العودة إلى تفاصيل المؤلَّف سنوات القحط: تحوّل اقتصادي منسي في الخليج

سنوات القحط: تحوّل اقتصادي منسي في الخليج

The Drought Years: The Forgotten Economic Transformations in Gulf History

* Amna Abdulla Sadiq آمنة عبد الله صادق|

الملخّص

تناقش هذه الدراسة مرحلة التحوّل اللافتة في تاريخ التجارة في منطقة الخليج والمحيط الهندي، التي تشكّلت نتيجة امتداد الحرب العالمية الثانية إلى ممرات المحيط الهندي وموانئه، وقد عانت دولُ المنطقة سياسات التقشف البريطانية الناتجة من ذلك، والساعية لإدخال هذه السياسات إلى النظام التقليدي، في محاولة للحدّ من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المنتشرة آنذاك. ومثّلت هذه التدخلات البريطانية تحديات للنظام الاقتصادي في الخليج وشبه الجزيرة العربية، وكانت نقطة التحوّل من اقتصادات اللؤلؤ إلى اقتصادات النفط. واستغرق هذا التحوّل قرابة العقد من الزمن؛ من منتصف الحرب العالمية الثانية إلى بداية خمسينيات القرن العشرين

Abstract

Abstract: This article discusses a significant phase of transformation in the history of trade in the Gulf and the Indian Ocean, resulting from the expansion of World War II into the passages and ports of the Indian Ocean. The countries in the region suffered from the policies imposed by Britain, which sought to introduce austerity measures to the traditional system in an effort to mitigate the widespread economic and social instability at that time. These British interventions challenged the economic system in the Gulf and the Arabian Peninsula, marking a turning point from pearl–to oil–based economies. This transformative period spans approximately a decade, starting from the mid– World War II era until the early 1950s.

الكلمات المفتاحية:
  • الحرب العالمية الثانية
  • سياسات التقشف
  • اقتصاد اللؤلؤ
  • الخليج
  • المحيط الهندي
Keywords:
  • World War II
  • Austerity Measures
  • Pearling
  • Gulf
  • Indian Ocean

ملخص: تناقش هذه الدراسة مرحلة التحوّل اللافتة في تاريخ التجارة في منطقة الخليج

والمحيط الهندي، التي تشكّلت نتيجة امتداد الحرب العالمية  الثانية إلى ممرات المحيط

الهندي وموانئه، وقد عانت دولُ المنطقة سياسات التقشف البريطانية الناتجة من ذلك،

والساعية لإدخال هذه السياسات إلى النظام التقليدي، في محاولة للحدّ من حالة عدم

الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المنتشرة آنذاك. ومثّلت هذه التدخلات البريطانية

تحديات للنظام الاقتصادي في الخليج وشبه الجزيرة العربية، وكانت نقطة التحوّل من

اقتصادات اللؤلؤ إلى اقتصادات النفط. واستغرق هذا التحوّل قرابة العقد من الزمن؛ من

منتصف الحرب العالمية الثانية إلى بداية خمسينيات القرن العشرين.

المحيط الهندي.

Abstract: This article discusses a significant phase of transformation in the history of trade in the Gulf and the Indian Ocean, resulting from the expansion of World War II into the passages and ports of the Indian Ocean. The countries in the region suffered from the policies imposed by Britain, which sought to introduce austerity measures to the traditional system in an effort to mitigate the widespread economic and social instability at that time. These British interventions challenged the economic system in the Gulf and the Arabian Peninsula, marking a turning point from pearl–to oil–based economies. This transformative period spans approximately a decade, starting from the mid– World War II era until the early 1950s.

Assistant professor in the Gulf Studies Program at Qatar University. Email: asadiq@qu.edu.qa

مقدمة

في أواخر عام 1942، أنشأ الوكلاء السياسيون البريطانيون في الخليج، أول مرة في تاريخ المنطقة، نظامَ تقنين على الصعيد الوطني. وبناءً عليه، أصدروا لكلّ أسرة بطاقة حصص،

تشمل الإمدادات المدنية التي تصل إلى المنطقة، أي السلع الأساسية من الأرز والدقيق والسكر، وفي وقتٍ لاحقٍ الشاي والقهوة، ومنثمّ المنسوجات. لا شكّ في أنّ نظام التقنين هذا يُعدّ أمرًا

ضروريًا في زمن الحرب، وقد مثّل استجابة يائسة إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة

في المنطقة، حتى قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية. غير أنّ فرض هذا النظام لم يخفّف من حدّة الأزمات الاقتصادية بل وضع المنطقة على شفا المجاعة. ومثّل هذا النظام جزءًا من سياسة التقشّف الشاملة التي اعتمدتها بريطانيا في مشيخات الخليج

خلال أربعينيات القرن العشرين. وكانت هذه السياسة في منطقة الخليج تعكس الفهم العام لوكلاء بريطانيا في ما يخصّ الاقتصادات في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، أكثر منها خطًّةً مصمّمة لتلائم

الأنشطة الاقتصادية والموارد في المنطقة. وقد فشلت هذه السياسة في التعويض عن العديد من أوجه القصور في الاقتصاد السياسي الإقليمي، وضاعفت من حدّة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فضل عن أنها عطّلت الدورة الاقتصادية وأنماط تجارتها المتمركزة في المحيط الهندي. تُعدّ من الاستراتيجيات الثابتة لدى الإمبراطورية البريطانية التي على الرغم من أن سياسات التقشف نجحت في إدخالها وتنفيذها في الخليج خلال الحرب العالمية الثانية، فإن عدد الدراسات التي تعرض سياق هذه السياسات وإرثها التاريخي في الاقتصاد السياسي للخليج، ايُعدّ قليل. في الواقع،

تنظر الأدبيّات إلى الوجود البريطاني في الخليج باعتباره أمرًا عابرًا في التاريخ السياسي للمنطقة.

ويرى الباحثون أنّ منطقة الخليج التي يحكمها الشيوخ كانت، بوصفها محميّات للإمبراطورية

البريطانية، مستثناة من العديد من السياسات أو المخطّطات البريطانية المفروضة على مستعمراتها؛ إذ تركّز غالبية الدراسات، إما على دور خطة الانسحاب البريطانية في عملية التعاون الإقليمي الخليجي ونشأة المؤسسات السياسية فيه، وإما على مخطّطات بريطانيا لمكافحة القرصنة وحروبها مع القواسم. إّل أننا نفتقر إلى الدراسات التي تركّز على إرث الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، وتأثير الكثير من سياساتها في البنى الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية المحلية، كما ستناقش هذه الدراسة.

(((ينظر على سبيل المثال:

Jill Crystal, Oil and Politics in the Gulf: Rulers and Merchants in Kuwait and Qatar (Cambridge: Cambridge University Press, 1995); Rosemarie Said Zahlan, The Making of the Modern Gulf States: Kuwait, Bahrain, Qatar, the United Arab Emirates and Oman (London: Routledge, 2016).

(((ينظر على سبيل المثال:

James Onley, The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers, and the British in the 19 th Century Gulf (New York: Oxford University Press, 2007); Khaldoun al–Naqeeb, Society and State in the Gulf and Ara b Peninsula: A Different Perspective (London: Routledge, 1990).

من خلال النظر في تجربة مشيخات الخليج الخاضعة للنفوذ البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية،

تعيد هذه الدراسة تسليط الضوء على الظروف التي أدّت إلى عقدٍ من الجوع والكساد على نطاق واسع في المنطقة، والمعروف لدى سكانها باسم سنوات القحط. ويفسّر فهم هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ الخليج الحديث التحوّل الحادّ الذي شهدته دول الخليج في الانتقال من النشاط التقليدي المتمثل في صيد اللؤلؤ والتجارة الإقليمية إلى الاقتصادات الحديثة القائمة على النفط. تستند هذه الدراسة إلى المعلومات التي جرى جمعها من المحفوظات الوطنية البريطانية والمحفوظات المحلّية ومذكّرات الرحّالة؛ بهدف تقييم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الخليج خلال ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته. ويتجاوز عرض التفاصيل الكاملة لحالة كل مشيخة في الخليج على حدة، خلال الحرب العالمية الثانية، نطاق هذه الدراسة. ومن ثم، فإنّها تعرض لمحةً عن الأوضاع العامة في أنحاء المنطقة كلها، من دون أن تتطرّق إلى التفاصيل الخاصة بكل مشيخة

في الخليج، لأنّ التدابير البريطانية في زمن الحرب كانت مصمّمة بوصفها سياسة إقليمية، وليست سياسات محصورة في الدولة. ومع ذلك، تفاوتت درجة قساوة الظروف والأزمة في أنحاء الخليج كلها، ويجب العمل في المستقبل لتطوير دراسة شاملة عن كلّ حالة على حدة. تتناول هذه الدراسة فشل التدابير التي اعتمدتها سياسة التقشّف البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية؛ بسبب تجاهلها أوجه القصور الكبيرة في النظام الاقتصادي الإقليمي. ولم تقدّم هذه الخطط، بصرف النظر عن آفاقها الاقتصادية والاجتماعية المحدودة، سبلَ عيشٍ أو مواردَ بديلةً للسكان المحليّين لتدارك التدهور الحاصل في الاقتصادات القائمة على تجارة اللؤلؤ والموانئ الحرّة. وبدل

من ذلك، تباطأت الدورة الاقتصادية بفعل هذه الخطط، ولم تستعِ دْ عافيتها كاملة، ماألحق ضررًا دائمًا بالاقتصاد الخليجي المهيمن. تبدأ هذه الدراسة بوصف الاقتصاد الخليجي التقليدي وديناميّاته. ومن ثم، تقدّم تسلسل للأحداث

التي شهدتها منطقة الخليج خلال الحرب العالمية الثانية، بخاصة أزمة تجارة اللؤلؤ التي شملت المنطقة بأكملها، فعانت أزمة اجتماعية واقتصادية. وتبحث كيفية تبلور التدابير البريطانية في زمن الحرب في المنطقة وتطوّرها. ويكشف المبحث الأخير من الدراسة كيفية تعامل سكان المنطقة مع هذه التدابير.

(((تعني عبارة سنوات الجريش"سنوات القمح". ويشير ذلك إلى "عصر القمح"، لأنّ الناس استبدلوا الأرز بالقمح خلال الحرب

العالمية  الثانية. وهناك وصف آخر للمرحلة نفسها في تاريخ الخليج وهو سنوات البطاقة، التي ترمز إلى "عصر البطاقة"؛ والبطاقة هنا

هي بطاقة الحصص الغذائية الموزّعة في المنطقة خلال الحرب العالمية  الثانية. وتسمى الفترة أيضًا سنوات القحط، التي تشير إلى

سنوات الجفاف. ويشير بعض السكان المحليين إلى أنّ سنوات القحطدامت ست سنوات فقط، خلال الحرب العالمية  الثانية،

بينما تشير هذه الدراسة إلى أنّ هذه المرحلة بدأت قبل ذلك، بدءًا من انهيار الاقتصاد القائم على تجارة اللؤلؤ. (((نظرًا إلى نطاق الدراسة المحدود، فإنها تتناول التحليلات المحصورة بالظروف الاقتصادية والسياسية المرتبطة بالتدابير

البريطانية في زمن الحرب في منطقة الخليج. وتُستثنى التحليلات المرتبطة بالتحّولّات السياسية والاقتصادية الأخرى التي حصلت

في الوقت نفسه تقريبًا، مثل اكتشاف النفط والحركات السياسية ومسألة التأميم.

أولا: الدورة الاقتصادية في الخليج

يقع بحر الخليج جغرافيًا في منطقة وسطى بين آسيا وأوروبا، ويربط برّه الرئيس بين المحيط الهندي

والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وقد شكّل قناةً تجاريةً مزدهرةً لاقتصاد المحيطات. وبسبب غياب الزراعة والتصنيع، لم  يكن لدى شعوب الخليج، تاريخيًا، أُّيُ منفذٍ اقتصادي غير

الشبكات التجارية في المحيط الهندي. ومع وصول خدمات السفن البخارية والتلغراف البريطانية إلى موانئ الخليج في منتصف القرن التاسع عشر، بدأت شبكة جديدة تتشكّل في المحيط الهندي. كان موسم حصاد التمور في الخليج يمثّل بداية الدورة التجارية في المنطقة. ففي آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر، كان التجّار وأصحاب واحات التمور الخليجيون يسافرون إلى واحات البصرة

والبحرين والأحساء ومسقط للإشراف على عملية الجني [الحصاد]. وعند الانتهاء منها، يجري تحميل التمور في سفن كبيرة. وبعد رحلة طويلة عبر المحيط الهندي، تصل إلى مؤسسات تجارية ووكلاء في موانئ شبه القارة الهندية، مثل غوا وكراتشي وكولومبو، وفي موانئ شرق أفريقيا، مثل زنجبار ومومباسا. باعت مشيخات الخليج، بواسطة سفنها، هذه التمور إلى الموانئ والمؤسسات التجارية عبر المحيط الهندي قبل الاستعداد لرحلة العودة. وعند عودة السفن التجارية الخليجية إلى المنطقة،

(((إنّ الخليج بوصفه قناةً مائيةً، استفاد منها المحيط الهندي قبل اكتشاف رأس الرجاء الصالح Hope Good of Cape، موضوعٌ

موّثاّ قٌ توثيقًا جيدًا. وقد وصفه [عالم الرياضيات والخرائط الألماني] كارستن نيبور خلال رحلاته عبر شبه الجزيرة العربية كميلي:

"إنّ التجارة، بمجرّد أنها عبرت هذه القناة، فقد استمرّت في التدفق عبرها، في عهد البطالمة والرومان والأباطرة اليونانيين وخلفاء

مصر". ينظر:

Carsten Niebuhr, Travels through Arabia and Other Countries in the East 1733–1815 , vol. 2 (Edinburgh: R. Morison and Son, 1792), p. 9;

قد نجد الملاحظات نفسها عند:

Ludovico di Varthema, Travels of Ludovico Di Varthema in Egypt, Syria, Arabia Deserta and Arabia Felix, in Persia, India, and Ethiopia, A.D. 1503–1508 (London: Hakluyt Society, 1863), p. 89; Pedro Teixeira & John Stevens, The Travels of Pedro Teixeira: With His 'Kings of Harmuz' and Extracts from His 'Kings of Persia' , Donald Ferguson (ed.), William Sinclair (trans.) (London: Hakluyt Society, 1802), p. 23.

(((للمزيد من المناقشة بشأن ظهور شبكات جديدة مرتبطة بالخليج والمحيط الهندي في منتصف القرن التاسع عشر، ينظر:

Matthew Hopper, "The Globalization of Dried Fruit: Transformation of the Eastern Arabian Economy, 1860s–1920s," in: James L. Gelvin & Nile Green (eds.), Global Muslims in the Age of Steam and Print (California: University of California Press, 2014); Matthew Hopper, "Debt and Slavery among Arabian Gulf Pearl Divers," in: Gwyn Campbell & Alessandro Stanziani (eds.), Bonded Labour and Debt in the Indian Ocean World (London: Pickering & Chatto, 2013).

(((للمزيد من التفاصيل عن الدورة الموسمية لمنطقة الخليج، ينظر:

Dionisius Agius, Seafaring in the Arabian Gulf and Oman: The People of the Dhow (London: Routledge, 2005).

(((وثّق الكاتب الأسترالي آلان فيلييه التجربة التي خاضها في إحدى السفن الشراعية الكويتية في أثناء رحلاتها التجارية عبر المحيط الهندي، وقدّم أيضًا تفاصيل مهمة عن الطرق وطبيعة هذه الرحلات، ينظر:

Alan Villiers, Sons of Sinbad (London: Arabian Publishing, 1940).

كانوا يستوردون عادةً سلعًا للأسواق المحلية والإقليمية، مثل الأخشاب والسلع العامة والأغذية والمنسوجات من الهند، بينما يستوردون خشب المانغروف والقهوة من شرق أفريقيا واليمن. ويُعاد توزيع العديد من هذه السلع المستوردة وبيعها في الأسواق المحلية والقرى والمدن الخليجية

المختلفة، إما عبر الطرق البرية وإما عبر الموانئ الصغيرة، مثل الدوحة ولنجة، التي كانت موانئ البحرين والكويت ودبي تمدّها بالسلع؛ وذلك لأنّ عددًا قليل من السكان المحليين كان منخرطًا في أعمال إعادة التصدير. بحلول فصل الربيع، ينتقل تجار المنطقة من موسم بيع التمور إلى موسم صيد اللؤلؤ الذي يحدّده موسم الغوص الكبير. ويبدؤون، من آذار/ مارس إلى أيار/ مايو، في تزويد أساطيل صيد اللؤلؤ التي تضمّ آلافًا من أفراد الطواقم ومئات المراكب الشراعية، بالمنتوجات اللازمة، من الأشرعة وحبال

السفن وصواريها وعوارض الأشرعة اللاتينية وحبال المرساة، فضل عن المواد الغذائية الأساسية، مثل الأرز والتمور والقهوة. وبعد اكتشاف كميات تجارية من النفط في مشيخات الخليج، مثل الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وقطر (في أواسط ثلاثينيات القرن العشرين)، دخلت صناعة النفط في الدورة الاقتصادية للمنطقة. في البحرين تحديدًا، بدأت شركة النفط في توظيف السكّان المحليين من أنحاء المنطقة كلها للعمل فيها، وذلك بسبب الاكتشافات النفطية المبكرة. وتمتّع عمّال الشركة

بدخولٍ مستقرّة، وظروفِ عملٍ أفضل مما  كانت توفّره تجارة اللؤلؤ. وهكذا، توافد العديد من

السكّان المحليين الخليجيين من قطر والمملكة العربية السعودية إلى البحرين للعمل في مجال قطاع النفط. ومع ذلك، وبعد أكثر من عقد من اكتشاف النفط، نشبت الحرب العالمية الثانية، فتوقّف العمل بسبب تلك الظروف. كانت شعوب منطقة الخليج مندمجةً اندماجًا وثيقًا في شبكات الاقتصاد الإقليمي في المحيط

الهندي، بفعل الدورة الاقتصادية الموسمية التقليدية في الخليج، والإشارات المبكرة إلى قطاع النفط. وما إن بدأ اقتصاد اللؤلؤ يتراجع، مع اقتراب الحرب العالمية الثانية، حتى دخلت منطقة الخليج في حالة من الركود الاقتصادي والاجتماعي، استمرّت ما  يقارب العقدين من الزمن، ولم تنتهِ

إاّل بعد استئناف إنتاج النفط في أواخر أربعينيات القرن العشرين وأوائل خمسينياته.

(((تناولت سجلات بحرية عدة طبيعة هذه الشبكة التجارية ونطاقها. ينظر على سبيل المثال، الوثيقة التجارية المتبادلة بين فايز

خميس ومحمد بن  متروك: محمد المتروك، من تجارة الماضي: من أرشيف الحاج محمد بن  عبد  الله المتروك (الكويت: [د. ن].،

2016)، ص 65؛ ينظر سجلات الملا: عبد  الرحمن الخليفي، الغوص على اللؤلؤ في قطر (قطر: دار  كتارا للنشر، 2012)، ص.685 (((1 لدراسةٍ موسّعة عن اقتصاد اللؤلؤ في الخليج، ينظر:

Robert Carter, Sea of Pearls: Seven Thousand Years of the Industry That Shaped the Gulf (London: Arabian Publishing,

(((1 للمزيد من المناقشة بشأن دور الشركات البريطانية في الخليج، ينظر:

Kiren Aziz Chaudhry, The Price of Wealth: Economies and Institutions in the Middl e East (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997); Ali Khalifa al–Kuwari , Oil Revenues in the Gulf Emirates (Boulder: Westview, 1978).

ثيانًا: تصاعد أزمة تجارة اللؤلؤ وإعادة التصدير إبان الحرب العالمية الثانية

تلقّى حاكم دبي سعيد آل مكتوم (1958–1912)، في عام 1924، برقيّة من الهند تبلغه عن وجود

لآلئ اصطناعية ممزوجة بلآلئ طبيعية تمّ شراؤها من دبي. وبعد تحقيق واسع، اكتشف آل مكتوم أنّ

لآلئ اصطناعية، تقَّدَر قيمتها ب 200 ألف روبية، بيعت في سوق دبي خلال موسم اللؤلؤ، في ذلك العام. وبعد فترة وجيزة، وجد السكّان المحليون لآلئ اصطناعية تمّ دمجها في مشتريات الموسم

في منطقة الخليج، بدءًا من الكويت حتى مسقط. وأثارت الأخبار السيئة التي أتت من الهند عن

لآلئ الخليج أزمة في أسواق اللؤلؤ؛ إذ إن تجّار اللؤلؤ المحليين في الخليج أدركوا أنّ سوق اللؤلؤ

الطبيعي التي سيطروا عليها فترة طويلة بدأت تفقد أهميتها. من المرجّح أنّ الطلب على اللؤلؤ الخليجي قد بدأ يتراجع في مرحلة مبكرة من الحرب

العالمية الأولى. فقد لاحظ تجّار الخليج، في عام 1917، أنّ موسم اللؤلؤ كان ضعيفًا؛ إذ عاد كثيرون

من الهند من دون أن يتمكّنوا من بيع اللآلئ. وبعد خمس سنوات، في عام 1922، اضطرّ بعض تجّار

الخليج إلى خفض سعر اللآلئ بسبب تراجع الطلب عليها في الهند؛ حتى إنّ بعضهم سافر بها إلى مرسيليا وباريس، ظًّنًا منهم أنّ تراجع الطلب على اللؤلؤ الطبيعي كان محصورًا في الأسواق

الهندية. وأفادت التقارير الواردة من البحرين بأن موسم اللؤلؤ شهد ارتفاعًا في الإيرادات، بلغ 5.466000 روبية في عام 1916 مقارنةً بانخفاض في الإيرادات، وصل إلى 2.193700 روبية في عام 1924. ومع ذلك، استمرّ العديد من التجّار الخليجيين في تمويل الفِ رَق الكبيرة المسؤولة

عن صيد اللؤلؤ طيلة عقدٍ تقريبًا؛ إذ إنهم ظنّوا أنّ السوق سوف تتعافى. عندئذٍ، اقترح المسؤولون

البريطانيون صوغ قانون تنظيم صيد اللؤلؤ؛ بهدف تحسين عمليّة الغوص. وللحدّ من تأثير أزمة اللؤلؤ في النشاط الاقتصادي في المنطقة، شرع حكّام مشيخات الخليج في صوغ قانون تنظيم صيد اللؤلؤ بمساعدة الوكلاء البريطانيين. ومثّل هذا القانون محاولة المنطقة الأولى لتنظيم الحياة الاقتصادية، لا سيّما في ما يخصّ العلاقة بين التجّار والعمّال. صحيح

أنّ قوانين تنظيم صيد اللؤلؤ اختلفت قليلمن مشيخةٍ إلى أخرى في المنطقة، إّلأنّ الأحكام كانت ا

(12)  "Letter from the Residency Agent in Sharjah to the Political Resident in the Persian Gulf," 15 July 1924, Coll 25/9 Orders in Council: Bahrein: King’s Regulation No. 1 of 1930: Traffic in Cultured Pearls; King’s Regulation no. 3 of 1936: Possession and Traffic in Arms, IOR/L/PS/12/3312, QDL;

للمزيد من التفاصيل عن الحادثة، ينظر: Carter, p. 262. (((1 يروي الشملان، بالتفصيل، ثلاثة أحداث حصلت مع تجّار اللؤلؤ الذين سافروا إلى باريس ومرسيليا في المدة 1932–1923

في محاولةٍ لإيجاد أسواق أفضل من أسواق الهند والبحرين. ينظر: سيف الشملان، تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج

العربي (الكويت: ذات السلاسل، 1976)، ص.300–265

(((1 ينظر: Carter, pp. 259–284. (15)  "Administration Report of the Persian Gulf," IOR/R/15/1/713.

((1(الفارس، ص.94–90

متشابهة. فقد ألغت القوانين الجديدة الديون كلها المتوارثة على الغواصين، وباتت الحكومة تفرض مراقبة شديدة على المبالغ المقدّمة لهم، لحثّهم على الاستمرار في المهنة. أن الأزمة في سوق اللؤلؤ ماإاّل  لبثت أن تفاقمت بعد الكساد العالمي الذي أصاب سوق السلع الفاخرة، والذي قضى على الطلب القليل المتبقي على اللؤلؤ الطبيعي في الخليج. وتشير التقارير إلى أنّ صادرات الخليج من اللؤلؤ سرعان ما خسرت بين 30 و 50 في المئة من قيمتها. وقد بدأ تجّار الخليج يفقدون استقرارهم المالي، وقدرتهم على مواصلة دعمهم لموسم صيد اللؤلؤ. وأخذ

تجّار اللؤلؤ يطالبون الدائنين بالتساهل في تسديد ديونهم، وكانت غالبيتهم من التجار العاملين في

إعادة التصدير أو الجملة. ولم يتمكّن الحكّام من التخفيف من حدّة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، فقد كانت تنقصهم الموارد المالية للقيام بذلك، ما دفع عددًا من تجّار اللؤلؤ في الخليج إلى أن

يعلنوا إفلاسهم ويطلبوا الإعسار. عندما بدأت الحرب العالمية الثانية، زادت الأمور سوءًا، بعد أن وضع الأسطول التجاري البريطاني

تحت سلطة وزارة النقل البحري. ومن هنا، تأثرت جودة خدمات خطوط النقل وقدرتها على الوصول إلى المنطقة، وفي داخلها أيضًا، إلى حد بعيد. وأصبح الشحن البحري، وهو شريان الحياة لأسواق المنطقة ومؤونتها، يشهد تراجعًا مستمرًا. إضافةً إلى ذلك، هاجمت الغواصات

الألمانية عددًا كبيرًا من السفن التجارية الخليجية، التي كانت في طريقها من الخليج إلى الهند،

وأغرقتها. وفُقدت طواقم وشحنات كاملة في الكثير من هذه الحالات. نتيجةً لذلك، وطّد بعض التجّار علاقاتهم بضباط الجمارك البريطانيين، بهدف التزوّد بآخر المستجدّات، وسعيًا منهم لحماية

سفنهم. أما بعض تجّار الخليج الآخرين فباتوا يتردّدون في الاستثمار في المشاركة في تمويل السفن

التجارية؛ خوفًا من خسارة أموالهم. أصبح التجار العاملون في إعادة التصدير يواجهون صعوبة في الحفاظ على أنشطتهم التجارية؛ بسبب الأخطار المتزايدة في عملية الشحن إلى المنطقة، وضمنها. وتأخّرت بعض الشحنات المتّجهة إلى الخليج أسابيع، إن لم يكن شهورًا، في مصلحة الجمارك الهندية، بينما حاول التجّار

الحصول على مساحة شحن على متن سفينة بخارية بريطانية، أو قارب محلي. وتضرّرت عدة

شحنات بسبب الطقس، أو عدم كفاية مساحات التخزين في مصلحة الجمارك الهندية، ما أدّى إلى خسارة كبيرة في قيمتها أو تلفها لدى وصولها إلى المنطقة.

((1(للمزيد من التفاصيل عن قانون تنظيم صيد اللؤلؤ، ينظر: موزة الجابر، التطور الاقتصادي والاجتماعي في قطر 1973–1930 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2020)، ص.39–37

(18)  Carter, pp. 259-273.

(((1 ينظر:

Catherine Behrens, Merchant Shipping and the Demands of War: History of the Second World War (London: Longmans, Green, 1956).

(((2 الخليفي، ص.582–572

ولم تقتصر أزمة التجار المحليين على افتقادهم مساحات الشحن الضرورية للحفاظ على تجارتهم، بل كانت أزمة مركّبة. فقد كانوا يفتقرون إلى المخزونات الاحتياطية الكافية لمجابهة أوضاعهم المتدهورة. فبسبب تتابع الدورات الاقتصادية، يندر وجود مخزون احتياطي لدى التجّار المحليين

يكفيهم عدّة مواسم. في الواقع، كان التجّار الذين يعملون في إعادة التصدير يخططون للكميات

المطلوبة على أساس متطلّبات موسم صيد اللؤلؤ وحصاد التمور. وخلال أزمة تجارة اللؤلؤ، بدأ العديد من التجّار في تقليص وارداتهم، وباتوا يعتمدون على حصاد التمور اعتمادًا شبه كلّي. ونظرًا إلى النقص في المخزون الاحتياطي، تفاقم النقص في المنطقة، وسادت الأسواقَ موجةٌ من

التضخم، فانتشر الفقر في ذلك الوقت في مختلف أنحاء منطقة الخليج، بسبب نقصٍ في الموارد الاقتصادية وتراجع تجارة اللؤلؤ، وتعطّل اقتصاد إعادة التصدير، ووجد السكّان المحليون أنفسهم في حاجة إلى الموارد المالية والواردات. ودفعت هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة بريطانيا إلى أن تتدخل في الشؤون المحلية للمنطقة لتحمي مصالحها من تنامي الغضب الشعبي ضد هذه الأوضاع؛ إذ إنها خشيت من اندلاع انتفاضة اجتماعية تُرغم حكّام الخليج على تغيير حلفائهم في أثناء الحرب، سعيًا للحصول على المساعدات

الاقتصادية. وسرعان ما أصبح التدخل البريطاني ضروريًا للحفاظ على هيبة بريطانيا وحماية

مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.

ثالثًا: بريطانيا وتدابير الحرب في منطقة الخليج

أعرب ترينشارد كرافن فاول Trenchard Craven Fowle، المقيم السياسي البريطاني في الخليج (1939–1932)، عن مخاوفه بشأن موقف منطقة الخليج خلال الحرب العالمية الثانية. وكان يسعى لتوسيع نطاق سلطات الوكلاء السياسيين في مشيخات الخليج، بهدف حماية المصالح البريطانية في أثناء الحرب، ومنحهم حقّ معاقبة أيّ فرد يعيش ضمن الأراضي الخاضعة لسيطرتهم، يبدي

تعاطفًا مع دول المحور خلال فترة الحرب. وهدفت هذه السياسة إلى منع السكّان المحليين من توفير السكن أو الإمدادات أو الدعم المالي للأفراد الأجانب في أنحاء المنطقة؛ خوفًا من استخدام موانئ الخليج وأسواقه لمساعدة دول المحور، أو لتأجيج الرأي العام  ضد الوجود البريطاني في الخليج. في الوقت نفسه، لم يكن بوسع حكّام الخليج أن يلبّوا المطالب الشعبية، بسبب إمكانياتهم المحدودة.

وكان من المرجّح أن يطالبوا بالدعم المالي، وهو ما لم يكن متوافرًا لدى حلفائهم التقليديين، أي

طبقة التجّار أو المسؤولين البريطانيين. وهكذا، كان هؤلاء الحكّام سيلجؤون في نهاية المطاف إلى

(21)  "Letter from the Political Agent in Bahrain to the Adviser to the Bahrain Government," 17 September 1941, File 34/3 Imports and exports, IOR/R/15/4/13, QDL. (22)  "Letter from the Political Resident in Bushire to the Political Agents in Bahrain, Kuwait and Muscat," 8 April 1939, File 28/34–(i) War Emergency Legislation, IOR/R/15/2/726, QDL.

أعداء بريطانيا، على نحو سيضعف بريطانيا في بحر الخليج وشبه الجزيرة العربية، التي تمثّل نقطة جيوسياسية أساسية تربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط. وظهر أيضًا خطر على المدى البعيد يتمثل بأن تخسر بريطانيا ميزتها التجارية في اكتشافات النفط في المنطقة، على نحوٍ يهدّد قوّتها الاستراتيجية. وكانت العمليات البحرية والبرية جارية قبل

اندلاع الحرب، غير أنه جرى تعليق هذه العمليات عند اندلاعها. صحيح أنّ حكّام الخليج وقّعوا مجموعة امتيازات ملزمة طويلة الأمد مع شركات بريطانية لتطوير اكتشافاتهم النفطية وتشغيلها، إاّل أن الدعاية المناهضة لبريطانيا ربما تكون قد أجّجت حركة تدعو إلى تأميم [صناعة النفط] في

الخليج. وقد أيّد المستشار القانوني لوزارة الخارجية البريطانية إريك بيكيت (1953–1945) آراء المقيم السياسي في الخليج، السير ت. ي. و. فاول، اللذَين كتبا التقارير للتأثير في عمل لجنة الدفاع الإمبراطوري البريطانية بشأن التدهور السريع للأوضاع في المنطقة. وطالبا، في رسائلهما بأن ترفع اللجنة مكانة دول الخليج ضمن السياسات البريطانية في زمن الحرب، من مجرّد كونها دول صغيرة،

وبأن يجري التعامل مع منطقة الخليج بوصفها "أراضيَ تشارك في الحرب، بالطريقة نفسها التي

تُعامَل بها الأراضي البريطانية عمومًا". وقالا إنّ الخليج "يجب أن يُنظَر إليه الآن" بوصفه "قناةَ السويس الجوية، فضل عن كونه مصدرًا لأهم إمدادات النفط". وبعد أن جرت تلبية مطالبهما، وافقت لندن على اتخاذ تدابير إضافية لحماية المصالح البريطانية في الخليج. واقتصرت هذه التدابير، في هذا الوقت، على الدعم المالي والسياسي لحكّام مشيخات الخليج، بمبلغ قدره 4000 جنيه إسترليني. ورفعت التدابير أيضًا مكانة هذه المشيخات إلى أراضٍ مشاركة في الحرب، ما أتاح التوسّع في سياسات التقشف فيها في ما بعد. وقد وجدت هذه المخاوف آذانًا صاغية أيضًا من جانب مكتب الهند في لندن الذي تواصل مع مسؤول مكتب الدعاية في الخليج، في البحرين، لمراقبته عن كثب الرأي العام في ما يتعلّق

(23)  'Letter from the Political Resident in Bushire to the Secretary of State for India', 28 April 1939, Coll 30/160(S) C.I.D. Sub Committee for Questions Concerning Middle East: Measures to Influence Minor Powers and Arab States Whose Assistance Might be of Value in Time of War, IOR/L/PS/12/3896A, QDL. (24)  IOR/L/PS/12/3896A.

(((2 ينظر:

"Memo by Admiramade with Covering Note by Sir R. Wemys: Petroleum Situation in the British Empire," 30 July 1918, GT 5267 War Cabinet, CAB 24/59, CAB. (26)  "Minutes by Eric Beckett about War Emergency Legislation," 10 November 1937, Coll 30/160(S) C.I.D. Sub Committee for Questions Concerning Middle East: Measures to Influence Minor Powers and Arab States Whose Assistance Might be of Value in Time of War, IOR/L/PS/12/3896A, QDL. (27)  Ibid. (28)  IOR/L/PS/12/3896A.

بالموقف البريطاني من الحرب. وتشكّلت الحملة الدعائية من قسمين رئيسين. يرتكز القسم الأوّلعلى تقارير منهجية عن الرأي العام  ضمن السكّان المحليين في أنحاء الخليج كلها، في ما يتعلّق بالموقف البريطاني من الحرب. أما القسم  الثانيفيشمل حملة دعائية للتأثير في الرأي العام، واكتساب فهمٍ أفضلَ له. وكان هدف مكتب الدعاية يكمن في الحدّ من أّي ضرر يلحق بالهيبة

البريطانية في الخليج، على نحوٍ يؤجج الاضطرابات في المستقبل. ونجحت الحكومة البريطانية في اعتماد مرسوم قانون طوارئ يتعلّق بمشيخات الخليج (1939)، يفرض من خلاله الوكلاء السياسيون البريطانيون، مع الحكّام المحليّين، القوانين والأحكام

والعقوبات القانونية ضد الأفراد، موسّعين سلطتهم التي باتت تشمل شؤون المنطقة الداخلية،

إضافةً إلى الشؤون الخارجية. وراوحت العقوبات بين فرض غرامة والسجن وإصدار أحكام بالإعدام. وكان هدف المسؤولين البريطانيين، خلال هذه المرحلة المبكرة من الحرب، منع أعداء بريطانيا من استخدام أراضي الخليج أو موانئه، ما يحول دون عبورهم المنطقة وإقامتهم فيها. على الصعيد الإداري، طب من المقيمين السياسيين في المنطقة رصد أعمال الموانئ وتقديم التقاريرلِ عنها بهدف ضمان سلاسة التوريد إليها. وتخلل هذه التقارير تسجيل بيانات كل ميناء ورصيف بحري وبعض المخافر البرية، بما في ذلك كمية الإمدادات بالأطنان اللازمة لكل من موانئ الخليج، والكمية التي جرى تحديدها للتوزيع على الموانئ والقرى الصغيرة، فضل عن تفاصيل تتعلّق بالموانئ المستوردة

ومكاتب الجمارك، وأخيرًا، اسم المرسِل والمرسَل إليه لكلّ سفينة بخارية ومركب شراعي. إاّل أنّ نظام التقارير لم ينجح، نتيجة جهل العديد من المقيمين السياسيين الذين كانوا سيطبّقون

النظام، بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية الإقليمية واللغة والثقافة المحلّيتين، وحتى بالشبكات التجارية النابعة من اقتصاد إعادة التصدير؛ إذ إن العديد منهم لم يستطيعوا، على سبيل المثال، التمييز بين الطعام الذي كانت تستهلكه عامة الناس وطعام القصر؛ ولم يستوعبوا عدد الأقاليم التابعة لكل زعيم قرية أو حاكم قبلي، والذي قد يصل إلى المئات. لهذا السبب، عدّل المقيمون السياسيون، مرات عدّة، الكثير من المعلومات في تقاريرهم قبل تسليمها، بغضّ النظر عن المعلومات التي وفّرها لهم التجّار المحليون والحكّام ومكاتب الجمارك المحلّية. وهكذا، كانت التقارير التي

يعتمد عليها البريطانيون لوضع تدابير التقشف تتضمن معلومات غير دقيقة.

(29)  "Letter from India Office in London to the Political Agent in Bahrain," 26 May 1940, File 28/7 I War: Propaganda: Local Opinion, IOR/R/15/2/687, QDL.

(((3 للمزيد من التفاصيل، ينظر:

File 28/7 I War: Propaganda: Local Opinion, IOR/R/15/2/687, QDL. (31)  IOR/R/15/2/726, QDL. (32)  "Letter from the Ministry of Economic Warfare to the British Consulate General in Bushire," 27 January 1941, File 34/3 Imports and Exports of goods, IOR/R/15/4/14, QDL. (33)  "Memorandum from the Political Agent in Sharjah to the Political Agent in Bahrain," 1 May 1942, File 34/3 Imports and exports, IOR/R/15/4/13, QDL.

إاّل أن الحكومة البريطانية استمرت في تطبيق هذا النظام، وسمحت للمسؤولين البريطانيين برسم مساحات شحن لكل مشيخة، وفقًا لهذه التقارير. وسعى الوكلاء البريطانيون للالتزام التام بالاستيراد وفق مساحات الشحن المحلّية والحؤول دون عمليات إعادة التصدير الإقليمية، ما أدّى إلى فصل موانئ الخليج عن عمليات إعادة التصدير الإقليمية. وكان الغرض من ذلك تحميل الحكّام المسؤولية التامة عن واردات الأسواق المحلية ومنع تسرّب الصادرات إلى الموانئ التجارية المجاورة. وقد تبع تنظيم الموانئ والواردات إدخال نظام الحصص على صعيد الوطن لتقنين الواردات من الخارج. فقد طُلب من التجّار المحليين أن يحصلوا على تراخيص خاصة للواردات المدنية في الموانئ الهندية والأفريقية قبل إجراء عملية الشحن إلى المنطقة. وقد شملت التراخيص 2000 سلعة مدنية تقريبًا يمكن تصديرها إلى الخارج. غير أنّ هذه التراخيص مثّلت عبئًا بالنسبة إلى العديد من التجّار المحليين الذين كانت وارداتهم تتأخر نتيجة النظام والإجراءات المترتبة عليه، حتى إنّ العديد منهم اشتكوا من أنّ هذا النظام تطلّب دفع تعريفات إضافية ورشاوى في بعض الأحيان لتسريع العملية. أما بعضهم الآخر، فقد اشتكوا من أنّ الطقس أفسد الشحنات التي كانت مهملة في مكاتب الجمارك، ولم تلْق تلك الشكاوى صدى لدى المعتمدين البريطانيين في الخليج، وسرعان ما تحوّل الأمر إلى أزمة إقليمية واسعة. كان لهذه التدابير البريطانية، خاصة في ما يتعلق بتقنين الواردات الخليجية والتبادل بين الموانئ الإقليمية، الأثر السلبي في تفاقم الأزمة التي كان يعانيها أهل الخليج، بسبب توقّف الأسطول التجاري عن العمل في المحيط الهندي. فلم تحظ كل الموانئ المحيطة ببحر الخليج بإمكانية الوصول إلى أسواق المحيط الهندي وموانئه. وكان العديد من الموانئ والمرافئ الخليجية الصغيرة والأقل حظًا، ذا مساحة تخزين محدودة، وأرصفة قديمة ويعاني نقصًا في مكاتب الجمارك. وكان بعض مشيخات الخليج يعتمد كّليً ا على الاقتصاد القائم على تجارة اللؤلؤ، وعلى حٍّدٍ أدنى من إعادة التصدير. على سبيل المثال، استخدم عدد كبير من التجّار في الأحساء ميناء البحرين الإقليمي، قبل تطوير ميناء العجير. وعلى نحو مماثل، كانت جزر هنجام الصغيرة أو قرى فارس، على سبيل المثال، تحصل على الإمدادات من موانئ الخليج الأكبر في دبي ومسقط والكويت. وهكذا، ما إن أوقف الوكلاء البريطانيون عمليات إعادة التصدير الإقليمية حتى عجز هؤلاء التجّار عن إمداد قُراهم، والأسوأ من ذلك، عانى العديد من السكّان المحليين نقصًا في الإمدادات في أسواقهم.

(34)  IOR/R/15/4/13. (35)  "Telegram from the Political Agent in Bahrain to the Political Resident in Bushire," 3 January 1944, File 29/22 I Cereals for Sharjah and Dubai, IOR/R/15/2/781, QDL; "Memorandum from the Political Agent in Bahrain to the Advisor to the Bahrain Government," 17 September 1941, File 34/3 Imports and exports, IOR/R/15/4/13, QDL.

رابعًا: أزمة بريطانية مفتعلة

بصرف النظر عن العواقب الوخيمة الناجمة عن سياسات التقشّف البريطانية، فقد كان الوكلاء البريطانيون يقيسون مدى نجاحهم من دون مراعاة رفاه سكّان المنطقة. ولهذا السبب، توقّفت كل قنوات التوزيع الإقليمية عن العمل في نهاية عام 1942. ولم تذكر التقارير التجارية والسياسية البريطانية القادمة من الخليج وضع التجارة الإقليمية في المدة 1944–1941. وقد مثّل ذلك علامة جيّدة بالنسبة إلى المسؤولين البريطانيين على أنّ مساحات الموانئ المحلّية كانت جاهزة ومنظّمة.

ومن هنا، كانوا مستعدّين للمضّي قُدمًا في نظام التقنين المخطط له. وقد جرى ضمّ دول الخليج إلى مركز التموين للشرق الأوسط؛ بهدف ضمان الإمدادات إلى

المنطقة وضمان التحوّل الاقتصادي في ما بعد الحرب. وطُلب من حكّام الخليج في عام 1942

أن يصدروا بطاقات حصص غذائية لكلّ أسرة معيشية ضمن مساحة موانئهم، تحت إشراف مركز التموين للشرق الأوسط. وتضمّنت هذه البطاقات الكمية الإجمالية من المواد الغذائية المقنّنة التي

يحقّ للأسرة شراؤها؛ وكان كل شخص بالغ يعادل طفلين. ومن ثم طُلب من الناس أن يحصلوا على إمداداتهم من أيّ متجر محلي مرخص. وعلى الرغم من أنّ الخطة بدت معقولة، فإن الوكلاء

البريطانيين اكتشفوا أن حتى الحصص الأساسية كان من الصعب تأمينها في أثناء الحرب. وجرى استبدال الأرز، وهو السلعة الغذائية الأساسية، تدريجًا، بالحبوب المنوّعة، ما أدّى إلى إمدادات

محدودة من القمح المخلوط بالشعير والدخن (ملة) Millet. مع ذلك، كان الوكلاء السياسيون على استعداد لتطبيق الجزء الأخير من التدابير في زمن الحرب مع شركات الأغذية. وبحلول نهاية عام 1943، أنشأ الحكّام المحليون، بدعم من الوكلاء البريطانيين، شركات أغذية في المنطقة. وتتلخص الفكرة في السماح للحاكم بالسيطرة على الإمدادات المدنية، والحفاظ على مساحات الموانئ الخاصة به ومنع تسرب الإمدادات حتى بعد الحرب. وكان يُفترض أنه إذا كان الحاكم هو المشتري والمورد الوحيد للمواد الغذائية الأساسية في مشيخته،

يمكن حينها تجنّب طلبات العرض التنافسية وارتفاع الأسعار الناتج منها، وستتمّ إدارة الواردات على

نحو أفضل. وكان على الحاكم تعيين مورّدين لكل سلعة غذائية موجودة في شركة الأغذية، فضل

(36)  "Telegram from the Secretary of State for India to the Political Resident in the Persian Gulf," 12 January 1944, Ext 329/43 Shipment of Food to Persian Gulf States, IOR/L/PS/12/786, QDL;

للمزيد من التفاصيل، ينظر:

Paul Kingston, Britain and the Politics of Modernization in the Middle East, 1945–1958 (Cambridge: Cambridge University Press, 2002), pp. 12–27. (37)  "Intelligence Summary of the Political Agent in Bahrain," October 1943, Coll 30/52 (2) Persian Gulf, Diaries: Bahrain News and Intelligence Reports, IOR/L/PS/12/3768, QDL. (38)  "Notes by the Political Resident in the Persian Gulf in Bushire," 12 February 1944, File 29/3 I Food Supplies – Food Control and Rationing and General, IOR/R/15/2/766, QDL. (39)  Eckart Woertz, Oil for Food: The Global Food Crisis and the Middle East (Oxford: Oxford Academic, 2013), pp. 35–62.

عن موزّع من المجتمع. بعد ذلك، حصل هؤلاء المورّدون والموزعون على أمر الشراء من الحاكم.

في البداية، شملت شركات الأغذية الحبوب والسكر. وفي وقت لاحق، قدّمت أيضًا الشاي والقهوة والسمن والمنسوجات. بعد الحرب، لم يشهد سكّان مشيخات الخليج أيّ تحسّن في وضعهم الاجتماعي والاقتصادي.

واتّضح أنّ تدابير التقشف البريطانية فشلت في إحداث تأثير طويل الأمد، أو حتى التخفيف من حدّة التدهور الاقتصادي المستمرّ في المنطقة. أما بالنسبة إلى السكّان المحليين، فُع دّ هذا التراجع

الاقتصادي الأسوأ في تاريخ المنطقة. يعود جزء كبير من أوجه القصور في سياسات التقشف في الخليج إلى حقيقة مفادها أنّ المسؤولين البريطانيين الذين خططوا لها تجاهلوا الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة بعد الحرب أو أغفلوها. ولم يأخذوا في الحسبان المشكلات الاقتصادية التي تسبّبت في كارثة إقليمية في

المقام الأول. وعندما حان تطبيق سياسات التقشف، كانت منطقة الخليج تعاني بالفعل انهيارَ

الاقتصاد القائم على اللؤلؤ. وبعد تطبيق هذه السياسات، خسر السكّان المحليون مصادر دخلهم بسبب تدهور الاقتصاد القائم على اللؤلؤ ونقص الإمدادات في زمن الحرب. وكان من أوجه القصور الأخرى أنّ تدابير التقشّف لم تكن تتلاءم مع الأنشطة الاقتصادية والموارد في المنطقة. فقد جرى صوغ سياسة مركز التموين للشرق الأوسط لتلائم دول كبرى في الشرق الأوسط، مثل مصر وفلسطين وسورية، التي كان إنتاجها الزراعي والصناعي كبيرًا. وهكذا، عملت

على إدارة الإمدادات من خلال إنشاء مساحة تجارية في كل دولة، وتشجيع الاكتفاء الذاتي المحلي. وعندما تَقرّر تنفيذ سياسة مركز التموين للشرق الأوسط، فوجئ المسؤولون البريطانيون بأنّ الإنتاج

الزراعي أو الصناعي كان محدودًا جدًا. فلم تكن الصحارى الواسعة في الخليج مناسبة للزراعة، حتى إنّ التمور المزروعة في الواحات كان يتمّ تصديرها. ولم تكن القوة العاملة المحدودة التي

تدرّب أفرادها ليصبحوا غواصين أو بحّارين، تعلم إّل القليل عن التصنيع. وقد استورد الناس في

المنطقة إمداداتهم كلها تقريبًا، بما في ذلك المواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والسكر. ونتيجة

لذلك، كانت فكرة وجود مساحة تجارية صارمة غير واقعية، بالنسبة إلى منطقة كان أهلها يعبرون البحر والأرض مرارًا بحثًا عن الموارد والفرص. أما الصعوبة الأخرى الكبيرة فكانت تكمن في عدم فهم المسؤولين البريطانيين الذين نفّذوا هذه السياسات، للشؤون المحلية. فقد كانت العلاقات الاقتصادية والسياسية الخليجية تقوم، تاريخيًا،

على شبكات من الروابط الاجتماعية والقرابة. وقد استغلّ الحكّام وزعماء القبائل مواردهم المالية ليحافظوا على السلطة. لهذا السبب، مثّلت شبكات التبعية العمود الفقري لاقتصادات الخليج واستقراره السياسي. لذلك، عندما سيطر الحكّام المحليون على مساحة موانئهم، كانوا يراعون كل الأقاليم التابعة لهم، حتى لو كانوا يعيشون على مسافة مئات الكيلومترات، أو تحت أنظمة حكم أخرى مختلفة.

غير أنّ العديد من المسؤولين البريطانيين عبّروا عن ضيقهم من الطبيعة المتغيّرة لاقتصادات الخليج،

لأنها تحدّ من نظام رفع التقارير ومن قدرتهم على اعتماد نظام حصص دقيق، ما يهدّد قوّتهم

الاستراتيجية. في الواقع، جرى تعديل الكثير من التقارير المتعلّقة بالحصص، التي فصلت عددًا كبيرًا

من الأقاليم التابعة عن كل مشيخة. وهكذا، تُرك العديد من السكّان المحليين من دون أيّ إمدادات،

ما تسبّب في تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لسكّان القرى الصغيرة في أنحاء الخليج كلها. وأدّت أوجه القصور هذه التي شابت سياسة التقشف في المنطقة، إلى توقّف الدورة الاقتصادية فيها في ظل غياب اقتصاد قادر على العمل. وفي وقت مبكر من عام 1942، أبلغ السكّان المحليون

عن نقصٍ كبير في الغذاء. صحيحٌ أنّ هذا النقص كان أقلّ خطورة في الموانئ الكبيرة في الكويت

ومسقط، إّل أنه كان حادًا في الموانئ الصغيرة في الخليج. وأبلغ سكّان القرى الصغيرة والجزر عن حدوث مجاعة، وهو ما أكّده مسؤول بريطاني. وأفاد تقرير صادر عن وكيل بريطاني حول بعض القرى الإيرانية التابعة لموانئ الخليج العربية، أن الناس كانوا "يأكلون العشب"، و"يموتون جوعًا"،

بينما أشار تقرير آخر إلى أنّ المجاعة وقعت في سبع قرى فارسية على الأقل، استفادت من التجارة مع الموانئ الكبيرة. وقال بعض السكّان المحليين إنه كان يعيش، بعد عام 1942، على التمر فحسب. وكانت المواد الغذائية الأخرى غير متوافرة عبر الطرق التجارية. أما الحبوب على اختلاف أنواعها فكانت متوافرة لسكّان القصر فحسب. وحتى الكميات الضئيلة المتاحة للاستهلاك العام كانت تُباع بأسعار باهظة، ما يعني أنّ السكّان المحليين الذين فقدوا دخلهم من صيد اللؤلؤ، لم يتمكّنوا من تحمّل تكاليفها.

في النهاية، حصل سكّان الخليج على قمح مقنّن، وهو نوع من الحبوب لم يكن أحد في المنطقة

يعرف كيفية تحضيره، فضل عن أنهم لا يمتلكون الأدوات اللازمة لذلك. ووصف تقرير بريطاني خليط الحبوب بأنه "يكاد لا يصلح للأكل"، لأنّ شعب الخليج لم يظنّ أنّ الدخن مناسبٌ للاستهلاك

البشري! أدّت سياسة التقشف إلى تراجع نشاط إعادة التصدير في المنطقة. وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، فقد العديد من تجّار الخليج دورهم التاريخي بوصفهم وسطاء بين الخليج وموانئ المحيط الهندي.

وقد أدّت مساحة الموانئ الخليجية والحظر المفروض على إعادة التصدير الإقليمي عبر المحيط إلى تقليص دور هؤلاء التجار بوصفهم وسطاء محلّيين. وجرى أيضًا منعهم من توزيع السلع بسبب شركات

الأغذية والمنسوجات التي نشئت حديثًا. باختصار، افتقرت التدابير التي اُّتُخذت في زمن الحرب إلى أُ خطط طويلة الأمد للمنطقة. ويعود هذا، إلى حٍّدٍ بعيد، إلى تركيزها على تأمين الإمدادات، وليس على تعزيز النظام الاقتصادي. ولهذا السبب، وبانتهاء الحرب، لم تعد الإمدادات إلى المستويات التي كانت عليها في فترة ما قبل الحرب، ولم يتمكّن سكّان المنطقة من تجنّب الأزمة الاقتصادية.

(40)  "Memorandum from the Political Agent in Sharjah to the Political Agent in Bahrain."

((4(الفارس، ص.85

(42)  "Intelligence Summary of the Political Agent in Bahrain."

خاتمة

خيّم اليأس على منطقة الخليج في مرحلة الحرب العالمية الثانية. وقد رأى العديد من السكّان

المحليين أنّ الصعوبات المتمثلة في سنوات القحطما  هي إّل سنوات الحرب العالمية الثانية، حين فرضت بريطانيا تدابير التقشف. بينما رأى بعضهم الآخر، أنّ المشقة الفعلية قد بدأت مع انهيار الاقتصاد القائم على تجارة اللؤلؤ في عشرينيات القرن العشرين. بصورة عامة، يمكننا القول إنّ

المشقة من منظور عام ما لٍ اقتصادي واسع مهّد للإعلان عن نهاية نتيجة مرور المنطقة بتحّوهي إّل

حقبة اقتصادية كبيرة. عايشت مجتمعات الخليج منذ الحرب العالمية الأولى تحّولاّااًاقتصاديًا صعبًا، شهد تحديات عدة،

تخلّله نهوض تدرجي، عْق دٌ ساهم في انتقال تلك المجتمعات بوصفها وكيلةً للأنشطة المتعلّقة بتجارة اللؤلؤ والأنشطة التجارية الأخرى في المحيط الهندي، إلى مجتمعات تشارك مباشرةً في الاقتصاد العالمي من خلال الصناعات الحديثة القائمة على النفط. وقد سرّعت الشدائد المرتبطة

بالحرب العالمية الثانية عملية التحوّل هذه في المنطقة. ومثّل انهيار الاقتصاد القائم على تجارة اللؤلؤ وتزامنه مع خسائر الأسواق في الحرب العالمية الثانية

أحد الأبعاد الأساسية لهذا التحوّل الواسع. ولم يستعِد هذا الاقتصاد عافيتَه منذ تراجعه المبكر في

الحرب العالمية الأولى. ويرتبط هذا الانهيار أيضًا بطبيعة الترابط الكبير في الشبكات الاقتصادية والاجتماعية المعقّدة التي شكّلت اقتصادات الخليج، والتي ساهمت في انتشار هذه الأزمة عبر النظام الاقتصادي بأكمله. ومع فشل تجّار الخليج، حتى بعد الحرب، في استئناف التجارة والتعافي

من الأزمة الاقتصادية، وترُّدُد السكّان المحليين في المشاركة في الأنشطة الاقتصادية التقليدية، لم يكن هناك خيار سوى طيّ صفحة التجارة التقليدية والغوص على اللؤلؤ تمامًا. على الرغم من ذلك، فإن المستشارين البريطانيين عمّقوا من حدّة الأزمة الاقتصادية إلى حٍّدٍ بعيد.

صحيحٌ أنّهم كانوا يسعون في الدرجة الأولى لتأمين المصالح البريطانية في المنطقة خلال الحرب،

أنه لاإاّل  يمكن تجاهل حقيقة مفادها أنّ المسؤولين البريطانيين استطاعوا التدخل في الشؤون الداخلية للمنطقة، وأدخلوا إصلاحات حديثة على النظام الاقتصادي، لا تتلاءم مع معطيات النشاط الاقتصادي القائم في الخليج. غير أن ذلك أتاح لهم السيطرة على عمليات الموانئ وإمدادات السوق وحركة الناس، فضل عن إنشاء مؤسسات الدولة. وفشل المسؤولون البريطانيون، طوال فترة الحرب، في التواصل مع الحكّام والتجّار المحليين بغية

وضع إطار سياسي يتوافق مع الديناميات الداخلية للمنطقة واحتياجاتها. واختار هؤلاء المسؤولون، بدل من ذلك، تحديث المنطقة واعتماد سياسات أحادية، ما يعكس أنهم لا يثقون بالحكّام والتجّار

المحليين من خلال تجاهل رؤاهم. وقد يرى بعضهم أنّ بريطانيا سعت لإظهار كيفية التعامل مع الحرب ضمن المؤسسات الاقتصادية الحديثة والمنتشرة في الاقتصاد الرأسمالي، بوصفها بديل من شبكات الاعتماد البدائية الموجودة في المنطقة (بحسب المسؤولين البريطانيين).

يبدو أنّ بريطانيا فرضت تدابير تقشفية متّسقة في مناطق نفوذها كلها، بغضّ النظر عن الديناميات

المحليّة لكل إقليم؛ أي إنّ وكلاء بريطانيا في الخليج نقلوا العديد من السياسات التي وضعها

.نُظراؤهم في أماكن أخرى من دون إجراء أيّ تعديلات وهكذا، فشلت هذه السياسات عندما جرى

تطبيقها في المنطقة. ويعود ذلك ببساطة إلى أنّ شروط السوق الضرورية في هذه الأنظمة واللازمة لتحقيق الكفاءة الذاتية، لن تتوافر في الاقتصادات المشابهة لدول الخليج التي تحتاج إلى استيراد السلع الحيوية، مثل الحبوب والمنسوجات واليد العاملة. مع ذلك، تقدّم هذه الدراسة فهمًا معّم قًا للروابط بين الخليج والتاريخ العالمي. ويمكن ربط تجربة الحرب

التي عاشها سكّان الخليج بتجارب مماثلة في شرق آسيا أو أفريقيا. وخلال الحرب، خاض العديد من الدول الخاضعة للنفوذ البريطاني تجارب مماثلة تتعلّق بالجفاف والمشاق الناجمة عن نظام الحصص التموينية؛ وخاضت هذه الدول أيضًا تجاربَ مماثلة في تقييد حركة التجّار عبر المحيط الهندي. ونجد أيضًا في التقشّف تداعيات خاصّة بالخليج الذي كان من المناطق القليلة التي لم تشهد أي

زيادة في الاكتفاء الذاتي، وهي من بين مناطق عدة عانت التقشّف خلال الحرب. وبقيت اقتصادات الخليج تعتمد على الواردات، في ظلّ غياب زيادة في الناتج الزراعي أو الصناعي. وتسببت عملية الافتقار إلى الإنتاج الزراعي وقلّة السكان في المنطقة، في الفشل الجزئي لدول المنطقة في تحقيق الأهداف المقصودة من السياسات البريطانية. فلم يكن السكّان المحليون مدرّبين ولا مهَّيَئين

للانخراط في أنشطة اقتصادية جديدة مصمّمة لمجتمعات مختلفة. فجرى استبعاد العديد منها من

الأنشطة الاقتصادية، وأصبحت تعتمد على بطاقات التموين البريطانية طوال الحرب. باختصار، غاب تداول حقبة التقشّف عن الدراسات المنشورة التي تتناول الدور الذي أدّته بريطانيا في التاريخ الحديث لمنطقة الخليج. ولا بد من إجراء دراسات إضافية، للبحث في: كيف أثّرت سياسات التقشّف في تجربة الخليج مع الإمبراطورية البريطانية؟ ويمكن أن يكون أحد مجالات البحث المستقبلية استكشاف الخليج مناطق أخرى، مثل شبه القارة الهندية أو غرب أفريقيا، التي عانت التقشف عبر المحيط الهندي. وتقدّم الموارد المحلية والبريطانية معلومات وافرة في ما يتعلّق بتاريخ الخليج، الذي لا  يزال يحتاج إلى المزيد من البحث، شأنه شأن سنوات القحط.

المراجع

References

العربية

الجابر، موزة. التطور الاقتصادي والاجتماعي في قطر 1973–1930. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر،.2020 الخليفي، عبد  الرحمن. الغوص على اللؤلؤ في قطر. قطر: دار  كتارا للنشر،.2012 الشملان، سيف. تاريخ الغوص على اللؤلؤ في الكويت والخليج العربي. الكويت: ذات السلاسل،

الفارس، محمد. الأوضاع الاقتصادية في إمارات الساحل (دولة الإمارات العربية المتحدة حاليًا)

1965–1862. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2000 المتروك، محمد. من تجارة الماضي: من أرشيف الحاج محمد بن  عبد  الله المتروك. الكويت: [د. ن].،

الأجنبية

Agius, Dionisius. Seafaring in the Arabian Gulf and Oman: The People of the Dhow. London: Routledge, 2005. Al–Naqeeb, Khaldoun. Society and State in the Gulf and Arab Peninsula: A Different Perspective. London: Routledge, 1990. Al–Kuwari, Ali Khalifa. Oil Revenues in the Gulf Emirates. Boulder: Westview, 1978. Behrens, Catherine. Merchant Shipping and the Demands of War: History of the Second World War. London: Longmans, Green, 1956. Campbell, Gwyn and Alessandro Stanziani (eds.). Bonded Labour and Debt in the Indian Ocean World. London: Pickering & Chatto, 2013. Carter, Robert. Sea of Pearls: Seven Thousand Years of the Industry That Shaped the Gulf. London: Arabian Publishing, 2012. Chaudhry, Kiren Aziz. The Price of Wealth: Economies and Institutions in the Middle East. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1997. Crystal, Jill. Oil and Politics in the Gulf: Rulers and Merchants in Kuwait and Qatar. Cambridge: Cambridge University Press, 1995. Di Varthema, Ludovico. The Travels of Ludovico Di Varthema in Egypt, Syria, Arabia Deserta and Arabia Felix, in Persia, India, and Ethiopia, A.D. 1503–1508. London: Hakluyt Society, 1863. Freitag, Ulrike, Malte Fuhrmann, Nora Lafi & Florian Riedler (eds.). The City in the Ottoman Empire: Migration and the Making of Urban Modernity. London: Routledge,

Gelvin, James & Nile Green (eds.). Global Muslims in the Age of Steam and Print. California: University of California Press, 2014. Kingston, Paul. Britain and the Politics of Modernization in the Middle East, 1945–1958. Cambridge: Cambridge University Press, 2002. Niebuhr, Carsten. Travels through Arabia and Other Countries in the East 1733–1815. vol. 2. Edinburgh: R. Morison and Son, 1792. Onley, James. The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers, and the British in the 19 th Century Gulf. New York: Oxford University Press, 2007.

Teixeira, Pedro & John Stevens. The Travels of Pedro Teixeira: With His 'Kings of Harmuz' and Extracts from His 'Kings of Persia'. Donald Ferguson (ed.). William Sinclair (trans.). London: Hakluyt Society, 1802. Villiers, Alan. Sons of Sinbad. London: Arabian Publishing, 1940. Woertz, Eckart. Oil for Food: The Global Food Crisis and the Middle East. Oxford: Oxford Academic, 2013. Zahlan, Rosemarie Said. The Making of the Modern Gulf States: Kuwait, Bahrain, Qatar, the United Arab Emirates and Oman. London: Routledge, 2016.