العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التحكم الحيوي في أجساد زوجات المعتقلين السياسيين الفلسطينيين وأمومتهن

التحكم الحيوي في أجساد زوجات المعتقلين السياسيين الفلسطينيين وأمومتهن

The Biopolitical Control of the Bodies and Motherhood of Palestinian Wives of Political Detainees

* Ferdoos Abed Rabo Al–Issa فردوس عبد ربه العيسى|

الملخّص

تتناول الدراسة تجارب النساء الفلسطينيات من زوجات المعتقلين، الحوامل اللواتي أُجبرن على إكمال الحمل والولادة أثناء تغييب الزوج القسري في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، في ظل استعمار استيطاني يمارس السياسات الحيوية للسيطرة والتحكم في أجسادهن ويعيد تشكيل أمومتهن. وتبين الدراسة أن السياسات الحيوية تمارس على أجساد النساء وحياتهن الجنسية، وتحدّ من نسلهن وتتحكم في خطط الإنجاب، والمخاض وحليب الأم وغرز العمليات القيصرية، وتعيد تشكيل أمومتهن، وتعزز العنف المجتمعي ضدهن، وفي المقابل تفضي إلى استراتيجيات صمود فريدة.

Abstract

Abstract: This study documents the experiences of the wives of Palestinians detained in Israeli prisons, who have to undergo their pregnancy and labour while subject to the forced absence of their detained husbands. They live under the rule of a settler–colonial system that practices biopolitical control over their bodies and maternal functions, in addition to a patriarchal system that further oppresses and marginalizes them. The study also highlights the strategies that these women employ to maintain their resilience (Sumud). It finds that biopolitical power methods have been practiced against these womenʼs bodies to control their sexual, reproductive functions and lives including labour, nursing, fertility, and reproductive decision making, going so far as caesarean section stitching. To counter these policies, the women have employed unique strategies of Sumud.

الكلمات المفتاحية:
  • السياسات الحيوية
  • الاعتقال
  • الاستعمار الاستيطاني
  • الأمومة
  • الصمود
Keywords:
  • Biopolitics
  • Detention
  • Settler Colonialism
  • Motherhood
  • Sumud

The Biopolitical Control of the Bodies and

Motherhood of Palestinian Wives of Political

Detainees

ملخص: تتناول الدراسة تجارب النساء الفلسطينيات من زوجات المعتقلين، الحوامل اللواتي

أُجبرن على إكمال الحمل والولادة أثناء تغييب الزوج القسري في السجون والمعتقلات

الإسرائيلية، في ظل استعمار استيطاني يمارس السياسات الحيوية للسيطرة والتحكم في

أجسادهن ويعيد تشكيل أمومتهن. وتبين الدراسة أن السياسات الحيوية تمارس على أجساد

النساء وحياتهن الجنسية، وتحدّ من نسلهن وتتحكم في خطط الإنجاب، والمخاض وحليب

الأم وغرز العمليات القيصرية، وتعيد تشكيل أمومتهن، وتعزز العنف المجتمعي ضدهن،

وفي المقابل تفضي إلى استراتيجيات صمود فريدة.

Abstract: This study documents the experiences of the wives of Palestinians detained in Israeli prisons, who have to undergo their pregnancy and labour while subject to the forced absence of their detained husbands. They live under the rule of a settler–colonial system that practices biopolitical control over their bodies and maternal functions, in addition to a patriarchal system that further oppresses and marginalizes them. The study also highlights the strategies that these women employ to maintain their resilience (Sumud). It finds that biopolitical power methods have been practiced against these womenʼs bodies to control their sexual, reproductive functions and lives including labour, nursing, fertility, and reproductive decision making, going so far as caesarean section stitching. To counter these policies, the women have employed unique strategies of Sumud.

Assistant Professor in the Social Work Program at the Doha Institute for Graduate Studies. Email: ferdoos.alissa@dohainstitute.edu.qa

مقدمة

تصفُ آمال معاناتها من فقد طفلتيها (لمى وسنا) اللتين وُلدتا في الشهر السادس من الحمل،

بعد اعتقال زوجها، وما تعرضت له من ضغوطات غيرت حياتها وآمالها وخططها بشأن الأمومة. أنجبت آمال ابنتها الثالثة أيضًا أثناء اعتقال زوجها، ولم تتمكن من زيارته في المعتقل، إلا بعد خمسة أشهر من الولادة، وهو لا يزال معتقلً أثناء إجراء هذه المقابلة. آمال ليست المرأة الوحيدة، بل تُمثل واقعًا تعيشه النساء الفلسطينيات، زوجات المعتقلين السياسيين، اللواتي يصعب تحديد أعدادهن، خصوصًا من أجبرن على إكمال الحمل والولادة أثناء تغييب الزوج في المعتقل. ولتقريب

الصورة للقارئ حول ما يمكن أن تكون عليه أعداد هؤلاء النساء، نذكر أن عدد المعتقلين في السجون الإسرائيلية منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 قد بلغ قرابة مليون معتقل/ة، وفي عام 2022 وحده بلغ عدد المعتقلين/ ات سبعة آلاف. ما تصفه آمال، هو ما تجادل حوله الدراسة، فزوجات المعتقلين السياسيين يعشن معاناة يفرضها عليهن القهر والاضطهاد، ذلك أن السلطة الاستعمارية تتحكم في أجساد النساء الفلسطينيات وإنجابهن عبر العديد من السياسات الحيوية؛ إذ يُجبَرن على الولادة وهن مقيدات بسرير الولادة، ويُعزلن

(((آمال، مقابلة عبر الإنترنت، رام الله،.2022/11/29 (((دولة فلسطين، الجهاز المركزي ل حإإصاء الفلسطيني، "د. عوض، رئيسة الإحصاء الفلسطيني، تستعرض أوضاع الشعب الفلسطيني من خلال الأرقام والحقائق الإحصائية في الذكرى الثانية والسبعين لنكبة فلسطين"، 2023/5/13، شوهد في 2023/7/1،

في: https://bit.ly/3QA6dUc

((("تقرير حصاد عام 2022 صادر عن مؤسسات الأسرى خ لاا عام 2022 لاا اعتقل: الاحت 7000 فلسطينيّ"، مؤسسة الضمير

لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، 2023/1/1، شوهد في 2023/4/1، في: https://bit.ly/3QBsaCl

(4) Shatha Ahmad, "'Alone and Handcuffed': Palestinian Mother Fears Giving Birth inside Israeli Prison," Middle East

"لمى وسنا بناتي التوأم كانت ولادتهن في الشهر السادس بعد ما اعتقلوا زوجي، توفت لمى بعد 3 أيام، أمّا سنا فكانت في الحاضنة

في المستشفى. كل يوم كنت أروح عليها وأقعد وأخرّف أنا وإياها،

كل يوم كنت أحكي، في يوم من الأيام راح أروح أنا وإياها على البيت. بجوز لو ما كنتش أروح عليها كل يوم، ولو إنها ماتت بسرعة زي أختها، بجوز كان الوضع غير. بس أنا تعلقت فيها كثير وكبرت، وصارت تتطلع عليّ لمّا ألف؛ لمّا أروح؛ لمّا أجي؛ وين ما أمشي في

الحاضنة تتطلع. أغلب الأوقات بدلّع بنتي نور [اسم مستعار]، بناديها 'سمسومة'؛ سنا ماما. بدون قصد، جوزي بحكي لي خلص إنسي. أنا ما بدّي أنسى، بدي أتناسى أمّا أنسى صعب، أكثر من مرة تراجعت

حالتها وكانوا يتصلوا عليّ من المستشفى: تعالي ودعيها، وبعدها

تتحسن. وهي في المستشفى، احتجت أعمل عملية مرارة. لمّا دخلت

على العملية، قلت لهم: إذا ماتت رجاءً ما اطّلعوها حتى أطلع من

العملية وأصحى؛ بدي أشوفها. بعد ما روّحت من المستشفى بيوم،

ماتت سنا بعد ما صار عمرها 7 شهور".

Eye , 27/8/2021, accessed on 1/4/2023, at: https://bit.ly/3QIZ7N8

عن محيطهن الاجتماعي ومصادر الدعم، وبعد الولادة يعاقبن هن وأطفالهن ب "سياسات الإماتة"، فيُحرمن من العلاج ويُتركن عرضةً للأمراض والموت. وفي خارج السجون، تمنع النساء من الوصول إلى المشافي للولادة، ففي الفترة 2005–2002 جبرت، أُ 69 امرأة على الولادة على الحواجز العسكرية؛ ما تسبب في استشهاد 35 جنينًا و 5 نساء. كما تُعاقب النساء المقدسيات فيغزو العنف الاستعماري حياتهن العامة، وبيوتهن، وأجسادهن. ناقشت نادرة شلهوب–كيفوركيان في دراستها أن السياسات الاستعمارية توطن الألم الأنثوي، وتنقش قوتها على أجساد النساء وحليب الأمهات، ودماء الفلسطينيين. عالجت دراسات عديدة موضوع الإنجاب، فقد طرح بعضها وجهات نظر تؤيد الدور الإنجابي للمرأة، وانتقد بعضها الآخر هذا الدور بوصفه يعزز تبعية المرأة ويحرمها من حقوقها، فقد جادلت روضة كناعنة بأن إنجاب الأطفال هو ردة فعل على السياسات الإسرائيلية القومية العنصرية التي تسعى للحد من تزايد أعداد الفلسطينيين، وليس قرارًا حرًا للمرأة، وفي اتجاه مماثل جادلت سانشيتا أغاروال بأن

المرأة الفلسطينية تُجبر على اتخاذ خيارات مؤيدة للإنجاب للتوافق مع التوجهات القومية الفلسطينية التي تنظم الأسرة. وبذلك فإن كناعنة وأغاروال تضعان التوجهات القومية الفلسطينية في مصاف السياسات الصهيونية الاستعمارية في تحكمها واستغلالها لجسد المرأة وتسيسه، وتضعان المرأة في موقع المجبرة التي لا حولَ لها، فهي تنجب لتنال القبول القومي وليس تعبيرًا عن رغبةٍ وإرادة، وهذا

الفهم لا يأخذ في الاعتبار تقاطع الهويات الجندرية والسياسية والاجتماعية، والسياق، وأولويات المرأة الفلسطينية واحتياجاتها. وفي المقابل، يستهدف الاستعمار أجساد زوجات المعتقلين ويتحكم في إنجابهن ويعزز تهميشهن، ومع ذلك فإنهن يتخذن لأنفسهن موقعًا مدافعًا عن قدرة أجسادهن على الإنتاج باعتبارها أداةً لمقاومة أنظمة الهيمنة.

((("الأحوال الصحية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وفي الجولان السوري المحتل"، جمعية الصحة العالمية السابعة والستون، منظمة الصحة العالمية، 2014/5/19، شوهد في 2023/4/1، في: https://bit.ly/45rueRw

(6) Sanchita Aggarwal, "Reproductive Justice in Occupied Palestine: Biopolitical Policies and Experience," E–international Relations , 6/11/2022, accessed on 29/6/2023, at: https://bit.ly/3scwoq8;

"في يوم الأسير الفلسطيني للعام 2023: نحو 4900 أسير/ ة في سجون الاحتلال"، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، 2023/4/15، شوهد في 2023/8/1، في: https://bit.ly/45gIIno ((("الأحوال الصحية في الأرض الفلسطينية المحتلة."

(8) Nadera Shalhoub–Kevorkian, "The Politics of Birth and the Intimacies of Violence against Palestinian Women in Occupied East Jerusalem," British Journal of Criminology , vol. 55, no. 6 (November 2015), pp. 1187–1206. (9) Nadera Shalhoub–Kevorkian, "Infiltrated Intimacies: The Case of Palestinian Returnees," Feminist Studies , vol. 42, no. 1 (2016), p. 191. (10) Gerda Neyer & Laura Bernardi, "Feminist Perspectives on Motherhood and Reproduction," Historical Social Research , vol. 36, no. 2 (2011), pp. 165–167. (11) Rhoda Ann Kanaaneh, Birthing the Nation: Strategies of Palestinian Women in Israel (Berkeley: University of California Press, 2002), p. 52. (12) Aggarwal, pp. 4–5.

تستند هذه الدراسة إلى 19 مقابلة مع نساء من الضفة الغربية ممن أجبرتهن السياسات الحيوية الاستعمارية على إكمال حملهن والولادة، أثناء تغييب الزوج قسريًا في السجون الاستعمارية الصهيونية. ولم يكن الوصول إليهنّ بالأمر السهل، لسببين: الأول، عدم توافر بيانات عن أعدادهن وتوزيعهن الجغرافي، أما الثاني، فيعود إلى خصوصية موضوع الدراسة وسياقه. وهو ما اضطرني إلى الاعتماد على معرفتي الشخصية ببعضهن للحصول على موافقتهن للمشاركة، ومكنني من الاستماع وإسماع أصواتهن وتجاربهن، مع عدم الاكتفاء بمجرد وصف تلك التجارب، بل أيضًا السعي لتفكيك عناصر الهيمنة والبنى الاجتماعية والسياسية والجندرية التي تهمشهن، واستكشاف السياسات الحيوية التي تتحكم في أجسادهن، والتعرف إلى استراتيجياتهن في الصمود، والكيفية التي يعدن بها تشكيل آمالهن بالأمومة، وتجعلهن يواجهن استهدافًا مضاعفًا من العنف المنهجي الاستعماري الذكوري والقمع الجندري المجتمعي. تهدف الدراسة إلى سد ثغرة في الأدبيات، فالدراسات النسوية والاجتماعية عن النساء الفلسطينيات تسلط الضوء في الغالب على النساء وحياتهن في ظل الاستعمار، وتولي اهتمامًا أقل للسلطة الحيوية التي تمارس على أجسادهن وحقهن في الإنجاب، خاصة زوجات المعتقلين؛ لذلك تعتمد الدراسة على مفهوم السياسات الحيوية لميشيل فوكو، ومفهوم التقاطعية، بوصفهما إطارًا مفهوميًا؛ فالتقاطعية

قادرة على تفكيك بنى التقاطعات والعوامل الجندرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتمكن من فهم ممارسات القهر والاضطهاد التي تتعرض لها النساء، وتحليل تداخل هذه العوامل وأثرها المتشابك في حياتهن وتجاربهن. فهؤلاء النساء يعشن في مجتمع يخضع لاستعمار استيطاني ذكوري؛ ما يخلق مناخًا مضاعفًا للقهر والاضطهاد. ومن خلال التقاطعية، تُسمع أصوات النساء المهمشات وتجاربهن، أداةً لتغيير البنى الاجتماعية والسياسية والجندرية وغيرها من أشكال التمييز والقهر. وتستند الدراسة إلى أدبيات حقوق الإنجاب Rights Reproduction، من خلال إلقاء نظرة معمقة على سلطة

الاستعمار على أجساد النساء الفلسطينيات من زوجات المعتقلين، وأمومتهن وحقهن في الإنجاب بعدالة، إضافة إلى مقاومتهن وصمودهن. ولتحقيق ذلك، تُقسم الدراسة إلى أربعة محاور: يتناول المحور الأول السياسات الحيوية الاستعمارية على أجساد النساء، وواقع المعتقلين السياسيين الفلسطينيين في السجن، ووجهات النظر حول حق الإنجاب، واستراتيجيات الصمود، ويُعنى المحور الثاني بالتقاطعية إطارًا مفاهيميًا، وفي المحور

الثالث تركيز على المنهجية، أما الرابع فيحوي النتائج ومناقشتها والخلاصة.

أولا: السياسات الحيوية الاستعمارية على أجساد النساء

تُمارس الأنظمة الاستعمارية السياسات الحيوية Biopolitics من إجراءات وتقنيات السيطرة والتحكم في الظواهر الحيوية للسكان، والعلاقات والمؤسسة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة وغيرهما. وتتنوع

(13) Michel Foucault, The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978–1979 (New York: Palgrave Macmillan, 2008), p. 336; Michel Foucault, Society Must be Defended: Lectures at the Collège de France, 1978–1979 (New York: Pan Book limited, 2003), pp. 243–246.

كيفية توظيف هذه السياسات، تبعًا للزمان والمكان وأهداف المُستعمِر؛ فكانت الإبادة الجماعية للهنود الحمر والتحكم في أرحام النساء باعتبارها مزارع ألغام، أداة المُستعمر الأبيض في أميركا. وفي جنوب أفريقيا منذ عام 1974، فرض المستعمِرون البيض برنامج تنظيم النسل للسيطرة الاجتماعية والسياسية وللحد من تزايد أعداد السكان من ذوي البشرة السوداء. وتتغير تلك السياسات أيضًا بما تقتضي مصلحة المُستعمِر؛ فقد اغتُصبت الفتيات والنساء الأميركيات من أصول أفريقية لإنتاج أجيال من العبيد لمنافع اقتصادية للسيد الأبيض. أما في إيرلندا، فقد شُرع العنف ضد النساء بما فيه العنف الجنسي، والإهمال الطبي والإقصاء من التعليم والعمل بسن قوانين عنصرية سَهلت ذلك. وتنوعت سياسات الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، وفق المرحلة الاستعمارية، وحالة موازين القوى العالمية، العربية والمحلية. فمنذ نكبة عام 1948، انتُهجت سياسة التطهير العرقي في حق الشعب الفلسطيني، وبعد احتلال بقية فلسطين عام 1967، اتجه الاستعمار نحو استغلال الأيدي العاملة ذات الأجور المتدنية، ومارس السياسات الحيوية التي تراقب السكان وحياتهم ومعيشتهم. وفي عام 2000، اتبع سياسات الإماتة Politics Necro، فزادت الاغتيالات والإعدامات الميدانية. ويشير هذا التنوع في سياسات الاستعمار إلى شكل مختلف من الاستعمار المعهود في أماكن وحقب أخرى حول العالم؛ فهو يجمع بين الضبط والسيطرة والتحكم والمحو والاستغلال الاقتصادي وإدارة السكان. ومن خلال توظيف مفهوم ميشيل فوكو للسياسات الحيوية، توضح الدراسة الكيفية التي يتحكم بها الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في حياة زوجات المعتقلين السياسيين في السجون الإسرائيلية وأجسادهن وأمومتهن؛ لكونهن الأكثر استهدافًا. وتجدر الإشارة إلى أن النساء الفلسطينيات عامة يتعرضن للاعتداءات والعنف والسيطرة الاستعمارية الصهيونية، خاصة اللواتي يعشن في المناطق التي تشهد احتكاكات ومواجهات مع الاحتلال، ويضاف إليهن نساء يُستهدفهن بصفة أكثر خصوصية وهن زوجات المعتقلين السياسيين. وقد أشارت ريتا جقمان وبيني جونسون إلى أن قمع الاستعمار والقمع

((1(منير العكش، أمريكا والإبادات الجنسية 400: سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض (بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2012)، ص.53

(15) Carol E. Kaufman, "Reproductive Control in Apartheid South Africa," Population Studies , vol. 54, no. 1 (March 2000), pp. 105–114. (16) Harriet Jacobs, Incidents in the Life of a Slave Girl , Lydia Maria Child (ed.) (Boston: Academic Affairs Library, UNC–CH University of North Carolina at Chapel Hill, 2003). (17) Bairbre de Brún, "Women and Imperialism in Ireland," Women’s Studies International Forum , vol. 11, no. 4 (1988), pp. 323–328.

((1(أشرف عثمان بدر، "الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بين البنية والصيرورة: محو وإزالة أم تحكم وسيطرة؟"، عمران، مج  10، العدد 39 (شتاء 2022)، ص.38–11 (((1 المرجع نفسه. (((2 المرجع نفسه.

الاجتماعي يتكاملان ضد هؤلاء النساء؛ فاعتقال الزوج يضع المرأة في مواجهة مع الاستعمار ومع الضغوط الاجتماعية؛ ما يعزز النظرة الدونية إليها، كما سنبين لاحقًا. ولإعطاء صورة أوضح عن الواقع الذي تعيشه زوجات المعتقلين، نستعرض بعضًا من واقع الاعتقال والمعتقلين.

1. واقع المعتقلين السياسيين الفلسطينيين في السجن

بلغ عدد من تعتقلهم إسرائيل 7 آلاف معتقل/ة في عام 2022، أما من اعتُقلنَ منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967 فقد بلغَ عددهن 13 ألف امرأة. وأثناء كتابة هذا المقال، لا يزال في المعتقلات 31 امرأة، و 160 طفلً أعمارهم أقل من 18 عامًا، إضافة إلى ألف معتقل إداري، ووصل عدد من

استشهدوا في المعتقل منذ عام 1967 إلى 236 شهيدًا، من بينهم 12 ما زالت جثثهم محتجزة في مقابر الأرقام. تتحكم في هؤلاء المعتقلين وعائلاتهم مئات القوانين العنصرية، كقانون الاعتقال الإداري، الذي بموجبه يُحتجز المعتقل من دون تهمة أو محاكمة، وبالاستناد إلى ملف سري لا يُفصَح عنه. وقد

أجيز عدم الإفصاح عن مواد الملف والتهمة بقرارٍ صادرٍ من المحكمة العليا الإسرائيلية؛ ماُ يشكل انتهاكًا لحق المعتقل في معرفة سبب اعتقاله وخرقًا للمادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي ينص على أنه "يجب إبلاغ كل شخص يُقبض عليه بأسباب القبض عليه لدى

وقوعه، ويجب إبلاغه على وجه السرعة بأية تهمة تُوجَّه إليه". وتنتهك إسرائيل الاتفاقيات الدولية،

بفرض عقوبات جماعية على المعتقل وأهله، كالمنع من الزيارة، وهدم البيت وغيرهما، ومنها اتفاقية جنيف التي تنص المادة 33 منها بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب لعام 1949 على أنه "لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصيًا. تُحظر العقوبات الجماعية وبالمثل

جميع تدابير التهديد أو الإرهاب".

(21) Rita Giacaman & Penny Johnson, "'Our Life is Prison': The Triple Captivity of Wives and Mothers of Palestinian Political Prisoners," Journal of Middle East Women’s Studies, vol. 9, no. 3 (Fall 2013), pp. 54–80.

(((2 "تقرير حصاد عام 2022 صادر عن مؤسسات الأسرى خلال عام."2022 (((2 "الأسيرات والمعتقلات: اعتقال النساء والفتيات الفلسطينيات"، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان (آذار/ مارس 2020)، شوهد في 2023/4/1، في: https://tinyurl.com/2rzd9y9c (((2 الاعتقال الإداري هو احتجاز يستند إلى قانون الطوارئ الانتدابي عام 1945، ومن دون تهمة أو محاكمة، ويستند إلى ملف سري لا يجري الإفصاح عنه من جانب المحاكم الإسرائيلية، ومدته مفتوحة، فأدناها ثلاثة أشهر وأقصاها ستة أشهر قابلة للتمديد من دون تحديد مدة انتهائها، وقد تصل إلى عدة سنوات. للمزيد، ينظر: "ورقة عن الاعتقال الإداري"، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان (نيسان/ أبريل 2020)، شوهد في 2023/8/7، في: https://bit.ly/3OwblpU (((2 مقابر الأرقام هي مدافن، مثبت فوق كل قبر فيها لوحة تحمل رقمًا وليس اسم الشهيد، ولكل رقم ملف خاص عن الشهيد

تحتفظ به الجهة الأمنية الإسرائيلية، إسرائيل تحتفظ بهذه الجثث لأسباب سياسية ولصفقات تبادل الأسرى، ولأغراض ابتزاز العائلات والفصائل الفلسطينية وكعقوبات جماعية لذوي المعتقلين وانتقامًا من الشهداء. ينظر: عبد الناصر فراونة، "سجون الأموات: تفاصيل

بشأن سرقة الاحت لاا لجثامين الشهداء"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2022/6/15، شوهد في:2023/5/20، في

https://bit.ly/3DXSezW

(((2 المرجع نفسه. (((2 "اتفاقية جنيف الرابعة، 1949"، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، شوهد في 2023/4/1، في: https://bit.ly/3OppTaM

وتتحكم إدارة مصلحة السجون في مواعيد زيارات الأهل وإجراءاتها، والتي تحدد بزيارة واحدة أو اثنتين في كل شهر، ومدتها لا تتجاوز 45 دقيقة. خلال الزيارة، يكون التواصل بين المرأة وزوجها عبر الهاتف ويفصلهما زجاج عازل لا يسمح بأي مستوى من الخصوصية، وتخضع الزيارة للمراقبة عبر كاميرات وأجهزة تنصت، ولرقابة المجندات والمجندين الذين يحرمون المرأة من الزيارة متى يرون ذلك مناسبًا، ووفق ما يسمونه "الضرورات الأمنية". وأثناء الزيارات، تتعرض العديد من النساء لاعتداءات

جنسية؛ سواء لفظية، أو ملامسة أجسادهن، أو إجبارهن على التعري بحجج التفتيش الأمني، وقد تُعاقب النساء فيُحرمن من تصاريح الزيارة ولفترات تصل إلى عدة أشهر وأحيانًا سنوات. نستند إلى فوكو، لتوضيح ما تعانيه زوجات المعتقلين من جراء السياسات الحيوية التي تفرض سلطتها على البيولوجيا وتراقب الأجساد الفردية والجماعية. فالسلطة تُمارس على الإنسان فتتحكم في ميلاده، ومرضه، وإنتاجيته، وعلى كونه عضوًا في جماعة، فتصبح سلوكياته الفردية بما فيها الجنسية، قضايا سياسية وأمنية. فالاستعمار الاستيطاني يمارس السيطرة على المرأة (الفرد) زوجة المعتقل، لكونها أيضًا جزءًا من (جماعة/) السكان/ الشعب الفلسطيني، فيعتبر جسدها قنبلة موقوتة يجب تعطيلها، ومراقبتها، ومعاقبتها، ويمنعها من الاتصال الجنسي مع زوجها، بما يُعرف "بالخلوة الشرعية"، طوال فترة اعتقاله التي قد تصل إلى مدى الحياة. وفي هذا الخصوص، قال وليد دقة للقاضي الإسرائيلي أثناء جلسة المحكمة التي تقدم فيها بطلب "الخلوة الشرعية" مع زوجته، حيث توجد في السجن غرفة تسمى "غرفة الحب" وبالعبرية "حيدر أهافا"، قال: "المرأة الفلسطينية يا سيادة القاضي تنجب أطف لً تمامًا كالمرأة اليهودية، لم يحدث حتى الآن أن أنجبت امرأة عربية عبوة ناسفة"، ولكن قوبل طلبه بالرفض. وفي الوقت الذي يُمنع المعتقل الفلسطيني من الحب، يُسمح لقتلة الفلسطينيين من المساجين الجنائيين اليهود أمثال عامي بوبير بالزواج والإنجاب، ويقضون معظم أوقاتهم خارج السجن، ويتلقون معونات مادية وتأمينات صحية. يقود ما سبق طرحه، حول سياسات التحكم

(28) Ferdoos Abed–Rabo Al Issa & Elizabeth Beck, "Sexual Violence as a War Weapon in Conflict Zones: Palestinian Women’s Experience Visiting Loved Ones in Prison and Jails," Affilia Journal of Women and Social Work , vol. 36, no. 2 (December 2020). (29) Foucault, The Birth of Biopolitics , p. 243.

(((3 وليد دقة هو أحد القادة البارزين في الحركة الأسيرة، من مدينة باقة الغربية في الداخل المحتل عام 1948، اعتقل عام 1986 بتهمة انتسابه إلى خلية مقاومة عسكرية هدفها تحرير أسرى فلسطينيين، حُكم عليه بالسجن 37 عامًا، وفي عام 2018، أصدرت

المحكمة المركزية قرار إضافة سنتين، بادّعاء تهريب هواتف نقالة للمعتقلين. ينظر: عبد الناصر فراونة، "من هو الأسير وليد دقة؟"،

مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2023/4/20، شوهد في 2023/4/20، في: https://bit.ly/3EclVhb (((3  نبيه عواضة، "وليد دقة.. قل للموت لا"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2023/4/14، شوهد في:2023/8/7، في

https://bit.ly/3Kykw7R

(((3 عامي بوبير هو إرهابي إسرائيلي قتل 7 فلسطينيين وجرح 12 آخرين، وحُكِم بالمؤبد سبع مرات، ولكن سُمح له أن يتزوج

3 مرات وهو داخل السجن ولديه 6 أطفال، ويعيش معظم وقته خارج السجن، ويتلقى ث ثااة رواتب شهرية منتظمة من الشؤون، والتأمين، ومن جمعية تدعى "حونينو". ينظر: "وثيقة صادرة عن دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية رام الله، 2018/3/8"، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، شوهد في 2023/4/1، في: https://bit.ly/3KEVdBb (((3 المرجع نفسه، ص.13

والسيطرة على حياة النساء، إلى التساؤل: كيف تتخذ النساء الفلسطينيات ومنهن زوجات المعتقلين قرار الإنجاب تحت هذا القمع؟

2. وجهات نظر حول حق الإنجاب

تدافع بعض التوجهات النسوية الغربية، التي تطرح خطاب تحرير المرأة من الهيمنة الذكورية، عن حقها في عدم الإنجاب، باعتبار الدور الإنجابي دورًا تقليديًا يعزز تبعية المرأة وعدم مساواتها، وترى

أن مؤسسة الأمومة تقوم على أُسسٍ بطريركيةٍ ذكورية تهمش المرأة. ويشكل هذا الطرح أولويات بعض النساء الغربيات ذوات الامتيازات، ولكنه قد يعكس عجزًا عن فهم واقع بعض النساء وأولوياتهن وحيواتهن في ظل أنظمة الهيمنة والاستعمار، وكيفية اتخاذهن قرارات الإنجاب، وهو الأمر الذي قد يقود إلى تعزيز الممارسة الذكورية الاستعمارية، بدعوى تحرير النساء من قمع مجتمعاتهن الذكورية واستعبادها، وتكريس تهميش المرأة وإفقارها كما في أفغانستان. وتتجلى هذه الفوقية والامتيازات الطبقية والعرقية لدى بعض النسويات بتجاهلها للقهر الاستعماري الصهيوني للنساء الفلسطينيات، والتمييز والعنصرية وما تنتجه من اللاعدالة السياسية، والاجتماعية، والجندرية، حيث السياسات الحيوية الاستعمارية تتحكم في أجسادهن وقرارات حملهن وولادتهن؛ ما يجعل الإنجاب في هذا الواقع غير عادل، تأكيدًا لقوة المرأة وقيمة جسدها، وتحديًا لهياكل الهيمنة نحو الانفكاك من نظام استعماري استيطاني إحلالي. فهذا الواقع غير العادل من المفترض أن لا يجري تجاهله عالميًا ونسويًا، ولا يفترض تجاهل أو إنكار تحكم الاستعمار في حياة المرأة وموتها وحياتها

الجنسية وأُمومتها ومعاقبتها على قدرة جسدها على الإنتاج. ومن هنا، قد يكون قرار الإنجاب بالنسبة إلى النساء بمنزلة رفضٍ للتحكم في أجسادهن وشعبهن الذي يعمل الاستعمار على محوه، وأحد تمثلات هذا الرفض الإنجاب عبر النطف المهربة، الذي سنأتي عليه لاحقًا. وهناك أطروحات أخرى جادلت بأن المرأة الفلسطينية لا تتخذ قرارًا حرًا بالإنجاب، وإنما هو فرض

بطريركي ذكوري كما تجادل أغاروال، وأن الإنجاب نتاج للأيديولوجيا الفلسطينية والتوجهات القومية الفلسطينية التي تتحكم فيه، وتعتبر جسد المرأة ملكًا للأمة ومصنعًا للأجيال، فالمرأة تنجب للأمة وإلا اعتبرت خارجها. وفي الاتجاه نفسه، تجادل كناعنة التي تشير إلى الاستعمال السياسي لجسد المرأة، فالقوى القومية الفلسطينية تتحكم في الإنجاب وعدده وجنسه وتفضل المواليد الذكور، فدور النساء هو إنجاب "رجال للأمة"، فهم "العمود الفقري للأمة والذين سيقفون أمام

((3(حنين الغبرا، النساء المسلمات في مواجهة الأنوثية البيضاء: التماهي والمقاومة، ترجمة عبد  الله بياري (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.)2021 ((3(مها إبراهيم، "حين تحول جسد 'حارسة البقاء الفلسطيني' إلى رمزٍ للاختراق الاستعماري الإسرائيلي"، جدلية، 2017/12/23،

شوهد في 2023/4/1، في: https://bit.ly/3qkXvyF (36) Aggarwal, pp. 4–5. (37) Kanaaneh, p. 179. (38) Ibid., p. 55.

الاستعمار"، وجسد المرأة وإنجابها ملك للأمة وهي "أم الأمة"، وتضيف أن الدعوة إلى إنجاب عدد كبير من الأطفال هو ردة فعل على السياسات الإسرائيلية القومية العنصرية التي تسعى للحد من تزايد أعداد الفلسطينيين، وليس قرارًا مستقلً تأخذه المرأة، وتفرض التوجهات القومية على المرأة

الإنجاب من رجل من الأمة لتنجب فلسطينيًا بدماءٍ عربية. بالنظر إلى الكيفية التي تُطرح بها عدالة الإنجاب السابقة، فهي تُخرجها من سياقها، وتساوي بين قوى القمع والاضطهاد الإسرائيلية الاستعمارية الاستيطانية العنصرية والقومية الفلسطينية الوطنية التحررية التي تواجه القمع والاضطهاد، في كونهما وعلى حد سواء تُسيسان جسد المرأة وتستغلانه، وتجبرانها على الإنجاب القومي، والزواج القومي، وسواء بقصد أو من دونه، فهي تُقدم المرأة الفلسطينية مسلوبة الإرادة، ومطيعة، وممتثلة لتلك القوى وللقيام بالدور الإنجابي كما حُدد لها، وبذلك يُنتقص من قدرتها واقتدارها وحرية اختياراتها. وبالطبع لا يمكننا تجاهل قدرة قوى القمع والقهر على إنتاج نساء مطواعات، ولكن لا يفترض التعميم بأن النساء الفلسطينيات ينجبن أطفالهن ويصبحن أمهات امتث لً لما تفرضه القوى القومية الفلسطينية أو قوى الاستعمار الصهيونية. تتجاهل بعض الأدبيات أن العنف واللامساواة الجندرية هما نتاج هياكل أكثر تعقيدًا خاصة في الحالة الاستعمارية؛ حيث الاستعمار ينتج العنف الجندري الذي يقود إلى الاضطهاد والإقصاء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فالاستعمار، من حيث هو صيرورة، يمتلك قوةً قادرةً على إنتاج عنف جندري ينقل عبر الأجيال، ويخلق ديناميات اجتماعية ونفسية وتاريخية تعكس علاقات هيمنة داخل مجتمعات السكان الأصلانيين. فالقضية النسوية هي سياسية، على الرغم من محاولات الترويج لها على أنها قضية تمييز وإقصاء اجتماعي محض، فقتل النساء وتعذيبهن، والاعتداء الجنسي عليهن، هي ممارسات استعمارية لفرض السيطرة على أجسادهن، وفي الوقت نفسه إجبارهن على الصمت

(39) Ibid., p. 56. (40) Ibid. (41) Ibid., p. 61. (42) Loura Browm et al., "High–Risk Contexts for Violence against Women: Using Latent Class Analysis to Understand Structural and Contextual Drivers of Intimate Partner Violence at the National Level," Journal of Interpersonal Violence , vol. 38, no. 1–2 (Winter 2023), pp. 1007–1010. (43) Patrik Wolf, "Settler Colonialism and the Elimination of the Native," Journal of Genocide Research , vol. 8, no. 4 (Winter 2006), p. 2. (44) Sylvia Terzian, "Surviving My Mother’s Legacy Patriarchy, Colonialism, and Domestic Violence in Lee Maracle’s Daughters are Forever," Journal of the Association for Research on Mothering , vol. 10, no. 2 (Winter 2008), pp. 147–

(45) Nadera Shalhoub–Kevorkian et al., "Feminist Except for Palestine: Where are Feminist Social Workers on Palestinian?" Affilia Journal of Women and Social Work , vol. 37, no. 2 (Winter 2022), pp. 204–214.

((4(سهاد ظاهر–ناشف ونادرة شلهوب–كيفوركيان، "الرغبات الجنسية في آلة الاستعمار الإسرائيلية الاستيطانية"، مجلة الدراسات

الفلسطينية، مج  104 (خريف 2015)، ص.147–131

بالتخويف من الوصمة والإقصاء الاجتماعي. وقد بيّنت الدراسات ما تسببت فيه تلك الممارسات

الاستعمارية من معاناة لدى العديد من النساء الفلسطينيات، وما أحدثته من آثار نفسية كاضطرابات النوم، والقلق، والتوتر، والحزن، وتوتر العلاقات الأسرية، وتغير الديناميات الأسرية، وعلى الرغم من المعاناة فإن غالبيتهن قد تميزن بقدرتهن على المقاومة والصمود.

3. استراتيجيات الصمود

يقاوم الفلسطينيون عامة سياسات المحو والتطهير العرقي وادعاءات أن فلسطين "أرض بلا  شعب." واضطلعت النساء بدور متميز في المقاومة والصمود، والصمود وفق لينا ميعاري "فعل نفسي يقوم على التحدي وتوكيد الذات، وهو ذو قيمة سياسية، واجتماعية، ونفسية، وهو ارتباطٌ صحي بين ذات الفرد ومحيطه الاجتماعي". وقد شكل الإنجاب عن طريق النطف المهربة صمودًا، عمّقت فيه النساء متلازمة الرعب الصهيوني

من الجسد الفلسطيني. وكأي فعل مقاوم، تعرض للقمع، وفُرضت العقوبات على النساء وأزواجهن ومواليدهن، واستغلت الدعاية الصهيونية عقلية المجتمع الذكورية للتشكيك في شرعية الأطفال وأخلاقيات الأمهات، وعوقب الأزواج بالعزل الانفرادي، والأطفال برفض الاعتراف بوجودهم، فحرموا من الحصول على الوثائق الرسمية. بناء على ما تقدم، تمارس السلطة الاستعمارية سياسات حيوية تتحكم في أجساد زوجات المعتقلين السياسيين وإنجابهن. ويتداخل القمع الاستعماري بالقمع الجندري المجتمعي فيعززه ويزيد من تهميشهن. وعلى الرغم من هذه المعاناة وما تتركه من آثار، فإن النساء رفضن وقاومن وطورن استراتيجيات صمود، شكلت أدوات انفكاك من التحكم الاستعماري في أجسادهن؛ فانتزعن حقهن في الأمومة في ظروف غير عادلة تسعى لسلب الأمومة.

ثانيًا: التقاطعية إطارًا مفاهيميًا

تعتمد هذه الدراسة على التقاطعية Intersectionality إطارًا مفهوميًا؛ لكونها تُمكّن من تحليل

التقاطع بين العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية المختلفة، وكيفية تفاعل هذه

(((4 هديل بدارنة، "ما  وراء قضبان الأسر الإسرائيلي: بين 'الجنسي' و'السياسي'"، جدل، العدد  24 (تشرين الأول/ أكتوبر 2015)، ص.5–1

(48) Al Issa & Beck, pp. 9–10. (49) Shalhoub–Kvorkian et al., p. 5.

(((5 النطف المهربة هي طريقة للإنجاب مارسها المعتقلون السياسيون وزوجاتهم منذ عام 2012. وقد وصل عدد الأطفال الذين ولدوا عبر النطف المهربة في عام 2021 إلى 99 طفلً. ينظر: عبد الناصر فراونة، "النُطف المُحرَّرة كفعل مقاوم"، مؤسسة الدراسات

الفلسطينية، 2021/10/11، شوهد في 2023/4/1، في: https://bit.ly/3YynGOJ ((5(هنيدة غانم، "السياسة الحيوية ل سااتعمار الاستيطاني: إنتاج المقدسيين كمارقين"، قضايا إسرائيلية، مج  12، العدد 47 /(أيلول سبتمبر 2012)، ص.10

(52) Kimberle Crenshaw, "Mapping the Margins: Intersectionality, Identity Politics, and Violence Against Women of Color," Stanford Law Review , vol. 43, no. 6 (July 1991), pp. 1241–1299.

العوامل معًا لتؤثر في حياة النساء وأمومتهن، خصوصًا اللواتي يعشن في مجتمعات ذكورية تخضع لأنظمة اضطهاد استعمارية ذكورية. وقد صاغت كمبيرلي كرنشو – وهي ناشطة نسوية وحقوقية أميركية من أصول أفريقية – مفهوم التقاطعية إطارًا لتوضيح تقاطعات العرق بالنوع الاجتماعي وتحليلها، وكيفية تداخلهما ليشكلا العنف السياسي والهيكلي ضد النساء ذوات البشرة الملونة. وجادلت كرنشو بأن العنف لا ينتج من مصدر منفرد بعينه، بل هو نتاج هياكل وتقاطعات متعددة جندرية وعرقية واقتصادية وغيرها. وقد انطلقت علياء علي في دراستها مما طرحته كرنشو، مشيرةً إلى أن التمييز المركب الذي تعانيه النساء لا يمكن أن يُفهم من خلال المقاربات الأحادية؛ فهذه الاختزالية تبقي على التمييز وعوامله المتعددة غير مرئية؛ ما يزيد من تهميشهن. وشكلت هذه المفاهيم التقاطعية التوجهات التي استندت إليها في تحليل تقاطع عوامل التمييز، وتقاطع الهويات الاجتماعية والسياسية والدينية والقانونية والأيديولوجية في مرحلتي ما قبل الثورة السورية في عام 2011 وما رافقها من نزاعات مسلحة وعنف ضد النساء، وفي مرحلة ما بعد الثورة، وتسبب تلك العوامل المتداخلة في أشكال جديدة من العنف المركب والتمييز ضد النساء السوريات اللاجئات في ألمانيا. كما جادلت نور أبو عصب ونوف ناصر الدين، استنادًا إلى التقاطعية، بأنه لا يكفي وصف تجارب النساء وحياتهن، بل يجب تفكيك عناصر الهيمنة التي تؤدي إلى تباين التجارب والتوزيع غير العادل للثروات. واعتمدت سهاد ظاهر–ناشف وعرين هواري أيضًا على مفاهيم التقاطعية لتوضيح تقاطعات القوى السياسية والاجتماعية والجندرية، والحالة الاقتصادية، والسن وعدد الأبناء، ودعم العائلة الأصلية والزوج وعائلته، وغيرها، والتي تجعل النساء في الضفة الغربية، اللواتي تزوجن داخل الخط الأخضر ولم يحصلن على تصاريح إقامة، يعشن في وضع هش وحياة مليئة بالمخاطر. واستعانت حنين الغبرا أيضًا بمفاهيم النسوية التقاطعية لتحليل تماهي بعض النساء المسلمات مع الخطاب الذكوري الاستعماري، وجادلت بأن فهم واقع المرأة واحتياجاتها يستدعي فهم تقاطعات هوياتها الطبقية، والعرقية، والجنسانية، والتعليم وغيرها، وفهم السياق الذي تعيش فيه؛ فتقاطعات كل امرأة تختلف عن الأخرى، وامتيازاتها تتغير تبعًا لتغير السياق. وبهذا يتبيّن وجود تقاطع بين العوامل الجندرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعوامل أخرى

كالدعم الاجتماعي، وعدد مرات اعتقال الزوج ومدة الاعتقال، وتجارب الأمومة السابقة، وظروف

(53) Ibid.

((5(علياء أحمد، "النسوية التقاطعية: معناها، تطبيقاتها، نقدها وإمكان استخدامها في السياق السوري"، قلمون: المجلة السورية

للعلوم الاجتماعية، العدد  16 (تموز/ يوليو.)2021 (((5 نور أبو عصب [وآخرون]، "إعادة مركزة فلسطين في النظرية النسوية المناهضة للاستعمار، مناهضة استعمار المعرفة عن

الجندر والجنسانية: محاولة نقدية"، كحل: مجلة لأبحاث الجسد والجندر، مج  5، العدد 1 (ربيع.)2019 (((5 ظاهر–ناشف وشلهوب–كيفوركيان، ص.147–131 (((5 الغبرا.

الاعتقال وما يرافقها من مطاردة واقتحام المنزل وهدمه والإضراب عن الطعام وغيرها من العوامل؛ ما يجعل حياة زوجات المعتقلين السياسيين الفلسطينيين اللواتي أجبرن على إكمال الحمل والولادة أكثر هشاشة.

ثالثًا: المنهجية

انطلقت هذه الدراسة من الإيمان بأن إسماع أصوات النساء وتجاربهن، بلغتهن وكلماتهن، أداة رفض ومقاومة للتهميش والاضطهاد، ومنها تجارب زوجات المعتقلين السياسيين من اللواتي أجبرن على إكمال الحمل والولادة، أثناء تغييب الزوج القسري وما يواجهنه من استهداف، ومن كوني جزءًا من

مجتمع هؤلاء النساء، وعلى معرفة مباشرة بتلك التجارب وما تنتجه من معاناة من جهة، وما تخلقه من أدوات صمود من جهة أخرى. اعتمدت في هذه الدراسة على المنهج الكيفي الظاهراتي Phenomenology، واتبعت طريقة العينة القصدية؛ ذلك أنه لا تتوافر إحصائيات ولا معلومات عن أعداد هؤلاء النساء أو أماكن سكنهن. وقد شكلت المعرفة الشخصية، ومتابعة التقارير الصحافية والحقوقية عن تعرض امرأة لعنف استعماري مباشر، أو اعتداء جسدي على امرأة حامل أثناء اقتحام بيتها أو أثناء تنقلها عبر أحد الحواجز العسكرية الإسرائيلية، إضافة إلى المعارف والصلات الاجتماعية، أدوات الوصول إلى المشاركات. ولضمان مشاركتهن ولحساسية الموضوع، زودتهن بمعلومات عني بصفتي باحثة، ودوافعي لإجراء الدراسة؛ وهو ما سهل بناء الثقة وجعلهن أكثر استعدادًا لمشاركة تجاربهن. أما النساء من مناطق الخليل وشمال الضفة الغربية، فقد اعتمدت على التواصل مع معارف موثوقين بالنسبة إليهن وعلى دراية بالتجربة التي مررن بها، فأجروا الاتصال الأولي للتعريف بي وبغايتي من الدراسة. إضافة إلى ذلك اعتمدتُ معايير أخرى؛ مثل أن تكون المرأة ممن أكملن فترة الحمل والولادة أثناء اعتقال الزوج، سواءً لمرة واحدة أو

أكثر، وأن تكون من سكان الضفة الغربية عدا القدس الشرقية لاعتبارات تتعلق بالقوانين المعمول بها ولخصوصية وضع المدينة، وأن تكون من الفئة العمرية بين 18 و.60 عامًا واعتمدت المقابلة شبة المقننة Interview structured – Semi أداةً، واكتفيت بإجراء 19 مقابلة، أجريت 5 منها في منازل النساء بناء على رغبتهن، و 14 عبر الإنترنت. وأثناء المقابلة، عرفت بنفسي، وبأهداف الدراسة وطبيعة الأسئلة، وتطلب الأمر الاتصال أكثر من مرة تبعًا لظروف النساء، فبعضهن لا يناسبهن إجراء المقابلة إلا في يوم الإجازة، وبعضهن يفضلن إجراءَها في وقت متأخر بعد إنهاء العمل داخل

البيت وخارجه، وقد تأجل إجراء بعض المقابلات أكثر من مرة لاعتبارات متعلقة بظروف النساء ونمط حياتهن. وراوحت مدة المقابلة بين 50 و 60 دقيقة، عدا فترة التعريف والتحضير للمقابلة من دون تسجيلها، وقد جعلت هذه الإجراءات بعض المقابلات تمتد ساعتين تقريبًا. فلم يكن من السهل إنهاء المقابلة

وقطع الاتصال بمجرد إجابة النساء عن الأسئلة؛ فحياتهن وتجاربهن في مواجهة سياسات الاستعمار

مليئة بتفاصيل القهر والاضطهاد، وبممارسات يومية للانفكاك من قمع الاستعمار. وامتدت بعض المقابلات بعد وقف التسجيل، بناء على طلب المشاركات اللواتي رغبن في الحديث عن قضايا من دون تسجيلها. أما المقابلة الوجاهية، فاستغرقت ساعتين إلى ساعتين ونصف، تبعًا لخصوصية كل تجربة وطبيعتها. ولبناء أسئلة المقابلة، اعتمدت على دراسات سابقة وأدبيات كُتبت في موضوع قريب لموضوع الدراسة. وتمحورت الأسئلة حول تجارب النساء بشأن إكمال فترة الحمل والولادة أثناء اعتقال الزوج، والكيفية التي أعادت بها هذه التجربة تشكيل أحلامهن بالأمومة، وسعي الاستعمار للتحكم في حياتهن وإنجابهن وأمومتهن، والعنف الجندري المجتمعي، والكيفية التي واجهن بها ذلك، واستراتيجيات الصمود التي طورنها.

رابعًا: النتائج

1. البيانات الديموغرافية

بلغ عدد المشاركات 19 امرأة من الضفة الغربية (7 من الخليل، 6 من بيت لحم، 3 من رام الله، ومشاركة واحدة من كل من نابلس، وجنين، وطولكرم)، وقد راوحت أعمارهن بين 25 و 60 عامًا. وذكرت 10 من

المشاركات أن هذه تجربتهن الأولى في الحمل والأمومة، و 2 منهن أنجبتا 4 أولاد أثناء اعتقال الزوج، و 5 أنجبن 3 أولاد، و 4 اعتقل أزواجهن وهن في الشهر الثامن أو التاسع من الحمل، و 12 امرأة لا يزال أزواجهن معتقلين أثناء إجراء المقابلة، و 2 منهن تعرضتا للاعتقال والتعذيب وإحداهن كانت حاملً في الشهر السادس، و 3 منهن راوحت فترة أحكام أزواجهن بين مؤبد و 25 سنة، و 18 بين مؤبد و 50 سنة، و 5 بين مؤبد و.40 سنة

2. إعادة تشكيل الأمومة

بينت النتائج أن النساء قد سلبن حقهن في الاحتفال بإنتاجية أجسادهن وأمومتهن وبُددت أفراحهن؛

فعشن مرحلتين مختلفتين من الأمومة، إحداهما قبل اعتقال الزوج، والأخرى بعد اعتقاله. فمرحلة ما قبل الاعتقال، اتسمت بالفرح والآمال والخطط والتجهيز لاستقبال الطفل/ة، أما بعد الاعتقال فقد انقلبت حياتهن واستعداداتهن لاستقبال الطفل/ة وفُقد الطابع الاحتفالي والتشاركي مع الزوج. تحدثت إحدى المشاركات عن تجربتها الأولى في الحمل بعد اعتقال زوجها، ووصفت حرمانها من وجوده في تفاصيل حياتها وحملها، بعد أن كان يرافقها لزيارة الطبيب وعند إجراء الفحوصات ومراقبة حركة الجنين ونموه، ويتابع التغيرات التي تطرأ على جسدها أثناء الحمل، ويرافقها في شراء الملابس للطفلة. وبعد اعتقاله، ذهبت برفقة أمها لإكمال التجهيز للولادة "وهي جثة"، كما قالت: "كنت بدي زوجي يشوفني وأنا حامل، كيف تغيرت أموري، نفسي يشوف حركة الجنين، نفسي يرافقني في مراجعة الدكتورة، نفسي نشتري ملابس الطفلة مع بعض، الناس اللي جابوا عشر أولاد بحبوا يطلعوا مع بعض يشتروا كسوة الطفل، أما أنا طلعت وأنا جثة، أمي اختارت كل شي وجهزت، وأنا مش متطلعة على

إشي، ومش متحرك شعوري". وهذا ما يشير إلى أحد تمثلات إعادة تشكل الأمومة، حيث تبدلت من حالة الاحتفال إلى الحزن والعجز والانفصال العاطفي، وفقدان التعلق بالجنين. فهذه محاولة لإماتة شعور الأمومة وجعل هذه المرأة تتحرك بلا روح، وتشارك في توفير الاحتياجات والمستلزمات للطفلة بلا ابتهاج واحتفال أو استمتاع بأمومتها. وتحدثت أخرى عن تجربة اعتقال زوجها وهي في الشهر التاسع من حملها بطفلها الأول، واعتقل أيضًا في حملها الثاني والرابع، ووصفت حرمانها من فرحة الاحتفال بابنها الأول، وتغير الآمال والتحضيرات والخطط التي بنتها هي وزوجها قبل اعتقاله، وقالت: "كنا نحلم ونستنى أنه نكون مع بعض، كنا نحلم بالطفل الي بدو يجينا، ونحتفل فيه وننبسط فيه، ويعني إشي جديد في حياتنا وإني سأشعر بالأمومة وبوجود زوجي، صعبة جدًّا، كنت حاسة إني وحيدة ولحالي، في هيك ظرف لو كل الناس حوالي طبعًا مش زي ما زوجي يكون جنبي كانت فترة صعبة". يتضح من قول هذه المشاركة تبدل نمط الأمومة إلى أمومة وحيدة على الرغم من وجود الأهل حولها، فأصبحت تجربة قاسية من دون دعم عاطفي ومساندة من الزوج ومرافقته للمرأة في لحظات الألم والخوف والوهن الجسدي. فوجود الزوج ودعمه يقلل من الخوق والقلق والوحدة، خاصة لدى النساء اللواتي لا يمتلكن تجارب سابقة في الأمومة، ويعزز الترابط بين الزوجين، ويجعل المسؤولية مشتركة تجاه الطفل، ويجعل تجربة الأمومة أكثر إيجابية للزوجين. وذكرت امرأة أخرى، ولدت ثلاث مرات أثناء اعتقال زوجها، أنها كانت لديها "أحلام وردية" بشأن الحمل، وأن فترة الحمل ستكون فترة دلال واهتمام وفرح واحتفال، إلا أن اعتقاله غيّر ذلك كله، فلم تحرم من أحلامها بالحياة الجميلة المشتركة فقط، بل إن تغييب زوجها المتكرر حرمها من مشاركته لها في اختيار أسماء بناتها الثلاث، قالت: "توقعت الحمل والولادة تكون كثير وردية، رح أنبسط، رح أعيش حياتي، رح أتدلل ورح شو بدك، توقعته حلو، ورح نتشارك الأسماء والمسؤولية، طلع كله إشي ثاني، يعني حتى الأسماء ما قدر يختارهن، بس محمد [اسم مستعار] هو سماه، أنا سميت مي وهناء وليان [أسماء مستعارة]، أنا سميتهم لأنه كان في السجن". أُعيد تشكيل الأمومة بجعلها أمومة منفردة، وكأن المرأة أم عزباء Mother Single مع أنها اختارت الزواج والإنجاب عبر الزواج، وقد أُثقلت بالمسؤوليات وحدها بما  فيها انتقاء أسماء أبنائها، وحُرمت من المشاركة والتفاعل والتواصل الذي يُبنى مع الزوج أثناء مناقشة تفضيلاتهما وقيمهما بشأن اختيار أسماء أطفالهما؛ فهذه العملية من شأنها أن تخلق ذكريات حميمة يتشاركانها ويرويان قصتها طوال حياتهما، ويشاركانها أطفالهما.

(((5 صفية، مقابلة عبر الهاتف، الخليل،.2022/11/28 (((5 هناء، مقابلة عبر الهاتف، رام الله،.2022/11/28 (((6 منار، مقابلة شخصية، بيت لحم،.2022/12/18

أ. إعادة تشكيل الأمومة في ظل مطاردة الزوج وهدم المنزل والتشرد

أشارت إحدى المشاركات إلى أن زوجها اعتُقل بعد زواجهما بفترة قصيرة، بعد أن نجا من محاولتَي اغتيال ومطاردة من المخابرات الإسرائيلية، وبعد الاعتقال، اقتحمت قوات الاحتلال المنزل وطلبت منها إخلاءه تمهيدًا لهدمه، فانتقلت للعيش مع أسرة زوجها ولكن قوات الاحتلال هدمت منزلهم أيضًا بعد فترة قصيرة، فهدم المنزل يشكّل جانبًا مركزيًا من المشروع الصهيوني لمحو ذاكرة الشعب

الفلسطيني وتاريخه، وتشتيت الأسر وتخريب العلاقات الأسرية التي تبنى في هذا الحيز. بالنسبة إلى هذه المشاركة، فإن تكرار الهدم تسبب لها في عدم الاستقرار والتشرد وحرمها من تلبية احتياجاتها الجسدية ومن حريتها وخططها، ولم يدع لها أي متسع للتفكير في جسدها وطفلها. أثناء المقابلة، تحدثت (وهي تبتسم لإخفاء تأثرها) عن اختلاف أولوياتها وأحلامها عن أحلام النساء اللواتي يعشن في ظروف طبيعية، قالت: "فترة الحمل كلها كانت تشتت، ما في استقرار ما في بيت، ما بين دار حماي اللي أصلً ما في إلهم بيت [جرى هدمه أيضًا]، وعند دار أهلي، فبروح التفكير في إنك حامل، في شيء أهم من إني أفكر إني حامل، وإلا إني أدلع ما كان هذا كله، ما كان في استقرار عشان أفكر هيك، ما راح أقول بإني كنت أحلم بالأحلام التي تحلم فيها أي امرأة أو أي زوجة أو أي أم بدها تنجب طفل جديد، يعني كنا في المجهول، وكنا نسير في الحياة سير عادي مع ما يأتي، مش بالحلم وشو بدنا نعمل وشو بدنا نساوي، لا ما كان في أحلام نهائي". كانت تجربة الأمومة هذه، منذ بدايتها، أمومةً مطاردة وغير مستقرة، تتنقل من منزل إلى آخر ومن فقدٍ إلى آخر. فرضت القوى الاستعمارية نمط أمومة بعيدًا عن التركيز على الحمل، باعتباره حدثًا مركزيًا في حياة الأم وأن حمايته ورعايته من أولوياتها، بل كانت أولوياتها البحث عن مُستقر وملجأ وسبل البقاء، في وضع يصعب فيه التنبؤ بالمستقبل، ويسيطر عليه عدم اليقين والمجهول، ويغيب فيه الاستقرار النفسي والمكاني. فهذه المرأة لم يكن لها أي متسع للتفكير في جنينها أو جسدها، كغيرها من النساء اللواتي يعشن أمومة في سياقات عادلة وطبيعية.

ب. الاعتقال والإضراب عن الطعام غيّرا الأحلام والخطط

تحدثت امرأتان من المشاركات عن إضراب الزوج عن الطعام أثناء الاعتقال، فلم يتبق لهن متسع للتفكير إلا في سلامة الزوج وحياته المعرضة للخطر، والتفكير في نتيجة الإضراب ومتى ينتهي؛ ما أبعدهن عن التفكير في الحمل. وذكرت إحداهن أنها عانت مشاعر متناقضة تجاه الحمل، وصراعًا داخليًا كلما تناولت الطعام، في حين أن زوجها مضرب عن الطعام، فقالت: "الحمل في بدايته كان

(61) Nadera Shalhoub–Kevorkian & Sarah Ihmoud, "Exiled at Home: Writing Return and the Palestinian Home," Biography , vol. 37, no. 2 (Spring 2014), pp. 377–397.

(((6 سناء، مقابلة شخصية، بيت لحم،.2022/12/23 (((6 الإضراب عن الطعام هو وسيلة مقاومة يلجأ إليها المعتقلون السياسيون رفضًا لسياسات التحكم الصهيونية والقبول بالإهانة

"كترديد كلمة حاضر سيدي للجندي"، وللمطالبة بحقوقهم كالحصول على القرطاسية والكتب، وتحسين نوعية الطعام وكميته، ورفضًا للتفتيش المتكرر ومصادرة الممتلكات التي تجريها مصلحة السجون، وقد خاضت الحركة الأسيرة ما يقارب 30 إضرابًا عن

الطعام كان أولها في سجن نابلس عام 1968 واستمر 3 أيام. للتفاصيل، ينظر: "أشهر الإضرابات عن الطعام"، وفا، شوهد في

2023/6/7، في: https://bit.ly/3ORRMtn

جميل جدًا هذا الإشي اللي كنا بنستناه، خصوصًا أن زوجي قضى ثماني عشرة سنة في الاعتقال، فكان دائمًا بحب أنه يكون عنا أولاد، خبر حملي كان مفرح وزوجي كان مترقب ويرافقني في أي زيارة

للدكتور وفي أي شي بخص التحضيرات كان حاضر بالتفاصيل، كنا مبسوطين هذه فرحة عمرنا زي ما بقولوا وهي نتاج لهذه العلاقة واللي ظلت مستمرة حتى تاريخ 8/24، هذا التاريخ هو اللي شكل منعطف بحياتنا، بس الحمد لله مشيت التجربة بس تغيرت التخيلات والآمال. وبعد ما حكم ستة شهور إداري خاض إضرابًا عن الطعام تسعة عشر يومًا وأنا حامل وهو مضرب بتعرفي هذه المشاعر تتناقض، لازم توكلي عشان اللي ببطنك وأنا مش جاي على بالي أوكل". ما شاركته هذه المرأة يشير إلى حالة من القلق على جنينها وعلى زوجها المضرب عن الطعام؛ إذ تتناقض مشاعرها بين تناول الطعام لتغذية الطفل وإشباع الاحتياجات الفيزيولوجية، وبين الامتناع عنه لقلقها وخوفها على زوجها الذي يعيش على الماء والملح فقط للحفاظ على الأمعاء من التعفّن.

3. السلطة الحيوية حاضرة في غرف الولادة وخارجها وما بعدها

تفرض السلطات الاستعمارية سلطتها وتحكّمها في داخل غرفة الولادة، وفي مراحل المخاض، والميلاد وتوسعات الرحم. بعض المشاركات كانت تجربتهن الأولى في الولادة، وقد غُيِّب الزوج؛ ما شكّل بيئة

خصبة للتسلط والتحكم في بيولوجية أجسادهن وفي عملية الولادة. وفي هذا السياق، قالت إحدى النساء إن زوجها اتصل بها من المعتقل، وهي في غرفة الولادة وأثناء المخاض، وأخبرها أنه جرى

تمديد اعتقاله ولن يُفرج عنه اليوم كما  كان مقررًا، نتيجة لذلك لم يعد جسدها مهيّأ للولادة، وتغير

وضع الطفلة في الرحم وتعقدت الولادة وتأخرت بعد أن كانت طبيعية، وولدت بعملية جراحية، حيث قالت: "كان المفروض أولد يوم الإفراج عن زوجي في 6/5، فتفاجأنا أنه اتصل [الزوج] من النقب وحكى جددوا لي الاعتقال، أنا إنجنيت مظلش عندي أي أمل إني أولد طبيعي والبنت ارتفع رأسها، وخلفت في 6/11 وبعملية قيصرية رغم أنه الدكاترة أعطوني طلق اصطناعي ما قدرت أولد طبيعي، وبعد البنج [التخدير] كانوا [أهلها] حاطين التلفون جنب راسي وهو [زوجها] بحكي لي الحمد لله على السلامة، أنا طول الوقت بدي زوجي، يا ماما زوجي وأنا مبنجة، يعني كله ألم في ألم ومتخيلة إنت ولادة أول بطن أول تجربة ولساتك عروس وجوزك اللي بتحبيه مش جنبك كل الناس حواليك بس إنت مش شايفة حدا". بينت تجربة هذه المرأة أنها تعيش أمومة معاقبة وملاحقة حتى في داخل غرفة الولادة، حيث لاحقتها قوى الاستعمار لتعطل ولادتها بخبر تمديد فترة اعتقال زوجها؛ وبذلك تحكمت في توسعات رحمها وانقباضاته وعسّرت ولادتها، فخبر إطالة تمديد اعتقال زوجها وصلها إلى غرفة

الولادة، فأطال فترة الولادة وأحدث صدمة، وأفقدها دعم زوجها المنتظر. كما أفادت المشاركات أن زيارات السجون بعد الولادة بفترة قصيرة تشكّل معاناة؛ وذلك بسبب

(((6 وعد، مقابلة عبر الهاتف، رام الله،.2022/12/15 (((6 يجري الاتصال من داخل المعتقلات والسجون عبر أجهزة هاتف يهربها المعتقلون سرًّا، وعندما تكتشفها إدارة السجون

تعاقبهم بالحرمان من زيارة الأهل أو الحبس الانفرادي وغيرهما. (((6 صفية.

إجراءات التفتيش والانتظار ساعات طويلة في ساحات السجن، بعد رحلة بالحافلة تستمر ساعات من مكان السكن إلى المعتقل، وبعد عبور عدد من الحواجز العسكرية قبل الزيارة، والتي لا تزيد مدتها على 45 دقيقة وتجري عبر تلفون وفاصل زجاجي. أثناء الزيارة، تصطحب النساء أطفالهن حديثي الولادة لرؤية آبائهم أول مرة، بعضهم لم تتجاوز أعمارهم عدة أيام، وحياتهم تعتمد على الرضاعة الطبيعية. وفي هذا السياق، أشرن إلى أن الاستجابة لاحتياجات أطفالهن البيولوجية، سواء بإرضاعهم

أو الاهتمام بنظافتهم، قد شكلت عبئًا عليهن؛ فأُجبر بعضهن على ترك أطفالهن، لدى أمهاتهن إلى حين عودتهن من الزيارة. وما يزيد من معاناتهن أنهن في حالة "نفاس"، وبعضهن أجريت لهن عملية قيصرية وما زلن يعانين مخلفات الولادة وغرز الجراحة لا تزال في أجسادهن. تحدثت ثلاث نساء عن تجربة انتظار الحصول على تصريح زيارة السجن، وبعد أن حصلن عليه اصطحبن أطفالهن حديثي الولادة، كما تحدثن عن معاناتهن الجسدية والنفسية وتحجر أثدائهن من الحليب؛ فلا يمكنهن إرضاع أطفالهن تحت المراقبة في ساحات المعتقل وأمام أهالي المعتقلين من الزوار. قالت إحداهن: "أول تصريح طلع لي كانت بنتي عمرها 23 يوم، أنا ما بقدر ما أروح على الزيارة، يعني صار 3 شهور مش شايفته، وصار لازم أرضعها، بدها شوية اهتمام كانت تظل تبكي وكان الكل يتعاطف معي من كثر ما كنت أتغلب أثناء الزيارة وبنفس الوقت كنت أظل مستحية يعني شو هالتعب اللي جبته عليّ وعلى اللي حوالي والإزعاج اللي بصير في الزيارة، وبعد أسبوعين طلع لي

كمان زيارة فصرت أتركها عند ماما، فصارت مغلبة ماما، نكد كتير، وأنا مش قادرة أتركها كل هذا الوقت، الألم الجسدي بتعرفي كيف أنا طول النهار مش مرضعة بنتي، بتعرفي شو بصير أوجاع، وصدري مليان حليب كنت أروح ألاقي ملابسي كلها مليانة حليب وصدري كله محجر". وأشارت أخرى إلى أنه أثناء الزيارات يُتحكم في حليب الأم، وتراقب وتعاقب لعدم انصياعها وجسدها لسياسات الضبط والسيطرة، قالت: "أثناء الزيارة إرضاع بنتي كان قمة المعاناة، هي ما كانت أبدًا ترضع حليب صناعي كنت أروح أتخبى في أماكن بعيدة عن الناس في 'المعبر' [ممر يوصل بين الساحة الخارجية للسجن وقسم الزيارات] عشان أرضعها ومع هيك ألاقي جندي فوق راسي، كنت ألبس لبس يسهّل علي، ولكن أول زيارة كثير تغلبت ما كنت أتخيل الموضوع هيك بعدين صرت أجيب لبس خصوصي إني أقدر أغطي بدون ما ألفت النظر لحدا ألبس بلوزة مفتوحة أكون لابسة من تحت وأرفع البلوزة وأكون مغطيتها بحرام ما حدا يلتفت إني برضعها، أو مثلً تغيير فوطة البيبي كانت مأساة تانية".

(((6 النفاس هو مصطلح من الموروث الشعبي الفلسطيني لوصف حالة المرأة التي أنجبت طفلً حديثًا، ومدته تقريبًا 40 يومًا،

تبقى فيه المرأة في البيت ولا تخرج إلا للضرورة، وتكون تحت رعاية ودعم من أسرتها وزوجها، حيث إن جسم المرأة يكون ضعيفًا

بعد الولادة ويحتاج إلى هذه الفترة من الراحة والتغذية والدعم. (((6 تصريح الزيارة: أذونات مؤقتة وفقها يُسمح لأفراد أسرة المعتقل/ة بزيارته/ا، وتصدرها وتحدد مدة صلاحيتها مصلحة السجون،

وبالتنسيق مع جهاز المخابرات "الشاباك" والإدارة المدنية، وهي تمنح وفق شروط تتغير تبعًا لمبررات أمنية، ومن بين هذه الشروط:

أن لا يكون للمتقدم منع أمني، وأن يكون من أقرباء المعتقل/ة من الدرجة الأولى (أب، أم، أخ، زوجة، زوج). (((6 وفاء، مقابلة عبر الهاتف، نابلس،.2022/12/15 (((7 مجدولين، مقابلة عبر الهاتف، جنين،.2022/12/27

وذكرت امرأة أخرى أنها ذهبت لحضور محاكمة زوجها مصطحبة طفلتها، بعد عشرة أيام من ولادتها بعملية قيصرية، وما زالت غرز العملية موجودة في جسمها، قالت: "كانت المحكمة في سجن عوفر بعد ولادتي بعشر أيام، المحامية قالت أن المحكمة ستكون على الساعة التاسعة، ولكنها تأجلت للثالثة بعد الظهر، كانت معي بنتي، رفضوا يدخلوها معي ومنعوني أدخل تلفون فتركتها مع حماتي، كنت أسمع صوت بنتي من الغرفة الثانية تصرخ صرت بدي إنجن وقلبي مثل النار بدي أشوف زوجي وإلا بدي بنتي الي عمرها 10 أيام والدنيا شوب. غبت عن بنتي ساعتين وأنا ما بعطيها حليب اصطناعي فصرت أبكي شو بدي أسوي، المحامية حصلت لي على قرار استثنائي أشوف زوجي قبل الموعد المحدد للمحكمة ولمدة 5 دقائق، كنت أول مرة بشوفه مكبل بإيديه وبجريه وسلاسل ثقيلة، بعدها إرجعت على البنت كانت منفجرة عياط يعني حالتها حالة والشمس عليها وعلى عمتي ولسا بدنا نمشي نص ساعة لنصل السيارة حتى أقدر أرضعها، وثاني يوم رحت أبلغ الصليب عن اعتقاله وسقت السيارة وروحت وهذا كله ولسا مش فاك الغرز". هنا يجدر القول إن الأم لا ترضع طفلها/تها استجابة لإشباع احتياجاته الفيزيولوجية فحسب؛ فمن خلال إرضاع الطفل يتعزز الترابط العاطفي بينهما حيث الاتصال بالعين، وبالكلمات والهدهدة والمناغاة، والتلامس الجسدي الوثيق يمكن من بناء علاقة آمنة وتعلق آمن وترابط وجداني خاص. ما قالته المشاركات يبين أنهن يرضعن أطفالهن ويمارسن أمومتهن تحت الحراب والترويع. وتمارس إسرائيل تحديد أعداد المواليد الفلسطينيين، وتحرض على قتل النساء وأطفالهن، فالنائبة في الكنيست الإسرائيلي، أيليت شاكيد، وصفت الأطفال الفلسطينيين ب "الثعابين الصغيرة" الذين يجب قتلهم وقتل  أمهاتهم. وتتجلى هذه الدعوات بتكرار العدوان على قطاع غزة وقتل  المئات، والتسبب في زيادة حالات الإجهاض والولادات المبكرة. أفادت إحدى المشاركات: "أنا بقول هذه سياسة ما بدهم إيانا انخلف لأنه لما بكون الأب مناضل، معروف الابن شو مصيره، ولما الابن بشوف أنو الاحتلال بعملوا في أبوه هيك، معروف شو راح يصير أكيد مش راح يتصالح معهم وهو انحرم من أبوه، فهم عاملين إلنا تحديد نسل لحالهم أنا بحكي عن تجربتي مستحيل أرجع أفكر بإني أخلف مستحيل أنا بقشعر بدني إني أرجع أتذكر التجربة الأولى، على طول هيك بقشعر بدني والله". حولت سياسات القمع الاستعماري تجربة الأمومة إلى تجربة صادمة، يجب تجنبها، فمجرد التفكير فيها أو تذكرها يحدث أعراضًا جسدية سببها نفسي Psychosomatic، كتلك التي تحدث في حالات التعرض لخطر يهدد الحياة. وتبين النتائج أن النساء يواجهن عمليات ممنهجة لإجهاض أمومتهن، بسياسات التحكم في البيولوجيا والتسبب في إعطاب أجساد النساء وتشويه الأجنة، وخاصة عند زيارتهن للمعتقلات ومرورهن عبر

(((7 صابرين، مقابلة عبر الهاتف، الخليل،.2022/11/28

(72) Nada Elia, "Ending Zionism is a Feminist Issue," The Electronic Intifada , 24/7/2014, accessed on 4/4/2023, at: https://bit.ly/45knoOp (73) Ibid.

(((7 يسرى، مقابلة عبر الهاتف، الخليل،.2022/12/14

الحواجز العسكرية وصولً إلى التفتيش داخل السجون التي تعتمد جميعها أجهزة أشعة تفوق ما يسمح به دوليًا، وما يسمح به في الحالات الطبية التي تستدعي استخدام الأشعة كالرنين المغناطيسي وغيرها؛

ما يتسبب في أضرار جسدية للأمهات وخاصة للجهاز التناسلي، وتشوهات خلقية للأجنة خصوصًا في أشهر الحمل الأولى، وتسبب أضرارًا للأطفال حديثي الولادة. وتبيّن أن النساء يصطحبن أطفالهن

حديثي الولادة لزيارة آبائهم المعتقلين، فيجبر هؤلاء على المرور عبر أجهزة المراقبة والتفتيش تلك. وقد روت إحدى النساء: "هم ما بتحكموا فقط بالإنجاب وفي كل إشي، لما أروح أزور، طريقة تحكمهم بكون في مدة الزيارة، ولما يكون الأولاد معي بتحكموا فيهم لما يدخلوهم على التفتيش والحوامل كمان بفتشوهم كذا مرة، وأنا حامل رحت أحضر محكمة زوجي دخلوني من جهاز من المفروض ما أدخل منه لإني حامل وكان واضح إني حامل بس ما حكوا لي إني ما لازم أدخل على جهاز الأشعة هذا مش نوع من أنواع التحكم المفروض، الكل حكى لي لو أنا كنت في بدايات الحمل ممكن يتعرض الجنين لتشوهات، هم بعرفوا شو مسموح وشو ممنوع وأن الحوامل ما يفوتوا على جهاز أشعة وأنه ممكن التفتيش عن طريق ماكنة ما فيها أشعة".

4. تقاطع القمع الاستعماري الذكوري بالمجتمعي

يتضح الاستهداف المركب الذي تتعرض له النساء الفلسطينيات زوجات المعتقلين، حيث يتداخل العنف والقمع الاستعماري الذكوري بالعنف المجتمعي. فقد ذكرت إحدى المشاركات أنّ اعتقال زوجها عزز النظرة الدونية إليها بصفتها امرأة ضعيفة وهشة ومن السهل استغلالها، وقالت: "المجتمع ينظر للزوجة اللي زوجها مسجون أنها ضلع ضعيف أو ضلع قاصر أو أنها مش بنفس القوة الي بتكون تمتلكها لما تكون مع جوزها وهي عايشة بظروف طبيعية، فبصفي المجتمع يشوفها هشة وضعيفة ما عندها الإمكانيات أنها تدافع عن عيلتها وعن أطفالها، أو أنها بحاجة للآخرين، وأنه أي حدا ممكن أنو يجي ويستغلها". ويظهر في المقابلات تقاطع الهويات الجندرية بالسياسية والاجتماعية والاقتصادية مع غياب الدعم، وتداخل هذه العوامل وتسببها في معاناة مستمرة منذ 15 عامًا؛ فإحدى المشاركات ولدت وعاشت

خارج فلسطين، وبعد الزواج انتقلت للعيش بعيدًا عن أسرتها الأصلية، وسكنت في إحدى المدن التي تشهد مواجهات مستمرة مع الاحتلال، حيث اعتقل زوجها بعد فترة قصيرة من زواجهما ولم يكن البيت الذي تسكن فيه قد اكتمل بناؤه؛ ما جعلها تواجه الفقر والاستغلال الاقتصادي كما قالت: "أنا اللي بتحمل كل القصة، الاحتلال يعتقلوه وبدمروا كثير أشياء، زوجي لما انسجن كان عليه ديون كان فاتح مطعم، حملت الهم كيف بدي أسد الديون، [...] أنا كنت بشطب في آخر إشي في الدار وإجوا أخذوه، مطلوب أقف مع العمال وهذا يضحك علي وهذا ينصب علي وهذا يشتغل غلط طبعًا، أنا امرأة

((7("الأشعة المستخدمة على الحواجز الإسرائيلية خطيرة وتؤثر على صحة الأطفال والكبار والمرضى"، وكالة معًا الإخبارية،

2006/1/3، شوهد في 2023/8/1، في: https://bit.ly/4411w9a (((7 أمل، مقابلة عبر الهاتف، طولكرم،.2022/12/15 (((7 لمياء، مقابلة عبر الهاتف، بيت لحم،.2022/11/24

لحالي مش رح يعاملوني منيح رح يضحكوا علي كثير في المصاري وفي كل شي، أنا كثير انضحك علي بصراحة وانتصب علي بس [...] تعودت". وفي مقابلة أخرى بينت الكيفية التي استغل بها رجل المخابرات الإسرائيلية الثقافة المجتمعية بابتزاز

المشاركة وتهديدها بأنه سيفضحها هي وزوجها، وهددها بسلطة والدها الذي لن يقبل بمستوى الحياة التي تعيشها ابنته مع زوج معتقل، وحاول تدمير أسرتها وعلاقتها الزوجية بالتشكيك في إخلاص زوجها والتقليل من قيمته وشأنه، وحاول إقناعها بالانفصال عنه، قالت: "حاولوا يخلوني أترك زوجي، ضابط المخابرات كان يقول لي إنت شو عاجبك في الغرفة ونص الي عايشة فيها، إنت أبوك لو يجي يشوف عيشتك! هم بدهم إيانا نترك جيزانا نترك أولادنا ونروح من الدار، قالوا لي زوجك بحكي مع نسوان وهيو في السجن تاركك، وقال كل هذا حب! قلت له هذا سندي في الحياة، قال لي هذا سند هذا حيطة مايلة! يعني بدو إياني أتركه بالعربي أو يوقع بيني وبينه، هذا عنف اجتماعي نفسي سياسي وبيئي كل شي كل شي، غير تهديداته [ضابط المخابرات] والله لأفضحك إنت وجوزك".

5. استراتيجيات صمود فريدة

يقول الأسير وليد دقة: "إن الصمود يكون ممكنًا في وجه آلة البطش الاستعماري من خلال التجسدات اليومية الصغيرة والكبيرة من التضامن والتعاضد النابع من البنية التحتية المعنوية، ومن خلال مجموع الأنشطة والمفاعيل المنظمة والعفوية الفردية والجماعية المتناثرة والمركزية التي تعبر عن نفسية ومعنوية تجعل الصمود ممكنًا". وتجادل لينا ميعاري بأن "الصمود هو 'الثبات'، ويتجسد في عديد من الدلالات والممارسات الفردية التي أنتجها الفلسطينيون وخاصة المعتقلين في أقبية التحقيق، فالصمود يزعزع استقرار النظام الاستعماري وعلاقات القوة، ويشكل شخصية فلسطينية علائقية سياسية نفسية عاطفية، وينتج قوة تواجه أنظمة القهر". أما  المشاركات في الدراسة، فكان الصمود خيارًا غير قابل للمناقشة بالنسبة إليهن؛ باعتباره أحد مكونات حياتهن.

أ. "الحمل بين السجنات" والتسلل عبر العمر وسرقة اللحظات

ذكرت إحدى النساء أنها كانت تريد الإنجاب قبل التقدم في العمر وبسبب تكرار اعتقال زوجها، ففترة الإفراج عنه لا تزيد على 5 أشهر، وهذه هي الفترة المتاحة لكي تنجب، فمحاولات سلب الحق بالإنجاب قادت إلى تطوير استراتيجيات أمومة "الحمل بين السجنات" و"السباق مع الوقت والعمر"، فاستغلت فترة إطلاق سراح زوجها لتحمل وتنجب أطف لً، وعلى الرغم من معرفتها بالمعاناة وصعوبة الحمل فإنها كانت تصر على إيجاد بدائل والتسابق مع الوقت وكسر إرادة المُستعمِر. أنجبت هذه

(((7 رنا، مقابلة شخصية، بيت لحم،.2022/12/25 (((7 صبا، مقابلة شخصية، بيت لحم،.2022/12/26 ((8(وليد نمر دقة، صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب (بيروت: الدار  العربية للعلوم ناشرون، 2010)، ص.8–7

(81) Leana Miari, "Sumud: A Palestinian Philosophy of Confrontation in Colonial Prisons," South Atlantic Quarter , vol. 113, no. 3 (Summer 2014), p. 549.

المرأة أطفالها الأربعة في سباق مع الزمن والعمر، وأثناء المقابلة قالت: "عمر زوجي 41 سنة، متى بدي ألحق أجيب فكنت بدي أجيبهم بصراحة قبل ما ينسجن وقبل ما يكبر لأنه بعرف أنه بطول بقعد سنتين، ما كنت مقتنعة إني أجيب ولد أو اثنين بدي أربعة على السريع عشان اعتقالاته، بقول أبصر متى يطلع ومتى السجنة الجاية أبصر يزبط ما يزبطش إني أحبل الوحدة لعمر معين كمان بتبطل تقدر تحبل وتلد مش منيح في خطر على الجنين، وعيار زوجي برة السجن خمس أشهر فش وقت آخر فش مجال شو بدي أساوي الحمل مش سهل بدك تخططي مئة إشي عشان أقدر أحمل". على الرغم من قسوة تجارب أمومة هؤلاء النساء، فإنهن أبدعن في تطوير وسائل مواجهة إعادة تشكيل أمومتهن. دافعت النساء عن حقهن في الأمومة، باعتباره فعل صمود واقتدار، على خلاف ما تدعيه النسوية الغربية التي ترى في الإنجاب تعزيزًا لتبعية المرأة، وعلى خلاف التوجه بأن قرار الإنجاب هو قرار قومي أيديولوجي وأن جسد المرأة الفلسطينية مستغل لأغراض قومية ولإنجاب رجال للأمة. قررت هؤلاء النساء الإنجاب وانتزاع حقهن في الأمومة، على الرغم من السياق غير العادل الذي يسلب الزمان والمكان، "فالوقت رفاهية" لا تتوافر للنساء الفلسطينيات ليخططن وينظمن مواعيد الحمل والإنجاب. قالت إحدى المشاركات: "في كثير نساء حكوا لي إحنا بنعرف أنو رح ينسجن عشان هيك قررنا نحمل، بنحس إنو وقتنا ما راح هيك استفدنا من الوقت الي هو بدو يغيب فيه في السجن، الخلفة تعتمد على كم مرة انسجن، الوقت الي بنسجن فيه يعني كنت مخططة كمان بدي سنتين أو 3 إني أحمل في هذه الفترة إجو أخذوه فخلص التغى كل تفكيري وكل تخطيطي فبضطر إني أنا أعمل تغيير على خطتي عشان أمشي أموري إحنا قراراتنا مش بإيدنا قرارنا يتغير مع الظروف". طورت هؤلاء النساء استراتيجية صمود فريدة فتبنين أمومة مرنة، وقابلة للتأجيل أو الإلغاء المؤقت إلى حين توافر "الزمن المواتي" وبين السجنات، وبنينَ خطط "أمومة الطوارئ" التي تستجيب لزمن الأزمات وتواجه المتغيرات التي يصعب حصرها، والتي تفرضها سياسات تسيس أجسادهن ومنع أمومتهن.

ب. التواصل المتخيل وعمل أرشيف "واتساب"

في إحدى المقابلات، كانت المشاركة تتحدث، وهي في غاية الفخر والشعور بالانتصار، عن قدرتها على إجراء اتصال روحي ومعنوي بديلً من الاتصال المادي المراقب الذي تسيطر عليه قوى الاستعمار. وبذلك رفضت قبول الحياة والعيش في نظام البانوبتكون، الذي يصبح فيه الإنسان مراقبًا لذاته وفي غياب السلطة؛ ما يجعله مستسلمًا للأمر الواقع. رفضت هذه المرأة إلا أن تكون ذاتًا

(((8 لينا، مقابلة شخصية، بيت لحم،.2022/11/5 (((8 هناء. (((8 البانوبتكون هو نظام للضبط والرقابة الاجتماعية، اشتُق من نظام سجن Panopticon، ويتكون من بناء دائري، وفي منتصفه برج

دائري يصدر ضوءًا، فيسهل على الحراس مراقبة المساجين طوال الوقت، ويعرف المساجين أنهم تحت المراقبة حتى من دون أن

يروا الحراس، ويتصرفون بتأدب وبذلك تكون الرقابة ذاتية. وقد وسّع فوكو هذا المفهوم في اتجاه ممارسات السلطة الحديثة التي

تراقب حياة المواطنين اليومية من غير المساجين، فتؤدب وتطوع سلوك الناس حتى في غياب أجهزة السلطة ورقابتها الفعلية. للتفاصيل، ينظر:

Michel Foucault, Discipline and Punish: The Birth of the Prison (New York: Vintage Books, 1977), pp. 6–7.

فاعلة، وتعيد الاتصال بينها وبين زوجها وابنتهما، وبذلك كسرت المراقبة والسيطرة والحواجز وجدران المعتقل. ووظفت وسائل التواصل الاجتماعي "واتساب" لحفظ الحق والأرشيف، واستطاعت بناء نوع خاص من التواصل، فقالت: "خلال فترة الحمل لما كان يحكي معي زوجي كنت أحط السماعة على بطني وأخلي البنت تسمع صوت أبوها لو أنها كانت في بطني، وكنت أصور بطني بالتلفون كيف بتحرك الجنين وأحفظ الصور، سويت لزوجي واتساب كأنه فيه، ويرد علي مع إنه بشكل وهمي إلا إني كنت أفرغ شوي من اللي عندي".

ج. تهريب الحياة والصراع على الوجود

بينت النتائج أن النساء قد "هرّبن" حقهن في الإنجاب، واستعدن التحكم في حقهن فيه متى شئن ذلك،

وأنّى شئن، ورأينه فعلَ انفكاك من الهيمنة. تحدثت إحداهن عن قرارها بالحمل عن طريق نطفة مهربة

باعتباره يقلب علاقات القوة وحسمًا لصراع الإرادة مع المُستعمِر، وبذلك فهي منحت نفسها وزوجها

وأسرتها الحياة، كما قالت: "هم يحاولوا عمل كل شي حتى ما ننجب ويكون عدد الفلسطينيين أقل منهم، وأنا في التحقيق كانوا يسألوني عن بناتي مع أن قضية اعتقالي ما إلها علاقة ببناتي كانوا بدهم يعرفوا كيف تمت عملية التخصيب، وسألوني هل زبطت من أول مرة؟ كان عندهم سؤال كيف هدول بجيبوا وبقدروا أنهم يخلفوا ويربوا؟ إحنا بنجيب وبنعمل حياة إلنا فالحياة بالدرجة الأولى، أنا عملت حياة لي وعملتها لأبوهم، يا الله ما أحلاهم [بناتها...] الضحك والابتسام والأشياء اللي بعملوها، ما إنت عارفة كائنات صغيرة جميلة". في إحدى المقابلات روت امرأة أنها اعتُقِلت وتعرضت للتعذيب، وعلى الرغم من ذلك تمكنت من تحرير روحها إلى خارج مركز التحقيق، والتقت بطفلتيها، فقد حررت تفكيرها وتخيلتهما حولها وهما تلعبان، وبذلك انتصرت على سياسات اعتقال الحواس والروح، قالت: "وأنا طالعة من التحقيق وفي لحظة معينة نسيت ملامح بنتي شمس [اسم مستعار]، يا الله بس كيف ملامحها؟ كانت هذه أقصى الأمور في تجربة الاعتقال والتعذيب [...] كان في اشتياق كبير للبنات أثناء التحقيق مع إني كنت أشوفهم داخل بلون ويلعبوا حوالي وبشوفهم جنبي ويركضوا بين الطاولات اللي في مكتب التحقيق، المحققين كانوا يجاكروني [يغيظوني] في البنات، كانت نقطة الضغط على البنات، قلت للمحقق أنا هلا شايفة بناتي، المحقق قال مجنونة هذه؟ كنت بشوفهم وجهن مضوي، وخدودهن زهر، شفت البنات قدامي وهذه الرؤية فقط ليطمئن قلبي وكان فيها اطمئنان".

خامسًا: مناقشة وخلاصة

ألقت الدراسة الضوء على تجارب الأمومة التي عاشتها زوجات المعتقلين السياسيين من الضفة الغربية، ممن أكملن الحمل والولادة عند تغييب الزوج قسريًا في المعتقل، وعلى الكيفية التي أعادت

(((8 مريم، مقابلة عبر الهاتف، رام الله،.2022/12/28 (((8 سناء. (((8 المرجع نفسه.

بها السياسات الحيوية الاستعمارية تشكيل أمومتهن، وجعلتهن يواجهن استهدافًا مضاعفًا ومركبًا من

العنف المنهجي الاستعماري الذكوري والقمع المجتمعي، واستراتيجيات صمودهن. وقد جرى استكشاف تجارب هؤلاء النساء التي بينت الكيفية التي تعمل بها السياسات الحيوية الاستعمارية على العسكرة الجندرية لأجسادهن وأجنتهن وتخرب خطط الإنجاب، وتغير أفراحهن بالأمومة وتمزجها بالألم والفقد والحزن والقلق، وتفرض أنماط أمومة تحت الحراب لا تعيشها النساء في سياقات تتمتع بامتيازات عرقية وطبقية وسياسية واجتماعية. تعددت ممارسات إعادة تشكيل أمومة زوجات المعتقلين السياسيين؛ فقد أجبرن على "أمومة وحيدة" بتغيب الزوج، وحرمن من دعمه. وبتكرار اعتقاله فترات طويلة، أصبحت "الأمومة مثقلة" بالمسؤوليات وتعدد الأدوار، حيث اضطلعن بأدوار الأب والأم معًا، وعشن حياة فردية إجبارية، تحملن فيها مسؤولية تربية الأطفال وحمايتهم ورعايتهم في مراحل نمائهم المختلفة بتقلباتها واحتياجاتها المادية والعاطفية، وعشن كأمهات عزباوات مع أنهن اخترن الأمومة والزواج. وأنتج التحكم الحيوي أمومة "غير مستقرة" ومن دون مأوى؛ فهدم المنزل لا يفقد المرأة الحيز الفيزيائي أو الملجأ المادي فقط، بل يفقدها الحيز الشخصي والحميم الذي تشعر فيه بالأمان والحرية والاستقلالية والحب، وتبني فيه علاقاتها الأسرية وتتشارك التجارب والقصص، وبهدمه ينقطع التواصل بين الماضي والحاضر. وعاشت النساء "أمومة متناقضة" يتصارع فيها الاحتياج لتناول الطعام وتغذية الجنين من ناحية، والامتناع عن تناول الطعام نتيجة للخوف والقلق على الزوج الذي يخوض إضرابًا عن الطعام في المعتقل من ناحية أخرى. أصبحت الأمومة تخيف بعض النساء، فتجنبن التفكير في الإنجاب، وبمجرد تذكر التجربة يشعرن بردة فعل "سيكوسوماتية" جسدية منشؤها نفسي. ثمّ إن النساء يمارسن أمومتهن تحت الحراب، ويرضعن أطفالهن تحت الحراب وبنادق الجنود، فالأمهات يصطحبن أطفالهن حديثي الولادة لزيارة آبائهم في المعتقل ورؤيتهم للمرة الأولى، فحاجة هؤلاء الأطفال إلى الرضاعة من ثدي الأم، تضعها في مواجهة مباشرة مع الترصد ومراقبة الحراس والكاميرات، فتحاول إيجاد مكان بعيد يوفر لها بعضًا من الخصوصية. فحليب الأم محظور، فهو دليل على انفكاك الأم من سياسات تحديد النسل وضبطه، وعلى تمكنها من التسلل خلف خطوط سلطة القهر، وعلى قوتها وقدرتها على منح الحب، والحنان، والأمن، والإشباع. إن السلطة الاستعمارية الصهيونية تتحكم في أكثر القضايا حساسية وحميمية في أجساد النساء الفلسطينيات، ومنها سوائل الجسم من دم الحيض وحليب الأمهات. وفي السياقات الاستعمارية، فإن تحديات الأمومة تصبح مضاعفة كما في حالة النساء الفلسطينيات عامة، وتصبح أكثر تعقيدًا وتركيبًا لدى زوجات المعتقلين السياسيين؛ إذ تتداخل وتتقاطع الهويات

السياسية والاجتماعية والجندرية والاقتصادية وغيرها من العوامل الديموغرافية، كفترة اعتقال الزوج وعدد مرات اعتقاله، وغياب الدعم الاجتماعي ودعم الزوج، ووجود خبرات سابقة للمرأة في الولادة،

(88) Shalhoub–Kevorkian, "Infiltrated Intimacies," p. 4.

وظروف اعتقال الزوج (المطاردة واقتحام المنزل وهدمه) والإضراب عن الطعام في المعتقل وغيرها من العوامل التي تجعل حياتهن أكثر هشاشة وتطاردهن إلى داخل غرفة الولادة، فتغزو توسعات الرحم ومراحل المخاض وتعسر الولادة وغرز العمليات الجراحية وتتحكم فيها. ولكي تكتمل دائرة العنف تتداخل البنى الاستعمارية مع البنى البطريركية للمجتمع، ويعملان معًا لتعزيز النظرة الدونية إلى المرأة واستغلالها وإفقارها. وقد ناقشت خولة أبو بكر وآخرون ارتفاع وتيرة العنف السياسي؛ ما يؤدي إلى زيادة العنف الأبوي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، ويتداخل العنفان معًا ويُوَجهان نحو

المرأة. في هذا الواقع غير العادل، تمارس زوجات المعتقلين السياسيين أمومتهن ويدافعن عن حقوقهن في الإنجاب؛ هذا الواقع الذي يستثنيه الخطاب النسوي المعارض للإنجاب، والذي يرى في الأمومة أداة تميز ضد المرأة، ويرى في رفض الدور الإنجابي شرطًا أساسيًا للتغلب على عجزها كما جادلت بعض

الحركات النسوية في الثمانينيات، ومن قبلهن سيمون دي بوفوار التي نظرت إلى الأمومة على أنها طريقة للاحتيال على المرأة بإقناعها بأن الأمومة أداة مساواة، في حين أنها تجعلها ملحقة. إن هذه الأطروحة تتناقض مع أطروحة الدراسة، والتي تجادل بأنه على الرغم مما تعانيه زوجات المعتقلين السياسيين من القهر والاضطهاد ومحاولات إجهاض أمومتهن وإعادة تشكيلها، فإنهن يمارسن الأمومة باقتدار وقوة وينتزعن حقهن فيها، ويتخذن قرارات حرة بالإنجاب، ويرين في الأمومة أداةَ تحررٍ وانفكاكًا من الهيمنة الاستعمارية الذكورية والقمع المجتمعي. تمكن النساء من كسر الخناق المفروض على أجسادهن وأمومتهن، وطورن ممارسات مقاومة يومية واستراتيجيات صمود فريدة. فالصمود ليس أمرًا قابلً للنقاش، بل فعل تلقائي يمارسنه بصفة يومية؛

فقد انتزعن حقهن في الأمومة وأنجبن عبر تهريب النطف، فهربن الحياة ومنحن الحياة، وطوّعن الزمن

والأجساد، فأنجبن في فترات استراحة "الحمل بين السجنات" والتسلل عبر العمر وسرقة اللحظات، وبهذا كُسِرت الحواجز وجدران المعتقل عبر "اتصال متخيل وعمل أرشيف "واتساب"؛ اتصال فريد معنوي وروحي بين الجنين ووالده المعتقل إلى حين حضوره الفعلي. وبهذا شكّل التخيل أداةَ تحرير للفكر إلى خارج المعتقل، وانتصارًا للإرادة على سياسات التحكم في الحواس والروح وصهر الوعي.

المراجع

References

العربية

إبراهيم، مها. "حين تحول جسد 'حارسة البقاء الفلسطيني' إلى رمز الاختراق الاستعماري الإسرائيلي." جدلية. 2017/12/23:. في https://bit.ly/3qkXvyF

(((8 خولة أبو  بكر [وآخرون]، النساء والنزاع المسلح والفقدان: الصحة النفسية للنساء الفلسطينيات في المناطق المحتلة (القدس: مركز الدراسات النسوية، 2004)، ص.32–31

(90) Neyer & Bernardi, pp. 164–165. (91) Simone de Beauvoir, The Second Sex , H.M. Parshley (trans. & ed.) (New York: Alfred A. Knopf, 1953), p. 525.

أبو  بكر، خولة [وآخرون]. النساء والنزاع المسلح والفقدان: الصحة النفسية للنساء الفلسطينيات في المناطق المحتلة. القدس: مركز الدراسات النسوية،.2004 أبو عصب، نور [وآخرون]. "إعادة مركزة فلسطين في النظرية النسوية المناهضة للاستعمار، مناهضة استعمار المعرفة عن الجندر والجنسانية: محاولة نقدية". كحل: مجلة لأبحاث الجسد والجندر. مج 5، العدد 1 (ربيع.)2019 "اتفاقية جنيف الرابعة، 1949". اللجنة الدولية للصليب الأحمر.:1949/8/12. في

https://bit.ly/3OppTaM

أحمد، علياء. "النسوية التقاطعية: معناها، تطبيقاتها، نقدها وإمكان استخدامها في السياق السوري." قلمون: المجلة السورية للعلوم الاجتماعية. العدد  16 (تموز/ يوليو.)2021 "الأحوال الصحية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وفي الجولان السوري المحتل: تقرير مرحلي". جمعية الصحة العالمية والستون. منظمة الصحة العالمية. 2007/5/23–14.

في: https://bit.ly/3s3j3QB

"الأحوال الصحية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية وفي الجولان السوري المحتل". جمعية الصحة العالمية السابعة والستون. منظمة الصحة العالمية.:2014/5/19. في

https://bit.ly/45rueRw

"الأسيرات والمعتقلات: اعتقال النساء والفتيات الفلسطينيات". مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق https://tinyurl.com/2rzd9y9c:). في 2020 مارس /الإنسان (آذار بدارنة، هديل. "ما  وراء قضبان الأسر الإسرائيلي، بين 'الجنسي' و'السياسي'". جدل. العدد 24 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2015 بدر، أشرف عثمان. "الاستعمار الاستيطاني في فلسطين بين البنية والصيرورة: محو وإزالة أم تحكم وسيطرة؟" عمران. مج  10، العدد 39 (شتاء.)2022 "تقرير حصاد عام 2022 صادر عن مؤسسات الأسرى خلال عام 2022: الاحتلال اعتقل 7000 فلسطينيّ". مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان. 2023/1/1:. في https://bit.ly/3QBsaCl دقة، وليد نمر. صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب. بيروت: الدار  العربية للعلوم ناشرون،.2010 ظاهر–ناشف، سهاد ونادرة شلهوب–كيفوركيان. "الرغبات الجنسية في آلة الاستعمار الإسرائيلية الاستيطانية". مجلة الدراسات الفلسطينية. مج  104 (خريف.)2015 العكش، منير. أمريكا والإبادات الجنسية: 400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر،.2012

عواضة، نبيه. "وليد دقة.. قل للموت لا". مؤسسة الدراسات الفلسطينية. 2023/4/14:. في

https://bit.ly/3Kykw7R

الغبرا، حنين. النساء المسلمات في مواجهة الأنوثية البيضاء – التماهي والمقاومة. ترجمة عبد  الله بياري. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2021 فراونة، عبد الناصر. "سجون الأموات: تفاصيل بشأن سرقة الاحتلال لجثامين الشهداء". مؤسسة الدراسات الفلسطينية. 2022/6/15:. في https://bit.ly/3DXSezW "في يوم الأسير الفلسطيني للعام 2023: نحو 4900 أسير/ ة في سجون الاحتلال". مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان. 2023/4/15:. في https://bit.ly/45gIIno هنيدة، غانم. "السياسة الحيوية للاستعمار الاستيطاني: إنتاج المقدسيين كمارقين". قضايا إسرائيلية. مج 12، العدد 47 (30 أيلول/ سبتمبر.)2012 "وثيقة صادرة عن دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية رام الله، 2018/3/8". مؤسسة الدراسات الفلسطينية. في: https://bit.ly/3KEVdBb

الأجنبية

Aggarwal, Sanchita. "Reproductive Justice in Occupied Palestine: Biopolitical Policies and Experience." E–international Relations. 6/11/2022. at: https://bit.ly/3scwoq8 Ahmad, Shatha. "'Alone and Handcuffed': Palestinian Mother Fears Giving Birth inside Israeli Prison." Middle East Eye. 27/8/2021. at: https://bit.ly/3QIZ7N8 Al Issa, Ferdoos Abed–Rabo & Elizabeth Beck. "Sexual Violence as a War Weapon in Conflict Zones: Palestinian Women’s Experience Visiting Loved Ones in Prison and Jails.ˮ Affilia Journal of Women and Social Work. vol. 36, no. 2 (December 2020). Browm, Loura et al. "High–Risk Contexts for Violence against Women: Using Latent Class Analysis to Understand Structural and Contextual Drivers of Intimate Partner Violence at the National Level." Journal of Interpersonal Violence. vol. 38, no. 1–2 (Winter 2023). Crenshaw, Kimberle. "Mapping the Margins: Intersectionality, Identity Politics, and Violence against Women of Color." Stanford Law Review. vol. 43, no. 6 (July 1991). de Beauvoir, Simone. The Second Sex. H.M. Parshley (trans. & ed.). New York: Alfred A. Knopf, 1953. de Brún, Bairbre. "Women and Imperialism in Ireland." Women’s Studies International Forum. vol. 11, no. 4 (1988). Elia, Nada. "Ending Zionism is a Feminist Issue." The Electronic Intifada. 24/7/2014. at: https://bit.ly/45knoOp

Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. New York: Vintage Books, 1977. ______. Society Must be Defended: Lectures at the Collège de France, 1978–1979. New York: Pan Book Limited, 2003. _______. The Birth of Biopolitics: Lectures at the Collège de France, 1978–1979. New York: Palgrave Macmillan, 2008. Gerda, Neyerm & Laura Bernardi. "Feminist Perspectives on Motherhood and Reproduction." Historical Social Research. vol. 36, no. 2 (January 2011). Giacaman, Rita & Penny Johnson. "'Our Life is Prison': The Triple Captivity of Wives and Mothers of Palestinian Political Prisoners." Journal of Middle East Women’s Studies. vol. 9, no. 3 (Fall 2013). Jacobs, Harriet. Incidents in the Life of a Slave Girl. Lydia Maria Child (ed.). Boston: Academic Affairs Library, UNC–CH University of North Carolina at Chapel Hill, 2003. Kanaaneh, Rhoda Ann. Birthing the Nation: Strategies of Palestinian Women in Israel. Berkeley: University of California Press, 2002. Kaufman, Carol E. "Reproductive Control in Apartheid South Africa." Population Studies. vol. 54, no. 1 (December 2000). Miari, Leana. "Sumud: A Palestinian Philosophy of Confrontation in Colonial Prisons." South Atlantic Quarter. vol. 113, no. 3 (2014). Shalhoub–Kevorkian, Nadera. "The Politics of Birth and the Intimacies of Violence against Palestinian Women in Occupied East Jerusalem." British Journal of Criminology. vol. 55, no. 6 (November 2015). _______. "Infiltrated Intimacies: The Case of Palestinian Returnees." Feminist Studies. vol. 42, no. 1 (2016). Shalhoub–Kevorkian, Nadera et al. "Feminist Except for Palestine: Where Are Feminist Social Workers on Palestinian?" Affilia Journal of Women and Social Work. vol. 37, no. 2 (Winter 2022). Shalhoub–Kevorkian, Nadera & Ihmoud Sarah. "Exiled at Home: Writing Return and the Palestinian Home." Biography. vol. 37, no. 2 (Spring 2014). Terzian, Sylvia. "Surviving My Mother’s Legacy Patriarchy, Colonialism, and Domestic Violence in Lee Maracle’s Daughters are Forever." Journal of the Association for Research on Mothering. vol. 10, no. 2 (Winter 2008). Wolf, Patrik. "Settler Colonialism and the Elimination of the Native." Journal of Genocide Research. vol. 8, no. 4 (Winter 2006).