هبّة في وضعية العتبة: دراسة في هبّة الكرامة في الداخل الفلسطيني
Uprising Amidst Liminality: A Study of the 2021 Karameh (Dignity) Uprising of Palestinians inside the Green Line
الملخّص
تتتبّع هذه الدراسة هبّة الكرامة (2021) لدى فلسطينيّي الداخل عام 1948، وتحلّل السياق السياسي – الاجتماعي الاقتصادي الذي نشأت فيه. وتقترح نموذج "أزمة العتبة–الحدّية"، التي يقبع فيها فلسطينيّو الداخل، إطارًا نظريًّا لتحليل الهبّات وتحولاتها في الداخل. وتخلص إلى أن الهبّة انفجرت في نقطة تقاطع لسيرورة تحولات جرت في العقدين الأخيرين على مستوى إسرائيل والصهيونية إلى ناحية اشتداد البعدين الاستعماري والنيوليبرالي فيها من جهة، وتحولات عميقة جرت على مستوى المجتمع الفلسطيني في الداخل من جهة أخرى، ومن ثمّ رسّخت التحولات الإسرائيلية تقنيات استعمارية جديدة من المحو والضبط والاحتواء معًا تجاه فلسطينيّي 1948. وقد أثّرت هذه التغييرات وغيرها في نمط الحراك الشعبي في هبّة الكرامة التي أدّت إلى تحولات فيها مقارنةً بهبّات سابقة تمثّلت في مستويات جغرافيا الهبّة، وقاموسها، والشرائح الاجتماعية المنخرطة فيها، وشكل التنظيم الذي ترسّخ فيها.
Abstract
Abstract: This article looks at the 2021 Karameh (Dignity) Uprising of Palestinians inside the Green Line, situating it within its socio–political context. It proposes the "Liminal Crisis" model as a theoretical framework to conceptualize the protest movement for Palestinians within the Green Line. The study argues that Palestinian activism has been sharply impacted by two decades of shifts in Israeli and Palestinian society, driven by the strengthening of the colonial and neoliberal elements in the Israeli regime. The implications of these transformations have largely reflected in the been dignity uprising movement compared to past uprisings. These alterations manifest in the geography and terminology of the uprising, the involvement of New socio–economic strata, and the emergence of New patterns of activism.
- هبّة الكرامة
- الاستعمار الاستيطاني
- النيوليبرالية
- العتبة
- Dignity Uprising
- Settler Colonialism
- Neoliberalism
- Liminality
Uprising Amidst Liminality: A Study of the 2021
Karameh (Dignity) Uprising of Palestinians inside
the Green Line
ملخص: تتتبّع هذه الدراسة هبّة الكرامة (2021) لدى فلسطينيّي الداخل عام 1948،
وتحلّل السياق السياسي – الاجتماعي الاقتصادي الذي نشأت فيه. وتقترح نموذج "أزمة
العتبة–الحدّية"، التي يقبع فيها فلسطينيّو الداخل، إطارًا نظري ا لتحليل الهبّات وتحولاتها
في الداخل. وتخلص إلى أن الهبّة انفجرت في نقطة تقاطع لسيرورة تحولات جرت في
العقدين الأخيرين على مستوى إسرائيل والصهيونية إلى ناحية اشتداد البعدين الاستعماري
والنيوليبرالي فيها من جهة، وتحولات عميقة جرت على مستوى المجتمع الفلسطيني في
الداخل من جهة أخرى، ومن ثمّ رسّخت التحولات الإسرائيلية تقنيات استعمارية جديدة
من المحو والضبط والاحتواء معًا تجاه فلسطينيّي 1948. وقد أثّرت هذه التغييرات وغيرها
في نمط الحراك الشعبي في هبّة الكرامة التي أدّت إلى تحولات فيها مقارنةً بهبّات سابقة
تمثّلت في مستويات جغرافيا الهبّة، وقاموسها، والشرائح الاجتماعية المنخرطة فيها، وشكل
التنظيم الذي ترسّخ فيها.
Abstract: This article looks at the 2021 Karameh (Dignity) Uprising of Palestinians inside the Green Line, situating it within its socio–political context. It proposes the "Liminal Crisis" model as a theoretical framework to conceptualize the protest movement for Palestinians within the Green Line. The study argues that Palestinian activism has been sharply impacted by two decades of shifts in Israeli and Palestinian society, driven by the strengthening of the colonial and neoliberal elements in the Israeli regime. The implications of these transformations have largely reflected in the been dignity uprising movement compared to past uprisings. These alterations manifest in the geography and terminology of the uprising, the involvement of New socio–economic strata, and the emergence of New patterns of activism.
PhD Researcher in Sociology and Anthropology at the Graduate Institute of International and Development Studies, IHEID, Switzerland. Email: khaled.anabtawi@graduateinstitute.ch
مقدمة
شهدت بلدات الداخل الفلسطيني ومدنه، في أيار/ مايو 2021، هبّة واسعة النطاق اعتبرتها
أجهزة أمنية إسرائيلية "احتجاجات غير مسبوقة" في تاريخ فلسطينيّي الداخل. وكانت هذه
الحركة جزءًا من حراك شعبي أوسع شمل كذلك مناطق الضفة الغربية والقدس المحتلة وقطاع غزة،
في شهر رمضان، أيار/ مايو 2021، عُرفت في "القاموس" السياسي – الاجتماعي الفلسطيني بهبّة
الكرامة، على خلفية اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، ومحاولات تهجير سكان حي الشيخ جراح في القدس، إضافةً إلى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، مساءَ يوم 10 أيار/ مايو 2021، وذلك
بعد فشل مسيرة الأعلام الإسرائيلية، التي تنظّمها سنويًّا مجموعات استيطانية متطرفة في ذكرى احتلال
القدس. كان خبر استشهاد موسى حسونة في مدينة اللد برصاص مستوطنين، في أثناء الاحتجاجات في المدينة والأخبار المتداولة عن اعتداءات منظمة يقوم بها المستوطنون، بمنزلة شرارة أشعلت فتيل حركة احتجاجية شعبية واسعة شملت مختلف بلدات الداخل الفلسطيني عام 1948، وقد كانت "المدن المختلطة" والنقب أكثر النقاط التي تكثّفت فيها المواجهات والاشتباكات. نُظر إلى هبّة الكرامة رمزيًّا بوصفها فعلً سياسي ا وحّد الشعب الفلسطيني في حدود فلسطين التاريخية،
في مواجهة سياسة العزل والفصل والتجزئة الاستعمارية. وصيغت الهبّة في الخطاب السياسي
الشعبي باعتبارها استعادةً لكرامة، وهبّة أمل؛ لا ضد الصهيونية فحسب، بل بوصفها فعلًاستئنافي ا
لحالة من الجزر السياسي وانسداد الأفق، والمسارات السياسية التي أخذت تتشكّل في المشهد السياسي في الداخل خلال السنوات التي سبقتها كما سنوضح لاحقًا. أسّست هبّة الكرامة لفصلٍ جديد في العلاقة بين الفلسطينيّين في الداخل والنظام الإسرائيلي، نظرًا
إلى اتساع جغرافيتها وتصدّر ما يُعرف بالمدن المختلطة ديموغرافيًا بين اليهود والعرب أحداث
الهبّة، وتصدّر الشباب طليعة المتظاهرين والمحتجّين فيها، واستعادة خطاب وحدة المصير والفعل
الفلسطيني، وهيمنة مشهد الاشتباك مع المستوطنين في الداخل على عبارات الهبّة وخطابها. ا معاصرًا وسياقاته ا احتجاجيّوتبحث هذه الدراسة في سياقات خصائص الهبّة بوصفها حراكًا شعبي
التاريخية في الداخل الفلسطيني. واستنادًا إلى تناول هبّة الكرامة، تحاول فهم التحولات الاجتماعية
(((هبّة الكرامة أو هبّة الشيخ جرّاح التي اندلعت في شهر رمضان – أيار/ مايو.2021 (((سيشار ب "هبّة الكرامة"، و"الحركة الاحتجاجية الشعبية"، و"الفعل الجمعي الاحتجاجي"، في هذه الدراسة، إلى هبّة الكرامة
(الشيخ جراح 2021) وغيرها من الهبّات، والانتفاضات، وكذلك الحراك الشعبي في فلسطين. (((سيشار ب "المدن المختلطة" إلى المدن الفلسطينية التاريخية التي تحوّلت بعد النكبة إلى مدن مختلطة قومي ا، عربًا ويهودًا، بعد
أن تحول فيها العرب إلى أقلية. والمقصود بذلك: عكا، وحيفا، واللد، ويافا، والرملة. (((أحمد عز الدين أسعد، "محو المحو: تأم ت في هبّة القدس ومداراتها"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 127 (صيف
2021)، ص.116–109 (((المرجع نفسه.
والاقتصادية والسياسية الجارية في الداخل، وتأثيرها في مسارات الهبّة. وقد جرت هذه التحولات خلال
أكثر من عشرين عامًا منذ هبّة أكتوبر 2000 في الداخل، التي كانت جزءًا من الانتفاضة الفلسطينية الثانية
(2005–2000). وتجادل الدراسة بأنّ فهم الهبّة والفعل الاحتجاجي الجمعي – السياسي المعاصر في
الداخل الفلسطيني يتطلب تطوير إطارٍ نظريّ مركّب يشمل مفاهيم من حقول الحركات الاجتماعية،
والأنثروبولوجيا (مفهوم العتبة Liminality)، إضافةً إلى فهم آليات اشتغال النيوليبرالية في سياقات المجتمعات الاستعمارية الاستيطانية. تطوّر الدراسة هذا الإطار النظري، وتوظفه في دراسة هبّة الكرامة في الداخل، من ناحية جغرافيّتها،
والشريحة المنخرطة في قيادتها، ونمط التنظيم، وشكل الخطاب، فضلً عن دور الأحزاب والتنظيم السياسي المركزي فيها، وتستنتج أنّ الهبّة مثّلت نقطة التقاء وتقاطع لتحولات جرت في أثناء العقدين
الأخيرين على مستوى النظام الإسرائيلي والصهيونية والمجتمع الفلسطيني في الداخل. ثم تستقرئ الهبّة، من خلال الاستعانة بمنهجية المشاهدات الحية والملاحظات المسجّلة عن قرب، ضمن مشاهدة
ميدانية مشاركة، تحليلً مسحي ا لبعض ملفات المعتقلين الذين قُدّمت في حقهم لوائح اتهام على
خلفية الهبّة، فضلً عن قراءةٍ وتحليلٍ لخطاب النصوص التي نشرت في أثناء الهبّة نفسها، خاصة في
الفترة 24–9 أيار/ مايو، إضافة إلى سلسلة مقابلات معمّقة أجريت عامُ 2022 مع ناشطين، ومحامين،
وفاعلين عن قرب في الأحداث. يطوّر المحور الأول من الدراسة إطارًا نظريًّا يفيد في دراسة النضال/ الحراك الشعبي والاحتجاج بين
فلسطينيّي الداخل، في حين يتناول محورها الثاني السياقات السياسية – الاجتماعية التي أنتجت الهبّة،
أما محورها الثالث فيتابع تحليل ملامح الهبّة وتمثلاتها وما تعنيه سياسي.ًّا واجتماعيًّا في الداخل
أولا: الحركات الاجتماعية، حالة العتبة، والهبّات الشعبية في سياق فلسطينيّي الداخل
1. الحركات الاجتماعية والمنعطف النيوليبرالي
لا يمكن تفسير الهبّات الشعبية، بوصفها ظاهرة وفعلًاجتماعيدًّا مركّبًا من خلال عامل حصريّ واح،
خاصة إن كان الفعل الاحتجاجي يتشكّل في واقع شديد التركيب؛ ذلك أن المجتمع نسيج من العلاقات الإنسانية يتشابك فيها الاقتصاد والسياسة والثقافة في سياقات متعددة ومرتبطة، وفقًا لتصوّر
جورج زيمل، ووفقًا للحراك الشعبي والاجتماعي أيضًا، بحيث إنه صيرورة من الصراعات بين الفاعلين فيه. ولا يمكن أن يُنظم أو يُفهم بفعل العامل الاقتصادي حصرًا أو عالم الأفكار، أو أي عامل
آخر حصرًا. يعتبر آلان تورين أن الحركات الاجتماعية في المجتمع قد تشكّل تعبيرًا عن مسارات
(6) George Simmel, On Individuality and Social Forms , Donald N. Levine (ed.) (Chicago: University of Chicago Press,
(7) Alain Touraine, The Voice and the Eye: An Analysis of Social Movements (Cambridge: Cambridge University Press, 1981); Alain Touraine, La voix et le regard (Paris: Seuil, 1978), p. 25.
وديناميات التغيير فيه، في إطار ما يسميه تاريخانية المجتمع Society of Historicity؛ ومن ثم فإن دراستها لا تنفصل عن دراسة حركة التغيير في المجتمع، وربما تشكّل مدخلً لفهم المجتمع ذاته. لقد انصرفت الدراسات السوسيولوجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد انتفاضات 1968، إلى إيلاء دراسة الحركات الاحتجاجية والثورية، ولا سيما ضمن حقل الحركات الاجتماعية، اهتمامًا خاص ا. ويمكن القول إن دراسات الحركات الاجتماعية تطورت من تصوّر سابقٍ ارتكز على أهمية
الطبقة، وخاصة العمالية، كما كانت الحال حتى منتصف القرن العشرين، إلى مرتكز الهوية وذلك في ضوء التطور في الحركات الاجتماعية "الجديدة"، ودخول شرائح وفئات عابرة للطبقة، مثل الحركات النسوية والبيئية، في صراع لإعادة بناء التشكيل الاجتماعي على أساس المساواة، ليتطور الحقل بعد ذلك إلى مرحلة الارتكاز على "الفعل المصلحي"؛ أي التنظّم الشبكي غير الهرمي لذوي مصلحةٍ ما في تغيير قضية معيّنة، حتى إن لم يمكن ذلك مدفوعًا بفكر أو أيديولوجيا أو هوية جمعية واحدة
للفاعلين. تُجمِع الدراسات المعنية بالحركات الاجتماعية على أهمية دراسة الفاعلية في الحراك، فالاحتجاج، بحسب جين شارب، هو خيارٌ استراتيجي واعٍ لحركة فاعلة من أجل تحقيق أهداف سياسية. وتتفق معظم المدارس المتنوّعة التي قاربت الحركات الاجتماعية في حقبة السبعينيات على مركزية التعبئة
والتنظيم؛ إذ يجادل تشارلز تيلي في أن الحركات الاجتماعية تمنح الناس مسارًا للمشاركة السياسية، وأنه لا يمكن تحقيق ذلك إلا مع توافر مستوى ما من التنظيم الجمعي وتوافر الموارد. بالتوازي مع ذلك، تزامنت حقبة ما بعد منتصف الستينيات مع صعود حركات اجتماعية واحتجاجية تجترح أنماطًا جديدة من التنظيم والخطاب، ويحاجّ أنتوتي غيدنز، في هذا الصدد، بأن نعت "الجديدة"،
في تسمية "الحركات الاجتماعية الجديدة"، يعبّر عن حمولة تتجاوز صفة "المعاصَرة" بالمفهوم الزمني؛
إذ هي ترميز لأنماطٍ جديدة من التنظيم، بقاموسٍ وخطابٍ جديدَين. ويلخّص غيدنز هذا المفهوم الجديد للحركات ضمن أربعة مستويات: 1. التجنّد/ التنظّم حول قضايا جديدة، 2. اقتراح أدوات عمل جديدة خارج منظومة المركز السياسي الحزبي التقليدي والهرمية التنظيمية، 3. اقتراح نمط جديد من الاحتجاج كالترميز والغناء والسخرية في إطار نضالها، 4. اجتذاب شرائح جديدة للسياسة والتحالفات عمادها الشباب وشرائح من الطبقة الوسطى.
(8) Peter Kivisto, "Contemporary Social Movements in Advanced Industrial Societies and Sociological Intervention: An Appraisal of Alain Touraine’s 'Pratique'," Acta Sociologica , vol. 27, no. 4 (1984), p. 361.
(((ينظر: تشارلز تيلي، الحركات الاجتماعية 2004–1768، ترجمة ربيع وهبة (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ص 95،
113، 149، 286؛ أحمد عز الدين أسعد، "حراك القدس: عن قصة الفعل الاجتماعي والثقافي في أوقات الشدة"، قضايا، العدد 88 (2022)، ص.26 ((1(جين شارب، المقاومة اللاعنفية: دراسات في النضال بوسائل اللاعنف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص.9
(11) Anthony Giddens, Sociology , 6 th ed. (Cambridge: Polity Press, 2009), p. 1013. (12) Ibid., p. 1016. (13) Ibid., pp. 1016–1017.
تأثّرت هذه الحركات بالتحولات الاقتصادية العالمية اللاحقة؛ إذ ألقى استشراء السياسات النيوليبرالية، في تسعينيات القرن العشرين وسطوة العولمة، بظلاله على أنماط المقاومة الشعبية وحقل الاحتجاج السياسي والحركات الاجتماعية معًا، خاصة أن تلك السياسات لا تقف عند الحد الاقتصادي؛ أي سطوة قوانين السوق وانسحاب الدولة من الحقل الاقتصادي، وجذب الاستثمارات الخاصة والعالمية، بل إنها تؤثر في التراتبيات السياسية والاجتماعية. ويرى غيدنز، وتورين أيضًا، أن فعل الحركات الاجتماعية في إطار هذه التحولات بات أكثر عينيةً، وأنها تنتظم حول قضايا محددة وتسعى لتغيير محدّد لا شمولي، فضلً عن إتاحة إمكانيات جسر التحالفات العابرة للدولة الوطنية ضمن شبكات إقليمية ودولية من التضامن غير الممأسس. وينبّه سيمون سيرنغر في بحثه المسحيّ إلى حركات احتجاج جديدة مناهضة للسياسات النيوليبرالية في الولايات المتحدة الأميركية (2011)، وكمبوديا (2011) والمكسيك (في التسعينيات)، عن سطوة نمط اللاتنظيم المركزي أو اللاقيادة الهرمية في هذه الحركات وسيولة التنظيم فيها. وتفترض الدراسة أن جميع هذه الأنماط والتحولات قد شملت الفعل الاحتجاجي والمقاومة الشعبية/ المدنيّة في الحالة الفلسطينية مؤخرًا، خاصة في العقدين الأخيرين كما سنبيّن لاحقًا. لقد أتاحت دراسة الحركات الاجتماعية والفعل الاحتجاجي، في ظل مقاومة السياسات النيوليبرالية، إعادة تسليط الضوء على نضالات الشرائح المهمّشة في المجتمع، وهي تتصل بسؤال الهيمنة بين السلطة من جهة، والحركة الاحتجاجية والشرائح المشاركة فيها من جهة أخرى. ويجادل بيير بورديو في أن حركات الاحتجاج تنشأ في حقول صراعية، حيث تشكّل الهيمنة والصراع حولها أساس العلاقات في الحقل، وهو ما يُنشئ صراعًا بين المهيمنين والخاضعين، وفي هذا الإطار تنشأ الحركات الاجتماعية والنضالية. ومن خلال هذا المنظور، بات الاحتجاج وسؤال الحركات الاجتماعية في الحقبة النيوليبرالية جزءًا من صراعٍ أمام السلطة وهيمنتها بأوجهها المتعددة؛ من البنية الكلية إلى الممارسات الحياتية اليومية. وبحسب آصف بيات، خلق تفرّع أنماط السيطرة والضبط وتعدّدها، في حقبة ما بعد التسعينيات، مقاومةً مرتبطة بالممارسات الحياتية، خاصة إذا كان الفعل الجمعي غير ممكن في حالات معيّنة، مثل حالات الاستعمار أو ما بعد الاستعمار.
(14) Johanna Bokman, Markets in the Name of Socialism: The Left–Wing Origins of Neoliberalism (Stanford: Stanford University Press, 2011). (15) Giddens. (16) Simon Springer, "Neoliberalism and Antiestablishment Movements," in: The Age of Perplexity: Rethinking the World we KNew (Barcelona: Penguin, 2018).
((1(بيير بورديو، أسئلة علم الاجتماع في علم الاجتماع الانعكاسي، ترجمة عبد الجليل الكور (الدار البيضاء: دار توبقال، 1997)، ص.19 ((1(آصف بيات، الحياة سياسة: كيف يغيّر بسطاء الناس الشرق الأوسط، ترجمة أحمد زايد (القاهرة: المركز القومي للترجمة،
2014)، ص 113،.116
2. دراسة المقاومة الشعبية في السياق الاستعماري في فلسطين الهيمنة وسؤال
شكّلت دراسة حالة فلسطين، بوصفها سياقًا استعمارييًّا استيطان ا، إضافةً نوعية لحقل دراسة المقاومة
الشعبية والفعل الاحتجاجي الجمعي عمومًا. وقد بدأت الدراسات الفلسطينية المتصلة بهذا الحقل تتسع منذ أوائل الثمانينيات، وكانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى مرحلة مفصلية في هذا الحقل فلسطينيًّا. ولم تتمثّل إنجازات الانتفاضات في فلسطين في قدرتها على إحداث التغيير التحرري
المباشر على المدى القصير، بل تمثلت في تشكيلها فضاءً مكّن المجتمع من أن يكون أقل خضوعًا
للمستعمر؛ فلا يكون معيار نجاح الفعل الجمعي في هذا السياق مرهونًا بالضرورة بتحقيق أهداف عينية، بل بإبقاء الصراع مع المستعمر. ترتبط المقاومة الشعبية الفلسطينية بسؤال الهيمنة في إطار علاقات القوى الاستعمارية القائمة، والصراع حول الهيمنة بين المنظومة الاستعمارية والمستعمَر؛ ففي دراسة لعلاء العزة وليندا طبر حول المقاومة الشعبية في فلسطين، ينطلق الباحثان من قراءة للواقع الاستعماري، "والجغرافيا الكولونيالية" التي تنتج، في أثناء مسار محوها للسكان الفلسطينيّين، يوميات من السيطرة والقوّة والهيمنة، ومن ثم تكون
القوّة الاستعمارية مترامية الأطراف في يوميات السكان الأصلانيين، وفي مقابل ذلك تصبح المقاومة وأنماطها مستقرّة في يومياتهم. ونظرًا إلى اشتداد حالة القمع والرقابة على الفلسطينيّين في السياق الاستعماري الاستيطاني، تشير
الدراسات التي تناولت الحالة الفلسطينية إلى أهمية توافر الحاضنة الاجتماعية، بوصفها بنية تحتية أساسية للحراك الشعبي، وعاملً مصيريًا في ضمان استمراره. وتكشف، في المقابل، كيف أنّ ضعف القاعدة التحتية والحاضنة المؤسساتية للحراك الشعبي يؤدي إلى عرقلة تطوّره واستمراريته بالوتيرة ذاتها. ويجادل عزمي بشارة في أن ضعف الانتفاضة الفلسطينية الأولى اتصل بعدم توافر بنية تحتية منظّمة وانعدام التوازن بين المبادرة المحلية والمصلحة القومية، فضلً عن عدم نشوء قيادة علنية في الأراضي المحتلة عام 1967 تصوغ رؤية اجتماعية جماعية. وربما كان ذلك ما يحدّ من قدرة يعبّر عنه الانتفاضات في السياق الفلسطيني – وليس الانتفاضة الأولى حصرًا – على المداومة أو ما
إبراهيم دقاق بالانتقال الدائم من "الصمود الساكن" إلى "الصمود المقاوم".
(19) Gene Sharp, "The Intifadah and Nonviolent Struggle," Journal of Palestine Studies , vol. 19, no. 1 (1989), pp. 3–13; Mubarak Awad & Paul Hubers, "Nonviolence in The Intifada: Long–Term Costs and Values," Peace Research , vol. 25, no. 3 (1993), pp. 61–66.
((2(عزمي بشارة، "القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 6 (ربيع 1991)، ص.32 ((2(علاء العزّة وليندا طبر، المقاومة الشعبية الفلسطينية تحت الاحتلال (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.)2014 (((2 أحمد عز الدين أسعد، بلاد على أهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيتساحور (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2021 (((2 بشارة، ص.32
(24) Ibrahim Dakkak, Development from Within: A Strategy for Survival (Oxfordshire: Routledge, 1988).
3. الداخل الفلسطيني والإقامة في العتبة
لم يكن سياق الداخل الفلسطيني منفصلً عن السياق الفلسطيني العام، وقد سجّل الداخل التحامًا
بانتفاضات الشعب الفلسطيني، فضلً عن هبّات أفرزها واقع الداخل ذاتيًّا منذ أحداث يوم الأرض عام
1976، مرورًا بالانتفاضة الثانية عام 2000 وهبّات الأقصى المتكررة في العقد الأخير (2020–2011)،
ووصولً إلى هبّة الكرامة عام 2021. غير أنّه من المهم موضعة حالة فلسطينيّي الداخل ضمن ما تسميه
هنيدة غانم "حالة العتبة" Space Liminal، أو الحدية – البينية التي تميّز واقعهم؛ إذ تنطلق الدراسة من
اعتبار العتبة مميّزًا سوسيولوجيًا للتطور أو الهابيتوس (بتعبير بورديو) السياسي الاجتماعي لفلسطينيّي
الداخل الذين بقوا في وطنهم بعد نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، وفُرضت عليهم المواطنة الإسرائيلية التي تشكّل ظرف الداخل المادي والمدني والقانوني. يعود جذر العتبة Liminality إلى "الحد" في اللغة اللاتينية؛ أي حالة الفضاء البينيّ أو الحدّي، حيث
تطوّر المفهوم الأنثروبولوجي للعتبة؛ بدءًا من فان جينيب، ومرورًا بفكتور تيرنر، في إطار تحليل
طقوس الانتقال في المجتمعات الأهلية، مثل طقس البلوغ (الانتقال من حالة الطفولة إلى البلوغ)، أو الزواج. وعادةً ما يشتمل الطقس على مرحلة انعتاق من الحالة القديمة، تتبعها حالة من العتبة التي تسبق مرحلة إعادة الاندماج والانصهار في الوضعية الجديدة، أو ما يسمى "إعادة التراكم". وقد وسّع
فيكتور تيرنر، منذ نهاية الستينيات، الإطار المفاهيمي للعتبة إلى حالات أشمل من طقوس التحوّل،
حتى باتت تحسب على ظواهر اجتماعية مختلفة، خاصة إذا كانت جزءًا من تغيير مجتمعي حادّ.
ويتميّز هذا الفضاء الحدّي، وفقًا لهومي بابا، بحالة من عدم الثبات، والضبابية والهُجْنة، لكنه يحمل
احتمالية عالية للتغيير والتحوّل الدائمَين، ويشكّل بيئةً ووضعية قابلتَين لإنتاج تحولات ثقافية وخطابًا
جديدًا. وعادة ما ترتبط العتبة بواقع مرحلي يتّسم بعدم الاستقرار واللايقين وبتجميدٍ للبنى القائمة العادية، ورغبة في إنشاء/ خلق أنماط جديدة من العمل والفكر لتصبح أنماطًا مستقرة فيما بعد إذا
تعممت وتحولت إلى حالة قائمة فعل. طوّر بيورن توماسون مفهوم العتبة، في إطار تحليله لحالات الثورات السياسية، بعد أن استخدم
مجال الأنثروبولوجيا في هذا المجال. والثورات السياسية، في نظره، حالات حدّية من العتبة بصور أوسع، وهي تشمل حالة طقسية خاصة حين تمتلئ الميادين بالبشر والثوار الذين ينتجون طقوسًا
جماهيرية وكرنفالية، يُبدع فيها المشاركون أو المتظاهرون من أجل خلق أنماط جديدة من العمل
(25) Arnold Van Gennep, The Rites of Passage (Chicago: University of Chicago Press, 1961). (26) Victor Turner, "Betwixt and between: The Liminal Period in Rites of Passage," Read at the Annual Meeting of the American Ethnological Society, March 1964, accessed on 18/8/2023, at: https://tinyurl.com/yckphyrc (27) Homi K. Bhabha, Locations of Culture: Discussing Post–Colonial Culture (London: Routledge, 1996). (28) Bjørn Thomassen, Liminality and the Modern Living Through the In–Between (Oxfordshire: Routledge, 2014), p. 113. (29) Ibid., p. 201. (30) Ibid., p. 207.
السياسي. أما في سياق فلسطينيّي 1948، فقد نشأت وضعية العتبة، بحسب غانم، بوصفها نتيجة
مباشرة للنكبة ونتيجة للسياسات الإسرائيلية الاستعمارية بعدها أيضًا؛ إذ شكّلت موقع الفلسطينيّين في
النظام الإسرائيلي من جهة (على عتبته) لكونهم جزءًا من واقعه المدني، وموقعهم في المركز السياسي
والوطني الفلسطيني (على عتبته) لكونهم جزءًا من الشعب الفلسطيني وقضيته من جهة موازية. يعزّز غياب المرجعيات الاجتماعية – السياسية في المجتمع أو ضعفها أزمة العتبة–الحدية فيه، ا بين فقدان هوية ماّوإذا كانت الهوية الحدّية مسارًا بيني واستقبال هوية جديدة ذات معنى، فهي
ربما حالة يقيم في إطارها الفلسطينيون في الداخل منذ النكبة، وهو ما خلصت إليه دراسات أطّرت فهمهم للداخل الفلسطيني ضمن هذا المنظور، على غرار تحليل غانم التي استخدمت مفهوم العتبة ا لواقع الداخلّإطارًا معرفي. وفي السياق نفسه نذكر بشارة الذي يؤطر واقع الداخل بوصفه حالة
بينية مركّبة على المستوى السياسي والاجتماعي كذلك؛ إذ إن الأسرلة وحدها لا تكفي لتشكيل هوية متكاملة بالضرورة. فالهوية الإسرائيلية، في واقع بنية الدولة اليهودية، لا يمكن أن تشكّل هوية بديلة في الداخل، لأنها لا تقوم على احتواء المواطن العربي – الفلسطيني كاملً هويّته، نظرًا إلى الطبيعة
العنصرية للصهيونية والنظام، في المقابل قد تُحدث الهوية الإسرائيلية شرخًا في هويّته العربية –
الفلسطينية إن اخترقته. يتخلل هذه الوضعية الحدّية حالة من التفاوض والاحتواء والمقاومة معًا؛ من جهة المؤسسة الاستعمارية التي تحاول أن تضبطها بسياسات من الاحتواء والمحو والضبط معًا، أو من جهة المجتمع الفلسطيني وبعض نخبه، في محاولات لاجتراح مسارات للتحرر منها من خلال إعادة تعريف فلسطينيّته ونضاله،
في إطار خصوصية واقعه المدني؛ بوصف ذلك جزءًا من مشروع وطني، لا على حسابه. تنطلق تقنيات الحكم الإسرائيلي تجاه الفلسطينيّين في الداخل من فهم أساسي وتاريخي لهذه الجماعة
باعتبارها جماعة فلسطينية لا يمكن احتواؤها على نحو كامل في الفضاء الإسرائيلي، وذلك بسبب طبيعته الاستعمارية وتطابق الدولة الأمة والقومية والدين في إسرائيل؛ إذ لم تنشأ أمة قائمة على المواطنة في الدولة الإسرائيلية، بل الأمة السياسية هي اليهودية فحسب. ومن ثمّ، فإنّ الهوية الإسرائيلية الكاملة
هي الهوية اليهودية. ومن خلال هذا المنظور، لا يمكن أن تكون تقنية الاستيعاب Assimilation كاملة في ظروف فلسطينيّي الداخل.
((3(هنيدة غانم، إعادة بناء الأمة: المثقفون الفلسطينيون في إسرائيل (القدس: ماجنيس، 2009). (بالعبرية)
(32) Turner Victor, "Myth and Symbol," in: David Sills (ed.), International Encyclopedia of the Social Sciences , vol. 10 (New York: Macmillan, 1968), pp. 576–582. (33) Turner, "Betwixt and between," p. 95; Van Gennep.
((3(ينظر مثلً: غانم؛ عزمي بشارة، الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى (رام الله: مواطن،.)1998 ((3(بشارة، الخطاب السياسي المبتور. ((3(عزمي بشارة، "مقدمة: عن مسألة الهوية"، في: بين الأنا و"نحن": بناء الهويات والهوية الإسرائيلية، عزمي بشارة (محرر)
(تل أبيب: هكيبوتس همئوحاد، 1999)، ص 15 (بالعبرية)؛ بشارة، الخطاب السياسي المبتور، ص.54–38 (((3 بشارة، "مقدمة: عن مسألة الهوية".
في المقابل، ومن خلال المنظور الإسرائيلي العنصري، لا يمكن "السماح" للفلسطينيّين في الداخل بأن
يتشكّلوا بوصفهم جماعة قومية وجزءًا من مركز سياسي فلسطيني جامع، وأيّ محاولة كهذه "لا بد" من
أن تُمنع إسرائيليًّا باعتماد السياسات والقانون. لقد "قضمت" السياسات الاستعمارية هامش العمل
ا بوصفهم جزءًا من شعب وًالفعل السياسي والثقافي لِلَجم إمكانية تنظيم الفلسطينيّين في الداخل قومي
وجماعة سياسية مرتبطة بسؤال فلسطيني، لما يشكّله ذلك من تهديد للنظام الإسرائيلي، وبسبب طبيعته اليهودية – الاستعمارية. وقد شكّلت هذه القناعات الإسرائيلية ثابتًا في السياسة تجاه فلسطينيّي 1948
لم يتغيّر حتى اليوم، وهو ما وضعهم في فضاء حدّيٍّ من العتبة. ويسعى النظام الإسرائيلي بتغذية هذه
العتبة لاحتواء نتائجها وضَبْطها من دون أن تنتج فعلً مقاومًا أو مناهضًا، وذلك ضمن أنماط متغيّرة من
سياسات الضبط والمحو والاحتواء في الوقت ذاته. وإن كان منطق السياسات ثابتًا، فإن أنماطها تتغيّر
عبر الحقب المختلفة. تشكّل العتبة، ولا تزال، تحديًا مركزيًا لديمومة حالة الحراك والصيرورة الانتفاضية في الداخل. وربما كان هذا هو السبب الذي جعل نفَس الهبّات قصيرًا؛ إذ شكّلت هذه الحقائق (غياب بنى تحتية
ومقومات صمود من مركز اقتصادي مستقل، أو شبه مستقل، فضلً عن مركز سياسي وطني جامعٍ قويٍّ ومنتخبٍ) تحديًا كبيرًا لجميع هبّات الداخل. فقد كان يوم الأرض عام 1976 التمثّل الأول والأبرز
للفلسطينيّين في الداخل بوصفهم جماعة سياسية قومية جرى التعبير فيه عن حالة غير مسبوقة من
الرفض واللاتعاون (بتعبير جين شارب)، وفي الإضراب والتظاهر أيضًا. وفي المقابل، عقبت الهبّة ذاتها
حالةٌ من النكوص وتراجعٌ في حالة المدّ، وقد تمثّل ذلك في الخوف من إعادة إعلان الإضراب مجددًا حتى عام 1982. وفي هذا السياق، يحيل نبيه بشير إلى حالة الخوف التي أصابت غالبية القيادات السياسية، ولا سيما قيادات الحزب الشيوعي حينئذ من حالة الربط بين يوم الأرض والداخل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهي حالة خوف وتردّد تعكس أزمة العتبة التي يتموضع فيها المركز الوطني الفلسطيني في الداخل. ويحيلنا ذلك إلى فهمٍ أكثر جذرية لمفهوم العتبة في الداخل. ولا يشتغل منطق العتبة ضمن طبقة واحدة، بل هي عتبة متعددة الطبقات ومتدرّجة المستويات؛ فثمة إلى جانب ذلك مستوى العلاقة مع النظام الإسرائيلي، ومستوى العلاقة مع المركز الوطني الفلسطيني الجمعي. أما في الانتفاضة الثانية عام 2000 وما اصطلح عليه ب "هبّة أكتوبر"، وهي بحسب وصف بشارة الانتفاضة
السياسية الأولى للداخل الفلسطيني؛ إذ إنها لم تندلع لسبب مطلبي – مدني مباشر، بل كانت تعبيرًا عن
انتماء تجذّر وترسّخ في المجتمع الفلسطيني لدى الشباب خاصة، فقد ظهرت أنماط احتجاجية وطنية
عقبتها حالة من "الجزر السياسي". ولا يمكن إسناد هذا الجزر إلّ إلى الظروف المادية لفلسطينيّي
الداخل وضعف المؤسسات المستقلّة عن الواقع الإسرائيلي، وهو ما يلجم إمكانية بناء مقومات صمود للهبّات تستطيع مداومة الانتقال من الصمود الساكن إلى الصمود المقاوم.
(((3 ملف "عرب إسرائيل – خطوط عريضة للسياسات رقم أ 9/4248"، أرشيف الدولة الإسرائيلية، ص.157 ((3(نبيه بشير، يوم الأرض مابين القومي والمدني (حيفا: مدى الكرمل، 2006)، ص.125–123 (((4 التعبير لإبراهيم دقاق، ينظر: Dakkak.
رغم ما شكّلته الانتفاضة الثانية من فصلٍ جديد للداخل الفلسطيني من حيث علاقتها بالنظام الإسرائيلي بتعبير بشارة، وما حققته من منجزات سياسية على مستوى رفض حالة الخضوع والأسرلة وربط مسألة الداخل الفلسطيني بسؤال فلسطيني أعمّ وأشمل وما يترتب عليه على مستوى الوعي الجمعي، فإنّ غياب المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية وضعف المؤسسات الوطنية الجامعة كان عائقًا مركزيًا لإمكانية صمود الحالة الانتفاضية أكثر من بضعة أيام، خاصة بعد اشتداد العدوان الإسرائيلي، و"خوف بعض السياسيين من قوّة شعبهم". ومن خلال هذا المنظور، ينطلق تصورنا للهبّات في الداخل
الفلسطيني، بوصفها حالة متأثرة من عاملين مركزيّين: • أولً، أزمة وضعية العتبة التي وجد الفلسطينيون أنفسهم فيها منذ عام 1948، وهو ما نعتبره أمرًا ثابتًا
في الواقع السياسي والاجتماعي في الداخل. وهذه العتبة تجعلهم ينتفضون ضد واقعهم التحامًا بشعبهم الفلسطيني في هبّات وانتفاضات من جهة، لكنها هي ذاتها التي تحدّ من إمكانات تأسيس
بنية تحتية تطيل أمد الهبّات، خاصة أن ظرفهم الاجتماعي – السياسي – الاقتصادي يُنتج في واقع
مادي إسرائيلي. لا يمكن، إذًا، فهم حالة الهبّات في الداخل من دون فهم بنية الواقع الذي تتشكّل فيه، أي وضعية العتبة
التي تنشأ من الواقع المركب للفلسطينيّين في الداخل من حيث إن حياتهم المادية يتم إنتاجها في واقع
إسرائيلي، رغم انتمائهم الوطني. وفي هذا الواقع الحدّي، تزداد القبضة الأمنية تجاه التنظيم السياسي الفلسطيني الجمعي، وتُقمع محاولات تطوير المؤسسات الوطنية التمثيلية، وتُجرَّم في كثير من الأحيان
العلاقة المباشرة بالمركز السياسي الفلسطيني الجامع، مع وجود تبعية اقتصادية شبه كاملة للاقتصاد الإسرائيلي. وضمن هذا الواقع، تكون الانتفاضات والهبّات عاجزة عن الاستدامة. ورغم حالة "الأسرلة
الموضوعية" المفروضة على الفلسطيني، فإنه لا يمكن أن تتحوّل علاقة الفلسطيني بالواقع المدني الإسرائيلي إلى علاقة انتماء وصهر كاملة، وذلك بسبب البنية العنصرية للنظام والصهيونية وطبيعة تشكّل مفهوم الأمة اليهودية المتطابقة مع الدين والدولة ومفهوم المواطنة. في مثل هذه الظروف، تنشأ وتتطوّر الهبّات الفلسطينية التي تعبّر عن انتماء الفلسطينيّين في الداخل إلى
قضية فلسطين بوصفها جزءًا من قضيتهم، لكنّ الظرف المركّب الحدّي ذاته في الداخل، يشكّل عائقًا
لاستمراريتها، ويكون "قادرًا" على احتوائها والحد من طول نفَسها أو تسييسها. • ثانيًا، تنطلق السياسة الإسرائيلية تجاه فلسطينيّي الداخل، ضمن ثالوث جدلي، من تقنيات المحو
والضبط والاحتواء، وتسعى المؤسسة لضبط العتبة ضمن هذه التقنيات التي تتطوّر أنماطها في الفترات المختلفة. ويتأثر الداخل، وفعله السياسي وحراكه الانتفاضي من هذا الواقع ومن هذه السياسات،
((4(عزمي بشارة، "فصل جديد في تاريخ الجماهير العربية في الداخل"، مجلة الدراسات الفلسطينية، مج 11، العدد 44 (خريف 2000)، ص.13 (((4 على سبيل المثال، ضُبط الفلسطيني في الداخل حتى عام 1966 ضمن تقنيات حكمٍ عسكريّ، لكن مع احتلال 1967، بعد
يوم الأرض تحديدًا، اختلفت أنماط الضبط والسيطرة، فقد توسّع هامش الاحتواء.
بثابتها ومتغيّرها؛ ففي حين تؤدي تقنيات الضبط والمحو إلى إضعاف المركز السياسي والمؤسسات
في الداخل، ومن ثمّ ضرب البنى التحتية القادرة على صمود الهبّات واستثمارها وتطويرها إلى حالة
دائمة، تتقاطع منظومة الاحتواء الإسرائيلية وتتكامل معها؛ إذ تعمل على عرقلة إمكانية تطوير حاضنة اجتماعية مستدامة لحالة الهبّة والاحتجاج في الداخل. ومع ذلك، لم يتخلّف الفلسطينيون في الداخل عن اقتراح حالات الصمود الشعبية التي ترتبط بوعيهم لذاتهم بوصفهم جماعة سياسية، وجزءًا من سؤال وطني فلسطيني جامع. فبين هبّة أكتوبر 2000 وهبّة
الكرامة 2021، اجترح فلسطينيّو الداخل سلسلة من المراحل الصدامية ضد النظام الإسرائيلي، ضمن
ما اصطلح عليه "الحراك الشبابي"، وهي حالة تَنظُّم متأثرة بالحالة الفلسطينية والعربية والعالمية. ويتصف هذا الحراك بأنه لامركزي ولاهرمي، وقد كانت الهبّة الشبابية لإسقاط مخطط "برافر"
نموذجًا عاكسًا لهذا النمط من الحراك.
ثانيًا: سياقات المحو والضبط في الداخل الفلسطيني سياسيًّا واقتصاديًّا في العقد الأخير
نشأت الهبّة في لحظة من التقاطع بين تحولات جرت في عدّة مستويات: النظام الإسرائيلي والصهيونية،
فضلً عن التحولات في المجتمع الفلسطيني في الداخل، والمسألة الفلسطينية عامةً؛ وذلك على نحو متشابك ومتقاطع. وتركّز الدراسة في محورين من هذا الثالوث على أشدّهما تأثيرًا في شكل الهبّة
الأخيرة: التحولات في النظام الإسرائيلي والصهيونية من جهة، والتحولات في الداخل الفلسطيني وعلاقته بالنظام من جهة أخرى. ثمة مساران، أو خطّان، متقاطعان، قد اشتدّا بالنسبة إلى شكل الصهيونية خلال العقدين الأخيرين؛ إذ "تسمّك" فيها الجانب الاستعماري والديني، فضلً عن تسمّك الجانب النيوليبرالي. وقد ألقت هذه التحولات بظلالها على العلاقة مع فلسطينيّي الداخل من حيث تطوير تقنيات جديدة من الممارسات
الاستعمارية ضدهم، ويمكن تلخيصها في تقاطع تقنيات من المحو والضبط السياسي والاحتواء الاقتصادي في آن واحد.
1. المحو والضبط السياسي
تتفق عدّة دراسات على أنّ تحولً جرى في عمق الصهيونية، منذ احتلال عام 1967، في اتجاه تشديد البعد الديني، وذلك مع تطابق حدود الدولة، أول مرة، مع حلم "أرض إسرائيل الكاملة"، واستقدام تفسيرات ميثولوجية – مسيانية لتسويغ البعد الاستعماري التوسعي. وضمن هذه الصيرورة، تعمّق
((4(مخطط حكومي وقانون اقتلاعي، أُقرّ عام 2013، يهدف إلى تهجير عشرات القرى الفلسطينية البدوية المسلوبة الاعتراف في
النقب وإعادة توزيعهم وتجميعهم في بلدات مركّزة. ((4(عزمي بشارة، من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية (القاهرة: دار الشروق، 2005)، ص 205، 223،.274
الربط القائم أصلً بين بعدَي الصهيونية الديني والاستعماري على نحو متسارع تقترب فيه الصهيونية من اليهودية، وتقترب فيه اليهودية والأحزاب الحريدية – الدينية من الصهيونية أيضًا. لقد تسارعت هذه التحولات واستشرت بعد عام 2000 مع تغييرات ديموغرافية عميقة جرت في المجتمع الإسرائيلي، وأثّرت في نخبه الحاكمة ومؤسساته السياسية والأمنية، وصعود قوة جديدة من الصهيونية الدينية توسّع حضورها في المجتمع، وفي قيادات الجيش والإعلام والقضاء وغير ذلك من المجالات. ونتج من هذه التحولات أنماط جديدة لسياسات استعمارية أثّرت على نحو مباشر في مكانة الفلسطينيّين في
الداخل وهامش عملهم السياسي الاجتماعي – الثقافي، ومن أبرزها ما يلي:
أ. قوننة الفاشية والفوقية اليهودية
انتقلت الصهيونية والنظام، في إطار هذه التحولات، من مرحلة "إدارة الصراع" إلى محاولات "حسم الصراع"، خاصة مع عملية الضم الزاحف غير المعلن لمناطق "ج"، وبعد استقرار الاستيطان في الضفة الغربية جزءًا ومركبًا أساسيًّا من الإجماع الصهيوني. وقد تسلّلت الفاشية والعنصرية من المستوى
السياسي إلى المأسسة والتقنين، مثل "قانون القومية" (عام 2018)، و"النكبة" (عام 2011)، أو مخططات التهجير في النقب، والقوانين التي تعمّق يدَ الرقابة والضبط على هامش الحريات وغيرها. وقد نشأت الحاجة إلى سَنّ هذه القوانين في إطار التأسيس لنوعين من المواطنة في فلسطين؛ مواطنة
كاملة لليهود، ومواطنة من نوع ثانٍ (كولونيالية – استيطانية، بحسب نديم روحانا وأريج صباغ)؛ إذ بات سؤال حدود المواطنة وشكلها بالنسبة إلى الفلسطيني جزءًا من إعادة تعريف النظام لذاته وإعادة
تعريف جوهر الصهيونية في العقدين الأخيرين.
ب. تعمّق الاستيطان ومشاريع التهجير القومي داخل أراضي 1948
انتشرت في العقدين الأخيرين دعوات قطاعات يمينية فاشية للاستيطان في "المدن المختلطة " والنقب تحديدًا، بوصفها جزءًا من عملية تهويد المدن المختلطة التي شهدت هجرةً عكسية من اليهود، خاصة
مع خروج عدد منهم للسكن في بلدات أكثر تطورًا. وربما كان مشروع "النواة التوراتية" المثال الأبرز على امتداد مشروع الاستيطان من جديد إلى داخل أراضي.1948
(((4 من أمثلة هذا التحوّل صهينة حزب "شاس" الحريدي – الديني الذي يمثّل شريحة المتدينين الشرقيين. (((4 للتوسع في أمثلة متعلقة بالتغييرات الديموغرافية التي جرت في المجتمع الإسرائيلي، ينظر: سليمان أبو ارشيد، "د. غانم:
تغيّرات في عمق المجتمع الإسرائيلي أدت للانزياح إلى اليمين"، عرب 48، 2021/1/9، شوهد في 2022/11/15، في:
https://tinyurl.com/mvs89dfr
(((4 "قانون أساس إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، الوقائع الإسرائيلية، كتاب القوانين، الكنيست، 2018/7/26، شوهد في 2023/10/5، في: http://tinyurl.com/49te9rsa (بالعبرية) (((4 "قانون النكبة"، جمعية حقوق المواطن في إسرائيل، 2011/5/5، شوهد في 2023/8/11، في: https://law.acri.org.il/he/680 (بالعبرية) (((4 علي حبيب الله، "عام على هبّة الكرامة: لماذا وكيف اندلعت الشرارة الأولى من اللد؟"، عرب 48، 2022/5/19، شوهد في
2022/9/5، في: https://tinyurl.com/2p84ped2
بدأت النواة التوراتية بدعوات من رجال دين من الصهيونية الدينية للاستيطان في المدن الفلسطينية التاريخية ضمن مشروع التهويد. ويبدأ الاستيطان، عادةً، بمجموعة من العائلات التي تنتقل للعيش في المدن وإقامة مدارس دينية وكنس ومكتبات ومرافق خدمات تابعة لها لبلورة جماعة أهلية Community متطرفة في المدينة، وقد شكّلت هذه الجماعات عاملَ جذبٍ لمستوطنين من الشباب من مناطق الضفة الغربية في العقدين الأخيرين. كان استشراء الاستيطان في اللد خاصةً، ويافا وعكا كذلك، خلال تلك الفترة، وانتقال عائلات يهودية من المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967، بعد خطة فكّ الارتباط عن غزّة (2005)، المثال الأبرز الدالّ على هذه الصيرورة. وقد برز احتكاك بين هذه المجموعات والسكان الفلسطينيّين، ولا سيما بشأن
قضايا الأرض والسكن، وهي ضائقة أساسية يعانيها أهل البلاد الفلسطينيّون، وذلك بعد مشاريع إقامة
بعض الأحياء الخاصة لهذه الجماعات ("اليشيف" مث لً) في اللد، أو صفقة بيع دائرة "أراضي إسرائيل" أرضًا ب 7 دونمات بالنسبة إلى النواة التوراتية في المدينة. لم يكن المشروع الاستيطاني للنواة التوراتية معزولً عن محاولات حسم مسألة الأراضي في النقب، وعن صعود جمعيات يمينية وسياسات إسرائيلية استهدفت الوجود العربي في الداخل مشددة على قضيتَي الأرض، وما اعتبرته "إنفاذ القانون" في بلدات الداخل عامةً، ومنطقة النقب خاصةً. كانت منطقة النقب أكثر المناطق استهدافًا في مسألة الأرض خلال العقد الأخير، إلى حدّ تسميتها "بدوستان"، في إشارة عنصرية من بعض الجهات اليمينية، نظرًا إلى أنها آخر معقلٍ يخوض فيه الفلسطينيون صراعًا
عميقًا على الأرض، وذلك بعد حسم مسألة الأراضي في الجليل والمثلث على نحو ما، فضلً عن وجود أكثر من مئة ألف فلسطيني يعيشون في قرى لا تعترف بها إسرائيل. عمّقت هذه التحولات والممارسات صورة النظام الإسرائيلي بوصفه نظامًا يحكم منطق المحو في كل فلسطين وعلى طرفَي الخط الأخضر. وإن اختلفت أنماط الممارسات، فهي ممارسات رقّقت سُمك الخط الأخضر في المخيال الفلسطيني؛ ما جعل عملية التنسيق بين الحركات الشبابية في الهبّات الأخيرة،
واجتراح خطابٍ يوحّد فلسطين بين طرفَي الخط الأخضر أشد بروزًا من قبلُ. وجعلت هذه التحولات مناطق النقب واللد أكثر المناطق حضورًا في الهبّة الأخيرة، وأشد اشتباكًا مع المستوطنين فيها.
ج. ضبط السياسة في الداخل: من سياسة التنظيم إلى سياسة التمثيل
كان ضبط شكل القيادة الفلسطينية في الداخل من أهم الأهداف الإسرائيلية في العقد الأخير، وجزءًا
من محاولات حسم مسألة الفلسطينيّين في الداخل ومواطنتهم، ولم يكن إخراج الحركة الإسلامية
عن القانون عام 2015 إلا ترجمة لهذه الممارسات. واستشرت ملاحقة المؤسسة الصهيونية للأحزاب
(((5 "في نقاش حول النواة التوراتية المدينية، عضو الكنيست أمنون كوهن يدعو الحكومة إلى توسيع ميزانيات التأهيل الاجتماعي للمدن المختلطة"، الكنيست، 2012/1/30، شوهد في 2022/11/10، في: https://shorturl.at/fsCG0 (بالعبرية) (((5 حركة رجافيم، شوهد في 2022/12/10، في: ms 8 sbf 3 y / com. tinyurl:// https (بالعبرية)
الوطنية مثل حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، وقياداته، بالشطب أو النفي أو السجن؛ وذلك بغية الحد من تأثيره، وضرب قواعده الاجتماعية. في المقابل، عملت المؤسسة على تعزيز العلاقة بين رؤساء البلديات والمجالس المحلية العربية، في محاولة لهندسة شكل من أشكال القيادة السياسية التقليدي يعمل بمنطق وسيط ووكيل الخدمات اليومية أمام الحكم المركزي، وهو ما انسحب على شكل العمل البرلماني والسياسي برمته. وساهم ذلك، جدلي ا، في صعود حراك سياسي من خارج المركز يتبنّى منطق الحراك على حساب التنظيم
والحركة المركزية، وتزامن مع ترهّل في دور التنظيم المركزي الحزبي، وتآكله عمومًا، على حساب منطق الحركات القاعدية أو المحلية. وقد شكّل الحراكُ فضاءً يتجاوز الترهّل الذي أصاب المركز
السياسي الفلسطيني في الداخل، مجترحًا مساحات ومسارات موازية من العمل السياسي والشعبي
اللاحركي واللامركزي. وقاد هذا الحراكُ سلسلةً من الهبّات الشعبية والحملات والمبادرات القاعدية.
ومن ثم، ليس مفاجئًا ذلك الاختلاف في دور التنظيم المركزي – الحزبي ومكانته بالنسبة إلى هبّة
الكرامة الأخيرة، مقارنةً بالانتفاضة الفلسطينية الثانية مثلً.
د. إنهاء الوضع القائم في القدس والأقصى
شكّلت اقتحامات مجموعات يمينية استيطانية متطرفة الحرمَ الشريف تمظهرًا لاشتداد البعد
الاستعماري – الديني في الصهيونية. فبعد أن كان موقف الغالبية الساحقة للقيادات الدينية اليهودية محافظًا وحذرًا تاريخيًّا إزاء مسألة زيارات اليهود ودخولهم المسجد الأقصى، طرأ تغيير جذري على
موقف قطاعات اجتماعية صهيونية – دينية منذ أواخر التسعينيات، وذلك بعد صدور فتاوى من تيارات دينية – قومية متطرفة تجيز زيارات اليهود للمسجد الأقصى، بل إنها تحثّ على ذلك. وكانت هذه الدعوات مرتبطة بصعود خطاب "عودة جبل الهيكل"، واعتباره جزءًا من الخطاب الصهيوني الديني الصاعد. لهذه الأسباب وغيرها، ازدادت مركزية الأقصى والقدس؛ بوصفهما حيّزًا مكثّفًا للصراع الاستعماري
على الهوية والسيادة، وبالنظر إلى المكانة الدينية والسياسية والرمزية والثقافية للأقصى في ذاكرة الفلسطينيّين وحياتهم. ومن ثمّ، كان فضاءً لسيرورة انتفاضية مستمرة من المقدسيين في وجه مخططات
التهويد والمحو الإسرائيلية، وتحوّل شهر رمضان إلى مركز الاحتجاج والاشتباك اليومي ضد الاحتلال الذي كثّف محاولات التضييق على المقدسيين، مع حماية اقتحامات المستوطنين للأقصى، كما حدث قبل هبّة الكرامة الأخيرة. جرت هذه المسارات ضمن عملية تعميق للاستيطان اليهودي في شرقيّ القدس. ومن هذا المنظور،
توغّل الاستيطان في قلب الأحياء العربية والتاريخية، ولا سيما ما عُرف ب "الحوض المقدّس". وكانت
((5(عازر دكور، "قراءة أولية في تحولات نخب الداخل الفلسطيني"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 109 (شتاء.)2017 ((5(مهند مصطفى، "تحولات الخطاب الصهيونيّ حول المسجد الأقصى المبارك"، جدل، العدد 33 (2018)، ص.27–26 (((5 أسعد، "محو المحو."
احتجاجات الشيخ جراح ضد مخططات الإحلال والاقتلاع في ذروتها إبان الهبّة، وقد تصدّرت أخبار
صمود الأهالي واحتجاجهم في رمضان.2021
2. النيوليبرالية وسياسات الاحتواء الاقتصادي
شكّل عقد الثمانينيات تحولً جذريتًّا في الاقتصاد الإسرائيلي إلى ناحية لبرلة الاقتصاد؛ إذ تبنّ
الحكومة سلسلة من القوانين والإجراءات، اعتُبرت بدايةً لسقوط ما عُرف بنمط اقتصاد "دولة الرفاه" وبداية الحقبة النيوليبرالية. جاءت الإجراءات جزءًا من خطة حكومية للخروج من أزمة التضخم الأكبر
في النظام، واشتملت على "تحرير" الاقتصاد من تدخّل الدولة، ورفع الدعم عن السلع الأساسية، وتسهيل الاستثمار الخارجي، ومنح بنك إسرائيل الاستقلالية، وخفض الضريبة التصاعدية عن الشركات الكبيرة، وتعميق خصخصة شركات حكومية أو شركات تابعة لمنظمة "الهستدروت" أو بيعها، وخفض الإنفاق الحكومي في الخدمات الاجتماعية. تعززت هذه السياسة مع مرور السنوات، وشكّلت بداية الألفيّة الثالثة مفترقًا ثانيًا فيها، وذلك عندما تسلّم
بنيامين نتنياهو وزارة المالية في حكومة أرييل شارون الأولى عام 2003. وفي خطاب نتنياهو الشهير، "الرجل السمين"، تحدّث عن خطته في خفض الإنفاق في القطاع العمومي وزيادة دعم القطاع الخاص. وقد ترجمت هذه الإجراءات في خفض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية: مخصصات البطالة، وتأمين الأطفال، والتقاعد، وضمان الدخل، وغيرها، وصولً إلى خطة "ويسكونسين" عام 2004. أضرّت هذه السياسات بشرائح مهمشة اقتصادييًّا واجتماع ا، وزادت الفوارق الطبقية القائمة في
المجتمع عامةً، وقد كان المجتمع العربي – الفلسطيني الأشد تضرّرًا من هذه السياسات. وتشير
المعطيات إلى ارتفاع معدلّات الفقر لدى المواطنين في إسرائيل من 12 في المئة في منتصف الثمانينيات إلى نحو 20 في المئة عام 2014، ثم إن "الطبقة العليا" ضاعفت نسبتها من الدخل من 6 في المئة في السبعينيات إلى 14 في المئة عام 2014. أما لدى المجتمع العربي تحديدًا، فقد ارتفعت نسبة العائلات المنضوية تحت خط الفقر خلال العقدين الأخيرين على نحو واضح. وفي حين كانت نسبة العائلات العربية التي تعيش تحت خط الفقر عام 1997 تبلغ 37.9 في المئة، فإنها بلغت 45.3 في المئة عام 2018.
((5(داني فيلك، الشعبوية والهيمنة في إسرائيل (تل أبيب: ريسلينج، 2006). (بالعبرية) (((5 إيلي جرشنكوين، "الرجل السمين والرجل النحيف"، يوتيوب، 2012/12/30، شوهد في 2023/10/5، في:
) (بالعبرية https://tinyurl.com/yeydtdv8
((5(رونين مندلكيرن، "ملخّص وتعليق: نشوء النيوليبرالية في إسرائيل"، مولاد (2015)، ص 275، شوهد في 2023/8/17، في:
بالعبرية) (https://tinyurl.com/mpzpffb8
(((5 المرجع نفسه، ص.275–274 ((5(نسرين حاج يحيى [وآخرون]، وضع الرفاه في المجتمع العربي (تل أبيب: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2021)، ص.22 (بالعبرية) إيتي فايسب ي، "معطيات حول استحقاق البجروت في التعليم البدوي في النقب"، مركز البحث والمعلومات في الكنيست، 2020/12/16، شوهد في 2023/8/15، في: https://tinyurl.com/4v4uhs6p (بالعبرية)
ولا تجري التغييرات الاقتصادية في حقل مستقلّ تمامًا عن السياسة، بل يتشابك التحوّل نحو النيوليبرالية، بطريقة متقاطعة، مع التحولات السياسية الإسرائيلية الأخيرة؛ أي تعزيز البعدين الديني والاستعماري داخل الصهيونية. وفي هذا الصدد، ساهمت الإجراءات الاقتصادية النيوليبرالية في تعميق سياسات الهوية داخل المنظومة الحزبية والسياسية الإسرائيلية، إلى جانب تجذير ما يسميه داني جوتوين "سياسة القطاعات"؛ أي تحويل مجموعات أهلية إلى "قطاعات" تسعى للتمثيل السياسي. وقد استغلّ اليمين الإسرائيلي الجديد شعور المظلومية لدى قطاعات شعبية إسرائيلية واسعة من الحريديم والمتدينين الشرقيين (الفئات التي تضررت نتيجة السياسات النيوليبرالية)، وحوّل هذه المظلومية إلى حراك سياسي وتكتل انتخابي ضمن كتلة اليمين التاريخية. ثمّة جدلية قائمة بين مشروع الخصخصة والنيوليبرالية والاحتلال معًا؛ إذ يُعتبر التحالف بين قيادة المستوطنين وأحزابها والنظام الاقتصادي النيوليبرالي مث لً لهذه الجدلية، بعد أن شكّل مشروع الاستيطان، إلى جانب بعده الأيديولوجي، "أداة تعويضية" للطبقات الاقتصادية الضعيفة المتضررة من مشروع الخصخصة والنيوليبرالية. وضمن هذا المنظور، كشفت دراسات عن تقاطع التحولات الاقتصادية الأخيرة مع ظهور مجموعات ضغط يمينية تستدمج الفكر اليميني المتطرف والنيوليبرالي معًا لتشكل نخبًا صاعدة في المجتمع، مثل "صندوق أمل"، تنضوي تحتها عدة مبادرات، من بينها منتدى
"كوهلت" اليميني الذي تأسس عام 2011، وموقع "ميدا"، ومجلة هشيلوح (تأسست عام 2016)، وغير ذلك مما يرتبط بأفكار الصهيونية الدينية.
سياسة الاحتواء الاقتصادي في العقد الأخير
يذكّرنا دافيد هارفي، في كتابه المتعلق بنشأة النيوليبرالية، بأنها مسارٌ تستعيد النخبةُ الاقتصادية من خلاله سيطرتها على السلطة الاجتماعية والسياسية. وقد تقاطعت التطورات الاقتصادية الإسرائيلية وتحولاتها نحو النيوليبرالية مع سياسة الاحتواء الإسرائيلية، بوصفها واحدة من تقنيات المنظومة الاستعمارية. وبذلك، تقاطعت الصيرورتان معًا في محاولة لاستعادة شكل الضبط السياسي من خلال اتباع نموذج "الدمج الاقتصادي" إبّان العقد الأخير في موازاة ضرب التنظيم السياسي الجمعي. في هذا الصدد، تقوم منظومة الاحتواء الإسرائيلية على اقتراح اندماج اقتصادي مبتور وفرديّ في
((6(داني جوتوين، "عن الفصل الكاذب بين الاحت لاا والخصخصة"، مجتمع – مجلة أكاديمية اشتراكية، العدد 55 (2013)، ص 4–1. (بالعبرية) ((6(ينظر: المرجع نفسه؛ إمطانس شحادة وحسام جريس، دولة رفاه المستوطنين: الاقتصاد السياسي للمستوطنات (رام الله: مدار، 2013)؛ أفيعاد هومنهيمر، "الصهيونية الدينية: من المساواة والعدالة الاجتماعية إلى الرأسمالية المتطورة"، نئماني تورا فعافودا، كانون الثاني/ يناير 2017، شوهد في 2023/6/23، في: https://tinyurl.com/4jum6a2x (بالعبرية). في هذا الإطار، يكشف بحث لشحادة وجريس حجم الامتيازات والخدمات الاجتماعية المقدّمة لسكان المستوطنات والمجالس الاستيطانية مقارنة بباقي
السلطات المحلية، مثل الخفض الضريبي، وتصنيفهم ضمن ما يسمى "مناطق الأفضلية القومية"، وغيرها. (((6 هومنهيمر.
(63) David Harvey , A Brief History of Neoliberalism (Oxford: Oxford University Press, 2007).
المنظومة الإسرائيلية في هامش الاقتصاد الإسرائيلي. لم يُخفِ بعض صانعي القرار الإسرائيلي منظورهم لهذا البعد الاحتوائي من السياسات؛ فوفقًا لتصوّرهم، قد تؤدي السياسات الاحتوائية من
خلال الدمج الاقتصادي، على هامش الاقتصاد الإسرائيلي، بموازاة الضبط السياسي، إلى خفض منسوب الهواجس القومية – الوطنية، وتعزيز حالة من الوعي المصلحي المبتور بالمواطنة الإسرائيلية، على نحو يرفع تكلفة النضال لمستفيدي هذه الطبقة، كما جاء في تصريحات رئيس المخابرات يوفال ديسكين، عام 2012، وغيره من السياسيين الإسرائيليّين. وتنعكس هذه "التكلفة" أحيانًا في دعوات
بعض الفئات الفلسطينية إلى التراجع عن الخطوات النضالية في حالات الهبّات، أو محاصرة إمكانية
تمدّدها واستمرارها إلى فترات طويلة، كما حدث في هبّة أكتوبر وغيرها. تعمّقت هذه السياسات تجاه الفلسطينيّين في الداخل في العقدين الأخيرين، وتقاطعت مع ازدياد القناعة
الإسرائيلية بأهمية وجود العرب في سوق العمل الإسرائيلية، أو على هامشها، واعتبارهم مساهمين على نحو ما في "الناتج القومي"، خاصة بعد أن استقرّ فهمٌ اقتصادي إسرائيلي مفاده أن الاقتصاد
الإسرائيلي يخسر مليارات الشواكل من جرّاء "الدمج المحدود للعرب فيه"، وأن في هذا "الدمج"
منفعة ومصلحة "قومية اقتصادية" وفقًا لعدة تقارير. وفي إطار هذه السياسات، أُنشئ ما يسمى "سلطة التطوير الاقتصادي الاجتماعي لأبناء الأقليات"، عام 2007، وهي تسعى ل "تطوير الاقتصاد" لدى المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، ودمج أبنائه في الاقتصاد الإسرائيلي. وقد تزامنت هذه الخطوات مع دخول إسرائيل منظمة التعاون الاجتماعي الاقتصادي عام 2010، التي اشترطت عضوية إسرائيل فيها بعمل الأخيرة على ما أسمته "حل الفجوات الاقتصادية العميقة بين المجتمع اليهودي والمجتمع العربي في الدولة". وتتقاطع هذه السياسة مع منطق اليمين الإسرائيلي الذي يرى أن "الرخاء الاقتصادي" يخفض منسوب الهواجس القومية والوطنية، وينزع السياسة عن وعي الناس اليومي، خاصة أن هذه السياسة جرت بالتوازي مع اشتداد القمع الإسرائيلي للسياسة الفلسطينية. وقد ارتفعت الأصوات الإسرائيلية الداعية إلى توسيع هامش دمج العرب في الاقتصاد، وارتفعت معها أصوات تحريض يميني إسرائيلي على القيادات السياسية الوطنية، بوصفها مسعى خطابيًا وسياسيًا ل "دق إسفين" مفاده أن "رفاهية المجتمع
ومصالح أفراده الاقتصادية تتضارب مع الهواجس والبرامج النضالية القائمة"، فضلً عن توجهات
((6(للتعمّق في هذا التوجّه الجديد، ينظر مثلً: جيلي كوهين، "ديسكين: دمج عرب إسرائيل أهم من النووي الإيراني"، هآرتس،
2012/2/28، شوهد في 2023/9/18، في: https://tinyurl.com/ynj28wuu (بالعبرية) (((6 ينظر، مثلً، حالة الضغط الجماهيري وبعض القيادات السياسية لوقف الإضراب في الانتفاضة الثانية. (((6 يوسي التوني، "العرب هم 20% من المواطنين لكنّ مساهمتهم في النتاج القومي هي 9% "، بي سي، 2018/3/27، شوهد في
2023/1/20، في: https://shorturl.at/tPW07 (بالعبرية) (((6 سلطة/ دائرة حكومية رسمية تعمل ضمن ديوان رئاسة الحكومة. (((6 روت نتازون [وآخرون]، "توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول إسرائيل وتطبيقها"، مؤسسة فريدريش إيبرت، كانون الأول/ ديسمبر 2011، ص 8، شوهد في 2023/8/15، في: https://shorturl.at/vzFV5 (بالعبرية) (((6 دكور، ص.29
عنصرية ترى وجوب ربط الدمج الاقتصادي بثمن سياسي، مثل خطاب "الدمج مقابل الولاء السياسي." كانت هذه الخطوات متصلة ومتسقة مع استنتاجات اللجان التي عملت على فحص أسباب هبّة القدس
والأقصى في الداخل عام 2000، التي التحم فيها فلسطينيّو الداخل بالانتفاضة الثانية، وأدى ذلك إلى
13 شهيدًا كانوا قد أُصيبوا برصاص شرطة الاحتلال، مثل لجنة "أور"، و"لابيد"، وغيرهما، فيما يتعلق بتلمّس الأثرين الخطابي والسياسي اللذين أحدثهما التنظيم السياسي والأهلي في فلسطينيّي الداخل
منذ منتصف التسعينيات، ومن ثمّ جرى الخلاص إلى ضرورة احتوائه. من خلال هذا المنظور، يرتكز المنطق الناظم للسياسات الإسرائيلية، بعد هبّة أكتوبر 2000، على مسارين
يتماشيان مع التحولات الإسرائيلية المذكورة آنفًا؛ مسار الضبط والمحو السياسي، ومسار الاحتواء الاقتصادي. فإذا كانت حكومة إسرائيل قد أخرجت الحركة الإسلامية الشمالية عن القانون في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، فهي ذاتها التي أقرت الخطة الاقتصادية رقم (922) لما أسمته "التطوير الاقتصادي للمجتمع العربي" في الشهر نفسه، وتبعتها خطة خماسية (550) تحت المسمّى نفسه عام.2021 فضلً عما سمّي "خطط التطوير الاقتصادي"، صدرت في العقدين الأخيرين عشرات المبادرات والقرارات تحت مسمى "دمج العرب في الاقتصاد الإسرائيلي". وقد كان من بينها، على سبيل المثال، قرار الحكومة رقم (375) عام 2003 الذي تبعه قرار رقم (2579) عام 2007 لرفع نسبة انخراط العرب في القطاع العام الحكومي. وأقرت الحكومة عام 2017، أيضًا، هيئة بعنوان "التنوّع الوظيفي" لتحقيق هذه الأهداف. وازدادت القناعة الاقتصادية لدى أوساط في القطاع الخاص الإسرائيلي، الذي يشكّل 63 في المئة من مجمل وظائف الاقتصاد، بضرورة دمج موظفين من المجتمع العربي وما يسمّيه "فئات مستضعفة" ورفع "التنوّع الوظيفي" في صفوفه. ومن ثم، لم ينمّ التوجّه لتوسيع هامش دمج العرب في هامش الاقتصاد الإسرائيلي عن منطلقات سياسية رسمية فحسب، بل إنه اشتمل على منطلقات اقتصادية أيضًا، وهو ما انعكس في تأسيس مبادرات إسرائيلية خاصة لزيادة انخراط العرب في شركات القطاع الخاص والحكومي معًا، إضافة إلى تخصيص دعم وزاري لبعض الشركات التي تدمج عربًا في صفوفها. أدت هذه السياسات، إضافةً إلى أسباب داخلية مجتمعية أخرى، إلى تحولات اجتماعية – اقتصادية عميقة في المجتمع الفلسطيني في الداخل. ويشير الشكل (1)، إلى بعض المؤشرات المتعلقة بهذا المجتمع؛ مثل الارتفاع الملحوظ في نسبة انخراط العرب ضمن وظائف القطاع العام، والخدمات الحكومية العامة.
(((7 الحكومة الإسرائيلية، "التمثيل المناسب لأفراد السكان العرب والدروز والشركس في الخدمة المدنية"، القرار رقم: 2579، 2007/11/11، شوهد في 2022/11/20، في: https://tinyurl.com/yc5ruehc ((7(روي جروفي، "لقد تقدّم القطاع العام في توظيف العرب، والآن جاء دور القطاع الخاص"، ذي ماركير، 2016/7/10، شوهد
في 2023/1/10، في: hjnx 99 w /4 com. tinyurl:// https (بالعبرية) ((7(ينظر مثً: وزارة الاقتصاد والصناعة، "الدعم والمنح: الحصول على المساعدة لإدماج المتدربين من السكان العرب في
الصناعات الغنية بالمعرفة"، 2023/7/16، شوهد في 2023/10/5، في: https://tinyurl.com/mrmaa8ph (بالعبرية)
2021، ص 9. (بالعبرية)
الشكل.)2(
المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى: المرجع نفسه، ص.12
الشكل (1) نسبة المواطنين العرب في وظائف القطاع الحكومي
المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى: وسيم حصري، "التمثيل الملائم للمواطنين العرب في القطاع العام"، جمعية سيكوي،
من خلال تحليل المعطيات المذكورة، نجد تفاوتًا واضحًا بين القطاعات الحكومية المختلفة. ففي قطاع الصحة العامة، تصل نسبة العرب ضمن الوظائف إلى نحو 20 في المئة، كما يظهر ذلك في
الشكل (2) تمثيل العرب ضمن القطاعات
تؤكد المعطيات ارتفاع نسبة الأطباء العرب في المستشفيات ارتفاعًا كبيرًا (الشكل 2). ففي عام 2008، كان نحو 20 في المئة من مجمل الحاصلين على تراخيص مزاولة مهنة الطب عربًا، أمّا في عام 2020،
فإن نسبة العرب في هذه المهنة قد بلغت 46 في المئة. وفي هذا العام أيضًا، بلغت نسبة العرب من الحاصلين على رُخص مزاولة مهن الصيادلة نسبة 57 في المئة. وبالتوازي مع ذلك، ارتفع مستوى الدخل بالنسبة إلى الأسرة والفرد؛ إذ ازداد معدل الفرد من 6148 عام 2008 إلى نحو 9 آلاف شيكل عام
إلى جانب خطط "الدمج الاقتصادي"، أقر "مجلس التعليم العالي" الإسرائيلي، منذ عام 2010، سلسلة برامج عُرفت ب "تطوير منالية التعليم العالي للمجتمعات غير اليهودية". وساهم ذلك في ارتفاع نسبة الطلاب العرب من بين الطلاب الجامعيين من 9.2 في المئة عام 2009 إلى 17.2 في المئة عام 2020. وقد جاءت هذه الخطط في ظل توجّه الحكومة نحو إقرار خطط خماسية شاملة لما أسمته "التطوير الاقتصادي لدى جمهور الأقليات"؛ إذ صدّقت الحكومة في أواخر عام 2015 على خطة خماسية بقيمة 15 مليار شيكل، تبعها إقرار خطّة أشمل بقيمة 30 مليار شيكل في أواخر عام 2021. وتهدف الخطط، بحسب ادعائها، إلى "تطوير" المجتمع العربي في عدة مجالات: التعليم، والصناعة، ودعم المجالس المحلية العربية، والإسكان و"الأمن الداخلي "الشُّرطي"، وغيرها. وقد ربطت هذه الخطة ما أسمته "استيعاب العرب اقتصاديًّا" بسياسات ضبط الحيّز والصراع على
الأرض والمسكن، فضلً عن توسيع الجانب الشُّرطي في البلدات العربية بخطة مضاعفة محطات الشرطة فيها، وتشجيع تجنيد العرب في سلك الشرطة والخدمة "القومية الإسرائيلية"، وهو ما جاء على لسان نتنياهو في اجتماع الحكومة لإقرار الخطّة نفسها. في المقابل، لم تُجسّر السياسات النيوليبرالية الأخيرة الفجوة القائمة بين المجتمع الفلسطيني والمجتمع اليهودي في الداخل؛ إذ إن "التطوير الاقتصادي" كان على هامش اقتصاد إسرائيلي يتطوّر؛ ذلك أنه ليس جزءًا من تنمية اقتصادية، أو تطوير لمقوّمات اقتصاد وطني مُنتج. ففي هذا السياق، تشير التقارير
إلى أن كثيرًا من هذه الخطط اصطدم بواقع العنصرية الإسرائيلية، فضلً عن خلوّ البلدات العربية من
البنى التحتية الحقيقية للتنمية، وفي مقدمتها مسألة الأرض. ثمّ إنّ معدّل الفقر لدى المجتمع العربي قد ازداد خلال 20 عامًا؛ إذ وصلت نسبته لدى العائلات العربية عام 1997 إلى 37.9 في المئة، في حين
(((7 وزارة الصحة، "القوى البشرية في المواضيع الطبية للعام "2020، 2021، ص 26، شوهد في 2023/8/15، في:
https://tinyurl.com/4nvbr5tn (بالعبرية)
(((7 المرجع نفسه، ص.115 ((7(نسرين حاج يحيى [وآخرون]، الكتاب السنوي للمجتمع العربي في إسرائيل 2021 (تل أبيب: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2022). (بالعبرية) ((7(خالد عنبتاوي، الشباب الفلسطيني في الداخل: تحولات في واقع مركب (حيفا: جمعية بلدنا،.)2021 (((7 موطي بسوك وطالي حاروتي–سوبر، "الحكومة أقرت خطة الوسط العربي: تكلفة الخطة نحو 15 مليار شيكل"، مكتب رئيس الحكومة، 2015/12/30، شوهد في 2022/11/18، في: https://tinyurl.com/2s9c4e7y (بالعبرية) (((7 المرجع نفسه. (((7 المرجع نفسه.
ارتفعت نسبته في عام 2018 إلى 45.3 في المئة، وقد كانت نسبته لدى الأولاد العرب عام 1997 تبلغ 43.9 في المئة، وارتفعت هذه النسبة عام 2018 لتصل إلى 57.8 في المئة، ووصلت نسبة العائلات المنضوية تحت خط الفقر، أو القريبة منه، إلى 60.5 في المئة بين العائلات الفلسطينية في الداخل عام 2021، في حين أن نسبة الفقر لدى عموم السكان هي 21 في المئة. ولا يزال معدّل دخل اليهودي يزيد على دخل العربي بنسبة 50 في المئة. لا تكشف هذه المعطيات عن فجوة بين المجتمعين فحسب، بل إنها تكشف كذلك شرخًا اقتصادي ا لدى المجتمع الفلسطيني في الداخل. ففي حين استفادت شرائح اقتصادية معيّنة، على نحو ما،
من الخطط الحكومية الأخيرة، ثمّة شرائح قد ازدادت فقرًا وضعفًا. ويتفق هذا الاستنتاج مع حقائق
ومعطيات صدرت مؤخرًا، خاصة ما يتعلق منها بالمجتمع العربي البدوي في منطقة النقب والمدن
المختلطة. فعلى سبيل المثال، كان المجتمع العربي البدوي من أقل الشرائح التي "استفادت" من الخطط الحكومية ومسارات الدمج في الاقتصاد والتعليم المذكورة آنفًا؛ إذ وصلت نسبة استحقاق "شهادة البجروت" (الثانوية العامة) لدى طلاب المدارس من البدو إلى 48.1 في المئة (ارتفاع النسبة 5 في المئة خلال عشر سنوات)، مقابل 63.5 في المئة (ارتفاع النسبة 13.5 في المئة خلال عشر سنوات) لدى المجتمع العربي عامة. وقد سجّل "قطاع التعليم البدوي" أعلى نسبة تسرّب من
المدارس عام 2019؛ إذ بلغت نسبة المتسربين، من بين جميع الطلاب، 4.8 في المئة، في حين بلغت نسبتهم في المدارس 12 في المئة. وفي تحليل معمّق لنسب الفقر لدى المجتمع الفلسطيني في الداخل، نجد تفاوتًا واضحًا وفقًا للجغرافيا، خاصة إن قورنت منطقة الجليل – الشمال بمنطقة النقب،
حيث إن مناطق النقب الجنوبي تسجّل أعلى معدلّات الفقر مقارنةً بباقي المناطق. إضافة إلى ذلك، لم تستطع السلطات العربية في البلدات البدوية الاستفادة كثيرًا من الخطط الحكومية
المختلفة بسبب مشكلات عنصرية بنيوية؛ فعلى سبيل المثال، لم تستثمر أكثر من 30 في المئة من ميزانيات خطة رقم (2397) تحت شعار "دعم السلطات المحلية العربية – البدوية". أما في الجانب
((8(نسرين حاج يحيى [وآخرون]، وضع الرفاه في المجتمع العربي (تل أبيب: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2021)، ص.22 (بالعبرية) (((8 ميري إندبلد، "تقرير مستويات العنف وعدم المساواة بالدخل للعام 2021"، مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي، كانون الثاني/ يناير 2023، شوهد في 2023/8/15، في: https://tinyurl.com/2uavr7j3 (بالعبرية) ((8(وزارة العمل، سوق العمل في إسرائيل 2022، إصدار رقمي، 2023، ص 20، في: https://tinyurl.com/4sh4822m (بالعبرية) (((8 إيتي فايسبلاي، "معطيات حول استحقاق البجروت في التعليم البدوي في النقب"، مركز البحث والمعلومات في الكنيست، كانون الأول/ ديسمبر 2020، شوهد في 2023/8/15، في: https://tinyurl.com/4v4uhs6p (بالعبرية) ((8(روت بروخ–كوفرفسكي [وآخرون]، "تسرب لدى الط ب في التعليم البدوي في النقب"، معهد بروكديل، 2022، ص 5، شوهد في 2023/8/15، في: https://tinyurl.com/23939958 (بالعبرية) ((8(همت زعبي، "الفلسطينيّون في إسرائيل"، في: دليل إسرائيل العام 2020، منير فخر الدين (محرر) (بيروت: مؤسسة الدراسات
الفلسطينية، 2021)، ص.403 (((8 دافنا هيران ويونتان إيال، "ملخص أبحاث الخطط الخمسية للتطوير الاقتصادي – الاجتماعي للمجتمع البدوي في النقب خلال السنوات 2021–2017"، معهد بروكديل، 2021، ص 30، شوهد في 2023/8/15، في: https://tinyurl.com/67kwen2f (بالعبرية)
الاقتصادي، فإن الصورة شبيهة بما تقدّم ذكره؛ إذ تسجّل المعطيات فجوات كبيرة بين معدّل الأجور في المجتمع العربي البدوي والمجتمع العربي عمومًا قد تصل إلى ألف شيكل. ليس الأمر مختلفًا في المدن المختلطة؛ إذ تكشف المعطيات فجوةً واضحة في معدلات التشغيل بالنسبة إلى المواطنين العرب مقارنةً بالمجتمع الفلسطيني عمومًا: 62 في المئة في اللد، و 52.5 في المئة في الرملة، مقارنة ب 70 في المئة في المجتمع الفلسطيني عمومًا. أما نسبة الأكاديميين، فقد ارتفعت إلى 11 في المئة، مقارنة بأكثر من 13 في المئة في المجتمع العربي. تكشف التحولات المذكورة صورًا متعددة الأبعاد، وهي تعمّق حالة العتبة في الداخل؛ إذ يتّضح عمق ارتباط شرائح مجتمعية واسعة بالمركز الاقتصادي الإسرائيلي من جهة، وازدياد الشروخ الاقتصادية الداخلية من جهة مقابلة، فضلً عن استمرار الفجوة القائمة بين المجتمعين العربي واليهودي، وهي جميعها مسارات تؤثر على نحو موازٍ في الوعي الفردي. لقد أدت التحولات إلى تعزيز العتبة وتسميكها وتدرّجها؛ إذ توسّعت الشريحة المرتبطة عضوي ا
بالمواطنة، لكنّ القمع السياسي قد تعمّق. وليس الارتباط المواطناتي ارتباطًا ناجمًا عن خوف، أو
عن هاجس بقاء بعد النكبة (كما هو الأمر في السابق)، بل هو ارتباطٌ أكثر تركيبي ا؛ ذلك أنّ الأسرلة
الموضوعية، التي يمكن تلمّسها أيام الحكم العسكري، لم تعبّر بالضرورة عن أسرلة بالوعي والخطاب.
لكن مع توسّع هامش الحقوق المدنية والاندماج بالمواطنة تتشكّل حالة أشد تركيبًا من الأسرلة، قد
تُصاغ في شكل وعي وخطاب سياسي مشوَّهين كما يجادل بشارة. ثمّ إنّ استشراء سياسات الدمج الاقتصادي في هامش الاقتصاد يجري في إطار انتشار الثقافة الاستهلاكية، والقمع السياسي، وضرب التنظيمات والمبادرات الجمعية الشعبية؛ ما يعني تعزيز إمكانات تسلّل الثقافة الفردانية التي تساهم في انتشار حالة الشلل السياسي، ونزع السياسة عن الحيّز العام. وفي مثل هذه الظروف، قد تنتشر حالة من
"الفلسطنة" المقصورة على مستوى تعريف الفرد لذاته بمعزل عن السلوك، أو بوصفها هوية فلكلورية رمزية أو أداة توازن نفسي، معزولة عن السياق المادي والممارسة السياسية، حيث تكون هذه الهوية قابلة ل "الهضم" في الفضاء الإسرائيلي، بعد أن يُنزع منها بعدها السياسي والمؤسساتي الجمعي. لا تهدف هذه الدراسة إلى فهم تأثير مسارات الاحتواء الإسرائيلية الأخيرة في الوعي، وفي السلوك الفردي، ولا تدّعي إمكانية الخروج باستنتاجات مباشرة متعلقة بهذه المسألة، خاصة أن ذلك يتطلّب
(((8 المعطى يعتمد على تحليل ومقارنة ذاتية للكتاب استنادًا إلى تحليل المصادر التالية: يؤاف ليف [وآخرون]، "الخطة لتمكين
السلطات المحلية البدوية في إطار خطة التطوير الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع البدوي في النقب، 2021–2017"، معهد بروكديل،
تموز/ يوليو 2021، شوهد في 2023/8/15، في: https://tinyurl.com/4jcvrpr6 (بالعبرية)؛ حاج يحيى [وآخرون]، الكتاب السنوي
للمجتمع العربي في إسرائيل 2021، ص.24 (((8 عودد رون وبن فرجون ونسرين حاج يحيى، "تقرير المواطنين العرب في المدن المختلطة"، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، تموز/ يوليو 2022، شوهد في 2023/8/15، في: https://tinyurl.com/2yd757t7 (بالعبرية) ((8(عزمي بشارة، "هل يشكّل العرب حالة سياسية"، تحليل سياسات، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، كانون الثاني/ يناير
2011، ص.7
دراسات إمبريقية معمّقة. ولفهم ذلك، لا بدّ من التعمّق في تحليل المسارات التي يُنتجها هذا الدمج
في هامش الاقتصاد والمركز الإسرائيلي؛ فالشرائح المجتمعية المنخرطة فيه تكون منكشفة وشاهدة في يومياتها على مسارَين متوازيَين في الوقت ذاته: ارتباطها اليومي بالمواطنة وعلاقتها بالمركز الإسرائيلي من
جهة، واستمرار الفجوة الاجتماعية – الاقتصادية بينها وبين اليهودي من جهة أخرى، ولا سيما أن "الحراك الاقتصادي" المعيشي على المستوى الفردي لا يتحوّل إلى "حراك سياسي" بمفهوم تغيير الواقع السياسي
أو الطبيعة الكولونيالية للنظام، وهي مسارات قد تؤثر على نحو مختلف في وعي الفرد الفلسطيني، وقد ترمي به إلى مسارات متناقضة، خاصة أن الوعي الفردي لا يتأثّر بها حصرًا، فهي تضاف الى عوامل أخرى
(منها الفلسطينية والإقليمية)، فضلً عن عامل الفاعليّة الذاتية للأفراد أيضًا الذي يتفاوت بطبيعة الحال. ضمن هذا المنظور، قد يُبقي الاندماج المشوّه، جدلي ا، السؤال السياسي الوطني حاضرًا لدى بعض
هذه الشرائح، بعد أن تستقرّ في أنفسهم قناعة مفادها أن لا مساواة حقيقية إلا من خلال الاشتباك
بالسؤال السياسي الجمعي والنضال من أجل تغيير الواقع السياسي. وفي مقابل ذلك، قد تسمّك هذه
التحولّات الاقتصادية الشريحة المقابلة أيضًا، أي تلك التي تسيّس الاندماج على هامش الاقتصاد
وتصوغه في خطاب ووعي سياسيّين مؤسرلين، وذلك بتحويله إلى مطلب الاندماج في هامش السياسة
وقبول الهامشية. وحينئذ، يتحوّل الارتباط العضوي – الموضوعي بالأسرلة إلى ارتباط مصلحي فيها.
ولا يمكن، من خلال هذا المنظور، فهم التحولات السياسية الأخيرة في الخطاب، وفي الأداء السياسي في الداخل (أي الاتجاه نحو قبول الانضمام إلى حكومة احتلال، أو دعمها من الخارج) لدى بعض الأحزاب، من دون فهم التغييرات الجارية في العمق. إن ضعف المركز السياسي الوطني في الداخل، واشتداد القبضة الأمنية على الفعل الجمعي السياسي، وقضم مساحاته المستقلّة، كلها عوامل مساهمة أيضًا في تعزيز الشريحة الثانية على الأولى، أي الشريحة التي تسعى لقبول الاندماج المشوّه المبتور
وتسيّسه على مستوى العلاقة بالنظام، وقد يتحوّل الاندماج، في هذه الحالة ولدى هذه الشريحة، إلى
جزء من أدوات النظام للضبط السياسي والمجتمعي. ما من شكّ في أن هذه التحولّات قد ألقت بظلالها على الهبّة؛ إذ إن تحليل الشرائح المنخرطة فيها
قد يعطينا بعض الملامح للصورة المركّبة المذكورة آنفًا، فعلى الرغم من أن تحليلنا للشرائح المنخرطة في الهبّة يُظهر أنها عابرة للشرائح والطبقات في مجملها، حيث انخرط فيها، وفي مراحلها المختلفة،
شباب من مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية – الاقتصادية (تشمل موظفين منخرطين في المركز الاقتصادي الإسرائيلي)، سواء كان ذلك في "إضراب الكرامة"، أو أسبوع الاقتصاد الوطني، أو الفعاليات الاحتجاجية ذاتها. إلا أنه، كان واضحًا أن الغالبيّة الساحقة ممن استهدفتهم لوائح الاتهام
الإسرائيلية وممن انخرطوا في طليعة الاشتباكات بالمظاهرات في الفترة 13–11 أيار/ مايو، كانت من الشرائح المستضعفة اجتماعيًا–اقتصاديًا. كانت من الشرائح المستضعفة. إن قراءة التقنيات الإسرائيلية الأخيرة من خلال "عدسة مكبّرة" تمنحنا صورة بانورامية؛ وتُبيّن كيف يمكن
أن تعمّق هذه السياسات (الاستعمارية والنيوليبرالية معًا) حالة العتبة–الحدية لفلسطينيي الداخل، وذلك
لكونها ترمي بهم خارج النظام السياسي من جهة، وتعمل على احتوائهم في هامشه في الوقت ذاته، ثمّ
إنها تزيل ملامحَ من الخط الأخضر وتعمّق ملامحَ أخرى، تعزز شخصيتهم الفلسطينية وانتماءَهم إليها في جانب وتؤسرل جوانب أخرى منها. إن التبعية القائمة في الاقتصاد الإسرائيلي، وهيمنة الخطاب المطلبي – اليومي على القاموس السياسي على حساب الشأن القومي، وترهّل المؤسسات الجمعية الوطنية، جميعها عوامل تعكس صعوبةً وتحديًا في تشكيل بنية تحتية اجتماعية لتسييس الهبّات لدى اندلاعها وضمان استمرار أمدها أو المراكمة عليها.
ثالثًا: ماذا تقول هبّة الكرامة سياسيًّا واجتماعيًّا؟
يوضح لنا ما ذكرناه عمقًا وتدرجًا للعتبات التي يقف فيها الفلسطينيون في الداخل؛ وليس ذلك على المستوى السياسي فحسب، بل على المستوى الاجتماعي والاقتصادي أيضًا؛ إذ يسير منطق الضبط الإسرائيلي ضمن أداة احتواء مشوّه. ففي الوقت الذي يرتفع فيه مستوى المعيشة والدمج الاقتصادي لدى شرائح معينة، تزداد شرائح أخرى فقرًا. وفضلً عن ذلك، يسير منطق الاحتواء متبوعًا بضبط سياسي جماعي. قد تساهم العتبة في انتفاض الفلسطينيّين في الداخل ضد واقعهم تعبيرًا عن انتمائهم الوطني وحسّهم القومي، لكنها هي ذاتها ما يجعل الحالة الانتفاضية غير متبوعة بمركز سياسي قويّ مستقلّ قادر على تسييسها، ومن دون اقتصاد (مستقل بحد أدنى) يشكّل مقومات صمود، ويمكّن الناس من الاستمرار في حالة الهبّات. ويحلل هذا المحور من الدراسة هبّة الكرامة وتمثيلاتها التي
رسمت نمطها بعد أن تأثّرت جذري ا بالتحولات المذكورة، وعكستها في صيرورتها ضمن الفهم المقدّم حول سياق العتبة. ويجري التركيز، في هذه الدراسة، على خمسة تحولات خلصت إليها.
1. تحولات في جغرافية الهبّة
شكّل الاختلاف في جغرافية وخريطة هبّة الكرامة عام 2021 تمايزًا أساسيًّا مقارنةً بهبّات أخرى سبقتها. ولئن كان الجليل قد شكّل نقطة الارتكاز الأساسية في مواجهات يوم الأرض عام 1976، وشكّل المثلث والجليل معًا نقطتَي الاشتباك الأساسيتين في هبّة القدس، والأقصى في أكتوبر عام 2000، فقد سجّلت المدن المختلطة (عكا واللد وحيفا تحديدًا)، إضافة إلى النقب، في هبّة الكرامة 2021، أشد
نقاط الاشتباك مع قوات الشرطة والمستوطنين كثافةً وأوسعها. وفقًا لتحليل معطيات النيابة العامة الإسرائيلية، جرى تقديم أكثر من 500 لائحة (قرار) اتهام ضد مشاركين في الهبّة، من بينهم 134 لائحة (قرار) اتهام أدرجت تحت بند "مكافحة الإرهاب" أو "أعمال ضمن خلفية عنصرية/ أيديولوجية قومية". ويكشف تحليل مسحي معمّق للمعطيات أن 51.5 في المئة من بين هذه اللوائح قُدمت في منطقتَي الجنوب والمركز (تضمّان النقب واللد والرملة ويافا)، وقد حققت النيابة في 108 أحداث صُنّفت على يد النيابة بوصفها "اعتداءات إرهابية" أو "ذات خلفية عنصرية قومية"، وشكّلت
(((9 النيابة العامة الإسرائيلية، وزارة العدل، "أحداث حارس الأسوار: ملخص عمل النيابة أثناء أحداث حارس الأسوار"، أيار/ مايو 2022، ص 10–6، شوهد في 2023/1/5، في: https://tinyurl.com/4tvadc4p (بالعبرية)
المدن المختلطة نسبة 35 في المئة من بينها، رغم أن نسبة الفلسطينيّين الذين يسكنون هذه المدن
المختلطة لا تتجاوز 10 في المئة من بين مجمل السكان الفلسطينيّين في الداخل. يتعلق هذا التحوّل في جغرافية الهبّة بجزء من التحولات المذكورة، وهي متصلة بتوسيع الاستيطان
إلى داخل أراضي عام 1948 وتعزيزه بأنماط جديدة خلال العقد ونصف العقد الأخير، تحت مسمّى
"النواة التوراتية" التي اخترقت أحياء المدن المختلطة، وأقامت فيها مراكز ومجتمعًا أهلي ا، خصوصًا
في مدينتَي اللد وعكا. وقد واجهت شريحة من المجتمع الفلسطيني في الداخل اختراق جماعة المستوطنين الجدد، ولم تكن أحداث هبّة الكرامة الأخيرة الصدام الأول بينهما؛ إذ سبق أن جرى
اصطدام بين السكان الأصلانيين في عكا والنواة التوراتية الجديدة، وقد عُرف ذلك بأحداث "يوم الغفران" عام 2008. يصف المحامي من مدينة اللد، خالد الزبارقة، شكل هذه التحولات في الممارسات اليومية في المدينة قائلً: "نستطيع القول إن كل أشكال الصراع على اختلافها في البلاد مع مؤسسات دولة الاحتلال، تتكثف جميعها في اللد، صراع على الهوية واللغة، على الأرض والمسكن وهدم البيوت، على الحقوق والخدمات المدنية، وكل ذلك مختصر في اللد". وفضلً عن اشتداد المشاريع الاستعمارية في المدن المختلطة، شهدت مدينة اللد تحولات سوسيولوجية وديموغرافية أثّرت في شكلها وبنيتها الاجتماعية والديموغرافية، وتُعتبر اللد مث لً مصغّرًا مكثفًا لهذه
التحولات؛ إذ شكّل بناء مستوطنات يهودية متطورة، مثل "موديعين" و"شوهام"، عامل جذب للطبقة الوسطى اليهودية في اللد، خاصة بالنسبة إلى العاملين في الأجهزة الأمنية والمحالين من هذه الأجهزة على المعاش. بالتوازي مع ذلك، بدأ العرب في الخروج من الأحياء العربية القديمة بأعداد أكبر، وتملّكوا بيوتًا في الأحياء التي كانت في غالبيتها الساحقة يهودية (مثل حيّ "رمات إشكول" الذي
بات في غالبيته مأهولً بالسكان العرب، أو حيّ "فولفسون" في عكا)، وهي الأحياء التي تكثّف فيها
الاشتباك مع المستوطنين في أيام الهبّة. في مقابل الهجرة العكسية اليهودية، دفع شحّ الموارد وضعف فرص العمل في منطقة النقب أهلها
إلى الانتقال إلى منطقة المركز واللد تحديدًا، بحثًا عن فضاءٍ جديد للحياة، خاصة أن اللد هي أقرب نقطة جغرافية في الشمال من النقب. كانت هجرة سكان النقب إلى اللد إما بهدف العمل، وإما نتيجة لسياسات التهجير والتضييق على الأرض والسكن؛ فعلى سبيل المثال، أدى تشييد مطار "نفاطيم" في النقب إلى موجة هجرة واسعة من النقب إلى اللد، يضاف إليها هجرة من منطقة الضفة الغربية، بعضها كان لأسباب متصلة بهروب عوائل متعاونين مع الاحتلال في أثناء الانتفاضتين.
(((9 المرجع نفسه. ((9(بيني تاكر، "عكا: أجواء متوترة قبل يوم الغفران"، قناة 7، 2009/9/25، شوهد في 2023/8/11، في:
https://tinyurl.com/zt9pwh6c (بالعبرية)
(((9 علي حبيب الله، "عام على هبّة الكرامة: لماذا وكيف اندلعت الشرارة الأولى من اللد؟"، عرب 48، 2022/5/19، شوهد في
2022/9/5، في: https://tinyurl.com/2p84ped2
(((9 ف. ش.، ناشطة سياسية في هبة الكرامة من اللد، مقابلة عبر تطبيق زووم،.2022/11/23
شكّلت الهجرة الإيجابية العربية والعكسية اليهودية عاملين مؤثرين في المخططات الإسرائيلية لناحية تكثيف الأخيرة بعد أن استشعرت ما اعتبرته "الخطر على مستقبل يهودية اللد"، إزاء ارتفاع نسبة العرب من مجمل سكان اللد من 17 في المئة (قبل 30 عامًا)، إلى نحو 35 في المئة في الوقت الراهن. وتشير تقديرات الأهالي المحلية إلى أن نحو 40 في المئة من السكان العرب في اللد تعود أصولهم إما إلى النقب، وإما إلى الضفة، وتعتبر هاتان الشريحتان من أكثر الشرائح المهمشة اقتصاديًّا واجتماعيًّا
في اللد، حتى في حال مقارنتهما بسكان اللد العرب عمومًا، وكانت أصول كثيرين من المشاركين في الهبّة والمعتقلين تعود إلى هاتين الشريحتين، وفي ذلك تعبير سياسي عن هواجس اجتماعية لفئات
أقامت فترة في الهامش. لم تكن الأمور مختلفة جوهري ا في النقب؛ إذ زاد الاهتمام في حسم مسألة هذه المنطقة في العقدين الأخيرين؛ إذ ازدادت فيها الهجمات الاستعمارية والاستيطانية تجاه المجتمع الفلسطيني منذ العقد الأخير، واستشرى الهدم ومخططات الترحيل لإعادة توطين وتهجير نحو مئة ألف عربي بدوي في النقب، على غرار "مخطط برافر" وغيره.
2. إعادة إنتاج العلاقة مع الإسرائيلي بوصفه مستوطنا
أثّر تعزيز الاستيطان في مدن الداخل المختلطة والنقب في إعادة إنتاج العلاقة مع "اليهودي الجديد" في هذه المناطق، بوصفه مستوطنًا وجزءًا من مشروع تهجير ضد السكان الأصلانيين. وقد برز ذلك
على نحو واضح في الخطاب الاجتماعي – السياسي – الإعلامي للناشطين والأهالي، الذي هيمن في أثناء الهبّة، خاصة داخل هذه البلدات. وفي وصف الاشتباك الذي حصل مع اليهود في المدن
المختلطة، كانت ثمة هيمنة واضحة للفظتَي "المستوطن" و"المستوطنين" في الخطاب الشعبي. انتقل نمط الاشتباك في هذه الهبّة من اشتباكٍ شبه حصري مع قوات الاحتلال والشرطة، كما حصل
في هبّة أكتوبر 2000، إلى اشتباك شبه يومي في المدن المختلطة مع ناشطين وقياديين في "النواة
التوراتية" والمستوطنين الجدد القادمين في معظمهم من مناطق الضفة الغربية. تقول الناشطة فداء: "في هذا اليوم تحديدًا، أي 10 أيار/[مايو]، ألغت الحكومة مسيرة القدس وكان المجتمع اليهودي، خاصة المستوطنين في اللد، في شدة الغضب. استفزّهم رفع العلم الفلسطيني في الشارع الرئيسي، فدعوا إلى مظاهرة مناهضة تحت شعار يهودية اللد ورفع العلم الإسرائيلي [...] هنا حدثت المواجهة الأولى". في هذه الليلة، التي تحدثت عنها الناشطة، استشهد الشاب موسى حسونة برصاص مستوطنين من اللد، وهو الأمر الذي أشعل الهبّة في الداخل وزاد من زخمها وتوسّعها في بلدات الداخل، خاصة بعد
أن أُطلق سراح المشتبهين في إطلاق النار في اليوم التالي بدعوة من معظم السياسيين الإسرائيليين.
(((9 حبيب الله. (((9 ف. ش. (((9 المرجع نفسه.
شكّل حضور المستوطنين في هذه الهبّة نمطًا مختلفًا عمّا سبقه؛ إذ يقول أحد الناشطين: "لقد شاركت
في هبّة عام 2000، واليوم أشاهد الهبّة الأخيرة [...] أظن أن المختلف هو الطرف الآخر الذي سيطر
عليه التطرف الديني – المسياني. وعلى سبيل المثال؛ عندما شاركت في مظاهرات بئر السبع أوائل الألفينيات، لم أشاهد أي يهودي يتظاهر في مقابلنا. أما اليوم في أماكن كاللد والمدن المختلطة كانت المواجهة الأساسية معهم". أثّر هذا العامل في شكل الهبّة الأخيرة، وفي تنظيمها؛ إذ كانت مهمة حماية الأحياء العربية والدفاع
عنها في وجه الهجمات المنظّمة هي المهمة الأساسية للنشاط، وقد كانت هجمات العناصر اليمينية والاستيطانية منظّمة على أحياء عربية في المدن المختلطة، وبعضها جرى أمام أعين الشرطة من دون أن تتدخّل، وقد أكد شاهد عيان من حيفا ذلك.
3. الكرامة والوحدة: خطاب هبّة شبابية
طغت مصطلحات "الكرامة والوحدة" على خطاب الهبّة الاجتماعي والسياسي: "نزلنا إلى الشوارع
دفاعًا عن كرامتنا ليس بسبب الأقصى فقط"؛ هكذا، على نحو مباشر، صرّح أحد المعتقلين في
حديث مع معتقل آخر في أثناء الحديث عن التصدّي لهجمات المستوطنين في حيفا. وتقول ناشطة ومحامية رافقت عشرات الملفات: "شعر الناس بمساس يمتد إلى كرامتهم في الشهر الأخير". شكّلت الهبّة، من منظور الناشطين، فضاءً لاستعادة إرادة سياسية جامعة ترى فلسطين واحدة، بصرف
النظر عن سؤال الدولة، وتنطلق قاعدي ا من الشارع، ومن خارج المركز السياسي الحزبي الفلسطيني؛
إذ أخذت هذه الحركات، التي بدأت تتشكّل في البلدات العربية على إثر الأيام الأولى للهبّة، دورًا
فاعلً في الأحداث، وفي الإضراب الذي تلاها، وفي أسبوع الاقتصاد الوطني. يقول أحد الناشطين: "لقد شعر الناس أن بإمكانهم عمل شيء ذي قيمة لفلسطين ولو بسيط، شعروا مثلً أن باستطاعتهم للمرة الأولى أن يجعلوا للإضراب معنى مؤثرًا وحقيقييًّا وليس شكلاًّا كم جرت العادة". ويضيف: "على
سبيل المثال، تظاهر الناس وحدهم في اليوم الثالث، لم نصدر أي دعوة للتظاهر، إنما كانت أجواء غريبة مهيمنة في صفوف طلاب مدارس من حي الحليصة. في هذه الليلة كانت حيفا كلها مشتعلة [...] كانت الأجواء أن 'حيفا لنا وحدنا'، موسيقى ثورية تصدح من شبابيك منازل لا نعرفها، أذكر أثناء مسيرتنا.. وصلنا حي.ًّا، ثم بدأت امرأة تموننا بزجاجات مياه من الشرفة وشغّلت أغاني وطنية منها" في الإمكان تلمّس مجموعة مبادرات وخطابات، نُشرت ونُظمت خلال الهبّة وبعدها، ترى فلسطين
بعين واحدة. بعض المنشورات كانت مجهولة المصدر، وجرى تداولها على نحو واسع في وسائل
(((9 م. م.، ناشط سياسي ومدرّس من مدينة أم الفحم، مقابلة عبر تطبيق زووم،.2022/11/23 (((9 خ. غ.، أحد الناشطين في الهبة من حيفا، مقابلة شخصية، حيفا،.2022/11/10 (((10 ر. ع.، أحد الناشطين في الهبة من حيفا، مقابلة عبر تطبيق زووم،.2022/11/30 (((10 س. أ.، إحدى الناشطات والمحاميات في الهبة، مقابلة شخصية، حيفا،.2022/8/10 (((10 أحد الأحياء العربية المفقّرة والمستضعفة اجتماعيًا واقتصاديًا في حيفا.
التواصل الاجتماعي، ووُزّعت في الشوارع والبيوت. ساهمت المنشورات، على نحو ما، في تأطير
الهبّة بوصفها هبّة سياسية من أجل الكرامة في الوطن وأملً في استعادة وحدوية السؤال الفلسطيني في
وجه واقع شديد التجزئة سببُه الاستعمار. كان بيان "الكرامة والأمل" أحدها، وقد جاء فيه: "في هذه الأيام نكتب فصلً جديدًا. فصل انتفاضة الوحدة التي تصبو لهدف واحد ووحيد: إعادة توحيد المجتمع الفلسطيني بكافة مركّبات ومجالات الحياة". وفي محاولة لتأطير الهبّة وتغذيتها بلغة سياسية، باعتبارها مقاومة لواقع تجزئة الداخل
الفلسطيني وعزله عن المشروع الوطني الفلسطيني، جاء في فقرته الثانية ما يلي: "قصة الحق بسيطة في بلادنا: الحق أننا شعب واحد مجتمع واحد في كل فلسطين: تعزلنا في مناطق جغرافية مقطّعة [...] هكذا تسيطر الصهيونية علينا، وهكذا تشتّت إرادتنا السياسية وتمنعنا عن نضال موحّد في وجه نظام
الاستعمار الاستيطاني العنصري في كل فلسطين". لم تكن العبارات المتعلقة بوحدة الأجزاء الفلسطينية مهيمنة في مستوى الخطاب فحسب، بل بلغت هيمنتها أيضًا جوهر المبادرات والنشاطات التي تلت أسبوع الهبّة الأول؛ إذ نُظّمت في أثناء إضراب
الكرامة يوم 18 أيار/ مايو، وفي "أسبوع الاقتصاد الوطني"، في الفترة 12–6 حزيران/ يونيو، سلسلة من المبادرات الشعبية المشتركة بين عشرات البلدات الفلسطينية على طرفَي الخط الأخضر. وقد كان من بينها بازارات شعبية وندوات طغى عليها قاموس جغرافية فلسطين الواحدة، فكان "القدس والضفة والداخل وغزّة: قوّة اقتصادية واحدة" عنوانًا لمنشور على صفحة "أسبوع الاقتصاد الوطني" الرسمية
على فيسبوك. يُظهِر مسحٌ لفعاليات وندوات "أسبوع الاقتصاد الوطني" نظّمتها مجموعات محلية من البلدات
المختلفة، اشتمالها على غالبية المناطق الفلسطينية. كان خطاب الوحدة ووحدة المصير حاضرًا ومركزًا
في صفحة "شمس فلسطين" التي أنشأها مبادرون وناشطون من الداخل. ونظّمت الحملة سلسلة فعاليات إرشادية توعوية لشريحة الأطفال، خاصة في أثناء خروجهم إلى المخيّمات الصيفية، تشدد
على وحدة الجغرافيا الفلسطينية، مثل فعالية "باص فلسطين" و"أنهار ووديان". ولم يكن التشديد على الخطاب الوحدوي في هذه الفعاليات فحسب، بل شمل هذا الأمر أيضًا نشاطات الهبّة ذاتها.
تقول إحدى الناشطات من مدينة اللد: "أذكر في أحد الأيام 'فزعة/' مساعدة وصلت من النقب وعكا وأيضًا من القدس، ربما بسبب 'التيك توك'". ويؤكد حديث الناشطة عشرات الفيديوهات التي انتشرت على تطبيق "تيك توك"، وتوثّق خروج قافلات من النقب والقدس، دعمًا لأهالي اللد، بعد إعلان حظر
التجوال والدخول إليها واشتداد الهجمة الاستيطانية على أحيائها العربية. وكانت فكرة الوحدة تتعدّى، بحسب مشاركين في الهبّة، الجانب الرمزي أو الخطابي؛ فهي قد تحققت حتى في مشاهد من الهبّة
(((10 ينظر: الملحق.)1((((10 ينظر: الملحق.)3((((10 ينظر: "نربي أطفالنا على وحدة فلسطين ونزرع في قلوبهم بذور الأمل والحرية"، شمس فلسطين، فيسبوك، شوهد في 2023/8/20، في: https://tinyurl.com/mu979ss؛ الملحق.)2(
ذاتها سجّلت أجواء من الاشتباك لم يعرفها الداخل الفلسطيني من قبل، وخاصة في مدينة اللد. يقول
أحد الناشطين: "شاركت في جنازة موسى حسونة، شعرت أنني في جنازة شهيد في الضفة، بعدها شعرت أنني أعيش حرب شوارع ذكرتني بمشاهد مواجهات في القدس".
4. من الذي هبّ وانتفض؟ تنوعات في خريطة المتظاهرين
ليس من السهل تحليل الشريحة التي شاركت في الهبّة في الداخل على المستوى الاجتماعي–
الاقتصادي، خاصة أنّ لآلاف الشباب الفلسطيني دورًا فيها؛ ما يعني أنها كانت هبّة عابرة للطبقة
الاجتماعية والاقتصادية وذات بعد سياسي – وطني واضح يرى المسألة جزءًا من سؤال الصراع
الاستعماري والهوية مع هذا النظام. لكن ثمّة قناعة رسّخت لدى المشاركين والناشطين في الهبّة أن الشريحة التي شكّلت رأس الحربة
في الاشتباك اليومي (خاصة في الليالي الثلاث الأولى للهبّة، في الفترة 13–11 أيار/ مايو)، تشترك
فيما بينها من حيث انتماؤها إلى شريحة اجتماعية – اقتصادية مهمّشة غالبيتها العظمى من الشباب، ومن خارج دائرة الحزب السياسي والعمل السياسي التقليدي. لا يعني ذلك أن التحليل المادي – الطبقي الكلاسيكي هو المفسّر للهبّة، بل ندّعي أن ثمة أبعادًا
مادية – اجتماعية – اقتصادية لطبقة التحليل السياسي لافتة للانتباه، تتكشّف في أثناء تحليل شريحة الفاعلين في الهبّة، خاصة الذين استهدفتهم لوائح وقرارات الاتهام الإسرائيلية على إثرها. ملفات المتهمين وفقًا لتقارير النيابة الإسرائيلية، اعتُقل نحو ثلاثة آلاف شاب من الداخل الفلسطيني بحجة المشاركة في هبّة الكرامة، وهو عدد يعتبر مضاعفًا لعدد المعتقلين في هبّة أكتوبر الذي بلغ حينئذ ألفَي معتقل. ومن
بين هؤلاء، جرى تقديم لوائح اتهام في حق ما يقارب 500 شخص بتهم مختلفة، ومن بينهم نحو 130 متهمًا (أي 28 في المئة) ضمن بند "مكافحة الإرهاب" أو "الخلفية العنصرية"، وهو أمرٌ يتيح مضاعفة
عقوبتهم في حال إدانتهم. وفقًا لعيّنة قامت الدراسة على مسحها اجتماعييًّا واقتصاد ا من بين المتهمين في الهبّة، وصل معدّل
دخل الأسرة في العائلة إلى 5900 شيكل؛ أي أقل من المعدل العام للأسرة العربية ب 30 في المئة، ثمّ إنّ 31 في المئة منهم ينتمون إلى عائلات أحادية الوالدية (نظرًا إلى وفاة الأب أو الطلاق)، ونحو 64 في
المئة منهم ينتمون إلى عائلات تتلقى خدمات الرفاه الاجتماعي. تتوافق هذه المعطيات مع شهادات حية من المحامين الذين رافقوا المتهمين، ومع شهادات لناشطين
(((10 خ. غ. (((10 النيابة العامة الإسرائيلية. (((10 مسح المؤلف لملفات 100 متهم من بين قرابة 460 متهمًا في أحداث الهبّة.
كانوا شاهدين على الأحداث، وفي تواصلٍ مع شريحة المشاركين فيها. تقول إحدى الناشطات: "أنا أحدثك عن مستويات من الفقر لم أتخيّل أنها موجودة أصلً في مجتمعنا. تخيّل أن إحدى الأمهات
يؤرقها هو كيفية تدبُّر أجرة السفر لحضور محكمة ابنها! والد معتقل آخر قال قالت لي ذات مرة أن ما لي إنه يفكّر في بيع كليته لتسديد أتعاب المحامي في قضية ابنه"!. في هذا الإطار يقول أحد المحامين المرافقين لعشرات المعتقلين: "دخلت إلى حيّ غير مرتبط حتى
بخط هاتف، ربما كانت ظروف مخيمات اللاجئين أفضل [...] معظمهم تسربوا من المدرسة، ربما 90 في المئة ممن رافقتهم كمحامٍ، كانوا معدمين اقتصادي ا، وأغلبهم عائلات أحادية الوالدية، حتى إرسال مصروف لابنهم المعتقل في خزينته (الكانتينا) كان صعبًا". من اللافت للانتباه أنه لا أحد من المتهمين، أي ال 460 متهمًا الذين قُدّمت في حقهم لوائح اتهام،
ينتمي إلى حزب سياسي منظّم، باستثناء اثنين وُجّهت إليهما تهمة تحريض بالخطابات؛ وهذا يعني أنّ أكثر من 99 في المئة من المتهمين لا ينتمون إلى إطار سياسي. وهذا الأمر يتوافق مع شهادات ناشطين كانوا قد اعتُقلوا في أثناء الهبّة؛ إذ يقول أحدهم: "أنا الوحيد الذي كنت مسيّسًا في الزنزانة والوحيد
المحزّب". يقول معلّم شارك طلابه في الهبّة الأخيرة: "ليس لهذا الجيل ما يخسره، هم لم يستفيدوا من خطط
الاندماج التي يتحدثون عنها. ما الفائدة من ميزانيات لدعم التعليم دون بنى تحتية، ودون مدارس تنموية حقيقية. ثمة توجه تنافسي جرى بعد هذه الخطط، وتوجه فرداني جد ا، فباتت المدرسة تولي اهتمامًا ل 4 شُعب تحت شعار 'الامتياز والتميّز'، أو 'مسارات الأوائل' [...] مع إهمال الش عب المتبقية
التي لا تدخل الصفوف أي تسرّب غير معلن". شكّلت المدن المختلطة (خاصة اللد وعكا ويافا)، والنقب أكثر المناطق التي تضررت من هذه السياسات وازدادت فقرًا. تقول ناشطة عن تجربتها بشأن دخول شريحة جديدة إلى ميدان الاحتجاج
والهبّة: "لمحت وجوهًا جديدة، عادة ما تكون الوجوه مألوفة لي في المظاهرات، أما في هذه الهبّة
فلا، خاصة أولئك من أهالي أحياء الواد والحليصة.. فجأة اشتعلت حيفا في ليلة ما دون أن يدعو أحد لمظاهرة". لم يكن هذا المشهد حصرًا على حيفا، بل بدا جليًّا في معظم نقاط الاحتجاج والانتفاض
ودخول ما أسماه ناشطون شريحة مختلفة عن تلك التي تشارك بصورة روتينية ودورية في التظاهرات أو الاحتجاجات".
(((10 س. أ. (((11 خ. م.، أحد المحامين الذين يتابعون ملفات المتهمين في المحاكم، مقابلة عبر الهاتف،.2022/11/25 (((11 ر. ع. (((11 م. م. (((11 ن. د.، ناشطة ومتطوعة في هبّة الكرامة، مقابلة عبر تطبيق زووم،.2022/11/30 (((11 ف. ش.
كثّف هجوم المستوطنين وحدةَ أهالي البلدات المختلطة، وجعل الهبّة تأخذ طابعًا شعبيًّا عابرًا
للخلفيات الاجتماعية والسياسية تحت هدف التصدّي لهم، وفتَح مجال الالتحام بالأحداث حتى لأطراف منخرطة في عالم الجريمة. تصف ناشطة في اللد ذلك قائلة: "بصراحة، كانت الشرائح المنخرطة بعالم الجريمة لا تتدخل في السياسة بشكل عام، لكنهم ليسوا مأسرلين بالضرورة [...] فجأةً وبعد جنازة الشهيد حسونة وبصورة محددة بعد أن قدم مستوطنون من 'يتسهار' وأطلقوا النار في الهواء، أخذت الأمور منحى آخر، وشاركت هذه الفئات في الهبّة". وفقًا للناشطة، دخل المستوطنون
اللد بحماية البلدية، التي عُرف عن رئيسها دعمه ل "النواة التوراتية" ومشاريع تهويد اللد والتضييق على السكان العرب: 500" مستوطن مسلّح قدموا وباتوا مساءً في مبنى تابع للبلدية". لقد شعرت هذه الشرائح بأنّ الهبّة حيّزٌ للتعبير سياسي ا عن هواجسها الاجتماعية – الاقتصادية، ورفضها
لهذا الواقع، مع إعطائه لغة سياسية مرتبطة بالواقع الاستعماري؛ أي إنها عبّرت عن هواجسها تعبيرًا
سياسي ا مرتبطًا بالصراع الاستعماري. يقول أحد الناشطين في هذا السياق: "ترسّخت قناعة، حتى عند
الشرائح التي كانت تستهتر فيما قبل بالمظاهرات، أنه الوقت الملائم للالتحام في الشارع. أعتقد أنها شرائح تعيش قهرًا من الواقع". كان معظم العيّنة التي حللناها من بين الذين استهدفتهم لوائح الاتهام الإسرائيلية لمشاركتهم في الهبّة
من الشرائح الاجتماعية المهمشة اقتصاديًّا واجتماعيًّا. ولا يعني ذلك أنها كانت الشريحة الوحيدة التي
شاركت في الهبّة؛ فقد اعتقلت الشرطة الإسرائيلية أكثر من ألفَي ناشط ينتمون إلى جميع الشرائح،
ثمّ إنّ المشاركين في المظاهرات والمبادرين إلى معظم المبادرات قد انحدروا من جميع الخلفيات
الاجتماعية – الاقتصادية، فضلً عن مشاركة أبناء الطبقات المختلفة في إضراب الكرامة ومن بينهم أوساط تعمل في قطاع المستشفيات، وشركات التقنيات المتقدمة، والمراكز الاقتصادية الإسرائيلية وإن بنسب متفاوتة؛ إذ تعرّض عشرات منهم للفصل وتعرّض مئات منهم للتهديد بالفصل أيضًا. تعكس المعطيات المذكورة آنفًا عامل الوكالة/ الفاعلية الذاتية لدى الأفراد وضرورة أخذه في الاعتبار في أثناء تحليل سلوكهم ضمن قراءة التحولات المذكورة؛ ذلك أن الأهداف الإسرائيلية القائمة من وراء "إدماج العرب في الاقتصاد الإسرائيلي"، من أجل نزعهم وعزلهم عن السؤال السياسي، لا تسير بالضرورة بموجب المنطق الإسرائيلي على نحو كامل؛ فقد انخرط بعض هؤلاء في الهبّة، وهو ما قد
يشير إلى أن مخططات "الدمج" في هامش الاقتصاد الإسرائيلي لا تتحوّل بالضرورة وتلقائي ا إلى أسرلة
وانصهار تام على مستوى الوعي، يضاف إلى ذلك أن السؤال السياسي ومسألة الهوية الوطنية لا يزالان حاضرين لدى أوساط من هذه الشرائح، فضلً عن أن طبيعة مشروع الاندماج المقترح إسرائيلي ا وبنيته
يبقيان مبتورين، ولا يمكنهما أن يكونا قائمين على فكرة المساواة الكاملة، وذلك بسبب الطبيعة العنصرية والاستعمارية في بنية الدولة والنظام.
(((11 المرجع نفسه. (((11 قاسم بكري، "على خلفية الأحداث السياسية: فصل من العمل ومضايقات واسعة تتعرض لها العاملات والعمال العرب"،
عرب 48، 2021/5/25، شوهد في 2023/8/10، في: https://t.ly/nWI–W
من هذا المنظور، يتّضح أن السياسات النيوليبرالية والاستعمارية الإسرائيلية لا تنتج مسارات ذات بعد واحد من الاحتواء فحسب، وهو ما تسعى إسرائيل لتحقيقه، بل قد تنتج مسارات من الرفض والمناهضة أيضًا. وإذا كانت شرائح مستضعفة اقتصاديًّا ومهمّشة اجتماعي ا قد عبّرت عن هواجسها تعبيرًا سياسي ا وطنيًّا، وانخرطت في مقدّمة الهبّة، وقدّمت التضحيات فيها، فكذلك عبّرت شرائح تنتمي اقتصاديًا إلى الطبقة الوسطى – وبعضها منخرط في السوق الإسرائيلية وإن بأنماط مختلفة – عن سؤالٍ سياسيّ هو جزءٌ من هاجسها الاجتماعي والوطني أيضًا. لكن لا شك في أن المسارات
الإسرائيلية الأخيرة (اشتداد الضبط والاحتواء) قد أثّرت في سيرورة الهبّة، وشكلت تحديًا بشأن استمرارها واستثمارها سياسي ا؛ إذ إن ضعف المركز السياسي والاقتصادي المستقلّ عن المركز الإسرائيلي، وضعف التنظيم الجمعي، يعزّزان مخاوف شرائح اجتماعية واسعة، خاصة الطبقة الوسطى والشرائح المنخرطة في السوق الإسرائيلي؛ من حالات الكسر/ القطيعة التامّة مع المركز الإسرائيلي، ومن استمرار الهبّات واتسّاعها وديمومتها فترات طويلة، خاصة حين تشتدّ القبضة الأمنية الإسرائيلية والملاحقة السياسية (مثل التحريض بالفصل وغيره)، أي حين تتكشّف هشاشة مقوّمات صمود المجتمع في الداخل، وهو ما يعمّق حدية الهبّات في حالته.
5. تحولات في التنظيم: في هيمنة التنظيم القاعدي ومنطق الحراك
جاءت هبّة الكرامة مراكمةً لصيرورة انتفاضية من الهبّات التي اجترحها شباب الداخل، مثل حراك 30" آذار"، وحراك "برافر" الذي أسقط "مشروع برافر" الاقتلاعي عام 2013، وهبّة أبو خضير، وغيرها من الهبّات الشبابية التي بنَت ذاكرة من الرفض والأمل والنجاح في بعضها. ورسّخت سلسلة الهبّات
المذكورة نمطًا جديدًا مختلفًا عمّا عرفه الداخل الفلسطيني قبل أكثر من عقدين. فهي تتميز بأسلوب العمل القاعدي (العمل من الأسفل) الذي يفرض الشارع وتيرته من خارج دائرة القرار الحزبي المركزي؛ إذ كان أسلوب تداخل الحزب والتنظيم المركزي في الهبّة الأخيرة واحدًا من أوجه التحولات في نمط الهبّات. لقد تميّز تنظيم الهبّة الأخيرة من حيث لامركزيّته، وضعف التأثير الحزبي التقليدي المركزي فيها، وربما كان اختلاف توقيت الإضراب بين الهبتين مؤشرًا د ل على ذلك. ففي حين فتح الإضراب هبّة القدس والأقصى عام 2000 بعد إعلانه على يد لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل قبل اندلاعها بيوم، كان إعلان الإضراب في الهبّة الأخيرة إغلاقًا واختتامًا للهبّة في الشارع؛ إذ جرى إعلانه بعد أسبوع من اندلاعها. يقول قيادي حزبي من الذين شاركوا فعليمًّا في هبّة القدس والأقصى عا 2000 في ذلك: "في أثناء الانتفاضة الثانية كان دور الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني أساسيًّا. كانت الأحزاب قوية،
(117) Isabel Ortiz et al., World Protests: A Study of Key Protest Issues in the 21 st Century (Cham: Palgrave Macmillan, 2022), p. 114.
ولم يكن وقتها ما يسمى اليوم حراكًا شبابيًا". يتفق مع ذلك عدة ناشطين من الذين شاركوا في
الهبتين؛ إذ يقول أحدهم: "لم تكن هذه الهبّة كما الحال في هبّة أكتوبر عام 2000، الأمور كانت حينها
أكثر تنظيمًا ومركزية، كان التجمع والحركة الإسلامية الشمالية حركتين قويتين، وليس صدفةً أنهم اتهموا
[مؤسسيهما] عزمي بشارة ورائد صلاح حينها بالتحريض". وفقًا للمقابلات، بخلاف هبّة الكرامة اليوم، كانت لجنة المتابعة عام 2000 مطّلعة يومي ا على الأحداث،
وكانت على انعقاد دائم في أيام هبّة أكتوبر الأولى، وكانت تتخذ قراراتها يومي ا أيضًا. وبشأن دور التنظيم
الحزبي، يقول أحد القياديين: "هذا النمط لم يكن طبعًا في الهبّة الأخيرة، دور الأحزاب الرسمي يكاد
يكون معدومًا فيها". لا يعني ذلك أن الأحزاب كانت غائبة تمامًا عن هبّة 2021، أو أن الأخيرة سارت بمسارٍ مناقض
للحزبية، لكنها أفصحت عن نمط مختلف من التنظيم في الميدان ودور التنظيم الحزبي المركزي فيه. ليس النمط الأخير في التنظيم خاص ا بحالة الداخل وحده، بل هو جزء من تحوّل عالمي. وفي المقابل،
يمكن فصل هذه التحولات عن أسباب موضوعية – محلية متصلة بتأثير السياسات الإسرائيلية تجاه لا التنظيم الحزبي الوطني في الداخل. قضمت القبضة الأمنية – السياسية الإسرائيلية مساحات من العمل السياسي لبعض الحركات والأحزاب خلال الملاحقة، وقد غذّى هذا الأمر، جدلي ا، شكلً مختلفًا من العمل السياسي في العقد
الأخير. ففي الداخل، أخذ يتطوّر في نمط الاحتجاج السياسي ليأخذ شكل الحراك – لا الحركة –
الذي يأتي من خارج التنظيم الحزبي المركزي، وإن لم يكن مناقضًا له بالضرورة. لقد برز هذا النمط في محاولات البحث عن هوامش وفضاءات جديدة من العمل السياسي أكثر ديناميكية ومرونة للصمود أمام القمع الإسرائيلي. تميّزت كثير من مبادرات الهبّة بأنّها بلا سابق تخطيط، بحيث تطور التنظيم في بعض البلدات
تدريجيًّا مع احتياجات الميدان، وهو ما ميّز قاعدية التنظيم ومرونته ولامركزيته. كان التنظيم القاعدي
جلي ا خلال المبادرة بشأن النشاطات التي تبعت الهبّة وراكمت عليها؛ إذ نتجت هذه المبادرات من
ضرورات الميدان. لقد كان إضراب 18 أيار/ مايو 2021 إضرابًا غير مسبوق في العقدين الأخيرين في الداخل، وسجّل تفاعلً لشرائح عربية – فلسطينية تعمل في المركز الاقتصادي الإسرائيلي. وبعد
سلسلة الملاحقات التي عانتها هذه الشرائح، بادرت مجموعة من المتطوعين إلى تنظيم مشروع "أسبوع الاقتصاد الوطني". واستهدفت هذه المبادرة، وفقًا لبعض المنظمين، ترسيخ بُعد مادي وفعّال لمفهوم الإضراب؛ فهي تنقل الشارع من مرحلة الإضراب إلى مرحلة رفع الوعي بالتكافل الاجتماعي وتوسيع مخيال اقتصادي فلسطيني مستقل عن الإسرائيلي؛ إذ يقول أحد الناشطين في
(((11 ع. ع.، قيادي سياسي عاصر هبّة أكتوبر والهبّة الأخيرة، مقابلة شخصية، كوكب أبو الهيجاء،.2022/8/1 (((11 ر. ش.، أحد الناشطين الذين عاصروا الهبّتين، مقابلة عبر تطبيق زووم،.2022/11/30 (((12 ع. ع.
تنظيم المشروع: "بعد أن أجرينا مسحًا لحركات تأسست خلال الهبّة، وجدنا أن 12 منها تأسس أيامًا
قليلة قبل الإضراب، أي إن الإضراب كان حافزهم المركزي كما أن أسبوع الاقتصاد الوطني الذي تلاها كان وقودًا لهم للاستمرار والنشاط". عبّرت الهبّة عن مرونة في الحراك الاجتماعي من جهة، والتحام بين الداخل والسؤال الوطني من جهة
أخرى، لكنها كشفت أيضًا ضعفًا في بنية اجتماعية – مؤسساتية حقيقية تراكم مآلات الهبّة وتسيّسها.
– كان تأثير انعدام المركز الاقتصادي المستقل – كحاضنة اجتماعية تقوي صمود الهبّة واستمراريتها
جليًّا، وقد سهّل ذلك الاستفراد بمن التحق بالإضراب، وتعرض للفصل بعد ذلك. ثمّ إنّ ضعف
المؤسسات الحقوقية في متابعة ملفات المتهمين، وترهّل في مؤسسات سياسية جامعة، تراكمَا سياسي ا
على الهبّة. وتتصل هذه المؤشرات بأزمة العتبة التي تحيط بهذه الهبّات في الداخل وتحدّ من إمكانية
تطورها واستمرارها.
خاتمة
قرأت الدراسة هبّة الكرامة الأخيرة ضمن سياق أزمة وضعية العتبة–الحدّية التي يتموضع فيها
الفلسطينيون في الداخل نتيجةً لبنية الواقع المركّب لديهم بين انتمائهم إلى الفضاء الفلسطيني من جهة، وواقعهم المادي – المدني في المواطنة الإسرائيلية من جهة أخرى. وقد رزح فلسطينيّو
الداخل في هذه العتبة منذ النكبة، وتعزّز ذلك مع استمرار سياسات المحو والضبط الإسرائيلية، إلّ أنها عتبة غير مستقرة، وعادة ما تنتجُ لديهم مسارات من الرفض والمناهضة، بحيث تنحو بهم نحو فلسطينيتهم عبر الانخراط في هبّات وطنية وسياسية، لكنها في الوقت ذاته تحمل تحديات بنيوية
تعرقل إمكانية ضمان استمرار الهبّات نتيجةً لواقعهم المادي الخاص الذي يحاول لَجم إمكانية
بلورة مؤسسات وطنية واقتصادية تشكّل حاضنة وبنية تحتية لمقومات صمود تطيل أمد الهبّة أو
تُراكمُ سياسي.ًّا عليها ترى الدراسة أن الهبّة الأخيرة تأثرت كثيرًا بتحولات في العقدين الأخيرين في مستويات مختلفة:
الصهيونية والنظام الإسرائيلي، والتحولات الاجتماعية – الاقتصادية – السياسية داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل، والتحولات في السيرورة الفلسطينية. وعلى نحو عامّ، تفجّرت الهبّة في نقطة
تقاطع بين هذه التحولات، وتمثّلت في شكلها ونمطها. وقد شكّل التحول الكبير في الصهيونية، خلال العقدين الأخيرين، إلى ناحية تشديد البعد الاستعماري – الديني والنيوليبرالي معًا، عاملً مؤثرًا في شكل الهبّة وجغرافيّتها، بحيث كانت المدن المختلطة والنقب أكثر المناطق التي تكثّفت
فيها المشاريع الاستيطانية الصهيونية الجديدة في الداخل، فضلً عن كونها أكثر المناطق التي عاشت الآثار السلبية للسياسات النيوليبرالية في الداخل؛ من حيث التهميش الاجتماعي والإفقار الاقتصادي.
(((12 خ. غ.
كانت جغرافية الهبّة في الداخل من أبرز ملامح الاختلاف بينها وبين الهبّات التي سبقتها، خاصة هبّة
القدس والأقصى عام 2000. وشكّلت كلمة المستوطنين والاشتباك مع مجتمع المستوطنين خاصة، والصهيوني عامةً، ثيمةً مركزية وجزءًا من الخطاب الاجتماعي والسياسي في هذه الهبّة وفي نتائج
المعطيات التي حللتها الدراسة. لقد أعيدت هندسة اليهودي – الجديد (خاصة في المدن المختلطة) في وعي السكان بوصفه مستوطنًا، وراج التعبير عن الوجود اليهودي من خلال كلمة "مستوطنين" في القاموس الاجتماعي – السياسي للهبّة، وهو ما يتقاطع مع ما نراه من توسيع لمنطق الاستيطان إلى
الداخل بأنماط جديدة من خلال "النواة التوراتية" ومشاريع أخرى. كان الاختلاف في شريحة المشاركين في هذه الهبّة مقارنة بهبّات أخرى أحد أشكال التحولات؛ إذ
برزت مشاركة شرائح مستضعفة اقتصاديًّا واجتماعيًّا في طليعة هذه الهبّة وتكثّفت؛ ما يعكس حضور
الفاعلية السياسية لدى هذه الشريحة. وتنفي الدراسة ما ذهبت إليه بعض الدراسات الإسرائيلية في ترحيل مشاركة هذه الشريحة لأسباب اقتصادية، وتستنتج أن هذه الشرائح الشعبية عبّرت عن هواجسها
الاجتماعية – الاقتصادية تعبيرًا سياسي ا ضمن التحامٍ بهبّة سياسية في إطار صراع مع المستعمر.
ولا يعني ذلك غيابًا لانخراط شرائح اجتماعية – اقتصادية أخرى في الهبّة؛ فقد كانت الأخيرة عابرة
للخلفيات الاجتماعية – الاقتصادية؛ إذ انخرطت شرائح من "الطبقة الوسطى"، على نحو فاعل – وإن كان مختلفًا – في "إضراب الكرامة"، على الرغم من أن بعضها مشتبك في يومياته المعيشية بالمركز الاقتصادي الإسرائيلي؛ فبعض هؤلاء قد بادر إلى الانضمام والتنظُّم في الإضراب، تعبيرًا
عن مقولة سياسية مفادها أن سؤال الهوية الجمعية – الوطنية والمكانة السياسية حاضرٌ في تكوينهم
الاجتماعي والسياسي. وفي المقابل، فإن استمرار التبعية الاقتصادية شبه الكاملة للمركز الإسرائيلي، وتعميق الارتباط العضوي فيه من قبل شرائح واسعة من المجتمع الفلسطينيّ، توسّعت خلال العقدين
الأخيرين، بموازاة ضعف المركز المؤسساتي الوطني في الداخل، وضرب التنظيم السياسي – الجمعي القادر على صوغ الهبّات في خطاب ومشروع، تشكّل جميعها تحديات وعوامل معرقلة لإمكانات
تأسيس مقوّمات صمود مستدامة في الداخل، أو لترسيخ بنى تحتية، وقاعدة اجتماعية – سياسية قادرة
على استثمار حالة الهبّات وإطالة أمدها وتوسيع مداها جماهيريًا. ضمن هذا السياق، لا تردّ هذه الدراسة عوامل الهبّة إلى التفسير الطبقي – المادي التقليدية، حيث
كانت الهبّة عابرة للخلفيات الاجتماعية – الاقتصادية، ومن خلال هذا المنظور، تقرأ التحولات
الاجتماعية – الاقتصادية بوصفها جزءًا من الفهم الوطني والسؤال الاستعماري للمسألة، لكنها ترى
ضرورة في فهم الأبعاد المادية للهبّة على نحو متقاطع مع طبقات التحليل الأخرى لفهم عوامل
الهبّة الأخيرة ونمطها. لم تستهدف الدراسة النظر إلى تأثير السياسات الإسرائيلية الأخيرة، خاصة النيوليبرالية، في وعي الأفراد في الداخل، أو في سلوكهم السياسي؛ فذلك يتطلّب دراسات مستقبلية معمّقة، بيد أنها
تمكّننا من تلمّس المسارات المتناقضة لحالة العتبة في الداخل، التي تتأثر من دون شك بالسياسات
الإسرائيلية؛ أي منظومة المحو والضبط والاحتواء معًا (وإن كانت تتأثر بعوامل أخرى غير إسرائيلية).
وتعمل هذه المنظومة الثلاثية معًا على نحو موازٍ؛ إذ تفرز صورًا وملامح مركّبة من الرفض/ المناهضة
والتراجع في الوقت ذاته في حالة الهبّات في الداخل، ينكشف من خلالها المجتمع عن قوّة إرادته
الجمعية، ومكامن قدراته في بناء شبكات تكافل للصمود، لكنّه ينكشف أيضًا على هشاشة مركزه
السياسي، وآثار التبعيّة الاقتصادية، وضعف بناه التحتية الاجتماعية – الاقتصادية نتيجةً للواقع
المادي المركّب. برز تحوّل واضح في هذه الهبّة فيما يتصل بدور القيادة المركزية الحزبية وشكل التنظيم فيها. فإذا كان
الإضراب الرسمي المعلن من جانب أعلى هيئة تمثيلية في الداخل هو الذي أنتج هبّة القدس والأقصى
عام 2000 في الداخل، فإن الإضراب ذاته في هذه المرة كان إعلان إغلاق مرحلة الهبّة الأولى في
18 أيار/ مايو 2021. وفي هذا دلالة على حضور المركز السياسي – الرسمي وتفاعله مع اللحظة. لم تنفجر، إذًا، لحظة الهبّة من فراغ، بل كانت جزءًا من فضاء حراكي بدأ يتشكل منذ عقد، يقوم على
استحداث نمط جديد من العمل قائم على منطق الحراك القاعدي، لا الحركة أو التنظيم المركزي، وهو يأتي من خارج مساحة التنظيم الحزبي المركزي وفضائه، ويفرض عليه التفاعل، وإن لم يكن بديلً منه أو مناقضًا له بالضرورة. على حركة التحولات بيّنت هذه الدراسة أن دراسة حركة الاحتجاج والانتفاضة تكون غالبًا مؤشرًا د ل
الجارية في المجتمع وفي النظام السياسي على حد سواء، وقد تشكّل دراسة حالة الهبّات في الداخل
الفلسطيني مساهمة معرفية في فهم أعمق لحالات الهبّات والانتفاض والمقاومة المدنية في أزمة
وضعيات العتبة من حيث تناقضاتها، ومقوّماتها، ومكامن قوّتها، ومحدوديتها في الوقت ذاته.
الملاحق
المصدر: بيان متداول في وسائل التواصل الاجتماعي، ووُزّع يدوياًّ.
الملحق (1) بيان الكرامة والأمل
الملحق (2) "باص فلسطين "2
المصدر: "باص فلسطين 2"، شمس فلسطين، فيسبوك، 2021/8/10، شوهد في 2023/8/17، في: https://tinyurl.com/2jbpp7bb
2023/8/18، في: https://tinyurl.com/4s7c9fpb
المراجع
العربية
العدد 88.)2022(
(صيف.)2021
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2021
الملحق (3) اشترِ من بلدك
المصدر: "القدس والضفة والداخل وغزة: قوة اقتصادية واحدة"، أسبوع الاقتصاد الوطني، فيسبوك، 2021/5/29، شوهد في
References
أسعد، أحمد عز الدين. "حراك القدس: عن قصة الفعل الاجتماعي والثقافي في أوقات الشدة". قضايا.
________. "محو المحو: تأملات في هبّة القدس ومداراتها". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 127
________. بلاد على أهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيت ساحور. الدوحة / بيروت:
بشارة، عزمي. "القضية الفلسطينية في المرحلة الراهنة". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 6 (ربيع
________. الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى. رام الله: مواطن،.1998 ________. "فصل جديد في تاريخ الجماهير العربية في الداخل". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج 11، العدد 44 (خريف.)2000 ________. من يهودية الدولة حتى شارون: دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية. القاهرة: دار الشروق،.2005 ________. "هل يشكّل العرب حالة سياسية". تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. كانون الثاني/ يناير.2011 بشير، نبيه. يوم الأرض ما بين القومي والمدني. حيفا: مدى الكرمل،.2006 بورديو، بيير. أسئلة علم الاجتماع في علم الاجتماع الانعكاسي. ترجمة عبد الجليل الكور. الدار البيضاء: دار توبقال،.1997 بيات، آصف. الحياة سياسة: كيف يغيّر بسطاء الناس الشرق الأوسط. ترجمة أحمد زايد. القاهرة: المركز القومي للترجمة،.2014 تيلي، تشارلز. الحركات الاجتماعية 2004–1768. ترجمة ربيع وهبة. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،
الحكومة الإسرائيلية. "التمثيل المناسب لأفراد السكان العرب والدروز والشركس في الخدمة المدنية." https://tinyurl.com/yc5ruehc القرار رقم 2007/11/11.2579:في:. دكور، عازر. "قراءة أولية في تحولات نخب الداخل الفلسطيني". مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 109 (شتاء.)2017 دليل إسرائيل العام 2020. منير فخر الدين (محرر). بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2021 شارب، جين. المقاومة اللاعنفية: دراسات في النضال بوسائل اللاعنف. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1990 شحادة، إمطانس وحسام جريس. دولة رفاه المستوطنين: الاقتصاد السياسي للمستوطنات. رام الله: مدار،.2013 العزّة، علاء وليندا طبر. المقاومة الشعبية الفلسطينية تحت الاحتلال. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2014 عنبتاوي، خالد. الشباب الفلسطيني في الداخل: تحولات في واقع مركب. حيفا: جمعية بلدنا،.2021
مصطفى، مهند. "تحولات الخطاب الصهيوني حول المسجد الأقصى المبارك". جدل. العدد 33
العبرية
إندبلد، ميري. "تقرير مستويات العنف وعدم المساواة بالدخل للعام 2021". مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي. كانون الثاني/ يناير 2023:. في https://tinyurl.com/2uavr7j3 بروخ–كوفرفسكي، روت [وآخرون]. "تسرب لدى الطلاب في التعليم البدوي في النقب". معهد
بروكديل. 2022:. في https://tinyurl.com/23939958
بسوك، موطي وطالي حاروتي–سوبر. "الحكومة أقرت خطة الوسط العربي: تكلفة الخطة نحو 15 مليار شيكل". مكتب رئيس الحكومة. 2015/12/30:. في https://tinyurl.com/2s9c4e7y بين الأنا و"نحن": بناء الهويات والهوية الإسرائيلية. عزمي بشارة (محرر). تل أبيب: هكيبوتس همئوحاد،.1999 جروفي، روي. "لقد تقدّم القطاع العام في توظيف العرب، والآن جاء دور القطاع الخاص". ذي ماركير.
2016/7/10:. في https://shorturl.at/amABT
جوتوين، داني. "عن الفصل الكاذب بين الاحتلال والخصخصة". مجتمع – مجلة أكاديمية اشتراكية. العدد 55.)2013(حاج يحيى، نسرين [وآخرون]. الكتاب السنوي للمجتمع العربي في إسرائيل 2021. تل أبيب: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية،.2022 ________. وضع الرفاه في المجتمع العربي. تل أبيب: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية،.2021 حصري، وسيم. "التمثيل الملائم للمواطنين العرب في القطاع العام". جمعية سيكوي..2021 رون، عودد وبن فرجون ونسرين حاج يحيى. "تقرير المواطنين العرب في المدن المختلطة". المعهد الإسرائيلي للديمقراطية. تموز / يوليو 2022:. في https://tinyurl.com/2yd757t7 غانم، هنيدة. إعادة بناء الأمة: المثقفون الفلسطينيون في إسرائيل. القدس: ماجنيس،.2009 فايسبلاي، إيتي. "معطيات حول استحقاق البجروت في التعليم البدوي في النقب". مركز البحث والمعلومات في الكنيست. 2020/12/16:. في https://tinyurl.com/4v4uhs6p "في نقاش حول النواة التوراتية المدينية، عضو الكنيست أمنون كوهن يدعو الحكومة لتوسيع ميزانيات التأهيل الاجتماعي للمدن المختلطة". الكنيست. 2012/1/30:. في https://shorturl.at/fsCG0
فيلك، داني. الشعبوية والهيمنة في إسرائيل. تل أبيب: ريسلينج،.2006 ليف، يؤاف [وآخرون]. "الخطة لتمكين السلطات المحلية البدوية في إطار خطة التطوير الاقتصادي الاجتماعي للمجتمع البدوي في النقب، 2021–2017 ". معهد بروكديل. تموز / يوليو. 2021
2023/8/15:. في https://tinyurl.com/4jcvrpr6
ملف "عرب إسرائيل– خطوط عريضة للسياسات رقم أ 9/4248". أرشيف الدولة الإسرائيلية. مندلكيرن، رونين. "ملخّص وتعليق: نشوء النيوليبرالية في إسرائيل". مولاد (2015). في:
https://tinyurl.com/mpzpffb8
نتازون، روت [وآخرون]. "توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول إسرائيل وتطبيقها". مؤسسة فريدريش إيبرت. كانون الأول/ ديسمبر 2011:. في https://shorturl.at/vzFV5 النيابة العامة الإسرائيلية. وزارة العدل. "أحداث حارس الجدران: ملخص عمل النيابة خلال أحداث https://tinyurl.com/4tvadc4p حارس الأسوار 2022/5/19."''في:. ________. "أحداث حارس الأسوار: ملخّص عمل النيابة أثناء أحداث حارس الأسوار". أيار/ مايو
2022:. في https://tinyurl.com/4tvadc4p
هومنهيمر، أفيعاد. "الصهيونية الدينية: من المساواة والعدالة الاجتماعية إلى الرأسمالية المتطورة." نئماني تورا فعافودا. كانون الثاني/ يناير 2017:. في https://tinyurl.com/4jum6a2x هيران، دافنا ويونتان إيال. "ملخص أبحاث الخطط الخمسية للتطوير الاقتصادي – الاجتماعي للمجتمع البدوي في النقب في السنوات 2021–2017". معهد بروكديل.:2021. في
https://tinyurl.com/67kwen2f
وزارة الاقتصاد والصناعة. "الدعم والمنح: الحصول على المساعدة لإدماج المتدربين من السكان العرب في الصناعات الغنية بالمعرفة." 2023/7/16:. في https://tinyurl.com/mrmaa8ph وزارة الصحة. "القوى البشرية في المواضيع الطبية للعام."2020:2021. في
https://tinyurl.com/4nvbr5tn
وزارة العمل. سوق العمل في إسرائيل 2022. إصدار رقمي. 2023:. في
https:// tinyurl. com /4 sh 4822 m
الأجنبية
Awad, Mubarak & Paul Hubers. "Nonviolence in The Intifada: Long–Term Costs and Values." Peace Research. vol. 25, no. 3 (1993).
Bhabha, Homi K. Locations of Culture: Discussing Post–Colonial Culture. London: Routledge, 1996. Bokman, Johanna. Markets in the Name of Socialism: The Left–Wing Origins of Neoliberalism. Stanford: Stanford University Press, 2011. Gennep, Arnold Van. The Rites of Passage. Chicago: University of Chicago Press, 1961. Giddens, Anthony. Sociology. 6 th ed. Cambridge: Polity Press, 2009. Harvey, David. A Brief History of Neoliberalism. Oxford: Oxford University Press,
Kivisto, Peter. "Contemporary Social Movements in Advanced Industrial Societies and Sociological Intervention: An Appraisal of Alain Touraine’s 'Pratique'." Acta Sociologica. vol. 27, no. 4 (1984). Ortiz, Isabel et al. World Protests: A Study of Key Protest Issues in the 21 st Century. Cham: Palgrave Macmillan, 2022. Sharp, Gene. "The Intifadah and Nonviolent Struggle." Journal of Palestine Studies. vol. 19, no. 1 (1989). Sills, David (ed.). International Encyclopedia of the Social Sciences. New York: Macmillan, 1968. Simmel, George. On Individuality and Social Forms. Donald N. Levine (ed.). Chicago: University of Chicago Press, 1971. The Age of Perplexity: Rethinking the World We Knew. Barcelona: Penguin, 2018. The Proceeding of the American Ethnological Society (1964). Thomassen, Bjørn. Liminality and the Modern Living Through the In–Between. Oxfordshire: Routledge, 2014. Touraine, Alain. The Voice and the Eye: An Analysis of Social Movements. Cambridge: Cambridge University Press, 1981. ________. La voix et le regard. Paris: Seuil, 1978.