العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المدن إطارًا للانتماء: بعض الملاحظات

المدن إطارًا للانتماء: بعض الملاحظات

Cities as Frameworks of Affiliation: Some Considerations

أولريكه فريتاغ| Ulrike Freitag *

الملخّص

تناقش الدراسة الطرائق المختلفة التي أسس الناس من خلالها روابط وجدانية مع المدن وما تقدمه المدن للناس، بهدف تأسيس تلك الروابط وكيفية تقديمه لهم. تنطلق من مدينة جدة القديمة، التي خلت الآن من سكانها الأصليين، بوصفها نقطة انطلاق، لتجادل بأنه على الرغم من العديد من التحولات، لا تزال الإشارة إلى المدينة القديمة أساسية بالنسبة إلى الهوية الحضًرية للكثير من المنتمين إليها في الأصل. في المقابل، تتمثل جاذبية كثير من مظاهر التطوير الحضًرية الجديدة في المعمار المبهر والوعود بنمط حياة مختلف وبمنافع بيئية مرتبطة بتخطيط حضًري جديد. وهنا، تقلد تلك المظاهر نموذج مدينة دبي أو تتجاوزه، بوصفه نمطًا معينًا من التطوير الرأسمالي الشديد الحداثة، يظهر نموذجًا للمدن في شبه الجزيرة العربية وخارجها.

Abstract

Abstract: This article discusses the different ways in which people have created affective links with cities, what cities offer for people to create affective links and how they are being presented to them. Taking the old city of Jeddah, now bare of its original inhabitants, as its starting point, the paper argues that in spite of many transformations, references to the old city are still crucial for the urban identity of many people hailing from Jeddah. In contrast, many New urban developments appeal instead by their spectacular architecture, promises of a new lifestyle, or indeed of environmental benefits associated with different urban planning. In this, they follow and surpass the model of Dubai as a particular type of hypermodern capitalist development which serves as a model for cities in and far beyond the Peninsula.

الكلمات المفتاحية:
  • التحضر
  • الإرث
  • الهوية
  • النزعة المستقبلية
  • المملكة العربية السعودية
  • حمّل المادة
Keywords:
  • Ulrike Freitag
  • Urbanism
  • Heritage
  • Identity
  • Futurism
  • Saudi Arabia
  • Download Article

ملخص: تناقش الدراسة الطرائق المختلفة التي أسس الناس من خلالها روابط وجدانية مع

المدن وما تقدمه المدن للناس، بهدف تأسيس تلك الروابط وكيفية تقديمه لهم. تنطلق من

مدينة جدة القديمة، التي خلت الآن من سكانها الأصليين، بوصفها نقطة انطلاق، لتجادل

بأنه على الرغم من العديد من التحولات، لا تزال الإشارة إلى المدينة القديمة أساسية

بالنسبة إلى الهوية الحضرية للكثير من المنتمين إليها في الأصل. في المقابل، تتمثل جاذبية

كثير من مظاهر التطوير الحضرية الجديدة في المعمار المبهر والوعود بنمط حياة مختلف

وبمنافع بيئية مرتبطة بتخطيط حضري جديد. وهنا، تقلد تلك المظاهر نموذج مدينة دبي أو

تتجاوزه، بوصفه نمطًا معينًا من التطوير الرأسمالي الشديد الحداثة، يظهر نموذجًا للمدن

في شبه الجزيرة العربية وخارجها.

Abstract: This article discusses the different ways in which people have created affective links with cities, what cities offer for people to create affective links and how they are being presented to them. Taking the old city of Jeddah, now bare of its original inhabitants, as its starting point, the paper argues that in spite of many transformations, references to the old city are still crucial for the urban identity of many people hailing from Jeddah. In contrast, many New urban developments appeal instead by their spectacular architecture, promises of a new lifestyle, or indeed of environmental benefits associated with different urban planning. In this, they follow and surpass the model of Dubai as a particular type of hypermodern capitalist development which serves as a model for cities in and far beyond the Peninsula.

Director of the Leibniz–Zentrum Moderner Orient in Berlin. Email: ufreitag@zedat.fu–berlin.de

مقدمة

تتناول هذه الدراسة موضوع المدن بوصفها إطارات للانتماء، مع إشارة خاصة إلى المملكة العربية السعودية. ففي إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تختلف السعودية عن دولة الإمارات العربية المتحدة، ودول الخليج الأصغر منها، في أنها تقدم أنماطًا جد متميزة من التطوير الحضري. وتختلف أيضًا عن سلطنة عمان التي تجنبت، حتى الآن، نمط المشاريع الحضرية الضخمة الجديدة المبهرة، التي أصبحت من سمات دول الخليج الأخرى. يجدر بنا التنبيه من البداية إلى أنه على الرغم من أن ملاحظاتنا عن الروابط التاريخية تستند إلى معرفة طويلة بمدينة جدة السعودية، فإن الملاحظات الخاصة بالمدن الأخرى، أو بالأحرى جاذبية المشاريع الحضرية ذات النزعة المستقبلية، تستند إلى المصادر العلمية (حين تتوافر)، فاضلًا عن الملاحظات التي جُمعت على مدى سنوات عديدة. ولهذا السبب، تهدف هذه الدراسة إلى أن تكون أساسًا

للتأمل والمناقشة. أزعم أننا نستطيع التمييز، على أقل تقدير، بين ثلاثة أنماط من المدن التي تمثل السعودية في الوقت الحالي: المدن القديمة (والبلدات الأصغر حجمًا)، والمدن النفطية التي تأسست في سياق تطوير

إنتاج البترول وتصديره والتطوير الناتج من ذلك في مجال الصناعات النفطية، والمدن ذات النزعة المستقبلية، التي تشهد الآن أولى مراحل التصميم والتطوير. وتعدّ مكة والمدينة وجدة والرياض نماذج واضحة للنمط الأول، ومعها بلدات أصغر حجمًا بدرجة ما، كالدرعية وعنيزة وحائل

والهفوف ونجران، وغيرها من مدن تكمل هذه الصورة. أما بالنسبة إلى المدن النفطية، فتعدّ الدمام والتجمعات المرتبطة بالنفط على ساحل الخليج، إلى جانب مدن الصناعات النفطية كالجبيل وينبع البحر (التي تطورت من ميناء صغير)، وكلتاهما تأسستا في عام 1975، نماذج واضحة، وذلك مع أن الصناعات البترولية والبتروكيميائية لها أثر كبير في عدد من المدن الأخرى. أما عن نمط المدن ذات النزعة المستقبلية، فتتبادر إلى الذهن مدينة نيوم NEOM ومشروعها "الخط" The Line، إضافة إلى المنتجعات البحرية ومنتجعات التزلج على الجليد والمدينة الصناعية العائمة، وذلك مع أن رؤية المملكة لعام 2030 تتضمن عددًا من المشروعات الحضرية الضخمة الأخرى، كالمُربّع الجديد

The New Murabba في الرياض الذي يتمركز حول برج المكعب. وأعتقد أن لهذه المدن

(1) "The Remarkable Transformation of the Dammam–Dhahran–Al–Khobar Triangle," The Embassy of the Kingdom of Saudi Arabia Washington D.C., accessed on 27/12/2024, at: https://tinyurl.com/3nw9cx54; MEED editorial, "Jubail Industrial City," Middle East Economic Digest , 1/5/2017, accessed on 27/12/2024, at: https://tinyurl.com/5f54mwap

ولتناول مفصل لمشروعات التطوير حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين، ينظر:

Khalid M. Al–Ankary & El–Sayed El–Bushra, "Urban Growth and Urbanization in Saudi Arabia," in: Khalid Al–Ankary & El–Sayed El–Bushra (eds.), Urban and Rural Profiles in Saudi Arabia (Berlin/ Stuttgart: Borntraeger, 1989), pp. 3–13. Giga Projects ,

Public Investment Fund, accessed on 18/12/2024, at:

(2) "NEOM: The New Future," https://tinyurl.com/yc85pktr; "New Murabba," Our Portfolio , Public Investment Fund, accessed on 18/12/2024, at: https://tinyurl.com/bdekb853

إرهاصات في "المدن الاقتصادية" التي دشنها الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود (–2005 2015) في عامَي 2005 و 2006. يتمثل الفرق الرئيس بين هذه الأنماط المختلفة من المدن في الطريقة التي تطورت بها؛ وهو الأمر الذي له تداعياته فيما يخص تكوين المجتمعات الخاصة بها والطرائق التي تربط الناس بعضهم ببعض وبالمدينة وبالدولة. يمكننا القول على نحو منهجي مبسط إن المدن القديمة، التي كان لديها متسع من الوقت لكي تنمو بطريقة طبيعية ومتدرجة، طورت شعورًا بالتماسك الداخلي والهوية التاريخية

المحلية التي نجحت في دمج القادمين الجدد. تكونت المدن النفطية والصناعية من المهاجرين – من السعوديين والأجانب – من البداية، وذلك لو تجاهلنا العدد القليل من سكان القرى والنجوع أو البلدات الصغيرة جدًا التي شكلت نواة تلك المدن. وكان من أثر ذلك أن الناس يشعرون بالانتماء إلى المدينة الحالية بالقدر نفسه من شعورهم بالانتماء إلى الدولة التي أسستها. وأخيرًا، للمدن ذات

النزعة المستقبلية جاذبية دولية بحداثتها العالمية. وهكذا، بينما تتميز كل المدن في السعودية اليوم بمجتمعات تنتمي في الأصل إلى مناطق مختلفة من المملكة فاضلًا عن خارج الدولة (لنصف العمالة السعودية تقريبًا أصول أجنبية، ويعمل أغلبهم في القطاع الخاص)، فإن تصور المواطنين السعوديين

وغيرهم للمدن المختلفة يختلف اختلافًا بيّنًا. تنتج هذه الاختلافات جزئيًا من اللاعبين المختلفين الذين يشكلون أسلوب فهم هذه المدن؛ ففي

حالة المدن القديمة، فإن السردية (المتطلعة إلى الوراء غالبًا) الخاصة بهوية ثقافية معينة، التي

تنتجها عائلات عريقة في المدينة وضخّمها أنثروبولوجيون ومؤرخون، شكلت التصورات المحلية والوطنية الأكبر، وأثرت بدرجات مختلفة في الأبحاث العلمية. وتقع المدينة بوصفها مج لًا اجتماعيًا

في مركز السردية التاريخية المحلية، وقد تشكلت وتأسست بدرجة كبيرة بوساطة التجار ورأس المال المحلي المستثمر في الأوقاف في الحجاز. في المقابل، فإن رأس المال النفطي في حالة المدن النفطية، وعلى نحو وثيق المدن ذات النزعة المستقبلية، شكلت وما تزال فلسفة تطوير المدن وصورتها. وبينما دُرست مدن النفط السعودية من جهة التحديث الحضري أو الصراع الطبقي، فإننا

(3) John Irish, "SAGIA Opens Doors: The Kingdom is Hoping Its Six Economic Cities will Stimulate Growth and Encourage Social Change. But Much Work Remains to be Done," The Middle East , no. 378 (May 2007), pp. 38–39.

(((يصح هذا الأمر خصوصًا في حالات جدة ومكة والمدينة؛ إذ كانت الأولى بوصفها ميناء ومنفذًا رئيسًا، والثانية والثالثة

بوصفهما مقصدًا للحجاج المسلمين، مدنًا عالمية قديمة، إن لم تكن "كونية". (((من المستحيل تقريبًا الحصول على إحصائيات معدّلة موثوقة. (((ويرجع اقتراح التركيز على المجال الاجتماعي في مناقشة الأنماط المختلفة من المدن العالمية إلى:

Ursula Rao, "Global Cities," in: Matthias Middell (ed.), The Routledge Handbook of Transregional Studies (London: Routledge, 2018), p. 189.

(((ثمة مناقشة للبعد العابر للقارات الخاص بالتطوير الحضري المرتبط برأس المال القائم على النفط في الخليج، فاضلًا عن

الأدبيات حول هذا الموضوع، في:

Alex Boodrookas & Arang Keshavarzian, "The Forever Frontier of Urbanism: Historicizing Persian Gulf Cities," International Journal of Urban and regional Research , vol. 43, no. 1 (2019), pp. 14–29.

لانعرف ما الذي يفكر فيه السكان حول هذه المدن. وأخيرًا، وفيما يخص المدن المستقبلية، تهيمن سردية المطورين المرتبطين بالدولة، التي لا يقابلها، إلى حد ما، غير بعض الأعمال الفنية، فاضلًا عن التحليلات النقدية للاقتصاد السياسي الحالي للمملكة. يبدأ العرض التالي بمناقشة تشكل الهوية وأسئلة الانتماء الحضري في مدينة جدة ومينائها (وأحيانًا مع بعض الإشارات إلى مدن أخرى)، ثم ينتقل إلى مناقشة المدن النفطية والمدن ذات النزعة المستقبلية.

أولا: الروابط الوجدانية في المدن القديمة

تشكّلت الحياة في المدن التقليدية وفق إيقاع الدين والتجارة والعلاقات الاجتماعية التي تدور حول

الأسرة والجوار. ويركز وصف الروابط في التأريخ المحلي والسِيَر الذاتية على مجموعة من الممارسات

الاجتماعية التي يُشار إليها عمومًا بالعادات والتقاليد التي تعكس قيمًا مشتركة. وليس من المفاجئ أن هذه النصوص تشمل عادة فصولًا عن الممارسات الدينية أو أحيانًا تنظيم العمل في المدن التقليدية. وقد شكلت هذه النصوص، بطرائق مختلفة، الذاكرة الثقافية الجمعية لسكان المدن القديمة. وفي حالة

(((استثناءً من هذه القاعدة، على الرغم من المعلومات القليلة حول الآراء الكلية لسكان هذه المدن، ينظر:

Tarik M. Al–Soliman, "The Characteristics of Planned Communities and Their Impact on Urban Development and Residents Perceptions," in: Al–Ankary & El–Bushra (eds.), pp. 45–76;

ولبعد الصراع الطبقي، ينظر، على سبيل المثال:

Claudia Ghrawi, "Structural and Physical Violence in Saudi Arabian Oil Towns, 1953–56," in: Ulrike Freitag et al. (eds.), Urban Violence in the Middle East: Changing Cityscapes in the Transition from Empire to Nation State (New York/ Oxford: Berghahn, 2015), pp. 243–264.

(((على سبيل المثال:

Hend Aly, "Place Branding as a Political Act: Approaching Saudi Arabia’s NEOM beyond its Shiny Façade," in: Steffen Wippel (ed.), Branding the Middle East: Communication Strategies and Image Building from Qom to Casablanca (Berlin/ Boston: De Gruyter, 2023), pp. 543–559.

ولمنظور نقدي لمرحلة أبكر بعض الشيء من التطوير الحضري النيوليبرالي في مكة، يُقدم في شكل تصوير فوتوغرافي، ينظر:

Ahmed Mater, Desert of Pharan (Lars Müller Publishers 2016).

(1((عن جدة، ينظر، على سيبل المثال: عبد القدوس الأنصاري، موسوعة تاريخ مدينة جدة (جدة: مطابع الروضة، 1980)،

ص 272–219؛ محمد يوسف حسن طرابلسي، جدة... حكاية مدينة، ط  2 (الرياض: كنوز المعرفة، 2008)، ص 509–309؛

عبد الرزاق سليمان أحمد أبو داود، جدة والجداويون في ذاكرة الإنسان، ط  2 (جدة: دار منصور الزامل، 2017)، ص 993–859؛ ولمزيد من المراجع ولمناقشة مفصلة عن هذه القضايا، ينظر:

Ulrike Freitag, A History of Jeddah: The Gate to Mecca in the Nineteenth and Twentieth Centuries (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2020), pp. 159–217.

وتتشابه العديد من هذه العادات المحلية مع ما تطلق عليه مي يماني الهوية الحجازية، ينظر كتابها:

Mai Yamani, Cradle of Islam: The Hijaz and the Quest for an Arabian Identity (London/ New York: I.B. Tauris, 2004).

((1(يبنى مفهوم الذاكرة الثقافية على الفهم الذي قدمه:

Jan Assmann, Cultural Memory and Early Civilization: Writing, Remembrance, and Political Imagination (Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2011); Pierre Nora, "Between Memory and History: Les Lieux de Mémoire ," Representations , vol. 26, no. 7 (1989), pp. 7–24.

جدة، تمثل هذا الأمر في اعتقاد مضمون "الاختلاف" الإيجابي للمدينة عن محيطها، وهي صورة لها صداها في أماكن أخرى في الدولة، وإن كانت ذات مضامين مختلفة عادة. تشمل الممارسات التي تُحفظ في الأدبيات التاريخية المحلية عن جدة، كما هو الحال بالنسبة إلى مدن أخرى كثيرة، مجموعة متنوعة من الطرائق، المختلفة بين الذكور والإناث غالبًا، الخاصة بوضع

بنية للأيام والسنة والحياة من خلال التفاعلات الدينية واليومية، وتشمل ربما الاحتفالات الأكثر تكرارًا الخاصة بدورة الحياة، بدءًا من الميلاد ومرورًا بالزواج ووصولًا إلى الموت، فاضلًا عن الشعائر

الأساسية الخاصة بالسنَة الدينية. يصاحب رمضان وعيد الفطر استعدادات دقيقة، تشمل تجهيز البيت

وإعداد أطعمة معينة، وزيارات داخل العائلة وبين الجيران. وفي جدة كما في مكة والمدينة المنوّرة، تضطلع مجموعة متنوعة من الممارسات المرتبطة بالحج بدور أساسي في وضع البنية؛ ذلك أن الحج كان يمثّل ذروة الأنشطة الاقتصادية بقدر ما هو أمر ديني. من المهم أن نلاحظ أهمية الأحياء في الهويات الحضرية. يصح هذا الأمر أيضًا على البلدات الصغيرة، كالعلا في شمال الحجاز، وتمتد بوصفها سمة لتشمل المناطق الأخرى في الجزيرة العربية وخارجها. وقد وفّرت هذه الأحياء مساحات اجتماعية كالمساجد والمقاهي والأسواق والميادين للتواصل بين الرجال ولعب الأطفال. وظلت علاقات النساء الاجتماعية، وقد جرت في الأغلب في حمى البيوت، متصلة من خلال تصميم معماري سمح بعبور الصوت من الخارج إلى فضاء البيت. وبطبيعة الحال، مَّثَل اللباس واللهجة والطرب وسمات أخرى كثيرة عناصر إضافية مهمة من عناصر الهوية المحلية. خلقت هذه العادات والتفاعلات روابط قوية بين سكان مدينة جدة القديمة؛ أي "البلد". وكان المجتمع الحجازي، نتيجة للتجارة والحج، منفتحًا على استيعاب مهاجرين جدد في أنماط التفاعل هذه، غالبًا من

خلال الزواج المختلط بالنساء المحليات (وهو الأمر الذي لم يكن مقبولًا في المجتمعات ذات التنظيم القبلي داخل الجزيرة العربية). وحتى الرقيق اندمجوا غالبًا في المجتمع المحلي، إما عن طريق الإنجاب

القسري للأطفال لسادتهم (في حالة تعدد الإماء في البيت الواحد)، أو النشأة مع أبناء السادة (على الرغم

(12) Freitag, p. 1.

(1((بالنسبة إلى العلا، ينظر: عبد الله بن آدم صالح نصيف، العلا: دراسة في التراث الحضاري والاجتماعي (الرياض: [د. ن].، 1995)؛ وعن إيران، ينظر مثل:

Reza Masoudi Nejad, "Urban Violence, the Muharram Processions and the Transformation of Iranian Urban Society: The Case of Dezful," in: Freitag et al. (eds.), pp. 91–110.

((1(يناقش هذا الأمر:

Stefan Maneval, New Islamic Urbanism. The Architecture of Public and Private Space in Jeddah, Saudi Arabia (London: UCL Press, 2019), pp. 45–54.

((1(للمناقشة حول كيفية عمل هذا الأمر في مجال النساء (من النخبة)، ينظر:

Soraya Altorki, Women in Saudi Arabia: Ideology and Behavior Among the Elite (New York: Columbia University Press, 1986), pp. 99–147.

من عدم حصول أبناء الرقيق على تعليم رسمي). وفي حالات استثنائية، استطاع الرقيق الانضمام إلى علية القوم من خلال إنجازاتهم المهنية وما تلا ذلك من تحررهم من الرق. وبدءًا من خمسينيات القرن العشرين، تغيّرت جدة والرياض، تغييرًا بطيئًا في البداية، ثم زادت وتيرة

التغيير سريعًا لاستيعاب الحاجة المتزايدة إلى مساكن أوسع ذات تجهيزات حديثة وقدرة على التحرك

بالسيارات، فاضلًا عن توفير مساكن لأعداد المهاجرين المتزايدة والوافدين من الريف والخارج. وهكذا، تضاعفت مساحة جدة 94 مرة في الفترة 1984–1974، وبحلول ستينيات القرن العشرين، كان ما يقرب من 58 في المئة من سكان الرياض ممن ولدوا خارج المدينة. ومع أن مخططًا مبدئيًا لمدينة جدة في عام 1959 لم تكن له تبعات مهمة، فإن مخططًا ثانيًا في عام 1971 دشّن جهدًا

أكبر تنسيقًا من الحكومة السعودية لإعادة تشكيل فضاء حضري من خلال إشراك الشركات الغربية. وبحسب المبارك في وصفه للتطوير الحضري المرتبط بالنفط في السعودية، هدف هذا التخطيط إلى "تأكيد جهود السلطة المركزية تجاه التحديث". وفي الضواحي المطورة حديثًا، التي أصبحت اليوم غالبًا المراكز الجديدة للبلدات، بدأت العائلات

في تأسيس مساكن للأسر الصغيرة عوضًا عن العيش في بيوت متعددة الأجيال كما كان الحال في المدن القديمة. وهكذا، تشتت العائلات الممتدة وشبكات الجوار على مسافات متزايدة في مدن سريعة النمو. ولم تتمكن إلا أعداد قليلة من الأسر من الحفاظ على قربها في المسكن بإنشاء مجمعات سكنية عائلية أكبر، فيها فيلات مستقلة لأبناء الأسرة. وكان إنشاء الفيلات ذات الحوائط العالية والنوافذ الصغيرة أو المغطاة تكييفًا لنماذج العمارة الغربية لخدمة مطلب الخصوصية المحلي، ولا سيما في أعقاب التأثيرات الدينية في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته. وبالتوازي مع ذلك، أصبح التنقل بالمركبات هو الأصل، ولم تكن هناك إلا القليل من الفضاءات العامة التي تعوّض النقص في أشكال التفاعل الاجتماعي. ومع تأكيدنا مرة أخرى أن هذه العملية كانت تتسم

بالبطء، صرّح عبد الله بن ناصر السدحان في عام 2012 أنها أفرزت عمومًا خسارة، أو نقصًا خطيرًا،

في الروابط الاجتماعية بين أفراد العائلات وما وراء ذلك.

((1(لمثال دال على نحو خاص، ينظر:

Philippe Pétriat, Le négoce des Lieux Saints: Négociants hadramis de Djedda, 1850–1950 (Paris: Èditions de la Sorbonne, 2016), pp. 269–275.

((1(عن تطور الرياض، ينظر:

Yasser Elsheshtawy, Riyadh: Transforming a Desert City (London/ New York: Routledge, 2022), pp. 118–136. (18) Faisal Almubarak, "Urbanization, Urban Policy and City Form: Urban Development in Saudi Arabia," PhD Dissertation, University of Washington, Washington, 1992, p. 100. (19) Ibid., p. 162.

((2(ثمة مناقشة لمشاريع التطوير المشابهة في مدينة العنيزة الأصغر حجمًا في:

Soraya Altorki & Donald P. Cole, Arabian Oasis City (Austin: University of Texas Press, 1989), p. 236.

((2(زرت بنفسي مجمعات ثلاثة على الأقل. (2((عبد الله بن ناصر السدحان، ماذا فعلت المدينة بسكانها؟ (بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2012)، ص.126–115

وأفرز النمو الحضري تمييزًا أوضح وفصلًا مكانيًا بين الأحياء الفقيرة نسبيًا وتلك الموسرة، التي

اختلفت فيها مساحات المساكن أو العمارات السكنية في حالة المناطق الأفقر. ولم تتوافر إلا مؤخّرًا

أبراج سكنية شاهقة ذات مستوى مرتفع على كورنيش جدة، بوصفها بديلًا من الفيلات الشاسعة التي كانت لمدة طويلة النموذج المفضل للسكن، وذلك بعد أن هجر كثير من السكان السابقين المدينةَ القديمة. ولوحظت مشاريع تطوير شبيهة في الرياض التي بدأت في التمييز بين أحياء الشمال الموسرة والأحياء الفقيرة في الجنوب. ومن المهم التأكيد أنه في السعودية، وعلى خلاف العديد من دول الخليج الأصغر، لا تأوي هذه الأحياء الفقيرة العمال المهاجرين الأجانب فحسب، بل المواطنين السعوديين الفقراء أيضًا، بعد أن هاجر كثير من سكان "البلد" إلى الضواحي الجديدة. وقد برهن باسكال مينوريه كيف أن الشباب في بعض الأحياء الفقيرة الجديدة في الرياض "فعّلوا نظرتهم الشاملة الخاصة للمدينة"، التي تناقضت مع "المجتمع والنظام العام السائدين والمعتادين"، بينما استنتج مشاري النعيم من مناقشته لهوية الرياض الحضرية أنها "غير مستقرة" وتمر ب "تحول متواصل". حاول الناس وقف هذا التوجه؛ فقد أسست العديد من الأسر اجتماعات منتظمة، أسبوعية غالبًا.

ومع تأثر التفاعل مع الجيران، ظلت بعض المناسبات تحافظ على تبادل للزيارات، وإن كان ذلك على نطاق أضيق. ووفق ملاحظاتي، وفّرت الأعراس وزيارات العزاء بوجه خاص، وما زالت توفّر، مناسبات للقاء في مجموعات كبيرة وتبادل المعلومات عن مصير الجيران والأصدقاء السابقين. وفي الوقت الذي توسعت فيه العائلات وتشتتت على نحو أكبر، ولم تعد ذكرى الحياة في المدينة القديمة خبرة قريبة زمنيًا، قلّت الأخبار المكتوبة. ومن المثير للاهتمام أن الكثير من المنشورات الجديدة عن

المدينة القديمة وضواحيها لا تسرد العادات القديمة فحسب، بل تبرز الشخصيات المهمة وتشتمل، على نحو مهم ربما، على قوائم بأسماء العائلات المرتبطة بالمدينة القديمة أو أحياء معينة فيها.

ومن خلال هذه الأسماء تعرّف الناس على من انتمى إلى المدينة ولم ينتمِ إليها، وفق فهمهم. ومن

خلال هذه القوائم تعززت دعاوى الانتماء. وعلى مستوى ثانوي – وهو ثانوي بسبب الدمار الواسع النطاق للبيوت القديمة في المدينة القديمة

والإزالة الكبيرة للأحياء القديمة – يمكن هذه الدعاوى أن تتم من خلال رابطة بمبانٍمعينة في البلد.

((2(وعن رد الفعل على العمارات ذات الشقق السكنية، ينظر: Maneval, pp. 182–184.

(24) Mashary A. Al Naim, "Urban Transformation in the City of Riyadh: A study of Plural Urban Identity," Open House International , vol. 38, no. 4 (December 2013), p. 75.

((2(عن قضية الفقر الحساسة إلى حد ما، ينظر:

Nora Derbal, Charity in Saudi Arabia (Cambridge: Cambridge University Press, 2022), pp. 152–162;

كما يشار إليها عرضًا في: Altorki & Cole, p. 244.

(26) Pascal Menoret, Joyriding in Riyadh (Cambridge: Cambridge University Press, 2014), p. 207; Al Naim, p. 78.

(2((إضافة إلى الأدبيات المشار إليها سابقًا، ينظر على سبيل المثال: محمد بن عبد الله بن هاشم النمر، حارة البحر: موطن الآباء

والأجداد (جدة: دار منصور الزامل، 2017)؛ ياسين بن ساعد بن عمرو الجحدلي، الرويس: ضاحية جدة، تاريخ وأحداث (جدة: أطوار، 2020)، ص 256–220،.366–335

وبينما تخلت كثير من العائلات عن بيوتها القديمة وأجّرتها إلى مهاجرين جدد، دفع اهتمام الدولة

ب "البلد"، ولا سيما بعد إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي في عام 2014، بعض الملاك، على الأقل، إلى تجديد عقاراتهم ومحاولة تأسيس متاحف وفنادق واستثمارات أخرى. وفي حدود عام 2010 خبرتُ عن قصة أزعجتني في البداية، ولكن أكد صحتها العديد من الأصدقاء، أُ ممن ذكرتها لهم: اضطر أحد متاجر الأثاث الأجنبية المهمة إلى الانتقال من مكانه في جدة؛ لأنه كان، وفق ما ذكر لي، في منطقة من المدينة يزورها "كثير من البدو". وحين سألت محدثي كيف عرف أصل الزبائن الآخرين الذين لم يكن له معهم إلا تعامل محدود، إن وُجد أصلًا، أشار إلى اللباس وأسلوب

الحركة ولهجتهم. من المهم الإشارة إلى أن "البدو" المشار إليهم هنا لا يُقصد بهم البادية، بل أناس

أقاموا في المدينة لعقود. تشير هذه القصة إذًا إلى أوجه قصور هذه الهوية الحضرية، فمع تأكيد الانفتاح التقليدي على القادمين الجدد من ناحية، فإنها متجمدة أيضًا في الوقت ذاته؛ لأن عناصرها الأساسية تتوقف في لحظة هدم الجدار. فحتى لو أن عددًا من القوائم البيوغرافية امتد إلى خمسينيات القرن العشرين وستينياته وسبعينياته، بسبب أن بعض أنواع التجارة، على سبيل المثال، لم تتوقف إلا في ذلك الوقت، فقد ظل بدرجة كبيرة أسلوبًا منغلقًا ورجعيَ التوجه في تعريف "الجداوي" الحقيقي. إن التركيز على جوانب الدمج في العادات

والتقاليد المحلية يقلل من شأن التصدعات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية التي وُجدت حتى داخل

حدود فضاء المدينة القديمة، وتهمش بذلك ذكرى أبناء الجداويين الفقراء سابقًا، وبكل وضوح ذكرى من ترجع أصولهم إلى الرقيق. فاضلًا عن ذلك، فإنها تستبعد القادمين الجدد من المدن الأخرى ومن يعدّون "بدوًا"، في تقليد للتمييز بين أولئك الذين يفخرون بأصولهم القبلية، ومن يفخرون بالقدر نفسه بانتمائهم

الحضري إلى المدن أشعر بأنه في الوقت الذي يعدّ فيه أهلُ جدة المهاجرين اللاحقين دخلاء، فإنه علاقتهم بالمدينة تشبه إلى حد ما علاقة المقيمين في المدن النفطية والصناعية الجديدة بمدنهم.

ثانيًا: المدن النفطية والصناعية

على خلاف البلدات والمدن القديمة، فإن المدن النفطية والصناعية في السعودية ليس لها في الغالب الماضي الزاهر للمدن القديمة على تفاوته. وقد تطورت هذه البلدات جزئيًا من بلدات نفطية ذات

مناطق منفصلة لأنماط معينة من العمالة والأصل، أو بدأت من الصفر. ينطبق هذا الأمر على الخُبر، أول مدينة في السعودية تقوم على أساس النظام الشبكي للطرق. وحين بدأ البناء بجدية بعد عام 1950، ظهر أسلوب جديد للبناء لم يأخذ في الاعتبار أشكال البناء التقليدية أو مطلب الخصوصية.

((2(في ضوء السياسات الثقافية عمومًا في السعودية، ثمة توجه لدى أهل الحضر لادعاء أصول قبلية، وهو ما يزيد غالبًا في

الواحات الصغيرة عنه في المدن الكبيرة. عن هذا الأمر، ينظر:

Nadav Samin, Of Sand or Soil: Genealogy & Tribal Belonging in Saudi Arabia (Princeton/ Oxford: Princeton University Press, 2015), pp. 136-164. (29) Faisal A. Al–Mubarak, "Oil, Urban Development and Planning in the Eastern Province of Saudi Arabia: The Case of the Arab American Oil Company in the 1930’s–1970’s," Journal of King Saud University: Architecture & Planning , vol. 11 (1999), pp. 31–51.

وبطرائق مختلفة، اتبع توسع المدن كجدة أو الرياض أو مكة، والبلدات الصغيرة كعنيزة، أنماطًا متماثلة من التحضر كبلدات النفط. يقدم فيصل المبارك طرحًا قويًا عن دور الدولة المركزي في مشاريع التطوير هذه، مؤكدًا – على مستوى اقتصادي – أثر النفط والتوجه النيوليبرالي على الأرض بوصفها سلعة. فاضلًا عن ذلك، لا يمكن التقليل من دور شركات النفط؛ أي آرامكو في حالة السعودية، فقد حلت فكرة تكنوقراطية تراتبية من توفير الخدمات محل أشكال السلطة التقليدية والإدارة المحلية بدرجة كبيرة. يلاحظ المبارك أيضًا استبدال القواعد التكنوقراطية بالقيم الاجتماعية (الدينية). ينسجم هذا الأمر انسجامًا جيدًا مع الاعتقاد السائد في دول الشرق الأوسط عن دور الدولة الحديثة في قيادة مشاريع التطوير الاقتصادية، والمختلفة وفق تقسيمات أيديولوجية عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ماذا يعني هذا الأمر بالنسبة إلى نشأة الهويات الحضرية، أو بكل تأكيد ارتباط السكان بمدينتهم؟ ثمة تركيز على الحاضر بكل وضوح، عوضًا عن التركيز على الذاكرة الثقافية لتاريخ حضري مشترك قديم. وفي ضوء تكوين المجتمعات الحضرية الجديدة، يتوقع المرء إعادة توجيه معينة للولاء من الوحدة المحلية والقبلية أو أي منهما، إلى الدولة بوصفها الكيان المسؤول عن تطوير المدينة. وهكذا، كما يرى المبارك، يمتد مشروع بناء الأمة إلى البيئات الحضرية. وبكل وضوح، كانت المدن الجديدة ناجحة بعض النجاح على أقل تقدير في تعزيز الفخر لدى قاطنيها. تبرهن على ذلك دراسة المركز القديم للخبر، شارع الملك خالد، لعاطف الشهري ولولو المانع. أصبح الشارع يعرف بشانزليزيه السعودية، ويتذكّره الناس بحنين إلى الماضي بوصفه "أحد الأماكن التاريخية المهمة في الخبر". لا أعرف أي دراسة تناولت منهجيًا الانتماء الحضري لقاطني مدن النفط السعودية، أو بكل تأكيد هؤلاء الذين ربما وُلدوا ونشؤوا في البلدات الأقدم بوصفهم أبناء المهاجرين إلى هذه المدن في العصر الحديث. وبكل تأكيد، قد يكشف بحث أشمل عن مثل هذه الدراسة باللغة العربية ويستفيد من الأدبيات السعودية النامية التي قد تشتبك مع الموضوع (أو لا تشتبك معه). وتعدّ المذكرات الشخصية مصدرًا آخر مثيرًا للاهتمام، وقد يكون مهمًا في تقديم بعض الأفكار عن مفاهيم هوية المواطنين السعوديين (المتعلمين) المتحركين. مرة أخرى، لم أتمكن من استكشاف هذا الموضوع بنفسي منهجيًا. ومع ذلك، فحصت دراسة مبدئية لنوشين أتماكا عددًا محدودًا من هذه السير الذاتية

(30) Nelida Fuccaro, "Introduction. Histories of Oil and Urban Modernity in the Middle East," Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East , vol. 33, no. 1 (2013), pp. 1–6. (31) Almubarak, table 9.1, p. 336. (32) James Gelvin, The Modern Middle East. A History (New York/ Oxford: Oxford University Press 2005), pp. 223–227. (33) Atef Alshehri & Lulu Almana, "Khobar City Plan and the New Public Space in Saudi Arabia," The Journal of Public Space , vol. 6, no. 1 (2021), pp. 222–224.

لأربعة رجال عاشوا بين أربعينيات القرن العشرين والسنوات الأولى للقرن الحادي والعشرين. وقد أصبحوا جميعًا أطباء أو مهنيين (تكنوقراط)، ومن ثم أعضاء في النخبة الجديدة المتحركة والحاصلة على تعليم رفيع. وبطبيعة الحال، يتضمن استخدام هذه المادة تنبيهًا، ذلك أن التركيز الأساسي في السير الذاتية ينصب على إنجازات المؤلفين وهدفهم في ترسيخ سيرتهم في تاريخ الدولة الحديث، فاضلًا عن تقديم أنفسهم لذريتهم بوصفهم نماذج تحتذى. وبينما يتغنى كل المؤلفين بشبابهم في مكة وتاروت (المنطقة الشرقية) والغاط (شمال الرياض) – والذي يتذكرونه بحنين – فإن مسار حياتهم يتسم بحركية على المستويين الوطني والدولي سعيًا وراء التعليم ولاحقًا لخدمة حياتهم المهنية. وهم يقارنون بين الفقر الذي عاشوه

في طفولتهم ومستوى معيشتهم في حياتهم لاحقًا. وينشأ المؤلفون جميعًا بوصفهم روادًا للحداثة، فاضلًا عن كونهم خدامًا أوفياء للوطن والملك، وذلك على الرغم من عملهم في قطاعات مختلفة

كالصحة والطيران. وينتج دورهم الريادي من مساهمتهم في تطوير السعودية لتصبح مجتمعًا أكثر حداثة وتحضرًا؛ هو ما يعني بالأساس التوجه نحو المعايير الصناعية الغربية، وذلك على الرغم من

الآراء المختلفة عن بعض عناصر التطوير. بيد أن هذا التوجه الوطني لا يمنع الروابط المستمرة بالأماكن الأصلية. وحين نتحدث مع قاطني المدن الكبرى، فإنهم يشيرون غالبًا حتى اليوم إلى البلدات والقرى التي تعود أصولهم إليها. ومع

ذلك، تُضعف الحركية – التي تبدأ غالبًا في سن صغيرة بسبب غياب التعليم العالي في البلدات

الأصغر في ثلاثينيات القرن العشرين وحتى خمسينياته، ثم بعد ذلك في الدراسات العليا لفترات أطول في الخارج – اشتراك الأفراد في الممارسات اليومية التي تساهم في الهوية المحلية. وحتى لو أن هذه الممارسات ضعفت أيضًا لدى من تعرضوا بقدر أقل إلى الحركية الناتجة من التوسع الحضري وضغوط العمل المتزايدة وتبدل أساليب الحياة المتغيرة، نستطيع أن نفترض بأمان أن النخبة المتعلمة والمتحركة التي تسكن بعيدًا عن مسقط رأسها ربما تكون قد طورت ولاءً إضافيًا، إن لم يكن أساسيًا،

لا إلى موطنها الأصلي، بل إلى المدينة الحديثة وصانعتها؛ أي الدولة السعودية. وهكذا، مع أن السير الذاتية لا تتوقف كثيرًا عند قضية الهوية المحلية/ المناطقية أو حتى المذهبية، فإن

التوجه القوي نحو مشاريع تطوير الوطن الحديثة، فاضلًا عن الحركية الكبيرة للمؤلفين، تنسجم مع ما لاحظه المبارك عن عمليات التطوير الحضري منذ خمسينيات القرن العشرين. فكما ذكرنا سالفًا، تعدّ هذه النقطة نتيجة قائمة على الحدس، مع أنها تتأكد من خلال الدليل الحكائي المستند إلى لقاءات مع مواطنين سعوديين من أصول مختلفة في جدة والرياض.

(34) Nushin Atmaca, "Saudische Lebensgeschichten: Die, Generation des Aufbaus‘ im Spiegel zeitgenössischer Autobiographien," Master Thesis, Freie Universität Berlin, Berlin, 2012;

تناقش أتماكا في أطروحتها: عبد الله بن عبد الكريم السعدون، عشت سعيدًا (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2011)؛ وعبد الجليل

السيف، مشوار في دروب الوطن (الرياض، [د. ن].، 2008)؛ وعبد الله حسين با سلامة، مواقف وذكرى عاشها الأستاذ الدكتور

عبد الله حسين با سلامة (جدة: [د. ن].، 2002)؛ وعبد الرحمن طه بخش، أيام العمر (جدة: دار المرسى للنشر والتوزيع،.)2006

لا يجدر بالمرء بأي قدر أن يبالغ في هذه الملاحظة، ذلك أن هناك العديد من مشروعات التطوير التي تعزز الارتباط الهوياتي والتفاعل مع المدن التي تمثل مسقط الرأس، أو لها القدرة على ذلك. تعدّ لجان الأحياء أحد تلك النماذج، وقد بدأتها الإدارات المحلية في أحياء جدة الجديدة (وفي مدن أخرى على الأرجح) في السنوات القليلة الماضية. تدير النساء عادة هذه اللجان (وهنّ ما زلن يمثلن نسبة أقل من العمالة، وذلك على الرغم من الطفرة الحديثة في التوظيف) التي تنظم أنشطة تعليمية وترفيهية داخل الأحياء لتعزيز الشعور بالتماسك بين أفرادها. وتعدّ الجمعيات الخيرية نوعًا آخر

من مشاريع التطوير. وبينما تبني على أشكال أقدم من أعمال البِر الإسلامي الذي تطور في السعودية منذ أوائل القرن العشرين، فإنها حصلت على دفعة قوية في أوائل القرن الحادي والعشرين. ومع أن هذه الجمعيات كانت شديدة المحلية في بداية الأمر، وتتكون من أسر وأصدقاء لتأسيس مدارس أو مساعدة الفقراء المحليين خصوصًا، فإنها أصبحت في بدايات القرن الحادي والعشرين منظمات أكثر

استيعابًا وتنوعًا اجتماعيًا وتخدم العديد من الأهداف. ومع أنه لم يتضح بعد مدى كون الطفرة في

هذه المنظمات في بدايات القرن الحادي والعشرين تطويرًا طويل المدى أم يرتبط بتوجهات اجتماعية

وسياسية أكبر خاصة بتلك الفترة الزمنية تحديدًا، فإنه من المؤكد أن تأسيس هذه المنظمات والاشتراك فيها لا يعززان الروابط بين أفرادها فحسب، بل بينهم وبين مدنهم الأصلية مسقط رؤوسهم أيضًا.

ثالثًا: المدن المستقبلية

أعلنت رؤية المملكة العربية السعودية 2030 عن إنشاء عدد من المدن الجديدة المبدعة والمبهرة، أولها وأهمها مدينة نيوم ومكونها المميز لها "الخط"، فاضلًا عن عدد من المنتجعات والمنشآت الصناعية.

وبحسب إعلاناتها، تَعِد "الخط" بإحداث ثورة حضرية من خلال تصميمها المكتنز، الذي يوفر بيئة خضراء

مساعِدة على السير على الأقدام مع كل المرافق التي يمكن تصورها، وتخلق مدينة خالية من الانبعاثات الكربونية وتوفر تواصلًا دوليًا. ويفترض أن تكون المدينة – وعرضها 200 متر مع ارتفاع 500 متر وطول

يصل في الشكل النهائي إلى 170 كيلومترًا – ذات جدران زجاجية تفصلها عن البادية المحيطة. وفيما وراء نيوم، دشّن صندوق الاستثمارات العامة السعودي (تأسس عام 1971)، الذي يقدم نفسه بوصفه "قاطرة التنوع في اقتصاد المملكة العربية السعودية"، عددًا من المشروعات الحضرية الأخرى.

((3(معلومات شفوية، جدة، حي المحمدية. ليست لديّ معلومات عن مدى انتشار هذه اللجان، أو تفاصيل أكبر عن برامجها،

وهو ما يمثل موضوع مشروع بحثي مثير للاهتمام. ((3(لمناقشة عن هذا الأمر مع التركيز على القرن الحادي والعشرين، ينظر: Derbal.

(37) NEOM, "THE LINE – New Wonders of the World," NEOM, YouTube, 25/7/2022, accessed on 18/12/2024, at: https://tinyurl.com/23skeuyj (38) Dominik Hochwarth, "'The Line' Saudi Arabien: Das Märchen aus 1001 bleibt in den Schlagzeilen," Ingenieur , 23/9/2024, accessed on 18/12/2024, at: https://tinyurl.com/ycy6h94v Programs ,

Vision 2030, accessed on 18/12/2024, at:

(39) "Public Investment Fund Program," https://tinyurl.com/23m44nvp; "Vision 2030 Projects," Projects , Vision 2030, accessed on 18/12/2024, at: https://tinyurl.com/3rts5rpa

وما زالت كل هذه المشروعات في طور التصميم أو التخطيط أو الإعداد الأولي على أحسن تقدير. ولهذا السبب، تعدّ الاعتبارات التالية مبدئية، وتستند إلى اعتبارات مقارنة بالمشروعات الحضرية الجديدة الأخرى في المنطقة، فاضلًا عن المادة الدعائية. ليست هذه المشروعات أولى "المدن الجديدة" في السعودية، ففي عام 2005، أعلن الملك عبد الله ست مدن جديدة (خُفضت لاحقًا إلى أربع) خُطط لها أن تكون مشروعات عملاقة يموّلها

رأس المال الخاص (بخلاف تكلفة البنية التحتية المبدئية). وربما بلغ عدد قاطني مدينة الملك عبد الله الاقتصادية KAEC، وبناؤها مستمر، أقل من 10 آلاف ساكن الآن، مع أنه يفترض أن تضخ فيها حياة جديدة ضمن رؤية 2030، ويتوقع أن يسكنها 50 ألف شخص في السنوات الخمس المقبلة، لتصل إلى مليوني ساكن. يميل هذا المشروع إلى الشحن والتعليم، مع مؤسسات تعليمية كجامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا (تأسست في عام 2009). وهكذا، فالمشروع أقرب إلى مدن كمدينة مصدر الإماراتية (مصدر سيتي) منه إلى "الخط". وقد وصف باحث ناقد مدينة مصدر في أبوظبي بأنها "مركبة فضائية في وسط الصحراء"، وقد تعطلت بشدة بسبب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ودخلت في صراع بسبب متطلبات الشركات الاستثمارية والرؤية المعمارية. وبسبب البدايات البطيئة لمدينة الملك عبد الله، يجوز لنا التساؤل عن فرصها المستقبلية. إن مشروعات مثل نيوم، والمراكز الجديدة المتوقعة في الرياض (المربع الجديد) وجَِّدَة (قلب جَِّدّة) تنسجم انسجامًا أكبر مع تحليل أندرو غاردنر الثاقب على أساس دراسة عدة أحياء جديدة في قطر.

واستنادًا إلى ملاحظات ديفيد هارفي David Harvey بخصوص العلاقة بين رأس المال والعمران الحضري والعلاقات الاجتماعية، يبرز غاردنر أهمية المدن المبهرة في جذب فائض رأس المال، محليًا

ودوليًا. ويزيد وعد نيوم باستخدام معماريين ذوي شهرة عالمية جاذبية الاستثمار وجاذبية المشروع

العالمية، وهو الأمر الذي سأعود إليه. إن الوعد بمنطقة حضرية خالصة، اقتباسًا من مقابلة مع ولي العهد

الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز (2017–)، يعدّ أحد عناصر الجذب لأنصار التحول الحضري ويسمح بتأسيس مدينة جديدة من أعلى إلى أسفل. وقد ذكر ولي العهد بوضوح في عدة مناسبات

(40) Crispin Thorold, "New Cities Rise from Saudi Desert," BBC News , 11/6/2008, accessed on 18/12/2024, at: https://tinyurl.com/3c6mkbkm; Lucy Sarret, "The Incredible 'New' City that will House Two Billion People and Cost £ 67bn to Build," Express , 15/6/2024, accessed on 7/11/2024, at: https://tinyurl.com/5n7893r6;

سعيد عبد الله الفرحة الغامدي، "المدن الاقتصادية"، في: سعيد عبد الله الفرحة الغامدي، السعودية على أعتاب مرحلة جديدة (جدة: [د. ن].، 2017)، ص.88–86 (4((مقتبس من:

Gökçe Günel, Spaceship in the Desert (Durham: Duke University Press, 2019), p. 35.

(4((إذا لم يذكر أي مصدر آخر، فما يأتي يعتمد على:

Andrew Gardner, The Fragmentary City (Ithaca/ London: Cornell University Press, 2024), pp. 94–108. (43) "Saudi Crown Prince on The Line," Al Arabiya English , YouTube, 27/6/2023, accessed on 18/12/2024, at: https://tinyurl.com/2p9c32um

جاذبية هذا التوجه في مقابل حل المشكلات في التجمعات الحضرية الأقدم، وهو ما عكسته أيضًا

الصحافة المحلية. فاضلًا عن ذلك، تَعِد الأسس الجديدة ب "أسلوب حياة جديد"، وهو ما يسمح أيضًا بالهندسة الاجتماعية التي كانت في صميم طموحات المصممين الحضريين عبر التاريخ. يركز غاردنر في دراسته للدوحة على الفصل المادي، لا فيما يخص الوظائف المختلفة فحسب (التي يمكن ملاحظتها في السياقات الحضرية بأساليب رسمية وغير رسمية؛ أي مخطط لها منذ قرون)، بل أيضًا وفق الطبقة الاجتماعية والأصل، وهو الأمر الذي يعنينا هنا. ولو نظر المرء إلى تصميمات شركة الإنشاءات روشن Roshn، وهي توفر "عيشًا ذا طبيعة تطلعية"، يزخر ب "منازل جميلة التصميم، وتكملها المساجد ومتاجر التجزئة والأطعمة والأشربة والحدائق والمدارس ومرافق الترفيه والتسلية"، يتضح أنه لا هذه الأمور ولا مدينة نيوم بكاملها، في الواقع، ستخصص أي مساحة للجماعات الأقل ثراء في المجتمع. من تجذب مشاريع كنيوم؟ ثمة بعدٌ واضحٌ لتأسيس العلامة Branding دوليًا، وهو ما نُوقِش باستفاضة

فيما يخص دبي ومدن الخليج الأخرى، علمًا أننا يجب أن نشدد على أن العلامة ليس تخصصًا

خليجيًا بطبيعة الحال. وقد حذر دافيد بونزيني المتخصص في التحول الحضري من أن "مضاعفة

المشاريع الهائلة والمتماثلة جماليًا في كل أنحاء العالم [...] سيكون لها الأثر المتناقض المتمثل في

توحيد الشكل الحضري دوليًا"؛ وهو ما يضعف أثر كل مشروع فردي. لم يحظَ هذا التحذير بعد

باهتمام مخططي هذه المشاريع. وبكل تأكيد، لو نظرنا إلى صور نيوم، وحقيقة أن المدينة معروفة حتى لدى الذين ليست لديهم أي صلة بالعالم العربي أو بالسعودية، يتبين سريعًا أن قوة الصور،

(((4 على سبيل المثال، ينظر: الغامدي، "ضرورة تطوير إدارة المدن الكبرى"، في: الغامدي، ص 78–76. وقد نشر المقال أولًا في

الصحيفة اليومية المدينة في 21 أيلول/ سبتمبر 2010. ينظر أيضًا: المرجع نفسه، ص 124–122، 157–153، ومواضع أخرى.

"Saudi Crown Prince on the Line." 4(مقتبس من:((

وبينما يشير غاردنر إلى حداثيين مثل لو كوربيسييه Le Corbusier، أجادل بأننا يمكننا العودة أكثر إلى الوراء، من المفاهيم اليونانية القديمة (أفلاطون)، والمسيحية (أوغسطين)، والإسلامية (الفارابي) عن المدن المثالية لمحاولة بناء تلك المدن في مناطق مختلفة من العالم، بما في ذلك مدينة عنجر الأموية ومدينة السلام، وما يشبهها من جهود أوروبية بدءًا من القرن السادس عشر الميلادي. (4((يأتي الاقتباس الأول من:

"Communities," Roshn Group , accessed on 7/12/2024, at: https://tinyurl.com/yc3ehx4v

أمّا الاقتباس الثاني، فمن:

"Giga–Projects", Our Investments , Public Investment Fund, accessed on 10/12/2024, at: https://tinyurl.com/ycy32dwd

(4((من ضمن الأدبيات المتزايدة عن العلامة (الحضرية) في الخليج، أذكر فقط (وعلى نحو عشوائي تمامًا تقريبًا:)

Steffen Wippel et al., Under Construction: Logics of Urbanism in the Gulf Region (Farnham/ Burlington: Routledge, 2014); Miriam Cooke, Tribal Modern (Berkeley/ Los Angeles: University of California Press, 2013), pp. 77–98; Wippel (ed.);

خاصةً فصل:

Hend Aly, "Place Branding as a Political Act: Approaching Saudi Arabia’s NEOM beyond its Shiny Façade," in: Wippel (ed.), pp. 543–559. (48) Davide Ponzini, "Large Scale Development Projects and Star Architecture in the Absence of Democratic Politics: The Case of Abu Dhabi, UAE," Cities , vol. 28 (2011), p. 258.

وهي ما زالت في طور الحدس إلى الآن، لا تزال تثير اهتمامًا دوليًا. ولو فحصنا العديد من الصور

والمقاطع الدعائية المصورة عن نيوم، إضافة إلى المشروعات السعودية العملاقة الأخرى، لوجدنا أن السعوديين من ذوي الرفاهية المادية ليسوا سوى قطاع واحد من المجتمع الحضري المتخيل للمستقبل. وهو لا يبدو مصممًا لجذب المستثمرين الدوليين فحسب، بل القادرين من البدو والسياح الرقميين، وهو الأمر الذي يفسر التشديد على سهولة الترابط الدولي (الوصول إلى نيوم خلال ست ساعات) مع أجزاء كثيرة من آسيا وأوروبا وأفريقيا (على نطاق أضيق)، كما يبرز في المقاطع الدعائية. وعلى الرغم من هذه الجاذبية الدولية، فإن الجاذبية المحلية لمشروعات كنيوم أو مدينة القدية الترفيهية ("حارس المجرة المبدعة، نموذج الإبداع، والتي تمكّن أفضل حياة لنا في البيت والعمل)" تجذب السعوديين من صغار السن ومحترفي التكنولوجيا. وحتى من دون تحليل تفصيلي لوسائل التواصل الاجتماعي، فمن الواضح أنه في دولة عَُّدَت حتى زمن قريب مثيرة للملل على نحو كبير بالنسبة إلى الباحثين عن الترفيه، فإن النظرة الجديدة تقدم إمكانات مرغوبة بشدة ومثيرة للاهتمام. إن الحجم الضخم لكثير من المشروعات ينطوي على وعد بأن السعودية قد تتجاوز كثيرًا من الدول الغربية

بقفزات سريعة؛ ما يتوافق توافقًا كبيرًا مع الطموحات الشخصية والوطنية. وقد تتمثل قيمة مضافة في

تعويض هذا الأمر للإحباط الراسخ بسبب الجهل الدولي عن الدولة أو التقليل منها. بعبارة أخرى، وعلى نحو يرتبط بسؤال الهوية الحضرية، تخدم هذه المدن المستقبلية هدف صوغ فخر وطني. أما إذا كانت ستعزز في المدى الطويل نمط الفخر والشعور بالانتماء المحليين، كما هو الحال في المدن القديمة، فهذا أمر يصعب التنبؤ به وقد يعتمد على عدد من العوامل الأخرى.

خاتمة: لمن المدينة؟

عودة إلى سؤال الانتماء الحضري، وهو موضوع هذه الدراسة الأساسي، يظهر هذا السؤال: من الذي ينتمي إلى أي نمط من المدن ومن تسقط أفكاره واهتماماته على هامش الطريق؟ إذ لو نظرنا إلى المدن القديمة كجدة، فإن سكانها المحليين سيقولون إن الانتماء إليها لا يحق إلا للعائلات التي كانت تعيش هناك منذ زمن معين. وكما ناقشنا سلفًا، يعني هذا الأمر المرور مرورًا رجعيًا على التباينات

المهمة واستبعاد من استقروا لاحقًا في المدينة.

(4((أستعير عبارة "قوة الصورة الحدسية" من:

Khaled Adham, "The Power of the Speculative Image: In Branding Desert Developments and Selling Cairo’s Urban Future," in: Wippel, pp. 479–496. (50)  Muhammed Bin Salman City, accessed on 8/10/2024, at: https://tinyurl.com/37th7nkj; Qiddiya , accessed on 8/10/2024, at: https://tinyurl.com/2k45vewp

((5(على سبيل المثال:

Andrew Hammond, "Saudi Youth Bored in Model Islamic State: Blogger," Reuters , 9/8/2007, accessed on 8/10/2024, at: https://tinyurl.com/2zrjfjcv (52) Ponzini, p. 258.

لا يعني هذا الأمر أن هذه المجموعات لا تربط انتماءها بالمدينة، حتى لو كانت المدينة الحديثة هي مرجعهم على نحو أكبر، سواء أكانت توسعات للمدن القديمة، أم مدنًا (نفطية) جديدة. يعدّ كثير من السعوديين (وغير السعوديين أيضًا) أبناءً للجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين إلى هذه

المدن، ويعدّونها موطنهم الذي نشؤوا فيه. وبالنسبة إلى الإمارات، ولا سيما دبي، جادلت نيها فورا على نحو مقنع بأن العمالة من غير المواطنين، ولا سيما الجالية الهندية الكبيرة التي درستها، تضطلع

بدور تأسيسي (وهو أمر منافٍ للبديهة) في عملية تعريف الدولة القومية، ويؤكد تمسكهم بموقع في المدينة، وهو الأمر الأهم لقضيتنا هنا. إن حل نيوم لقضية وجود عمالة خدمية يمكن استنتاجه من المادة الدعائية: الخدمات الآلية، بما في ذلك المركبات ذاتية القيادة، وتصور الروبوتات وهي تؤدي كثيرًا من المهمات التي تقوم بها حاليًا

العمالة المهاجرة (بدرجة كبيرة، علمًا أن سوق العمل يتغير على نحو كبير) وغير المطلوبة الآن.

في المقابل، سيُمتص الأجانب من الطبقات الوسطى والعليا بسهولة في المدينة العالمية الجديدة

كما حدث في الأجزاء الأكثر ثراء في دبي. هدفت عملية التحول الحضري في السعودية حتى زمن قريب إلى مقاربة حضرية دامجة. وهكذا، تشير دراسة ياسر الشيشتاوي عن الرياض إلى مبادرة المحافظ السابق ل "أنسنة المدينة". لهذا الأمر نقاط مشتركة عديدة مع رؤية نيوم التي تهدف إلى التحول من مدينة تهيمن عليها السيارات إلى مدينة تجعل فيها وسائلُ المواصلات، ولا سيما في الأماكن الخضراء وتلك التي تخدم الرياضات ككرة القدم، والسيرُ على الأقدام، الحياةَ أكثر إمتاعًا. وبالفعل، زُِّوِدت العديد من المدن السعودية

بمسارات مشاة وحدائق وممرات للمشي على ساحل البحر (الكورنيش) ممتعة خلال السنوات القليلة الماضية، وهي الفضاءات التي تستخدمها كثيرًا قطاعات مختلفة من الشعب؛ ما يوفر مساحات

للتلاقي أو التفاعل أحيانًا، وقد يزيد من الشعور بالانتماء إلى الفضاءات الحضرية. تشبه كثير من توصيات خطة تطوير جدة لعام 2019 توجه تطوير الرياض كما يصفه الشيشتاوي. تشدد الخطة الاستراتيجية لجدة على "توفير خدمات ثقافية عالية الجودة وفي المتناول" والاحتفاء بالتعددية، فاضلًا عن توصيات أكثر تحديدًا ترتبط بدور المدينة وإرثها التاريخيين. مرة أخرى، تبرز هنا المواصلات العامة وقابلية السير على الأقدام والمنافع لكل السكان المقيمين، وهو ما يتمخض عن توصيات لعمليات محسوبة من التحديث وإعادة التأهيل وأحيانًا الهدم وإعادة البناء. تتباين هذه المقاربات الدامجة، كالتي تقترحها لجدة وزارة البلدية ويصفها الشيشتاوي بالنسبة إلى الرياض، تباينًا كبيرًا مع التصورات المستقبلية لتحول حضري يستند إلى الاستثمار الرأسمالي وتغليب

(53) Neha Vora, Impossible Citizens: Dubai’s Indian Diaspora (New York: Duke University Press, 2020). (54) Elsheshtawy, pp. 7–8. (55) Ibid., pp. 56–60. (56) Herman Pienaar, "Jeddah. City Profile" Ministry of Municipal and Rural Affairs, UNHabitat (Riyadh: 2019), p. 102, accessed on 5/1/2025, at: https://tinyurl.com/534nsvah

أساليب جديدة للعيش تقوم على الرفاهية والحصر على أصحاب مستوى معين من الدخل. وهكذا، وُضعت خطة عام 2019 لجدة على الرف على نحو مفاجئ وُأمر بعمليات هدم واسعة النطاق بدلًا

منها في عامَي 2022 و 2023. وباختصار، يبدو لي أن السعودية ودول الخليج الأخرى عند مفترق

طرق تُتخذ فيه قرارات مهمة بشأن نمط المدن المستقبلية. وفي ضوء أن التباينات في الثروة ستبقى في المستقبل المنظور بقاء لا مفر منه، لا بين السكان المقيمين عمومًا فحسب بل بين المواطنين

السعوديين أيضًا، يلزم أن يكون السؤال إذًا: لمن تُشيّد المدن المستقبلية؟ قد يكون من المفيد تذكر

ملاحظات الشيشتاوي الختامية في دراسته عن الرياض: "من المهم استيعاب أن الناس يجب أن يكونوا في قلب عملية التحديث والتطوير. إن التعاطف مع من هم أقل حظًا يُعدّ بعدًا مهمًا من حكم

المدينة".

المراجع

References

العربية

أبو داود، عبد الرزاق سليمان أحمد. جدة والجداويون في ذاكرة الإنسان. ط  2. جدة: دار منصور الزامل،.2017 الأنصاري، عبد القدوس. موسوعة تاريخ مدينة جدة. جدة: مطابع الروضة،.1980 با سلامة، عبد الله حسين. مواقف وذكرى عاشها الأستاذ الدكتور عبد الله حسين با سلامة. جدة: نشر شخصي،.2002 بخش، عبد الرحمن طه. أيام العمر. جدة: دار المرسى للنشر والتوزيع،.2006 الجحدلي، ياسين بن ساعد بن عمرو. الرويس: ضاحية جدة، تاريخ وأحداث. جدة: أطوار،.2020 السدحان، عبد الله بن ناصر. ماذا فعلت المدينة بسكانها؟ بيروت: مؤسسة الانتشار العربي،.2012 السعدون، عبد الله بن عبد الكريم. عشت سعيدًا. بيروت: المركز الثقافي العربي،.2011 السيف، عبد الجليل. مشوار في دروب الوطن. الرياض: نشر شخصي،.2008 الغامدي، سعيد عبد الله الفرحة. السعودية على أعتاب مرحلة جديدة. جدة: [د. ن].،.2017 طرابلسي، محمد يوسف حسن. جدة... حكاية مدينة. ط  2. الرياض: كنوز المعرفة،.2008 نصيف، عبد الله بن آدم صالح. العلا: دراسة في التراث الحضاري والاجتماعي. الرياض: [د. ن.]،

النمر، محمد بن عبد الله بن هاشم. حارة البحر: موطن الآباء والأجداد. جدة: دار منصور الزامل،

(57) Elsheshtawy, p. 270.

الأجنبية

Al Naim, Mashary A. "Urban Transformation in the City of Riyadh: A Study of Plural Urban Identity." Open House International.  vol. 38, no. 4 (December 2013). Al–Ankary, Khalid & El–Sayed El–Bushra (eds.). Urban and Rural Profiles in Saudi Arabia. Berlin/ Stuttgart: Borntraeger, 1989. Al–Mubarak, Faisal A. "Oil, Urban Development and Planning in the Eastern Province of Saudi Arabia: The Case of the Arab American Oil Company in the 1930’s–1970’s." Journal of King Saud University: Architecture & Planning. vol. 11 (1999). Al–Mubarak, Faisal.  Urbanization, Urban Policy and City Form: Urban Development in Saudi Arabia. PhD Thesis. Seattle: University of Washington, Washington, 1992. Alshehri, Atef & Lulu Almana. "Khobar City Plan and the New Public Space in Saudi Arabia." The Journal of Public Space. vol. 6, no. 1 (2021). Altorki, Soraya. Women in Saudi Arabia. Ideology and Behavior Among the Elite. New York: Columbia University Press, 1986. Altorki, Soraya & Donald P. Cole. Arabian Oasis City. Austin: University of Texas Press, 1989. Assmann, Jan. Cultural Memory and Early Civilization: Writing, Remembrance, and Political Imagination. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2011. Atmaca, Nushin. Saudische Lebensgeschichten. Die ‚Generation des Aufbaus‘ im Spiegel zeitgenössischer Autobiographien. MA Thesis. Freie Universität Berlin, Berlin.

Boodrookas, Alex & Arang Keshavarzian. "The Forever Frontier of Urbanism: Historicizing Persian Gulf Cities." International Journal of Urban and Regional Research. vol. 43, no. 1 (2019). Cooke, Miriam. Tribal Modern. Berkeley, Los Angeles: University of California Press,

Derbal, Nora. Charity in Saudi Arabia. Cambridge: Cambridge University Press, 2022. Elsheshtawy, Yasser. Riyadh. Transforming a Desert City. London, New York: Routledge, 2022. Freitag, Ulrike et al. (eds.). Urban Violence in the Middle East: Changing Cityscapes in the Transition from Empire to Nation State. New York/ Oxford: Berghahn, 2015. Freitag, Ulrike. A History of Jeddah. The Gate to Mecca in the Nineteenth and Twentieth Centuries. Cambridge/ New York: Cambridge University Press, 2020. Fuccaro, Nelida. "Introduction. Histories of Oil and Urban Modernity in the Middle East." Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East. vol. 33, no. 1

Gardner, Andrew, The Fragmentary City. Ithaca/ London: Cornell University Press,

Günel, Gökçe. Spaceship in the Desert. Durham: Duke University Press, 2019. Irish, John. "SAGIA Opens Doors: The Kingdom Is Hoping Its Six Economic Cities Will Stimulate Growth and Encourage Social Change." The Middle East. no. 378 (May

Maneval, Stefan. New Islamic Urbanism: The Architecture of Public and Private Space in Jeddah, Saudi Arabia. London: UCL Press, 2019. Mater, Ahmed. Desert of Pharan. Lars Müller Publishers, 2016. Menoret, Pascal.  Joyriding in Riyadh. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Nora, Pierre. "Between Memory and History: Les Lieux de Mémoire." Representations. vol. 26, no. 7 (1989). Pétriat, Philippe. Le Négoce des Lieux Saints: Négociants Hadramis de Djedda, 1850– 1950. Paris: Èditions de la Sorbonne, 2016. Ponzini, Davide. "Large Scale Development Projects and Star Architecture in the Absence of Democratic Politics: The Case of Abu Dhabi, UAE." Cities. vol. 28 (2011). Rao, Ursula. "Global Cities." The Routledge Handbook of Transregional Studies. Matthias Middell (ed.). London: Routledge, 2018. Samin, Nadav. Of Sand or Soil: Genealogy & Tribal Belonging in Saudi Arabia. Princeton, Oxford: Princeton University Press, 2015. Vora, Neha. Impossible Citizens: Dubai’s Indian Diaspora. New York: Duke University Press, 2020. Wippel, Steffen (ed.). Branding the Middle East: Communication Strategies and Image Building from Qom to Casablanca Berlin/ Boston: De Gruyter, 2023. Wippel, Steffen et al. Under Construction: Logics of Urbanism in the Gulf Region. Farnham, Burlington: Routledge, 2014. Yamani, May. Cradle of Islam: The Hijaz and the Quest for an Arabian Identity. London/ New York: I.B. Tauris, 2004.