فترة انتقالية مضطربة: تحولات التحالف الهجين في السودان
An Unstable Transitional Period: The Transformations of the Hybrid Coalition in Sudan
الملخّص
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الاضطرابات التي أصابت الفترة الانتقالية في السودان بعد انتفاضة كانون الأول/ ديسمبر 2019. وتركّز على تأثير التحوّلات التي طرأت على التحالف الذي تكوّن لإدارة الفترة الانتقالية، مؤلفًا من ثلاثة أضلاع، هي: المكون العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والمكون المدني، والحركات المسلحة. وتفترض أن هذا التحالف كان هجينًا وأنه مر بتحولات تمثلت في انشقاقات وتكوين تحالفات جديدة أو إعادة إنتاج تحالفات، وأن هذه التحولات قد أسهمت في عدم استقرار الفترة الانتقالية؛ إذ غلبت ديناميات السياسة التنازعية على العملية السياسية. وأولت الدراسة الآليات والعمليات التي أثّرت في الفاعلين في بيئة سياسية متحركة وفاعلة اهتمامًا خاصًّا. وركّزت على وسائل التجميع ومخاطبة فاعلين متعددين في الوقت نفسه، والتفاعل الصفري وتوظيف الأيديولوجيا في عملية بناء التحالفات وتفكيكها.
Abstract
Abstract: This study analyses the turmoil that unfolded during the transitional period in Sudan after the December 2019 uprising. It focuses on the impact of specific transformations on the hybrid coalition that was formed to oversee the transitional period. This coalition consists of three components: the military establishment, with its two branches, the armed forces and the Rapid Support Forces, the civilian coalition, and the armed movements. The study demonstrates that this hybrid alliance underwent splits and the formation of New alliances, arguing that the reproduction of alliances contributed to the instability of the transitional period. Moreover, it argues that the dynamics of contentious politics have dominated the political process. It pays particular attention to the mechanisms and processes that influenced the actors in a dynamic and a vibrant political environment. Furthermore, it focuses on the technique of conflation, multiple targeting of actors at the same time, zero–sum interaction, and employing ideology in the process of building and dismantling alliances.
- الفترة الانتقالية
- السياسة التنازعية
- التحالفات
- الهجنة
- عدم الاستقرار
- Transitional Period
- Contentious Politics
- Alliances
- Hybridity
- Instability
ملخص: تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الاضطرابات التي أصابت الفترة الانتقالية في
السودان بعد انتفاضة كانون الأول/ ديسمبر 2019. وتركّز على تأثير التحّولّات التي طرأت
على التحالف الذي تكوّن لإدارة الفترة الانتقالية، مؤلفًا من ثلاثة أضلاع، هي: المكون
العسكري بشقيه القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والمكون المدني، والحركات
المسلحة. وتفترض أن هذا التحالف كان هجينًا وأنه مر بتحولات تمثلت في انشقاقات
وتكوين تحالفات جديدة أو إعادة إنتاج تحالفات، وأن هذه التحولات قد أسهمت في عدم
استقرار الفترة الانتقالية؛ إذ غلبت ديناميات السياسة التنازعية على العملية السياسية. وأولت
الدراسة الآليات والعمليات التي أثّرت في الفاعلين في بيئة سياسية متحركة وفاعلة اهتمامًا
خاًّصًا. وركّزت على وسائل التجميع ومخاطبة فاعلين متعددين في الوقت نفسه، والتفاعل
الصفري وتوظيف الأيديولوجيا في عملية بناء التحالفات وتفكيكها.
Abstract: This study analyses the turmoil that unfolded during the transitional period in Sudan after the December 2019 uprising. It focuses on the impact of specific transformations on the hybrid coalition that was formed to oversee the transitional period. This coalition consists of three components: the military establishment, with its two branches, the armed forces and the Rapid Support Forces, the civilian coalition, and the armed movements. The study demonstrates that this hybrid alliance underwent splits and the formation of New alliances, arguing that the reproduction of alliances contributed to the instability of the transitional period. Moreover, it argues that the dynamics of contentious politics have dominated the political process. It pays particular attention to the mechanisms and processes that influenced the actors in a dynamic and a vibrant political environment. Furthermore, it focuses on the technique of conflation, multiple targeting of actors at the same time, zero–sum interaction, and employing ideology in the process of building and dismantling alliances.
Professor of Political Science at the University of Khartoum, Sudan, and Visiting Researcher at the Center for Conflict and Humanitarian Studies, Qatar. Email: hhag2@yahoo.com
مقدمة
بعد إطاحة نظام عمر البشير، إثر انتفاضة كانون الأول/ ديسمبر 2018، تشكّلت قيادة الفترة الانتقالية، بعد مخاض عسير، من تحالف واسع الانتشار ضم مكونًا مدنيًا تمثّل في قوى
الحرية والتغيير، الذي فاقت عضويته مئةً من التنظيمات والأحزاب والمجموعات السياسية، ومكونًا عسكريًا من شقين متنافسين هما القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. وانضم إلى هذا التحالف لاحقًا حركات دارفور المسلحة بعد التوقيع على اتفاق جوبا للسلام. قام هذا التحالف على توافق الحد الأدنى، حيث شاركت مكونات منه في إسقاط نظام البشير، بينما لحقت مكونات أخرى بركب التغيير. توافق هذا التحالف على وثيقة دستورية وُضعت على عجل، وعلى حكومة انتقالية مدتها
ثلاث س ونات. ولم تمضِ شهور قليلة حتى بدأت التصدعات تظهر على التحالف القائم فأعلنت انسحابات، وانقسم تجمع المهنيين كما انقسم تحالف الحرية والتغيير، وانقلب المكون العسكري على حلفاء الأمس قبل أن تدور معارك طاحنة بين طرفيه. تمثل الحالة السودانية تفردًا في حالات الفترات الانتقالية، حيث قامت على تحالف عسكري – مدني غلب الت ونع على مكوناته والتعارض في مصالحها، وخاصة في صلب المكون العسكري. وما يميّز الحالة السودانية، كذلك، هو حدوث
تحولات سريعة ومفاجئة في التركيبة الداخلية للتحالف مرتبطة بمؤثرات خارجية وداخلية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التحولات التي طرأت على تحالفات الفترة الانتقالية، وما مرت به من انشقاقات وتكوين تحالفات جديدة، خرجت من عباءتها أو كانت مناوئة لها أو أعادت إنتاجها، وأفضت في أحد تحولاتها إلى انفجار العنف في السودان. وتنطلق الدراسة من فرضية أن ما اتسم به السودان، في عقود ثلاثة أو تزيد، هو غلبة ديناميات السياسة الصراعية/ التنازعية Contentious Politics، وهي تركز، في أحد مداخلها، على العلاقات الدينامية التي تقوم بين الفاعلين. فبدل من التركيز على الفاعلين، حركات أو تنظيمات محددة، ينصب الاهتمام على العمليات والآليات Processes and Mechanisms في بيئة سياسية متحركة وفاعلة. وبما أن البيئة حيّة ومتفاعلة، فالتحولات التي تطرأ فيها تغيّر العلاقات، ومن ثمّ
الآليات ولاحقًا العملية. فالعلائق الآلية تغيّر الارتباطات بين الناس والجماعات والشبكات. وتفترض
الدراسة أيضًا أن أحد تحولات التحالف الذي قاد الانتقال يعدّ منعطفًا مفصليًا Critical Junctures،
أفضى إلى قيام الحرب في السودان. ويشير مصطلح المنعطف المفصلي إلى الفترة "التي يضعف فيها تأثير العوامل الهيكلية – الاقتصادية والثقافية والأيديولوجية والتنظيمية – على الفعل السياسي لفترة قصيرة نسبيًا، مما يؤدي إلى توسيع خيارات الفاعلين السياسيين الأقوياء خلال هذه الفترة القصيرة".
نتيجة لذلك، شكّل قيام الحرب دخول البلاد مرحلة سياسية جديدة لن تشبه سابقاتها. تستخدم الدراسة منهجية التحليل التتبعي Process Tracing؛ بحسبانها الأنسب لتحليل التحولات التي طرأت على التحالف القائد للفترة الانتقالية والتحالفات التي انبثقت منه والمناوئة له، ولأن الدراسة تركّز على تحليل التحّولّات في تكوين التحالفات بوصفها آلية في العملية السياسية. يقوم التحليل
(((حسن الحاج علي أحمد، "مراحل انتقال الثورات العربية: مدخل مؤسسي للتفسير"، في: أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات
العربية (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص.70
التتبعي بتحليل مسارات التغيير السياسي، ويحاول تحديد أسبابه؛ ولذلك يتطلب وصفًا كافيًا للظواهر
التي تلاحظ في كل خطوة في هذه المسارات، بوصفه لبنة أساسية في تتبع العمليات قيد الدراسة. وعلى أساس ما وكلير بالوصف المكثف وسمه ديفيد Intensive Description، يكون تحليل التتابع Sequence Analysis، بحيث يجري شرح نتائج الظاهرة ومخرجاتها، بالرجوع إلى الأحداث التي تتكشف بمرور الوقت، والإشارة إلى تسلسل العوامل السببية المرتبطة بالظاهرة. وبهذه الاعتبارات، ننا التحليل التتبعي من تحديد المنعطفات المفصلية في حراك الفترة الانتقالية في السودانّيمّك، وعلى اعتبار ذلك المنعطف هو دخول البلاد الحرب. وقد اعتمدنا في جمع البيانات على مصادر أولية، شملت صحفًا وفيديوهات ووثائق، إلى جانب مصادر ثانوية شملت كتبًا ومقالات وتقارير تحليلية تناولت الحالة السودانية خلال الفترة الانتقالية. وعلى هذا
الأساس، فإننا لا نبني تفسيرًا قائمًا على المتغيرات Variable Based Explanations، بحيث نختبر
إن كان ما نلاحظه في المتغير التابع من أثر متطابقًا مع ما نلاحظه من تغيير في قيمة المتغير المستقل. بل نستند إلى التفسير المعتمد على الآليات Mechanistic Explanations، الذي يذهب إلى ما بعد التطابق المذ وكر آنفًا؛ فهو يحدد ما أحدث التطابق في الشبه بين السبب والنتيجة المفترضين. في مثل هذا التفسير، ليست الآليات أسبابًا، وإنما هي عمليات تسبيب Causal Processing تعمل على المسار بين السبب والنتيجة، ويمكن قياسها من خلال التكرار والتردد الذيُيلُاحظ عند حدوث الآلية التي تربط بينهما. ونستخدم هذا التفسير في الدراسة الحالية، على اعتبار أن التحالفات التي ظهرت خلال الفترة الانتقالية في السودان أفرزت عددًا من الوسائل، مثل التجميع والتفاعل الصفري، التي يمكن قياسها بصورة مباشرة عبر الدراسة الميدانية، وقد طبق هذا المنهج من قبل في دراسات عن تكوين التحالفات. وقد أشار ستاثيسكاليفاس، في دراسة أخرى عن منطق العنف في الحروب الأهلية، إلى دور التحالفات بحسبانها آلية فاعلة فيها. ولم يكن العنف بالنسبة إليه نتيجة للحرب الأهلية، بل اعتبره عملية Process تربط التصدعات المركزية بالفاعلين على المستوى المحلي في المناطق الطرفية.
(2) David Collier, "Understanding Process Tracing," PS: Political Science and Politics , vol. 44, no. 4 (2011), p. 823. (3) Ibid., p. 824. (4) James Mahoney, "Process Tracing and Historical Explanation," Security Studies , vol. 24, no. 2 (2015), p. 204.
(((لمزيد من المعلومات حول دور التحليل التتبعي في تحديد الفترات الانتقالية، ينظر:
Giovanni Capoccia & R. Daniel Kelemen, "The Study of Critical Junctures: Theory, Narrative, and Counterfactuals in Historical Institutionalism," World Politics , vol. 59, no. 3 (April 2007), pp. 341–369.
(((لمزيد من المعلومات المتعلقة بالنقاش الدائر حول الاختلاف في تصميم البحث بين بحث يستخدم البّيةّنات الآلية في دراس
الحالة وآخر يستخدم التباين بين الحالات في دراسة حالات عديدة معتمدًا على الإحصاء، ينظر: حسن الحاج علي أحمد، "القدرة
على الاستدلال: إسهامات التحليل التتبعي في بحوث دراسة الحالة"، سياسات عربية، مج 7، العدد 41 (2019)، ص 102–89.
(7) Derek Beach & Rasmus Brun Pedersen, Process–Tracing Methods Foundations and Guidelines , 2 nd ed. (Ann Arbor: University of Michigan Press, 2019), p. 3. (8) Doug McAdam, Sidney Tarrow & Charles Tilly, "Methods for Measuring Mechanisms of Contention," Qualitative Sociology , vol. 31, no. 4 (2008), p. 308. (9) Ibid., p. 311.
فالآلية الأساسية التي تربط المركز بالأطراف ليس تصدعًا اجتماعيًا عامًا Social Cleavage يربط
الطرفين، لكنه تحالف بين أشخاص من المركز والأطراف لا يجمع بينهم إلا القليل. والنموذج الذي يقوم عليه كتاب كاليفاس قائم على التفاعل الذي يركز على العلاقة بين الفاعلين. تسعى هذه الدراسة لقياس آلية التحالفات والأساليب التي استخدمتها في الفترة الانتقالية وأسهمت في التحولات التي شهدتها هذه الفترة. وتستعير من آن مسشي وسيلة التجميع التي يستخدمها من يريدون بناء تحالف، وتشير إلى توسيع الأهداف والمشاريع المشتركة ليلتحق به أكبر عدد من الأعضاء، ووسيلة استهداف عدة فاعلين في الوقت نفسه Multiple Targeting عبر تركيز الخطاب على القضايا المشتركة والتقليل من شأن قضايا الاختلاف. وتضيف إليهما الدراسة آليتين أسهمتا في انشقاقات التحالفات أو بناء تحالفات معادية للتحالفات القائمة، هما: آلية التفاعل الصفري Zero–sum Engagement كسب يحققه طرف سياسي يتحقق بخسارة الطرف الآخر التي تشير إلى أن أي، وآلية توظيف الأيديولوجيا، وتشير الأيديولوجيا إلى "المعتقدات الجوهرية لدى مجموعة ما وأعضاء تلك المجموعة". ويمكن تتبعها من خلال الخطاب الذي يشمل النص والحديث والتفاعل الشفهي والتواصل. وتقوم هذه الدراسة بملاحظة التكرار الذي تحدثه الآليات المذ وكرة آنفًا وتحليل التتابع خلال الفترة الانتقالية. وبعد تناول العديد من المفاهيم التي نوظفها في الدراسة وبيان استتباعاتها النظرية، نتعرض لديناميات الفترة الانتقالية ثم نخصص حيزًا لتحليل تأثير اتفاق جوبا للسلام في التحالفات التي قامت بعده. وبعد أن نشرح خريطة طريق التحالفات التي استجدت، نتعرّض للطريق نحو الانقلاب والعنف المسلح الذي
اندلع في السودان. ثم تكون لنا وقفة على دلالات نتائج التحليل على المستويين النظري والعملي. تتبع الدراسةُ التحّولّاتِ التي طرأت على التحالف الأم، وتصنف التحالفات التي نجمت عنها على أساس هويتها السياسية. وتتناول تحالفات لم تكن جزءًا من التحالف الكبير، ولكن أفرزتها البيئة
السياسية التي عمل فيها. وتتعرّض الدراسة في البدء لتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير وتحالفه
مع العسكر والحركات المسلحة في تحالف هجين، ثم تحلل تأثير التحالفات التي تعاقبت بعد ذلك
(10) Stathis N. Kalyvas, The Logic of Violence in Civil War (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), p. 383. (11) McAdam, Tarrow & Tilly, pp. 318–319.
((1(لمزيد من المعلومات حول أثر التفكير الصفري في الانقسامات السياسية، ينظر:
Sahil Chinoy et al., "Zero–Sum Thinking and the Roots of U.S. Political Divides," National Bureau of Economic Research, Working Paper , no. 31688, September 2023, accessed on 24/11/2023, at: http://tinyurl.com/yyb7y8k3
((1(لمزيد من المعلومات المتعلقة بكيفية استخدام الأيديولوجيا في بناء التحالفات حول قضايا محددة، ينظر:
Kathleen Bawn, "Constructing 'Us': Ideology, Coalition Politics, and False Consciousness," American Journal of Political Science , vol. 43, no. 2 (April 1999), pp. 303–334.
(1((تون أ. فان دايك، الأيديولوجيا والخطاب: مقدمة متعددة التخصصات، ترجمة سعيد بكا ولحسن بوتكلاي (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023) ص.15 ((1(المرجع نفسه، ص 18.
على الفترة الانتقالية وهي الأمر الواقع، والتغيير الجذري، والآني، والموسع، والصفري. وعلى هذا النحو، تطوّر الدراسة الإطار النظري للسياسة التنازعية لتقوم بتطبيقه على تكوين التحالفات السياسية
وتحولاتها في الفترات الانتقالية، وذلك بدراسة آلية هذه التحالفات وما أفرزته من أساليب تفترض أنها أثرت في تشكيل التحالفات. وتمك ننا هذه الأساليب من التعرّف إلى كيفية تفاعل السياسة التنازعية في
السودان، من خلال بناء التحالفات وفضها وإعادة إنتاجها. وبذا، تسعى الدراسة للمساهمة في فهم ديناميات الفترات الانتقالية، من خلال دراسة نشأة التحالفات وتحولاتها.
أولا: السياسات النزاعية وهجنة التحالفات السياسية
ينبني الم ونال التحليلي الذي تعتمده الدراسة على مثلث يتكون من مفاهيم: "السياسات النزاعية"، و"الهجنة"، و"التحالفات السياسية".
1. السياسة التنازعية
تشير السياسة التنازعية إلى كل تفاعل تنازعي بين فاعلين سياسيين يطالبون بتحقيق مصالح من جهة، وحلفائهم ومنافسيهم والحكومة والإعلام والرأي العام من جهة أخرى. ويعكس صعود الفاعلين كيفية التحشيد وتفريغ التحشيد في خضم تفاعل هذه المجموعات وسقوطهم. استُخدم المصطلح أول في مجال دراسة الحركات الاجتماعية، إلا أنه يشير، بالنسبة إلى بعض الباحثين، إلى ما هو أوسع من تطبيق مفهوم الحركات الاجتماعية ليشمل مجالات الصراع الأخرى. ويدل لدى باحثين آخرين على مجال التفاعل بين فاعلين جماعيين أو أولئك الذين يمثلونهم، سواء كانوا حركات اجتماعية أم لا. ويرى مدخل السياسة التنازعية أن الثورات والحروب الأهلية والصراعات العرقية والحركات الاجتماعية وأشكال التنازع الأخرى تنجم عن أسباب مماثلة، لكن طريقة تفاعلها وتسلسلها وظروفها الأولية مختلفة تقسّم أسبابها إلى آليات وعمليات. وقد عرّف دوغ ماك آدم وسيدني تارو وتشارلز تيلي الآليات بأنها "مجموعة من الأحداث المُحدِدة
التي "تُحدِث تحولات في العلاقة بين عناصر ذات أوضاع متطابقة أو متشابهة وعبر مواقف مختلفة. بمعنى آخر، هناك أسباب متشابهة لأحداث مختلفة تشمل الثورات والحروب الأهلية والنزاعات الإثنية والحركات الاجتماعية تؤدي إلى تغيير في العلاقات بين الفاعلين. ويمكن تقسيم هذه الأسباب إلى: آليات متكررة الحدوث، وعمليات. ومن الأمثلة على الآليات التطرّف والسمسرة السياسية والتحالفات.
ويتطلب تفسير السياسة التنازعية تحديد تلك الآليات والعمليات. كل الأطراف في السياسة التنازعية في حالة مستمرة من الحراك الهادف إلى إقناع آخرين أو الحجر عليهم أو هزيمتهم أو معاقبتهم أو
(16) Sidney Tarrow, "Contentious Politics," in: Donatella della Porta & Mario Diani (eds.), The Oxford Handbook of Social Movements (Oxford: Oxford University Press, 2014), p. 86 (17) Ibid., p. 87. (18) Doug McAdam, Sidney Tarrow & Charles Tilly, Dynamics of Contention (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), p. 24.
التعاون معهم، وهذا يشكّل دينامية السياسة التنازعية. هناك أنواع مختلفة من الآليات، لكن ما تركّز عليه هذه الدراسة هو الآليات العلائقية؛ أي تلك التي تشكّل العلاقات بين فاعلين أو مجموعات وتغيرها. ولا تعمل الآليات بمفردها، لكنها تكون في حراك مع آليات أخرى ضمن عمليات أوسع. أما العمليات التي تشتمل عليها السياسات التنازعية، فهي تسلسل منتظم للآليات السابق عرضها ينتج منه – على نحو أكثر تعقيدًا وآنيّة – تحولات متشابهة لهذه العناصر. وبذلك تكون العمليات سلسلة من المسببات ومجموعة من الآليات.
2. الهجنة
ركّزت دراسات الهجنة في الفترات الانتقالية اهتمامها على الأنظمة الهجينة. وهناك تباين في التعريفات في هذا الشأن. لكن تيارًا عرّفها بأنها نظم تجمع بين عناصر تسلطية وأخرى ديمقراطية. وتشير
دراسات أخرى إلى وجود ميليشيات وتنظيمات شبه عسكرية مشاركة مع عناصر حكومية مدنية وعسكرية في ترتيبات سلام ما بعد النزاع فيما أطلق عليه "السلام الهجين". اعتمًادا على هذه التعريفات التي تعرّف الهجنة في المراحل الانتقالية بوجود عنصر عسكري أو مسلح في ترتيبات
سياسية، تطبق هذه الدراسة الهجنة على اعتبار وجود مكون من المؤسسة العسكرية أو الحركات المسلحة في تحالف سياسي مع قوى مدنية. إن واقع الهجنة في هذا التحالف يزداد بروزًا، إذا ما أخدنا في الاعتبار أنه جرى خلال فترة يفترض أن تكون فترة انتقالية في اتجاه بناء نظام سياسي ديمقراطي، يتجاوز مرحلة من الاستبداد السياسي عاشها السودان على امتداد عقود.
3. دراسات التحالفات
تناولت دراساتٌ تحّولّاتِ التحالفات من منظور إقليمي، مثل البحث الذي أنجزته مي درويش عن تماسك تحالفات الشرق الأوسط بعد عام 2011، وقيام الانتفاضات العربية المختلفة من زاوية المحاور الإقليمية، ومدى ارتباط قوى سياسية داخلية بها مثل تحالفات حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أو أكراد سورية، وكيف يمكن أن تسهم بحوث العلاقات الدولية في فهم تحولات التحالفات الإقليمية
(19) Tarrow, pp. 78–88. (20) McAdam et al., p. 27. (21) Ibid., pp. 24–27. (22) Andrea Cassani, "Hybrid What? Partial Consensus and Persistent Divergences in the Analysis of Hybrid Regimes," International Political Science Review , vol. 35, no. 5 (2014), pp. 542–558.
((2(ينظر على سبيل المثال:
Mariam Mufti, "What Do We Know about Hybrid Regimes after Two Decades of Scholarship?" Politics and Governance , vol. 6, no. 2 (2018), pp. 112–119. (24) Adam Day, Hybrid Conflict, Hybrid Peace: How Militias and Paramilitary Groups Shape Post–Conflict Transitions (New York: United Nations University, 2020).
وسعي فاعلين من غير الدولة للتحالف والارتباط بها. غير أن هذه الدراسة تركز على التحالفات الداخلية وكيفية تأثر تشكيلها بقوى إقليمية أو دولية. ومن الإسهامات في دراسة التحالفات تلك التي ركّزت على مجتمعات منقسمة. ودراسة ياسمين بيريان وماري دوبوك مثال لهذا ال ونع من البحوث؛ حيث رأتا عدم الفصل بين التحالف والانقسام الاجتماعي؛ إذ يجب أن يُدرسَا على أنهمايشكلان نسيجًا متكامل يمّك نّنا من تحديد عمليات التمييز والتصنيف. ويمكّن هذا التناول المتكامل الباحثين من معرفة إسهام التحالفات في حال الانقسام الاجتماعي، عبر تعزيزها للانقسامات القائمة وتكوين أخرى جديدة. لذا، يكون من المهم وضع تكوين التحالفات وآثارها الاجتماعية والسياسية ضمن منظور طويل المدى، يركز على العمليات السابقة واللاحقة لتأسيس التحالف. وترى الباحثتان أن التحالفات مؤقتة بطبعها، وهي بهذه الصفة ليست نشازًا، بل تُعد جزءًا عادًّيًا من السياسة التنازعية.
فالخلافات الداخلية جزء أساسي من التحالف، وعلى وجه الخصوص عندما تنضم مجموعات ذات توجهات ثقافية وأيديولوجية مختلفة، وذات هويات متباينة وإرث متخالف من العمل السياسي. وهذا يمكّن الباحثين من دراسة كيفية تبلور الاختلافات، والكيفية التي جرى بها التوفيق بينها أو أعيد اختراعها.
ثانيًا: ديناميات تحالفات الفترة الانتقالية: من التوسيع إلى التهجين
مضى على السودان، منذ التوقيع على الوثيقة الدستورية في 17 آب/ أغسطس 2019، نحو أربع س ونات. كان المؤمل أن يكون أجل الفترة الانتقالية قد انقضى في عام 2023، وأن تكون الانتخابات العامة المفترض قيامها في نهاية الفترة قد أفضت إلى تكوين حكومة مدنية منتخبة. لكن لم يتحقق أيّ من هذه التوقعات.
1. السياسة النزاعية وتواتر التحالفات
عانى النظام السياسي، منذ قيام الفترة الانتقالية، حالة تفتت للقوى السياسية؛ ما دفعها إلى الدخول في تحالفات تستقوي بها، بحيث أضحت هذه التحالفات عاملًا فاعل في الحراك السياسي. لكن في حالة السياسة التنازعية التي ميّزت السلوك السياسي في السودان، أضحى بناء التحالفات ثم فضها
السمة الغالبة للنشاط السياسي، كما ستعمل الدراسة على عكسه. فقد بدأ بناء التحالفات التي تهتم بها الدراسة بتكوين تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، وتطلق عليه الدراسة اسم التحالف المظلة؛ لت ونع الأحزاب والتنظيمات المنضوية تحته إبّان انتفاضة كانون الأول/ ديسمبر 2018. ثم كان أكبر التحالفات
(25) May Darwich, "Alliance Politics in the Post–2011 Middle East: Advancing Theoretical and Empirical Perspectives," Mediterranean Politics , vol. 26, no. 5 (2021), pp. 635–656. (26) Yasmine Berriane & Marie Duboc, "Allying Beyond Social Divides: An Introduction to Contentious Politics and Coalitions in the Middle East and North Africa," Mediterranean Politics , vol. 24, no. 4 (2019), p. 401. (27) Ibid., p. 403.
التي تكونت إبّان الفترة الانتقالية، وقد شهد تحولات بعد أن ألّفته قوى مدنية والمؤسسة العسكرية
وحركات مسلحة. وهذا التحالف لم يستقر على حال؛ إذ تعرّض لانشقاقات أثرت في تكوينه وهويته،
وقامت تحالفات أخرى مناوئة له. برز أول تحالف قبَيل سقوط نظام الإنقاذ الذي كان يقوده البشير؛ وهو تحالف قوى الحرية والتغيير
"قحت"، وكان تحالفًا فضفاضًا شمل أكثر من مئة حزب وحركة وتنظيم. استخدمت المجموعة الأولى التي كوّنت قوى الحرية والتغيير أسلوب التجميع، وهو مخاطبة أكبر عدد من المستهدفين ليكونوا
أعضاء في تحالفها. فأصبح شبيها بتحالف مظلة جمع طيفًا سياسيًا واسعًا من تنظيمات سياسية ذات
أهداف متباينة، يجمع بينها حد أدنى من الاتفاق في هدف واحد، هو إسقاط نظام الإنقاذ. وأصدر تحالف قحت إعلانًا اشتمل على مبادئ عامة، مثل التنحي الفوري للبشير ونظامه، وتكوين حكومة انتقالية، ووقف الحرب، ووقف التدهور الاقتصادي، والعمل على الوصول إلى اتفاق سلام شامل وعادل. يشير وسيط الاتحاد الأفريقي للسودان بعد إطاحة البشير، محمد الحسن ولد لبات، إلى الت ونع الكبير بين مكونات قوى الحرية والتغيير، وتبدّى ذلك في تغيير تشكيلة الوفود التي كانت تقابل الوسطاء الدوليين بسبب العجز عن الاتفاق على قيادة موحدة. ويطرح هذا ال عُ من التحالفات قضايا عامة وشعارات واسعة، ويكون آنًّيًا وينفرط عقده بمجرد تحقق الهدف الذي جمع التحالف،
لكنه قد يستمر لأعضاء آخرين يحقق لهم درجة من التعاضد السياسي في نظام سياسي يتسم بالتفتت والاستقطاب. وهذا ما حدث لتحالف قحت كما سيأتي ذكره.
2. التحولات الداخلية لتحالف المظلة
شهد التحالف المظلة المدني بوادر توتراته الأولى، قبيل التوقيع على الاتفاق السياسي، لأسباب أيديولوجية وسياسية. فقد انتقد الحزب الشيوعي مسوّدة الاتفاق السياسي، ووثيقة المرسوم الدستوري
في 15 تموز/ يوليو 2019. ورأى الحزب أن هذا الاتفاق لن يفتح الطريق أمام تحقيق أهداف الثورة، وأنه يقود نحو تنفيذ مشروع الثورة المضادة، وأنه جرى إعداده لتنفيذ الهبوط الناعم، وهو اتفاق معيب تفوح منه رائحة التآمر. وما إن تكوّنت الحكومة الانتقالية، حتى شهد التحالف المظلة تحّولاّاا مهمًا
في هويته وأهدافه. فقد انسحبت منه قوى سياسية مختلفة لأسباب متباينة. فبعد أن حقق التحالف الهدف الوحيد الذي جمع بين مكوناته – وهو إسقاط نظام الإنقاذ – برز تباين الرؤي والأهداف. وكما أشار كاليفاس، فإن مثل هذه التحالفات تنشأ في الأصل هشة؛ لأنها تتكوّن في إطار صراعي
يتسم بالاستقطاب والهواجس، ولأن السمة الغالبة عليه هي الحركية والتفاوض. وبما أن التحالفات
((2(لمزيد من التفاصيل حول إعلان تحالف قوى الحرية والتغيير، ينظر: أحمد إبراهيم أبو شوك، الثورة السودانية:)2019–2018(
مقاربة توثيقية – تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها (الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، الملحق رقم (7)، ص 412–410. (2((محمد الحسن ولد لبات، السودان على طريق المصالحة (الخرطوم: دار عزة للنشر، 2020)، ص.189 (3((لمزيد من المعلومات، ينظر: "بيان تفصيلى من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي حول وثائق الاتفاق بين الحرية والتغيير والمجلس العسكري"، 15 تموز/ يوليو 2019، الحزب الشيوعي السوداني، فيسبوك، 2021/7/15، شوهد في 2023/7/18، في:
http://tinyurl.com/54nrhet4
الفرعية التي تشكّل التحالف المظلة مكونة من عناصر لم يجمع بينها إلا الحد الأدنى من الأهداف، مثل التمثيل في السلطة، فإن عوامل التوتر داخل التحالف كانت أكثر من عوامل الاستقرار. تصاعد التوتر داخل التحالف ليصل إلى انشقاق، لأسباب تتعلق بالسيطرة السياسية عليه وتفاوت القدرة على التأثير فيه. فتجمع المهنيين الذي اضطلع بدور مهم في الحشد والتعبئة ضد حكومة البشير، انشق إلى جناحين، لأسباب سياسية تتعلق باتهام أحد الجناحين للحزب الشيوعي بالسيطرة على التجمع بعد انتخاب سكرتاريته الجديدة في 10 أيار/ مايو 2020. وقد برزت قضية القدرة على التأثير في التحالف، ونيل حصة أكبر في التمثيل في أجهزته، عند حزب الأمة القومي الذي جمّد نشاطه في قوى الحرية والتغيير، في 22 نيسان/ أبريل 2020، ثم تلاه التجمع الذي جمّد هو أيضًا عضويته في هياكل قحت، في 23 تموز/ يوليو 2020. وكان التجمّع يرى أن المجلس المركزي لقحت لا يعكس بإنصاف أحجام القوى السياسية المكونة للمجلس، ويفتقر إلى رؤية استراتيجية شاملة. وأضاف حزب الأمة القومي إلى أسباب عدم رضا الأحزاب المكونة للتحالف عدم وضوح الرؤية السياسية إلى عدم التمثيل المنصف، ودعا إلى إبرام عقد اجتماعي جديد. ثم توالت الانسحابات من التحالف. ففي 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، أعلن الحزب الشيوعي انسحابه من تحالفَي "قوى الإجماع الوطني" و"قوى الحرية والتغيير". وبرر الحزب هذا الموقف بأسباب سياسية منها التضييق على الحريات، وما تقوم به عناصر من الحرية والتغيير من عقد لاتفاقات سرية ومشبوهة داخل البلاد وخارجها، تقود التحالف نحو الانقلاب على الثورة. تبع انسحاب الحزب الشيوعي انسحاب قوى سياسية أخرى شملت حزب البعث السوداني الذي انسحب في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، وتبعته سبعة تنظيمات سياسية أخرى ذكرت أسبابًا سياسية لانسحابها، أهمها أنه لا يمثل حاضنة سياسية يعوّل عليها كثيرًا. ونتيجة لهذه الانسحابات والتجميد، تحوّل التحالف المظلة المدني إلى تحالف أقلية.
3. التحالف الهجين
دخل التحالف المظلة (قحت) في مفاوضات مع المجلس العسكري، أسفرت عن اعتراف المجلس به ممثل للمكون العسكري بشقيه القوات المسلحة والدعم السريع، واعتراف العسكريين بتحالف قحت
(31) Stathis N. Kalyvas, "The Ontology of 'Political Violence': Action and Identity in Civil Wars," Perspectives on Politics , vol. 1, no. 3. (2003), pp. 475–494.
3(((أحمد فضل، "أيقونة الثورة في خطر.. الانقسامات تهدد تجمع المهنيين السودانيين"، الجزيرة نت، 2020/6/7، شوهد في
2023/7/14، في: https://bit.ly/3TNRkNM
(3((لمزيد من التفصيل، ينظر: بيان الحزب الصادر في 2020/4/22، شوهد في 2023/7/18 في: http://tinyurl.com/bdz2dcmb (3((ينظر: الحزب الشيوعي السودان، "اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني: بيان جماهيري"، الحزب الشيوعي السوداني، فيسبوك، 2020/11/7، شوهد في 2023/7/17، في: http://tinyurl.com/yv48tk46 (3((التنظيمات السبعة التي انسحبت في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 هي: التحالف الوطني السوداني، والحزب الاتحادي الموحّد، وحزب تجمّع الوسط، وحركة لجان المقاومة، وقدامى المحاربين، ومبادرة المجتمع المدني، وتجمّع الأجسام المطلبية. (3(("السودان: خروج (8) تنظيمات من قحت: هل هي نهاية الحاضنة السياسية"، المراسل، 2020/11/30، شوهد في 2024/1/14
في: https://2u.pw/IXqD4Jn
على أنه يمثل الشعب السوداني. ونتج من هذه المفاوضات تبلور تحالف هجين بين المدنيين يمثلهم قحت والعسكريين يمثلهم المجلس العسكري الانتقالي. وكان الاتفاق السياسي بين الطرفين لإنشاء هياكل ومؤسسات الحكم، الذي وقّع عليه في 17 تموز/ يوليو 2019، ثم في الوثيقة الدستورية التي وقّع عليها في 17 آب/ أغسطس 2019، وُوةُ.ضِعت لتحكم مسار الفترة الانتقالي كان هذا التحالف هجينًا؛ لا بسبب جمعه عسكريين ومدنيين فحسب، بل لأنه جمع أيضًا قوى سياسية شديدة التباين سياسيًا. وليست لهذه الهجنة
آثار هّينثّة، حي كان على التحالف – حتى يتمكن من البقاء – أن يكون على قدرة سياسية عالية على حفظ
التوازن بين المصالح المتضاربة لمكوناته، والتحوط من التفكك تنظيميًا. ولئن كان هذا التحالف المدني –
العسكري متساويًا في إمكانية التعرض للتضارب السياسي بين مكوناته وتفككه التنظيمي ذلك مع أي تحالف سياسي آخر، فإن حدة هذه الإمكانية كانت عنده تفوق أشكال التحالفات الأخرى. لقد بدأ التحالف الهجين يمارس نشاطه في الجهاز التنفيذي للدولة، في جو سياسي يشوبه الشك والريبة بين المكونين الرئيسين المدني والعسكري، وعدم الانسجام بين التنظيمات المكونة لقحت. في هذا الصدد، يشير ولد لبات، مبعوث الاتحاد الأفريقي للسودان، إلى أن الفوارق الكبيرة التي وجدها عند قوى الثورة "ليست كلها سياسية أو أيديولوجية، إنها أيضًا سوسيولوجية ومزاجية نفسية". وقد برزت حالة الشك عند المكون المدني في الحكومة، وتركّزت حول الريبة في سلوك العسكريين المستقبلي، ومدى التزامهم بإنجاح الانتقال الديمقراطي. يثبت التحليل التتبعي لمجريات توسيع التحالفات، وتهجينها بين المكونات السياسية والعسكرية السودانية، أنها كانت ذات دينامية متناقضة، راوحت بين عقد التحالفات وفضها والاتفاق السياسي والانقلاب عليه والفعل المشترك والشك في الحليف وإعلان المبادئ السياسية وإضمار التراجع عنها. وقد كانت أغلب هذه التحالفات تحالفات حد أدنى، بحيث ظلت هشة وغير فعالة في تحقيق الأهداف المعلنة. وتمثل كل هذه الخصائص التي اتسمت بها هذه التحالفات مؤشرات لترسخ السياسة التنازعية ضمن سلوك القوى السياسية السودانية.
ثالثًا: التحالفات السياسية في ظل اتفاق جوبا للسلام
أحدث اتفاق جوبا للسلام الذي يُو قّع عليه، ف 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2020، تحّولاّاا مهمًا في خريطة
التوازنات السياسية. فقد أدخل فاعلين جددًا إلى الحكومة هم الحركات المسلحة الموقّعة على اتفاق السلام. ومن المؤسسات التي أفرزها اتفاق جوبا للسلام "مجلس الشركاء"؛ إذ لم يرد تكوينه في الوثيقة الدستورية، وإنما كوّن بقرار من رئيس مجلس السيادة في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. ويتكوّن
المجلس من 29 عضوًا يمثلون مجلس السيادة والحرية والتغيير ومجلس الوزراء والجبهة الثورية
الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.
3((("مظاهرات السودان: المجلس العسكري يشكل لجنة مع قوى 'إعلان الحرية والتغيير' لبحث الخلافات"، بي بي سي عربي، 2019/4/25، شوهد في 2023/7/15، في: http://tinyurl.com/3xx85ymt (3((ولد لبات، ص.286–285
جرى توجيه انتقادات إلى المجلس من مجلس الوزراء حول صلاحياته، ومن قوى سياسية وأعضاء في
مجلس السيادة. فقد وجهت عائشة السعيد عضو مجلس السيادة انتقادًا حاًّدًا إلى الطريقة التي قرّ بها، أُ
ورأت في قيامه انقلابًا على أجهزة الدولة بهياكلها المعروفة. لهذه الأسباب وغيرها، وعلى الرغم من أن تكوين المجلس كان جامعًا للمدنيين والعسكريين والحركات المسلحة، فإن هذا التحالف لم يصمد طويل. فقد أصدر حزب المؤتمر السوداني بيانًا صحافيًا أعلن فيه سحب رئيسه من عضوية مجلس الشركاء، وطالب بمساءلة كل من وزير الدفاع
والداخلية والنائب العام والوالي عن حادثة إطلاق نار على المشاركين في ذكرى إحياء فض اعتصام القيادة العامة للجيش. وفي عام، بعد تكوين مجلس الشركاء، تباينت مصالح المجموعات المكونة له وتضاربت مواقفها السياسية. وأدى هذا التباين إلى حالة من القلق لدى أعضاء تحالف كان أكثر هجنة مما سبقه. وقد دفعت هذه الوضعية نحو اشتغال مهم لآلية عقد التحالفات الفرعية.
1. التحالفات الفرعية: تشظي التنظيمات وتفريع التهجين
نسبة إلى التشظي العام في الحياة السياسية، تجنح الأحزاب إلى عقد تحالفات مختلفة. فمع وجود تحالف كبير يشكّل تحالفًا مظلة، لا يصمد هذا ال ونع من التحالفات الفضفاضة في وجود تباين داخلي، وعلى الأخص في ظل سياسة تنازعية تتسم بالتحوّل المستمر. لذا، فإن عقد تحالفات فرعية من شأنه
تعزيز القوة التفاوضية للتنظيمات الصغيرة، كما أنها تشكّل نواة يمكن البناء عليها في حال انفراط عقد التحالف المدني الفضفاض مثل التحالف المظلة، والاستعداد لتحالف الحد الأدنى القادم. أمامنا نوعان من التحالفات الفرعية في الحالة السودانية التي ندرسها. كان الأول هو العمل على قيام "تحالف بين قوى مسلحة"، وهو ما سعى له رئيس الوفد الحكومي في مفاوضات سلام جوبا الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي). فقد طلب سّرًا من الحركات المسلحة المفاوضة إقامة تحالف ضد
"الجلابة". وأخبر ممثلو الحركات المسلحة فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالشأن السوداني بهذا العرض. أما المثال الثاني، فهو السعي لتكوين تحالف فرعي مثل الذي أبرم بين تجمّع قوى تحرير
السودان، وحركة/ جيش تحرير السودان الانتقالي، وحركة/ جيش تحرير السودان–التحالف السوداني، وحزب المؤتمر السوداني في 12 كانون الثاني/ يناير 2021. وقال عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر
(3((للاطلاع على بيان عائشة موسى السعيد كامل، ينظر: "بيان الأستاذة عائشة عضو المجلس السيادي حول تشكيل مجلس
شركاء الفترة الانتقالية"، سودانايل، 2020/12/4، شوهد في 2023/7/21، في: http://tinyurl.com/72h5rjbs (4((لمزيد من المعلومات حول سعى الأحزاب الصغيرة للحاق بتحالفات أكبر أو في ظل وجود استقطاب، ينظر:
Sona Nadenichek Golder, "Pre–Electoral Coalition Formation in Parliamentary Democracies," British Journal of Political Science , vol. 36, no. 2 (April 2006), pp. 193–212; Anna Grzymala–Busse, "Coalition Formation and the Regime Divide in New Democracies: East Central Europe," Comparative Politics , vol. 34, no. 1 (2001), pp. 85–104.
4(((يشير لفظ "الجلابة" إلى السا نكين على الشريط النيلي في شمال السودان، أو المنحدرين من هناك، والإشارة هنا إلى النخبة النيلية في شمال السودان. 4(((لمزيد من التفاصيل حول العرض، ينظر: الأمم المتحدة، التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بالسودان، 2020/1/14، ص 17، شوهد في 2021/4/25، في: http://tinyurl.com/w2a9a73p
السوداني، في مراسم التوقيع على وثيقة التفاهم بين التنظيمات المذ وكرة، إن هذه الوثيقة تتحدث عن التعاون المشترك بين هذه القوى السياسية والعمل على تحقيق أهداف الثورة والعمل على تنفيذ ب وند اتفاقية جوبا. وعلى الرغم من هذا الإعلان، فقد كان هذا التحالف الفرعي هو أيضًا هجينًا. فبعد شهور قليلة من اتفاق جوبا للسلام، برز التوتر بين المكونات الثلاثة لتحالف المدنيين والعسكريين والحركات المسلحة. برز ذلك أول في تصريحات الفريق أول حميدتي الذي هاجم فيه أطرافًا في المكون المدني. فقد قال في حفل تخريج مجموعة من قواته: "إن البلد منهارة سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا [...] قلنا كلامنا استهدفونا ونبذونا حينما قلنا لهم لن نسمح بالفوضى". وتولّدت، كذلك، منذ تكوين مجلس الشركاء حالة من التوتر بين بعض الحركات المسلحة والمكون المدني الذي تمثله مجموعة المجلس المركزي للحرية والتغيير. فقد اتهمت بعض الحركات المسلحة الحاضنة السياسية لرئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، بأنها تعطّل تنفيذ اتفاق جوبا للسلام، وتعطل أيضًا قيام نظام الإقليم في دارفور. وفي محاولة لتدارك التباين وإضفاء زخم جديد على تحالف الحرية والتغيير– المجلس المركزي (أي ما تبقى من التحالف المظلة المدني) وتوسيعه وإعادة إنتاج تحالف الحرية والتغيير وتوسيعه أيضًا، جاء الإعلان السياسي لتوحيد قوى الحرية والتغيير الذي وقّع عليه، في 8 أيلول/ سبتمبر 2021، في الخرطوم 37 من الحركات والتجمعات والأحزاب. وغابت عن التوقيع حركة العدل والمساواة، وحركة/ جيش تحرير السودان جناح مني أر وك مناوي، والحزب الشيوعي. وأبرز ما ورد في البيان هو الإعلان عن آليات جديدة لتوحيد قوى قحت مثل قيام المؤتمر العام والهيئة العامة والمجلس المركزي والمكتب التنفيذي، وعدم إقحام القوات النظامية والنأي بها عن الصراعات السياسية، والعمل مع كامل المكون العسكري للوصول إلى تحول مدني ديمقراطي. في خضم السياسة التنازعية المتسارعة الحراك في البلاد، أعلنت الحكومة عن محاولة انقلابية فاشلة – رأتها قوى سياسية أخرى تمردًا – في 21 أيلول/ سبتمبر 2021. سرّع الإعلان عن هذا التحرّك في تصدّع العلاقة بين العسكريين والمدنيين. فقد خرجت إلى العلن اتهامات رئيس مجلس السيادة للمكون
(4((نجاة صالح شرف الدين، "أخبار اليوم ترصد مراسم التوقيع على وثيقة تفاهم بين قوى سياسية،" أخبار اليوم، 2023/1/13، ص.2 (4(("حميدتي يشهد تخريج دورة الصاعقة وقوات درع السلام ويؤكد أحداث الجنينة فتنة داخلية ولا علاقة لتشاد بها"، أخبار اليوم، 2021/1/20، ص.2 (4((إبراهيم عبد الرازق، "اتفاقية سلام جوبا... نيران من داخل الصندوق"، اليوم التالي، 2022/9/11، ص.5 (4((محمد عبد الحميد، "اكتمل التوقيع أمس: الإعلان السياسي الجديد.. هل يعيد الانتقالية للطريق الصحيح"، الانتباهة، 2021/9/9، ص.3 4((("مستقبل العلاقة بين المدنيين والعسكريين وتحديات المرحلة الانتقالية في السودان"، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021/10/19. ص 2، شوهد في 2024/1/8، في: https://bit.ly/47uamOp
المدني بالتقصير. ومن جانب المدنيين، صرّح عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، في
مقابلة مع التلفزيون الرسمي، في 24 أيلول/ سبتمبر 2021، بأن "ما يدور في الساحة السياسة من سجالات بين المكون العسكري والسياسي يرمي لتغيير المعادلة السياسية من قبل العسكريين مشيرًا
إلى أن ما أطلقه رئيس المجلس السيادي ونائبه في هذا الخصوص أخطر من محاولة الانقلاب الفاشلة نفسها". وبرز أيضًا تصدّع آخر في التحالف الهجين، حينما تباعدت الشقّة بين بعض الحركات المسلحة الموقّعة على سلام جوبا والمجلس المركزي لقحت. فقد أعلن منشقون عن تحالف الحرية والتغيير عن ميثاق جديد سمّي "الميثاق الوطني لوحدة الحرية والتغيير". وأرجعوا الانشقاق إلى التهميش السياسي واحتكار السلطة لدى مجموعة محددة من الأحزاب. ويرى حاكم إقليم دارفور، مناوي، أن الميثاق يقدّم رؤية بعيدة المدى. وذكر أن الشعب يدفع ثمن الاحتكار وذاق المرارة طوال 30 عامًا، وأنه يذوق مرارة سنتين الآن. واشتمل الميثاق على مبادئ عامة لا يمكن أي قوة سياسية
أن ترفضها، وذلك حفاظًا على اتفاق الحد الأدنى واستخدام أسلوب مخاطبة العديد من الفاعلين في الوقت نفسه، مثل الحديث عن التمسك بوحدة تراب الوطن، وتأسيس دولة العدالة والرعاية الاجتماعية، وقيام نظام فدرالي، والانتقال السلس والآمن للديمقراطية. غير أن المجلس المركزي يُمثل قوى الحرية للحرية والتغيير رأى أن الهدف من الإعلان خلق أزمة قانونية ودستورية حول من والتغيير. وفي محاولة للتخفيف من حدة الاحتقان بين المدنيين والعسكريين، التقى الفريق أول البرهان مع رئيس الوزراء حمدوك، في 27 أيلول/ سبتمبر 2021، مرة ثانية. واشترط المكون العسكري إبعاد محمد الفكي سليمان من عضوية مجلس السيادة لإكمال المصالحة مع المكون المدني.
2. فض التحالف الهجين وقيام تحالف الأمر الواقع
انهار التحالف الهجين، بعد أن تصاعد التوتر بين المدنيين والعسكريين ووصل إلى أقصى مداه في 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، حينما أعلن الفريق أول البرهان فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد، وحل مجلسَي السيادة الانتقالي والوزراء، والتمسك بالالتزام بما جاء في الوثيقة الدستورية
4((("البرهان وحميدتي يتهمان قوى سياسية بالمسؤولية عن محاولة الانقلاب في السودان"، بي بي سي عربي، 2021/9/22،
شوهد في 2023/7/13، في: http://tinyurl.com/yey7bb37
4((("محمد الفكي: السجال الذي يدور في الساحة يرمي لتغيير المعادلة السياسية"، وكالة السودان للأنباء، 2021/9/24، شوهد
في 2023/7/13، في: http://tinyurl.com/mvm3f4h5
((5(رندا عبد الله ومحمد عبد الحميد، "إطلاق ميثاق سياسي جديد يهدد بأزمة دستورية"، الانتباهة، 2021/10/3، ص 1. ((5(لمزيد من التفاصيل حول الميثاق، ينظر: المرجع نفسه، ص.3 (5((هبة محمود، "الحاضنة السياسية الجديدة: سيناريوهات الإقصاء والإدخال"، الانتباهة، 2021/9/29، ص.3 (5(("لقاء البرهان وحمدوك للمرة الثانية لتخفيف الاحتقان"، الانتباهة، 2021/9/28، ص.3 (5(("البرهان وحميدتي يشترطان إبعاد 'الفكي' لإكمال المصالحة"، الانتباهة، 2021/10/4، ص.1
مع تعليق بعض موادها، والالتزام باتفاق جوبا للسلام، وإنهاء تكليف ولاة الولايات، وإعفاء وكلاء الوزارات من أعمالهم، وتكليف المديرين العامين بتسيير العمل في الوزارات، وتجميد عمل لجنة إزالة التمكين حتى مراجعة منهج عملها وتشكيلها. وعكست خطابات البرهان استخدامه وسيلة مخاطبة فاعلين مختلفين في الوقت نفسه. فقد استهدف الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، كما أمّن موقف المكون العسكري بشَّقَيه، إضافة إلى القوى المهتمة باستكمال الفترة الانتقالية. ومع ذلك، فإن قرارات البرهان قابلتها بالرفض قوى سياسية، من بينها المجلس المركزي لقحت والحزب الشيوعي ولجان مقاومة، وعدّتها انقلابًا على الوضع الدستوري؛ ما أنهى عملّي ا
التحالف الهجين. في هذا السياق، ولد تحالف آخر بين المكون العسكري والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام ومجموعة تك ونقراط. كان تركيز المكون العسكري على إدارة دولاب العمل الحكومي، بينما انصب اهتمام الشق الآخر من التحالف، وهو الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، على العمل على تنفيذ هذا الاتفاق. وشغل أعضاء منها مناصب حكومية مختلفة من مجلس السيادة حتى ولاة ولايات. وجرى تشكيل حكومة أمر واقع، يشغلها وزراء من حكومة حمدوك، ووزراء مكلفون. وتستند سياسيًا إلى مناصري المكون العسكري، وأنصار الحركات المسلحة. وبهذه
الخصائص كان هذا التحالف الجديد تحالف أمر واقع، وكان هو أيضًا تحالفًا هجينًا. لم تستمر ترتيبات التحالف الهجين الجديد الذي أعقب انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، بل عكست هي أيضًا سياسة تنازعية، قائمة على الحركية المتقلبة وتجديد التفاوض مع كل مستجد. ولكن هذه الترتيبات المتحولة لم تكن تجري من دون تحوّل في هويات القوى السياسية. فقد توصّل الفريق أول البرهان وحمدوك إلى اتفاق سياسي، في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، أهم ما جاء فيه القول بالالتزام بالوثيقة الدستورية لعام 2019 مع تعديلها بالتوافق. كانت تلك محاولة لإحياء تحالف سابق، مع إسنادها باستعمال وسيلة مخاطبة فاعلين عديدين في الوقت نفسه، بالتأكيد على الشراكة بين المدنيين والعسكريين، وتشكيل حكومة كفاءات مدنية، والعمل على بناء جيش قومي موحّد، وضمان انتقال السلطة في موعدها لحكومة مدنية منتخبة، وتنفيذ اتفاق جوبا للسلام، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإلغاء قرار إعفاء حمدوك من رئاسة الوزارة، وبدء حوار سياسي مع كل القوى السياسية يؤسس لقيام المؤتمر الدستوري. وعلى الرغم منكل هذه التدابير، لم يكن هذا التحالف إلا إحياءً
لتحالف قديم هجين، وهو ما تثبته مشاركة رئيس حزب الأمة القومي المكلف فضل الله برمة ناصر الذي كان جزءًا من ترتيب الاتفاق بين البرهان وحمدوك. وفضل عن ذلك، عكست هذه المشاركة عدم
توافق داخل حزب الأمة القومي؛ إذ قال أحد قادته، الصديق الصادق، إن الرئيس المكلف قد أخطأ
((5(للاستماع لخطاب الفريق البرهان، ينظر: "قرارات هامة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح
البرهان"، إكسترا نيوز، يوتيوب، 2021/10/25، شوهد في 2023/7/18، في: http://tinyurl.com/yv867nud (5((للاطلاع على الاتفاق السياسي، ينظر: "السودان.. ب وند الاتفاق السياسي بين البرهان وحمدوك"، الجزيرة نت، 2021/11/22، شوهد في 2023/7/19، في: https://2u.pw/BYViOi3
في حضور التوقيع على اتفاق 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 بين البرهان وحمدوك، من دون عرض مسوّدة الاتفاق على أجهزة الحزب. وبسبب معارضة مجموعة المجلس المركزي للحرية والتغيير وقوى سياسية أخرى، لم تنجح محاولة إحياء التحالف الهجين الذي كوّن الحكومة الانتقالية، وقدّم حمدوك استقالته من منصبه، في
2 كانون الأول/ يناير 2022، في خطابه بمناسبة الاستقلال. وذكر أنه فشل في تحقيق إجماع سياسي وطني "ضروري للإيفاء بما وعدنا به المواطن من أمن وسلام وعدالة وحقن للدماء". بهذه الاستقالة، قفِل الباب أمام عودة التحالف الهجين بشكله السابق مؤقتًا. وجعل المكونَ العسكري وحلفاءَه من
الحركات المسلحة في تحالف الأمر الواقع مهيمنين على الحكومة. ويتضح من الحراك السياسي الذي صاحب انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر غياب قضايا سياسية موضوعية؛ إذ غلب منطق منع الخصوم السياسيين من الحصول على مناصب في السلطة والحد من قدراتهم على العمل السياسي على العملية السياسية، اتساقًا مع التفاعل الصفري الذي كانت مجموعة المجلس المركزي للحرية والتغيير تمارسه.
رابعًا: التنافس على هجنة جديدة
برزت، بعد استقالة حمدوك وإعلان الفريق أول البرهان، في 5 تموز/ يوليو 2022، انسحاب المؤسسة العسكرية من الحوار الذي تديره الآلية الثلاثية، المنافسة على التهجين مع المكون العسكري أو الحركات المسلحة لتكوين تحالفات جديدة. ولم يوقف قرار الانسحاب سعي الأطراف المدنية للتحالف مع أحد طرفي المكون العسكري أو الحركات المسلحة. وتبدّى هذا السعي في محاولات بناء تهجين جديد على النحو التالي:
1. هجنة بمكون مدني بديل
ابتدر السعي نحو التهجين الجديد منشقون عن الحرية والتغيير شكّلوا تحالفًا باسم "الحرية والتغيير – الميثاق الوطني"، وأعلن وثيقة جديدة باسم "ميثاق التوافق الوطني لوحدة قوى الحرية والتغيير"، طالبت هذه المجموعة بلمّ الشمل والعودة إلى منصة تأسيس الحرية والتغيير. والهدف الرئيس للتحالف الجديد أن يحل محل المكون المدني المتمثل في تحالف الحرية والتغيير – المجلس المركزي. فقد انضم إلى التحالف المنافس أحزاب وتنظيمات لم تكن جزءًا من مجموعة المجلس المركزي. وبرر أعضاء
من التحالف المنافس قيام تحالفهم بوجود إهمال سياسي لمجموعتهم. فكانت الإشارة إلى التفاعل الصفري الذي مارسه تجمع الحرية والتغيير – المجلس المركزي ضد القوى السياسية، التي أصبحت
((5("الصديق الصادق ل 'التغيير': صححنا موقف حزب الأمة الذي أربك المشهد السياسي"، التغيير، 2021/12/2، شوهد في
2023/7/18، في: https://2u.pw/nGgPG5L
((5(يزيد صايغ، "استقالة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك"، مركز ملكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، 2022/1/10،
شوهد في 2023/7/21، في: http://tinyurl.com/2twarwbt
جزءًا من مجموعة الميثاق الوطني، جليّة في كلمة مناوي في احتفال التوقيع على المصفوفة المحدّثة
لاتفاق جوبا للسلام في 7 شباط/ فبراير 2023، حيث قال: "كانت القوى السياسية التي استحوذت على السلطة، كرّست وقتها على الاستعداء والتقليل من شأن الآخرين، مما جعل الآخرين يقاومون، فهذا كل فريق إلى أن يتخندق لمواجهة الآخر وفتح بابًا واسعًا شرع وسمح للمكون العسكري الصراع دفع في التدخل في 25 [تشرين الأول/] أكتوبر 2021 م". عمد تحالف الميثاق الوطني إلى وسيلة التجميع بمخاطبة قضايا عامة يسهل تجميع العضوية عليها، وذلك بهدف توسيع تحالفهم بضم عضوية جديدة. نجحت وسيلة التجميع في توسيع التحالف. فقد أعلن، فيُ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، عن توسيع التحالف واتخاذ اسم جديد هو "قوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية"، أو ما تسميه هذه الدراسة "التحالف المدني المنافس للمجلس المركزي للحرية والتغيير". وأعلن التحالف بعد توسيعه عن "مشروع تعديل الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية (تعديل) لسنة 2022".
2. تحالفات الهجنة الضمنية
جَن جديدة مختلفة – الأمر الذي يشير إلى محورية المكون العسكريُه في خضم السعي نحو والمسلح في العمل السياسي في الفترة الانتقالية – عمدت قوى سياسية إلى التهجين الخفي مع أحد طرفي المؤسسة العسكرية أو الحركات المسلحة. وقد برزت ثلاثة أنواع من هذه التحالفات. عُرف التحالف الأول باسم "التغيير الجذري ووحدة قوى الثورة"، وهو التحالف الأكثر تجانسًا سياسيًا
وأيديولوجيًا، ويضمّ أكثر من 10 أجسام مهنية وفئوية. وأعلن عنه في 24 تموز/ يوليو 2022، ويتكون
من الحزب الشيوعي السوداني والتنظيمات التي يسيطر عليها. واستخدم هذا التحالف خطابًا سياسيًا
وأيديولوجيًا موجهًا إلى مجموعات سياسية محددة تطالب بإقامة نموذج دولة بديل، يستند إلى
العلمانية والانتقال إلى دولة مدنية، والعمل على نقل البلاد من الدولة الدينية إلى الدولة الديمقراطية والوقوف على مسافة واحدة من المعتقدات والأديان. يعكس التحالف هجنة ضمنية؛ لأن الحزب الشيوعي المحرّك الرئيس لهذا التحالف وقّع اتفاقًا سياسيًا مع فصيلين مسلحين هما الحركة الشعبية
لتحرير السودان شمال جناح عبد العزيز الحلو وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد نور، واتفقت الأطراف الثلاثة على تكوين قيادة ثلاثية لتنسيق العمل بينها. ويرفض التحالف الهجنة مع المؤسسة العسكرية، ولأنه متجانس أيديولوجيًا فهو الأكثر استقرارًا.
(((5 "كلمة القائد/ مني أركو مناوي رئيس حركة/ جيش تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور في حفل التوقيع على المصفوفة
المحدثة"، الأيام نيوز، 2023/2/19، شوهد في 2023/7/24، في: http://tinyurl.com/mtyt4445 6((("(الشيوعي) يتزعم تحالف 'التغيير الجذري' ويتمسك بإسقاط الحكم العسكري"، سودان تربيون، 2023/7/24، شوهد في
2023/7/24، في: http://tinyurl.com/2h96et6j
(6(("الشيوعي يعلن عن التحالف مع حركتي الحلو وعبد الواحد نور"، المسار نيوز، 2022/5/23، شوهد في 2023/12/1، في:
https://2u.pw/RMJbspR
وبرز ال ونع الثاني من تحالفات الهجنة الضمنية في تجمّع باسم "نداء أهل السودان". وهو تحالف
آني. فعلى الرغم من أن غالب تحالفات الفترة الانتقالية آنية لم تصمد طويل، فإن الآنية الموصوفة في هذا الجزء قد اتسمت بدرجة أكبر من عدم الثبات. ولا تعني الآنية زوال التحالف، بل تشير إلى ضعف الفاعلية بعد فترة نشاط محدودة. سعى التجمّع لمجابهة تحالف الحرية والتغيير حين بادرت
قوى سياسية، جزء منها أحزاب همّشت في حراك الآلية الثلاثية ومجموعة أخرى مناصرة للمؤسسة
العسكرية، وجزء منها كان مشاركًا في النظام السابق وإسلاميون وإدارات أهلية وطرق صوفية، إلى تكوين تحالف جديد أطلق عليه "نداء أهل السودان". ويظهر من مكوناته أنه جاء رد فعل لاستبعاده من التحالف الهجين. هدف التحالف إلى توسيع قاعدة المشاركة في السلطة السياسية ورفض الإقصاء السياسي. وركّز على وسيلة مخاطبة فاعلين عديدين في الوقت نفسه لجذب عضوية جديدة. وتركّزت أهم توصيات نداء أهل السودان للوفاق الوطني في تحقيق المصالح الوطنية وتجديد الشراكة؛ بتشكيل حكومة كفاءات غير حزبية، ومحاربة خطاب الكراهية، وتعزيز هيئة مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات العسكرية والأمنية. وقد كوّنت المبادرة هجنة خفية مع القوات المسلحة، حيث وجدت
ترحيبًا من البرهان، فقد قال: "قبلنا بمبادرة رجل الدين المعروف الخليفة الشيخ الطيب الشيخ الجد
ود بدر، للخروج من الأزمة الحالية وكنه من الشخصيات صاحبة الثقة والاحترام". وعلى الرغم من الزخم الذي أحدثته المبادرة، خاصة أثناء انعقاد مؤتمرها في منتصف آب/ أغسطس 2022 وبعده، فإنها لم تتمكن من الحفاظ على هذا الزخم بسبب انسحاب بعض القوى السياسية منها، ومعارضة الدعم السريع لها. ثم برز شكل ثالث من تحالفات الهجنة الضمنية، حينما تكوّن تحالف موسع، ضم أحزابًا مدنية
وحركات مسلحة، وجمع هذا التحالف هجنة ظاهرة وأخرى ضمنية، حيث وجد تأييدًا ضمنيًا من
القوات المسلحة؛ فقد استمرت قيادات من الحركات المسلحة في مناصبها الحكومية العليا بعد تكوين التحالف الجديد. ودعمت الحكومة المصرية التحالف الجديد. ولم تقبل بالتهميش الذي وجدته من القوى الإقليمية والدولية التي وكنت مجموعة "الرباعية"، لتتعامل مع الوضع في السودان، وهي التي تُعد الأوثق ارتباطًا بالسودان وتربطها به مصالح أكبر من مصالح تلك الدول التيكوّنت "الرباعية".
وتحّركطّت الحكومة المصرية، ورتبت لقاءً دعت إليه قوى سياسية مختلفة، في شبا/ فبراير 2023، امتنع
عن المشاركة فيه تحالف الحرية والتغيير – المجلس المركزي، وشاركت فيه قوى سياسية مختلفة.
(6((ضمت القوى المكونة للتحالف: تحالف قوى الحراك الوطني، وحزب الأمة مبارك الفاضل، وتحالف سودان العدالة (تسع)، والاتحادي الديمقراطي (إشراقة سيد محمود)، ومجلس الصحوة الثوري، والتيار الإسلامي، وتنسيقيات شرق السودان، وزعماء إدارة أهلية، وشيوخ طرق صوفية، وشخصيات عامة. 6(((مزدلفة عثمان، "البرهان رحّب بها.. 'نداء أهل السودان' مبادرة جديدة لإنهاء الأزمة السياسية"، الجزيرة نت، 2022/7/31،
شوهد في 2023/7/24، في: https://2u.pw/OgbtyZP (6((تتكون الرباعية من دول: الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. (6((شملت القوى السياسية المشاركة في ورشة الحوار: مجموعة الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية وتحالف التراضي الوطني برئاسة، مُبارك الفاضل المهدي، وتحالف قوى الحراك الوطني الذي يتزعمه التجاني السيسي، وحركة تمازج محمد علي قرشي
ومجموعة الجبهة الثورية برئاسة محمد سيد أحمد الجا وكمي.
واستخدم منظمو اللقاء وسيلة مخاطبة فاعلين عديدين بالتركيز على قضايا عامة، وحضرته أحزاب كانت جزءًا من التحالف الهجين المنافس للمجلس المركزي للحرية والتغيير ومجموعة أخرى من
التحالف الآني. وأصدروا "وثيقة التوافق السياسي" و"الوثيقة الوطنية الحاكمة للفترة الانتقالية"، وأعل ونا عن تشكيل "تنسيقية القوى الوطنية الديمقراطية". وقد برز حديث التحالف الجديد عن التهميش والإقصاء السياسي أثناء الفترة الانتقالية، أي أسلوب التفاعل الصفري، ورأى بيان التحالف أنه لا يمكن فصيل واحدًا، أو كتلةً واحدةً، من الجسم السياسي السوداني قيادة الفترة الانتقالية بصفة منفردة.
3. الهجنة الجديدة: الجمع بين الهجنة الصفرية واتحاد يمنع المنافسة
تقوم الرؤية الصفرية على أن مكاسب أحد الأطراف لا يمكن الحصول عليها، إلا على حساب خسائر حزب آخر. ويقوم الاتحاد الذي يمنع المنافسة بوضع قيود عليها، وتقسيم مكاسب القوة السياسية بين أعضاء الاتحاد. وكما يقول آدم برزورسكي في هذا الوضع "تتحول الديموقراطية إلى احتكار القلة Oligopoly، حيث يعمل قادة أحزاب سياسية على منع من هم خارج التحالف من أن يكونوا جزءًا من
التركيبة الحاكمة". وبدأ هذا التحالف الذي جمع بين الصفرية واتحاد يمنع المنافسة بالورشة التي أعدتها اللجنة التسييرية لنقابة المحامين بع ونان "الحوار حول الإطار الدستوري الانتقالي" التي عقدت في الفترة 10–8 آب/ أغسطس 2022، لمناقشة مشروع دستور انتقالي جديد. ورتّبت الورشة اصطفافًا جديدًا للقوى السياسية والعسكرية تمهيدًا لتكوين تحالفات جديدة. وقد برز الاصطفاف السياسي الجديد بإضافة ثلاثة أحزاب لتنضم مع الحرية والتغيير – المجلس المركزي إلى التحالف الجديد الذي يضم إلى جانب هذه المجموعة المدنية حركات مسلحة وقوات الدعم السريع. سعى التحالف الصفري لتقديم تأطير جديد للهجنة الصفرية، يبرزها منافحة عن التحوّل الديمقراطي
وحريصة على إرجاع العسكريين إلى ثكناتهم. وتبدّى ذلك في خطاب سياسي مختلف عن خطاب الحرية والتغيير السابق يبرر ويسوّق لهذه التحّولّات. وفي حالات السياسة التنازعية الحادة، يصاحب
الانتقال من تحالف إلى نقيضه تحوّل مشابه في فحوى الخطاب السياسي وتوجهاته أيضًا. نسوق هنا
مثالين على هذين التحوّلين اللذين صاحبا الهجنة الصفرية وتحالف الكارتل الأول التحوّل في الموقف
من الدعم السريع الذي أصبح طرفًا مهمًا في هذه الهجنة الجديدة. كان التأطير السابق للدعم السريع يعكسه على أنه ميليشيا مارقة مكونة من مجرمين ومرتزقة ليس لديها أي اعتبار للقانون. يبرز هنا تصريح ياسر عرمان، القيادي في مجموعة المجلس المركزي، الذي شنّ هجومًا عنيفًا على الدعم السريع في عام 2014، وطالب الجيش بالتحرّك ضده وقال ما يلي: "إن البشير ومعه وزير دفاعه عبد الرحيم ومدير
جهاز أمنه محمد عطا جنّدوا ودرّبوا أكثر من (29) ألفًا من الجنجويد، وأوضح أن من بين هذه الميليشيا
(6((لمزيد من المعلومات عن اللقاء، ينظر: "'ورشة القاهرة' تعلن عن تكتل جديد وتقترح تعديلات تمنحها تشكيل الحكومة"،
الانتباهة، 2023/2/7، شوهد في 2023/7/21، في: http://tinyurl.com/mryprsur (6((ورد في: حسن الحاج علي أحمد، "الهجنة المركبة: تأثير التحالف الحاكم في مسار الفترة الانتقالية في السودان"، ورقة مقدمة في الدورة العاشرة للمؤتمر السنوي لقضايا الديمقراطية والتحوّل الديمقراطي: "الموجة الثانية من الانتفاضات العربية: تجربتا
السودان والجزائر"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عن بعد، على منصة زووم، 2021/10/12–9، ص 19.
(4) آلاف و (600) من المعارضة التشادية، وأكثر من ألفين من مالي، والبقية ميليشيا حميدتي. وأكّد أن هذه الميليشيا المسماة بالدعم السريع هم (ج وند أجرة ومرتزقة ومجرمي حرب لا صلة لهم بالمجتمع وقيمه وجابهم البشير وعبد الرحيم ومحمد عطا"). وطالب الجيش بالتدخل قبل فوات الأوان. وقد ظهر تأطير جديد لطبيعة الدعم السريع تمّكلّنه من أن يكون جزءًا فاعً في التحالف الجديد، من خلال التحوّل في
خطاب عرمان عن الدعم السريع إلى نقيض ما كان يقول به في عام 2014. ففي ندوة في أيلول/ سبتمبر 2022، قال: "نحن نريد أن ندعم المؤسسة العسكرية وأن الجيش الوطني يمر بتعقيدات كثيرة جّددّا جًّ ا معروفة ونحن نعتبر الدعم السريع أيضًا قوة لبناء الجيش الوطني بطرق محددة وبترتيبات أمنية محددة، ونحن ضد الفتنة بتاعت النظام البائد هو عشان يعيش داير يعمل فتنة بين الدعم السريع والجيش". أما التحوّل الثاني في الهوية والخطاب السياسي، فيمثله حميدتي؛ فبعد أن كان الدعم السريع الميليشيا التي بطش بها النظام السابق بالحركات المسلحة ومناصريها في دارفور، وكان حميدتي في الفترة الأولى من الفترة الانتقالية يهاجم قيادات في الحرية والتغيير، تحوّل إلى مهاجمة أنصار النظام السابق.
خامسًا: الطريق نحو الحرب
شكّل انسحاب القوات المسلحة من ورشة الإصلاح الأمني والعسكري، بسبب عدم إدراج موضوع دمج الدعم السريع ليكون جزءًا من الاتفاق النهائي، الوصول إلى طريق مسدود لاستكمال بناء تحالف
صفري؛ وذلك لأن تحقيق استقلالية الدعم السريع كان الشرط الذي ضمن تأييد تلك القوات للاتفاق الإطاري الذي وقّعه التحالف الصفري. لكنه جاء على حساب بقاء القوات المسلحة جزءًا من هذا
الاتفاق. لذا، أضحى موضوع كيفية دمج الدعم السريع ومواقيته العقبة أمام تحقيق التحالف الصفري لأهدافه بتكوين حكومة تشرف على الفترة الانتقالية. ويصر قادة الجيش على أن المؤسسة التي تدمج فيها التشكيلات العسكرية الأخرى، بما فيها الدعم السريع، هي القوات المسلحة. ويقول الفريق أول شمس الدين كباشي نائب القائد العام للقوات المسلحة: "لا بديل للقوات المسلحة إلا القوات المسلحة [...] أي كلام عن تفكيك [...] عن إعادة هيكلة أي كلام عن إصلاح دي مصطلحات كل مرة بتتطور، بجوا بمصطلحات جديدة، نحن لا يهمنا المصطلح بهمنا أنو القوات المسلحة باقية [...] لا بد أن يكون هناك جيش واحد والجيش الواحد أساسه القوات المسلحة. في ترتيبات أمنية يجب أن تتم، الدعم السريع يجب أن يدمج في القوات المسلحة". والموضوع الأول الذي تعترض عليه
6((("ياسر عرمان يدعو الجيش للتحرك ضد مليشيا الدعم السريع ويحذر من تحول العاصمة لدارفور أخرى"، راديو دبنقا، 2014/5/22، شوهد في 2023/7/21، في: http://tinyurl.com/2hhnxcjt 6((("ياسر عرمان: الدعم السريع قوة لبناء الجيش الوطني"، الجزيرة السودان، فيسبوك، 2022/9/3، شوهد في 2023/7/22، في:
http://tinyurl.com/356dmph6
((7(للاطلاع على النص الكامل لخطاب حميدتي، ينظر: "حميدتي يوجه رسالة خاصة إلى عناصر النظام البائد – نص الخطاب"،
الراكوبة، 2023/2/19، شوهد في 2023/7/22، في: http://tinyurl.com/m68nshyc ((7("شمس الدين كباشي: يجب دمج الدعم السريع في القوات المسلحة"، قناة طيبة الفضائية، يوتيوب، 2023/2/6، شوهد في
2023/7/23، في: http://tinyurl.com/5n79p47b
القوات المسلحة ما ورد في اتفاق مبادئ الإصلاح الأمني والعسكري وأسسه، الذي تمّخةّض عن ورش الإصلاح الأمني والعسكري التي عقدت في آذار/ مارس 2023، هو أن تكتمل عملية دمج القوات في مدة لا تتجاوز 10 س ونات. وتريد القوات المسلحة دمجًا سريعًا للدعم السريع، لا يتجاوز عامين
تنتهي مع انقضاء المدّة المقترحة للفترة الانتقالية الجديدة. وتتعلق نقطة الخلاف الثانية بكيفية تشكيل هيئة القيادة العسكرية إلى حين إكمال عملية الدمج.
1. انقسام المكون العسكري
ظل المكون العسكري متحدًا في موقفه تجاه المدنيين، خاصة أن الدعم السريع كان يواجه انتقادات ومطالبات بحله من قوى سياسية على رأسها بعض الأحزاب ومجموعة من لجان المقاومة، وظلت تلاحقه اتهامات فض اعتصام القيادة العامة. كان هناك تحالف ضمني بين البرهان وحميدتي؛ فقد سعى البرهان لتحييد أيّ تحرّك للجيش ضده بتقوية الدعم السريع، بينما هدف حميدتي إلى كسب
مزيد من الشرعية وتوطيد الدعم السريع ليصبح قوة ضاربة يصعب تصفيتها. لكن ظهرت شروخ على هذا التفاهم العسكري الضمني. وسرى على المكون العسكري ما أصاب المكون المدني، وشملته ديناميات السياسة التنازعية، من حيث التحوّل في الهويات السياسية وتبديل التحالفات. وبدأ هذا
التحوّل في مواقف الدعم السريع السياسية، ومن ثمّ تحالفاته، وظهر حينما أيّد حميدتي مشروع
الدستور الانتقالي الذي أعدته اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين – على الرغم من أنه لم يطّلع على نصوصه كما قال – حيث ذكر "أن مشروع الدستور نافذة أمل لبناء الثقة بين الأطراف السودانية كافة في سبيل الوصول لاتفاق شامل لحل الأزمة السودانية". تجذّر الخلاف بين جناحَي المكون العسكري، بعد التوقيع على الاتفاق الإطاري الذي كوّن التحالف
الصفري الهجين في 5 كانون الأول/ ديسمبر 2022. وقد وقّع على هذا الاتفاق نحو 37 حزبًا وتنظيمًا،
إضافةً إلى المكون العسكري. وبرز تأييد الدعم السريع القوي للاتفاق، حيث أقر حميدتي بخطأ انقلاب 25 تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وأنه قد تراجع عن دعمه له، ويرى "أن الاتفاق الإطاري هو مخرج البلاد من الأزمة الراهنة، وأنه هو الأساس الوحيد للحل السياسي المنصف والعادل". ومن أبرز عناصر الاتفاق الإطاري، التي عمّقت الخلافات بين جناحَي المكون العسكري، منح الدعم
السريع استقلالية عن القوات المسلحة.
((7(للاطلاع على ما ورد في نص الاتفاق، ينظر: أحمد يونس، "دمج 'الدعم السريع' في الجيش السوداني عالق عند تشكيل هيئة
القيادة والمدة"، الشرق الأوسط، 2023/4/3، شوهد في 2023/7/23، في: https://2u.pw/Ivsvcyp ((7("الصراع بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع... الأسباب والتداعيات المحتملة"، العربي الجديد، 2023/4/20، شوهد في 2023/7/23، في: https://2u.pw/2xsu6QH (7((أمنية مكاوي، "يرحّب حميدتي بمشروع الدستور الانتقالي.. ماذا وراء الخطوة؟" اليوم التالي، 2022/9/18، ص 5. (7((عماد النظيف، "خطاب حميدتي.. رسائل لمن؟"، الانتباهة، 2023/2/20، شوهد في 2023/7/22، في:
http://tinyurl.com/yc559emb
" ((7(كشف تفاصيل الخلاف بين 'البرهان' و'حميدتي'"، الانتباهة، 2023/3/15، شوهد في 2023/7/21، في:
http://tinyurl.com/264e8yxw
2. السند الخارجي للدعم السريع
حدث تحوّل في مواقف بعض الدول الغربية من الدعم السريع؛ فبعد وجود تحفظات من دول غربية على إقامة علاقات معه لما قام به في دارفور، زالت هذه التحفظات بسبب تحولات السياسة الداخلية في السودان. وبدأ تواصل مطّرد مع قيادته. فقد أجرى المبعوثون الغربيون لقاءات مع حميدتي تعكس دعم دولهم لدور الدعم السريع الجديد، بحسبانه المكون العسكري الذي يعوّل عليه في التحالف الصفري الهجين بعد انسحاب القوات المسلحة، في 29 آذار/ مارس 2023، من ورشة الإصلاح الأمني ضمن أعمال المرحلة النهائية للعملية السياسية بين المدنيين والعسكريين. فقد التقى، في 3 نيسان/ أبريل 2023، المبعوث الفرنسي الخاص للقرن الأفريقي، فريدريك كلافييه، وأخبره حميدتي بسعيه مع الأطراف غير الموقعة، لإلحاقها بالعملية السياسية. واجتمع بعد نحو أسبوع، في 10 نيسان/ أبريل 2023، مع مبعوثة الاتحاد الأوروبي للقرن الأفريقي أنيتا فيبر، وبحث معها الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في البلاد. وعقد اجتماعًا مشتركًا عبر الهاتف، في 12 نيسان/ أبريل 2023، مع كل من المبعوث الأميركي لشؤون شرق أفريقيا والسودان وج ونب السودان، بيتر لورد، والمبعوث الخاص للمملكة المتحدة للسودان وج ونب السودان، روبرت فيرويذر، والمبعوث النرويجي الخاص للسودان وج ونب السودان، جون أنطون.
3. بلورة الهجنة الصفرية
شكّل الاتفاق الإطاري، الذي يُو قّع عليه ف 5 كانون الأول/ ديسمبر 2022، المرحلة الثانية في بلورة الهجنة الصفرية وتحالف اتحاد يمنع المنافسة Cartel، بعد أن أسس طرح الدستور الانتقالي للجنة التسييرية لنقابة المحامين المرحلة الأولى. جاءت تصريحات من قيادات أحزاب التحالف تؤكد هذا الاحتكار، وأن هذا التحالف مغلق غير قابل لزيادة العضوية والتوسّع. فقد صرّح محمد حسن المهدي،
رئيس المكتب السياسي لحزب الأمة القومي، أن الاتفاق الإطاري مقفول و"ليس هناك أي اتجاه لفتح الاتفاق الإطاري وهناك أطراف متفق عليها هي المعنية بالتوقيع". وذكر المهدي في المقابلة الصحافية نفسها أن المجموعة الموقّعة لا تريد الإغراق بفتح الاتفاق لمجموعات إضافية. برز التأثير الخارجي القوي في تعزيز التحالف الصفري، حيث دعمته مجموعة الرباعية التي استخدمت التهديد لمعارضي الاتفاق الإطاري، فقد حذّرت "من أيّ محاولة لتقويض العملية السياسية الجارية الآن في السودان أو إثارة مزيد من عدم الاستقرار[...] وأن هذا الاتفاق أساس لاستئناف المساعدات الدولية والاستثمارات ورفع مستوى التعاون بين حكومة السودان والشركاء الدوليّين". وأعلنت الآلية
الثلاثية عن ترحيبها بالاتفاق الإطاري بين الأطراف السودانية.
((7(محمد جمال قندول، "رئيس المكتب السياسي لحزب الأمة القومي محمد الحسن المهدي: لن يفتح الإطاري... وهناك
أطراف متفق عليها هي المعنية بالتوقيع"، الانتباهة، 2023/2/14، ص.3 (7(("الآليّة الُّرُباعيّة تحِّذِر من أيّ محاولة لتقويض العملية السياسيّة الجارية الآن"، اليوم التالي، 2023/1/8، شوهد في 2023/7/19،
في: http://tinyurl.com/mrx9hah2
تطور الصراع بين جناحَي المكون العسكري سريعًا نحو الاشتباك المسلح، حينما أعلنت القوات المسلحة السودانية في بيان لها، يوم 13 نيسان/ أبريل 2023، أشارت فيه إلى تحّرك ات لقوات الدعم
السريع وانتشارها في مناطق من العاصمة والولايات، مخالفة لمهمات عملها ونظامه، ومن دون موافقة القوات المسلحة السودانية أو حتى التنسيق معها. جاء ذلك بعد أن أرسلت قوات من الدعم السريع لاحتلال مطار مروي في شمال السودان. وذكر البيان أن قوات من مناطق أخرى قد استُدعيت لمواجهة الموقف، وأن القوات المسلحة طالبت قوات الدعم السريع بالانسحاب من منطقة تمركزها الجديدة في مروي في غضون 24 ساعة، وإن لم تفعل فستُجبر على ذلك. كان يحشد قواته قبل أسابيع تشير تقارير إعلامية وشواهد من مقاطع فيديو عديدة إلى أن الدعم السريع في العاصمة، استعدادًا لساعة الصفر في 15 نيسان/ أبريل 2023 لاستلام السلطة، وبادر إلى الهجوم على مقار القوات المسلحة في صبيحة ذلك اليوم. شكّل هجوم الدعم السريع بداية معارك عنيفة في مدن العاصمة الثلاث، ودارفور، وبعض مناطق كردفان. وكانت تتويجًا لاستقطاب تتصاعد حدته بين معسكرات متنازعة قرر الدعم السريع حسمه عسكريًا، لكن ذلك أدخل البلاد في دوامة عنف مسلح ستعيد مخرجاته تشكيل الحياة السياسية في البلاد. ومهما كانت مخرجات العنف المسلح، فإن الشواهد الحالية تشير إلى أن حالة عدم الاستقرار ستستمر في البلاد فترةً لا يُعرف مداها، وشكّلت هذه الحرب منعطفًا مفصليًا سيقود إلى ترتيبات سياسية مختلفة عما مضى من الفترة الانتقالية.
خاتمة
طغت على الفترة الانتقالية في السودان عملية سياسية، يغلب عليها التنازع؛ فكانت سمتها الغالبة الحركية والمناورة. قادت هذه الحركية إلى تغيير في العلاقات بين الفاعلين نجم عنه استخدام التحالفات بوصفها آلية للعمل السياسي، لكن التحّولّات التي طرأت على هذه التحالفات أسهمت في
عدم استقرار الفترة الانتقالية، ونجم عن أحد هذه التحولات منعطف مفصلي أدخل البلاد في حرب مدمرة. ووفقًا لتفاعلات القوى السياسية عبر التحالفات تخلص الدراسة إلى ما يلي: • أولًا، نتيجة لحالة التفتّت التي تسم القوى السياسية في السودان، صار تكوين التحالفات الآلية الفعالة في إظهار القوة السياسية، وفي القدرة على التفاوض وتحقيق المصالح. وأضحى تكوين التحالفات، وفضها وإعادة إنتاجها، السمة الغالبة للفترة الانتقالية في السودان، وصاحب ذلك
(7(("الجيش السوداني يتهم 'الدعم السريع' بتحريك قوات في العاصمة والولايات دون إخطاره"، الجزيرة نت، 2023/4/13، شوهد في 2023/7/24، في: https://bit.ly/3tNExCn ((8(ينظر في هذا الصدد:
Ariel Cohen, "Russia’s Fingerprints are on Sudan Coup Attempt," The Hill , 4/18/2023, accessed on 23/7/2023, at: http://tinyurl.com/2hz6r3jf; Colin Poitras, "Yale Humanitarian Research Lab Monitoring Conditions in Sudan," The Sudan Conflict Observatory , 10/6/2023, accessed on 23/7/2023, at: http://tinyurl.com/4v7adbjx;
"تعزيزات عسكرية لقوات الدعم السريع تدخل العاصمة السودانية الخرطوم"، التلفزيون العربي، فيسبوك، 2023/4/13، شوهد في
2023/7/23، في: http://tinyurl.com/5b8eh5wf
تحوّل سريع في الهويات السياسية، وفي تأطير المواقف، وفي الخطاب السياسي. فترتب على
ذلك أنْ أصبحت التحالفات آلية استقطاب زادت من توترات الفترة الانتقالية. • ثانيًا، غلب على جل عضوية التحالفات المختلفة – عدا تحالف التغيير الجذري – التباين
السياسي والأيديولوجي، ومن ثّم كان التوتر داخل التحالفات أكبر من التجانس فيها؛ لذا كانت
غالبية التحالفات آنية ولم تصمد طويلًا. • ثالثًا، برزت التحالفات الهجينة بين مدنيين وعسكريين بكونها الأكبر أثرًا في النظام السياسي،
والأكثر عرضة للتوتر الداخلي؛ نظرًا إلى التباين الكبير في التوجهات السياسية، وفي المصالح
التنظيمية. • رابعًا، غلب استخدام وسيلة مخاطبة فاعلين عديدين في الوقت نفسه على آلية التحالفات
المختلفة، بينما اقتصر التجميع والتفاعل الصفري والخطاب الأيديولوجي على تحالفات محددة. • خامسًا، أدت دينامية السياسة التنازعية إلى تحوّل في العلاقة داخل المكون العسكري فانقسم
سياسيًا إلى جناحين، وحدث تحوّل في هوية الدعم السريع، حيث صار جزءًا من التحالف
الصفري، وبالتقاء التحالف الصفري وقوة عسكرية في نظام سياسي يتسم بالاستقطاب والتنازع، صار الطريق إلى انفجار العنف المسلح مفتوحًا. • سادسًا، أسهم التفاعل بين الديناميات الداخلية والمؤثرات الخارجية في تكوين تحالفات
ت ونعت بسبب تأثير التنافس الإقليمي فاختلفت من حيث التوجه السياسي والحصرية والتداخل لمكونات التحالفات. • سابعًا، أدت تحولات التحالفات الهجينة في آخر نسخة منها إلى حدوث منعطف مفصلي
دشنته الحرب التي اندلعت في البلاد، حيث ضعفت الأسس السياسية والقانونية التي قامت عليها الفترة الانتقالية. وعلى مستوى الدلالات النظرية لهذه الخلاصات، يمكن أن نقف على ما يلي: • أولًا، كان الفاعلون في حالة من الحركية الدائمة الهادفة إلى إقامة تحالفات موالية أو منع قيام المعارِضة منها أو معاقبتها. وهذا يؤكد ما ذهب إليه سدني تارو من أن السياسة التنازعية تتسم بحالة مستمرة من الحراك الهادف إلى إقناع آخرين، أو الحجر عليهم، أو هزيمتهم، أو معاقبتهم، أو التعاون معهم. ويشير ذلك إلى أن استخدام مداخل من السياسة التنازعية في دراسة حالات كبيرة من الاستقطاب يسهم في فهم الانتقال الديمقراطي في مجتمعات منقسمة وتعكس درجة ديناميات الانتقال، وخاصة دور التحالفات بوصفها آلية لإدارة التحولات في العملية السياسية.
(81) Tarrow.
• ثانيًا، تطابقت إحدى نتائج هذه الدراسة، التي رأت أن التحالفات الصفرية تسهم في توترات
الفترة الانتقالية، مع ما ذهب إليه ديفيداي وأنقوس من أن الميل الحزبي إلى رؤية الحياة على أن محصلتها صفر يؤدي إلى تفاقم الصراعات السياسية. فقد وجدا، في أثناء تناولهما العلاقة بين الأيديولوجيا السياسية والتفكير الصفري، أن اكاًّل من الليبراليين والمحافظين ينظرون إلى الحياة على أنها محصلتها صفر عندما تحقق لهم مكاسب. وهذا يعسر الوصول إلى مساومات. • ثالثًا، قامت غالب التحالفات – عدا تحالف التغيير الجذري – على اتفاق الحد الأدنى الذي يجمع قوى سياسية متباينة؛ لذا كان التوتر داخل هذه التحالفات أكبر من التجانس فيها، فلم تصمد إلا فترات قصيرة. ويؤيد هذا الواقع ما ذكره كاليفاس من أن تحالفات الحروب الأهلية يجمع بينها القليل، بينما تحمل تباينات في داخلها. وعكست دراستنا ظهور هذا النمط في تحالفات السياسة التنازعية في الفترات الانتقالية التي تتسم بتحوّل متسارع واستقطاب حاد. أما على مستوى الدلالات العملية، فيمكن أن نقف على ما يلي: • أولًا، إن التحالفات الهجينة إذا اتجهت نحو الاحتكار في فترة انتقالية يغلب عليها الاستقطاب قد تقود إلى التوتر والعنف السياسي. وكلما اتجهت الفترة الانتقالية نحو توسيع المشاركة السياسية، أسهم ذلك في استقرارها. • ثانيًا، في المجتمعات التي يوجد فيها تعدد في المؤسسات العسكرية تكون قضية الإصلاح
العسكري والأمني بالغة التعقيد؛ فلا تجدي فيها نفعًا الوصفات المستوردة المستوحاة من نمط
العلاقات المدنية – العسكرية السائد في الدول الغربية. وربما قاد النظر في بدائل أخرى إلى مصير مختلف للفترة الانتقالية. • ثالثًا، تأثير القوى الخارجية في العملية السياسية خلال الفترة الانتقالية حمّال أوجه؛ فقد يوفر
دعمًا لانتقال ديمقراطي سلس، لكنه – كما في الحالة السودانية – قد يسهم في حالة الاحتقان
والاستقطاب، تدفعه في ذلك مصالح الدول المتدخلة؛ ما قد يوصل البلاد إلى مآلات عنيفة من بينها الحروب الأهلية.
المراجع
References
العربية
أبو شوك، أحمد إبراهيم. الثورة السودانية (2019–2018) مقاربة توثيقية – تحليلية لدوافعها ومراحلها وتحدياتها. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012
(82) Shai Davidai & Martino Ongis, "The Politics of Zero–Sum Thinking: The Relationship between Political Ideology and the Belief that Life Is a Zero–Sum Game," Science Advances , vol. 5, no. 12 (December 2019), pp. 1–10. (83) Kalyvas, "The Ontology of 'Political Violence'."
أطوار التاريخ الانتقالي: مآل الثورات العربية. الدوحة / بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015. أحمد، حسن الحاج علي. "القدرة على الاستدلال: إسهامات التحليل التتبعي في بحوث دراسة الحالة" سياسات عربية. مج 7، العدد 41 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2019 ________. "الهجنة المركبة: تأثير التحالف الحاكم في مسار الفترة الانتقالية في السودان". ورقة مقدمة في الدورة العاشرة للمؤتمر الس وني لقضايا الديمقراطية والتحوّل الديمقراطي. "الموجة الثانية
من الانتفاضات العربية: تجربتا السودان والجزائر". المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عن بعد. على منصة زووم..2021/10/12–9 الأمم المتحدة. التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بالسودانفي.:2020/1/14.
http://tinyurl.com/w2a9a73p
فان دايك، تون أ. الأيديولوجيا والخطاب: مقدمة متعددة التخصصات. ترجمة سعيد بكار ولحسن بوتكلاي. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2023 "مستقبل العلاقة بين المدنيين والعسكريين وتحديات المرحلة الانتقالية في السودان". تقدير موقف. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2021/10/19:. في https://bit.ly/47uamOp ولد لبات، محمد الحسن. السودان على طريق المصالحة. الخرطوم: دار عزة للنشر، 2020.
الأجنبية
Bawn, Kathleen. "Constructing 'Us': Ideology, Coalition Politics, and False Consciousness." American Journal of Political Science. vol. 43, no. 2 (April 1999). Beach, Derek & Rasmus Brun Pedersen, Process–Tracing Methods Foundations and Guidelines. 2 nd ed. Ann Arbor: University of Michigan Press, 2019. Berriane, Yasmine & Marie Duboc. "Allying Beyond Social Divides: An Introduction to Contentious Politics and Coalitions in the Middle East and North Africa." Mediterranean Politics. vol. 24, no. 4 (2019). Capoccia, Giovanni & R. Daniel Kelemen. "The Study of Critical Junctures: Theory, Narrative, and Counterfactuals in Historical Institutionalism." World Politics. vol. 59, no. 3 (April 2007). Cassani, Andrea. "Hybrid What? Partial Consensus and Persistent Divergences in the Analysis of Hybrid Regimes." International Political Science Review. vol. 35, no. 5
Chinoy, Sahil et al. "Zero–Sum Thinking and the Roots of U.S. Political Divides." National Bureau of Economic Research. Working Paper. no. 31688. September 2023.
Collier, David. "Understanding Process Tracing." PS: Political Science and Politics. vol. 44, no. 4 (2011). Darwich, May. "Alliance Politics in the Post–2011 Middle East: Advancing Theoretical and Empirical Perspectives." Mediterranean Politics. vol. 26, no. 5 (2021). Day, Adam. Hybrid Conflict, Hybrid Peace: How Militias and Paramilitary Groups Shape Post–Conflict Transitions. New York: United Nations University, 2020. Della Porta, Donatella & Mario Diani (eds.). The Oxford Handbook of Social Movements. Oxford: Oxford University Press, 2014. Golder, Sona Nadenichek. "Pre–Electoral Coalition Formation in Parliamentary Democracies." British Journal of Political Science. vol. 36, no. 2 (April 2006). Grzymala–Busse, Anna. "Coalition Formation and the Regime Divide in New Democracies: East Central Europe." Comparative Politics. vol. 34, no. 1 (October
Kalyvas, Stathis N. The Logic of Violence in Civil War. Cambridge: Cambridge University Press, 2006. ________. "The Ontology of 'Political Violence': Action and Identity in Civil Wars." Perspectives on Politics. vol. 1, no. 3 (September 2003). Mahoney, James. "Process Tracing and Historical Explanation." Security Studies. vol. 24, no. 2 (2015). McAdam, Doug, Sidney Tarrow & Charles Tilly. "Methods for Measuring Mechanisms of Contention." Qualitative Sociology. vol. 31, no. 4 (2008). ________. Dynamics of Contention. Cambridge: Cambridge University Press, 2001. Mufti, Mariam. "What Do We Know about Hybrid Regimes after Two Decades of Scholarship?" Politics and Governance. vol. 6, no. 2 (2018). Przeworski, Adam. Democracy and the Market: Political and Economic Reform in Eastern Europe and Latin America. Cambridge: Cambridge University Press, 1991. Shai Davidai & Martino Ongis. "The Politics of Zero–Sum Thinking: The Relationship Between Political Ideology and the Belief that Life Is a Zero–Sum Game." Science Advances. vol. 5, no. 12 (December 2019).