العودة إلى تفاصيل المؤلَّف التاريخ الاجتماعي لتعليم الفتيات بالمغرب: المرحلة ما قبل الكولونيالية 1860-1912

التاريخ الاجتماعي لتعليم الفتيات بالمغرب: المرحلة ما قبل الكولونيالية 1860-1912

Social History of Girls’ Education in Morocco: Pre–colonial Period 1860–1912

محمد مرشد| Mohammed Mourchid *

الملخّص

عنوان الكتاب: التاريخ الاجتماعي لتعليم الفتيات بالمغرب: المرحلة ما قبل الكولونيالية 1860-1912 . عنوان الكتاب في لغته: Histoire sociale de l’instruction des filles au Maroc: Période précoloniale 1860-1912 . المؤلف: عائشة بلعربي Aïcha Belarbi. الناشر: الدار البيضاء: لاكروازي دي شومان Éditions la Croisée des chemins. سنة النشر: 2021. عدد الصفحات: 318.

Abstract

Professor of Sociology, Sidi Mohammed Ben Abdellah University, Fez, Morocco. Email: mohammed.mourchid@usmba.ac.ma

الكلمات المفتاحية:
  • التاريخ الاجتماعي
  • تعليم الفتيات
  • المجتمع البطريركي
  • البنية الثقافية
  • الأدوار الاجتماعية
Keywords:
  • Social History
  • Girls’ Education
  • Patriarchal Society
  • Cultural Structure
  • Social Roles

عنوان الكتاب:

المؤلف:

عائشة بلعربي Aïcha Belarbi. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

التاريخ الاجتماعي لتعليم الفتيات بالمغرب: المرحلة ما قبل الكولونيالية

Histoire sociale de l’instruction des filles au Maroc: Période عنوان الكتاب في لغته: précoloniale 1860–1912.

الدار البيضاء: لاكروازي دي شومان Éditions la Croisée des chemins.

تُؤسّس الدراسة التي تقدمها عائشة

بلعربي على مقاربة سوسيو–تاريخية شمولية. ولا تسعى المؤلفة، من خلال هذه المقاربة، لإعادة كتابة التاريخ الاجتماعي للمغرب، بل تهدف إلى فهم الصعوبات التي تعترض تحقيق العدالة المدرسية بين الجنسين، وذلك من خلال العودة إلى مجموعة من الدراسات التي تناولت هذه الحقبة التاريخية، مع التركيز على قضية تعليم الفتيات على نحوٍ خاص. هذه العودة إلى التاريخ ليست عودةً عفوية أو اعتباطية، إنما عودة للوقوف على الشروط التاريخية التي حدَّدت وضعية المرأة، ورَهنَتها بمرجعيّة مُجتمعية بطريركية. وتتبنى

المؤلفة نموذجًا تأويليًا يقوم على ثلاثة أبعاد: البُعد

التاريخي، حيث تسعى لتحليل البنيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لمغرب ما قبل المرحلة الاستعمارية؛ والبعد التربوي، حيث تتناول مسألة التربية والتعليم بوجه عام، سواء في شكلها النظامي أم غير النظامي؛ ثم البعد الديموغرافي الذي يخص قضيّة المرأة في المجتمع المغربي.

(((تتمثل هذه المقاربة في "تحليل تصور المؤسسات السياسية والثقافة المهيمنة للنظام التربوي ككل، وكيفية استدماج هذا النظام لمسألة التفاوت بين الجنسين" (ص. 17) (((تتخذ مسألة الدفاع عن حقوق المرأة عمومًا، وتعليم

الفتيات على وجه الخصوص، أهمية مركزية لدى الكاتبة، سواء تعلق الأمر بمستوى النضال السياسي (سبق لها أن شغلت مناصب سياسية، أهمها منصب سفيرة المغرب لدى الاتحاد الأوروبي، ومنصب كاتبة الدولة لدى وزارة الخارجية والتعاون)، أم بمستوى الإنتاج الأكاديمي. ومن بين أهم المؤلفات التي تُدرج في هذا السياق، نذكر ما يلي:

Aicha Belarbi, Égalité–parité, histoire inachevée (Casablanca: Éditions Le Fennec, 2012); Aicha Belarbi, Femmes et Islam (Casablanca: Le Fennec, 1998); Aicha Belarbi, Situation de la petite fille dans le monde arabe (Tunis: Institut arabe des droits de l’homme, 1995); Aicha Belarbi, La situation de la petite fille au Maroc (Casablanca: Éditions Le Fennec, 1992); Aicha Belarbi, Enfance au quotidien (Casablanca: Editions Le Fennec,

أولا: لماذا العودة إلى التاريخ؟

تنطلق المؤلفة من قناعة سوسيولوجية، يؤكّدها عالم الاجتماع الألماني نوربرت إلياس في كتابه مجتمع البلاط، حيث يقول: "لا  تهتم السوسيولوجيا بدراسة المجتمعات المعاصرة فحسب، ولكن عليها كذلك أن تأخذ في الاعتبار التغيّرات التي تحصل على المدى الطويل، وهذا

ما  يسمح بفهم حقائق الحاضر، سواء استند هذا الفعل إلى مبدأ الاستمرارية، أو إلى مبدأ التغير". وإذا كانت العودة إلى التاريخ مسألة جوهرية من أجل فهم حقائق الحاضر، فإن السؤال الذي يُطرح هنا في خصوص الانتقائية

التاريخية: لماذا العودة إلى القرن التاسع عشر تحديدًا؟ تجيبنا المؤلفة عن هذا السؤال من خلال العودة إلى نص للمُؤرخ المغربي عبد الأحد السبتي،

يقول فيه: "يشكل القرن التاسع عشر مرحلةً مفصليّة للتعرف إلى المجتمع المغربي الذي

كان مُجتمعًا تقليديًا، من حيث بنياته وديناميته

الداخلية، وهو المجتمع نفسه الذي تعرَّض لِرجّة

قوية بفعل التدخل الأجنبي". إن العودة إلى تاريخ المغرب، خصوصًا إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تُعتبر مسألة مهمّة من أجل إبراز التغيرات الكبرى

التي شهدتها المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المغرب؛ فقد وَرِث مغرب القرن

التاسع عشر مؤسسات عتيقة، من قبيل: العائلة الممتدة، والقبيلة، والزاوية، والمخزن...  إلخ، وهذه المؤسسات هي التي شَكّلت لُحمة

(3) Norbert Elias, La société de cour , Calmann–Lévy (trad.) (Paris: Éditions Flammarion, 1985), p. 2. (4) Abdelahad Sebti, Villes et Figures du charisme (Casablanca: Éditions Toubkal, 1980), p. 151.

المجتمع وتماسكه، وهي نفسها التي منعت كل نزوع نحو الفردانية أو التمايز. إن الأمر يتعلق بمجتمع التضامن الميكانيكي، بلغة دوركهايم؛ فعلى الرغم من وجود صراعات وقلاقل بين مكونات المجتمع، فإن هذه الصراعات اتخذت صبغة جمعية، كما أن اندماج الأفراد لم يتحقق إلا  من خلال انتمائهم إلى هذه المؤسسات التقليدية. هذا المجتمع التقليدي المنغلق على ذاته سيتعرض لرجة قوية، بفعل التدخل الأجنبي؛ ما  سيُحدث رجة كذلك على مستوى البنى

الاجتماعية والثقافية والسياسية. في خصوص قضية تعليم الفتيات، يمكن القول إن تاريخ المغرب في الفترة ما قبل الاستعمارية يشهد أن هذه القضية لم تكن أولوية اجتماعية، على الرغم من أن النساء كُنّ فاعلات في تدبير شؤون المجتمع. إن هذه المفارقة التاريخية هي التي تشكّل جوهر الإشكالية التي اشتغلت عليها المؤلفة، وهي إشكالية عملت على تفكيكها إلى أسئلة دقيقة، من قبيل: لماذا كانت الفتيات محرومات من الولوج إلى الثقافة المكتوبة؟ وما  الذي دفع إلى استبعادهن من المدارس القرآنية، ومن التعليم النظامي؟ ولماذا كان فعل التعليم، عمومًا، يُصرّف في صيغة المُذكر

فحسب؟ وكيف لِبلد مسلمٍ، حيث تُعتبر الحِكمة مطلبًا للجميع، لم تتلقَّ فيه النساء سوى تربية

تقليدية تؤهّلهن لأداء أدوار اجتماعية محددة سلفًا؟ (ص. 20)–19 يُقسم الكتاب أربعة عشر فصلً، في ثلاثة أقسام: يُقدّم القسم الأول تشخيصًا مُقتضبًا

للفترة التاريخية الممتدة بين عامي 1860 (هزيمة تطوان) 1912 و (توقيع معاهدة الحماية)، مع التركيز على الحياة السياسية والاقتصادية

والاجتماعية والثقافية. أما في القسم  الثاني، فتركّز المؤلفة على وضعية المرأة خلال هذه الحقبة التاريخية التي عاش فيها المجتمع المغربي وضعية متناقضة، بفعل تعرّض بنياته

التقليدية لتدخّل القوى الأجنبية. ويتناول القسم الثالث (الأخير) قضية تعليم الفتيات، وذلك من خلال ربطها بالأيديولوجيا المحافظة السائدة، وبمؤسسات التنشئة الاجتماعية التي كانت تُكرّس تفاوتًا واضحًا بين الذكر والأنثى.

ثانيًا: البنية الاجتماعية والثقافية لمغرب ما قبل الاستعمار

عرفت الفترة التاريخية التي تتناولها الدراسة تعاقب أربعة سلاطين، هم على التوالي: سيدي محمد بن عبد الرحمن (1873–1859)، ومولاي الحسن (1894–1873)، ومولاي عبد العزيز (1908–1894)، ومولاي عبد الحفيظ (–1908 1912). وقد حاول كلّ واحد منهم مواجهة التحديات المحدقة بالمغرب، سواء تعلّق الأمر بأطماع القوى الاستعمارية خارجيًا، أم

بتمرد القبائل داخليًا. وهذا ما يفسّر العديد من

الإصلاحات التي عرفها المغرب خلال هذه الفترة، والتي آل معظمها إلى الفشل. ويرجع ذلك إلى "غياب مشروعية مجتمعية تتقبّل هذه

الخطوات الإصلاحية، إضافةً إلى الممانعة التي

(((يمكن اعتبار الإجراءات التي اتخذها السلطان الحسن الأول بمنزلة أول محاولة لإص حاا النظام التعليمي المغربي، ويتعلق الأمر بإرسال بعثات إلى الخارج من أجل تكوين نخبة عسكرية وإدارية قادرة على تحمّل المسؤولية، ومن ثم تحديث

الإدارة والاقتصاد في الب داا. ويُشكّل مشروع دستور عام 1908

منعطفًا أساسيًا في مسار تعلم الفتيات في المغرب، حيث نص

على ضرورة تعليم الفتيات. غير أن هذا المشروع لم يرَ النور

البتّة.

نهجها التيار الفقهي المحافظ الذي اعتبرها بدعةً، وتشبُّهًا بثقافة العدو (الغرب)" (ص. 48) لقد تميزت البنية الاجتماعية في المغرب خلال هذه المرحلة بوجود تنظيمات اجتماعية مُتباينة؛

فإضافةً إلى التنظيمات التقليدية المعروفة التي تتمثل في ثلاثية القبيلة والزاوية والمخزن، كانت هناك تمايزات داخل هذه التنظيمات؛ فهناك خاصة وعامة، وهناك حضريون وقرويون، وهناك أحرار (ذوو بشرة بيضاء) و"حرّاطون" (ذوو

بشرة سوداء)، وهناك مغاربة (مسلمون ويهود) وأوروبيون... إلخ. وفي إطار هذا التعدد، كان التعليم منحصرًا في مؤسسات عتيقة، ويستفيد

منه الذكور أكثر من الإناث. تقول بلعربي: "لقد أدى اصطباغ الديني بالسياسي والاجتماعي إلى تشكيل نزعة محافظة مشينة، نتج عنها رفضٌ قبْلي لكل تغيير قد يمسّ الحياة الاجتماعية.

وهذا ما انعكس بشكل سلبي على مجال التربية والتعليم، وخاصة على وضعية المرأة، وحقها في التعليم" (ص. 9) تتميز مرحلة الطفولة في هذا النموذج المجتمعي التقليدي، بكونها مرحلة سريعة؛ فالذكور والإناث يغادرون هذه المرحلة مُبكرًا،

كي يلتحقوا بعالم الكبار، حيث تساعد طقوس العبور في تسهيل هذا الانتقال. وتتميز طفولة الذّكر على نحو واضح من طفولة الأنثى؛ فالذكر يقضي طفولته بين الكُتّاب والمسجد والحي وتعلُّم حرفة، إنه عالم الرجال بامتياز. بينما تتشكّل طفولة الأنثى بين أحضان الأم والجدّات ونساء العائلة. وهكذا، "يُجسد

الرجل معاني الفحولة، بينما تُجسد  المرأة معاني الأمومة" (ص. 227). لقد تحدّدت وظيفة الثقافة التقليدية المغربية، على غرار البنية

الاجتماعية الموافقة لها، في "توحيد الجماعة، وذلك من خلال مَنحها مركزًا أو قطبًا مرجعيًا،

وبالتالي منحها صوتًا للتعبير عن رفضها كل تأثير خارجي؛ فالأمر يتعلق بهوية ومُحرّك

لمقاومة الآخر". إضافة إلى ذلك، كان تقسيم العمل قائمًا على

تمييز جنسي؛ فهناك عمل خاص بالنساء يجري داخل البيت، وهناك عمل يقوم به الرجال خارج البيت. غير أن هذا التوزيع المجالي للعمل لا يُمثّل علاقات السلطة والخضوع، بل يرتبط

بالنظام الاجتماعي ليحافظ على نفسه من خلال هذا التقسيم، وذلك لأن سلطة المرأة في البيت تفوق سلطة الرجل. وهذا ما تعكسه  بعض الأقوال والأمثال الشعبية. تمثل الثقافة الشعبية مدخلً أساسيًا يسمح بالنفاذ

إلى البنية الذهنية العميقة للأفراد؛ فالأمثال الشعبية تشكّل، في هذا السياق، انعكاسًا حقيقيًا

لهذه الذهنية، حيث تترسّخ القيم والمعايير

والأدوار الاجتماعية. وتسرد بلعربي من هذا السّجل الثقافي المغربي عددًا من الأمثال التي

تعكس الوضعية الاجتماعية للمرأة على وجه العموم، والفتاة على وجه الخصوص، من قبيل: "الزواج بَكْري، والحرث بَكْري"؛ "اللّي ماعندو

بْنات، ماعرفو حَد باش مات"؛ "لبنات عمارة

(6) Abdallah Laroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830–1912) (Paris: Éditions Maspéro, 1977), pp. 229–230.

(((من بين هذه الأمثال الشعبية المتداولة، نذكر ما يلي: "يلا حلفو فيك الرجال بات ناعس، ويلا حلفو فيك النسا بات فايق" (إذا أراد بك الرجال شرًا، فنم نومًا عميقًا، أما إذا أرادت

بك النساء شرًا، فاهجر النوم)، و"الخير امرا، والشر امرا" (الخير

يأتي من المرأة، والشر يأتي من المرأة). ((("الزواج في سن مبكرة، والحرث في وقت مبكر". ((("من لم يترك بناتٍ، لن يهتم به أحد وقت موته."

الدار"؛ "لا تسكَّن بنتك الغْروف، ولا تعَلمها

لحْروف". الواضح أن صورة المرأة/ الفتاة من خلال هذه الأمثال الشعبية هي صورة مزدوجة؛ فالبنات هنّ المؤنسات (عمارة الدار)، وإليهنّ يمكن الرجوع عندما يتقدم الآباء في السن، غير أن مكانهنّ ليس   بيت الأبوين،   بل بيت الزوج أو والدَي الزوج. لذلك، ينبغي إعدادهنّ لهذه المهمة، وتزويجهنّ في وقت مبكر، حتى يكون الزواج ناجحًا (تمامًا مثل حرث الأرض). هكذا، تصبح

مسألة تعليم الإناث مسألة ثانوية، وغير ذات أهمية، بل هي مسألة غير مرغوب فيها أصلً (لا تُعلّمها الحروف)، لأن ذلك يمكن أن "يؤدي إلى انحرافهنّ عن المسار الذي يبتغيه المجتمع من  234 المرأة" (ص). وليس انعزال البنت (لا تُسكنها الغروف) مسألة إيجابية، لما يمكن أن ينتجه من انحراف، أو خروج على القواعد الاجتماعية. وهذا ما يفسر نوعية التربية التي تتلقاها الفتيات في المجتمعات التقليدية، بحيث تقوم هذه التربية على ضبط اجتماعي للجسد، وعلى تحديد قبلي للأدوار الاجتماعية. من خلال هذه التصورات، فإن جسد الأنثى يُصبح مُحاطًا برموز، ومُنضبطًا بقواعد يصعب

تجاوزها. وينبغي لآرائها ومشاعرها أن تبقى طيّ الكتمان، ولا يتم التعبير عنها أمام الآخرين.

وهذا ما يجعل تعليمها تعليمًا محدودًا، ومرتبطًا

(((1 "البنات مؤنسات البيت وعمارته." (((1 "لا تجعل بنتك تختلي في الغرف، ولا تعلّمها الحروف." (((1 يمتد هذا الضبط الاجتماعي إلى الأماكن الأكثر حميمية؛ فعند "ذهاب الفتاة إلى الحمام (العمومي)، تحرص النساء المرافقات لها على أن يجلسنها في مكان آمن، بحيث تكون بعيدة عن الأماكن التي تغتسل فيها بقية النسوة، تجنبًا لإمكانية

تسرب السائل المنوي المتدفق من أجسادهن إلى رحمها" (ص. 235)

بالوظائف المنتظرة، على نحو قبلي، من طرف المجتمع.

ثالثًا: "نظام تعليمي" يعيد إنتاج التمايزات الاجتماعية نفسها

لقد كانت المؤسسات التعليمية الأولى التي ظهرت في المغرب، وفي العالم الإسلامي بوجه عام، مؤسسات غير نظامية؛ فقد شكّل المسجد، وهو المكان المخصص في الأصل للصلاة والتعبّد، أول فضاءٍ للتعلم، حيث مثّل

قِبلة لكل الشغوفين بحلقات العلم والمعرفة، كما كان هذا التعليم مفتوحًا أمام الجميع. بعد ذلك، سوف تظهر الكتاتيب القرآنية، وهي في الغالب أماكن تابعة للمسجد، حيث يتكلّف الإمام/ الفقيه بتعليم الأطفال القواعد الأساسية للقراءة والكتابة. أما التعليم الثانوي والعالي، فكان يجري في "المدارس "، وينتهي بالحصول على شهادة الإجازة من جامعة القرويين. تعكس العلاقة بالمعرفة طبيعةَ التراتبية الاجتماعية القائمة، ومن ثم علاقات السلطة داخل المجتمع. وإذا عدنا إلى طبيعة هذه العلاقة في الفترة التاريخية التي تدرسها عائشة بلعربي، فسنجد

(((1 الاسم المتداول في المغرب لهذه الكتاتيب القرآنية هو "المسيد". والواضح أن هذه التسمية تحوير لكلمة مسجد، وهذا يُظهر ارتباط الكُتّاب القرآني بالمسجد. وقد كانت هذه الكتاتيب

القرآنية منتشرة على نحو واسع في المدن الكبرى/ المخزنية. ويحصي المؤرخ الفرنسي لوتورنو ما يقارب من 120 "مسيدًا"

في مدينة فاس (24 في عدوة الأندلس، و 96 في عدوة القرويين)، في بداية القرن العشرين. ينظر:

Roger Le Tourneau, La vie quotidienne à Fès en 1900 (Paris: Hachette, 1965), p. 227.

(((1 يتعلق الأمر بالمدارس العتيقة التي كانت منتشرة في المغرب الأقصى.

أن التعليم الذي يسمح بامتلاك "معرفة عالمة" كان خاصية ذكورية بامتياز، في حين تقوم تربية الفتيات على أداء الوظائف الأولية والضرورية للعيش، وهذا ما يفسّر وضعية المرأة داخل هذا

المجتمع؛ حيث تؤهّلها تنشئتها الاجتماعية لأداء الأدوار التقليدية، ولا تسمح بولوج مناصب القرار والسلطة، إلّ لبعض النساء المحظوظات اللواتي يُشكّلن الاستثناء. بقي التعليم الذي كان سائدًا قبل الفترة الاستعمارية تعليمًا تقليديًا وفئويًا، ولا يستفيد منه

سوى الأبناء الذين ينحدرون من أُسر ذات حظوة اجتماعية مرموقة. ولم يكن تعليم الفتيات تعليمًا

متكافئًا؛ إذ كان في إمكان الفتيات اليهوديات، مثلً، دخول المدارس الموجودة في المتَلّحا

التي كانت موجودة في المدن الكبرى فحسب، ويرجع الفضل في ذلك إلى الجهود التي قامت بها "الرابطة الإسرائيلية الكونية " Alliance Universelle Israélite التي كانت تُقدّم تعليمًا

عصريًا لهؤلاء الفتيات. وأمام هذه الوضعية غير المتكافئة، "حاولت بعض البعثات الكاثوليكية والبروتستانتية أن تقدّم تعليمًا للفتيات المغربيات،

لكنها لم تنجح في ذلك بشكل كبير" (ص. 14) في الواقع، كان النظام التعليمي في المغرب خلال الفترة التي تدرُسها المؤلفة "انعكاسًا

للثقافة، وليس وسيلة للتطور. إنه تعليم يعمل على تكريس قيمٍ تقليدية، داخل مجتمع منغلق على نفسه، وبنية سياسية مُتشرذمة". وهو بذلك

بقي خارج سيرورة التحديث، على الرغم من

((1("الم ح" اسم يطلق على الحي اليهودي في المدن

المغربية العتيقة.

(16) Lucien Paye, Introduction et évolution de l’enseignement moderne au Maroc (Rabat: Arrissala, 1992), p. 92.

أن هذه "السيرورة مسَّت العديد من المجالات، وخاصة المجالين العسكري والاقتصادي" (ص. 254). وعلى الرغم من نهج بعض السلاطين (مثل السلطان محمد الرابع، والسلطان الحسن الأول) لسياسة البعثات، فإن ذلك لم ينعكس على نحو شمولي على القطاعات كلها. وباستثناء بعض المعطيات المحدودة (وغير الدقيقة) التي نجدها لدى المخبرين والرحّالة، وهي في الغالب معلومات ذات طابع إداري، فإن المعطيات الخاصة بمجال التعليم (خاصة تعليم الفتيات) خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، تكاد تكون غائبة (ص. 255) تنعكس السمات الأساسية التي يقوم عليها المجتمع التقليدي البطريركي على مستوى تَعلّم الأطفال؛ فعلى الرغم من استفادة بعض الفتيات من التعليم، فإن ذلك يُبنى على تمايزات واضحة من حيث المضمون والطرائق وأماكن التعلم. وهكذا، يجري تمكين الذكور من معرفة تقنية مناسبة للوظائف التي يُمكن أن

يمارسوها مستقبلً، إضافةً إلى استفادة بعضهم من تعليم ديني عميق، وهذا ما يسمح باحتلالهم مواقع اجتماعية متميزة. أما بالنسبة إلى الفتيات، فإن التعليم يتوجّه إلى ما هو أساسي (القراءة

(((1 يذكر المؤرخ عبد الرحمن بن زيدان أن السلاطين اهتموا بتعليم النساء داخل القصر: "لم تخلُ القصور الأمامية في حين

من الأحيان من أستاذ من جلة خيار الأساتذة وأنزههم وأسنهم ممن لا رأب له في النساء، ولا شغل له إلا تعليم البنات القراءة والكتابة، والضروري من علوم الدين الذي لا يسع المكلف جهله شرعًا، ولا تخلو القصور من الكتاتيب المعدّة لذلك،

ولا تكون إلا داخل باب القصر تحت رعاية وإشراف الطواشين، ولا بد لكل شريفة تتعلم من مرافقة دايتها تراقبها داخل المكتب، ولا يشاركهن في القراءة معهن بمكتبهن، ذكر ولو كان أصغر

منهن، أو شقيقًا لهن". ينظر: مولاي عبد الرحمن بن  زيدان، العز

والصولة في معالم نظم الدولة، ج  1 (الرباط: المطبعة الملكية، 1961)، ص.77

والكتابة)، وذلك لأن الحصول على معرفة معمّقة لا يتناسب والأدوار الاجتماعية المنتظرة منهنّ، وهذا ما ينجم عنه استمرارية البنية المجتمعية نفسها وترسيخ قيم الخضوع والتبعية.

رابعًا: تعليم الفتاة بين التقليد والحداثة

يُدرج النص الذي تقدّمه بلعربي، والذي يتناول قضية تعليم المرأة في المغرب، ضمن إشكالية تاريخية تتجاوز كثيرًا هذه القضية، ويتعلق الأمر

بثنائية /  الحداثة التقليد التي عرفتها / تعرفها المجتمعات العربية. وقد سبق لعددٍ من المفكرين العرب التنويريين ورواد الفكر الإصلاحي تناول هذه القضية ضمن الإشكالية نفسها، ونخصّ بالذكر هنا: محمد علي، وبطرس البستاني، ورفاعة رافع الطهطاوي، وقاسم أمين (السياق المشرقي)؛ والطاهر الحداد، وعبد  الحميد بن باديس، ومحمد السليماني، ومحمد الحجوي (السياق المغاربي). غير أن الرهان الذي يرتبط بمساهمة عائشة بلعربي لا يتحدد، في المقام الأول، في الانتصار للفكر الإصلاحي، أو إعادة إحياء أفكار بعض الرواد الذين أسسوا لنهضة تعليمية   لا تستثني الفتاة، بل يتمثّل الرهان الأساسي في الكشف عن تلك البنية المجتمعية العميقة التي تعترض تحقيق المساواة في قضية التعليم في المغرب، وذلك من خلال العودة إلى الشروط التاريخية التي أسّست لهذه البنية، وهذا ما يجعل مساهمتها أكثر راهنية. تساعد العودة في التاريخ، ومحاولة الكشف عن البنية الثقافية والذهنية العميقة التي ترسخت داخل المجتمع المغربي، ورهنت وضعية المرأة، في الكشف عن استراتيجيات السلطة (والسلطة

المضادة، كذلك). وهي الأطروحة التي يطورها الخمار العلمي في عَدد من كتاباته؛ ففي إطار حديثه عن إشكالية تعليم الفتاة في المغرب، يرى العلمي "أن العودة إلى خطاب تعليم الفتاة في عصر النهضة بالمشرق العربي عودة ضرورية لمعرفة خصوصية الخطاب المغربي حول تعليم الفتاة، وشروط إنتاجه"، على الرغم من وجود تفاوت زمني بين بداية الاهتمام بإنتاج خطاب حول تعليم الفتاة في كلا السياقين. لقد ساهمت حركة النهضة العربية، وما  نَجم عنها من تزايد عدد الفتيات المتمدرسات في المشرق (خاصة في الدول التي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانية، مثل مصر وسورية ولبنان)، كما ساهمت مدارس الرابطة الإسرائيلية، وكذا   مدارس البعثات الدينية المسيحية التي نشأت في المغرب في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، في إرساء الأسس الأولى لمدرسة عصرية في المغرب. هذا التأثير المزدوج، أو كما يسميه الخمار العلمي "الأثر المشرقي" و"الأثر الكولونيالي"، سيجعل مهمة تعليم الفتيات "تتحول إلى مطلب وطني وضرورة سياسية واقتصادية، سواء في المرحلة الكولونيالية، حيث ستتوج مطالب دعوات تعليم الفتاة بحصول إجماع وطني بين النخبة الوطنية والعرش على ربط تعليم المرأة بالمطالبة بالاستقلال والحرية،

(((1 من المؤلفات التي يتناول فيها الخمار العلمي هذه

القضية، نذكر: الخمار العلمي، الحجاب والمجال: في

سوسيولوجيا تأنيث التعليم في المغرب (الدار  البيضاء: أفريقيا

الشرق، 2005)؛ الخمار العلمي، الخطاب حول التعليم

واستراتيجيات السلطة: استراتيجيات ورهانات تعليم الفتاة

(الرباط: منشورات اتحاد كتاب المغرب، 2004 الخمار)؛

العلمي، المعرفة والسلطة: دراسات في التربية والطفولة والجنس (الدار البيضاء: تانسيفت،.)1995 ((1(العلمي، الخطاب حول التعليم، ص.17

أم في مرحلة الدولة الوطنية المستقلة حيث ربط تعليم الفتيات باستراتيجية التنمية الوطنية وإنتاج الثروة الاقتصادية". لم تكن استراتيجيات السلطة التي يتحدث عنها العلمي دائمًا في اتجاه واحد؛ فعلى الرغم من ارتباط المرأة بالأشغال المنزلية، حيث شكّل هذا التوجه قاعدة مجتمعية، فإن هناك استثناءات تؤكد القاعدة؛ فبعض النساء المتعلمات أو المنحدرات من عائلات ميسورة كنّ مُعفَيات من هذه الأشغال، بل كنّ يقمن بمهمات لم يكن المجتمع، عمومًا، يربطها بالمرأة، من قبيل التطبيب والتدريس وتحفيظ القرآن، خاصة في بعض المناطق في المغرب، مثل منطقة سوس. ويقدّم لنا، في هذا الصدد، العديد من النصوص التاريخية نماذج لنساء رائدات، استطعن أن يتفوّقن في مجالات عدة، مثل السياسة والولاية الصوفية وتحفيظ القرآن، بل كان منهنّ من أعلنت تمرّدها على الثقافة المجتمعية على نحو واضح.

(((2 المرجع نفسه، ص.6 ((2(في كتابه المعسول، وإن كان المختار السوسي لا  يتحدث على نحو مباشر عن تعليم الفتيات في منطقة سوس، فإنه يتناول بالتحليل تلك البنيات الاجتماعية والثقافية التي ساهمت إلى حد بعيد في توفير البيئة الملائمة لتعلم الفتيات. هكذا، نجده يورد أسماء عدد من النساء اللواتي استطعن أن يقتحمن مجال المعرفة العالمة، وهذا ما جعلهنّ يحظين بمكانة رفيعة داخل

المجتمع السوسي (منطقة إليغ تحديدًا)، ويمنح كذلك الزوجَ

وَضعًا اعتباريًا قيّمًا. إن ولوج المرأة إلى هذه المعرفة العالمة

يجعلها مُ عفاة من القيام بأشغال البيت، حيث تكرّس وقتها

لمهمة نشر المعرفة، خاصة لدى فئة النساء. ينظر: محمد

المختار السوسي، المعسول (المغرب: [د. ن.]، [د. ت.]). (((2 تورد عائشة بلعربي نموذج زينب النفزاوية التي أدّت دورًا

كبيرًا في إرساء دعائم دولة المرابطين وتثبيتها. (((2 ينظر: فاطمة العيساوي، "نساء قلن لا لاا القرن (خ

التاسع عشر)"، أمل، العدد  40–39 (2012)، ص.47–37

خاتمة

يؤكد لنا التاريخ الاجتماعي للمغرب أن هذا المجتمع، حتى حدود نهاية القرن التاسع عشر، لم يكن يولي أهمية كبيرة لتمدرس الفتيات، فقد كانت تربيتهنّ تربية عَملية؛ أي تتوجه إلى تعليمهنّ كل ما يتعلق بتنظيم شؤون البيت وإتقان

بعض الحِرف التقليدية. وكان الزواج المُبكر عائقًا أمام استفادة الفتاة من تعليم مُمتد سنوات، وهذا ما يفسر تفاقم نسبة الأمية تفاقمًا كبيرًا لدى

النساء عمومًا. وتعتبر المعرفة الأساسية المقدمة للإناث معرفة محدودة، فهي لا تسمح  لهنّ بمغادرة المجال العائلي الذي يتشكل من البيت والنساء والأطفال. لقد كان تعليم الفتيات أمرًا غير

مستساغ من طرف الرجال والنساء، ومن طرف المجتمع عمومًا؛ وذلك لأنه يشكّل تهديدًا للنظام الثقافي والاجتماعي القائم. إن أصالة الأطروحة التي تقدمها عائشة بلعربي تَكْمُن في ربطها لقضية تعليم الفتيات بسيرورات الحداثة والتقليد التي عاشها المجتمع المغربي. واعتمادُها على المقاربة التاريخية، في هذا السياق، يسمح بفهم التحولات الاجتماعية الكبرى، وإدراك البنية الذهنية العميقة التي ما تزال تكرس تفاوتًا واضحًا بين الذكور والإناث. غير أن ربط قضية تعليم الفتيات في الوقت الحاضر بالشروط التاريخية التي كرست هذا التفاوت تبقى مسألة فيها نوع من الإقصاء لشروط أخرى ترتبط بالبنية المجتمعية الراهنة، وتأثُّر هذه البنية بمحددات من طبيعة داخلية (اقتصادية، سياسية... إلخ) وخارجية (سياق العولمة، والثورة التكنولوجية... إلخ)، وهذا ما يجعل إشكالية التفاوتات الاجتماعية عمومًا، وإشكالية التفاوت بين الجنسين على وجه الخصوص، مسألة بالغة التعقيد.

المراجع

العربية

منشورات اتحاد كتاب المغرب،.2004

الشرق،.2005 العيساوي، فاطمة. "نساء قلن لا  (خلال القرن التاسع عشر)". أمل. العدد).2012(40–39 السوسي، محمد المختار. المعسول. المغرب: [د. ن.]، [د. ت.].

الأجنبية

References

بن زيدان، مولاي عبد  الرحمن. العز والصولة في معالم نظم الدولة. الرباط: المطبعة الملكية،.1961 العلمي، الخمار. المعرفة والسلطة: دراسات في التربية والطفولة والجنس. الدار  البيضاء: تانسيفت،

________. الخطاب حول التعليم واستراتيجيات السلطة: استراتيجيات ورهانات تعليم الفتاة. الرباط:

________. الحجاب والمجال: في سوسيولوجيا تأنيث التعليم في المغرب. الدار  البيضاء: أفريقيا

Belarbi, Aicha. Enfance au quotidien. Casablanca: Editions Le Fennec, 1991. ________. La situation de la petite fille au Maroc. Casablanca: Éditions Le Fennec,

________. Situation de la petite fille dans le monde arabe. Tunis: Institut arabe des droits de l’homme, 1995. ________. Femmes et Islam. Casablanca: Le Fennec, 1998. ________. Égalité–parité, histoire inachevée. Casablanca: Éditions Le Fennec, 2012. Elias, Norbert. La société de cour. Calmann–Lévy (trad.). Paris: Éditions Flammarion,

Laroui, Abdallah. Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain (1830– 1912). Paris: Éditions Maspéro, 1977. Le Tourneau, Roger. La vie quotidienne à Fès en 1900. Paris: Hachette, 1965. Paye, Lucien. Introduction et évolution de l’enseignement moderne au Maroc. Rabat: Arrissala, 1992. Sebti, Abdelahad. Villes et Figures du charisme. Casablanca: Éditions Toubkal, 1980.