العودة إلى تفاصيل المؤلَّف المقدَّس بين الرمز والسيف

المقدَّس بين الرمز والسيف

The Sacred between the Symbol and the Sword

عثمان لكعشمي| Othmane Leguachmi *

الملخّص

عنوان الكتاب: المقدس بين الرمز والسيف . المؤلف: نور الدين الزاهي. دار النشر: طنجة: دار أكورا للنشر والتوزيع. سنة النشر: 2023. عدد الصفحات: 177.

Abstract

Book title: The Sacred between the Symbol and the Sword. Author: Noureddine Zahi. Publisher: Tanger: Editions Agora. Date of Publication: 2023. Pages: 177.

الكلمات المفتاحية:
  • المقدس
  • الرمز
  • العنف
  • الإسلام
  • العلوم الاجتماعية
Keywords:
  • Sacred
  • Symbol
  • Violence
  • Islam
  • Social Sciences

عنوان الكتاب: المقدس بين الرمز والسيف. المؤلف: نور الدين الزاهي. دار النشر: طنجة: دار أكورا للنشر والتوزيع. سنة النشر: عدد الصفحات:

مقدمة

لطالما وُسِمت أعمال نور الدين الزاهي بميْسم إشكالي مخصوص، ألا وهو إشكالية العلاقة بين الديني والسياسي، منذ أطروحته المركزية التي أدلى بها في كتابه الزاوية والحزب، غير أن هذا المَيسم يقوم مركزيّا على مفهوم المقَّدَس؛ فإذا أردتُ أنْ أوِّلِف مشاغل الزاهي السوسيولوجية في مشغلة واحدة، سأوِّلِفها في المقَّدَس. وفي كتاب المقَّدَس بين الَّرَمز والَّسَ يف، يعالج الزاهي مسألة المقَّدَس مرة أخرى، حيث يسعى لفحص مفهوم المقَّدَس سوسيولوجيًا، من خلال التعامل مع الزاوية، بما هي تجسيد مادي للمقَّدَس، سواء بوصفها تنظيمًا دينيًا وسياسيًا أم بنية علائقية، وشكلًا معماريًا أم مج لًا مقَّدَسًا يتقاطع فيه الإسلام العاِلم بالإسلام الشعبي، المخزن بالقبيلة.ِ وإن كان العنف بحسب الزاهي من صميم المقَّدَس، فإنه لا يقع في شكل واحد: إنه يقع بين الرمز والسيف، بين عنف إسلام الزاوية وعنف الإسلام السياسي. إلا أن هذا المؤلف لا يعزز أطروحة العنف الجوهري للإسلام، بقدر ما يفندها، كما يفند الأطروحة التي تقول بتغييب العنف عن النص الديني، وبالقدر نفسه يؤكد حضوره سواء على مستوى النص المقَّدَس أم على مستوى الممارسة التاريخية. وذلك بغض النظر عن الفحص النقدي للعنف الذي تمارسه العلوم الاجتماعية الغربية على الإسلام، والتي تخص الإسلام وحده بالعنف. ولأن المراجعة في العمق هي إعادة كتابة، فإني ارتأيت مراجعة الكتاب المعني بالقراءة وفق ثلاث لحظات أو ثلاثة فصول أساسية، تنسجم مع موضوع الكتاب وإشكاليته الأساس: المقَّدَس بين الرمز والسيف، ألا وهي: المقَّدَس الرمزي، فالمقَّدَس السياف، ثم العنف المزدوج. فثمة التباس واضح على مستوى بنية الكتاب؛ لذلك ارتأيت إعادة تصنيفه في فصول ثلاثة بدل الفصلين المعلن عنهما أو الفصول الخمسة الفعلية، آخذًا في الحسبان التفاوت الكمي الكبير بين فصول الكتاب. لذلك عملت على إعادة تصنيفها لتحقيق نوع من التوازن على مستوى المراجعة، مع الحفاظ على الترتيب الفعلي لأفكار الكتاب.

أولا: المقَّدَس الرمزي

يتناول الزاهي في الفصل الأول من كتابه إشكالية المقَّدَس والرمز، وذلك انطلاقًا من تعريف الزاوية تعريفًا يستحضر الأبعاد المتعددة التي تُشكلها بوصفها ظاهرة. وهو يعالجها على أنها مجال مقَّدَس متعدد الأبعاد، وهو تعريف قد يغني القارئ عن الانحصار في إعادة إنتاج التعريفات الشائعة للزاوية، علاوة على رصد المؤلف للعلاقة بين إسلام الزوايا والإسلام السياسي، عبر فحص التناقضات التي يقوم عليها إسلام الزوايا من جهة والوهابية بالمغرب من جهة أخرى. ومن شأن هذا الفحص أن يؤول في نهاية التحليل إلى إعادة تعريف الزاوية سوسيولوجيًا. ما الزاوية؟ للإجابة عن هذا السؤال يضع الزاهي جانبًا التعريفات الاشتقاقية والتاريخية، والتي لا يمكنها في رأيه تعيين تلك الظاهرة في تعددها الدلالي، ويدعو إلى التعامل مع الزاوية على أنها دالّ يصل بالتحليل إلى مدلول، من خلال وضعه في السياق اللغوي والثقافي والتاريخي لنشأة

الزوايا التاريخية وتكُّوُنها: "إن الزاوية علامة لغوية قبل أنْ تكون مؤسسة، بمعنى أن حضورها داخل اللغة وتحديد هذا الحضور سيكون مهمًا للوصول إلى حضورها وأشكالها في المجتمع ككل" (ص. 9) لذلك اعتمد الباحث على المقابِلات اللغوية للفظ زاوية أو بنيته اللغوية السطحية، كما هو شأن المقابِلات العربية (رُكن)، والإغريقية (زاوية هندسية)، والعِبرية (وجه/ رأس). وهذه مقابلات تمثل علامات لغوية دالّة، ضمن سياق مخصوص هو السياق الثقافي والمجتمعي الإسلامي بعامة، والسياق المغربي بخاصة. يمكن تعريف الزاوية بوصفها ركنًا وشكلًا اهنوك نع لاًافض، نيسَدَّقم انًامزو لا جم، ايسدنه تأسيسًا عُمرانيًا ورمزيًا، علاوة على اعتبارها وجهًا للمحلّي والكوني: "إن الزاوية ركن ووجه وزمان ومكان وتأسيس وزاوية بالمعنى الرياضي – الهندسي" (ص. 10). يرى الزاهي أننا أمام مؤسسة تركيبية متعددة الدلالات، تشكّل ركنًا للأركان، مثلها في ذلك كمثل الركن الجوهري للإسلام (الشهادتان) الذي يوحّد بين بقية الأركان الأربعة للإسلام. فهي تشكّل نقطة تقاطع بين خَّطّي الإسلام العاِلم والإسلام الشعبي، والمكتوب والشفوي، والمقَّدَس والدنيوي، وإسلام الحضَر وإسلام البدو. وهو ما يجعل من الزاوية إمكانية تاريخية، تُجسد الطابع التاريخي للإسلام الذي يشده إلى الواقع المحلي (القبلي)، ويفسح المجال أمام رسم أفقه الكوني. بالقدر الذي تؤسس فيه الزاوية مجالها المقَّدَس، بوصفها شكلًا معماريًا يجسّد علامة رمزية ضمن الثقافة الإسلامية العامة، تؤسس زمانها المقَّدَس أو الميثولوجي عبر التكرار الطقوسي للأوردة والأذكار والمواسم. ومن ثمّ فإن الزاوية تأسيس عمراني ورمزي في آن؛ فهي تؤدّي دورًا تاريخيًا مركزيًا في إعادة بناء العلاقات الاجتماعية والرمزية بين الناس، سواء من خلال أدوارها التحكيمية أم التوجيهية، أو عبر أدوارها التعليمية والعلاجية. فهي تعمل عبر حضورها في المجال والزمان على تحويلهما من المستوى الطبيعي إلى المستوى المقَّدَس أو المتعالي. ولم يكتف الزاهي بهذا التعريف السوسيولوجي للزاوية، بقدر ما فتح به الباب أمام معالجة الإشكالات التي يطرحها إسلام الزوايا في المغرب، سواء أتعلق الأمر بالتناقضات الداخلية الناجمة عن البنية الداخلية لإسلام الزوايا والإسلام الُّطُرقي أم تعلّق بالمفارقات التي تكتنفها المواقف الوهابية والسلفية المعادية لإسلام الزوايا. لطالما تعرض إسلام الزوايا في المغرب إلى موجات من الانتقادات السلفية والسلطانية، إلا أنها ازدادت حدة بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين؛ مع العِلم أن الإسلام الطرقي بالنسبة إلى الباحث يجد سببه في إسلام الصلحاء، فالدعوة إلى الينابيع الأولى للقرآن والنبوة والسنة هي من صميم الإسلام الطرقي، كما هو شأن الطريقة الناصرية والشاذلية، وذلك على عكس ما تزعمه السلفية. وقد عمل إسلام الزوايا على ترسيخ الفكر السلفي، بالدرجة نفسها التي رسخت فيها الوهابية الفكر الطرقي؛ وهو ما يعكس التناقضات التي يقوم عليها إسلام الزوايا والوهابية على السواء، تلك التناقضات التي تمثل ميراثًا للفكر السلفي الديني والسياسي (ص. 89) يعتبر الزاهي أن المخزن العلوي ساهم كثيرًا في إضعاف الزوايا أو بالأحرى في مخزنتها. فالزاوية

التي يستعصي على سلطة المخزن إدماجها، يعمل على تدميرها أو إبطال فاعليتها الدينية والسياسية عبر آليات متنوعة، إلى درجة لم تعد فيها بعض الزوايا سوى أدوات في يد المخزن لبسط سيطرته وتبريرها، وفي هذا يقول المؤلف: "لقد عمل المخزن العلوي على دمج الزوايا ضمن سياسته قصد استعمالها كأدوات لترتيب سيطرته وتبريرها. وهذه العملية خضعت لسيرورة طويلة الأمد امتدت بالنسبة للمخزن العلوي منذ أول سلطان إلى حدود النصف الأول من القرن السابق، لدرجة يمكن أن نقول معها أن تاريخ الزوايا هو تاريخ إضعافها بأشكال مختلفة" (ص. 95)

ثانيًا: المقَّدَس السيّاف

يخص الزاهي، في الفصل الثاني من كتابه، الوجه الثاني لمفهوم المقَّدَس بالدراسة والتحليل، وفق إشكالية المقَّدَس والعنف الجذري (العُنف السَّيَاف)، والتي يتوقف فيها عند التحولات التي شملت المقَّدَس. لذا يُعدّ هذا الفصل لحظة محورية في الكتاب؛ إذ بفضله يدخل القارئ إلى صلب مفهوم المقَّدَس. يعترف المؤلف منذ البداية بأن تتبعه للتحولات التي مست العلاقة بين كل من الحقل الديني والحقل السياسي في المجتمعات الإسلامية والعربية المُركبة، سيؤول به إلى تسجيل ملاحظة أساسية لا محيد عنها، مفادها افتقاد الحقلين معًا لمرجعية الكتاب. وهو ما ينعته ب "موت الكتاب". فتقهقر المرجعيات الأيديولوجية المؤِّسِسة للفعل السياسي بِّيِن، خاصة في ظل اندلاع الثورات الكبرى في المجتمعات العربية، والتي ما زالت في نظره تشكل الحقول السياسية وتتموّج بمكوناتها (ص. 101) فقد الدين المتكلّمين باسمه وفقدت السياسية منظّريها الأيديولوجيين. إلا أن المجالين الديني والسياسي لا يقعان على الدرجة نفسها من حيث التأثير؛ فالمرجعيات السياسية ليست مقَّدَسة على غرار قدسية المرجعيات الدينية. في هذا الصدد، يقول الزاهي: "ليست مرجعيات السياسة مقَّدَسة.. لذلك فموتها قابل للتفسير والتبرير، لكن أن يموت الكتاب المقَّدَس بهوامشه وشروحاته على يد أهله، ذلك ما يحتاج إلى جهد التفسير والبحث والتأويل" (ص. 101) في هذا المجهود التأويلي يسترشد الباحث بمفهوم الجهل المقَّدَس لأوليفيي روي Olivier Roy، حيث أخذ الجهل المقَّدَس منزلة الكتاب المقَّدَس على مستويَي الفعل والممارسة. فقد أصبح الدين بفعل سيرورة العلمنة مفصولًا عن الثقافة ولم يعد للكتاب أي غنى رمزي، واستحالت استراتيجية التأويل إلى استراتيجية للتنفيذ، وخرجت المجتمعات من نظام الفكر لتلج نظام الفعل؛ أي انتقلت من الدين إلى التديّن الطقوسي. يذهب المؤلف إلى أن المقَّدَس في الثقافة العربية الإسلامية لا يتناقض مع ما هو دنيوي ولا يتوازى معه، بل يتعايش معه جنبًا إلى جنب، إلى درجة يشّكلّان ما يسمّى المقَّدَس الدنيوي: "منطقة المقَّدَس الدنيوي هي منطقة التماس بين حياة الدين وحياة الدنيا.. ما نعيشه الآن، هو النزوح الجامع لتوسيع دائرة المقدس الدنيوي، ومن ثم توسيع حضور المقدس في الدنيوي.. وهذا النزوح يضفي على المقدس الديني صفته الكليانية القاتلة والمستبدة.. يغلق الكتاب وتوصد معه كل أبواب ومنافذ التساؤل عن حقيقة ما يحمله ويدعو إليه. انتصار القصاص وحُّدُ التطبيق والتنفيذ يحوّل الشريعة إلى شعار

والمؤمنين إلى جند الله والجهاد والشهادة إلى صناعة متطورة للقتل" (ص. 107) بعد رصد هذا التحول على مستوى المقَّدَس من مقَّدَس رمزي إلى مقَّدَس آخر يمكنني نعته بالمقَّدَس السيّاف (مقَّدَس الَّسَيف)، الناجم وفق المؤلف عن "موت الكتاب المقدس"، يضع الزاهي القارئ أمام مسألة المقَّدَس والعنف، متسائلًا: لمَ يتحول المقَّدَس إلى عنف؟ وكيف؟ قبل الإجابة، يحدد المؤلف ميدان المقَّدَس في ثلاثة أسئلة أساسية (ص. 111) ترسم الحدود النظرية للمفهوم: أيمكن تعريف المقَّدَس في ذاته، أم في علاقته بمفاهيم أخرى معارضة له، من قبيل الدنيوي والدنس؟ أيوحي المقَّدَس بالإلهي أم هو مجرد مكون سيكولوجي للذات البشرية يأخذ شكل استيهامات وأوهام إسقاطية؟ ثم أيتعرض المقَّدَس للتحول أم أنه يعيش تقهقرًا لقوته وانطفاءً لشعلته إثر تأثير الحضارة العلمية والتقنية؟ ثلاثة أسئلة يتحدد بصددها مجال البحث في المقَّدَس. ينطلق الباحث في تعيينه للمفهوم الأنثروبولوجي للمقَّدَس، من فكرة لورا ليفي ماكاريوس Laura Levi Makarius التي تلُّحُ على أن أي بحث في المقَّدَس هو إبطال لمفعول قدسيته؛ ذلك الإبطال الذي يحيل في نظر الزاهي إلى تعريف معين للمقَّدَس بوصفه ما يعارض طبيعته أو يتنافى معها، كما هو حال مفهوم المدَّنَس. فسواء أتعاملنا مع المقَّدَس بوصفه مماثلًا للإلهي أم تجليّا له، فهو يبقى تجربة داخلية يعيشها المرء بوعيه وجوارحه، تتيح له إمكانية العبور من الديني إلى الدنيوي، مع الأخذ في الاعتبار السياقات التي يتشكل فيها المقَّدَس ويحدث بفضلها العبور. فبعدما كان العنف بمنأى عن مفهوم المقَّدَس، أصبح مع روجي كايوا Roger Caillois وجورج باطاي Georges Bataille خاصية من خاصيات المقَّدَس، ليصل مع روني جيرار René Girard إلى درجة التماهي معه. لمَ يتحول المقَّدَس إلى عنف؟ وإن كان يبدو الجواب عن هذا السؤال من دون معنى، خاصة في ضوء أطروحة جيرار، فإن التساؤل يظل ضروريًا: ما الذي يدفع المقَّدَس إلى مغادرة دائرته القدسية ليلج دائرة العنف سواء في شكلها الرمزي أم السياسي؟ للإجابة عن هذا السؤال، يجد القارئ نفسه أمام ثلاث أطروحات أساسية: المقَّدَس وُلد من صلب رغبة المحاكاة (أطروحة جيرار)، العنف من صميم الجهل المقَّدَس (أطروحة روي)، ممارسة العنف باسم الدين ناجمة عن تسييس الدين (أطروحة علي عبد الرزاق، محمد شحرور، أحمد صبحي منصور). كيف يتحول المقَّدَس إلى عنف؟ أو بالأحرى كيف يتحول الخطاب المقَّدَس إلى عنف فعلي؟ للإجابة عن هذا السؤال يعرض الزاهي ثلاث أطروحات أساسية: أما الأولى فتؤكد الدور الذي تؤديه القوة التنظيمية، كما هو شأن القوة التنظيمية لما يُسمى القاعدة أو الدولة الإسلامية، في صناعة رأس المال القتالي، ومن ثم المساهمة في تحويل الخطاب المقَّدَس إلى ممارسة قتالية عنيفة. وأما الثانية، فهي ترجع ذلك التحول إلى الثورة الرقمية ودورها في آلية التحول تلك. وأما الثالثة، فترى أن آلية التحول تكمن في عنف الحالة الناشئة للفاعلين القتاليين.

ثالثًا: العنف المزدوج

في ضوء هذه الأطروحات يحاول الزاهي رصد العنف المزدوج للإسلام: أما في وجهه الأول، فيرتبط بالعنف الذي يكتنف النص القرآني من

جهة ويتضمنه تاريخ المسلمين الأقرب إلى عصر النبوة من جهة أخرى. وأما في وجهه الثاني، فيتعلق بالكشف عن العنف الذي تمارسه العلوم الاجتماعية على الدين بصفة عامة وعلى الدين الإسلامي بصفة خاصة، انطلاقًا من العنف الإبستيمي للقرن التاسع عشر وصولًا إلى تتبع العنف الموجّه ضد ديانة الإسلام بالخصوص. وقد خصّ هذا التتبع كل من كلود ليفي ستروس Claude Lévi–Strauss وماكس فيبر Max Weber، بُغية الكشف عن السبب الكامن وراء تمييز الإسلام وحده بخصيصة العنف أكثر من غيره من الديانات. أفضى تتبع الزاهي لألفاظ العنف ومشتقاته، من الموت إلى القتل في النص القرآني، إلى رصد صنفين من العنف. يشير الصنف الأول إلى الموت الإيجابي المتعالق بالموت في سبيل الله، سواء عبر القتال أم عبر الهجرة مع النبي. ويحيل الصنف الثاني إلى القتل السلبي أو القتل الدموي ومشتقاته. وإذا كان الصنف الأول من العنف القرآني يقصد المُشايعين للنبي في الفترة المكية والمهاجرين منهم والأنصار، فاضلًا عن العنف المعني بأصحاب النبي، فإن الصنف الثاني منه يقصد المشركين والكفار والمنافقين والزنادقة والمرتدين واللوطيين والسحاقيات. على ذلك، لم يحضر عنف الإسلام على مستوى النص القرآني وحسب، بقدر ما مورس أيضًا على مستوى تاريخ المسلمين؛ ذلك العنف الذي امتد من عصر النبوة إلى عقود الهجرة الخمسة التي تلت وفاة نبي الإسلام، وهو عنف استهدف فئات متنوعة واتخذ أشك لًا متعددة. بناء على معطيات تاريخية استقاها المؤلف من دراستين؛ الأولى لمحمد الهلالي وحنان قصبي، والثانية لعبود الشالجي، خلص إلى القول بثقافة الموت والقتل في الإسلام، ومن ثم تأكيد طابعه العنيف. لكن قراءة العنف التاريخي للإسلام ينبغي، وفق الزاهي، أن تأخذ في الاعتبار أربع ملاحظات: أولًا، يجب ألا تتعامل مع العنف المرصود في النص القرآني على أنه عنف من صميم جوهر الإسلام من حيث هو ديانة، بقدر ما يجب التعامل معه بصفته خطابًا، فالعنف خاصية خطابية؛ ثانيًا، تقتضي مقاربة عنف الإسلام في التاريخ أن يؤخذ في الحسبان أن العنف مشروط تاريخيًا في مجال تاريخي معين؛ ثالثًا، ينبغي التمييز في أي تبصر لعنف الإسلام بين الخطاب المرجعي للعنف والممارسة العنيفة، بين عنف القرآن وعنف المسلمين؛ رابعًا، ينبغي عدم اختزال العنف في بعده السياسي التسلطي، والأخذ في الاعتبار أن العنف قوة وسلطة فاعلة. من شأن هذه الملاحظات التي سجلها الزاهي عن القراءة التاريخية لعنف الإسلام أن تثير أمام القارئ التساؤل عن الكيفية التي تعاملت بها العلوم الاجتماعية مع عنف الإسلام، وقبل ذلك: ما موقف تلك العلوم من الدين عمومًا؟ يسم المؤلفُ العنف الذي مارسته العلوم الاجتماعية على الدين، في ظل إبستيميا القرن التاسع عشر، ب "العنف الإبستيمي الجنائزي أو تفكير الديانة بمستقبلها الميت". بهذه العبارة يختصر الباحث عنف العلوم الاجتماعية المعادي للدين، والذي يجمله في ثلاث أفكار مركزية: أولًا، ممارسة نوع من العنف الاختزالي لحركة الدين نحو المستقبل؛ ثانيًا، ممارسة العنف المنهجي المقارن أو التصنيفي، بين الدين والعِلم من ناحية وبين مختلف الديانات من ناحية أخرى، وإن كانت هذه المقارنة أو التصنيف من مقتضيات المعرفة العلمية، فإنها تترجم لغة السلطة أو القوة إلى أشكال من الهيمنة والاستعمار والسياسة العرقية (ص. 141)؛ ثالثًا، ممارسة التجريد العنيف

الذي يساهم في إقصاء أشكال العيش التي تنفلت من الخطاطات والنظريات، بما هي ممارسة عنيفة ضد التشكيلات الاجتماعية المركّبة. وعلى الرغم من شدة العنف الذي مارسته العلوم الاجتماعية على الديانة بعامة، فإنه يظل بالنسبة إلى الزاهي هينًا مقارنة بنظيره الذي يخص الديانة الإسلامية وحدها، كما هو شأن تصورَي كل من فيبر وستروس المعاديين للإسلام. وهي معاداة تبرهن على عدم تحررهما من الميراث الاستشراقي، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن الإسلام لم يأخذ حيّزًا كافيًا ضمن أعمالهما، مقارنةً بديانات أخرى مثل البوذية والكونفوشية واليهودية والمسيحية. هذا فيبر يختزل الإسلام إلى دين حربي عنيف: على عكس الأخلاق البروتستانتية، فلا يشكل العمل بالنسبة إلى الدين الإسلامي سبيلًا للخلاص، بل إن فكرة الخلاص لا تشغل أي حيّز في الأخلاق الإسلامية وتعاليم الإسلام. وإذا كان هناك مِن مصدر للثروة في الإسلام، فهو يكمن في العمل الحربي والقتالي؛ ولذلك هو لم يقدر على تكوين روح عقلانية للرأسمالية. إن الإسلام ديانة حربية عنيفة، هو ديانة البدو المتعطشين للسلب والنهب، الذين لا يعرفون سوى منطق العنف والسيف، وبناء عليه، لم يكن انتشار الإسلام خارج تراب بلاده عن طريق فريضة الجهاد، وهو ما مكن أتباعه المسلمين من اغتنام ثروات هائلة (ص. 162) وذاك ستروس الذي جعل من الإسلام آلة بدوية تخريبية: فعلى عكس نظرته المعتدلة إلى حد ما إلى عوائد هنود البوذيين ونمط عيشهم من أكل وشرب ولباس، فإنه خص الهنود المسلمين بنظرة تحقيرية ومعادية، حيث تهكم على أكلهم بيدهم اليمنى، وتحُّجُب نسائهم وغيرها من الملاحظات التي أخذت صيغًا استنكارية أو احتقارية أكثر منها وصفية أو استكشافية. وهو يعتبر أن عنف المسلمين الهنود وتشددهم هو من عنف الإسلام وتشدده، وحمّل الإسلام مسؤولية تفكك العالَم الممتد من الشرق إلى الغرب، إلى درجة حمّله فيها مسؤولية ضياع فرصة الزواج بين أوروبا المسيحية والشرق البوذي (ص. 166). وتكفي الإشارة إلى أن ستروس يعدّ من السبّاقين إلى تنبيه أوروبا إلى خطر الأسلمة المحدق بمجتمعاتها بفعل احتكاكها بالمسلمين (ص. 167)

خاتمة: نظرية في المقَّدَس الإسلامي؟

لا يمكن إنكار الأهمية التي يكتسيها كتاب المقدسُ بين الَّرّمز والَّسَ يفلنور الدين الزاهي. فنحن أمام دراسة سوسيولوجية للكيفية التي يتشكل بها المقَّدَس؛ بين الرمز والسيف، إلا أن ذلك لا يمنع من الحوار النقدي مع أفكار الكتاب موضوع المراجعة، بغية المساهمة في تخصيب النقاش حول المقَّدَس وإشكالاته. فمراجعتي للكتاب ناجمة عن انشغالي بالتجارب الحدودية، كما هو شأن المقَّدَس بوصفه تجربة حدودية مضاعَفة، فائضة بالمعنى والرمز. إن المقَّدَس ليس هو الإله أو الله عينه في ثقافتنا الإسلامية، وإنما هو حدود الله الاجتماعية للمؤمنين أو بالأحرى التجربة الحدودية للمؤمنين التي تفيض بالمعاني الاجتماعية والتعبيرات الثقافية والاستعارات والرموز.

أولا، أيتعلق الأمر في هذا الكتاب بمفهوم المقدَس أم بمفهوم الزاوية؟ عندما يقرأ المرء الفصل الأول "المقدس والرمز"، يجد أنه فصل عن الزاوية أكثر منه فصلا عن المقدس في حد ذاته. صحيح أن المقدَس لا يُدرس في ذاته، لكن لا يمكن بأي حال من الأحوال اختزاله في الزاوية بوصفها التجلي الأوحد له، خاصة لَما تُقدّم الزاوية للقارئ كما لو كانت هي المقدَس عينه وقد تحوّل إلى ركن مادي أو رمزي. فتعريف الزاوية من حيث هي تجلٍ للمقدَس لا يزيد مفهوم المقدَس إلا غموضًا، فهو لا يعطينا فكرة البديل. عنه بقدر ما يعطينا فهمًا مقدَسًا للزاوية، إلى درجة أصبحت فيها الزاوية هي الموضوع لا المقدَس. ماذا عن الرمز؟ انصهر في عبارة الإسلام، ليصبح العنوان الفعلي للفصل هو: الزاوية والإسلام. ثانيًا، لقد بالغ المؤلف في تقديره فكرة "موت الكتاب" مرجعيةً للفعل الديني والسياسي ودورها في تشكيل المقدَس الكلياني؛ ومرد ذلك إلى تبنيه الحرْفي لمفهوم الجهل المقدَس لروي؛ إذ أقدم على تبنيه من دون فحصه فحصًا نقديًا:

المراجع

الزاهي، نور الدين. الزاوية والحزب: الإسلام والسياسة في المجتمع المغربي. الدار البيضًاء: أفريقيا الشرق،.2000

لكعشمي، عثمان. البرَّانيّ المُتجذِّر، الانعكاسيَّة المُتبادَلة: نحو أنثروبولوجية للضيافة. الدار البيضًاء: أفريقيا الشرق، (.202

كيف يُمكن القول بموت الكتاب في اللحظة التي يتم فيها رصد العنف في النص القرآني؟ فما فائدة رصد العنف في كتاب ميت لم يعد يشكّل مرجعية للممارسة والتأويل؟ ثالثًا، ما ينقص عند المؤلف في رصده العنف المزدوج، الممارس على دين الإسلام، هو تقديم بديل سوسيولوجي في دراسة الإسلام، حيث اكتفى بنقد الأفكار من دون صياغة بديل، وليس الاكتفاء بنقد الصلة المعرفية بالذات والآخر (ص (16) بديلا في حد ذاته إلا إذا كان الكتاب الذي بين أيدينا هو ذلك مع هذه الملاحظات/ التساؤلات النقدية، يمكن القول إن الزاهي قد تمكن من تحقيق تراكم سوسيولوجي في دراسة المقدَس، ويمكن عدّﻩ مشروعًا سوسيولوجيًا لتطوير نظرية سوسيولوجية في المقدَس الإسلامي، قد يشكّل الكتاب أرضية خصبة لها. وربما كان ذلك هو ما يصفه بالسوسيولوجيا الرمزية، التي من شأنها تفسير كيفية تحول المقدَس إلى عنف.