العودة إلى تفاصيل المؤلَّف البحر مقابل الصحراء: رحمة بن جابر وجدلية القرصنة والنفوذ البحري

البحر مقابل الصحراء: رحمة بن جابر وجدلية القرصنة والنفوذ البحري

The Sea vs. the Desert: Rahmah ibn Jabir and the Dialectic of Piracy and Maritime Influence

فوزي الغويدي| Faozi Al–Goidi *

الملخّص

تتناول هذه الدراسة نفوذ الشيخ رحمة بن جابر في المجال البحري للخليج في أواخر القرن الثامن عشر، ونشاط شبكته البحرية حول ثلاثة مراكز على شواطئ الخليج، من دون أن يكون له مجال سياسي واضح على اليابسة. وتناقش الدراسة أيضًا كيف ارتبطت نجاحات ابن جابر بالبحر، حيث جعل منه مجالًا لنفوذه ووسيلة للتنافس والتفاوض والدفاع، مقارنةً بشيوخ القبائل الآخرين المتمركزين على اليابسة. تساعد هذه المقارنة في الكشف عن مركزية أخرى، هي مركزية البحر التي همّشتها كتابات الباحثين والمؤرخين لمصلحة مركزية اليابسة في تحليل صعود القوى السياسية في الخليج في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. من هذه الزاوية، تفتح الدراسة الباب أمام إعادة النظر في تاريخ الخليج واختبار ملاءمة "المشيخة البحرية" مصطلحًا بديلًا من "القرصنة"، بما يحمله في طيّاته من خصائص مميزة له من مشيخات اليابسة.

Abstract

Abstract: The influence of Rahmah bin Jabir began to shape in the maritime sphere of the Gulf, with his network operating around three key centres along the shores without a clear political domain on land. For fifty years (1782–1826), Gulf waters formed the boundaries of his power, and his ship, "Al–Ghatrusha", served as his mobile capital. This study examines how Rahmahʼs successes were tied to the sea, which he used for competition, negotiation, and defence. Unlike land–based tribal leaders, Rahmah centred his power on the sea. The study compares the centrality of the sea versus land in analysing the rise of Gulf political powers and suggests the term "maritime sheikhdom" as an alternative to "piracy", reflecting a unique political structure.

الكلمات المفتاحية:
  • رحمة بن جابر
  • المشيخة البحرية
  • الخليج العربي
  • النفوذ البحري
  • القرصنة
Keywords:
  • Rahmah bin Jabir
  • Maritime Sheikhdom
  • Arabian Gulf
  • Maritime Influence
  • Piracy

ملخص: تتناول هذه الدراسة نفوذ الشيخ رحمة بن  جابر في المجال البحري للخليج في

أواخر القرن الثامن عشر، ونشاط شبكته البحرية حول ثلاثة مراكز على شواطئ الخليج، من

دون أن يكون له مجال سياسي واضح على اليابسة. وتناقش الدراسة أيضًا كيف ارتبطت

نجاحات ابن جابر بالبحر، حيث جعل منه مج لًا لنفوذه ووسيلة للتنافس والتفاوض

والدفاع، مقارنةً بشيوخ القبائل الآخرين المتمركزين على اليابسة. تساعد هذه المقارنة في

الكشف عن مركزية أخرى، هي مركزية البحر التي همّشتها كتابات الباحثين والمؤرخين

لمصلحة مركزية اليابسة في تحليل صعود القوى السياسية في الخليج في نهاية القرن الثامن

عشر ومطلع القرن التاسع عشر. من هذه الزاوية، تفتح الدراسة الباب أمام إعادة النظر في

تاريخ الخليج واختبار ملاءمة "المشيخة البحرية" مصطلحًا بديلًا من "القرصنة"، بما يحمله

في طيّاته من خصائص مميزة له من مشيخات اليابسة.

القرصنة.

Abstract: The influence of Rahmah bin Jabir began to shape in the maritime sphere of the Gulf, with his network operating around three key centres along the shores without a clear political domain on land. For fifty years (1782–1826), Gulf waters formed the boundaries of his power, and his ship, "Al–Ghatrusha", served as his mobile capital. This study examines how Rahmahʼs successes were tied to the sea, which he used for competition, negotiation, and defence. Unlike land–based tribal leaders, Rahmah centred his power on the sea. The study compares the centrality of the sea versus land in analysing the rise of Gulf political powers and suggests the term "maritime sheikhdom" as an alternative to "piracy", reflecting a unique political structure.

Visiting Fellow at the Middle East Council, Qatar. Email: fal029@dohainstitute.edu.qa

مقدمة

ثمة افتراض كامن في مختلف البحوث والدراسات التاريخية، يُبالغ في ربط السلطة السياسية باليابسة، والوطن ذي الحدود الذي تجاوره أوطانٌ أخرى تفرضها الجغرافيا عليه، بالقاعدة البرية. وربطت التحليلات اليابسة بالكيانات السياسية والدول والقوميات، واعتبرت ممارساتها هناك أساس نفوذها السياسي. أما الكيانات التي ايُشكّل البحر مج ل لنفوذها، فقد اعتُبرت ذات سيولة في

العلاقات، فهي تبدو بلا  حدودٍ جغرافية، وأن في إمكانها التحالف مع من تشاء، والتملّص منه متى أرادت. وحينما يفرض أحد ما سلطته على مجاله البحري، فسيُعتبر قرصانًا، وليس حاكمًا بحريًا له

سلطته الشرعية على حدوده الممتدة إلى مياه البحر. يشكّل رحمة بن جابر، وهو الحاكم الذي اتّخذ من البحر مركزًا لحكمه، تحّد يًا لهذا الافتراض. فقد بدأ نفوذه يتشكّل، في مطلع القرن التاسع عشر، في المجال البحري للخليج، ونشطت شبكته حول ثلاثة مراكز على شواطئ الخليج (خور حسان، الدمام، بوشهر)، من دون تحديد واضح لمجال سياسي على اليابسة. وطوال خمسين عامًا، بقيت مياه الخليج هي الحدود الفعلية لنفوذه، واتّخذ من سفينته الشهيرة "الغطروشة" عاصمة متحرّكة له. تسعى هذه الدراسة لتحليل صعود قوّة ابن جابر ونفوذه السياسي في بحر الخليج، مقارنةً بشيوخ

القبائل الآخرين الذين كانوا متمركزين في اليابسة. وتقترح "المشيخة البحرية" بوصفها مفهومًا يربط نفوذ ابن جابر السياسي والاقتصادي بالبحر، ويقترح من ثمّ مقابلة مركزية البحر بمركزية اليابسة في تحليل صعود القوى السياسية في الخليج. ففي حين كان شيوخ القبائل الآخرون يستمدّون نفوذَهم من السيطرة على اليابسة والاستفادة من الموارد البرية والبحرية، اتّخذ ابن جابر من البحر والسيطرة على ممراته وقيعانه الغنية باللؤلؤ، ومن التجارة البحرية، أساسًا لنفوذه وسلطته السياسية. وعلى هذا

الأساس تسعى الدراسة لاختبار مقبولية القول إن "المشيخة البحرية" أحد نماذج النفوذ السياسي في المنطقة، مقارنة بنموذج النفوذ السياسي التقليدي القائم على السلطة في اليابسة. ربطت الدراسات الحديثة القوة البحرية بتشكيل النفوذ السياسي والاقتصادي، بدءًا من نظرية ألفريد

ماهان الذي ركّز على القوى البحرية الكبرى وأهمية السيطرة البحرية في بناء النفوذ السياسي، إلى لنكولن باين الذي بيّن كيف شكّلت القوى البحرية مسار التاريخ العالمي، إضافة إلى جيوفري تيل

الذي يشير إلى أن السيطرة على البحار لا حاسمًا في تشكيل القوى العالمية حتى في العصر تزال عامل

(((فرانسيس فوكوياما، أصول النظام السياسي، ج  1: من عصور ما  قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية، ترجمة مجاب الإمام ومعين الإمام (الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، 2016)، ص.103 (((محمد رياض، الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2014)، ص.147

(3)  Alfred Thayer Mahan, The Influence of Sea Power Upon History: 1660–1783 (Boston: Little, Brown and Company, 1890), p. 85. (4)  Lincoln Paine, The Sea and Civilization: A Maritime History of the World (New York: Knopf, 2013), pp. 312–315.

الحديث. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى نموذج المشيخة البحرية الذي مثّله ابن جابر باعتباره جزءًا من هذا التاريخ الأوسع للقوى البحرية وتأثيرها في تشكيل الكيانات السياسية. تُعزّز هذه الرؤية المعاصرة فهمنا لأهمية النموذج البحري، وتضعه في سياق أوسع من النظريات الحديثة بشأن القوّة البحرية وتأثيرها في السياسة والاقتصاد. بناء على هذا الأساس، اتُقدّم هذه الدراسة مفهوم المشيخة البحرية بوصفه بديل من النظرة الشائعة إلى ظاهرة "القرصنة" في الخليج خلال القرن الثامن عشر، وتُبيّن أن هذه النظرة مستوردة من السردية الاستعمارية التي أقحمت تصنيفات شملت كذلك نخب اليابسة. وتقدّم الدراسة بذلك فهمًا أعمق لدور الحيّز المائي وتاريخ البحر في التحّولّات السياسية في منطقة الخليج العربي في الفترة المدروسة، وذلك من خلال تحليل متعدد الأبعاد، يجمع بين الجوانب السياسية والاقتصادية والجغرافية، مع التركيز على تحليل الشبكة البحرية التي شكّلها ابن جابر على امتداد الخليج، والتي يمكن وصفها ب "عرش رحمة على الماء". وتُسلّط الضوء أيضًا على قراره المثير بأن ايُدفَن في مياه الخليج بدل من اليابسة؛ ما يعكس رؤيته لأهمية هذا المجال المائي في تشكيل هويّته ونفوذه. تُقسم الدراسة أربعة مباحث رئيسة: يقدّمالأول مفهوم "المشيخة البحرية"، بديل من مفهوم القرصنة المتأثر بالكتابات الاستعمارية؛ ويتتبع الثاني صعود مشيخة ابن جابر وتشكّل نفوذه البحري؛ ويتناول الثالث تشكّل شبكته البحرية على امتداد الخليج، وتحليل كيفية بنائها وتأثيرها في نفوذه السياسي والاقتصادي، ودورها في تعزيز مكانته السياسية؛ ويتناول المبحث الرابع تأثير طبيعة البحر في مشيخة ابن جابر في بناء مكانته الاجتماعية وتحالفاته المختلفة.

أولا: جدلية القرصنة والمشيخة البحرية

شهد القرن السادس عشر بداية التوسع الأوروبي في المحيط الهندي والخليج العربي. بدأ هذا التوسع مع سيطرة البرتغاليين على التجارة الهندية عبر طريق رأس الرجاء الصالح. وقد أدرك القائد البرتغالي ألفونسو دي البوكيرك Afonso de Albuquerque أهمية الموقع الاستراتيجي للخليج، وسعى للسيطرة على الطرق البحرية بين الخليج وساحلَي أفريقيا والهند. وهدَف البرتغاليون من ذلك إلى التحكم في التجارة البينية لسكان هذه المناطق؛ ما أدّى إلى صراعات ومعارك مع أهالي المنطقة. وقد تميّزت

(5)  Geoffrey Till, Seapower: A Guide for the Twenty–First Century , 4 th ed. (London: Routledge, 2018), pp. 45–47. (6)  John C Wilkinson, Arabia’s Frontiers: The Story of Britain’s Boundary Drawing in the Desert (London: I.B. Tauris, 1991), pp. 32–33. (7)  Philip Steinberg & Kimberley Peters, "Wet ontologies, Fluid Spaces: Giving Depth to Volume Through Oceanic Thinking," Environment and Planning D: Society and Space , vol. 33, no. 2 (2015), pp. 247–264;

ينظر أيضًا: Paine. (((محمد مراد، صراع القوى في المحيط الهندي والخليج العربي جذوره التاريخية وأبعاده (دمشق: دار  دمشق، 1984)، ص.178

السفن البرتغالية بحَمِلها المدافع الثقيلة؛ ماِ قًا في المعارك البحريةّمنحها تفّو، كما نظّمت الملاحة

عبر تصاريح يصدرونها لتعزيز سيطرتهم على التجارة البحرية، مع بناء شبكة من الحصون على الموانئ الاستراتيجية لتأمين طرق التجارة. مع حلول القرن السابع عشر، شهدت المنطقة توافد قوى أوروبية أخرى، أبرزها الهولنديون والإنكليز والفرنسيون. تنافست هذه القوى على السيطرة على مناطق نفوذ مختلفة، فاحتدم الصراع بينها. امتد ميدان هذه الصراعات من الجزر الإندونيسية إلى الساحل الشرقي لأفريقيا، وكان للخليج دور محوري فيها، بسبب موقعه الجيوستراتيجي، على الرغم من محدودية أهميته الاقتصادية آنذاك. شهدت هذه الفترة تحّولّات في موازين القوى، حيث تحالف الإنكليز مع الهولنديين ضد البرتغاليين؛ ما أدّى إلى

إجلاء البرتغاليين من الخليج. لكن سرعان ما تغيرت التحالفات؛ إذ استطاع الإنكليز بسط سيطرتهم على الهند وطرق التجارة تدريجًا، بدءًا من تأسيس مراكزهم التجارية الرئيسة في أواخر القرن السابع

عشر، وصول إلى الحكم المباشر للتاج البريطاني حتى منتصف القرن التاسع عشر (1858–1690). خلال هذه الفترة، نجح الإنكليز في إبعاد حلفائهم السابقين الهولنديين، كما صدّوا محاولات التوسع الفرنسية في المحيط الهندي والخليج. أساليب القوى الاستعمارية وطبيعة سيطرتها على المحيط الهندي والخليج

المستعمر

الأسلوب الاستعماري

طبيعة السيطرة

السمات

األمستعمرالأسلوب الاستعماريطبيعة السيطرةالسمات
البرتغاليونإنشاء سلسلة من الحصون
والموانئ الاستراتيجية
السيطرة المباشرة على
طرق التجارة البحرية
استخدام نظام "التصاريح" لفرض
السيطرة على التجارة المحلّية
اإلهولنديوناعتماد نموذج الشركات التجارية
(اشركة الهند الشرقية الهولندية)
التجارة أكثر من
الاستعمار المباشر
السيطرة على تجارة التوابل في
جزر الهند الشرقية
اإلإنكليزبدؤوا بشركة الهند الشرقية
الإنكليزية، ثم تحوّلوا إلى
اإلحكم الاستعماري المباشر
بناء تحالفات مع
االقوى المحلّية
إنشاء شبكة واسعة من المحطات
االتجارية والموانئ
الفرنسيونتقليد النموذج الإنكليزي مع
شركة الهند الشرقية الفرنسية
المنافسة العسكرية
المباشرة مع الإنكليز،
خاصة في الهند
محاولات إنشاء تحالفات مع
القوى المحلية لمواجهة النفوذ
الإنكليزي

المصدر: من إعداد الباحث، استنادًا إلى:

Kirti Chaudhuri, Trade and Civilisation in the Indian Ocean: An Economic History from the Rise of Islam to 1750 (Cambridge: Cambridge University Press, 1985), pp. 63–68; Femme Gaastra, The Dutch East India Company, 1602–1799 (Horn: Walburg Pers, 2003), pp. 39–45; Philip Lawson, The East India Company: A History (London: Routledge, 2014), pp. 86–92; Philippe Haudrère, La compagnie française des Indes au XVIIIe siècle (Paris: Les Indes savantes, 2005), pp. 112–118.

(9)  John F. Gunpowder & Galleys Guilmartin, Changing Technology and Mediterranean Warfare at Sea in the 16 th Century (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), pp. 132–135. (10)  Sanjay Subrahmanyam, The Portuguese Empire in Asia, 1500–1700: A Political and Economic History (USA: John Wiley & Sons, 2012), pp. 78–80. (11)  Malyn Newitt, A History of Portuguese Overseas Expansion 1400–1668 (London: Routledge, 2005), pp. 64–67. (12)  Ibid., pp. 171–184.

ازدادت أهمية الخليج بالنسبة إلى الإنكليز مع توسع سيطرتهم على الهند. فقد اعتبروه خط الدفاع الأول عن مصالحهم فيها؛ ما دفعهم إلى تبني استراتيجية تهدف إلى السيطرة على الحيّز المائي، من دون

التدخّل المباشر في الساحل. هدفت هذه الاستراتيجية إلى تأمين طرق التجارة التي تربط الهند ببلاد فارس ومناطق الدولة العثمانية، بدءًا من العراق، ومرورًا بالشام، وصول إلى البحر المتوسط. وساهمت

عدة عوامل في تعزيز أهمية الخليج منها وجود الأنهار على شط العرب، شمال الخليج، التي سهّلت

نقل البضائع من الخليج إلى الشام، إضافة إلى موقع الخليج الاستراتيجي ما جعله مركزًا رئيسًا في

السياسة البريطانية في المنطقة. لهذا سعت بريطانيا للحفاظ على نفوذها البحري فيه، هذا النفوذ الذي كان متعدّد الأبعاد؛ فمن جهة، سعت للسيطرة على الممرات المائية لضمان مصالحها التجارية، ومن جهة أخرى، حاولت تجنّب التورّط المباشر في الشؤون الداخلية للقوى المحلية. مكّن هذا النهجُ المتوازن بريطانيا من تحقيق أهدافها الاستراتيجية، مع تقليل الاحتكاك المباشر مع

السكان المحلّيين وُحلُاكّامهم. يمكن النظر إلى هذه الاستراتيجية باعتبارها شكً مبكرًا من "القوة

الناعمة" في السياسة الاستعمارية. فبدل من الاحتلال المباشر، اعتمدت بريطانيا على نفوذها البحري والاقتصادي لفرض هيمنتها. وسمح لها هذا النهج بالحفاظ على مصالحها الاستراتيجية مع تقليل التكاليف المادية والسياسية المرتبطة بالاحتلال المباشر. علاوة على ذلك، كان لهذه الاستراتيجية البريطانية تأثيرٌ عميق في تشكيل الهياكل السياسية والاقتصادية في المنطقة. فمن خلال التركيز على

السيطرة البحرية، ساهمت بريطانيا في تعزيز أهمية الموانئ والمدن الساحلية؛ ما أحدث تغييرًا في

موازين القوى بين القوى الساحلية والداخلية في المنطقة. مع تزايد نفوذ البريطانيين، برزت لديهم مشكلة تصنيف بعض النشاطات البحرية المحلّية أعمالَ

"قرصنة". افتقر هذا التصنيف إلى الموضوعية، وشكّل أداة سياسية استُخدِمَت ذريعةً لتعزيز سيطرتها

على الممرات البحرية الاستراتيجية وتغيير نظام التجارة التقليدي في المنطقة. فقد كان العديد من هذه النشاطات – التي صنّفتها بريطانيا قرصنة – وسائل مألوفة آنذاك لحماية المصالح الاقتصادية

للقبائل والكيانات المحلية، أو جزءًا من نظام الضرائب والرسوم البحرية المتعارف عليه محليًا، وفي

بعض الحالات، كانت هذه النشاطات أشك ل من المقاومة ضد الهيمنة الأجنبية المتزايدة. اختلف التصنيف البريطاني لهذه النشاطات بحسب المصالح السياسية. ففي بعض الأحيان، صنّفت

نشاطات مماثلة تصنيفًا مختلفًا بحسب الجهة التي تُمارسها. وبيّن هذا التناقض الطبيعة الاستراتيجية

لاستخدام بريطانيا مفهوم القرصنة، وأنتج آثارًا بعيدة المدى في المنطقة؛ فشرعن التدخّل العسكري

(13)  James Onley, The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers, and the British in the Nineteenth–Century Gulf (Oxford: Oxford University Press, 2007), pp. 20–22. (14)  Ibid.

(((1 قبل التدخّل البريطاني، كانت المنطقة تعمل وفق نظام تجاري وبحري تقليدي، له قواعده وأعرافه الخاصة. وكانت الصراعات

والتنافسات المحلية جزءًا لا  يتجزأ من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة. ينظر: خلدون النقيب، المجتمع والدولة في الخليج

والجزيرة العربية (من منظور مختلف) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)1989 ((1(سلطان القاسمي، القواسم والعدوان البريطاني 1820–1797(م) (الشارقة: منشورات القاسمي، 2012)، ص.18–17

الذي غيّر موازين القوى بين القوى المحلّية، وأدّى إلى فرض معاهدات واتفاقيات جديدة على الحكام

المحليين. وتسبب في تقويض نظام التجارة التقليدي الذي كان قائمًا طوال قرون، وإلى فرض نظام

تجاري جديد يخدم المصالح البريطانية أكثر؛ ما أحدث تحّولاّاا جذريًا في أنماط التجارة والملاحة البحرية

في الخليج. في المقابل، شهدت المنطقة ردات فعل متنوعة من القوى المحلية، راوحت بين المقاومة والتكيّف، حيث سعت هذه القوى لإيجاد استراتيجيات للحفاظ على مصالحها في الواقع الجديد.

وفي الأخير، نجحت بريطانيا في فرض هيمنتها على الخليج قرابة قرنين (1971–1820)، مستخدمة مزيجًا

من القوة العسكرية والدبلوماسية والسياسات الاقتصادية. فغيّرت هذه الهيمنة جذريًا الديناميات السياسية

والاقتصادية في المنطقة، وكان لها تأثير بالغ في تطوّر الكيانات المحلية وعلاقاتها بالقوى الخارجية.

1. جدلية "القرصنة" ومقاومة الاستعمار الأوروبي الناشئ؟

شكّل الحيّز المائي، أو حوض الخليج، ميدان الصراع بين الإنكليز والقبائل العربية لأجل السيطرة على

خطوط التجارة في الخليج، وقد أدّى ذلك إلى ما افترضته الكتابات الإنكليزية من وجود "قرصنة" من سكان الخليج والقبائل العربية، واعتبار الساحل العُماني ساحل القراصنة، كما شهدت المنطقة حملات عسكرية بريطانية عديدة من أجل مكافحتها، وتزامن ذلك مع ظهور ابن جابر على الساحة بصفته قوة بحرية في الخليج، وشمله التعميم العام حول القرصنة، واعتباره أقوى "قرصان" عرفته المنطقة. اعتبر بعض المؤرخين البريطانيين، مثل غوردون لوريمر Gordon Lorimer، وجون كيلي John Kelly، وأرنولد ويلسون Arnold Wilson، أن أي أعمال عسكرية بحرية يقوم بها أهالي الخليج "قرصنة"، بغض النظر عن حيثياتها. وفي المقابل اعتبرها بعض المؤرخين الروس، مثل نتاليا نيكولايفنا تومانوفيتش وميخين فيكتور ليونوفيتش، مقاومة وصراع السكان الأصلانيين مع المستعمر الأجنبي. وعلى الرغم من هذا الخلاف بين المؤرخين الغربيين، تناول العديد من الباحثين العرب فرضية "القرصنة" على أنها حقيقة مُسلّمة، ونجد تأثير ذلك في إطلاق اسم ساحل القراصنة على الساحل العُماني، وكذلك

وصف ابن جابر بالقرصان، وهذا ما رسّةُخ في المخيال الخليجي وتقبّله كأنه حقيقة تاريخي، فقد

(((1 المرجع نفسه. (((1 النقيب، ص.86 ((1(ميخين ليونوفيتش، حلف القواسم وسياسة بريطانيا في الخليج العربي في القرن الثامن عشر والنصف  الأول من القرن التاسع

عشر، ترجمة سمير نجم الدين سطاس (دبي: مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، 2009)، ص 173–172. نتاليا نيكولايفنا

تومانوفيتش، الدول الأوروبية في الخليج العربي من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر، ترجمة سمير نجم الدين سطاس (دبي: مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، 2006)، ص.17–15 (((2 ينظر: حسن بن محمد آل  ثاني، "استراتيجية موقع قطر ودوره في صراع القوى الخليجية في عشرينيات القرن التاسع عشر"،

رواق التاريخ والتراث، العدد  10 (حزيران/ يونيو 2020)؛ جمال زكريا قاسم، "رحمة بن  جابر الجلاهمة"، حوليات كلية الآداب

(جامعة عين شمس)، مج 9 (1964)؛ حياة البسام، أعمال رحمة بنجابر البحرية في الخليج العربي بين القرصنة والانتقام (الرياض:

دار الشبل، 1993)؛ عبد الله آل خليفة، "تاريخ رحمة بن  جابر الجلاهمة"، مجلة الوثيقة، مج  30، العدد 60 (تموز/ يوليو 2011)؛

يوسف العبد الله، "رحمة بن  جابر الجلاهمة وعلاقاته بالقوى السياسية في الخليج العربي"، مجلة وقائع تاريخية، كلية الآداب  – جامعة

القاهرة، مج 52، العدد 9 (كانون الثاني/ يناير 2008)؛ فائق طهبوب، تاريخ البحرين السياسي (الكويت: منشورات ذات السلاسل،

1983)؛ أحمد مصطفى أبو  حاكمة، تاريخ شرقي الجزيرة العربية، ترجمة محمد أمين (بيروت: دار  مكتبة الحياة، [د. ت.]).

قدّم جمال زكريا قاسم سردًا عن حياة ابن جابر بصفته قرصانًا مغامرًا، لكنه أغفل ذكر علاقاته بالقوى

المحلية. واعتمدت حياة البسام كثيرًا على الوثائق البريطانية وسرديتها، من دون نقد كافٍ. وقدّم

عبد الله آل خليفة سردًا قصصيًا يفتقر إلى المنهجية الأكاديمية. وحملت رواية أدبية تاريخية عنوان

القرصان، للأديب القطري عبد  العزيز آل محمود، ولاقت رواجًا كبيرًا في منطقة الخليج؛ تحكي

مغامرات "القرصان" ابن جابر، معتمدةً على الإشارات التاريخية والقصص الشعبية. عبّر عن هذه الرؤية البريطانية للقرصنة في الخليج المؤرخ لوريمر، صاحب كتاب دليل الخليج،

الصادر في عام 1906 ويُعدّ أحد مصادر الخليج المهمة؛ كونه اطّلع على وثائق الأرشيف البريطاني.

دراسة حبيب الرحمنونذكر مثل Habibur Rahman الذي اعتمد كثيرًا على دليل الخليج للوريمر؛

ما حدّ من إضافته معلومات جديدةً. أما سلطان القاسمي، فقد دافع في كتابه الصادر في عام 1987 عن القواسم ضد تهمة القرصنة، لكنه في الوقت نفسه اعتبر ابن جابر مث ل لها، لكن غالبية الباحثين تجاهلت أن لوريمر أعدّ كتابه بتكليف من نائب ملك بريطانيا في الهند اللورد كيرزن، أي إن الكتاب يُعبّر عن وجهة نظر الاستعمار البريطاني تجاه الخليج. وهذا ما  دفع لوريمر إلى وصفِ عمليات الملاحة البحرية في الخليج بالقرصنة. وهو يرى أن سياسة حكومة بومباي ورئيسها "طيب القلب"، بحسب وصفه، التي نصّت على منع ضباط السفن الإنكليزية

من استخدام النار على السفن العربية حتى ولو اقتربت منها، هي السبب الذي أدّى إلى تشجيع القبائل العربية على القرصنة والاعتداءات على السفن البحرية. ويذكر أن أول حادثة قرصنة وقعت في عام 1778 كانت حادثة استيلاء القواسم على سفينة تتبع شركة الهند الشرقية، لكن وثائق الأرشيف

(((2 قاسم، ص.186 (((2 عبد العزيز آل  محمود، القرصان (الدوحة: بلومزبري،.)2011 (((2  طُبعت الرواية ست طبعات، مايدل على رواجها. ينظر: "رواية 'القرصان' تسجل أعلى مبيعات في سوق الكتب القطرية"،

الشرق الأوسط، 2012/10/21، شوهد في 2022/4/15، في: 1L9zOki / acr.ps:// https ((2(جوردن لوريمر، دليل الخليج القسم التاريخي، ج  3 (الدوحة: مكتب صاحب سمو أمير دولة قطر، [د.ت]). (((2 اللورد جورج ناثانيل كيرزن Curzon Lord (1925–1859)، سياسي بريطاني بارز وإمبريالي مؤثر، شغل منصب نائب الملك في الهند بين عامَي 1899 و 1905، وكان له دور محوري في تشكيل السياسة البريطانية في الخليج العربي. اعتبر كيرزن الخليج "بوابة

الهند"، وسعى لتعزيز النفوذ البريطاني فيه. كلّف جون غوردون لوريمر بإعداد دليل الخليج ضمن جهوده لتوثيق المنطقة وفهمها فهمًا أفضل لخدمة المصالح البريطانية. كان كيرزن مؤمنًا بقوة بالإمبريالية البريطانية ودورها "الحضاري" في المستعمرات؛ ما انعكس

على سياساته وقراراته. للمزيد، ينظر:

Curzon David Gilmour, Imperial Statesman (Farrar: Straus and Giroux, 2003); Onley.

(((2 شغل وليم هورنبي Hornby William منصب حاكم ورئيس مجلس بومباي خلال الفترة 1784–1771:. ينظر

Pamela Nightingale, Trade and Empire in Western India: 1784–1806 (Cambridge: Cambridge University Press,1970), p. 23. (27)  Ibid., p. 291.

(((2 أُ سّست في عام 1600 بصفتها شركة تجارية بريطانية، وتحوّلت تدريجًا إلى قوة استعمارية في شبه القارة الهندية والمناطق المحيطة

بها. أدّت دورًا محوريًا في توسيع النفوذ البريطاني في الهند والخليج العربي خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كانت الشركة

مسؤولة عن إدارة المصالح البريطانية في المنطقة حتى عام 1858، حين نُقلت السلطة مباشرة إلى التاج البريطاني. للمزيد، ينظر:

John Keay, The Honourable Company: A History of the English East India Company (London: HarperCollins, 1991).

البريطاني تشرح أن شيخ القواسم صقر بن راشد القاسميبرّر ذلك بأن السفينة لم  تكن ترفع العلم

البريطاني إنما علم إمام مسقط، وهم في حالة حرب معه، وهو ما يعني أن العملية التي قام بها القواسم  تُدرج في إطار الحرب، وليست عملية قرصنة كماوصفها لوريمر. في النسق نفسه، يناقش المؤرخ آن تارلنج أن طبيعة "القرصنة"، بصفتها سرديةً للمستعمر، كانت منتشرة في جزر الملايو، وهي تتشابه كثيرًا مع طبيعة "القرصنة" في الخليج، ويشير إلى أن البنية السياسية

والاقتصادية والاجتماعية لجزر الملايو أوجدت حالةً أفضت إلى أعمال عنف في البحر والبر، واستخدمت أداة لتحقيق أهداف سياسية وتجارية؛ أي إنها كانت أعمال تنافس وحرب، ولا يعني ذلك تخلّفهم أو سوء طباعهم، لكن ذلك اعتُبر في نظر الأوروبيين قرصنةً. يتضح أن القرصنة بالمفهوم الإنكليزي لم تكن من بيئة الخليج، إنما استُوردت من خارجها عن طريق الأوروبيين، وأن الأعمال التي اعتبرها الإنكليز قرصنةً ما هي إّل أعمال حربية أو نزاعات قبلية من أجل تحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية تدخل في إطار طبيعة المعيشة في حوض الخليج وصراع القوى والكيانات السياسية. وبدل من هذا التصنيف، نقدم مفهوم المشيخة البحرية الذي يُفنّد سردية

المستعمر ويقدّم نقدًا لها عبر نموذج ابن جابر.

2. مفهوم المشيخة البحرية: إعادة تصوّر للكيان السياسي في الخليج خلال القرن الثامن عشر

نقترح مقولة "المشيخة البحرية" بوصفها مفهومًا يساعد في فهم الديناميات السياسية والاقتصادية

الفريدة لبعض المشيخات في الخليج. استوحينا هذا المفهوم جزئيًا من نموذج الجمهوريات البحرية

الإيطالية في العصور الوسطى التي نشأت في ظل تفكّك إيطاليا السياسي في القرنين العاشر

(((2 حكم رأس الخيمة من حوالى 1777 إلى 1803. كان من أبرز شيوخ القواسم في أواخر القرن الثامن عشر، وساهم في توسيع نفوذهم البحري في الخليج العربي. اشتهر بمواجهته القوى الأوروبية، خاصة البريطانيين، وبدوره في تعزيز القوّة البحرية للقواسم. ينظر: القاسمي. (((3 إمام مسقط هو أحمد بن سعيد البوسعيدي (حكم في الفترة 1783–1749)، مؤسس أسرة البوسعيد الحاكمة في عُمان، وقد

أدّى دورًا مهمًا في توسيع نفوذ  عُمان في المنطقة، بمافي ذلك الصراعات مع القوى المحلية الأخرى مثل القواسم.

(31)  R/15/1/32, 27/4/1824, pp. 97–100.

(((3 جنوب شرق آسيا، أي إندونيسيا وماليزيا وما حولهما اليوم. ((3(آن تارلنج، القرصنة والسياسة في منطقة الملايو (ملبورن: [د. ن].، 1963)، ص 20. نقلعن: مي محمد الخليفة، محمّد

بن خليفة 1890–1813 م: الأسطورة والتاريخ الموازي (بيروت: دار  الجديد، 1996)، ص.77 (((3  يُستخدم هذا المصطلح في أماكن أخرى بمعنى التاجر الذي يملك سفنًا للتأجير. ينظر: "بيت أبوداوود... من مشيخة البحر

إلى  شاهبندر التجار"، المدينة، 2010/6/4، شوهد في 2024/9/9، في: HQ2b7mbE / 2u.pw:// https. لكنني أقصد هنا به معنى آخر،

وهو الحاكم الذي لديه سلطة سياسية وموارد اقتصادية ترتكز على البحر، وله أفراد يتبعونه، وهذا ما يتحقق في ابن جابر. (((3 نشأت هذه الكيانات في سياق تفكك إيطاليا السياسي، حيث تمكّنت مدن مثل البندقية وجنوى من تأسيس قوى اقتصادية ذات

نفوذ كبير، معتمدة أساسًا على التجارة البحرية، حيث تميّزت بتطوير قدرات عسكرية بحرية متقدمة، تضمّنت بناء أساطيل قوية وتجنيد

قوات من المرتزقة. ومكّنها نجاحها الاقتصادي والعسكري من توسيع نفوذها خارج حدودها الأصلية، حيث أسست شبكة من الموانئ

والمستعمرات في مناطق متفرقة من البحر المتوسط وما وراءه. فعلى سبيل المثال، أسست جنوى مستعمرة جالاتا في الأراضي التركية، بينما امتد نفوذ البندقية ليشمل جزرًا في البحر الأدرياتيكي وبحر إيجة، وصول إلى قبرص وأجزاء من اليونان. للمزيد، ينظر:

Ermanno Orlando, Le repubbliche marinare (Bologna: Il Mulino, 2021).

والحادي عشر الميلاديين، ويمكننا رؤية تشابه في نشأة المشيخات البحرية في الخليج خلال فترات الضعف والتنافس بين القوى الكبرى في المنطقة. أتاح هذا السياق السياسي المفكك الفرصة لظهور كيانات سياسية جديدة، تعتمد على البحر مصدرًا رئيسًا للقوة والنفوذ. وكما اعتمدت مدن مثل البندقية وجنوى أساسًا على التجارة البحرية، نجد أن المشيخات البحرية في

الخليج، مثل تلك التي أسسها ابن جابر، اعتمدت كثيرًا على النشاطات البحرية مصدرًا للثروة والنفوذ.

شكّل هذا الاعتماد على البحر أساس القوة الاقتصادية والسياسية لهذه الكيانات، وميّزها من مشيخات

اليابسة. وسنحاول استخدام هذا النموذج في تقديم منظور جديد لفهم شخصيات، مثل ابن جابر، وقد يساعد في إعادة النظر في كتابة تاريخ الهولة والقواسم وغيرهم. تختلف العلاقة بين البر والبحر في المشيخة البحرية عن مثيلتها في مشيخات اليابسة، فالأخيرة تتّخذ من المدن أو القلاع مراكز لها ويمتد نفوذها إلى البحر؛ ما يمنحها الاستقرار النسبي في الموقع الجغرافي. أما المشيخة البحرية، فتعكس هذه المعادلة. فعلى سبيل المثال، نجد ابن جابر يتّخذ من البحر مركزًا لنفوذه، ويمتد إلى نقاط نفوذ ساحلية، مثل خور حسان والدمام وبوشهر، التي لا تُعدّ مجرد

قواعد ثابتة، بل جزءًا من شبكة دينامية تسمح بالمرونة والتكيّف السريع مع الظروف المتغيرة. يمكن اعتبار "الغطروشة" – سفينة ابن جابر الرئيسة – عاصمةً متحركة لمشيخته البحرية؛ إذ لم تكن أكبر سفنه فحسب، بل مثّلت مركزًا متنقل لسلطته، فهي مقرّه الرئيس للاستقبال واتخاذ القرار، واتخذها

مركزًا لجمع المعلومات والضرائب، فكانت نقطة محورية في شبكته البحرية. وفي الإمكان مقارنة

المشيخة البحرية ونوعيتها بحالات مشابهة في التاريخ، فمثل نجد الفايكنغ الذين استخدموا السفن قواعدَ للهجوم والتجارة بين أواخر القرن الثامن ومنتصف القرن الحادي عشر الميلاديين (نحو عامَي

793 و 1066)؛ ما ساهم في توسيع نطاق نفوذهم بسرعة. واستطاعت سلطنة سولو Sulu Sultanate في جزر الملايو، التي سست في أوائل القرن الخامس عشر، تطوير نظام سياسي واقتصادي معقّدأُ، يعتمد على السيطرة البحرية. لكن ما يُميز تجربة ابن جابر هو جمعه بين التقاليد العربية والظروف

الجيوسياسية للخليج آنذاك، التي أنتجت مشيخة بحرية متكيّفة مع تحديات تلك الفترة، مثل التنافس

بين القوى الاستعمارية والمحلّية، والتحكم في مغاصات اللؤلؤ والطرق التجارية، والحاجة إلى المرونة في مواجهة التغيرات السياسية.

(((3 الهولة قبائل عربية هاجرت من السواحل العربية للخليج إلى الجانب الفارسي طوال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقد عاد كثيرون منهم إلى شبه الجزيرة العربية منذ ذلك الحين. ومع الوقت باتوا  يُعرفون ب"الهولة" (أي حرفيًا: أولئك الذين تحوّلوا) نظرًا

إلى هذه التحركات من الجزيرة العربية ثم العودة إليها. ينظر: محمد حاتم، تاريخ عرب الهولة (الكويت: الأمين للنشر والتوزيع،.[د ت.]). ((3(القواسم قبيلة عربية شكّلت إمارات في الساحل العُماني في العصر الحديث. ينظر: القاسمي. (((3 الخليفة، ص.260

(39)  Anders Winroth, The Age of the Vikings (Princeton: Princeton University Press, 2014), pp. 72–77. (40)  James Francis Warren, The Sulu Zone, 1768–1898: The Dynamics of External Trade, Slavery, and Ethnicity in the Transformation of a Southeast Asian Maritime State (Singapore: NUS Press, 2007).

تتمايز العلاقة بين الشيخ وأتباعه من المقاتلين في المشيخة البحرية، من تلك الموازية لها في مشيخات اليابسة. فخلافًا للأخيرة التي اقتصر تجنيد المقاتلين فيها على الروابط القرابية والتحالفات القبلية، تميل المشيخات البحرية إلى تشكيل تحالفات أكثر مرونة، والاستفادة من العبيد في الجهود القتالية. فقد استطاع ابن جابر جذب أتباع من خلفيات متنوعة وعبيد، وتوحيدهم تحت قيادته، بأن وفّر لهم الحماية والفرص الاقتصادية، اعتمادًا على الشبكة الاجتماعية التي كوّنها في حوض الخليج. تختلف كلتا المشيختين في طبيعة السلطة ومصادر القوة، فالمشيخة البحرية تتمتع بمرونة أكبر، مقارنة بمشيخات اليابسة؛ إذ لا تعتمد البحرية على الحدود الثابتة والسيطرة الإقليمية، بل ترتكز على طرق التجارة ونقاط الاتصال الاستراتيجية التي تصبح شبكة بحرية ممتدة على ضفتي البحر. وهو ما يخلق دينامية مختلفة في ممارسة السلطة وتوسيع النفوذ، مثل التكيّف السريع مع التغيرات الجيوسياسية؛

فقد كان ابن جابر قادرًا على التكيّف بسرعة مع التغيرات السياسية، والانتقال من تحالف إلى آخر مع

القوى المختلفة، مثل الإنكليز والعثمانيين والعُمانيين والوهّابيين، بحسب ما تُمليه المصلحة. وتنبع هذه المرونة من عدم ارتباط المشيخة البحرية بأرض محددة؛ ما منحها حرية أكبر في المناورة السياسية والاستراتيجية. أما من الناحية الاقتصادية، فتعتمد المشيخة البحرية أساسًا على التجارة البحرية وموارد البحر المختلفة

والموزّعة في مناطق مختلفة، مثل صيد اللؤلؤ والملاحة البحرية والنقل البحري والأتاوات والحفاظ لنفسها على الأولوية بصفتها مزّو دًا للسفن والبحارة وللحكام الآخرين (الذين كانوا هم أنفسهم

تجارًا). على عكس ذلك، تعتمد مشيخات اليابسة، اقتصاديًا، على موارد محددة وثابتة بين الزراعة

والرعي والتجارة البحرية. وفي حالة ابن جابر، كان الاعتماد على الإمساك بطرق التجارة البحرية ومصائد اللؤلؤ وفرض الأتاوات، وقد شكّل ذلك كله مصدرًا رئيسًا لقوّته الاقتصادية والسياسية. يدعونا ذلك إلى إعادة النظر في مفاهيمنا التقليدية للسلطة والسيادة كي نفهم دينامية المشيخة البحرية. فبدل من النظر إلى الحدود الثابتة والأراضي والجماعة، باعتبارها مصدرًا للشرعية، نحاول فهم كيف

استطاعت شخصيات مثل ابن جابر بناء سلطتها من خلال السيطرة على الممرات البحرية والشبكات التجارية. لا يقتصر هذا المفهوم على فهم شخصيات فردية، مثل ابن جابر، بل يمتد ليشمل فهم ديناميات القوّة

والتجارة في المنطقة ككل. ففي إمكاننا، اعتمادًا على هذا المنظور، إعادة النظر في مفهوم السلطة

(((4 نتيجة لتجوال ابن جابر المستمر وتأسيسه نقاط نفوذ متعددة، تمكّن من بناء شبكة واسعة من العلاقات في أنحاء الخليج،

أضف إلى ذلك تنامي تجارة اللؤلؤ وزيادة إيراداته. وهو الأمر الذي منحه قدرة على شراء العبيد وحماية القبائل وإيواء المتمردين

والباحثين عن فرص اقتصادية. ينظر: هوفس توماس، مختارات من وثائق بومباي: سلسلة جديدة رقم  (24) عام 1856، ترجمة عبد العزيز عبد الغني (الدوحة: مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية، 2017)، ص 436؛ الخليفة، ص.260

(42)  R/15/1/25, 8/4/1822, pp. 37–39.

(((4 النقيب، ص.38

(44)  R/15/1/22, 9/4/1820, pp. 72–73.

في الخليج، فننظر إليها باعتبارها شبكة من العلاقات والنفوذ العابر للبحار، والمرتكزة على التجارة والاقتصاد. فالسيطرة على طرق التجارة البحرية ليست نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل تمتد إلى تشكيل

التحالفات السياسية وممارسة النفوذ؛ ما قد يساعد في فهم كيف مارست بعض القوى تأثيرًا يتجاوز

حدودها الجغرافية المباشرة. علاوة على ذلك، يمكن أن يقدم هذا التفسير فهمًا للديناميات المعاصرة

في الخليج، حيث يتجاوز تأثير الدول حدودها الجغرافية المباشرة، ومن ثمّ يمكن أن تجري مقارنة

السلوك السياسي للمشيخة البحرية بالسلوك السياسي لدول منطقة الخليج. إضافة إلى ذلك، إن إطار المشيخة البحرية يساهم في إعادة تقييم العلاقات بين مختلف مستويات القوى في المنطقة، فهي نقطة تلاقٍ للمصالح المحلّية (مثل القبائل والتجّار المحليين)، والإقليمية

(مثل القوى العُمانية والفارسية)، والدولية (مثل العثمانيين والبريطانيين). ولعل فهم هذه الديناميات يساعدنا في تفسير التحّولّات السياسية والاقتصادية الكبرى في التاريخ الحديث للخليج.

ثانيًا: صعود رحمة بن جابر: نقد مفهوم القرصنة

ينتمي ابن جابر إلى قبيلة الجلاهمة، وكان والده، جابر بن عذبي، شيخها، ويُقال إنّ هذه القبيلة تنتمي

إلى حلف قبائل العتوب التي هي فرع من قبيلة كبيرة تدعى عنِزة تقطن في وسط الجزيرة العربية، وينبثق من حلف العتوب كذلك آل خليفة (حكّام البحرين في الوقت الحالي) وكذلك آل صباح (حكام الكويت حاليًا). لا يُعرف تحديدًا متى  وُلد ابنجابر، لكن استنادًا إلى تاريخ وفاته الموثّق في الأرشيف

البريطاني والمصادر المحلية في عام 1826، وبحسب من وصفوه بأن المنيّة وافته وهو في عقده

السابع، فقد تم احتساب السنوات وترجيح تاريخ مولده بين عامَي 1756 و 1760 في القرين

(الكويت). وبحسب ما كتبت غالبية المؤرخين عن هجرة العتوب، ومن ضمنها قبيلة الجلاهمة، فقد هاجروا مع الأفرع الأخرى (آل صباح، وآل خليفة) من موطنهم في الأفلاج، في نجد إلى الساحل الشرقي للجزيرة العربية، ولم يَحنَ دّد تاريخ هجرتهم، لكيُقدّرها المؤرخون بأنها في بداية القرن الثامن عشر. استقرّ العتوب في

الساحل الشرقي في شبه جزيرة قطر، وتحديدًا في شمالها الغربي، حيث كان الساحل الشرقي من قطر إلى الكويت تحت حكم قبيلة بني خالد، وينوبهم على قطر آل مسلم. وقد بقي العتوب هناك قرابة خمسين سنة، ثم لخلاف حدث بينهم وبين آل مسلم، اضطروا إلى مغادرة قطر، وأبحروا في الخليج حتى استقروا في القرين التي اشتهرت لاحقًا باسم الكويت، ويرجح تاريخ وصولهم إليها في عام 1717.

(45)  R/15/1/40, 14/12/1826, pp. 129–131.

(((4 البسام، ص.66 (((4 قاسم؛ البسام؛ عبد الله آل خليفة. ((4(عبدالعزيز الرشيد، تاريخ الكويت (بيروت: منشورات دار  مكتبة الحياة، 1978)، ص 106؛ أبو حاكمة، ص 74؛ يوسف

القناعي، صفحات من تاريخ الكويت (القاهرة: دار  سعد مصر، 1946)، ص.9 (((4 القناعي، ص 8، أبو حاكمة، ص.96

في الكويت اتفقت الأسر الثلاث (الجلاهمة، وآل صباح، وآل خليفة) على عقد حلف لتقاسم السلطة، حيث تولّى آل صباح الحكم السياسي، وآل خليفة التجارة، والجلاهمة وزعيمهم والد رحمة الشيخ جابر بن عذبة شؤون البحر. استمر هذا الحلف قرابة نصف قرن، ثم أراد زعيم آل خليفة الانتقال من الكويت إلى الزبارة في قطر، ويعلّل المؤرخون هذا الخروج باحتكار آل الصباح للحكم؛ وهناك من يرى أن سبب خروجهم هو تعرض الكويت لغارات من إمارة بني كعب المجاورة لهم على شط العرب، التي ازدهرت في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، فقد رأى آل خليفة أن الكويت غير آمنة، لذا قرروا الخروج منها. نزل آل خليفة في الزبارة، في عام 1766، ثم لحق بهم الجلاهمة، ولا يُعرف تحديدًا تاريخ ذلك، فاستقبلهم آل خليفة وأجزلوا لهم العطاء، ثم تنازعت الأسرتان على العطاء (الإيرادات)، فانتهى بهم المطاف إلى الانتقال إلى الرويس شمال قطر، وهناك بدؤوا ببناء أسطولهم البحري، ويُعلّل أحمد أبو حاكمة ذلك بأنه من أجل الانتقام من آل خليفة وممارسة "القرصنة"

من أجل الكسب. لكن نعتقد أن أبو  حاكمة انجرّ وراء صوغ (سردية المستعمِر) التي تقول إن استقرار

الجلاهمة في الرويس كان بنية البدء في أعمال "القرصنة" وبناء الأسطول البحري الخاص بذلك، لذلك سنُفكّك هذه السردية في هذا المبحث.

1. صعود المشيخة البحرية (1808 - 1825)

يشير لوريمر إلى أنه، بعدما فتح آل خليفة، وبعض القبائل التي ساعدتهم في ذلك، جزيرة البحرين في عام 1783، رحلت قبيلة الجلاهمة بعض الوقت إلى جزيرة خارج، ثم إلى بوشهر، ومنها عادوا إلى خور حسان على الساحل القطري. لكنه لا يحدد أعوامًا بعينها، كما يشير إلى أن الجلاهمة ساعدوا إمام عُمان في السيطرة على جزيرة البحرين في عام 1800. لكن بعد عامين استطاع آل خليفة استرجاع الجزيرة بدعم من الوهابيين، ولا نجد خلال الفترة 1809–1783 أي ذكر لابن جابر في الأرشيف البريطاني إّل في مخاطبة من المقيم البريطاني في بوشهر نيكولاس هانكي سميث، في عام 1808، ورد فيها أن ابن جابر أعلمه بعزمه مصادرة أملاك سكان بوشهر وسفنهم، وذلك بسبب نزاع حدث بينه وبينهم. ويرد عليه المقيم بأن ذلك لن يزعج الإنكليز، بل إنه يعتبر ابن جابر صديقهم، ونجد صدى هذا الخطاب في ما كتبه لوريمر، حيث يقول: "وسرعان ما ذاع اسم رحمة بن جابر كقاطع طريق جسور

(((5 توماس، ص.305 (((5 الرشيد، ص.108 (((5 أبو حاكمة، ص.93 (((5 المرجع نفسه، ص.104 (((5 لوريمر، ج 6، ص.1199 (((5 شغل نيكولاس هانكي سميث Smith Hankey Nicholas منصب المقيم البريطاني في بوشهر في الفترة 1809–1798. كان من أوائل الممثلين الرسميين لشركة الهند الشرقية البريطانية في الخليج العربي، وله دور مهم في تأسيس وتوطيد العلاقات البريطانية في المنطقة خلال فترة حرجة من التاريخ.

(56)  R/15/1/10, 22/4/1808, pp. 212–213.

ومظفّر، عانى من إغاراته الإيرانيون وباقي العتوب غير الجلاهمة". وعلى الرغم من اعتماد لوريمر على الأرشيف الإنكليزي، فإننا لم نجد في الأرشيف ما ينعته بأنه "قاطع طريق جسور ومظفّر"، لكن يُحيلنا إلى هدف السردية البريطانية في الكتابات التاريخية حول الخليج من نسج أسطورة هذا الوصف القرصنة في الخليج وإبرازها في نماذج حيّة، مثل ابن جابر. يضيف لوريمر أيضًا أنه في عام 1809 هاجم أسطول إيراني من بوشهر خور حسان، مقرّ ابن جابر الذي استطاع ومعه لفيف من القواسم أن يصدوه ويستولوا على بعض المراكب الإيرانية. ويظهر من الوصف أنها حرب وقعت بين ابن جابر وسكان بوشهر وليست قرصنة. ولا يفسّر انزلاق الباحثين إلى ذلك إّل قبولهم بسردية القرصنة في الخليج. ولعلنا نتساءل هنا حول الكتابة التاريخية لسيرة ابن جابر؛ حيث نجد فجوة زمنية في مسيرته، فتقريبًا

ما يقرب من ربع قرن، بين عامَي 1783 و 1808، لا نجد أي ذكر لأي من نشاطاته أو أعماله التي سمّيت "قرصنة"، كما أن الباحثين الذين انبروا لكتابة سيرته لا يُعلّقون على هذه الفجوة الزمنية ويتجاهلونها، ربما لأن المصادر الإنكليزية لم تحمل بين طيّاتها أي ذكر له في هذه الفترة، وهو ما يقودنا إلى تساؤل:

هل كان ابن جابر مسالمًا في هذه الفترة؟ وإن كان مسالمًا، فما سبب تحوّله؟ وإذا افترضنا أنه كان مسالمًا، فلماذا حين بدأ نشاطه  يُرصَد في عام 1809، وصف بأنه قاطعُ طريقٍ جَسورٌ، وذهب بعض الكتّاب إلى أنه أصبح مرعبًا لكل السفن المارّة في حوض الخليج؟ ولعلنا  نُرجح أن ظهور ابنجابر في الأرشيف البريطاني، بدءًا من عام 1808، يعود إلى ما وقع في عام 1809؛ فقد وقع حدثان مهمان. الأول، تنامي قوة الدولة الوهّابية، وتزايد أثرها في الخليج في نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر؛ إذ أحكمت السيطرة على شبه جزيرة قطر والساحل الشرقي، ودخل ابن جابر في تحالف معهم، وأصبح أمير خور حسان وما جاورها من الوهابيين. أما الحدث  الثاني، فهو قيام البريطانيين بحملتين عسكريتين ضد القواسم في رأس الخيمة. الحملة الأولى كانت في عام 1805، وتبعتها حملة أشدّ في عام 1809، بقيادة الكابتن جون وينرايت،

(((5 لوريمر، ص.1198 (((5 المرجع نفسه. (((5 ينظر: قاسم، ص 186؛ البسام، ص.29 (((6 البسام، ص.30 (((6 المرجع نفسه. (((6 الكابتن جون وينرايت Wainwright John، ضابط بارز في البحرية الملكية البريطانية خلال أوائل القرن التاسع عشر. أدّى دورًا

محوريًا في العمليات البحرية البريطانية في الخليج العربي، خاصة في مواجهة ما اعتبره البريطانيون "قرصنة". قاد حملة بحرية مهمة

ضد رأس الخيمة في عام 1809، وهي جزء من الجهود البريطانية لتأمين طرق التجارة في الخليج. ساهمت تقاريره ومذكّراته في

تشكيل السياسة البريطانية تجاه المنطقة. للمزيد، ينظر:

Charles E. Davies, The Blood–Red Arab Flag: An Investigation into Qasimi Piracy, 1797–1820 (Exeter: University of Exeter Press, 1997), pp. 152–155.

بالتعاون مع إمام مسقط؛ ونتج من الحملة الثانية تدمير أسطول القواسم وميناء رأس الخيمة. ما ميز هذه الفترة هو بداية استخدام البريطانيين مصطلح "القرصنة" لوصف بعض النشاطات البحرية في الخليج، خاصة منذ عام 1805. كان لهذا هذا التحوّل في الخطاب البريطاني تأثيرٌ كبيرٌ في السياسات

اللاحقة في المنطقة. وجدير بالذكر أن القواسم والوهابيين كانوا متحالفين آنذاك؛ ما دفع بعض سفن القواسم إلى اللجوء إلى خور حسان، مقرّ ابن جابر، بعد الهجمات البريطانية. وشكّل استخدام

مصطلح "القرصنة" نقطةَ تحوّل في كيفية تصوير النشاطات البحرية في الخليج وفهمها، وكان له في

السنوات اللاحقة تداعيات سياسية وعسكرية مهمة على المنطقة. مكّن هذان الحدثان ابن جابر من تعظيم قوّته، حيث استطاع الوهابيون بعد التحالف معه السيطرة على

قطر والبحرين، وتعيين قائدهم عبد الله بن عفيصان واليًا عليهما في عام 1810، كما أن نزوح بعض

القواسم إلى ميناء ابن جابر ساعده في تعزيز قوّته البحرية. لذلك نجد نفوذه يزداد بعد عام 1809 في

الخليج، ويهاجم أعداءه وأعداء الدولة الوهابية، وتم رصد الغارات البحرية التي استخدمت في إطار الحرب المشروعة وإضعاف الخصوم. لكننا نجد وصف لوريمر لهذه الغارات محبوكًا بألفاظ تدل على أنها قرصنة وترمز إلى وحشية القرصان، حيث يقول: "بدأ رحمة بن جابر يرتكب فظائع متزايدة الخطورة"، مشيرًا إلى استيلائه على 18 سفينة للعتوب، وكما هو معلوم، فإنهم كانوا من أعدائه،

لكنّ لوريمر لا يشير إلى ذلك، بل يشير إلى استيلاء ابن جابر على سفن تتبع مسقط وبوشهر، وهم أعداء الدولة الوهابية، لكنه يغفل عن ذكر ذلك، ويضيف لوريمر في وصفه: "وفي كل الحالات – إاّل ما ندر – كان رحمة يأمر بإعدام بحارة السفن التي يستولي عليها، وباختصار، فإنه قد بسط حكم الإرهاب على الخليج كله". وليس من الواضح المصدر الذي استقى منه لوريمر هذه المعلومات التي لا يوجد ما يدعمها أو يؤكدها في الأرشيف البريطاني. ومع ذلك، بنى الباحثون على الفرضية، حيث تقول حياة البسام: "فقد بدأ رحمة بن جابر يقوّي نفسه ويُحصّنها عن طريق البطش والقسوة التي

يعامل بها أسراه"، وتضيف "ونهب السفن المارة في الخليج العربي، ما أدى إلى مذابح موحشة نزلت فيمن يقع تحت أسر". وما يؤكد أنّ النشاط البحري لابن جابر كان من أشكال السياسة المألوفة في عصره، وليس شكل من القرصنة، هو انحسار غاراته بعد تقهقر الوهابيين، حيث هاجم إمامُ مسقط في عام 1811 قطر

والبحرين، واستطاع طرد الوهابيين من الساحل القطري. ففي ذلك الوقت، دارت معركة بحرية بين آل خليفة وحليفهم إمام  عُمان من جهة، وابنجابر وحلفائه الوهابيين من جهة أخرى، في منطقة بحرية بين البحرين وقطر، تُسمى خكيكرة، وقد مُني ابنجابر وحلفاؤه بالهزيمة؛ فترتب على ذلك انزياح

الوهابيين عن جزيرة البحرين وشبه جزيرة قطر، حتى إن ابن جابر نفسه انتقل من خور حسان إلى

(((6 القاسمي، ص.103 (((6 لوريمر، ص.1200 (((6 المرجع نفسه. (((6 البسام، ص.31

الدمام على الساحل الشرقي للجزيرة العربية. بعد إضعاف قوة الوهابيين على الساحل الشرقي للجزيرة العربية، لم نعد نجد أي توثيق لعمليات قام بها ابن جابر، حتى عام 1813؛ حيث استولى على سفينة تتبع تاجرًا يقيم في البصرة، كان على

عداء معه، لكن السفينة كانت تحمل خيول لشركة الهند الشرقية، وفي طريقها إلى بومباي، فأدرك ابن جابر خطأه وأرسل الخيول على سفنه إلى بومباي. وإذا ما قارنّا ما كتبه لوريمر عن هذه الحادثة بما وجد في الأرشيف، فسندرك كيف أنه لم يذكر أن السفينة التي استولى عليها ابن جابر هي ملك تاجر في البصرة متحالف مع آل خليفة، إنما يتضح للقارئ في السياق كأنها ملك شركة الهند الشرقية الإنكليزية، كما لا يذكر أنها لم تكن ترفع العلم البريطاني إنما العلم العثماني، حيث كانت الدولة السعودية الأولى على عداء مع الدولة العثمانية، وكان ابن جابر يتبع الدولة السعودية الأولى آنذاك، لذلك هاجم هذه السفينة. وهو ما يقودنا إلى الحديث عن تحيّز لوريمر ومحاولته إصباغ طابع القرصنة

على عمليات ابن جابر، من دون الدخول في حيثياتها وتفاصيلها، كي تبقى أسطورة القرصان مشتعلة، وهو ما سار عليه بعض الباحثين في تعزيز صورة القرصان ابن جابر لا المشيخة البحرية. لا يوفّر لنا الأرشيف البريطاني بين عامَي 1813 و 1816 أي معلومات عن نشاط لابن جابر، لكن يبقى

التساؤل إذا ما سلّمنا بسردية القرصنة، فكيف لقرصان أن يهدأ في سنوات وينشط في أخرى، إّل إذا كان الأمر متعلقًا بالمشيخة البحرية والصراع السياسي ونفوذ القوى في حوض الخليج؟ ففي عام 1816 مثل، تنصّل ابن جابر من حلفه مع الوهابيين وتحالف مع إمام مسقط لسببين: الأول هو عقد الوهابيين

اتفاقًا مع آل خليفة أعداء ابن جابر الأزليين؛ والسبب الثاني هو قراءته للمشهد السياسي، حيث سقطت الحجاز من سلطة الوهابيين بيد إبراهيم باشا، في أيلول/ سبتمبر 1812، قائد الحملة العثمانية للقضاء على الدولة السعودية الأولى. ولربما ارتأى ابن جابر أن يتحالف مع قوة صاعدة في الخليج، متمثلة في إمام مسقط سعيد بن سلطان البوسعيدي (حكم في الفترة 1856–1804)، وينأى بنفسه عن الوهابيين الذين كانوا على شفا الهزيمة. في تنّقلّات ابن جابر بين بوشهر والدمام والعودة إلى بوشهر، نجد أن تحالفاته السياسية هي التي أطّرت غاراته البحرية، وليست أعمال القرصنة من أجل القرصنة؛ حيث لا يذكر من نسج سردية القرصنة أسباب عدم قيامه بأعمال قرصنة في هذه الفترة التي تبدلت فيها التحالفات. وهو ما يتناقض مع هذه السردية، ويُبيّن فعالية المشيخة البحرية التي امتلكت مجالها البحري وتحالفاتها المتغيرة على الدوام؛

(((6 المرجع نفسه، ص.59

(68)  R/15/1/10, 22/4/1813, pp. 212–213.

(((6 لوريمر، ص.1201 (((7 البسام، ص.47 (((7 تقلد الحكم بين عامي 1804 و 1856 (تاريخ وفاته)، وشهدت فترة حكمه اتساع النفوذ العُماني، حيث بلغ من بندر عباس إلى

زنجبار على الساحل الشرقي لأفريقيا. (((7 العبد الله، ص.202

نظرًا إلى تأثرها بطبيعة البحر الذي يمتلك مج ل مفتوحًا ومتغّي رنّا، ويتيح حرية الحركة والتنقل أكثر م

اليابسة المحكومة بالثبات. في نهاية عام 1819، بدأت بريطانيا تُجهّز الحملة العسكرية الرابعة على القواسم، وكان من المتوقع أن

يقدم ابن جابر مساعدته لبريطانيا كونه حليف إمام مسقط، وقد أبدى استعداده لذلك، لكن هدفه الأساسي كان الاستيلاء على البحرين. لذلك جهّز هو أيضًا في عام 1820 أسطوله، ليساند حاكم بلاد

فارس، فتح علي شاه القاجاري (حكم بين عامَي 1797 و 1834)، الذي جهّز حملة للسيطرة على جزيرة

البحرين، لكن هبّت عاصفة دمّرت أكبر سفن ابن جابر؛ ما تسبب في فشل الحملة برمّتها. بعد نجاح حملة بريطانيا الرابعة على القواسم في مطلع عام 1820، تم فرض توقيع اتفاقية السلم البحري على بعض شيوخ القبائل العربية؛ حيث وقّع شيوخ الساحل العُماني وكذلك آل خليفة في

البحرين، لكن ابن جابر رفض توقيعها، بحجة أنه يعمل تحت حاكم شيراز، وقد أيد شيخ بوشهر ذلك، وقبلت بريطانيا ذلك العذر منه. ويدل ذلك على أن بريطانيا اعتبرته شيخًا مثل شيوخ منطقة الخليج تُقام بين كيان وآخر الذين وقعوا الاتفاقية التي احتوت بندًا يوضح الفرق بين الحرب المعروفة التي والنهب الذي تحاربه المشيخات الموقّعة. وهذا يدل على أن بريطانيا اعتبرت أن لدى ابن جابر كيانًا سياسيًا له مجاله وسلطته في المنطقة، وأن عملياته البحرية السابقة لم تكن إّل تحت المشيخة البحرية،

وأن سردية القرصنة قد كُتبت بأثر رجعي في فترة تاريخية لاحقة احتاجت إلى ذلك.

2. رحمة بن جابر في المصادر النجدية

عند مطالعة كتابات المؤرخين الإنكليز أو سجلات الأرشيف أو الأبحاث التي تناولت ابن جابر، لا نجد إاّل صورة القرصان. أما في المصادر النجدية، فتبدو شخصيته مختلفةً، فمؤرخو نجد يرونه المجاهد الشجاع والقائد البحري المحب للدعوة الوهابية وخدمة الدين. ومن أهم المصادر النجدية ما دوّنه عثمان بن عبد الله بن بشر (ت. 1870) المعاصر لابن جابر، حيث وصفه "بنادرة عصره بأسًا

وسطوة وشجاعة"، ويضيف أن إمام الحركة الوهابية قد عيّنه أميرًا على نواحي قطر والدمام، حيث

استطاعت الحركة الوهابية السيطرة على قطر والبحرين، بدعم من ابن جابر في عام 1809. وتنسبُ

(((7 توماس، ص.435 (((7 لوريمر، ص.1204 (((7 توماس، ص.436 (((7 عثمان بن عبد الله بن  بشر، عنوان تاريخ نجد (الرياض: دارة الملك عبد  العزيز، 1982)، ص.320 (((7 المصادر النجدية هي مجموعة من الكتب والوثائق التاريخية التي كتبها مؤرخون ومؤلفون من منطقة نجد في وسط شبه الجزيرة العربية. تعتبر هذه المصادر ذات أهمية كبيرة في دراسة تاريخ المنطقة، خاصة في ما يتعلق بتاريخ الدولة السعودية الأولى

والثانية والحركة الوهابية. من أهم المصادر النجدية: عنوان المجد في تاريخ نجد لعثمان بن  عبد الله بن بشر (ت. 1873)، تاريخ

نجد لحسين بن  غنام (ت 1810.) لمع الشهاب في سيرة محمد بن  عبد  الوهابلإبراهيم بنعيسى، تاريخ ابنلعبونلعبد  الله بن محمد بن لعبون (ت..)1976 (((7 ابن بشر، ص.52 (((7 لوريمر، ص.1200

الأبيات: فيا أيها الإنسان إنك ميت فما مكلفأحد في الناس إّل ومنها كذلك: جزى الله بالخيرات عنا أئمة مشايخنا أحبار دين نبيّهم وقام على آثاره شيخ علمنا وأطفأ نيرانا لشرك تجددت

إن العلاقة قائمة على تبادل المصالح بين الطرفين.

ما يدل أيضًا على أن هذه المشيخة البحرية امتلكت القوّتين العسكرية والاقتصادية.

(((8 المرجع نفسه، ص.53 (((8 المرجع نفسه، ص.54 (((8 ينظر: حمد خليفة أبو  شهاب، تراثنا من الشعر الشعبي (أبوظبي: مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر،.)1980 (((8 العبد الله، ص.202

المحرك الأساسي لهذا التحالف. (((8 المرجع نفسه، ص.245

أبيات إلى ابن جابر، يستدل منها أنه كان على حُسن العقيدة ومحًّبًا لأهل الدعوة (الوهابية)، ومنها هذه

عليك بتقوى  الله منها تزوّدا ولا  تحسبن الله تاركهم سدى

دعونا إلى التوحيد عن هوّة الردى فمنهم تقي الدين حبر تزهّدا إما  روى التوحيد علمًا وسؤددا بنجد فواراها هناك وأخمدا يُعلّق ابنبشر بأن قصيدة ابن جابر طويلة، وقد اقتبس منها ما يوضح انتماءه إلى الوهابيين وصدق إيمانه بدعوتهم، كما رثاه بعض الشعراء والعلماء المحليين عقب وفاته. وهو ما يدلّ على قربه منهم ومحبتهم له؛ إذ استفاد الوهابيون من قوّته البحرية في إخضاع الساحل القطري والبحرين وساحل

الأحساء. واستفاد هو منهم بإمداده بالسلاح والرجال، وتعيينه أميرًا على خور حسان وما جاورها؛ أي

وفي كتاب الخبر والعيان في تاريخ نجد (1927)،  وُصف ابنجابر بالبطل الأسطورة والسندباد البحري وداهية القرصنة وبطل البحار والناسك المتعبد وصاحب "الغطروشة". ويعكس هذا الوصف الصورة المتعددة الأبعاد له في المخيّلة الشعبية، كما يشير إلى أن عداءه مع آل خليفة هو بسبب قتلهم

والده، لذا تحالف مع الوهابيين من أجل أخذ ثأره، كما يوضح الكتاب أن ابن جابر لم يكن يملك سفنًا حربية، بل سفنًا صغيرة تستعمل في الغوص لصيد اللؤلؤ والأسماك. ويدلّ ذلك على أنّ امتلاكه سفنًا للأعمال التجارية البحرية لا ينفي أن لديه سفنًا حربية كبيرة، ذكرتها مصادر أخرى، وهو

((8(خالد الفرج، الخبر والعيان في تاريخ نجد، تحقيق عبد  الله الشقير (الرياض: مكتبة العبيكان، 2000)، ص.243 ((8(قد تكون هذه الرواية صحيحة، لكنني لا أ رجّحها، حيث إن الدوافع السياسية والاقتصادية آنذاك للسيطرة على البحرين هي

استنادًا إلى ما سبق، نجد أن ابن جابر في المصادر النجدية هو المجاهد الشجاع والأمير والحاكم لمنطقة قطر يتبع الوهابيين، ما يدعم فكرة المشيخة البحرية. ويعزز رؤية المصادر النجدية له ما أشارت إليه الوثائق البريطانية من اختلاف رؤى الضباط والمسؤولين البريطانيين بشأنه؛ فمنهم من يرى أنه قرصانٌ وهابيٌ يجب محاربته، ومنهم من يرى عدم مهاجمته كونه لم يهاجم السفن البريطانية. وقد

أرسل الضابط سميث إلى أمير الوهابيين سعود بن عبد العزيز آل سعود، يطلب منه أن يأمر ابن جابر بالتوقف عن عمليات القرصنة، فردّ عليه برسالة مفادها أن ما يقوم به ابن جابر هو جهاد، وليس قرصنة، ضد المسلمين الذين خرجوا عن الدين ويدعو بريطانيا إلى عدم تدخّلها في عملياته التي يقوم بها. على الرغم من وجهة النظر النجدية في ابن جابر، فإن المؤرخين لم يشيروا إليها أو يناقشوها، إنما جرت دراسة علاقته بالوهابيين تحت إطار القرصنة، وأغفلوا نقاش ما ورد في المصادر النجدية غالبًا، بسبب

قبولهم سردية "القرصنة" إطارًا نظريًا للكتابة التاريخية. وتُعطينا المصادر النجدية إشارات مهمة إلى

أنه لم يكن قرصانًا، بل شيخًا بحريًا استعان به الوهابيون لتعويض ضعفهم في البحر، وليعوّض هو

كذلك نقص عدد أفراده. فكما ذكرنا سابقًا، بلغ ابن جابر ذروة قوّته وسطوته البحرية مع هذا التحالف

في عام 1809؛ فهو لم يكن تابعًا للوهابيين، كما توحي لنا المصادر النجدية، وما يدل على ذلك هو عدم استطاعة آل سعود أن يجبروه على أن يكون ضمن اتفاقهم مع آل خليفة في عام 1816، فقد طلب منه الإمام سعود بن عبد العزيز آل سعود أن يوافق على الاتفاقية، لكنه رفض ذلك وفضّ التحالف مع الوهابيين. تكرر الأمر كذلك، حينما عقد آل خليفة اتفاقية سلام في عام 1816 مع إمام مسقط، سعيد بن سلطان البوسعيدي – وكان وقتها متحالفًا مع ابن جابر – وضعوا بندًا يقضي بأن يدخل ابن جابر في شروط اتفاقية السلام مع إمام مسقط، وأن يكون الإمام مسؤول عن أي أعمال عدائية قد يرتكبها ضد آل خليفة، لكنه رفض ذلك وأشار إلى طرح الأمر على ابن جابر نفسه وله حرية الاختيار، إن أراد أن ينضم إلى هذه الاتفاقية أو لم ي رِنُد، وأن يتوسّط المقيم البريطاني بين ابجابر وآل خليفة لحل أي إشكاليات قد تعرقل

الاتفاق. هذا يؤكد أن ابن جابر تمتع باستقلال نسبي وهامش كبير في حرية تبديل التحالفات، وأنه ليس تابعًا لمن يعقد معهم التحالفات، وقد مكّنه "عرشه على الماء" من التملّص من الاتفاقيات أو تغييرها؛ إذ لا يستطيع أي حليف يتملّص ابن جابر من حلفه معه أن يعاقبه مهما كانت قوّته، لأن كيانه

ليس مرتبطًا باليابسة إنما بالبحر؛ وهو ما منحه هامشًا للمراوغة بين القوى الإقليمية والدولية. يؤيد أحد المؤرخين البريطانيين المعاصرين هذه المشيخة البحرية التي يخالف بها وجهة نظر المؤرخين البريطانيين السابقين، فيقول: "كان رحمة حاكمًا إقليميًا بسيطًا أكثر من كونه قرصانًا. وقد امتنع دائمًا عن

ارتكاب الجرائم ضد الحكومة البريطانية والرعايا البريطانيين". ويضيف: "القرصنة، مثل الجمال، غالبًا

(((8 عبد العزيز عبد  الغني، بريطانيا وإمارات الساحل: دراسة في العلاقات التعاهدية (بيروت: عدنان للطباعة والنشر، 2017)، ص.160

(88)  R/15/1/16, 9/6/1815, pp. 92–96. (89)  R/15/1/21, 1816, pp. 43–45.

ما تكمن في عيون الناظر (مشيرًا إلى أنها مسألة رأي)، إّل أنها في حالة ابن جابر لم تكن القرصنة هي

المحرك، بل كانت الحرب التي نشأت من البذرة الأكثر مرارة، وهي الصراع بين القبائل لأجل الموارد، لكن تحت غطاء سياسي". يقدم جون ماندافيل تصّونّ رًا يتجاوز التصنيف التبسيطي لابجابر، واعتباره مجرد

قرصان. يتماشى هذا التوصيف مع مفهوم المشيخة البحرية الذي نطرحه، حيث  يُنظر إلى ابنجابر قائدًا

سياسيًا له نفوذ إقليمي، ويشير إلى أنه كان يدرك أهمية الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع القوى الكبرى؛

وهو سلوك يتوافق مع دور حاكم مشيخة بحرية، أكثر منه مع تصرفات قرصان تقليدي. ويلفت إلى وجهة النظر البريطانية التي ترى الأمور بغير واقعيتها، ثم تصنف النشاطات البحرية قرصنةً.

ثالثًا: شبكة رحمة بن  جابر البحرية

تنقّل ابن جابر بين ثلاثة مراكز طوال حياته، حيث بدأ في خور حسان، ثم انتقل إلى الدمام في عام 1811، وأنشأ فيها قلعته، ثم انتقل إلى بوشهر إبان اختلافه مع آل سعود بسبب عقدهم اتفاقًا مع آل خليفة في عام 1816. وفي السنوات التالية، بقي مرتحل بين الدمام وبوشهر، بحسب ما تقتضيه المصلحة؛ ما يدلّ على تنوّع التحالفات بين الضفتين.

1. رحمة بن جابر في الساحل القطري

اتّخذ ابن جابر من خور حسان أول قاعدة له، وهي قرية على الساحل الغربي لقطر، يشار إليها باسم الخوير. ولا نعتقد أنه اتخذ هذا المكان صدفة، بل لأسباب عديدة، أولها أن ساحل شبه جزيرة قطر بقي منطقة مجهولة لدى الإنكليز، حيث لم يقوموا بعملية المسح البحري لها إّل في مطلع الربع الثاني من القرن التاسع عشر. لذلك كان هذا المكان المجهول مناسبًا لتعزيز نفوذه في الحيّز المائي في

الخليج. ومن زاوية أخرى، كانت تلك القاعدة محصّنة ضد أي غزو خارجي، حيث تطالعنا وثيقة

بريطانية تذكر أنه، في عام 1810، مرّت السفينة الإنكليزية "فيتال رويال" V. Royal على ساحل خور

حسان من أجل تفحّصه، وبعدها أرسلوا إلى حكومة بومباي يخبرونهم "أن موقع رحمة ومناعته الطبيعية

تجعل أي هجوم عليه في منتهى الصعوبة". ارتبط   ابن جابر بالساحل القطري طوال حياته، كما وصفته القبائل القطرية بالفارس  البحري والأمير على خور حسان الذي امتد نفوذه إلى الزبارة. وحين بلغ ذروته، امتد نفوذه إلى البحرين وساحل الأحساء مرتين: الأولى حينما تحالف مع العُمانيين للسيطرة على البحرين في عام 1801،

والثانية حينما تحالف مع الوهابيين في عام 1809. وقد انتهى نفوذه على البحرين حينما خسر أمام

(90)  Jon Mandaville, "Rahmah of the Gulf," Saudi Aramco World , May–June 1975, p. 12.

(((9 البسام، ص.65–58 (((9 لوريمر، ص.862

(93)  R/15/1/12, 15/1/1811, pp. 19–20.

(((9 أبو حاكمة، ص.151 (((9 حسن بن محمد آل  ثاني، ص.135 (((9 محمد بن  أحمد آل  ثاني، لمحات من تاريخ قطر ([د. م.]: [د. ن].، 2006)، ص.103

آل خليفة في معركة خكيكرة في عام.1811 بقي ابن جابر في خور حسان، من بروز اسمه في الوثائق البريطانية في الفترة 1815–1782، ثم انتقل إلى الدمام حيث كان قد بنى في عام 1809 قلعة إبان النفوذ الوهابي. وهو ما يدل على أنه كان يرتاد الدمام ويتّخذها محطة، ولعلّه خطّط مسبقًا لبناء هذه المحطة كي تكون منزله الثاني بعد خور حسان

في حال تغيّرت موازين القوى على ضفاف الخليج. ولا نجد سببًا لانتقاله من خور حسان إلى الدمام،

ولكن يرجع بعضهم ذلك إلى الظروف المستجدة في الخليج، من دون توضيح لها. لكن ما نستنتجه من الأحداث هو أن ابن جابر انتقل إلى الدمام، لكونها أكثر قربًا من جزيرة البحرين،

وليُضيّق الخناق على حكّامها أكثر، خصوصًا بعد هزيمته أمامهم في معركتي خكيكرة ومعركة المقطع

)1815(، أي انتقل بعد هزيمته الثانية. كان انتقاله جزئيًا، وليس كامل، حيث مكثت بقية أسر قبيلة

الجلاهمة في خور حسان، وانتقل هو برجاله ومقاتليه فحسب إلى الدمام. وما يدل على انتقاله الجزئي هو تنصّله من الحلف مع الوهابيين في عام 1816، الذين حاولوا القبض عليه، فذهب من الدمام إلى

خور حسان ليحمل معه الأسر وينتقلوا إلى بوشهر هربًا من الوهابيين الذين هدموا قلعته في الدمام.

ولعل المؤرخين لم يركّزوا على هذه التفاصيل بسبب تعاملهم معه على أنه قرصان، وكأنه لا عشيرة له أو قبيلة أو جماعة ينتمي إليهم أو يحكمهم. هذا النمط من التحرك، إلى جانب استخدامه مواقع متعددة مثل بوشهر، يعكس طبيعة المشيخة البحرية نظامًا سياسيًا يتجاوز الحدود التقليدية. ويوضح تنصّله من

التحالف مع الوهابيين تعقيد العلاقات السياسية في المنطقة. وتؤكد الإشارة إلى وجود عشيرة وقبيلة تابعة له أنه كان زعيمًا لكيان سياسي واجتماعي حقيقي، وليس مجرد قرصان.

2. رحمة على الساحل الفارسي (ميناء بوشهر)

اتّخذ ابن جابر ميناء بوشهر محطة ترانزيت يستريح فيها من تكالب الأعداء وجور الحلفاء، وكذلك مكانًا لتوثيق أواصر العلاقات مع البريطانيين؛ فمقرّ المقيم السياسي في الخليج يوجد في بوشهر.

وأول علاقة لابن جابر بسكان بوشهر، وكذلك بالإنكليز، كانت في عام 1808. تثبت الوثائق البريطانية أن علاقته بالإنكليز كانت علاقة "صداقة"، حيث توضح رسالة المقيم البريطاني في بوشهر إليه، في عام 1808، أن الإنكليز يتصرّفون من منطلق العدالة والمساواة بين الجميع. يقول

المقيم سميث: "وفي ما يتعلق بالخلاف الذي ذكرت أنه نشأ بينكم وبين سكان بوشهر وعزمكم على مصادرة أملاكهم وسفنهم بكل ما لديكم من قوة، فليس لدي ما أفعله بالنسبة إلى منازعاتكم، كما أن هذا لن يكون سببًا لإثارة غضبي، ما دمتم لا تزعجون الأسطول الإنكليزي، أو تعتدون على الممتلكات

الإنكليزية أو أتباع الحكومة الإنكليزية. ولتتأكدوا من أنني لن أزعجكم، فلا شيء بيننا وبينكم سوى الصداقة، ولم أرَ حتى الآن شيئًا يناقض هذا، وكما أنكم لم تجدوا مني غير ذلك، فمن ثمّ لن أفعل شيئًا

(((9 حسن بن محمد آل  ثاني، ص.135 (((9 النبهاني، ص.100

(99)  R/15/1/10, 22/4/1808, pp. 212–213.

ضدّكم ما دام سلوككم يتصف بالمودّة تجاه الإنكليز، ولم تتعرض لأملاكهم، وعلى ذلك فتلك هي الاتفاقية في ما بيننا". تقدم هذه الرسالة دلالة على الطبيعة المعقدة للعلاقات السياسية في الخليج خلال تلك الفترة، حيث تظهر كيف تعاملت بريطانيا مع القوى المحلية، مثل ابن جابر، معترفة بنفوذه، لكن في الوقت نفسه موضحة حدود هذا النفوذ في ما يتعلق بالمصالح البريطانية. لا ترصد لنا الوثائق البريطانية أي أعمال عدائية قام بها ابن جابر ضد سكان بوشهر، وفي عام 1816، بعد هروبه من بطش آل سعود، انتقل إلى بوشهر مع عشيرته التي قدّرها المقيم البريطاني بنحو خمسمئة

أسرة، وقد استقبلهم شيخ بوشهر وأعطاهم حًّيًا في المدينة، يقطنون فيه، وقد اشترط على ابنُ جابر أن

يصادقوا من صادق ويعادوا من عادى. لكن وصف الرحّالة جيمس بكنغهام يختلف عن وصف

المقيم السياسي، حيث يصف أسطول ابن جابر بأنه مكوّن من خمس إلى ست سفن كبيرة الحجم،

ويصل طاقمه إلى ثلاثمئة رجل، وأن لديه أتباعًا يصلون إلى ألفي رجل، يعملون في النهب والسلب، وغالبيتهم عبيد من أفريقيا. على الرغم من أن المقيم والرحّالة رأيا المشهد نفسه، فإن وصفهما كان مختلفًا، ولعل ذلك يعود إلى أن

الرحالة يدوّن ويبالغ في ما يرويه من أجل أن يلاقي كتابه الرواج، خصوصًا إذا كتب عن الشرق بطريقة

غرائبية. ولن يكون هناك أجمل من أن يصف ابن جابر تحت إطار القرصان الذي جنّد العبيد لخدمته، لكن إذا أخذنا هذا الوصف في إطار المشيخة البحرية، فقد تختلف النظرة. وقد غادر ابن جابر بوشهر في عام 1818، بعد تحالفه مع القوات المصرية، لكنه ترك العائلات فيها حتى عام 1822، بعد أن استقر في الدمام، فذهب إلى بوشهر لنقلهم. ولأن بوشهر أبعد ميناء عن البحرين من الموانئ السابقة التي استقر فيها ابن جابر، فإننا لا نجده يلبث فيها كثيرًا، وكذلك لأن حاكم

بوشهر اشترط عليه الامتثال لتحالفاته وعداواته، وهو ما يُقيّد حريته ونفوذه، لذا فلم تكن بوشهر إّل

محطة مؤقتة اتّخذها للهروب أو التنصّل من التحالفات والاستعداد لمرحلة أخرى.

3. رحمة بن جابر في ساحل الأحساء

انتقل ابن جابر إلى الدمام في عام 1815، وبقي فيها إلى حين وفاته في عام 1826، لكنه في فترات متقطعة، اضطر إلى أن ينتقل إلى بوشهر في الساحل الفارسي، هروبًا من بطش آل سعود به. فبعد

عام من استقراره في الدمام، وقّع الوهابيون اتفاقية مع آل خليفة، ما جعله يتنصّل من حلفه مع آل سعود.

(100)  Ibid.

(((10 جيمس سيلك بكنغهام Buckingham Silk James (1855–1786)، رحالة وكاتب بريطاني، قام برحلات واسعة في الشرق

الأوسط ومنطقة الخليج العربي في أوائل القرن التاسع عشر. اشتهر بكتاباته التفصيلية عن المنطقة، خاصة كتابه رحلات بين القبائل

العربية (1825). تتميز ملاحظاته بتقديم وجهة نظر مختلفة عن التقارير الرسمية البريطانية، ما يجعلها مصدرًا قّي مًا للمعلومات عن

الحياة الاجتماعية والسياسية في الخليج، بما في ذلك شخصيات مثل رحمة بن جابر. ((10(الخليفة، ص.260

تشير إلى ذلك مذكرة من شركة هونبل Honble، مرسلة إلى حكومة بومباي في عام 1816، وتفيد أن آل خليفة قد وقّعوا اتفاقية سلام مع الوهابيين، لكن ابن جابر لم يرِطُد ذلك فتحالف مع إمام مسق؛

فأغضب ذلك آل سعود ودمّروا قلعته في الدمام وصادروا أمواله وأموال أتباعه، فغادر الدمام متّجهًا إلى

خور حسان لينتقل هو وأتباعه إلى بوشهر. حين بدأت الدولة السعودية بالتقهقر على يد إبراهيم باشا في عام 1818، ومنذ بدء وصول طلائع القوات المصرية إلى منطقة الأحساء، تحالف ابن جابر معهم؛ وقد يكون ذلك انتقامًا من الوهابيين، وليتمكّن

من العودة إلى الدمام، حيث قصف ميناء القطيف وأجبر أهاليها على الاستسلام للقوات المصرية. اعتُبر ابن ةَ البحريةَ للجيش المصريّجابر في وقتها القّو، كما شنّ هجومًا ناجحًا على سفن تجارية تابعة

للقواسم حلفاء الوهابيين، واستولى على اثنتي عشرة سفينة محملة بالأرز والتمور. اعتبر لوريمر، ومن نقل عنه، هذه العملية عمليةَ قرصنة، لكنها لم تكن كذلك، بل كانت ضمن حملة عسكرية واسعة مكوّنة من تحالف إقليمي، يضم العثمانيين والإنكليز والفرس والعُمانيين، الذين يجمعهم هدفٌ

واحدٌ وهو القضاء على الدولة السعودية الأولى وأبرز حلفائها في الخليج، المتمثل في القواسم. لذلك بعد عام من قضاء إبراهيم باشا على الدولة السعودية الأولى، شن الإنكليز حملتهم العسكرية الرابعة ضد القواسم. وكما استفاد الوهابيون من تحالفهم مع ابن جابر كونهم لا خبرة لهم في البحر، استفادت القوات المصرية منه أيضًا، حيث استطاع إبراهيم باشا بسط نفوذه على الساحل الغربي في الخليج. وقد استطاع ابن جابر، مع القوات المصرية، إخضاع الدمام والقطيف والعقير، وبعد ذلك سمح له إبراهيم باشا بأن يُعيد بناء قلعته في الدمام، فأعاد بناءها ونصب عددًا من مدافعه عليها. واستطاع

أن  يُخضع الساحل الممتد من منطقة الأحساء إلى مايجاور الكويت، وبدأ يُحفّز إبراهيم باشا على

غزو البحرين. ويمكن تفسير تحوّل ابن جابر عن حلفه مع الوهابيين بنهجه السياسي البراغماتي؛

فقد استغل الفرصة المُتاحة بعد تراجع قوة السعوديين، وشارك في التحالف الذي يضم العثمانيين

والمصريين. ولم يكن هذا التحوّل تحّولاّاا أيديولوجيًا، بل خطوة انتقامية ضد الوهابيين الذين دمّروا

قلعته في الدمام وصادروا ممتلكاته، ولاستعادة نفوذه هناك أيضًا.

(((10 البسام، ص.63 (((10 أبو حاكمة، ص.57 ((10(أن بي كمبال، تاريخ القطيف السياسي في مذكرات المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، تحقيق جلال الأنصاري (بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2020)، ص.31 ((10(ماجد شبر، القبائل والصراعات السياسية والقبلية: الإمارات، قطر، البحرين، المنطقة الشرقية في تقارير الضباط والمعتمدين

البريطانيين (بيروت: إصدارات بيت الورّاق، 2010)، ص.467 (((10 لوريمر، ص.1203 (((10 قاسم، ص.179 (((10 شبر، ص.468 (((11 كمبال، ص.31

يوضح ابن جابر أن هجماته البحرية في فترة تحالفه مع القوات المصرية كانت بأوامر من إبراهيم باشا، ودلّت على ذلك رسالته إلى داوود باشا (ت. 1850) والي بغداد، يُفيد فيها أن إبراهيم باشا وضع على

يُنفّذها بحسب استطاعته عاتقه بعض المهمات وأنه. ومن غير الواضح سبب إرسال ابن جابر هذه

الرسالة إلى والي بغداد، وقد يكون مردّ ذلك خوف الوالي من القوات المصرية، خصوصًا بعدما توسّعت

على الساحل الغربي للخليج، فربما ظنّوا أنهم يريدون أن يتمددوا في اتجاه العراق. ولعل ابن جابر أراد أن يوضح للوالي أن أعماله البحرية ليست من تلقاء نفسه، أي إنها ضمن مخططات إبراهيم باشا، وذلك كي لا يكسب عداوة الدولة العثمانية، ويؤثر ذلك في نفوذه البحري في حوض الخليج. انسحبت القوات المصرية إلى نجد، وسلّمت الأحساء لحكم آل عريعر، وبقي ابن جابر حاكام

على الدمام. وفي عام 1820، عرضت بريطانيا عليه توقيع معاهدة السلم البحري، لكنه رفض ذلك. وربما لو وافق على الانضمام إلى هذه المعاهدة، لرسّخت بريطانيا كيانه مثلما رسّخت كيانات الشيوخ

الآخرين على الساحل الغربي عبر هذه المعاهدة وما تلاها من اتفاقيات. فقد منحت بريطانيا الحماية لهذه الكيانات على الرقعة الجغرافية التي تمتد على طولها؛ ما أدى إلى إيقاف دورة المشيخة وتثبيت الأُسر الحاكمة في مكانها إلى يومنا هذا. وقد تغاضت بريطانيا عن رفضه؛ ذلك لأنه لم يكن على رأس قبيلة تملك رقعة جغرافية مرتبطة باليابسة ومحددة، كما أنه لم يكن يعادي الإنكليز أو يعتدي على سفنهم، بل على العكس كانت علاقته بهم ودّية. لذا تذرّع بأنه يعمل تحت حاكم شيراز؛ أي تحت

حماية الدولة الفارسية. وربما يعود رفضه التوقيع إلى أن المعاهدة ستُقيّد نفوذه في البحر، وستمنعه من

السيطرة على جزيرة البحرين. لذلك فضّل أن يبقى خارجها. كما ذُكر سابقًا، نقل ابن جابر أسرته وُأ  سَر عشيرته من خور حسان إلى بوشهر، في عام 1816. وفي

عام 1822، ذهب إلى بوشهر وعاد بهم من هناك إلى الدمام، بعد أن أضحت مستقره. وفي العام نفسه، هاجم مراكب تتبع آل خليفة؛ حيث نجد ذكرًا لهذا في كتابات بعض الباحثين، وتصوير هذا الهجوم

على أنه عملية قرصنة، كون الشيخ عبد الله آل خليفة (حكم البحرين في الفترة 1843–1795)، قد رفع شكوى إلى حكومة بومباي. وقد أوعز حاكم بومباي إلى المقيم السياسي بتسوية الخلاف بين ابن جابر وعبد الله آل خليفة، فاستدعى المقيم كل منهما على انفراد، للتشاور معهما للوصول إلى تسوية تضمن أمن الملاحة في الخليج. وفي خضمّ هذه المباحثات، نجد أن الشيخ عبد الله وأخاه

سلمان يقولان إن سوء تفاهم حدث مع ابن جابر بسبب استئجارهما مراكب منه، والخلاف بينهما على عدد هذه المراكب المستأجرة. يُبيّن هذا الخلاف كيف كانت العلاقات الاقتصادية والتجارية متشابكة

(((11 المرجع نفسه. (((11 أسرة حاكمة من بني خالد، حكمت الأحساء (شرق شبه الجزيرة العربية) فترات متقطعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كانوا قوة إقليمية مهمة، قبل توسّع الدولة السعودية الأولى، واستعادوا الحكم فترة قصيرة بعد انسحاب القوات المصرية في

أوائل القرن التاسع عشر. دخلوا في صراعات مع الدولة السعودية وتعاونوا أحيانًا مع القوى العثمانية والبريطانية. أدّوا دورًا محوريًا

في السياسة الإقليمية خلال فترة التحّولّات الكبرى في المنطقة. للمزيد، ينظر:

Madawi Al–Rasheed, A History of Saudi Arabia (Cambridge: Cambridge University Press, 2010). (113)  R/15/1/25, 8/4/1822, pp. 37–39.

مع العلاقات السياسية؛ إذ يمكن أن يتحوّل نزاع تجاري بسيط إلى صراع أكبر بسبب الظروف المتوترة

والمنافسة على النفوذ والموارد. ما يهمنا هنا أول هو أن بين ابن جابر وآل خليفة علاقة عمل تجارية. ولا يمكن أن تنشأ هذه العلاقة، إاّل إذا كانت الأمور ودّية بينهما. ثانيًا، تدل هذه العلاقة على أنه كان يملك مراكب كثيرة ويعمل في

تأجيرها. ثالثًا، كون آل خليفة حكام البحرين ذوي الدخل المرتفع في الخليج يلجؤون إلى استئجار مراكب من ابن جابر ويختلفون معه على عددها؛ أي إن عددها كان كبيرًا، ويدل على أنه كان حاكمًا

بحريًا، يملك أساطيل من السفن والمراكب، وذلك يعود إلى إرثه البحري. ونعود إلى المباحثات

مع المقيم، فنجد أن ابن جابر طرح على المقيم أمرًا آخر يدور الخلاف عليه مع آل خليفة، وهو أنهم

كانوا يدفعون له مبالغ سنوية، في مقابل "حرية صيد اللؤلؤ"، وقد توقفوا عن دفعها منذ عامين. وهو ما يعني أن آل خليفة تعاملوا معه باعتباره نّد ا لهم، وقد كانوا يدفعون له مبالغ لأجل صيد اللؤلؤ؛ ما يدل على أن له كيانًا سياسيًا على البحر، وله شرعيته على مغاصات اللؤلؤ، ويسمح لمن يدفع له

بحرية الصيد. كانت نهاية ابن جابر بداية لتوسع آل خليفة وبسط نفوذهم على الساحل الغربي للخليج، حيث تحرروا من الطوق المنيع الذي فرضه هو عليهم، فقد اتّجهوا إلى الدمام ودمّروا قلعته. وتعتبر هذه أول مرة

يخرج فيها آل خليفة من نطاق جزيرة البحرين؛ فطوال تاريخهم كانوا في دفاع دائم، ولم ينتقلوا إلى مرحلة الهجوم وفرض الوجود العسكري خارج جزيرتهم إّل بعد مقتله. فهم لم يقضوا على قرصان، بل قضوا على حاكم يملك كيانًا يحكمه من البحر وليس من اليابسة. وبقيت قوّات آل خليفة في الدمام

حتى عام 1830، بعد وصول قوات الدولة السعودية الثانية إلى أبوابها. يقودنا كل ما سبق إلى أنه كان لابن جابر مشيخةٌ بحريةٌ تشابه المشيخة على اليابسة. فقد تحالف مع الوهابيين، ومن بعدهم مع المصريين، وحاول الاستفادة من هذه القوى، مثلما استفادت هي منه. فمثلما كانت هذه القوى تتحالف مع القبائل التي تحكم في الصحراء، مثل تحالف آل عريعر من بني خالد مع القوات المصرية، وكذلك قبائل القواسم مع الوهابيين، كان ابن جابر مثلهم، لكنه لم يكن يحكم في اليابسة بل من البحر؛ ما جعل نمط تحالفاته ونظامه السياسي مختلفًا عنهم. في الوقت الذي كانت القوى الكبرى، مثل الوهابيين والمصريين، تبحث عن حلفاء بين القبائل البرية لتعزيز سيطرتها على الصحراء والمناطق الداخلية، كان ابن جابر يستخدم التحالفات مع هذه القوى لتعزيز سيطرته على طرق التجارة البحرية وحماية مناطقه من الهجمات أو الضغوط الخارجية.

(((11 يأتي الإرث البحري لقبيلة الجلاهمة التي ينتمي إليها ابن جابر من صناعة السفن والمراكب والقوة البحرية، وكذلك العمل في النقل البحري والغوص لصيد اللؤلؤ طوال قرنين من الزمان، وتمثّلت في سطوة ابن جابر البحرية.

(115)  R/15/1/28, 19/10/1822, pp. 227–240.

(((11 قامت في عام 1824 بقيادة تركي بن عبد الله آل سعود، واستمرت حتى عام 1891. بدأت باستعادة السيطرة على الرياض، وانتهت بسقوطها في يد آل رشيد. (((11 قاسم، ص.51

إضافة إلى ذلك، استند نظام ابن جابر السياسي إلى قدرته على التحكّم في طرق التجارة البحرية، وعلى فرض الإتاوات وتحصيل الضرائب من السفن العابرة. هذا النمط الفريد من الحكم، الذي يعتمد على البحر، بدل من الأرض، جعل نظامه أكثر مرونة في التعامل مع التغيرات السياسية في المنطقة، وأتاح له التنقل بين التحالفات المتغيرة بسرعة؛ ما أضاف بعدًا جديدًا إلى المشهد السياسي في الخليج خلال تلك الحقبة.

رابعًا: تأثير البحر في مشيخة رحمة بن جابر

1. مكانة متعاظمة ومكاسب متزايدة

مكّن تنقل ابن جابر على ضفاف حوض الخليج، وتشكيله شبكته البحرية، من أن يكوّن له مكانة

اقتصادية – سياسية واجتماعية. وهو ما يفسر سهولة عقده تحالفات عديدة، ابتداءً مع إمام مسقط،

مرورًا بالقواسم والوهابيين وبني خالد، وانتهاءً مع الدولة الفارسية. ثمّ إنه لم يغفل عن تعريف نفسه

للإنكليز حين طلب زيارة الحكومة البريطانية في بومباي، كي يأمن من قوّتهم، وكذلك كي يعتبروه

حليفًا لا عدًّوًا؛ إذ طلب من المقيم البريطاني في عام 1814 السماح له بزيارة الحكومة البريطانية في بومباي ولقاء رئيس الحكومة، وقد رحّبت حكومة بومباي بذلك، ولأجل مبادرته بالزيارة، منحه المقيم

في بوشهر هدايا قيّمة،  تُعادل ماقيمته 250 روبية. يدل هذا على أن ابن جابر كان معروفًا لدى

الآخرين ومحل ثقة، لإدراكهم قوّته البحرية، وهو ما انعكس على تحالفاته وعلاقاته المتباينة التي بناها

وشكّلت البديل من الكيان البحري الذي لا يملك حدودًا برّية مع الآخرين. نتج من هذه المكانة التي كوّنها ابن جابر العديد من المكتسبات، منها: التمتّع بحرّية الإبحار في

حوض الخليج، وتعامل الجميع معه بثقة. وقد استفاد من ذلك في حادثة استيلائه على المركب التجاري التابع لشركة الهند الشرقية المحمّل بالخيول، فحينما علم بأنه يتبع الإنكليز، استعان بمراكب

شيخ أحد الجزر القريبة من الحادثة، كي ينقل الخيول إلى بومباي. وأتاحت له هذه الشبكة التزوّد

بالموارد البشرية والحيوية من مختلف الموانئ في حوض الخليج. فالمورد  الأول ينافي ما أشيع عنه من أن شراء العبيد وتجنيدهم هو مورده الوحيد. أما المورد الثاني، فقد استطاع عبره البقاء بعيدًا عن اليابسة فترات طويلة، وخصوصًا حينما د مّرت مراكزه، مثل الدمام أو خور حسان. ومن هذه المكتسبات

أنه أصبح طرفًا تحاول القوى السياسية كسب ودّه والتحالف معه، وأن تدخل تحت حمايته القبائل، مثل قبيلة آل بوسميط. وقد تُفسّر لنا هذه الشبكة قدرته على بناء أسطول بحري بعد أن تحطّم أسطوله

السابق في عاصفة بحرية في عام 1818. وأتاحت له هذه المكانة أيضًا سهولة التنقل بين الموانئ وعقد التحالفات وتلقي الدعم والتملص من الاتفاقيات، مثلما تملّص حين طلب منه المقيم البريطاني توقيع معاهدة السلم البحري. ولعلّه استمدّ ديمومة قوّته البحرية من مكتسبات شبكته المعرفية؛ لذا بقي القوّة

البحرية التي  يُخشى من سطوتها في حوض الخليج مايقارب ربع القرن.

(118)  R/15/1, 14/8/1814, pp. 177–179.

إن هذه المكانة الاجتماعية التي كوّنها ابن جابر، وكذلك شبكة مراكزه البحرية على ضفاف الخليج،

حاول تسخيرها لأجل السيطرة على جزيرة البحرين. وفي هذا السياق، يلاحظ أنه اختار شبكته في حوض الخليج بعناية؛ إذ يشكل كل من خور حسان في الساحل القطري، والدمام في ساحل الأحساء، وبوشهر في الساحل الفارسي، مثلثًا على جزيرة البحرين، وهو ما يدل على أنها كانت ضمن أهدافه الرئيسة، وأن اختياره هذه الأماكن يأتي بناءً على قربها من البحرين. وقد ورد أن إمام عُمان دعاه في

عام 1822 للإقامة في مسقط، أو في ناحية تحت حكمه، لكنه رفض هذا العرض. وقد يعود ذلك إلى ابتعاد مسقط عن جزيرة البحرين، وهذا يفسر عدم مكثه طويل في بوشهر، كونها أبعد النقاط في مثلثه عن جزيرة البحرين. فلماذا اهتم بهذه الجزيرة دون غيرها؟ نُرجّح أن السبب الرئيس هو اقتصادي وجغرافي؛ فطبيعة جزيرة البحرين تناسب "عرشه على الماء"

كونها جزيرة لا تربطها أي حدود برية، وتتميز بقربها من الموانئ الصغيرة على الساحل الغربي للخليج مثل ميناء العقير والزبارة والبدع والقطيف. ويذكر لوريمر أن تجارة البحرين السنوية قد بلغت نصف مليون روبية في عام 1790، وفي العام نفسه، بلغت صادرات البحرين من اللؤلؤ إلى البصرة 500 ألف روبية، أي نحو 50 ألف جنيه إسترليني. وبعد عشرة أعوام، قدّر القبطان جون مالكولم أن صادرات اللؤلؤ السنوية تصل إلى نحو مليون روبية. وقد وصل عدد السفن التي تعمل في صيد اللؤلؤ في جزيرة البحرين ما يقارب 2500 سفينة. ويأخذ حاكم البحرين ضرائب نظير الحماية التي يقدّمها لهذه المراكب، تصل إلى عشرة آلاف جنيه إسترليني في العام. ويذكر كيلي أن الحركة التجارية في البحرين بلغت 2459200 تالر ماريا تريزا Maria Theresa Thaler، حيث إن ثلث هذا المبلغ واردات، والبقية للصادرات. وكانت البضائع المستوردة: السكر والأرز والنحاس والخشب؛ والمصدّرة هي: التمر والسيوف والسمن العربي. كما كانت محطة ترانزيت، سواء للبضائع القادمة من الهند إلى الخليج أو للآتية من الخليج إلى الهند. لذا أضحت البحرين "لؤلؤة الخليج" بما تُدرّه تجارتها من أرباح، لذلك لا عجب في أن يطمع فيها العُمانيون أو آل سعود

أو الفرس، وكذلك ابن جابر. وبناءً على ذلك، يُعدّ الجانب الاقتصادي لجزيرة البحرين سببًا وجيهًا

يجعل ابن جابر يحوم حولها، ويبقى على تنافس دائم مع آل خليفة، سواء أكان أساس هذا التنافس مقتل والده، كما يزعم بعض المصادر، أم التنافس الاقتصادي على درّة الخليج آنذاك، جزيرة البحرين.

2. نهاية مقاتِلة

بلغ ابن جابر من العمر عتًّيًا، ما يقارب السبعين عامًا، عجوز ضرير، لكنه بقي ناشطًا، فاستمر في

((11(جون كيلي، بريطانيا والخليج 1870–1795، ترجمة محمد عبد الله (عُمان: وزارة التراث القومي والثقافة، [د.ت])، ص.52 (((12 لوريمر، ص.164 ((12(وليم بلجريف، وسط الجزيرة العربية وشرقها، ترجمة صبري حسن (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2001)، ص.248 ((12(ليونوفيتش،.106 ص (((12 المرجع نفسه.

حصاره الذي فرضه على ميناء القطيف، وقد بدأت مناوشات بينه وبين آل خليفة بسبب خروق في

المعاهدة التي برمت بينهما. وفي نهاية عامأُ 1826 فرض آل خليفة ورؤساء القطيف الحصار عليه في ميناء القطيف، وعندما رأى أن نهايته محتومة، بالأسر أو بالقتل، قاوم ذلك بضراوة، وهنا تتعدد الروايات لكن نهايتها واحدة وهي وفاته على سفينته كما تقول الروايات المحلية: "وبعد قتال شديد لاصقت سفينة الشيخ أحمد بن سلمان آل خليفة سفينة رحمة، فتجالد الفريقان بالسيوف، واشتد بينهما الضرب والطعان وتقارعا بأنواع الأسلحة الحديدية، وكان بجانب رحمة ابن له صغير وعبده المسمى (طرار) واقف على رأسه، فجعل يسألهم عن المصادمات وعمن قتل حتى وصل أعداؤه إلى الصاري، أي الدقل، ثم إلى الحاشية، ثم إلى النيم أي سطح مؤخر السفينة، وكان حينئذ جالسًا في خزانة السفينة،

فأخذ ابنه وجعله في حجره، ثم عمد إلى نار في رأس (النارجيلة) التي كان يشرب منها الدخان، فألقاها في ذخيرة البارود التي كانت تحته، فانفجرت السفينة بهم وقُتل هو وابنه ومن معهما متأسيًا بقول الزباء

'بيدي لا بيد عمرو'، وتُسمّى هذه الواقعة 'ذبحة رحمة الجلاهمة'، وذلك سنة 1242 ه". إذا ما نظرنا إلى نهاية ابن جابر في سياق مفهوم المشيخة البحرية، فسنجدها تقدم فهمًا عميقًا لشخصية

جدلية؛ وبدل من رؤيتها "نهاية مأساوية"، يمكننا النظر إليها على أنها نهاية ملحمية لمشيخة بحرية شكّلت نموذجًا مختلفًا لمشيخات اليابسة. فاختياره البحر خاتمةً لحياته، يمثل تأكيدًا نهائيًا للطبيعة

الشاملة لهويته البحرية. وتظهر أيضًا أن المشيخة البحرية لم تكن مجرد استراتيجية سياسية، بل كانت هوية متكاملة وطريقة حياة. تتحدّى هذه النظرة السرديات السائدة، وتدعو إلى فهم أعمق وأكثر تعقيدًا لدور ابن جابر في تشكيل التاريخ السياسي والاجتماعي للخليج. وتعكس عبارة "بيدي لا بيد عمرو" اتساقًا بين حياته وخاتمته، فهو التزام ضمني بمجال سلطته البحرية حتى الرمق الأخير. إضافة إلى ذلك، فإن هذه النهاية هي رمزية، تؤكد استقلاله السياسي النسبي الذي ميّز المشيخة البحرية، وجعله

يرفض الخضوع للقوى المحلية التقليدية أو للقوى الدولية.

خاتمة

خاضت الدراسة في مقارنة العلاقة بين البحر والصحراء، حيث يتّضح أن البحر لم يكن مجرد مجال

جغرافي ثانوي، بل كان محورًا رئيسًا في تشكيل القوى السياسية والاقتصادية في الخليج. وأظهرت

الدراسة أن وصف رحمة بن جابر بالقرصان ما انعكاس للمعايير التي اعتمدتها القوى هو إّل الاستعمارية في سردياتها، والتي تجاهلت السياقات المحلية، واعتبرت أي شكل للسلطة غير التقليدية تهديدًا غير مشروع. لذلك بيّنت الدراسة أن ما تم وصفه بالقرصنة في الخليج كان عبارة عن جزء من نظام سياسي واقتصادي

معقّد في المنطقة، بزغت منه المشيخة البحرية، وقد تمثّلت في ابن جابر وغيره، والأعمال التي قام بها كانت في الغالب من استراتيجيات البقاء والتنافس والنفوذ في بيئة دينامية متغيرة، وليست مجرد

((12(محمد النبهاني، التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية (بيروت: دار  إحياء العلوم، 1999)، ص.102 (((12 العبد  الله، ص.212

أعمال نهب كما صوّرتها سردية المستعمر الذي استخدم فزّاعة القرصنة أداةً سياسية لفرض السيطرة

على الممرات المائية في الخليج. ودعت الدراسة إلى إعادة النظر في كتابة تاريخ القوى المحلية في الخليج عبر أطر مختلفة عن السردية الاستعمارية أو الأساطير المحلية، تبني منهجية نقدية شاملة تأخذ بوجهات النظر المتعددة وتفكيك السياق المعقد. فالتركيز على دور البحر المحوري، في تشكّل الكيانات السياسية والموارد الاقتصادية، مَ لنا منظورًا جديدًا لفهم سيرة ابنقّد جابر وتفسير قدرته على بناء قوة بحرية مكّنته من تأدية دور مؤثر

في المنطقة، وتبيان سهولة البراغماتية السياسية التي اتّبعها في عقد التحالفات والفهم الدقيق لتوازنات القوى الإقليمية. يفتح هذا التحليل المجال أمام نهج نقدي جديد، يعيد قراءة تاريخ المنطقة بعيدًا عن السرديات السائدة، ويعيد الاعتبار لدور الفضاء البحري في تشكيل الديناميات السياسية والاقتصادية.

المراجع

References

العربية

ابن بشر، عثمان بن عبد  الله. عنوان تاريخ نجد. الرياض: دارة الملك عبد  العزيز، 1403 ه/.1982 م أبو  حاكمة، أحمد مصطفى. تاريخ شرقي الجزيرة العربية. ترجمة محمد أمين. بيروت: دار  مكتبة الحياة، [د. ت.]. أبو  شهاب، حمد خليفة. تراثنا من الشعر الشعبي. أبوظبي: مؤسسة الاتحاد للصحافة والنشر،.1980 البسام، حياة. أعمال رحمة بن جابر البحرية في الخليج العربي بين القرصنة والانتقام. الرياض: دار الشبل،.1993 آل محمود، عبد  العزيز. القرصان. الدوحة: بلومزبري،.2011 بلجريف، وليم. وسط الجزيرة العربية وشرقها. ترجمة صبري حسن. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،

بن  أحمد آل  ثاني، محمد. لمحات من تاريخ قطر. [د. م.]: [د. ن].،.2006 بن محمد آل  ثاني، حسن. "استراتيجية موقع قطر ودوره في صراع القوى الخليجية في عشرينيات القرن التاسع عشر". رواق التاريخ والتراث. العدد  10 (حزيران/ يونيو.)2020 تارلنج، آن. القرصنة والسياسة في منطقة الملايو. ملبورن: [د. ن].،.1963 تومانوفيتش، نتاليا نيكولايفنا. الدول الأوروبية في الخليج العربي من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. ترجمة سمير نجم الدين سطاس. دبي: مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث،.2006 توماس، هوفس. مختارات من وثائق بومباي سلسلة جديدة رقم  (24) عام 1856 م. ترجمة عبد  العزيز عبد الغني. الدوحة: مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية،.2017

الخليفة، مي محمد. محمّد بن  خليفة 1890–1813 م: الأسطورة والتاريخ الموازي. بيروت: دار  الجديد،

الرشيد، عبدالعزيز. تاريخ الكويت. بيروت: منشورات دار مكتبة الحياة،.1978 حاتم، محمد. تاريخ عرب الهولة. الكويت: الأمين للنشر والتوزيع، [د. ت.]. رياض، محمد. الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا. القاهرة: مؤسسة هنداوي،.2014 شبر، ماجد. القبائل والصراعات السياسية والقبلية: الإمارات، قطر، البحرين، المنطقة الشرقية في تقارير الضباط والمعتمدين البريطانيين. بيروت: إصدارات بيت الوراق،.2010 طهبوب، فائق. تاريخ البحرين السياسي. الكويت: منشورات ذات السلاسل،.1983 عبد الغني، عبد  العزيز. بريطانيا وإمارات الساحل: دراسة في العلاقات التعاهدية. بيروت: عدنان للطباعة والنشر،.2017 م العبد الله، يوسف. "رحمة بن  جابر الجلاهمة وعلاقاته بالقوى السياسية في الخليج العربي". مجلة وقائع تاريخية، كلية الآداب  – جامعة القاهرة. مج 52، العدد 9 (كانون الثاني/ يناير.)2008 الفرج، خالد. الخبر والعيان في تاريخ نجد. تحقيق عبد  الله الشقير. الرياض: مكتبة العبيكان،.2000 فوكوياما، فرانسيس. أصول النظام السياسي. ج  1: من عصور ما  قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية. ترجمة مجاب الإمام ومعين الإمام. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2016 قاسم، جمال زكريا. "رحمة بن  جابر الجلاهمة". حوليات كلية الآداب (جامعة عين شمس). مج 9

القاسمي، سلطان. القواسم والعدوان البريطاني 1820–1797(م). الشارقة: منشورات القاسمي،.2012 القناعي، يوسف. صفحات من تاريخ الكويت. القاهرة: دار سعد مصر،.1946 كمبال، أن بي. تاريخ القطيف السياسي في مذكرات المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي. تحقيق جلال الأنصاري. بيروت: الدار العربية للموسوعات،.2020 كيلي، جون. بريطانيا والخليج 1870–1795. ترجمة محمد عبد  الله. عُمان: وزارة التراث القومي والثقافة، [د. ت.]. لوريمر، جوردن. دليل الخليج القسم التاريخي. الدوحة: مكتب صاحب سمو أمير دولة قطر، [د. ت.]. ليونوفيتش، ميخين. حلف القواسم وسياسة بريطانيا في الخليج العربي في القرن الثامن عشر والنصف  الأول من القرن التاسع عشر. ترجمة سمير نجم الدين سطاس. دبي: مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث،.2009

مراد، محمد. صراع القوى في المحيط الهندي والخليج العربي: جذوره التاريخية وأبعاده. دمشق: دار دمشق،.1984 النبهاني، محمد. التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربية. بيروت: دار  إحياء العلوم،.1999 النقيب، خلدون. المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية (من منظور مختلف). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989

الأجنبية

Al–Rasheed, Madawi. A History of Saudi Arabia. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Chaudhuri, Kirti. Trade and Civilisation in the Indian Ocean: An Economic History from the Rise of Islam to 1750. Cambridge: Cambridge University Press, 1985. Davies, Charles E. The Blood–Red Arab Flag: An Investigation into Qasimi Piracy, 1797–1820. Exeter: University of Exeter Press, 1997. Gaastra, Femme. The Dutch East India Company, 1602–1799. Horn: Walburg Pers,

Gilmour, Curzon David. Imperial Statesman. Farrar: Straus and Giroux, 2003. Gunpowder, John F. & Galleys Guilmartin. Changing Technology and Mediterranean Warfare at Sea in the 16 th Century. Cambridge: Cambridge University Press, 2003. Haudrère, Philippe. La compagnie française des Indes au XVIIIe siècle. Paris: Les Indes savantes, 2005. Keay, John. The Honourable Company: A History of the English East India Company. London: HarperCollins, 1991. Lawson, Philip.  The East India Company: A History. London: Routledge, 2014. Mahan, Alfred Thayer. The Influence of Sea Power Upon History , 1660–1783. Boston: Little, Brown and Company, 1890. Mandaville, Jon. "Rahmah of the Gulf." Saudi Aramco World (May/ June 1975). Newitt, Malyn. A History of Portuguese Overseas Expansion 1400–1668. London: Routledge, 2005. Nightingale, Pamela. Trade and Empire in Western India: 1784–1806. Cambridge: Cambridge University Press,1970. Onley, James. The Arabian Frontier of the British Raj: Merchants, Rulers, and the British in the Nineteenth–Century Gulf. Oxford: Oxford University Press, 2007. Orlando, Ermanno.  Le repubbliche marinare: Amalfi, Pisa, Genova e Venezia. Bologna: Il Mulino, 2021. Paine, Lincoln. The Sea and Civilization: A Maritime History of the World. New York: Knopf, 2013.

Steinberg, Philip E. & Kimberley Peters. "Wet Ontologies, Fluid Spaces: Giving Depth to Volume through Oceanic Thinking." Environment and Planning D: Society and Space. vol. 33, no. 2 (2015). Subrahmanyam, Sanjay. The Portuguese Empire in Asia, 1500–1700: A Political and Economic History. USA: John Wiley & Sons, 2012. Till, Geoffrey. Seapower: A Guide for the Twenty–First Century. 4 th ed. London: Routledge, 2018. Warren, James Francis. The Sulu Zone, 1768–1898: The Dynamics of External Trade, Slavery, and Ethnicity in the Transformation of a Southeast Asian Maritime State. Singapore: NUS Press, 2007. Wilkinson, John C. Arabia’s Frontiers: The Story of Britain’s Boundary Drawing in the Desert. London: I.B. Tauris, 1991. Winroth, Anders. The Age of the Vikings. Princeton: Princeton University Press, 2014.