Peace Movements," International Feminist Journal of Politics , vol. 14, no. 4 (2012), pp. 550–557; Peterson, "Thinking through Intersectionality and War," pp. 10–27.

بينما رُبِطت الذكورة بالاستخدام الفعال للعنف. كانت أحداث التسعينيات متمثلة في حرب الخليج الثانية والعقوبات الاقتصادية بمنزلة مسوغات لتطبيع العنف العسكري والسياسي والقمع الاستبدادي المروع من قبل نظام البعث؛ إذ لجأت السلطة إلى تكريس العسكرة بوصفها وسيلة لإخضاع المجتمع وإدامة بقائها، عبر تشكيلات مسلحة تحت مسميات "فدائيي صدام" و"جيش القدس". وبعد عام 2003، تصاعدت عسكرة المجتمع والحياة العامة؛ بسبب النزاعات المسلحة وتوطيد الميليشيات المرتبطة بالجماعات السياسية المهيمنة، التي وصلت إلى السلطة من خلال الغزو الأميركي. وسرعان ما فرضت هذه الأحزاب سياساتها الجندرية في الشوارع، من خلال جماعاتها المسلحة وميليشياتها المنتشرة عند نقاط التفتيش، والسيطرة على أحياء مختلفة في المناطق الحضرية العراقية. وكان من أبرز هذه المظاهر انتشار السلاح غير المسيطر عليه انتشارًا واسعًا، ونشوب حرب أهلية ونزاعات مسلحة مستمرة خلّفت الآلاف من القتلى وذوي الإعاقة والأرامل، وعززت ثقافة عسكرية تضفي الشرعية على استباحة القيم والضوابط التي تحمي حياة الآخرين. وأشاعت العسكرة أيضًا مناخًا عامًا من استسهال انتهاكات حقوق الإنسان في العراق، فتعرضت النساء إلى تضييق قاسٍ على حرياتهن في الحركة واللباس، بعد أن اتجهت ممارسات الميليشيات الإسلاموية المسلحة نحو الفصل التام بين الذكور والإناث في الفضاءات العامة. واعتبر الحجاب مطلبًا أساسيًا، حاولت الميليشيات الإسلاموية المسلحة فرضه بالترهيب على جميع النساء بمن فيهن غير المسلمات (مسيحيات، صابئيات) ضمن سياسات فرض الهوية. ووظفت هذه الجماعات مفهوم "النهي عن المنكر" للنيل من النساء، واستخدمته مبررًا لقتلهن، فتعرضن في مناطق هيمنة هذه الجماعات إلى تصفيات جسدية بدوافع مختلفة؛ منها: "التبرج"، و"عدم الالتزام بالحجاب"، و"الزنا"، ووصل العنف إلى مستويات مرتفعة من القسوة وتزايدت حالات قتل النساء على نحوٍ لافت. أفضت عسكرة المجتمع والحياة العامة إلى فرض المزيد من القيود على النساء، فاضطرت العديد منهن إلى الانسحاب وإخلاء الفضاء العام، ليكون ذكوريًا بامتياز بعد عقود من الحرب. وأصبح العنف لغة الذكورة ولغة السلطة أيضًا، سواء في المنزل أو في الشارع، فقد انتقل العنف الاجتماعي والسياسي إلى داخل البيوت، وباتت العراقيات يواجهن عنفًا منزليًا وأسريًا هائلً، وتغلغل العنف الجندري كما أشارت التقارير العديدة عن النساء والبنات المعنفات اللاتي افتقدن الملاذ الآمن في ظل غياب قانون مناهضة العنف الأسري.

(19) Nadje Al–Ali, Iraqi Women: Untold Stories from 1948 to the Present (London: Zed Books, 2007); Ali; Jacqueline S. Ismael & Shereen T. Ismael, "Living through War, Sanctions and Occupation: The Voices of Iraqi Women," International Journal of Contemporary Iraqi Studies , vol. 2, no. 3 (2008), pp. 409–424.

(((2 عبد اللطيف والشمري، ص.130–122 (((2 ينظر: Ali. ((2(ينظر: الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي 2030–2018 (بغداد: دائرة تمكين المرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان،.)2019

4. مظاهر التفاوتات الجندرية: التعليم والتوظيف والعمل

لعل من أخطر ما نتج من العقوبات الاقتصادية ضعف المردود المادي والاعتباري للتعليم؛ ما أدى إلى تراجع واضح في نسبة تعليم الإناث؛ فقد ازداد الانخفاض في مستويات تعليمهن بعد عام 2003 مع غياب الأمن وهيمنة الأيديولوجيات المحافظة والانخفاض المستمر للإنفاق على التعليم. واليوم صار أكثر من ثلث النساء في العراق غير ملمات بالقراءة والكتابة، وهي ضعف نسبة الذكور. وفي إطار التفاوتات الجندرية في العملية التربوية، تعكس المناهج الدراسية لوزارة التربية واقعًا تمييزيًا، يعمل على تكريس الأدوار والعلاقات التقليدية بين النساء والرجال بما يؤدي إلى إعادة إنتاج هذه التفاوتات. تظهر النساء في هذه المناهج مرتبطات بمكان مركزي هو البيت، وفيه يقمن بأدوارهن التقليدية بوصفهن أمهات يطبخن وفلاحات يحلبن البقر وفتيات يساعدن أمهاتهن في أعمال البيت،

ولا  توجد إشارات واضحة إلى أدوار النساء خارج هذه الأدوار التقليدية. ولم تولِالمناهج قضايا النساء أي اهتمام؛ إذ لا يوجد عنوان واحد في مواضيع الكتب المدرسية يعالج ذلك. بهذا المعنى تمثل النساء قوة عمل احتياطية، والدولة هي التي تحدد متى يكون في إمكانهن الانضمام إلى سوق العمل ومتى يبعدن عنه في ضوء مصالح النظام السياسي. ففي ظل الدولة الريعية، كانت مشاركتهن في سوق العمل منخفضة، بحجة انتفاء الحاجة إلى عملهن بسبب ارتفاع الدخول الناتج من الثروة النفطية التي كانت تسمح لعدد قليل من العاملين بإعالة مجموعة من الأفراد، خاصة في إطار قيم ثقافية لا تشجع على عملهن. ثم ارتبط دخولهن إلى سوق العمل مقابل أجر بالتنمية، وخاصة في الدوائر والمؤسسات الحكومية؛ إذ فتحت الدولة المجال أمامهن للانخراط في سوق العمل لسد الفراغ الذي تركه الرجال المتوجهون إلى الحرب مع إيران. وبعد انتهاء هذه الحرب وعودة الرجال، اتخذت الدولة سياسة مغايرة جرى خلالها إقصاء النساء، وتشجيعهن على العودة إلى المنزل، وتعزيز دورهن الإنجابي. وكان هناك توجه واضح نحو تقييد منافستهن للرجال في الحصول على وظائف، وقد انعكس ذلك في خطابات صدام حسين، التي تؤكد أن المهمة الوطنية للمرأة هي أن تفسح المجال للرجل في العمل، وأن تعود إلى واجبها المقدس بوصفها أماًّ. ساهمت العقوبات الاقتصادية في عودة العديد من النساء العاملات، أو دفعهن مجددًا للعودة إلى منازلهن لأداء أدوارهن التقليدية؛ بسبب انخفاض المردود المادي للعمل وقيمة الأجور وغياب

(((2 جمهورية العراق، وزارة التخطيط والجهاز المركزي للإحصاء ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، "متابعة أوضاع النساء والأطفال المسح العنقودي متعدد المؤشرات 4SCIM لسنة 1102"، التقرير التفصيلي، ص 136، شوهد في 2023/10/15، في:

https://tinyurl.com/yzcw87fv

(((2 عبد  العظيم رهيف السلطاني، "التمييز الجنسوي ضد المرأة في الخطاب التربوي العراقي المعاصر"، مجلة الأقلام، مج  47، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر–كانون الأول/ ديسمبر 2012)، ص.61–36 (((2 ينظر: نبيل جعفر عبد الرضا ومروة عبد  الرحيم، "مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل"، الحوار المتمدن، 2015/3/27،

شوهد في 2023/9/30، في: https://tinyurl.com/yckeu9df

(((2 حمزة، ص.26

أنظمة الدعم التي تمولها الدولة بما فيها رياض الأطفال ودور الحضانة؛ بسبب خفض الإنفاق العام. وتقلصت فرص استخدامهن بسبب توقف جميع الصناعات في القطاعيين العام والخاص، بما في ذلك الصناعات البسيطة مثل الخياطة والأغذية التي كانت تستوعب أعدادًا كبيرة من النساء العاملات من ذوات المستوى التعليمي المنخفض. تعكس المشاركة في سوق العمل في المرحلة الراهنة تفاوتًا واضحًا بين النساء والرجال؛ إذ لا تتجاوز نسبة العاملات مقابل أجر 11.6 في المئة، وهي الأضعف في العالم. وارتبط انخفاض نسبة العاملات بعدم توافر فرص حقيقية لهن، وحرمانهن من اكتساب الأجور الممنوحة عن عملهن في القطاع الزراعي وقطاع العمل غير المنظم. ولهذا علاقة مباشرة بسياسات التوظيف والتعيين في القطاع العام؛ إذ تفوق معدلات توظيف الذكور في سن العمل معدلات توظيف النساء بما مقداره 48 مرة، بحسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف). وتبلغ البطالة بين النساء مستويات أعلى من الذكور، وتتسع الفجوة في فئة الشباب؛ إذ تزيد نسبة بطالة الإناث على بطالة الذكور؛ بسبب توقف القطاع العام عن التوظيف من جهة، وتسييسه وتأثير الانتماءات الحزبية في ظل تقسيم الوزارات وفقًا لنظام المحاصصة الطائفية من جهة أخرى. وقد صار من الصعوبة القصوى على الفتيات الحصول على فرص العمل، ما لم يكنّ قريبات من الجهة السياسية التي تدير هذه الوزارة أو تلك المؤسسة. وفي المقابل، أدت الأوضاع الاقتصادية التي مر بها العراق والتشظي السياسي وعدم الاستقرار إلى ضعف كبير في القطاع الخاص وعدم قدرته على استيعاب النساء. انعكست ظاهرة التنميط الجنسي في العمل وتكديس النساء العاملات في المهن الكتابية والإدارية على التفاوت في الأجور. فعلى الرغم من أن القانون العراقي لا يميز في الأجر بالنسبة إلى العمل المتساوي في النوع والكم والذي يؤدَّى في ظروف متماثلة، يكشف الواقع عن وجود تحيزات كبيرة لصالح الذكور في مجال الأجور. وهذا التباين ناتج من تركز الإناث في الوظائف ذات الأجور الأقل مثل الأعمال المكتبية والإدارية، بينما تزداد أعداد الذكور في الأعمال الميدانية والإنتاجية والمناصب القيادية التي تمتاز بأجورها الأعلى نسبيًا. وفي المقابل، هناك تفاوت واضح في الأجور لصالح الذكور في القطاع الخاص.

(((2 المرجع نفسه. ((2(جمهورية العراق، وزارة التخطيط، الجهاز المركزي ل حإإصاء، إحصاءات المرأة والرجل (بغداد: مطبعة الجهاز المركزي للإحصاء، 2013)، ص.34 (((2 المرجع نفسه. (((3 الأمم المتحدة، منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، "تكلفة ومنافع التعليم في العراق: دراسة تحليلية حول قطاع التعليم واستراتيجيات زيادة المنافع من التعليم"، 2017، ص 47، شوهد في 2023/9/30، في: https://tinyurl.com/8dpc3vjc ((3(ابتسام عزيز وسلام جبار شهاب، التمكين الاقتصادي للمرأة العراقية: التحديات والتوجهات الاستراتيجية والمبادرات (بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط، 2020)، ص.7 (((3 الأمم المتحدة، منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف).

5. تحدي الطائفية المجندرة: الشخصي هو سياسي

لئن كان حجم مشاركة النساء في الاحتجاجات ملحوظًا، فإن مشاركتهن داخل الحركة الاحتجاجية ليست جديدة. كانت إحدى التظاهرات الأولى، التي نُظمت بعد عام 2003، تظاهرة من أجل حقوق النساء تندد بالتشكيك في قانون الأحوال الشخصية، وهو إطار قانوني يجمع حقهن في الطلاق والزواج وحضانة الأطفال والميراث وما إلى ذلك. نظمت النسويات احتجاجات ضد محاولة عدد من الأحزاب الإسلاموية الشيعية (المجلس الأعلى والفضيلة تحديدًا) لإحلال قانون طائفي محل القانون الذي يشمل حاليًا الفقه الديني السني والشيعي. ولئن لم تنجح هذه المحاولة، فإن هذه الأحزاب التي

وصلت إلى السلطة بعد الاحتلال الأميركي، تحاول باستمرار فرض قانون طائفي ومحافظ، وكانت محاولتها الأخيرة هي اقتراح القانون الجعفري. ويجري نشر محاولة "طوأفة" مجال حقوق النساء القانونية، في إطار النظام السياسي الجديد الذي وضعه في العراق الغزو الأميركي. فمنذ عام 2003، يقوم النظام السياسي العراقي على الحصص القائمة على الجماعة – الطائفية والإثنية والدينية – المعروفة باسم نظام المحاصصة. إن فرض الانقسام الطائفي والجنسي هو طريقة تؤكد بها بعض الأحزاب السياسية على المجال الاجتماعي والسياسي. ومن ثمّ، فإن النظام السياسي الجديد لا يقوم على الاختلاف الطائفي فحسب، بل على الاختلاف الجنسي أيضًا. بعبارة أخرى، يمكن تعريف النظام السياسي العراقي بأنه طائفية مجندرة Sextarian، وهو مصطلح صاغته مايا مكداشي في سياق تحليل الأوضاع اللبنانية ذات الصلة. في مثل هذا النظام، يجري التلاعب بسياسات الهوية باعتماد الأعراف والعلاقات الجندرية، وخاصة بالتركيز على أجساد النساء. وإذا كانت السياسات الجندرية المحافظة قد بدأت بالفعل في أثناء العقوبات مع "الحملة الإيمانية" لنظام البعث، فإن تفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية منذ عام 2003، والسياسات الطائفية للنخبة السياسية التي وصلت إلى السلطة، قد خلقت أشك لً متطرفة من السيطرة الاجتماعية والمحافظة المُسلَّطة على النساء. إن التداخل بين العنف السياسي وفرض النزعة الطائفية المجندرة مكون أساس في الجهاز الأمني الذي بناه السياسيون المنتخبون في البرلمان. كما أنه من الواضح جدًا أن قمع الاحتجاجات السلمية مجندر؛ ذلك أن أي تحدٍ للمعايير الأبوية الجندرية يُنظر إليه على أنه تهديد للنظام كله. وغالبًا ما تصور

المؤسسة السياسية العراقية الانتفاضة على أنها "غير أخلاقية" من خلال قنواتها الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي، ويُتهم المتظاهرون بالفساد الجنسي والانحراف، وتنتشر جميع أنواع الشائعات حول "السلوك غير المشروع" المزعوم حدوثه بين الشباب تحت الخيام الموجودة في ساحات الاحتجاجات.

(((3 ينظر: Ali.

(34) Maya Mikdashi, "Sextarianism: Notes on Studying the Lebanese State," in: Amal Ghazal & Jens Hanssen (eds.), The Oxford Handbook of Contemporary Middle–Eastern and North African History (Oxford: Oxford University Press,

ثانيًا: الانتفاضة: استعادة الفضاء العام ضد ما هو معسكر وذكوري ومخصخص

1. استعادة الفضاء العام الافتراضي والاحتجاجي

كثيرًا ما يوصف العراق بأنه مجزأ على أسس إثنية وطائفية ولم يجرِ إعطاء سوى القليل من الاهتمام

للتجزئة الطبقية وللطرائق التي ترتبط بها الطبقة بالسلطة السياسية. في الواقع، التقسيم الرئيس في العاصمة هو الفضاء الجغرافي الذي يشطرها بين المنطقة الخضراء التي تحتلها النخبة السياسية، والمنطقة غير الخضراء حيث تعيش الأغلبية. كما جرى إيلاء اهتمام أقل للتجزئة على أساس الجندر والطرائق التي يُفصل بها بين الفضاءات على أساس الاختلاف الجندري. يمكن توصيف الفضاء الاجتماعي الحضري في العراق بعد عام 2003، وهو الفضاء الذي يمارس فيه سكان مدنه التفاعل الاجتماعي اليومي، بأنه معسكر ويهيمن عليه الذكور. تاريخيًا، كانت النساء في العراق مبعدات ومقصيات عن المجال العام؛ إذ لم يلقين تشجيعًا للمشاركة

في الحياة العامة، والتفاعل مع قضايا الشأن العام في الحيز المفتوح، وكن مبعدات عن الحياة السياسية على الرغم من انخراط أعداد منهن في الأحزاب السياسية. وحتى نهاية خمسينيات القرن الماضي، كان حق الانتخاب مقتصرًا على الذكور ممن أتموا العشرين من العمر. ثم شهدت الجمهورية الأولى بعد

انقلاب 1958 تعيين أول وزيرة في المنطقة، غير أن هذا لا يتنافى مع حقيقة أنهن كنّ مقصيات عن مراكز القيادة حتى داخل أكثر الأحزاب التي تصف نفسها بالتقدمية، مثل الحزب الشيوعي العراقي الذي لم تشارك في تشكيلة لجنته المركزية أي امرأة حتى عام 1965. ولم يختلف الأمر كثيرًا إبان السبعينيات

والثمانينيات، فعلى الرغم من التحسن الواضح في وضع النساء على مستوى التعليم والعمل، ظلت الفضاءات العامة والشأن السياسي عمومًا مجالات غير مسموح لهن باختراقها، إذا ما استثنينا دخولهن

إلى المجلس الوطني في عام 1980 وشغلهن عن طريق الانتخابات المسيطر عليها 16 مقعدًا. وحتى عام 1999، لم تظهر أي امرأة في تشكيلة القيادة القطرية لحزب البعث الذي كان حاكمًا. بل إن مشاركة النساء في الفضاء العام انحسرت خلال العقوبات الاقتصادية؛ حيث بدأن يغبن عن الشارع بسبب حالة الإفقار التي أدت إلى تكريسهن للعمل المنزلي، وإجبار العاملات على العودة إلى المجال الخاص، بعد انخفاض قيمة أجورهن وغياب أنظمة الدعم التي كانت توفرها الدولة من دور حضانة ورياض أطفال. واتجه خطاب الجماعات الإسلاموية التي هيمنت بعد عام 2003 نحو الإبقاء على النساء في فضاء مغلق لا يسمح باختراقه، وأصبح حضورهن في الفضاء العام مشروطًا بزي معين ومحدد. وأفضت العسكرة والعنف المتصاعد إلى انسحابهن من الفضاء العام، الذي صار أمكنة غير آمنة تبتعد عنها النساء ولا يرتدنها إلا للضرورة القصوى. ولا يزال الفضاء العام الذي يشكّل مساحات رئيسة لتشكيل الرأي العام حيزًا يهيمن عليه الرجال، ويشمل هذا الفضاء المقاهي وأماكن الاجتماعات والتجمعات حيث يمكن الأفراد أن يتناقشوا ويتفاعلوا مع القضايا التي تخص الصالح العام. أما الأمكنة التي يظهر فيها عدد كبير من النساء لقضاء أوقاتهن

والتجول فيها، فتقتصر على أماكن الاستهلاك، مثل الأسواق والمطاعم ومراكز التسوق الجديدة. ولكل هذه الأسباب، أثار الوجود الكثيف للنساء في ساحات الاحتجاجات أسئلة مهمة عن الكيفية التي تمكنّ بها من اختراق الفضاءات الذكورية التي كن ممنوعات من الوصول إليها. تشكل مشاركة الشباب والنساء في الحركات الاحتجاجية في مختلف المجتمعات ردة فعل على الفضاء المعسكر والمخصخص الذي يسيطر عليه الذكور. وعادة ما تعبر هذه المشاركة عن رغبتهن في التحرر من سلطة المنع، وهيمنة القيم التي تفرض عليهن ملازمة المجال الخاص. وفي الوقت نفسه، تعزز هذه المشاركة من ثقافة الاختلاط والعمل المشترك، وتخفض من أثر فكرة العزل الجنسي التي تحرص من خلالها الثقافة السائدة على وضع الحدود بين الجنسين، وتقسم الفضاءات إلى عالمين، عالم خاص بالرجال وآخر خاص بالنساء. وقد ساهم الفضاء الافتراضي، على نحوٍ فاعل، في اختراق النساء الفضاء العام ومشاركتهن في الاحتجاج، بعد أن أتاح لهن فرصًا متساوية في التعبير عن آرائهن بحرية بالاستناد إلى تجاربهن الحياتية، بعيدًا عن حجج المنطق والعقلانية، ودون الحاجة إلى قدرات نقدية ومهارات خطابية. وأتاحت وسائل الاتصال لهن فرصًا لتعرّف ما يحدث في الفضاء العام، وأصبحن مشاركات فيه من

داخل منازلهن، وصرن يعبرن عن آرائهن من خلال إنشاء صفحات خاصة ومدونات، أو من خلال التفاعل مع الصفحات المختلفة. وأعطت الأسماء والهويات المستعارة فرصة أكبر للتأثير والتفاعل بلا قيود أو رقابة. كما نشطت النساء على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد استعانت العديد منهن بها لتجاوز عزلتهن عن الفضاء العام، وأصبحت بالنسبة إليهن مج لً مفتوحًا للتعبير عن آرائهن ومواقفهن ولممارسة السياسة

والتعامل مع الشأن العام، وتقديم أنفسهن وإسماع أصواتهن بطرائق سهلة. مثال ذلك الناشطة رنا عبد الحليم الصميدعي التي ابتكرت طرائق للتعبير خاصة بها، من خلال ظهورها في فيديوهات تنتقد فيها أحد الزعماء الدينيين. وبلغة بسيطة وبعيدة عن التحليلات السياسية ولكنها لاذعة، حاولت أن تحاكم الطبقة السياسية مستندة إلى تجربتها الشخصية؛ وهو ما أتاحه لها الفضاء الافتراضي من دون قيود تقريبًا. ساهم انخراط العراقيات في الفضاء الافتراضي في تعزيز إدراكهن للقضايا السياسية التي يشهدها العراق، وفتح المجال أمامهن لتشكيل آرائهن ووجهات نظرهن، وانعكس هذا الوعي السياسي الذي تشكل نتيجة تفاعلهن مع القضايا المختلفة على مشاركتهن السياسية؛ لما أحدثه هذا التفاعل من تأثير عاطفي ومعرفي سرعان ما تحول إلى سلوك. من ناحية أخرى، أكسبتهن وسائل التواصل الاجتماعي بدائل وأدوات جديدة للمشاركة في الشأن السياسي والتعامل مع الاحتجاجات، باتخاذها

(((3 قاصّة عراقية من محافظة النجف. (((3 سمر محمد الدريملي، "أثر مواقع التواصل الاجتماعي على المشاركة السياسية للمرأة في فلسطين"، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة الأزهر، غزة، 2013، ص 67،.119

منصات للحوار ولتشكيل الرأي العام السياسي عبر مدونات وصفحات ومواقع؛ منها: صفحة "بنات التحرير" و"لبوات العراق" وصفحة الناشطة الحقوقية والإعلامية شذى الدليمي. نجحت المُدوِّنات والإعلاميات والناشطات في إثارة الكثير من القضايا التي كان تناولها والتعامل معها حكرًا على

الرجال. كما أكسب تناول هذه القضايا النساء ثقة بالنفس وشهرة، حيث توسعت علاقاتهن الاجتماعية وأصبحن يشعرن بالمسؤولية تجاه قضايا الشأن العام في مجتمعاتهن؛ وهو ما هيأهن للانتقال من الفضاء الافتراضي إلى ميدان الاحتجاجات. تعطي تجربة أصيل العزاوي نموذجًا للطريقة التي استطاعت بها النساء العراقيات الانتقال من الفضاء

الخاص إلى الفضاء العام، اللذَين أصبحا متشابكين ومتداخلين ضمن شبكة التواصل الاجتماعي. فبحكم عملها في مركز تجميل، بدأت أصيل من خلال صفحتها على ال "فيس بوك" بتقديم نصائح وإرشادات للنساء للعناية بجمالهن، وهي اهتمامات تقع ضمن المجال الخاص. لكن مع انطلاق الهبة الأولى من احتجاجات تشرين، قررت أن تدعو متابعيها عن طريق بث مباشر للدعاء للمتظاهرين بتحقيق أهدافهم. وكان هذا أول بث حيّ تسميه "لايف سياسي" تتناول فيه قضايا الشأن العام التي عادة

ما تدار في الفضاء العام. تقول عن تجربتها هذه: "لم أكن أفقه شيئًا في السياسة ولا أفهم كثيرًا في هذا المجال. ولكن بعد فترة

من إثارة القضايا التي تخص البلد والمرتبطة بالاحتجاجات أصبحت أمتلك وعيًا سياسيًا كبيرًا. الآن لم

يعد بإمكاني العودة إلى اهتماماتي القديمة وصرت أخجل من تقديم قضايا ونصائح تخص التجميل والعناية بالجسد والأنوثة". وفي السياق ذاته، عملت مشاركة النساء الواسعة في مواقع التواصل الاجتماعي على التحشيد، ونقل معاناة المحتجين والانتهاكات التي تعرضوا لها. وكان لمساهمتهن دور مهم في التعبئة الجماعية، وبخاصة تعبئتهن وحثهن وتحفيزهن على المشاركة في التحركات. تشير سناريا، وهي تصف من شجعها على المشاركة في الاحتجاجات، إلى أن "هناك نساء ينشطن على الإنستغرام وينشرن بشكل واسع ومكثف ويحفزن النساء على المشاركة، بعضهن طبيبات شابات وبعضهن مديرات مدارس. وقد شجعت طريقة وسرعة نشرهن بعض النساء على المشاركة". وتجدر الإشارة هنا إلى الدور الذي أدّته مقاطع الفيديو التي تنقل مشاهد القتل والقمع التي تعرض لها المتظاهرون في الهبة الأولى التي انطلقت في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، في إثارة التعاطف والغضب الكبير لدى النساء؛ ما دفع لانخراط القسم الأكبر منهن وتوجههن إلى ساحات التظاهر في الهبة الثانية التي انطلقت في 25 تشرين الأول/ أكتوبر. فلولا التداول الواسع لهذه المقاطع عبر

(((3 صفحات أنشأتها على ال "فيسبوك" مجموعة من النساء من داخل العراق وخارجه، الهدف منها التوعية بتظاهرات تشرين ودعمها. (((3 أصيل العزاوي، مقابلة عبر سكايب أجرتها أسماء جميل رشيد،.2020/4/1 (((3 سناريا، متظاهرة في ساحة التحرير، مقابلة شخصية أجرتها أسماء جميل رشيد، بغداد، تشرين الأول/ أكتوبر.2019

مواقع التواصل لم يكن لمشاركتهن أن تحقق هذا الزخم العالي. وكانت النساء الأكثر استعم لً لمواقع التواصل الاجتماعي والأكثر تأثرًا بقتل المتظاهرين، وكذلك كنّ في مقدمة المروجين لهذه الأحداث.

كما نشطن في الترويج للإعلان عن التظاهرات ومواعيد انطلاقها؛ ما سهل على الكثيرات المشاركة الفعلية، وأكسبهن القدرة على التنسيق للخروج إلى الساحات. تقول صفا التدريسية الشابة في الجامعة التكنولوجية: "سمعت بوجود التظاهرات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. انضممت إلى عدد من النساء الشابات في مقهى ثقافي في الكرادة. لم أكن أعرفهن مسبقًا لكنني قرأت منشورهن على منصات ال 'فيس بوك' فتوجهت إلى المكان الذي حددوه للتجمع".

2. إنتاج فضاء اجتماعي بديل

تميزت انتفاضة تشرين، بوصفها ظاهرة حضرية، بأنها أحدثت تغييرًا في تملّك الفضاءات العامة من

خلال سيطرة المحتجين على الساحات والشوارع والجسور والطرق والمباني المهجورة مثل المطعم التركي. وجميع هذه الأماكن هي فضاءات اجتماعية، بالمعنى الذي أشار إليه ليفيفر حينما وصفها بأنها المكان الذي يوجد فيه الجسد والتجربة الاجتماعية ويتم العيش فيه ضمن النسيج الاجتماعي والتفاوض بشأنه والتنازع عليه، وهو ما ساعد على إنتاج فضاء اجتماعي بديل، يجري إنتاجه من أفعال الناس العفوية وليس من خلال خطة واعية، وقد أشار ليفيفر إلى ذلك في وصفه للحركات الجماهيرية في سياق التوسع الحضري. وقد تطور هذا الفضاء من خلال الديناميات الاجتماعية والمادية والعقلية التي ترافق انخراط الجماهير في السلوك الاحتجاجي. وبذلك هو ثمرة للقيم والتمثلات التي جرى تصورها وتجربتها داخل أمكنة الانتفاضات وأزمنتها، وسط ساحات الاحتجاج. وعلى هذا، يعتبر ليفيفر الفضاء العام مكانًا لتفاوض القيم والأيديولوجيات والأعراف التي تشكل "العقد الاجتماعي" لمجتمع ما. إن احتلال الفضاء نفسه هو ما يسمح للأفراد الذين يشاركون فيه بالمساهمة في تشكيل هذا العقد. والحركات الجماهيرية، في سياق التوسع الحضري، تطالب ب "حقها في المدينة" الذي يعرّفه ليفيفر بحق التمتع بال "مسكن" أو المكان والزمان الذين فيهما تكون الحياة الاجتماعية

التي لا يقودها منطق فائض القيمة؛ أي الربح والفائدة الاقتصادية الرأسمالية والخصخصة، وهو حق في فضاء يجتمع فيه الأفراد للتعايش ولبناء نسيج اجتماعي على نحوٍ مستقل عن الدولة والحاجة الاقتصادية. وقد سمح احتلال المحتجين للفضاء بالتفاوض حول عقد اجتماعي جديد، فقد جرى خلال الاحتجاجات التي خاضها العراقيون تشكيل نسيج اجتماعي مختلف عما كان قبله، وبناء روابط

(((4 صفا، متظاهرة في ساحة التحرير، مقابلة شخصية أجرتها أسماء جميل رشيد، بغداد، تشرين الأول/ أكتوبر.2019

(41) Henri Lefevbre, La révolution urbaine (Paris: Gallimard, 1970). (42) Henri Lefebvre, Le droit à la ville (Paris: Point, 1968). (43) Lefebvre, La révolution urbaine.

وأعراف مجتمعية جديدة، تساوى فيها الفقراء غير المتعلمين مع الطبقة الوسطى المتعلمة، وتفاعل الرجال مع النساء والصغار مع الكبار من دون تمييز داخل فضاء مشترك أقل أبوية وأكثر تحررًا وشاملً للجميع، لا يميز بين الناس على أساس الطبقة أو الجندر. تميز هذا الفضاء البديل بأنه غير معسكر وشامل من حيث الطبقة والجندر، ولا يقوم على الاستهلاك أو منطق الإنتاجية أو الفائدة أو الخصخصة كما هو الحال في الأسواق والمطاعم والمراكز التجارية، وإنما يعتمد على خلق روابط وعلاقات اجتماعية جديدة قائمة على التعاون والألفة والإيثار وعدم التمييز. وهو ما سمح للفئات المهمشة والمستبعدة والمهيمن عليهم الذين يعانون من التمييز، بمن فيهم النساء، بأن يجدوا مكانًا لهم داخل هذا الفضاء، وأن يحظوا بالاعتراف والاهتمام والتقدير، وأن يلتصقوا به ويدافعوا عنه. تفسر سارة الصيدلانية الشابة، التي تعمل على إسعاف المتظاهرين في ساحة التحرير، ارتباطها بهذا الفضاء: "أصبح بيني وبين هذا المكان (ساحة التحرير) ارتباط قوي مصدره ما رأيته ولمسته من تعاون وألفة وتكاتف بين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا ولا تربط بينهم أي صلة اجتماعية ومع ذلك متكاتفين ويحمي ويساند بعضهم البعض. عندما ترى كل هذه الصور فإنك، وبشكل لا إرادي، تدمن التواجد في هذا المكان، وبشكل لا إرادي تحاول أن تقدم أي شيء ولو كلمة [...] من المستحيل أن يحضر شخص إلى هذا المكان دون أن يبقى ويلتصق به". في المقابل، رحب المتظاهرون الذكور واحتفوا بمشاركة النساء، ومثل هذه الحفاوة منبعها المعايير والممارسات البديلة المعارضة للسلطة المهيمنة التي نتجت من وجود الأفراد والأجساد واحتلال الساحات نفسها، والتي تشكك وتعيد النظر ليس في النظام السياسي فحسب، بل أيضًا في النظام الاجتماعي والمجتمعي بقواعده ومعاييره الاجتماعية التي تفرض أسلوب حياة محافظة وأدوارًا منمّطة

للجنسين، وتدعو إلى التحرر والانفلات من هذه القواعد. ويعتقد المتظاهرون من الشباب والشابات أن انتفاضة تشرين أحدثت ثورة في بنية الثقافة الأبوية، بعد أن سمحت الأسر لبناتها بالخروج إلى التظاهرات في مجتمع تؤكد قيمه وثقافته الشعبية على منع المرأة من الخروج "المرأة إذا طلعت كثرت أفعالها". يقول أحمد المتظاهر الشاب عند سؤاله عن تفسيره لمشاركة النساء: "لدينا تقاليد راسخة تقتضي بعدم خروج المرأة ومن المعيب مشاركتها في تجمعات شبابية ورجالية، وما حدث هو كسر لكل هذه التقاليد". كان المتظاهرون ينشئون أشك لً جديدة للدولة من خلال الخدمات التي يوفرونها في ساحات الاحتجاج كالخدمات الصحية والغذائية، إضافة إلى خدمات حضرية كتنظيف الساحات العامة وتجميلها برسم

(((4 "مع المتظاهرين في ساحة التحرير: كيف عرفت؟ لم تظاهرت؟ ماذا حدث؟ وماذا تحقق؟"، أسماء جميل وزهير الجزائري

(محرران)، الثقافة الجديدة، العدد  409 (كانون الثاني/ يناير 2020)، ص.22–8 (((4 مثل عراقي. (((4 أحمد، متظاهر في ساحة التحرير، مقابلة شخصية أجرتها أسماء جميل رشيد، بغداد، تشرين الأول/ أكتوبر.2019

وصبغ ولوحات فنية. وكانت ساحات الاحتجاجات للنساء والأفراد من جميع الطبقات فضاء بديلً، بعيدًا عن التناظر المجزأ والمعسكر والمخصخص الذي يهيمن عليه الذكور، والذي تفرضه القوة المهيمنة. وكانت الانتفاضة، بوصفها إنتاجًا لفضاء مادي وخطابي خيالي استطاع أن يزعزع الحدود التي يضعها الفضاء المهيمن، عبارة عن "فضاء حدي"، بحسب تعبير فكتور ترنر، استوعب مطالب ورؤى ومشاعر كان من المستحيل أن يعبر عنها في الوقت الاعتيادي وخارج مجاله البديل. فعلى سبيل المثال، شهد هذا الفضاء شابة من الطبقة الوسطى من منطقة المنصور تصادق شابًا من الطبقة العاملة من مدينة الصدر، وعشاقًا يمسكون بأيدي بعضهم في مواجهة الرصاص الحي لقوات الأمن. شغلت النساء هذا الفضاء، على نحوٍ واضح وصوت مسموع، ومارسن أدوارًا مختلفة فيه، سواء في الخطوط الأمامية؛ ممرضات ومقدمات رعاية يواجهن قوات الأمن العراقية، أو في تولي أدوار أكثر تقليدية مثل الطبخ والتنظيف. وعبّرن عن أنفسهن في أعمالهن الفنية التي تزين ساحات الاحتجاجات. سمح الفضاء الاحتجاجي للنساء بالتفاوض داخل الفضاء الاجتماعي المعسكر والمخصخص والموجود بالفعل، والذي يسيطر عليه الذكور، وأن يتفاوضن ضده، واستطعن أن ينسجن فضاءً

اجتماعيًا غير أبوي، يكون شاملً وحرًا وأقل تراتبية من حيث الطبقة والطائفة والجندر. وشكلت

ساحات الاحتجاج بالنسبة إلى النساء المشاركات اليوتوبيا التي حلمن بها والوطن الذي يأملن العيش فيه. تقول رؤى المرأة الثلاثينية التي تعمل محاسبة في إحدى الدوائر الحكومية: "منحني هذا الفضاء الاحتجاجي ممثلً بساحة التحرير، وداخل هذه الصبات الكونكريتية، الحماية، أشعر وأنا بين هؤلاء الناس بأنني آمنة جدًا. وبمجرد أن أغادر الصبات الكونكريتية، التي تفصل منطقة الاحتجاج وساحة التحرير امتدادًا إلى ساحة النصر، أشعر بالقلق والخوف، الخوف من تربص الآخرين بي، ومحاولة اختطافي أو اعتقالي، أنا هنا أرى وأشعر بالأمان وأرى العراق الذي أحلم به، عراقًا مليئًا بالتضامن والتكافل والتآخي والحرص على الممتلكات العامة، أشعر أن هذا الفضاء هو الأمل الذي تتوقف عليه حياتنا القادمة ومستقبلنا هذه الانتفاضة هي أملي [...] ولا أعرف ماذا سيحدث بعدها [تقصد إذا انتهت الانتفاضة من دون تحقيق أهدفها"]. ومن ضمن هذا العقد الاجتماعي الجديد، كشفت المعاينة الميدانية لساحات الاحتجاج وتحليل وجهات نظر المشاركات عن عامل مهم، أثّر في زيادة نسبة مشاركة النساء وخاصة الشابات منهن، يتمثل بانتشار قيم الفردية والحاجة إلى الاستقلالية والقدرة على الاختيار. ساهمت مظاهر الفردانية مساهمة كبيرة في اتساع مشاركة الشابات في الاحتجاجات، فالنساء الشابات اللواتي قابلناهن في ساحات الاحتجاج، خلال البحث الميداني، أعربن عن وجودهن في الساحات، بوصفهن أفرادًا ومواطنات يأخذن حقهن كأي فرد من المجتمع. الشعار "نازل آخذ حقي" مؤشر للنزعة الفردانية التي

(47) Victor Turner, Dramas, Fields, and Metaphors (New York: Cornell University Press, 1975).

(((4 "مع المتظاهرين في ساحة التحرير."

توجد عند الشباب. وكثير من الشابات ذهبن إلى ساحات الاحتجاج من دون موافقة أهاليهن أو من دون معرفتهم، وهناك علاقات وممارسات وحياة اجتماعية في ساحات الاحتجاج تختلف عن الحياة خارج الساحات. صعود الشعور بالفردانية والمواطنة عند الشابات ظاهرة مهمة في سياق مجتمعي، يربط وجودهن وقيمتهن بالجماعة كالعائلة والقرابة. تعكس المشاركة الواسعة للنساء، وبخاصة جيل الشابات، تحررهن من نفوذ التقليدية، حتى في أكثر المناطق تقليدية في العراق، ووعيهن لذواتهن ومسؤوليتهن عن اختياراتهن، متصدياتٍ للبنى والتراكيب الاجتماعية التي تحاول اختزالهن في الجماعة وإخضاعهن لها. وعلى الرغم من التطبيق المشوّه، ساعد التحول الديمقراطي في توفير الظروف المهيئة لنمو الفردانية ببطء وعلى نحوٍ غير محسوس. فحرية التعبير وظهور خطابات وحركات مدنية تعتمد على مبادئ حقوق الإنسان، بوصفها مرجعياتٍ لها، أديا إلى انفلات جمهور واسع تبنى هذه المفاهيم من القناعات الكلانية التي تنتجها الجماعات التقليدية. من ناحية أخرى، أدت الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت التحولات التي مر بها المجتمع العراقي إلى أن أصبح الفاعلون الاجتماعيون أكثر اعتمادية على أنفسهم في تحقيق حاجاتهم، وفي تعهدهم بحياتهم الخاصة، وهذا ما أضعف الروابط العائلية، وقلل من تأثير الجماعات القرابية في الفرد، ومنح الأفراد، وبخاصة النساء، والشابات منهن على وجه التحديد، القدرة على إعادة صياغة هويتهن بمعزل عن الضغوط والقيود التي جهزت لهن هويتهن. كان للاستعمال الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي دور مهم، وربما حاسم، في توليد الفردانية عند النساء، فقد شكلت هذه الوسائل حواضن بديلة لنمو شخصية الأفراد وتشكيلها، بعيدًا عن الامتثالية الاجتماعية والأطر التقليدية، غير أن التأثير الأهم يرتبط بالتغيرات الاجتماعية التي أحدثتها على بنية السلطة داخل العائلة؛ ذلك أنها أدت، كما توضح نهاوند القادري عيسى، إلى تفكيك النموذج العائلي الأبوي القائم على سلطة الأب لصالح عائلة أكثر مساواة، بعد أن أنشأت الحدود داخل المنازل وخلقت نوعًا من التمايز الذي ساهم في تبلور هوية كل فرد، وهذا أدى إلى تراجع قدرة الأسرة بوصفها مؤسسة على فرض نموذج على أعضائها وصب شخصياتهم في قوالب جاهزة، وكان من نتائج ذلك إعادة تعريف الأدوار الاجتماعية، وبناء الهوية الجندرية. ونتج أيضًا من الاستخدام الكثير لوسائل التواصل أن أصبحت حاجة الفرد إلى الاستقلالية موازية إن لم تكن أكبر من حاجته إلى الانتماء إلى مجموعة اجتماعية. ووفّرت شبكات الإنترنت المساحة الآمنة للنساء لأن يعبّرن عن ذواتهن ويعدن

تعريفها كما يرينها، ويردنها لا كما يريدها الآخرون. وهذا جوهر الفردية ومعناها، كما أتاحت الفرصة للنساء المستبعدات عن الشأن العام وغير القادرات على البوح لأن يظهرن ويعبرن عن رأيهن. ولم يكن صعبًا بعد ذلك انتقالهن من الفضاء الافتراضي (شبكات التواصل) إلى الفضاء الاحتجاجي (ساحات

التظاهر).

((4(نهاوند القادري عيسى، النساء في الفضاءات العامة: هوامش مضاءة، كتاب باحثات 15 (بيروت: جداول للنشر والترجمة، 2011)، ص.162–161

وتوضح تجربة صفا التدريسية الشابة في الجامعة هذا التحول من الفضاء الافتراضي إلى الفضاء الاحتجاجي: "لا أعرف كيف تغيرت. قبل سنة فقط كنت أشارك في النقاشات على صفحات التواصل الاجتماعي وأعبر عن غضبي من خلال هذه الشبكة. ولكن لم تكن لدي الجرأة للنزول والمشاركة في ميدان التظاهرات". منذ بداية انتفاضة تشرين 2019، قُتل أكثر من 700 متظاهر أعزل، معظمهم من الشباب، بالرصاص الحي أو قنابل الغاز المسيل للدموع التي استخدمتها قوات الأمن العراقية والميليشيات التابعة لها، وهناك أكثر من 25000 جريح ومئات المختطفين والمفقودين. وقد زاد العنف المميت والترهيب من تصميم المتظاهرين، فسرعان ما أصبح تكريم شهداء الثورة أحد شعاراتها الرئيسة. وكان صفاء السراي من أوائل الشهداء والشخصيات المهمة في الاحتجاجات، وهو "ابن ثنوة" في إشارة إلى والدته ثنوة بدلً من الإشارة إليه على أنه ابن والده، وعادة ما يشار إلى الرجال لا سيما في الجنوب العراقي، ب "ولد الملحة" كناية عن تمتعهم بالشهامة والإقدام والشجاعة. أصبح "ابن ثنوة" الآن اسمًا شائع الاستخدام لوصف الثوار، وتشير

العديد من ألقاب المتظاهرين إلى أمهاتهم بدلً من أسماء آبائهم. يوضح هذا المثال أن الانتفاضة لم تنتج فضاءً ماديًا وخطابيًا فحسب، بل أيضًا فضاءً خياليًا يتحدى التمثيلات والممارسات الجندرية السائدة. في التجارب الفردية والجماعية المتنوعة والغنية في ساحات الاحتجاجات، تجاوزت الانتفاضة المطالب السياسية الضيقة، ولم يشكك الثوار في شرعية القمع الاقتصادي والسياسي الذي يُمارس من خلال الفساد والمحسوبية والتمييز فحسب، بل شككوا أيضًا في شرعية النظام الاجتماعي والمجتمعي للنظام وهي القواعد التي تفرض أسلوب حياة معياريًا ومحافظًا. يطالب المحتجون العراقيون بالعدالة الاجتماعية والاقتصادية، وخدمات حكومية فاعلة، مثل الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والتوظيف، وما هو مطلوب لعيش حياة كريمة. وأيضًا يطالبون بالحرية، كحرية التدين أو عدم التدين، فلا يُقتَلوا بسبب الدين أو الطائفة التي ينتمون إليها أو يرفضون الانتماء إليها، وحرية أن يرتدوا ما يحلو لهم، والتنقل عبر الحدود الاجتماعية والطائفية وحرية الاختلاف.

ثالثًا: النساء والنسوية في الانتفاضة

1. غياب أجندة نسوية

كيف نفهم المشاركة المكثفة للنساء في انتفاضة تشرين، في ظل غياب أجندة تركز عليهن؟ إن مشاركتهن في حد ذاتها لا تجعل الاحتجاج نسويًا أو يتمحور حول مصالحهن. فقد سبق أن شهدت الساحات والشوارع بعد عام 2003، تنظيم تظاهرات نسائية واحتجاجات تطالب بتغييرات قانونية، تتعارض مع المصالح المباشرة للنساء، مثل تظاهرات النساء المؤيدة للقانون الجعفري. وقد سبق للنساء المتبنيات أيديولوجيا الإسلام السياسي أن تصدّين لاعتصام نظمته ناشطات في الحركة النسائية في ساحة الفردوس في بغداد، حول مساواة النساء بالرجال في الدستور العراقي، خلال مراحل كتابته

(((5 صفا.

في صيف 2005، وحملن لافتات كُتب عليها "لا للمساواة". وعلى الرغم من محدودية هذه الحوادث والتنظيمات، فإنها يمكن أن تقدم مث لً على احتجاج النساء ضد مصالحهن وحقوقهن القانونية، مقابل الدفاع عن هويتهن الطائفية. لم تدافع معظم النساء المشاركات في الانتفاضة عن أجندة نسوية واضحة، ولم يؤطرن مشاركتهن بطرح مباشر لقضايا تخص الجندر. واعتبرت بعضهن أن هذه الاحتجاجات تسعى لاستعادة الوطن الذي هو أكبر من أي قضية أخرى، وأن المطلب العام: "إنريد وطن" لا يخص الرجال وحدهم كما تبرر امرأة أربعينية موظفة في القطاع العام، وهي لا تختلف بذلك عن الناشطات النسائيات المعروفات؛ إذ تقول سها العزاوي: "لا يوجد مطالب نسائية لأن إسقاط النظام هو أكبر من مطالبنا كنساء، وإن دم الشباب الذي سال أهم من مطالبنا". كما أن مشاركتهن الواضحة والمؤثرة في احتجاجات عام 2015 لم تحمل أي شعارات أو مطالب ذات مضمون جندري أو نسوي، بل اعتبرت الناشطات أن رفض المحاصصة الطائفية – الإثنية التي كانت شعارات مركزية في احتجاجات عام 2015 يمكن عدها مطالب نسوية. وبالنسبة إليهن، يعتبر الربط بين المساواة الاجتماعية والإثنية – الطائفية والمساواة بين الجنسين في قلب السياسات النسوية في عراق اليوم. وقد تحلل هذه المطالب في إطار النسوية النقدية التي تربط مسألة المساواة الجندرية بالمساواة العرقية أو الإثنية والطبقية. ثمّ إن غياب الأجندة النسوية ليس خاصًا بالسياق العراقي، فقد كان من القضايا اللافتة في

ثورة 25 يناير 2011 المصرية. وقد حللته نرمين علّم، باعتمادها مفهوم "إطار العمل الجماعي" الذي جرى تطويره في تحليل الحركات الاجتماعية، لفهم عملية التعبئة الجماعية للأفراد إزاء المطالب المشتركة. وتجادل بأن غياب قضايا الجندر ضمن "إطار العمل الجماعي" للنساء المصريات لم يكن علامة على الإكراه أو السلبية أو النشاط المضلل، بل كان بالأحرى نتيجة "لإطار من الصدى"، وهو في حد ذاته نتيجة تأطير موروث، ونتيجة الفرص السياسية والتجربة الذاتية للنساء خلال 18 يومًا من الثورة في مصر. وتشير علّم أيضًا إلى أن الفاعلية غامضة حتمًا، وغالبًا ما تنطوي

على جوانب متناقضة لا يمكن فصلها بسهولة. إن مكانة النساء ومصالحهن ومطالبهن وهوياتهن ليست ثابتة، بل يجري تجديدها باستمرار، عندما يتفاعلن مع المشاركين الآخرين، ويتفاوضن على الهياكل والعلاقات المعقدة. وتشير علّم إلى أن الشعارات الموحدة للثورة المصرية ليست لا مبالية بالجندر فحسب، ولكنها أيضًا "عديمة اللون"؛ بمعنى أنها تصور سردية وطنية تنحي جانبًا الاختلافات العرقية والجنسية

(((5 سها العزاوي، ناشطة ومتظاهرة في ساحة التحرير، مقابلة شخصية أجرتها أسماء جميل رشيد، بغداد، تشرين الأول/ أكتوبر (((5 ينظر:

Nermin Allam, Women and the Egyptian Revolution: Engagement and Activism During the 2011 Arab Uprisings (Cambridge: Cambridge University Press, 2017).

والطبقية والدينية؛ لذلك يجب فهم تأطير النساء لمشاركتهن في ثورة 2011 ضد هذا الخطاب العام الموحد. وفي حين أن تسييس الاختلافات العرقية والدينية، خاصة بين الأغلبية السنية المسلمة والأقلية القبطية يختلف اختلافًا كبيرًا عن سياسات الهوية الطائفية في العراق، فإن التركيز على

توحيد الشعارات الوطنية أمر شائع في حالتَي مصر والعراق، عن طريق تعبئة هويات طبقية محددة، والخلط بين الطبقي والعرقي والطائفي والجندري في إطار "الوطن". وهكذا، لم تتجاهل المتظاهرات المصريات والعراقيات أجندة تركز على النساء فحسب، بل أيضًا أي أجندة خاصة بطبقة أو هوية محددة. يشير شعار الانتفاضة "إنريد وطن" إلى هذا الرفض وخيار التجمع حول شعار موحد يعزز مطلب مشترك بدلً من سلسلة مطالب. وفي حالة العراق، يشير مصطلح "الوطن" الذي يُنادى به ويُؤدى في ساحات الاحتجاجات إلى تجربة مجتمعية في مداواة صدمات العنف المسلح والسياسي. إنه رد فعل على السردية الجنس – الطائفية المثيرة للانقسام وسياسات المؤسسة السياسية. وبهذا المعنى، يصبح الشعار الموحد نقيض الطائفية المجندرة، ويمكن فهمه على أنه يتحدى الأعراف الجندرية من دون أن يكون خاصًا بالجندر. أشاد المتظاهرون بالتنوع العمري والجنسي والطبقي حيث إن ساحات الاحتجاجات تشكل فضاءات يلتقي فيها العراقيون ويجتمعون للتفاوض على "عقد اجتماعي". إن النساء اللواتي شاركن في الانتفاضة يأتين من خلفيات متنوعة: من الأم غير المتعلمة في منتصف العمر التي ترتدي عباءتها السوداء وتطبخ للمتظاهرين، إلى الطالبة المثقفة من الطبقة الوسطى التي تقود النقاشات حول إصلاح قانون الانتخابات، والشابات من العائلات المحافظة، واللواتي يتحدين قواعد الملبس السائدة. وتشترك جميعهن في فضاء مشترك، ويضعن الاستراتيجيات وينظمن الاحتجاجات الأسبوعية. تحت خيام قليلة مثل "خيمة نساء الانتفاضة"، تجري مناقشة الأجندات النسوية التي تعالج قضايا معينة، تتعلق بحقوق النساء، بينما تحت معظم الخيام، تعتبر النساء أن الثورة تغيّر العراق بالفعل وأن

تحقيق أهدافها سيفيد النساء إلى جانب الرجال. إن تنوع مشاركتهن، سواء كن يشاركن أفرادًا أو أعضاء في تنظيمات حقوق النساء، واضح في عملية التعبئة لليوم العالمي للنساء الذي يُظهر أن المصطلح المحدود "المرأة العراقية" المستخدم تاريخيًا، غالبًا في الأجندات السياسية الذكورية، سواء كانت

علمانية أو إسلاموية، يُستبدل به مصطلح "النساء العراقيات" الأكثر شمولً.

2. معارضة "استعادة الذكورية"

شعرت النساء العراقيات في ساحات الاحتجاج بالأمان والراحة، فقد حظينَ باستقبال جماهيري خلال الأسابيع الأولى من الاحتجاجات. وكذلك الحال في مصر، غير أنه سرعان ما انعكس الشعور بالأمان، فبعد أسابيع قليلة تفاقمت الهجمات والاعتداءات الجنسية كأنها تهدف إلى إعادة النساء إلى مكانتهن السابقة أو أسوأ. وهذا الذي حدث أيضًا، بعد انتهاء الأشهر القليلة من انطلاق انتفاضة تشرين في العراق؛ إذ سرعان ما تصاعدت الهجمات المعادية للنساء. على سبيل المثال، تحول هاشتاغ #"بناتك_ ياوطن" الذي جرى إطلاقه للاحتجاج النسائي إلى #"عاهراتك_ياوطن".

ووظفت منصات التواصل الاجتماعي للنيل من الناشطات والمشاركات في الاحتجاجات، واتخذ العداء أشك لً عدة، منها التهديدات بالتصفية الجسدية لهن أو لأفراد عائلتهن والاتهامات المسيئة للسمعة والأخلاق أو الشتائم والإهانات اللاذعة ذات الطبيعة الجنسية. وكان واضحًا أن أي منشور يصدر من امرأة، أو يدور موضوعه حول النساء أو تعلق عليه امرأة أو نشر صورة تظهر شجاعة النساء المشاركات في الاحتجاجات، تنهال عليه ردود الأفعال والتعليقات المسيئة. وبقصد تشويه صورة الناشطات وإلحاق العار بهن، يجري نشر صور ذات طبيعة جنسية، والادعاء أن أحداثها وقعت في ساحات الاحتجاج. وجرى كذلك استهداف الناشطات البارزات، بنشر صور مفبركة على صفحات ال "تلغرام" أو الادّعاء بوجود فيديوهات إباحية لهن منشورة على هذه الصفحات. هذا فضلً عن الطابع الجندري للقمع السياسي للانتفاضة الذي واجهته المتظاهرات، ابتداء من الخطاب الذي يصف مشاركتهن على أنها خرق للأعراف الأخلاقية السائدة، إلى العنف السياسي كالخطف مثل ما حدث لصبا مهداوي وماري محمد، أو القتل كما حدث لسارة طالب وزوجها عادل، ومؤخرًا

ريهام يعقوب في البصرة وزهراء علي في بغداد. وبالخطاب ذاته دان القادة السياسيون الإسلامويون الاختلاط بين الجنسين في أثناء الاحتجاج، بمن فيهم الزعيم مقتدى الصدر، من خلال منع الاختلاط وتسمية صوت النساء "عورة". وسعت الجماعات السياسية الإسلاموية إلى تعريف مشاركة النساء في الاحتجاج بأنها انتهاك للأعراف الدينية. وقد سخر المتظاهرون من هذه التصريحات من خلال شعار: "لا مو عورة صوتج ثورة". إن الوجود الواضح للنساء في المظاهرات وساحات الاحتجاجات في مثل هذا السياق هو أمر تمردي، وهو تحدٍ للممارسات والأعراف الجندرية السائدة. تصف دينيز كنديوتي هذه الظاهرة بأنها "استعادة للذكورية"، وتحللها بوصفها رد فعل ومحاولة من السلطة الأبوية لاسترجاع هيمنتها، بعد أن هُددت نتيجة لما كسبته النساء من حقوق أو مساحة للتعبير عن أنفسهن وفرديتهن. وقد دفعت الاعتداءات والمضايقات التي تعرضت لها المتظاهرات إلى رفعهن شعارات وهتافات لها طابع جندري، في محاولة للدفاع عن أنفسهن ووجودهن داخل الحراك. فعلى جدار النفق المؤدي إلى ميدان التحرير، وعلى اللافتات التي حملتها الشابات في أثناء الاحتجاجات، يمكن قراءة الجملة التالية: "نساء ثورة تشرين ثائرات لا عاهرات". إن أهمية مشاركة النساء العراقيات في الانتفاضة هي نتاج لموقفهن المتقاطع، فإذا ما كان الذكور العراقيون يواجهون تحديات على أساس الطبقة والطائفة والدين وما إلى ذلك، فإضافة إلى هذه التحديات تواجه النساء القمع الأبوي؛ لذلك يتعين عليهن "المساومة مع النظام الأبوي" كما أشارت كانديوتي، والتفاوض داخل الفضاء الاجتماعي المعسكر الموجود بالفعل وضده، الذي يسيطر عليه

(53) Deniz Kandiyoti, "Contesting Patriarchy–as–Governance: Lessons from Youth–Led Activism," Open Democracy , 7/3/2014, accessed on 30/9/2023, at: https://tinyurl.com/49rvubrh; Deniz Kandiyoti, "Fear and Fury: Women and Post– Revolutionary Violence," Open Democracy , 10/1/2013, accessed on 30/9/2023, at: https://tinyurl.com/5exr9em7 (54) Deniz Kandiyoti, "Bargaining with Patriarchy," Gender and Society , vol. 2, no. 3 (1988), pp. 274–290; Deniz Kandiyoti (ed.), Women, Islam and the State (Philadelphia: Temple University Press, 1991).

الذكور، وكذلك يجب عليهن "الكفاح من أجل حقوقهن القانونية الرسمية التي تتعرض لتهديد مستمر من القوى الاجتماعية المحافظة وحقوقهن الأساسية في الأمن وكرامة الإنسان التي أصبحت ضحية فوضى انعدام القانون المتوطنة والإفلات من العقاب في مجتمعاتهن".

خاتمة

فرضت الحروب وفترة العقوبات قيودًا اجتماعية واقتصادية إضافية على النساء، أثرت في مشاركتهن الكاملة والمتساوية في الحياة العامة. وقد أنتجت الانتفاضة، بصفتها ظاهرة حضرية، فضاءًاجتماعيًا، استعادت من خلاله المتظاهرات فضاءً معسكرًا ومخصخصًا وذكوريًا، وذلك من خلال إنتاج فضاء

اجتماعي بديل وعام وشامل وبعيد عن العنف المسلح. ومكّن الانخراطُ في الفعل الاحتجاجي النساءَ من تحدي الهيمنة الذكورية، وساهم في إدراكهن تمثلات جديدة، بعد التحولات الفردية التي رافقت مشاركتهن، فرسمنَ لأنفسهن نهجًا مستقلً ومتعارضًا أحيانًا مع الأبناء والزوج. شكّل خروج النساء إلى ساحات التظاهر أحد أشكال المقاومة والرفض للعنف الهيكلي الذي عانينه جراء الحروب والعقوبات الاقتصادية والاقتتال الطائفي، والفساد المتغلغل في كل مفاصل الحياة. واختارت النساء، جنبًا إلى جنب مع الفئات الاجتماعية الأخرى في الغالب، الوقوف خلف الشعار الموحد "إنريد وطن" للتعبير عن مطالبهن بنظام سياسي جديد قائم على المساواة مع المؤسسات العاملة التي تقدم الخدمات والوظائف والفرص. كما طالبن بالحرية الدينية والسياسية والعدالة للذين قُتلوا في أثناء الاحتجاجات السلمية. فجعلت هذه المطالب اجتماع النساء والرجال، من خلفيات اجتماعية وأيديولوجية مختلفة، ممكنًا من دون الاضطرار إلى التعامل مع قضايا أكثر إثارة للانقسام. وعلى الرغم من الزخم النسوي الذي شهدته ساحات الاحتجاجات في العاصمة، فإنه لم تجرِ الإفادة من هذا الزخم، والبناء عليه للعمل على ردم التفاوتات بين الجنسين؛ فالمشاركة النسائية وحدها لا تحدث التغيير. وعجزت النساء عن تنظيم أنفسهن في تشكيلات جمعوية وروابط منفصلة عن الرجال، ليتمكنّ من تمثيل مصالحهن. ولم تندمج هذه الكتل النسائية ولم تشكل جبهة واحدة ليتمكنّ من الوصول إلى أهدافهن في إنشاء الشروط اللازمة لإقامة علاقات قائمة على المساواة. ومع ذلك، مهدت مشاركة النساء العراقيات في الانتفاضة لتشكيل وعي نسوي من الممكن أن يشكل نواة لحركة نسوية جديدة، ذات قاعدة جماهيرية تتجاوز الأطر والتنظيمات القديمة، وتعتمد على الحراك الشعبي نفسه للدفاع عن قضايا النساء، وقد بدأت بوادرها من خلال تشكيل حراك، ومجموعات نسوية تقودها الشابات مثل "مجموعة تشرينيات". كما طرحت فكرة تشكيل اتحاد للنساء أسوة باتحاد الطلبة الذي كان من أهم الهياكل المجتمعية التي أنتجتها الانتفاضة.

(55) Deniz Kandiyoti, "Between the Hammer and the Anvil: Post–Conflict Reconstruction, Islam, and Women’s Rights," Third World Quarterly , vol. 28, no. 3 (2007), p. 510.

المراجع

References

العربية

الأمم المتحدة، منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف). "تكلفة ومنافع التعليم في العراق: دراسة تحليلية حول قطاع التعليم واستراتيجيات زيادة المنافع من التعليم.":2017. في

https://tinyurl.com/8dpc3vjc

جمهورية العراق. وزارة التخطيط. الجهاز المركزي للإحصاء. إحصاءات المرأة والرجل. بغداد: مطبعة الجهاز المركزي للإحصاء،.2013 حقوق النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: المواطنة والعدالة. واشنطن دي سي: فريدم هاوس،

دائرة تمكين المرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان. الاستراتيجية الوطنية لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي 2030–2018. بغداد: صندوق الأمم المتحدة للسكان،.2019 الدريملي، سمر محمد. "أثر مواقع التواصل الاجتماعي على المشاركة السياسية للمرأة في فلسطين". رسالة ماجستير. كلية الآداب. جامعة الأزهر. غزة..2013 السلطاني، عبد العظيم رهيف. "التمييز الجنسوي ضد المرأة في الخطاب التربوي العراقي المعاصر". مجلة الأقلام. مج  47، العدد 3 (أيلول/ سبتمبر– كانون الأول/ ديسمبر.)2012 شلاش، آمال وسهام عبد الحميد. "الفقر بين النساء". ورقة مُقدَّمة في ندوة النوع الاجتماعي والتنمية المستدامة. الاتحاد العام لنساء العراق. بغداد. تموز/ يوليو.2001 عبد  الحسين، لاهاي. أثر التنمية والحرب على النساء في العراق 1988–1968:. بغداد: دار  الشؤون الثقافية،.2006 عبد اللطيف، سامر مؤيد وحسين كاظم الشمري. "عسكرة المجتمع وأثرها في البناء الديمقراطي (دراسة حالة العراق)". المجلة السياسية والدولية. العدد).2016(34–33 عزيز، ابتسام وسلام جبار شهاب. التمكين الاقتصادي للمرأة العراقية: التحديات والتوجهات الاستراتيجية والمبادرات. بغداد: مركز البيان للدراسات والتخطيط،.2020 عيسى، نهاوند القادري. النساء في الفضاءات العامة: هوامش مضاءة. كتاب باحثات 15. بيروت: جداول للنشر والترجمة،.2011 فالح، عبد  الجبار وهشام داود. "شيوخ ومنظرون". تقرير الشرق الأوسط. العدد).2000(215 "مع المتظاهرين في ساحة التحرير: كيف عرفت؟ لم تظاهرت؟ ماذا حدث؟ وماذا تحقق؟". أسماء جميل وزهير الجزائري (محرران). الثقافة الجديدة. العدد  409 (كانون الثاني/ يناير.)2020

المهاجر، محمد كاظم. الفقر في العراق قبل وبعد حرب الخليج. الأمم المتحدة: اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"،.1997

الأجنبية

Al–Ali, Nadje. Iraqi Women: Untold Stories from 1948 to the Present. London: Zed Books, 2007. Ali, Zahra. Women and Gender in Iraq: Between Nation–Building and Fragmentation. Cambridge: Cambridge University Press, 2018. Al–Jawaheri H, Yasmin. Women in Iraq: The Gender Impact of International Sanctions. London: I.B. Tauris, 2008. Allam, Nermin. Women and the Egyptian Revolution: Engagement and Activism during the 2011 Arab Uprisings. Cambridge: Cambridge University Press, 2017. Anthias, Floya & Nira Yuval Davis (eds.). Woman–Nation–State. London: Palgrave Macmillan, 1989. Cockburn, Cynthia. "Gender Relations as Causal in Militarization and War.ˮ International Feminist Journal of Politics. vol. 12, no. 2 (2010). Cockburn, Cynthia & Cynthia Enloe. "Militarism, Patriarchy and Peace Movements.ˮ International Feminist Journal of Politics. vol. 14, no. 4 (2012). Delphy, Christine. L’ennemi principal 2. Penser le Genre. Paris: Syllepse, 2001. _______. L’ennemi principal. 1. Economie politique du patriarcat. Paris: Syllepse,

Ghazal, Amal & Jens Hanssen (eds.). The Oxford Handbook of Contemporary Middle– Eastern and North African History. Oxford: Oxford University Press, 2018. Gordon, Joy. Invisible War: The United States and the Iraq Sanctions. Cambridge: Harvard University Press, 2012. Hill Collins, Patricia & Sirma Bilge. Intersectionality. Malden, MA: Polity Press, 2016. Ismael S., Jacqueline & Shereen Ismael T. "Living through War, Sanctions and Occupation: The Voices of Iraqi Women." International Journal of Contemporary Iraqi Studies. vol. 2, no. 3 (2008). Joseph, Suad. Gender and Citizenship in the Middle East. Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2000. Kandiyoti, Deniz. "Bargaining with Patriarchy." Gender & Society. vol. 2, no. 3 (1988). _______. "Between the Hammer and the Anvil: Post–Conflict Reconstruction, Islam and Women’s Rights." Third World Quarterly. vol. 28, no. 3 (2007).

_______. "Fear and Fury: Women and Post–Revolutionary Violence." Open Democracy. 10/2/2013. at: https://tinyurl.com/5exr9em7 _______. "Contesting Patriarchy–as–Governance: Lessons from Youth–Led Activism." Open Democracy. 7/3/2014. at: https://tinyurl.com/49rvubrh Kandiyoti, Deniz (ed.). Women, Islam, and the State. London: Macmillan, 1991. Lefebvre, Henri. Le droit à la ville. Paris: Point, 1968. _______. La production de l’espace. Paris: Anthropos, 1974. Lugones, Maria. "Towards a Decolonial Feminism." Hypathia. vol. 25, no. 4 (2010). Mohanty, Talpade Chandra (ed.). Feminism without Border: Decolonizing Theory, Practicing Solidarity. Durham, NC: Duke University Press, 2003. Mohanty, Talpade Chandra, Ann Russo & Lourdes Torres (eds.). Third World Women and the Politics of Feminism. Bloomington, IN: Indiana University Press, 1991. Peterson, V. Spike. "How (the Meaning of) Gender Matters in Political Economy." New Political Economy. vol. 10, no. 4 (2005). _______. "Thinking through Intersectionality and War." Race, Gender & Class. vol. 14, no. 3–4 (2007) Sharabi, Hisham. Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society. Oxford: Oxford University Press, 1988. Turner, Victor. Dramas, Fields, and Metaphors. New York: Cornell University Press,

Yuval–Davis, Nira. Gender and Nation. London: SAGE, 1997.

مراجع إضافية

Efrati, Noga. "Productive or Reproductive? The Roles of Iraqi Women during the Iraq– Iran War." Middle Eastern Studies. vol. 35, no. 2 (1999). Lefebvre, Henri. La révolution urbaine. Paris: Gallimard, 1970. True, Jacqui. The Political Economy of Violence against Women. Oxford: Oxford University Press, 2012.