العودة إلى تفاصيل المؤلَّف البرجوازية الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي: وطنية أم كمبرادورية أم تابعة مستفيدة من تبعيتها؟

البرجوازية الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي: وطنية أم كمبرادورية أم تابعة مستفيدة من تبعيتها؟

The Palestinian Bourgeoisie under Israeli Occupation: National, Comprador, or Dependent Benefiting from its Dependency?

نتالي سلامة| Natalie Salameh *

الملخّص

تهدف الدراسة إلى تقديم مقاربة طبقية للبرجوازية الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي (1967-1994)، سعيًا لإبراز الاختلاف بين تبعية البرجوازيات الفلسطينية للبرجوازيات الإسرائيلية، وتبعية برجوازيات دول الأطراف لبرجوازيات دول المركز. وترتكز الحجة الرئيسة في الدراسة على ضرورة استحضار الطبيعة المتناقضة للبرجوازية في المستعمَرات، والتي تتأرجح بين التقدم والرجعية، وبين التبعية والاستقلال. وباستخدام مفهوم نيكوس بولانتزاس للتحليل الطبقي الظرفي، ومفهومه عن أفق العمل، ومن خلال التمييز بين التبعية في ظل الدولة الحديثة الاستقلال والتبعية القسرية والعميقة في أثناء الاحتلال العسكري، واستنادًا إلى مجموعة من الأدلة الميدانية، تقدم الدراسة تحليلًا نقديًّا لمفهوم الكمبرادور في سياق التجربة الفلسطينية المدروسة، وتستخدم مفهوم البرجوازية التابعة والمستفيدة من تبعيتها، لوصف فئات مختلفة من هذه الطبقة، وتبين أن مفهوم البرجوازية الوطنية لا يمكن أن ينطبق على البرجوازية الفلسطينية خلال الفترة المدروسة.

Abstract

Abstract: This article invokes a class–based approach to the Palestinian bourgeoisie under occupation (1967–1994). It highlights the difference between the dependency of the Palestinian bourgeoisie on the Israeli bourgeoisie, and that of the bourgeoisie of peripheral countries on the bourgeoisie of core countries. It argues for the necessity of recalling the contradictory nature of colonial bourgeoisies, which oscillate between dependency and independence. Using Nicos Poulantzas’ conjunctural class analysis and his concept of horizon of action, the article differentiates between dependency under a newly independent state, and the coercive and deep dependency under military occupation. Drawing on field evidence, the article critiques the comprador concept in the Palestinian context. Instead, the article proposes the term "dependent bourgeoisie benefiting from its dependency" to demonstrate that the concept of national bourgeoisie does not apply to the Palestinian bourgeoisie during the studied period.

الكلمات المفتاحية:
  • فلسطين
  • البرجوازية
  • الاستعمار
  • التحليل الطبقي
  • التبعية
Keywords:
  • Palestine
  • Bourgeoisie
  • Colonialism
  • Class Analysis
  • Dependency

ملخص: تهدف الدراسة إلى تقديم مقاربة طبقية للبرجوازية الفلسطينية تحت الاحتلال

الإسرائيلي (1967–1994)، سعيًا لإبراز الاختلاف بين تبعية البرجوازيات الفلسطينية

للبرجوازيات الإسرائيلية، وتبعية برجوازيات دول الأطراف لبرجوازيات دول المركز.

وترتكز الحجة الرئيسة في الدراسة على ضرورة استحضار الطبيعة المتناقضة للبرجوازية

في المستعمَرات، والتي تتأرجح بين التقدم والرجعية، وبين التبعية والاستقلال. وباستخدام

مفهوم نيكوس بولانتزاس للتحليل الطبقي الظرفي، ومفهومه عن أفق العمل، ومن خلال

التمييز بين التبعية في ظل الدولة الحديثة الاستقلال والتبعية القسرية والعميقة في أثناء

الاحتلال العسكري، واستنادًا إلى مجموعة من الأدلة الميدانية، تقدم الدراسة تحليلًا ا نقدّي

لمفهوم الكمبرادور في سياق التجربة الفلسطينية المدروسة، وتستخدم مفهوم البرجوازية

التابعة والمستفيدة من تبعيتها، لوصف فئات مختلفة من هذه الطبقة، وتبين أن مفهوم

البرجوازية الوطنية لا يمكن أن ينطبق على البرجوازية الفلسطينية خلال الفترة المدروسة.

Abstract: This article invokes a class–based approach to the Palestinian bourgeoisie under occupation (1967–1994). It highlights the difference between the dependency of the Palestinian bourgeoisie on the Israeli bourgeoisie, and that of the bourgeoisie of peripheral countries on the bourgeoisie of core countries. It argues for the necessity of recalling the contradictory nature of colonial bourgeoisies, which oscillate between dependency and independence. Using Nicos Poulantzas’ conjunctural class analysis and his concept of horizon of action, the article differentiates between dependency under a newly independent state, and the coercive and deep dependency under military occupation. Drawing on field evidence, the article critiques the comprador concept in the Palestinian context. Instead, the article proposes the term "dependent bourgeoisie benefiting from its dependency" to demonstrate that the concept of national bourgeoisie does not apply to the Palestinian bourgeoisie during the studied period.

PhD Researcher in Social Science at Birzeit University, Palestine. Email: natali.f.salameh@gmail.com

مقدمة

ت ثمل نظرية التبعية تحولًا في فهم ظاهرة التخلف في دول الجنوب العالمي، خلال فترة ما بعد الاستعمار. فهي تركز على العوامل الخارجية، بدل من العوامل الداخلية كما تفعل نظرية التحديث. وعلى العكس من افتراضات التحديث التي تربط التخلف بعوامل داخلية، تؤكد التبعية أن العلاقات غير المتكافئة بين الدول هي المسؤولة عن إعادة إنتاج ظاهرة التخلف في دول الأطراف. وتهدف التبعية إلى تحدي البنية الهرمية للتقسيم العالمي، التي تعزز من الهيمنة الإمبريالية. ومع ذلك، من الخطأ اعتبار أن نظرية التبعية تركز فقط على العوامل الخارجية. فعلى العكس من ذلك، سعى منظروها لاستكشاف أهمية العوامل الخارجية للتخلف بارتباطها بالعوامل الداخلية؛ وهو جانب أغفلته نظرية التحديث. وأكدت التبعية أن الهيمنة الاقتصادية والسياسية تتحقق من خلال برجوازية محلية تتحالف مصالحها المادية مع رأس المال الاستعماري. أكدت نظرية التبعية، استنادًا إلى طبيعية موقع الطبقي في أثناء الإمبريالية، الدور الرجعي للبرجوازية المحلية. فوفقًا للنظرية "لا ثمل البرجوازية الوطنية حليفًا تقدمّي ت ا أو حليفًا يمكن الوثوق به لتفكيك

النظام الرأسمالي العالمي، بل على العكس من ذلك، إنها تستفيد من هذا النظام، وتساهم في إعادة إنتاج التخلف في دول الأطراف". وقد رأى أندريه غوندر فرانك (2005–1929)، أحد روّاد نظرية التبعية، أن "هذه البرجوازيات مرتبطة،

على نحوٍ يمكن الانفكاك منه، بالنظام الإمبريالي والعلاقة الاستغلالية بين المتروبول والهامش التي لا يفرضها؛ ومن ثمّ فإنها لا تستطيع الهروب منها. بل يمكنها توسيع الفقر الناتج من هذه العلاقة وتعميقه فحسب"، مؤكدًا أن "البنية الكولونيالية والطبقية ترسخ مصالح طبقية محددة تحديدًا جّي دًا لمصلحة

القطاع المسيطر من البرجوازية. فعبر استخدام الحكومات وغيرها من أجهزة الدولة، تنتج البرجوازية سياسة تخلف في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأمة وشعب أميركا اللاتينية"؛ وهو ما تجسد في دول أميركا اللاتينية في فترة ما بعد الاستقلال في القرن التاسع عشر، حيث "لم تحقق أي استقلال حقيقي على الإطلاق، بل ظلّت أدوات فعالة ببساطة في أيدي السياسة البرجوازية الرثة القائمة على التنمية الرثة". ومنذ طرح فرانك لمفهوم البرجوازية الرثة، ظل التصور السائدة في أدبيات التبعية

(1) Thomas Angotti, "The Political Implications of Dependency Theory," Latin American Perspectives , vol. 8, no. 3–4 (1981), p. 126. (2) David L. Blaney, "Reconceptualizing Autonomy: The Difference Dependency Theory Makes," Review of International Political Economy , vol. 3, no. 3 (1996), p. 460. (3) Ramón Grosfoguel, "Developmentalism, Modernity, and Dependency Theory in Latin America," Nepantla: Views from South , vol. 1, no. 2 (2000), p. 358. (4) Andre Frank, Latin America: Underdevelopment or Revolution (New York/ London: Monthly Review Press, 1969), pp. 228–229. (5) Andre Frank, Lumpenbourgeoisie: Lumpendevelopment; Dependence, Class, and Politics in Latin America (New York/ London: Monthly Review Press, 1972). (6) Ibid., p. 58.

أن البرجوازيات المحلية تضطلع بدور وظيفي في تعميق التبعية وتعزيزها، بل أصبح أحد الأهداف الرئيسة لمنظور التبعية محاربة مفهوم التنمية القائم على برجوازية وطنية تقدمية. في السياق الفلسطيني، وتأّث رًا بأطروحات مدرسة التبعية عن الاستغلال في التداول، جرى التركيز على

العلاقة الكمبرادورية التي تربط التجار الفلسطينيين بالتجار والمصنعين الإسرائيليين. ف، يشير جميل اثمل هلال إلى أنه بعد عام 1967، توسع إلى حدّ بعيد ارتباط التجار الفلسطينيين مع الاقتصاد الإسرائيلي، تحديدًا من أداء دور الوسيط بين المصنعين والمستوردين الإسرائيليين والسوق المحلية الفلسطينية. أما عادل سمارة، فيستخدم مصطلح الكمبرادور، لوصف الفئة التجارية الجديدة التي يدّعي أن الاحتلال هو الذي أوجدها، والتي تضم كبار التجار الفلسطينيين، وتحديدًا من خلال حصولهم على امتيازات لتسويق منتجات الشركات الإسرائيلية بدعم من الحكم العسكري الإسرائيلي. ويشير خليل نخلة إلى منح الإدارة المدنية، منذ حلولها عام 1981 محلّ الحكم العسكري، التجارَ الفلسطينيين الذين يوافقون على تصدير المنتجات الإسرائيلية إلى السوق الفلسطينية حوافزَ ومكافآت نقدية. وعلى نحوٍ مماثل، يؤكد آدم هنية أن البرجوازية الفلسطينية التجارية هي "كمبرادور بطبيعتها"؛ إذ أتت أرباحها من حقوق الاستيراد الحصرية للسلع الإسرائيلية ويتكرر في أكثر من دراسة وصفها بأنها "الشريحة الاجتماعية الأولى التي ترتبط بالاقتصاد الإسرائيلي". تجادل هذه الدراسة بأن توظيف مفهوم الكمبرادور لوصف البرجوازيات التجارية الفلسطينية أدى، في الحصيلة، إلى تكريس نظرة ضيقة وأحادية، لا ترى في البرجوازية التجارية الفلسطينية إلا طبقة متعاونة مع الاستعمار. وتجادل بأنه لا يمكن أن نفهم المصالح الاقتصادية للبرجوازية الفلسطينية، سواء على صعيد الإنتاج أو التبادل، بعيدًا عن واقع المنافسة غير المتكافئة مع البرجوازية الإسرائيلية

والاحتلال الداعم لمصالحها، وبعيدًا عن واقع سيطرة البرجوازية المستعمِرة وهيمنتها على الموارد الوطنية والسوق الوطنية، بخاصة إذا نُظر إلى هذا الاستعمار، على أن له خصوصية استيطانية إحلالية، تهدف إلى محو المستعمَر بدل من استغلاله. تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أقسام: يتناول القسم الأول المناقشات والجدالات المفاهيمية حول البرجوازيات الوطنية ومواقعها وأدوارها الاقتصادية والسياسية وعلاقاتها بالبرجوازية المستعمِرة.

(7) Anne Phillips, "The Concept of Development," Review of African Political Economy , vol. 4, no. 8 (1977), p. 20. (8) Jamil Hilal, "Class Transformation in the West Bank and Gaza," MERIP Reports , no. 53 (1976), pp. 9–15. (9) Adel Samara, "The Political Economy of the West Bank 1967–1987: From Peripheralization to Development," in: Toby Shelley, Ben Cashdan & Adil Samarah, Palestine: Profile of an Occupation (London/ New Jersey: Zed Books Ltd, 1989), pp. 10–11.

(((1 يرتبط تحول الحكم العسكري إلى "إدارة مدنية" في عام 1981 بمشروع كامب ديفيد واتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. أدخلت الإدارة المدنية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، في آذار/ مارس 1981، بهدف التمهيد لتنفيذ ما سُمّي خطة

الحكم الذاتي في إطار اتفاقيات كامب ديفيد. ((1(خليل نخلة، فلسطين وطن للبيع (رام  الله: الرعاة للدراسات والنشر،.)2014

(12) Adam Hanieh, "Class, Economy, and the Second Intifada," Monthly Review , vol. 54, no. 5 (2002), p. 35. (13) Samara, pp. 10–11.

وتتمحور المجادلة الرئيسة في هذا القسم حول ضرورة استحضار ما يغيب عن النقاش اليوم في معظم أدبيات الاقتصاد السياسي؛ وهو الطبيعة المتناقضة للبرجوازية في المستعمَرات، التي تتأرجح بين التقدم والرجعية، وبين التبعية والاستقلال. ويقدّم القسم الثاني قراءة تاريخية، تسلط الضوء على التبعية التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على القطاعات المختلفة. وتخوض الدراسة في مجادلتها الرئيسة؛ ومن ثمّ تسعى لإبراز التناقض الكامن في وضع البرجوازيات الفلسطينية، اعتمادًا على الحقائق الإمبيريقية التالية: أول، اقتصاص م ثملي المصالح الاحتلالية حصة من أرباح التجار الفلسطينيين المنتمين إلى الاقتصاد التابع، بحيث توجد مصلحة لدى الكثير من التجار الفلسطينيين في التخلص من تكلفة الوسيط الإسرائيلي. ثانيًا، فْر ضُ

الاحتلال، منذ عام 1967، قيودًا شديدة على التجار الفلسطينيين، سواء على شكل سياسات أو إجراءات، أضرّت، بأعمالهم وأرباحهم. في القسم الثالث، واستنادًا إلى المناقشات النظرية والجدالات حول البرجوازيات الوطنية ومواقعها وأدوارها الاقتصادية والسياسية التي عُرضت في القسم الأول، وكذلك استنادًا إلى المعطيات المقدمة في القسم الثاني، نعود إلى مناقشة مسألة مفهوم الكمبرادور، بهدف الوصول إلى خلاصات تمكّن من فتح الآفاق على حالات أخرى غير الحالات الفلسطينية.

أولا: برجوازيات دول الأطراف: بين التبعية والرؤية اللينينية للبرجوازية الوطنية

تعتمد نظرية التبعية أساسًا على وجود برجوازية محلية، تتحالف مصالحها المادية مع رأس المال الاستعماري، بحيث يعتبر إبرازها لدور شبكات المصالح التي تربط بين الفاعلين المحليين والعالميين، أحد أهم ما يميزها مما سبقها من نظريات بخاصة نظرية التحديث، فضل عن تأكيدها التفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية؛ وهو ما يُعدّ إسهامًا مهّم ا في حقل دراسات الاقتصاد السياسي الدولي. وعلى الرغم من أن نظرية التبعية تمكنت من الكشف

(14) Young Namkoong, "Dependency Theory: Concepts, Classifications, and Criticisms," International Area Studies Review , vol. 2, no. 1 (1999), pp. 121–150.

(((1 لمزيد الاطلاع، ينظر:

Omer Sánchez, "The Rise and Fall of the Dependency Movement: Does It Inform Underdevelopment Today?" Journal EIAL Estudios Interdisciplinarios de América Latina y el Caribe , vol. 14, no. 2 (2003), p. 38.

(((1 افترضت نظرية التحديث وجود عملية تنمية خطية (تدرجية ومستمرة) تمر بها جميع الاقتصادات في العالم، لمزيد الاطلاع، ينظر:

Vliegenthart Arjan, "Bringing Dependency Back in the Economic Crisis in Post–Socialist Europe and the Continued Relevance of Dependent Development," Historical Social Research , vol. 35, no. 2 (2010), p. 245. (17) Samuel Valenzuela & Arturo Valenzuela, "Modernization and Dependency: Alternative Perspectives in the Study of Latin American Underdevelopment," Comparative Politics , vol. 10, no. 4 (1978), p. 546. (18) Namkoong, p. 145.

عن المصالح المادية المشتركة بين البرجوازيتين المستعمرَة والمستعمِرة، فإنها أفرطت في تبسيط

العلاقة بين الطرفين، وكرست نظرة أحادية تصوّر البرجوازية المستعمرَة على أنها طبقة متعاونة مع

الاستعمار، وتجاهلت بصفة ملحوظة وجود تنافس ومصالح متضاربة بين البرجوازيتين المستَع مرة والمستعمِرة. وفي سياق تحليل العلاقة بين البرجوازية المستعمَرة والسياسات الاستعمارية، التي وصفها فلاديمير لينين بأنها "سياسات قائمة على النهب والقسر"، قدّم مفهوم "البرجوازية الوطنية". وترجع جذور التنظير للبرجوازية الوطنية إلى اهتمام لينين بنضالات الشعوب المستعمَرة ضد الإمبريالية. ففي محاولته استكشاف القوى الاجتماعية التي تقف مع الثورة العمالية بعيدًا عن أوروبا، رأى أن برجوازية البلدان المستعمَرة يمكن أن تؤدي دورًا تاريخّي ا مؤقتًا في النضال ضد الاستعمار، ودعا إلى ضرورة

دعمها والتحالف معها مرحلّي ا. وعلى الرغم من إدراكه للدور المزدوج الذي تؤديه هذه البرجوازية في

دعمها للحركات التحررية من جهة، وفي انسجام مصالحها مع الإمبريالية من جهة أخرى، قاده واقع ضعف الحركة الشيوعية في غالبية البلدان المستعمَرة إلى إبراز الصورة التقدمية للبرجوازيات، واتخاذ

موقف براغماتي يدعو إلى التحالف معها. وفي مستوى ثانٍ، يندرج هذا التصوّر ضمن ما سُمّي نظرية المرحلتين للثورة الاشتراكية، والتي تمت بلورتها أيضًا في نصوص الأممية الثالثة، وتبنتها غالبية الأحزاب الاشتراكية في دول العالم الثالث، بحيث يكون دور هذه الأحزاب هو تنفيذ الثورة البرجوازية في مرحلة أولى، تتلوها ثانية هي مرحلة الثورة البروليتارية. وبدءًا من سنوات الأممية الثانية، وبأكثر عمقًا منذ الأممية الثالثة (1943–1919)، أصبح مفهوم

البرجوازية الوطنية يشير، من خلال منظور ماركسي، إلى شريحة من الرأسمالية المحلية تهتم بتطوير الاقتصاد الوطني وتسعى للاستقلال عن سيطرة المراكز الرأسمالية، باعتبارها "حليفًا للدولة في تنمية التصنيع". فعلى افتراض أن الإمبريالية تعوق التطور الرأسمالي في الدول التابعة، كان الماركسيون اللينينيون السوفيات مهتمين بإبراز الوجه التقدمي للبرجوازيات. وفي مرحلة سابقة لتبلور نظرية التبعية، جادلت الأحزاب الشيوعية في أميركا اللاتينية طوال سنوات بأن تطوير الرأسمالية يتطلب التحالف مع "البرجوازية الوطنية". ولكن تأكيد "الدور التاريخي" و"التقدمي" للبرجوازية المحلية في المستعمَرات، لا يلغي الموقف الماركسي المتشكك حيالها في قضيتين: علاقتها بالقوى الإمبريالية

((1(فلاديمير لينين، حركة شعوب الشرق الوطنية التحررية: مجموعة من المقالات والخطب (موسكو: دار  التقدم، 1974)، ص.33 (((2 المرجع نفسه، ص.338

(21) Immanuel Wallerstein, "The Bourgeois(ie) as Concept and Reality," New Left Review , vol. 167, no. 1 (1988) pp. 94–95. (22) Vivek Chibber, "Reviving the Developmental State? The Myth of the National Bourgeoisie," Escholarship , 14/10/2004, accessed on, 22/10/2024, at: https://t.ly/SFX0g (23) Bjorn Beckman, "Imperialism and the National Bourgeoisie," Review of African Political Economy , vol. 8, no. 22 (1981), p. 9. (24) Grosfoguel, pp. 358–359.

وتحالفها مع العمال، من منظور مصالحها الموضوعية في التصنيع وتنمية الاقتصاد الوطني، واعتبارًا ل "الطبيعة "المزدوجة" للطبقة، أو عدم موثوقيتها، أو ميلها إلى التسوية أو حتى خيانتها المحتملة". وفي حين كان الماركسيون اللينينيون يُجرون هذه المناقشة، كانت نظرية التبعية تخوض صراعًا فكرّيًا وسياسّيةّا ليس فقط مع نظرية التحديث، بل أيضًا مع ماركسية أميركا اللاتيني، مؤكدة أن تحليلها

للبرجوازية الوطنية لم يكن دقيقًا، ومشددة على "أن الطابع التابع لهذه البرجوازيات كان دائمًا وجوهريًا". وبينما افترضت اللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي CEPAL (تأسست عام 1948)، في الخمسينيات إمكانية وجود هذه البرجوازية الوطنية، تميزت نظرية التبعية بالإنكار الجذري لهذا الاحتمال، ونعتت برجوازية بلدان أميركا اللاتينية بأنها "كمبرادورية"، ترتبط بعلاقات ولاء وتحالف مع رأس المال الأجنبي، وصنفتها قوةً رجعية، مصوّرة الطبقات المستغَلة على أنها القوة التي ستقود الثورة من أجل الاشتراكية، والتحرر من التبعية. وفي المقابل، رأى نقاد نظرية التبعية أن أندريه فرانك أهمل التحليل الطبقي، حينما أصر على إنكار أي حضور لفاعلية الطبقات في الدول التابعة. وفي هذا السياق، أكد كولين ليز أن "الميول الاقتصادوية والميكانيكية" التي تميزت بها النظرية أدت بها إلى تقديم فهم مجتزَأ وسطحي، ليس للطبقات الاجتماعية فحسب، بل لدور الدولة والسياسة والأيديولوجيا أيضًا، مقتصرة على اشتقاق بعض ما ينتج من التطور البنيوي للتبعية أو للتنمية التابعة. وعلى نحوٍ مماثل، يرى البعض أن النظرية تتجاهل استقلال المستوى السياسي عن المستوى الاقتصادي، وتميل إلى فهم سياسة الطبقة في دول الأطراف بناءً على العوامل الاقتصادية فقط. وأكد بعض النقد الذي وِّجِه إلى إشكالية التبعية

أن ضعفها يكمن في تبسيطها للعلاقات الاقتصادية والسياسية، وعدم منح الاقتصاد السياسي في حد ذاته الأهمية الكافية في التحليل. فالادعاء أن القادة والفاعلين الاقتصاديين في دول الأطراف بمنزلة

(25) Chibber, p. 14. (26) Alec Gordon & Alec Gordon, "The Theory of the 'Progressive' National Bourgeoisie," Journal of Contemporary Asia , vol. 3, no. 2 (1973), p. 198. (27) Ronald H. Chilcote, "Issues of Theory in Dependency and Marxism," Latin American Perspectives , vol. 8, no. 3–4 (1981), p. 5. (28) Luiz Bresser–Pereira, "From the National–Bourgeoisie to the Dependency Interpretation of Latin America," Latin American Perspectives , vol. 38, no. 3 (2011), p. 47. (29) Ibid., 49. (30) Colin Leys, "Underdevelopment and Dependency: Critical Notes," Journal of Contemporary Asia , vol. 7, no. 1 (1977), p. 95. (31) Chilcote, p. 5. (32) Ian Roxborough, Theories of Underdevelopment (London: The Macmillan Press, 1979), p. 46. (33) Leys, p. 95. (34) Ibid.

((3(ريتشارد هيجوت، نظرية التنمية السياسية، ترجمة حمدي عبد  الرحمن ومحمد عبد الحميد (الأردن: المركز العلمي للدراسات السياسية، 2001)، ص.123

دُمى وحلفاء للبرجوازيات الإمبريالية يتناقض مع ال طمالب السياسية القوية التي قدموها في سبعينيات القرن الماضي، من أجل الوصول إلى نظام اقتصادي دولي جديد وأكثر عدالة. وإن نظرية التبعية، بتركيزها المفرط على الاقتصاد، قد أهملت دور السياسة، بما في ذلك سياسة الدول الكبرى التي تفرض مصالحها على الاقتصاد العالمي، وسياسة الدول النامية في تحدي هذه القوى والتأثير في النظام الدولي. ومن ناحية أخرى، رأت تحليلات أن استخدام مفهوم البرجوازية الوطنية تطور لاحقًا، من كونه مجرد استجابة لاعتبارات تكتيكية من لينين، ليصبح استخدامًا استراتيجًّيًا، لم يتمكن منظرو الاقتصاد

السياسي في البلدان المستعمرة والتابعة من إغفاله، ولكنهم تعاملوا معه، إما بتأكيده وإما بالتشكيك فيه. فعلى الرغم من أن مهدي عامل ماثل، أطلق على البرجوازية المحلية (التجار وكبار الإقطاعيين) اسم البرجوازية الكولونيالية في معظم مؤلّفاته، فإنه أقر بوجود تناقض محدود ونسبي بين البرجوازيات المستعمَرة والبرجوازيات المستعمِرة. وكان يرى أن هذا التناقض "قائم في وجود علاقة التبعية

نفسها، أو بفعل هذه العلاقة"؛ ما يؤكد أن النقاش يتجاوز مسألة وجود التبعية أو انعدامها ليتمحور حول ضرورة النظر إليها على أنها "نسبية، وطبيعتها متناقضة"، والنظر إلى الاستعمار ذاته، على أنه "عملية اجتماعية معقدة وديناميكية، بدل من النظر إليه على أنه نظام ثابت ومتجانس". ولأن عامل كان يناقش أساسًا أسباب فشل حركات التحرر العربية، فإنه لم يعر اهتمامًا لتقديم تفسير يشرح فيه

أسس التناقض المحدود بين البرجوازيات المستعمَرة والبرجوازيات المستعمِرة ومنطلقاته. وفي نطاق

أعمّ مما ناقشه عامل، تشير إحدى الدراسات إلى أن جزءًا كبيرًا من رأس المال المحلي في البرازيل،

بعد الحرب العالمية الثانية، كان معارضًا لتدفق رأس المال الأجنبي، وهو موقف يصعب تفسيره من منظور المشاعر القومية، بقدر ما يمكن تفسيره بطبيعة رأس المال الدولي نفسه؛ أي طابعه الاحتكاري والتهديد الذي يشكله بالنسبة إلى رأس المال الوطني في القطاع التنافسي. يمكن القول إن نظرية التبعية على الرغم من نجاحها في الكشف عن المصالح المادية المشتركة بين البرجوازيتين المستعمرَة والمستعمِرة، أفرطت في تبسيط العلاقة بين الطرفين. فإذا نظرنا إلى العلاقات

الاقتصادية بين المستعمِر والمستعمَر لكونها بدايةً ت ثمل جزءًا من المواجهة الاستعمارية، وباعتبارها

ظاهرة تاريخية تشهد تحولات في تشكل المصالح المشتركة/ المتعارضة بينهما في سياقات وظروف

(36) Sánchez, pp. 42–43. (37) Ibid.

((3(مهدي عامل، مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني: القسم الثاني: في نمط الإنتاج الكولونيالي (بيروت: دار الفارابي، 1967)، ص.45 ((3(مهدي عامل، حركة التحرر الوطني: طبيعتها وأزمتها (بيروت: معهد الإنماء العربي، [د. ت.])، ص.43–42

(40) Bresser–Pereira, p. 52. (41) Philip J. Havik, "The Colonial Encounter Revisited: Anthropological and Historical Perspectives on Brokerage," in: Maria Cardeira da Silva & Clara Saraiva (eds.), As Lições de Jill Dias (Lisbon: Etnográfica Press, 2013), p. 101. (42) Gary Nigel Howe, "Dependency Theory, Imperialism, and the Production of Surplus Value on a World Scale," Latin American Perspectives , vol. 8, no. 3–4 (1981), p. 83.

زمنية مختلفة، وإذا فهمنا أن مصالح الدول الاستعمارية تتعارض مع مصالح الدول المستعمَرة، أمكننا

إدراك التناقض بين البرجوازيتين المستعمَرة والمستعمِرة، على أساس إدراك أن المنافسة بينهما تتأسس على وجود موضوعي لقدر من التناقض البنيوي بينهما، وذلك بسبب اختلاف أهدافهما الاقتصادية والسياسية. فبغض النظر عن نوع النشاط الاقتصادي ال ممارس، وعن التفسيرات الإثنية والقومية للعداء بين البرجوازيتين المحلية والمستعمِرة، فإن التناقض بينهما يعود، من الناحية النظرية، إلى الطبيعة التنافسية للنظام الرأسمالي، وإلى وجود تناقضات داخله وصراعات بين البرجوازيات داخل كل دولة وبين برجوازيات الدول المختلفة. أما من الناحية التاريخية، فلم تكن العلاقة بين البرجوازية المستعمَرة والاستعمار منذ نشوئها ثابتة أو أحادية البعد البتة، بل اتسمت على الدوام بتغيرات مستمرة؛ حيث شهدت فترات متباينة من التحالف بينهما وفترات أخرى من الصراع. وأما من الناحية الواقعية، فيأخذ التناقض بين البرجوازيتين المستعمِرة والمستعمَرة أشك ل مختلفة، تكون أحيانًا مبطنة. وبناءً على

ذلك، يمكن النظر إلى تحالف البرجوازية المستعمَرة مع الاستعمار على أنه تكتيك تلجأ إليه من

أجل البقاء في السوق، والتعايش المؤقت مع سُلطة مستعمرة ووجود اقتصادي للبرجوازية المستعمِرة لا تستطيع مواجهتهما في الظرف المُعطى، ولكن هذا التعايش لا يعني غياب المنافسة. ولأن التنافس يفترض الندية، فإنه يمكن افتراض أنه كلما ازدادت القوة الاقتصادية للبرجوازيات المستعمَرة، ازداد

عمق التناقض بينها وبين البرجوازيات المستعمِرة، مع تأكيد ما يقوله الماركسي نيكوس بولانتزاس: "لا أقصد أن التناقضات الاقتصادية بين رأس المال الخارجي ورأس المال المحلي لا تؤدي دورًا حاسمًا في تحديد البرجوازية الوطنية، بل إن هذا وحده لا يكفي". لقد استحضرنا كل هذه المناقشات حتى نستغلها في مقاربة الحالة الفلسطينية، التي ندعي فيها أنه لا يمكن أن نفهم المصالح الاقتصادية للبرجوازية الفلسطينية، سواء على صعيد الإنتاج أو التبادل، بعيدًا عن واقع المنافسة غير المتكافئة مع البرجوازية الإسرائيلية والاحتلال الداعم لمصالحها، وبعيدًا عن واقع سيطرة البرجوازية المستعمِرة وهيمنتها على الموارد والسوق الوطنية. وفي هذا السياق نخصص القسم الثاني من الدراسة للنظر في تفاصيل مميزات البرجوازية الفلسطينية وبخاصة المتوسطة والصغيرة، اقتصادّييّا وسياسًّ ا، مستحضرين المرجعيات التي تحدد معايير المقاطعة والتطبيع، التي

وضعتها اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة BNC، بوصفها "الجهة المخولة من الشعب الفلسطيني في البِّتِ في قضايا المقاطعة والتطبيع".

(43) Nicos Poulantzas, Classes in Contemporary Capitalism , David Fernbach (trans.) (London: NLB Publications, 1975), p. 71.

(((4 وضعت لجنة المقاطعة شرطين لكيلا تصنف العلاقة بين جهة فلسطينية وأخرى إسرائيلية على أنها تطبيع. فالشرط الأول هو: يجب ألا تكون الجهة الإسرائيلية متواطئة في الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الشعب الفلسطيني، بل عليها أن تعترف بحقوقه. أما الشرط الثاني، فهو أن تكون العلاقة بين الجهتين علاقة نضال مشترك لإنهاء نظام الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد.

ينظر: اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة BNC، "مناهضة التطبيع: مسؤولية جماعية بمرجعية وطنية واضحة"، بي دي إس، 2021/10/10، شوهد في 2023/2/24، في: https://acr.ps/1L9zQj5

ثانيًا: مميزات البرجوازية الفلسطينية: السياق المحلي والدولي بعد عام 1967

أدى قيام دولة إسرائيل عام 1948، والاحتلال الإسرائيلي لما تبقى من فلسطين عام 1967، إلى غياب معالم اقتصاد وطني فلسطيني بحكم غياب كيان إقليمي سياسي يتمتع بسلطات تشريع اقتصادية وتجارية ومالية. إضافة إلى تحكّم الاحتلال، تحّك مًا كلًّيًا، في هندسة المصالح التجارية الفلسطينية. وحتى نشوء

السلطة الفلسطينية، لم تكن هناك إمكانية لتكوّن مصالح تجارية كبيرة نسبّيلاّا إ من خلال ارتباطها بالاحتلال.

1. قوانين وأوامر عسكرية مجحفة وموَّجَهة

انتُزع من التاجر الفلسطيني حق الاستيراد والتصدير المباشرَين، ولم يكن  يُسمح له بهماإلا من خلال

تاجر إسرائيلي، أو من خلال مؤسسات تجارية إسرائيلية، أي "من خلال إسرائيل" فحسب. وهكذا، "تم تحويل كافة العلاقات التجارية الخارجية المباشرة إلى علاقات غير مباشرة تعمل من خلال نقاط الدخول الإسرائيلية وعبر وكلاء الاستيراد والتصدير الإسرائيليين". فبالنسبة إلى الواردات، حظرت الأوامر العسكرية الإسرائيلية الكثير منها من بلدان غير إسرائيل، ومنعت استيراد العديد من السلع التي صنفتها على أنها مزدوجة الاستخدام. أما بالنسبة إلى الصادرات؛ فباستثناء الجسور المفتوحة مع الأردن، "لم يسمح لقطاع غزة إلا بتصدير منتجاته الزراعية إلى البلدان الأوروبية بطريقة غير مباشرة عبر مجلس تسويق الحمضيات الإسرائيلي". وبالنسبة إلى التصدير إلى السوق الإسرائيلية، وضعت إسرائيل العديد من الإجراءات والقيود والرقابة الشديدة، لضمان مصالح المنتجين الإسرائيليين، وكانت الصادرات "تتكون معظمها من بضائع مصنعة بموجب مقاولات من الباطن مع شركات إسرائيلية تنتج الأطعمة والأقمشة والجلديات ومواد البناء".

((4(جميل هلال، تكوين النخبة (رام  الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية "مواطن"، 2002)، ص.86 ((4(عادل سمارة، اقتصاد المناطق المحتلة: التخلف يعمق التبعية (القدس: منشورات صلاح الدين، 1975)، ص.164 (((4  أنطون منصور، "اقتصاد الضفة الغربية 1984–1948 "، في: الاقتصاد الفلسطيني تحديات التنمية في ظل احتلال مديد، جورج العبد (محرر) (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص.104 (((4 شريف الموسى ومحمود الجعفري، "السلطة والتجارة: البروتوكول الاقتصادي الإسرائيلي –  الفلسطيني"، مجلة الدراسات

الفلسطينية، مج  6، العدد 21 (1995)، ص.6 ((4(مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، الاقتصاد الفلسطيني: وضع سياسات الاقتصاد الكلي والتجارة في ظل

الاحتلال (نيويورك / جنيف: 2012)، ص.12 (((5 المرجع نفسه. ((5(مسيف جميل [وآخرون]، الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي: المفاهيم النظرية والإمكانات العملية (رام  الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، 2020)، ص.30 ((5(الأونكتاد، تيسير التجارة في الأرض الفلسطينية المحتلة: القيود والعوائق (نيويورك / جنيف: 2015)، ص.4 (((5 "لا تتعلق هذه القيود بالتعرفة الجمركية، وإنما تخضع لاعتبارات واستثناءات معينة مثل: الأمن ومقاييس السلامة العامة والحظر على الواردات"، ينظر: الموسى والجعفري، ص.6 ((5(سعيد هيفا، واقع القطاع الصناعي في الضفة الغربية 1987–1975 (بيرزيت: جامعة بيرزيت، كلية التجارة والصناعة، 1989)، ص.86 ((5(ميرون بنفنستي، الضفة الغربية وقطاع غزة: بيانات وحقائق أساسية (عمّان: دار  الشروق للنشر والتوزيع، 1987)، ص.41

وأدى فرض العمل بالاتحاد الجمركي إلى رفع تكاليف تعاملات التجار الفلسطينيين؛ فقد ازدادت الرسوم الجمركية أربعة أضعاف تقريبًا، وأصبح المستورد الفلسطيني "مضطرًا إلى دفع أضعاف ما يدفعه نظيره في الأردن". وهدفت إسرائيل من خلال هذه الرسوم، إضافةً إلى حماية منتجاتها، إلى الحد من واردات الضفة الغربية من الأسواق العربية للاستحواذ على السوق الفلسطينية. وأدّت هذه الزيادة الكبيرة، إلى جانب سيطرة إسرائيل الكاملة على الحدود البرية والبحرية والجوية والمعابر، إلى تحويل تجاري ضخم بعيدًا عن الدول العربية المجاورة، تجاه السوق الإسرائيلية، وهكذا خسر التجار الفلسطينيون الميزات النسبية التي كانوا يتمتعون بها سابقًا إزاء الأسواق التي تاجروا فيها، وبخاصة العربية. فبدل من استيراد البضائع بتكلفة رخيصة من الأسواق الخارجية، حوّل الاتحاد الجمركي التجارة الفلسطينية بعيدًا عن المصادر الخارجية الأقل تكلفة نحو المنتجات الإسرائيلية الأكثر تكلفة. إضافة إلى ذلك، طبقت إسرائيل تعريفات جمركية على الواردات عبر الجسور الأردنية أعلى مما طبق على الواردات من خلال الموانئ الإسرائيلية، وكانت القيود المفروضة على النقل عبر الجسور تضيف آثارًا على ربحية المنتج الذي يشحن إلى الضفة الغربية؛ "ما جعل الاستيراد مكلفًا عبر الجسور وأرخص من خلال الموانئ الإسرائيلية". وهكذا أصبحت سياسة الجسور المفتوحة "ب ثمابة نظام باتجاه واحد يسمح بوصول بعض الصادرات الفلسطينية فقط للأسواق العربية ويفرض قيودًا شديدة على الواردات من هذه الأسواق".

(((5 يرفض فضل النقيب استخدام مصطلح الاتحاد الجمركي، وذلك لأن المصطلح يعني الاتفاق بين بلدين مستقلين على حرية انتقال البضائع والسلع من دون أي تعرفة جمركية، ويعني، أيضًا، أن البلدين يضعان تعرفة جمركية موحدة بالنسبة إلى

بضائع البلدان الأخرى. أما ما فرضته إسرائيل، فكان حرية تامة لدخول البضائع الإسرائيلية إلى السوق الفلسطينية، وقيودًا على

دخول البضائع الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية، وكانت هناك بضائع ممنوعة من الدخول، وأخرى يسمح لها بالدخول بكميات تحددها حاجات السوق الإسرائيلية، وعلى نحو لا ينافس البضائع الإسرائيلية، بمعنى أن التعرفة الجمركية الإسرائيلية المفروضة كانت من أجل حماية السلع الإسرائيلية، وهي ت ثمل بذلك تبعية اقتصادية مفروضة بظروف الاحتلال، ينظر: فضل

النقيب، مدخل نظري: صياغة رؤية تنموية فلسطينية (رام  الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"، 2003)، ص.84–83

(57) Atif Kubursi & Fadle Naqib, "The Palestinian Economy Under Occupation: Economicide," The Economics of Peace and Security Journal , vol. 3, no. 2 (2008), p. 16.

(((5 النقيب، ص.57 ((5(جميل هلال، الضفة الغربية: التركيب الاجتماعي والاقتصادي 1984–1948 (بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث،.)1975

(60) ESCWA, Palestine Under Occupation III Mapping Israel’s Policies and Practices and their Economic Repercussions in the Occupied Palestinian Territory (Beirut: 2022), p. 37.

(((6 هيفا، ص.99 ((6(أنطوان منصور وجورج القصيفي، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة (1948–1984) ([د. م:]..[د ن.]، [د. ت.])، ص.894–893 ((6(الأونكتاد، الاقتصاد الفلسطيني، ص.12

2. استفادات متفاوتة

يعدد إبراهيم الشقاقي أربع فوائد جنتها إسرائيل من خلال تطبيق سياسة الجسور المفتوحة، وقد تمثّلت الفائدة الأولى في مساعدة توجيه المنتجات الفلسطينية الزراعية والصناعية نحو الأردن على حماية المزارعين الإسرائيليين من منافسة المحاصيل الزراعية الفلسطينية الأرخص من ناحية، وعلى تفريغ السوق الفلسطينية مقابل السلع الإسرائيلية من ناحية أخرى. أما الفائدة الثانية، فهي حفاظ إسرائيل على مستوى من النشاط الاقتصادي الفلسطيني من شأنه توفير فرص عمل خارج الاقتصاد الإسرائيلي ويؤدي في ذات الوقت إلى تهدئة العلاقات مع النخبة التقليدية الفلسطينية بما في ذلك كبار ملاك الأرض وكبار التجار. وأما الفائدة الثالثة، فكانت تزويد إسرائيل بالعملة الصعبة التي كانت تستنفدها بسرعة، فضلعن فائدة أخرى تتمثّل في أن صانعي السياسات الإسرائيليين كانوا يخ ططون، من خلال التدفق الطبيعي للتجارة بين الضفتين الشرقية والغربية، لمستقبل تستغل فيه إسرائيل تلك الطرق التجارية في تصدير منتجاتها الخاصة. ويرى جميل هلال أن إسرائيل شجعت الصادرات من السوق الفلسطينية من المنتجات الزراعية والصناعية من أجل تفريغها لفسح المجال للسلع والمنتجات الإسرائيلية لغزوها، ومن أجل تسرب البضائع والمنتجات الزراعية والصناعية الإسرائيلية إلى الأسواق العربية أيضًا، وتعزيز احتياطيها من العملة الصعبة. ولرفع قيمة العملة الإسرائيلية، اشترطت إسرائيل على المصدرين "أن تودع هذه المبالغ بالدينار الأردني"، بحيث ساهم تصدير البضائع عبر الجسور في تأمين مبالغ كبيرة من النقد الأردني في البنوك الإسرائيلية، استفادت منها بوصفها عملة صعبة. ويشير هلال إلى أن منتجي السمنة والصابون وكبار التجار المرتبطين بهم تحديدًا تلقوا مبالغ هائلة من إسرائيل، حوافزَ صادرات، مقابل تصريف بضاعتهم عبر الجسور المفتوحة، حيث حصلوا في عام 1971–1970، على أكثر من مليون شيكل إسرائيلي في كل فئة من فئات السلع المذكورة. وتمثّلت السياسات الإسرائيلية في هذا الصدد، في منح امتيازات وتسهيلات مختلفة، و"دفع مكافأة تشجيعية للمصدرين بلغت (30 في المئة) من قيمة الصادرات شريطة أن تودع قيمة البضائع المصدرة إلى الأردن في البنوك الإسرائيلية"،

(64) Ibrahim Shikaki, "The Political Economy of Dependency and Class Formation in the Occupied Palestinian Territories Since 1967," in: Alaa Tartir et al. (eds.), Political Economy of Palestine Critical, Interdisciplinary, and Decolonial Perspectives (London: Palgrave Macmillan, 2021), p. 57.

((6(هلال، الضفة الغربية، ص.218 (((6 المرجع نفسه، ص.220 (((6 المرجع نفسه، ص.221 (((6 المرجع نفسه.

(69) Sheila Ryan, "Israeli Economic Policy in the Occupied Areas: Foundations of a New Imperialism," MERIP Reports , no. 24 (1974), p. 18.

((7(هلال، الضفة الغربية، ص.230 (((7 عبد الفتاح أبو  الشكر، التصنيع في الضفة الغربية (نابلس: جامعة النجاح الوطنية، 1990)، ص.29

وإعطاء كبار التجار الفلسطينيين تسهيلات للتصدير إلى المجموعة الأوروبية. وعلى العموم، جرى تركيز هذه التسهيلات التصديرية بأيدي البرجوازية التجارية التابعة للنظام الأردني منذ عام 1950. وتؤكد الدراسات أن المصِّدِرين والمنتجين الفلسطينيين الزراعيين والصناعيين "تضاعفت أرباحهم تحت الاحتلال بسبب ارتفاع الأسعار والضريبة التشجيعية التي تدفعها إسرائيل للمصدرين. وبطبيعة الحال، فإنّ كبار التجار الذين استوردوا من إسرائيل "جنوا بدورهم أرباحًا عالية بسبب هيمنتهم على

عملية الاستيراد من إسرائيل وعبر تحكمهم بالأسعار". وعلى سبيل ال ثمال، يشير هلال إلى أن تجار الإسمنت والحديد استوردوا المواد من إسرائيل بالأسعار الرسمية ثم باعوها في الضفة الغربية في اّالسوق السوداء بأسعار مرتفعة جّد.

3. استهداف صغار التجار ومتوسطيهم

إن ما ينطبق على التجار الكبار لا ينطبق على التجار الصغار ومتوسطيهم. فقد عانى هؤلاء "قطع صفقاتهم التجارية مع إسرائيل من جانب الشركات التجارية الأكبر، ولم يتمكنوا من التعامل مع الضرائب الإسرائيلية الجديدة وارتفاع تكاليف المعيشة التي رافقت الانفتاح على الاقتصاد الإسرائيلي". ويتمثّل تصادم هذه الشريحة من البرجوازية مع الاحتلال عبر الضرائب المرتفعة التي تجنيها إسرائيل منها. فبموجب القرار العسكري رقم 350 فرضت إسرائيل في عام 1976 ضريبة قيمة مضافة على جميع البضائع والخدمات، وقد تضرر أفراد هذه الشريحة تحديدًا، بسبب محدودية دخلهم وتأثرهم بارتفاع الأسعار، واعتمادهم على التجار الإسرائيليين أو تجار الضفة الغربية الكبار الذين يستحوذون على الحصة الأكبر من الأرباح. وفي الواقع، "أدت الزيادة الضريبة إلى زيادة حدة الخلاف والمنافسة بين التجار الفلسطينيين مع بعضهم البعض، وإلى بقاء التاجر الأقوى اقتصادّيًاّا وصاحب رأس المال المرتفع في السوق، بينم بدأت بعض المحلات التجارية ومحلات الخدمات تغلق أبوابها". وفي عام 1987، جرى رفع ضريبة الدخل على الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و"تجميد" نظام الضرائب من خلال العديد من الأوامر والبيانات العسكرية. وعدّلت إسرائيل نظام الضرائب على نحوٍ جذري ليتماشى مع نظامها الضريبي الخاص. وكان هدف تجميد نظام الضرائب الفلسطيني

(((7 بعد عام 1986 حاولت المجموعة الأوروبية إعطاء تسهيلات تصديرية للمناطق المحتلة، وتم عقد صفقات تصديرية عدة غير

أنها فشلت كلّها. للمزيد من الاطلاع، ينظر: عادل سمارة، الرأسمالية الفلسطينية من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال (القدس: منشورات مركز الزهراء، 1991)، ص.165 (((7 المرجع نفسه، ص.196 ((7(هلال، الضفة الغربية، ص.301 (((7 المرجع نفسه، ص.302–301

(76) Shikaki, p. 58.

((7(عاطف علاونة، الأمر العسكري 1342 بين تشجيع الاستثمارات والمتطلبات الأمنية (نابلس: مؤسسة الأفق المحدودة، 1992)، ص.11 ((7(هلال، الضفة الغربية،.302–301 (((7 علاونة، ص.43

محاذاته مع النظام الضريبي الإسرائيلي، وضمان أكبر قدر ممكن من الإيرادات للحكومة الإسرائيلية؛ مما تسبب في أضرار بالغة للاقتصاد الفلسطيني وسبل عيش الفلسطينيين. وتعكس أحداث الانتفاضة الأولى، واقع تضرر صغار ومتوسطي التجار الفلسطينيين نتيجة للضرائب المرتفعة المفروضة. فقد كشفت مشاركة التجار والتزامهم قرارات القيادة الوطنية الموحدة، طبيعة العلاقة الصراعية والتناقضية بين هاتين الفئتين مع الاحتلال. وكما أكد سليم تماري، فإن دور التجار الفلسطينيين لم يقتصر على مجرد تأييد الانتفاضة؛ ف "قد كان دورهم حاسمًا في تعزيز الإضراب

التجاري، وقيادة التمرد على الضرائب، ومقاطعة الإدارة المدنية الإسرائيلية". فبالنسبة إليه، مثّل انضمام التجار إلى القيادة الموحدة، عبر لجانهم التجارية التي شكلوها عقب الانتفاضة دفعًا قوّي ا

للانتفاضة؛ إذ كان التجار في ربيع 1988 هم "الفئة الاجتماعية الوحيدة التي عملت على تماسك الانتفاضة في المراحل الأولى". وعلى الرغم من أهمية دراسة تماري، وتميّزها بالكشف عن فئات

غمرتها وهمّشتها أدبيات الانتفاضة الأولى، فإنها لا تميّز بين الفئات الصغيرة والمتوسطة من التجار

(مثل "أصحاب الحوانيت" كما يسميهم تماري) وكبار التجار. وقد أوضح الدكتور محمود إبراهيم، أستاذ التاريخ في جامعة بيرزيت أن إحدى مميزات هذه الانتفاضة تكمن في:

"مشاركة البرجوازية فيها مشاركة كاملة وفعالة جًّدًا. بمن فيهم أصحاب المصانع. وفي الوقت الذي كان ينظر فيه إلى قطاع الأعمال على أنه في معسكر منفصل عن الشعب، حظي وقت الانتفاضة باحترام كبير للأعمال التجارية بسبب الطريقة التي شارك بها رجال الأعمال سواء من خلال خفض أسعار السلع، والالتزام بساعات الإضراب، وحتى قبول المزيد من العمال، على الرغم من أنهم لم يكونوا في حاجة إليهم". 4. تكلفة الوساطة في سلسلة تبادل السلع

بعد احتلال إسرائيل لما تبقى من فلسطين عام 1967، خضعت المناطق المحتلة للشروط التي فرضها الاحتلال العسكري، إضافة إلى بقية البنى الاستعمارية؛ لإنشاء حالة من التبعية الكاملة بينها وبين المنظومة الاحتلالية. وفي ضوء شرح ماركس لكيفية تحقيق الربح التجاري، ولأن التاجر، بحسب طرحه، هو "محض وسيط منفذ للتبادل [...] وظيفته هي توسط التبادل الفعلي للسلع، وانتقالها من يد إلى يد"، يمكن القول

(80) Sahar Taghdisi–Rad, "The Economic Strategies of Occupation: Confining Development and Buying–off Peace," in: Mandy Turner & Omar Shweiki (eds.), Decolonizing Palestinian Political Economy De–development and Beyond (London: Palgrave Macmillan, 2014), p. 18.

((8(سليم تماري، "دور التجار وأصحاب الحوانيت في الانتفاضة الأولى"، مجلة الفكر الديمقراطي، العدد  10–9 (1989)، ص.69 (((8 تماري.

(83) Judith Gabriel, "The Economic Side of the Intifadah," Journal of Palestine Studies , vol. 18, no. 1 (1988), pp. 205–206.

((8(كارل ماركس، رأس المال، المجلد الثالث: عملية إنتاج رأس المال ككل، ترجمة فالح عبد  الجبار (بيروت: دار الفارابي، 2012)، ص.312–301

إن خضوع التاجر الفلسطيني للتاجر الإسرائيلي لا يعدو أن يكون إضافة حلقة في سلسلة تبادل السلع، بحيث لم تعد تقتصر على عملية انتقال واحدة "من يد إلى يد"، وإنما صار بموجبها التاجر الفلسطيني وسيطًا ثانيًا يخضع لوصاية اليد الأولى. وفي هذه المنظومة، يتأسس تناقض التاجر الفلسطيني مع

الاحتلال على أن م ثملي المصالح الاستعمارية يقتصون حصة من أرباحه بوصفه منتميًا إلى اقتصاد

تابع، لا يزداد ربحه ويتحرر إلا في حال تمكن من التخلص من تكلفة الوسيط. يمكن القول إن واقع خضوع البرجوازية الفلسطينية اقتصادّي ا للمصالح الاستعمارية الصهيونية، ومساهمتها في تعميق التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، لا ينفي وجود مصلحة لدى الكثير من التجار الفلسطينيين في التخلص من "الشراكة الإجبارية" مع "نظرائهم/ أوصيائهم" الإسرائيليين. وهو الأمر الذي يفسر توجه الشركات الفلسطينية المستوردة والمصدرة الكبرى (ذات رأس المال الكبير)، في مرحلة ما بعد أوسلو، نحو الاستيراد والتصدير المباشرَين من الشركات العالمية وإليها، بعيدًا عن

الارتباط بالتجار الإسرائيلي. وقد أدى إخفاق الأدبيات في رؤية الضرر الذي تعرضت له البرجوازية التجارية الفلسطينية، من جرّاء هذه الشراكة الإجبارية، التي أرغمت هذه البرجوازية على تقاسم ربحها

مع نظيرتها الإسرائيلية، إلى غياب أي تصور لوجود تناقض بين مصالح هذه الفئة مع الاحتلال.

5. قيود الاحتلال الإسرائيلي على التجار الفلسطينيين

من خلال النظر بعمق في كيفية تأثر البرجوازية التجارية بالإجراءات التي طبقها ويطبقها الاحتلال في الفترة 1994–1967، نكشف عن قيود مشددة على التجار الفلسطينيين، وهي قيود ذات أثر سلبي في أعمالهم وربحهم، وهذا أمرٌ آخر تميل الأدبيات عادةً إلى إغفاله. أدى فرض الاحتلال العمل بالاتحاد الجمركي، بعد عام 1967 إلى رفع تكاليف تعاملات التجار إلى معدلات باهظة. فبدل من استيراد البضائع بتكلفة رخيصة من الأسواق الخارجية، أضاف الاتحاد الجمركي آثارًا سيئة إلى ربحية المنتج الذي يشحن إلى الضفة الغربية سواء بالنسبة إلى التاجر أو المنتج الفلسطيني الذي يستورد مواد خامًا لصناعته. بالنسبة إلى المستوردين الفلسطينيين، فإن السيطرة الإسرائيلية على جميع المعابر، واعتماد النظام التجاري الإسرائيلي تعرفة جمركية، والضرائب غير المباشرة، والمواصفات، التي تحددها إسرائيل لحماية منتجاتها، أدّت في مجملها إلى الحفاظ على أسعار مرتفعة لشراء الكثير من السلع، سواء كانت واردات من الدول العربية، أو حتى من السوق الإسرائيلية نفسها. وفرضت تعريفات جمركية أعلى على الواردات عبر الجسور الأردنية مقارنة بالموانئ الإسرائيلية؛ ما أدى إلى زيادة تكلفة النقل عبر الجسور والتقليل من ربحية السلع. وقد حرم هذا التحول التجاري التجار الفلسطينيين من الميزات النسبية التي كانوا يتمتعون بها في الأسواق العربية،

(((8 هذا لا يعني أن السياسات الاحتلالية لم تشهد أي تغيرات وتحولات منذ عام 1967، بل العكس تمامًا، فقد شهدت السياسات

الاحتلالية تحولات عديدة، وبخاصة في فترة ما بعد أوسلو وما بعد الانتفاضة عام 2000، ولكن ما بقي ثابتًا هو الاحتلال والتضييق

على الأعمال الاقتصادية للفلسطينيين، بما فيها التجارية، وإن بأشكال جديدة متحولة.

(86) Kubursi & Naqib, p. 16.

وحوّلت سياسة "الجسور المفتوحة" إلى نظام أحادي الاتجاه يسمح ببعض الصادرات الفلسطينية مع

قيود صارمة على الواردات العربية. واجه العديد من التجار الفلسطينيين، خاصة أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، صعوبة في البقاء في السوق بسبب الاندماج الاقتصادي مع إسرائيل وارتفاع الضرائب؛ ما أدى إلى تقويض الاقتصاد الفلسطيني وإلحاق ضرر بسبل عيشهم تحت العبء الكبير الذي شكلته الضرائب الإسرائيلية. وتكشف منظومة الضرائب التي فرضتها إسرائيل، وجمعتها من التجار الفلسطينيين، عن تناقض واضح بين مصالحهم الاقتصادية واستمرار الاحتلال. وهذا الجانب، على الرغم من أهميته، غالبًا ما يُتجاهل في

الأدبيات التي تتناول البرجوازية الفلسطينية، رغم أنه ترجم إلى صراع مباشر ومواجهة خلال الانتفاضة الأولى. في هذا السياق، تبرز دراسة سليم تماري التي بينت أن دور التجار الفلسطينيين تجاوز مجرد دعم الانتفاضة، وأن دورهم كان حاسمًا في تعزيز الإضراب التجاري، وقيادة التمرد على الضرائب،

ومقاطعة الإدارة المدنية الإسرائيلية. ويربط تماري هذا الدور بضريبة القيمة المضافة VAT التي فرضها الاحتلال على جميع السلع والخدمات في المناطق المحتلة باعتبارها وسيلة لتمويل ميزانية الحكم العسكري الإسرائيلي، ويشير الباحث أيضًا إلى الإهانات التي ألحقها الاحتلال بالطبقات الوسطى البرجوازية. ومع ذلك، فإن تحليل هذا الدور من منظور وجود التناقض أساسًا للصراع، يكشف

أن الضرائب الإسرائيلية كانت أداة رئيسة في تعميق التناقض بين المشروع الاستعماري الإسرائيلي والمصالح الاقتصادية للتجار الفلسطينيين. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المشاركة السياسية للتجار

الفلسطينيين، ومواقفهم في الانتفاضة الأولى، لم تكن مجرد خيار شخصي أو "طوعي"، كما يوحي تحليل تماري، بل كانت نتاجًا لشروط تاريخية واقتصادية فرضت نفسها. وقد دلّت هذه الشروط على

تداخل مصالحهم الاقتصادية مع تطلعاتهم الوطنية من جهة، وتعاظم فيها الصدام بين مصالحهم الاقتصادية ومشروع الاستعمار الإسرائيلي من جهة أخرى.

ثالثًا: التبعية العميقة والقسرية في الفترة 1967 - 1994 واستحالة تشكل برجوازية كمبرادورية أو وطنية

في الفترة 1967–1948، لم تكن هناك دراسات فلسطينية جادة تحلل الاقتصاد الفلسطيني، وفق أطر نظرية واضحة، واقتصر البحث على مناقشة الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين في أماكن تفرقهم

(((8 هيفا، ص.99

(88) Shikaki, p. 58.

(((8 تماري، ص.81–69 (((9 منذ عام 1967، قبلت معظم الأبحاث الفلسطينية والدولية بتأثير سياسة الأمر الواقع للقوة الاستعمارية التعامل مع الضفة الغربية وقطاع غزة كحدود للاقتصاد الفلسطيني، على نحو منفصل عن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل والسكان العرب في القدس. لمزيد الاطلاع، ينظر:

Leila Farsakh, "Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts since the First Intifada," Journal of Palestine Studies , vol. 45, no. 2 (2016), pp. 55–71.

بعد النكبة. وبحلول السبعينيات وال مثانينيات، استندت غالبية الدراسات الفلسطينية إلى نظرية التبعية بوصفها إطارًا تحليلّي ا عاًّمًا لتفسير الاقتصاد الفلسطيني، ولتأكيد الاستغلال الإسرائيلي للموارد

الفلسطينية، في إطار علاقات قوة غير متكافئة، تم تأكيد أن الاقتصاد الإسرائيلي والفلسطيني مترابطان بعلاقة بين المركز والأطراف.

1. نظرية التبعية مطبّقة على الواقع الفلسطيني: إضاءات وحدود

وفقًا لنظرية التبعية، تبدو العلاقة بين الاقتصاد الفلسطيني والاقتصاد الإسرائيلي علاقةً بين مركز رأسمالي متطور جّدةّا (إسرائيل) واقتصاد طرفي أقل تطورًا (الضفة الغربية وقطاع غز). وترجع أهمية نظرية التبعية إلى قدرتها على الكشف عن الأهداف والمنافع التي حققتها إسرائيل من جرّاء دمج اقتصاد المناطق المحتلة في اقتصادها، فضل عن إبراز طبيعة العلاقات الاستغلالية التي

تضمنت هذا الدمج القسري. ولئن تم تطبيق مصطلح "التبعية"، في بعض الأحيان، على تاريخ الإمبريالية بأكمله، وعلى مجمل العلاقات بين "المركز" و"الأطراف"، فإنه يستهدف أساسًا حقبة

ما بعد الاستعمار، التي انتهت فيها أشكال الهيمنة الاستعمارية المباشرة، وظهرت أشكال جديدة من "الإمبريالية"، تمارس بوسائل مختلفة تضمن استمرار التبعية بدل من الهيمنة المفتوحة. وتعاني دراسات التبعية "نقطة ضعف" منهجية رئيسة، لطالما أشار إليها النقاد، هي افتقارها إلى الدراسات الإمبريقية والبيانات المستقلة من كل بلد، للتحقق من صحة افتراضاتها النظرية. فالنظرية تعتمد، كما يؤكد بعض النقاد، كثيرًا على التفسيرات العامة والتحليلات البنيوية (مثل العلاقات الاقتصادية

والسياسية بين الدول: المركز والأطراف) من دون تقديم أدلة فعلية قابلة للاختبار والدحض باستخدام أساليب البحث العلمي المخبري. وعلى الرغم من أن نظرية التبعية لا ا في الرأسمالية توفر قراءة خاصة لحالة اندماج نظام مستعمَر داخلّي

العالمية، فإنها ملائمة للدفاع عن الفكرة القائلة إن الاقتصاد الفلسطيني يبقى مث ل على تجسيد نظرية التبعية. ففيه، "تنتقل الموارد الطبيعية مثل المياه، والمعادن، والبضائع غير الجاهزة، والموارد البشرية (اليد العاملة) من الطرف الفلسطيني إلى الاقتصاد الإسرائيلي – المركز، بينما تنتقل البضائع المكتملة من الاقتصاد الإسرائيلي إلى الاقتصاد الفلسطيني". بهذا المعنى يمكن اعتبار الحالة الفلسطينية

(91) Ibid., p. 62.

(((9 جميل [وآخرون]، ص.16 (((9 المرجع نفسه.

(94) Sanjaya Lall, "Is 'Dependence' a Useful Concept in Analysing Underdevelopment?" World Development , vol. 3, no. 11–12 (1975), p. 800. (95) Alejandro Portes, "On the Sociology of National Development: Theories and Issues," American Journal of Sociology , vol. 82, no. 1 (1976), p. 73. (96) Sánchez, p. 34. (97) Shikaki, p. 50 (98) Ibid., p. 51.

مث ل تطبيقّيلاّا لنظرية التبعية "مع وجود فارق رئيس [...] وهو أن إسرائيل  تشتري الموارد الطبيعية الفلسطينية، وإنما تصادرها". وإضافة إلى هذا الفارق الذي يشير إليه تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا"، يمكن إبراز فارق آخر عن نموذج التبعية يتعلق بطبيعة العلاقات الاقتصادية الفلسطينية – الإسرائيلية، التي تفرضها المواجهة الاستعمارية، تحديدًا خلال ما قبل عام 1994. اعتمادًا على ما سبق، ندّعي أن حالة التبعية في فلسطين تقدم أدلة قوية تدعم صحة هذه النظرية. وبينما تعيد أطروحة هذه الدراسة تأكيد أهمية نظرية التعبية إطارًا تحليلّيلاّا  غنى عنه لتفسير السياق الفلسطيني، فإنها لا تتكئ عليها حصرًا لفهم طبيعة البرجوازيات الفلسطينية وأدوارها قبل عام.1994 في كتابها قطاع غزة: السياسة الاقتصادية للإفقار التنموي، قدمت الباحثة سارة روي نقدًا للإطار النظري التقليدي للتبعية، مشيرة إلى أن الوضع القائم في غزة يتجاوز مفهومَي التخلف التنموي والتبعية السائدين في دول الجنوب. وبدل من ذلك، صاغت مصطلح "الإفقار التنموي" لوصف الخصوصية الفريدة للسياق الفلسطيني. وعرّفت الإفقار التنموي بأنه "التدمير المنهجي والمنظم لاقتصاد السكان الأصلانيين على يد قوة مهيمنة". وأبرزت في دراستها النهج الاقتصادي الإسرائيلي تجاه الاقتصاد الفلسطيني، المتجسد في سياسات استعمارية متعمدة وممنهجة وتصاعدية، استهدفت سلب جميع إمكانيات الفلسطيني الاقتصادية والمجتمعية، وحاجّت بأن هذه السياسات المباشرة تختلف كل الاختلاف عن السياسات غير المباشرة لدول المركز التي أدّت إلى تبعية دول الجنوب. وعلى الرغم من صحة ما تشير إليه روي، فإن تركيزها على الخصوصية الفلسطينية جعلها تغفل العديد من السياسات الاستعمارية التي جرى تطبيقها لتدمير بلدان أخرى، مثل العراق وسورية وأفغانستان وبعض المناطق في يوغوسلافيا. وكان الباحث الاقتصادي يوسف الصايغ من أوائل الذين سلطوا الضوء على خصوصية التبعية الاقتصادية في السياق الفلسطيني. ففي دراسة أجراها خلال ثمانينيات القرن العشرين، أشار إلى أن تلك التبعية

(99) ESCWA, pp. 79–80.

(((10 تتغلغل التبعية في النسيج الاقتصادي الفلسطيني، ممتدة من سوق العمل إلى قطاعات حيوية كالتجارة والمالية والطاقة والمياه. بالنسبة إلى التجارة، "بحلول ال مثانينيات، ارتبط أكثر من ثلثي التجارة الفلسطينية بأكملها بإسرائيل. وارتفع التبادل التجاري بين الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل على نحو مطّرد من 100 مليون دولار أميركي في عام 1968 إلى 44.1 مليار دولار أميركي في عام 1987. ونتيجة لذلك، تراكم العجز التجاري الكلي من 34 مليون دولار أميركي إلى 657 مليون دولار أميركي خلال السنوات نفسها. وبينما يعد حجم التجارة مؤشرًا مؤكدًا للتبعية التجارية، فإن نوع السلع المتداولة يمكن أن يكون كاشفًا جًّدًا للأمر. فمعظم

واردات إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة هي سلع مصنعة خفيفة، في حين أن معظم الصادرات هي سلع استهلاكية نهائية وسلع معمرة". للمزيد عن تبعية القطاع التجاري، ينظر: Shikaki, pp. 55–56. ((10(سارة روي، قطاع غزة: السياسة الاقتصادية للإفقار التنموي، ترجمة محمد طربية (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018)، ص.4 (((10 المرجع نفسه، ص.155–154

"ذات صفة مميزة وغير ن طمية "؛ إذ تختلف العلاقة بين اقتصاد الاحتلال واقتصاد المحتلين جذرّيًاّ

عن نمط التبعية المتعارف عليه عمومًا، وتتجاوزها لتصل إلى مستوى من الاستلاب الشرس

والقسري المفروض مباشرةً من خلال سلطة الاحتلال. ويؤكد الصايغ ما يلي:

"البلدان التي تعاني التبعية التقليدية تمتلك سمات اقتصادية وسياسية أساسية لا تتوفر في المناطق المحتلة، مثل الاستقلال السياسي وحق تقرير المصير، والقدرة النسبية على اتخاذ القرارات السيادية، إلى جانب الحرية النسبية في تطوير البنى والقطاعات الاقتصادية بما يخدم مصالحها الوطنية، والاستغلال المستقل للموارد الوطنية. وفي المقابل، يفتقر الفلسطينيون في الأراضي المحتلة إلى هذه السمات بسبب الاستلاب السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي يفرضه الاحتلال".

ويضيف أن الاختلاف الجوهري بين الحالة الفلسطينية وحالات التبعية التقليدية يكمن في غياب الاستقلال السياسي، وفرض الاحتلال صيغة تبعية خاصة، تكون عبر السيطرة العسكرية القسرية؛ ما يضع الاقتصاد الفلسطيني في حالة من العجز الشديد. ومع ضرورة الاستناد إلى تحليلات من قبيل ما قدمه الصايغ لفهم طبيعة التبعية الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي، وأخذ السياسات الاستعمارية الإسرائيلية التي وثقها بدقة في الاعتبار، يجب القول إن هذه التبعية القسرية لا تقتصر على ما ذكر، بل إنها تمتد إلى إعادة تشكيل طبيعة العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، حيث تعمل ضمن إطار هيمنة عميقة تصوغ التفاعلات بين الطرفين على نحوٍ

يعزز الاستلاب والسيطرة. لهذا، يجب الإلحاح على أن هذا الأساس التفاعلي في العلاقة الاستعمارية لا يكتفي بتكريس التبعية الاقتصادية للمستعمرين، بل يؤسس لبنية استعمارية متكاملة؛ ما يبرز الحاجة إلى تطوير مقاربة جديدة مناسبة لها.

2. التنظير ل "التبعية القسرية والعميقة" استنادًا إلى بولانتزاس

يفرّق بولانتزاس بين الدراسة المجردة للطبقات الاجتماعية ضمن نظام إنتاج محدد والدراسة الملموسة

للطبقات في تشكيل اجتماعي محدد تاريخّي ا. ولأنه يرى أن الطبقات تتفاعل مع ظروف نشأتها

وتطورها التاريخية المحددة، مثل الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية، فهو يشدّد على أهمية

((10(يوسف الصايغ، "الاقتصاد الفلسطيني تحت الاحتلال: الاستلاب والافتقار"، في: الاقتصاد الفلسطيني: تحديات التنمية في

ظل احتلال مديد، ص.265 (((10 المرجع نفسه، ص.266 (((10 المرجع نفسه، ص.272 (((10 المرجع نفسه، ص.273 (((10 المرجع نفسه، ص.277–270 (((10 مثل الاستيلاء على الأرض والموارد الطبيعية، ومنع إنشاء البنية التحية الضرورية للتنمية الاقتصادية، وحرمان الفلسطينيين من حق تقرير المصير، وهدم وتدمير آلاف المنازل، وتهجير آلاف الفلسطينيين، وتحويل قسم كبير من السكان إلى بروليتاريا تفتقر إلى الحقوق، إضافة إلى سلبهم الكرامة الإنسانية، وغير ذلك من الأفعال الاستعمارية الظاهرة.

أخذ الظرف التاريخي المحدد في الاعتبار، في كل تحليل طبقي. وتتأتى أهمية هذا التشديد من اعتقاد بولانتزاس "عدم إمكانية الاكتفاء بدراسة الطبقات الاجتماعية بناءً على تحليل نظري مجرد لأساليب

الإنتاج الموجودة فيه وأساليبه، ومجادلته بأن تلك الطبقات ليست كيانات محدّدة سابقًا، بل تتشكل وتتطور من خلال ال ممارسات التي تأتيها والصراعات التي تخوضها والتناقضات التي تعيشها. ويؤكد بولانتزاس أهمية التفريق بين التحديد البنيوي للطبقة وموقعها في ظرف تاريخي محدد. الأول يؤثر في الثاني الذي يتشكل في ظرف تاريخي مخصوص من خلال الصراعات الفكرية والسياسية والاقتصادية في المجتمع. إن المقصود بالتحديد البنيوي للطبقة هو موقعها في عملية الإنتاج، أما موقعها في كل ظرف تاريخي محدد، فهو الذي يؤسس للمواقف التي تتخذها في ذلك الظرف المعيّن بوصفه ظرفًا راهنًا. ويعدّ تحليل الظرف التاريخي عنصرًا أساسّي ا في عمل بولانتزاس على

فهم الطبقات الاجتماعية، الذي يرتكز فيه، إضافة إلى القوانين العامة التي تحكم سلوك الطبقات، على التحليل الظرفي الذي يساعد على الكشف عن النطاق المحدد من الاحتمالات والخيارات السياسية ال طمروحة عليها في ظرفها المحدد على نحو خاص، والتي لا  يمكن اختزالها إلى قيود بنيوية ولا اّإلى أفعال موجهة ذاتّي، وعلى تتبع الطبقات في كل ظرف تاريخي معيّن تكتيكات محددة

لتحقيق مصالحها الآنية، متأثرة بما  يسميه بولانتزاس "'أفق العمل' وهو أقصى التقدم ال ممكن تحقيقه في ظرف معين بحسب ما تحدده القيود البنيوية وتوازنات القوى". يعتبر مفهوم أفق العمل "حجر الزاوية" في فهم بولانتزاس لكيفية تفاعل المصالح الطبقية مع الظروف التاريخية. ويعتبر البعض أنه قدم مساهمة نظرية مهمة من خلال ربط المصالح الطبقية بمفهوم أفق عمل الطبقة، ويتعلق أفق العمل بفاعلية الطبقة في كل لحظة تاريخية معينة أكثر مما يتعلق بصفاتها البنيوية، أما المصالح فترتبط بالناحيتين. ولا يعتمد أفق العمل على القيود البنيوية التي تنطوي عليها مصفوفة نمط الإنتاج الرأسمالي فحسب، بل إنه يعتمد أيضًا على توازنات القوى السائدة المرتبطة بأشكال معينة من الت ثميل والتنظيم الطبقيين.

(109) Poulantzas, p. 23. (110) María Vignau Loría, "Poulantzas and the Structuration of Classes," in: Massimo Modonesi, Alfonso García Vela & María Vignau Loría (eds.), The Concept of Social Class in Contemporary Marxist Theory (Hanover: Ibidem, 2022), pp. 69–91. (111) Poulantzas, pp. 14–15. (112) Morten Ougaard, Neo–Poulantzian Perspectives in IR and the Current Crisis (Copenhagen: Copenhagen Business School, 2003), p. 10. (113) Jason C. Mueller, "What can Sociologists of Globalization and Development Learn from Nicos Poulantzas?" Progress in Development Studies , vol. 19, no. 4 (2019), p. 8. (114) Ibid. (115) Poulantzas, p. 164. (116) Bop Jessop, Poulantzas Marxist Theory and Political Strategy (London: Macmillan, 1985), p. 189. (117) Ibid., p. 154.

ولهذا التحليل أهمية قصوى في فهم البرجوازية الفلسطينية، تحديدًا قبل عام 1994، وسنعمل على توضيح ذلك فيما يلي. فانطلاقًا من أن التبعية ليست ظاهرة ثابتة ولا متجانسة، واستنادًا إلى أداة التحليل الظرفي للطبقات، نضع مفهوم "التبعية القسرية والعميقة" ونستخدمه لفهم الضغوط الفريدة التي واجهتها الأطراف الاقتصادية الفلسطينية الفاعلة في الفترة.1994–1967 نعرّف التبعية القسرية والعميقة بأنها حالة من الخضوع الاقتصادي والسياسي يفرضه كيان اقتصادي – سياسي على كيان آخر، ويجيره لمصلحته باستخدام القوة أو التهديد بها. ومن ثمّ، لا تقوم العلاقات بين طرفي التبعية القسرية والعميقة على التراضي أو المصالح المشتركة، بل تعتمد على إملاء الطرف الأقوى لشروطه وأجنداته على الطرف الأضعف الذي تتميز وضعيته بانعدام الخيارات البديلة للقبول بشروط الطرف الأول لضمان استمراريته، والتخلي المؤقت عن تطلعاته والرضا بعدم تحقيق مصالحه الحقيقية. وعلى خلاف ذلك، ت ثمل التبعية وضعًا يحدّ كثيرًا من الخيارات المتاحة للدول القومية وأصحاب السلط المحلية فيها، ولكنه يتيح لهم التفاوض على شروط تبعيتهم تفاوضًا يمكن أن يؤدي إلى تغيير تلك الشروط أو – على الأقل – استمرار التفاوض بشأنها. من خلال الأداتين المفهوميتين "التبعية القسرية والعميقة" و"أفق العمل"، وفي ضوء الخصوصيات التاريخية التي ميزت المرحلة التي مر بها الاقتصاد الفلسطيني في الفترة 1994–1967، نجادل بأن ا عن تبعية برجوازيات دول تبعية البرجوازيات الفلسطينية للبرجوازيات الإسرائيلية تختلف جوهرّي الأطراف لبرجوازيات دول المركز، ونتحدى التصنيف الثنائي التقليدي بين البرجوازية الوطنية والكمبرادور. لقد عرضنا، في القسم السابق، لائحة بالضغوط الفريدة التي واجهتها الجهات الاقتصادية الفلسطينية الفاعلة في الفترة التي ندرسها، وشرحنا تأثيرها في صياغة العلاقة بين البرجوازيات الفلسطينية والبرجوازيات الإسرائيلية. ونست مثر الآن نتائج العرض والشرح للقول إن تلك العلاقة قابلة للتوصيف بأنها تبعية قسرية وعميقة كما يوثق مجدي المالكي وحسن لدادوة في دراستهما التاريخية، التي يؤكدان فيها أن هذه السياسات لم تكن قيودًا اقتصادية فحسب، بل كانت استراتيجية متكاملة ألحقت أضرارًا بالغة بمصالح مختلف طبقات المجتمع الفلسطيني.

(118) Dale L. Johnson, "Economism and Determinism in Dependency Theory," Latin American Perspectives , vol. 8, no. 3–4 (1981), p. 113.

(((11 وتشمل هذه السياسة جملة من الإجراءات وهي: مصادرة الأراضي، وتقليل سيطرة الفلسطينيين على مصادر المياه، وخنق الإنتاج الصناعي الفلسطيني، وسرقة الاقتصاد الفلسطيني على نحو مباشر من خلال الضرائب والرسوم، والسيطرة على التجارة الخارجية، وإهمال البنية التحية، وإهمال المرافق والخدمات العامة في الأراضي المحتلة، والعمل على تعزيز تدفق الأيدي العاملة الفلسطينية إلى أسواق العمل الإسرائيلي، فضل عن ممارسات الاعتقال، والتفتيش، ومصادرة الهويات والإبعاد وفرض منع التجول

والعقوبات الجماعية وهدم المنازل وعزل المناطق والتجمعات الفلسطيني بعضها عن بعض. ينظر: مجدي مالكي وحسن لدادوة،

تحولات المجتمع الفلسطيني منذ سنة 1948: جدلية الفقدان وتحديات البقاء (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018)، ص.290–288

3. في عدم انطباق مفهوم الكمبرادور على الشرائح البرجوازية الفلسطينية تحت الاحتلال

استنادًا إلى هذه المعاينة، نرى أن مفهوم "الكمبرادور" لا ينطبق على هذه الشرائح الاجتماعية الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي، الذي اعتمد سياسة ممنهجة هدفت إلى تفكيك الاقتصاد الذي كانت تعمل ضمنه وإخضاعه كلّي.ّا لإسرائيل وفي هذا السياق، يمكّننا مفهوم أفق العمل الذي يشير إلى النطاق المحدود من الخيارات المتاحة للطبقة في ظرف تاريخي معيّن، على نحوٍ دقيق، من التمييز بين حالة التبعية في دولة حديثة الاستقلال؛ إذ تقلّ الفرص وتتضاءل الخيارات، بحيث يكون أفق العمل محدودًا وضّي قًا، وفقًا لشروط التبادل غير المتكافئ بين اقتصادين ودولتين؛ وبين حالة التبعية القسرية والعميقة في أثناء الاحتلال العسكري المباشر، وهي حالة تنعدم فيها الفرص والخيارات أو تكاد، ويقترب فيها أفق العمل من الصفر تقريبًا. فعلى الرغم من أن تبعية التاجر الفلسطيني، سواء المستورد أو المصدر أو المنتج، قد أدت بعد عام 1967 إلى تعزيز النظام الاستعماري، فإن سلوكه الاقتصادي لا يجعله متواطئًا معه، لأنه لم يفعل إلا أنه ركز على "الاختيار العقلاني"، في لحظة تاريخية كان فيها خاضعًا مادّيةّا، مصطدمًا بقيود بنيوي لا فكاك له منها مع اختلال كبير في ميزان القوى بينه وبين التاجر والمستورد والمصدر الإسرائيلي. وتعني هذه الوضعية وجود تناقض فعلي وموضوعي بين البرجوازية التجارية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. وتعني أيضًا أن الكمبرادور التجاري المستورد من إسرائيل أو عبرها، لم يكن له وجود يذكر في فلسطين قبل عام 1994. ما كان موجودًا هو برجوازية مستوردة، تكيّفت مع الظروف الجديدة التي فرضها الاحتلال، عبر توجيه كامل استيرادها إلى إسرائيل، والاستفادة من الامتيازات التي قدمها الاحتلال، بحيث كانت "برجوازية تابعة مستفيدة من تبعيّتها". وعلى الرغم من أن سياسة الجسور المفتوحة التي اعتمدها الاحتلال أمّنت قدرًا أكبر من الانتفاع المادي للبرجوازيتين المصدرة والمنتجة المصدرة الفلسطينيتين، فقد كان هذا الأمر من قبيل التقاء المصالح.

(((12 نص الأمر العسكري رقم 8 الصادر باسم ألوف حاييم هرتسوغ، وقد جاء تحت عنوان حظر الشراء والبيع: "كل شخص لا ينتمي إلى السكان المحليين اللذين [كذا] كانوا يقيمون ضمن حدود المنطقة بتاريخ 7 حزيران/ يونيو 1967. لا يجوز له بيع أو شراء أية حاجية [كذا] أو أي شيء آخر إلا بموجب رخصة صادرة عني أو عمن فوض بذلك بصورة عامة أو خاصة"، في: قيادة قوات

جيش الدفاع الإسرائيلي في منطقة الضفة الغربية، مناشير، أوامر، تعيينات، العدد  1، 1967/8/11، ص.29 (((12 ا يشير جميل هلال، ماثل، إلى توُّسُع ارتباط التجار الفلسطينيين بالاقتصاد الإسرائيلي، بعد عام 1967، كثيرًا؛ ما أدى إلى

ازدهار طبقة برجوازية تجارية توسعت أرباحها نتيجة لتعاونها مع السلطات الاستعمارية، ونتيجة لأداء دور الوسيط بين المصنعين والمستوردين الإسرائيليين والسوق المحلية الفلسطينية تحديدًا. أما عادل سمارة، فيستخدم مصطلح الكمبرادور لوصف الفئة

التجارية الجديدة التي يدعي أن الاحتلال هو من أوجدها، وهي تضم كبار التجار الفلسطينيين، الذين حققوا أرباحهم بالاستفادة من العلاقات الاقتصادية غير المتكافئة بين الطرفين، ولا سيما من خلال حصولهم على امتيازات لتسويق منتجات الشركات الإسرائيلية بدعم من الحكم العسكري الإسرائيلي. ويشير خليل نخلة إلى منح الإدارة المدنية الإسرائيلية، منذ حلولها محل الحكم العسكري عام 1981، حوافز ومكافآت نقدية للتجار الفلسطينيين الذين يوافقون على تصدير المنتجات الإسرائيلية إلى السوق الفلسطينية. وعلى نحو مماثل، يؤكد آدم هنية أن البرجوازية الفلسطينية التجارية هي "كمبرادور بطبيعتها"، إذ أتت أرباحها من حقوق الاستيراد الحصرية للسلع الإسرائيلية.

يواجه تطبيقُ تعريف الكمبرادور – على أنه فئة من البرجوازية المحلية تربط الاقتصاد المحلي بالاقتصاد لمصلحة رأس المال الأجنبي على حساب الاقتصاد الوطنيالعالمي من خلال عملها وكيل –  على البرجوازية الفلسطينية، قبل قيام السلطة الوطنية عام 1994، وبمختلف فئاتها الزراعية والصناعية والتجارية، صعوبةً كبيرة، على أنّ الصفة الكمبرادورية تتطلب، فعل، وجود كيان سياسي، حتى إن كان محدود السيادة، ووجود اقتصاد وطني، حتى إن كان مشوهًا وتابعًا بحيث يتيسر فعل الوساطة بينه وبين الاقتصاد المهمين عليه وهو ما يجعله تابعًا له. ويلاقي تطبيقُ تعريف البرجوازية الوطنية على أنها الشريحة من الرأسمالية المحلية المهتمة بتطوير الاقتصاد الوطني والساعية للاستقلال عن سيطرة المراكز الرأسمالية، والتحالف مع الدولة المحلية في التصنيع والتنمية، على البرجوازية الفلسطينية في الأراضي المحتلة في الفترة 1994–1967، صعوبةً كبيرة أيضًا. ولم توفر السياسات الاقتصادية الاستعمارية الفلسطينية البيئة الاقتصادية المناسبة لتشكل برجوازية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة تعمل على تطوير اقتصاد وطني، وعلى الاستقلال بقرارها الاقتصادي وخ ططها التنموية. ويمكن القول إن وضعها ذاك لم يمكّنها، اجتماعّيًاّا، من أن تكون برجوازية متماسكة. أم على المستوى السياسي؛ فحتى حينما امتلكت

البرجوازية الفلسطينية رؤى ومواقف وطنية، وسعت لترجمتها إلى أفعال وممارسات تنموية فعلية، كان الاحتلال يقف لها بالمرصاد، ليحدّ من قدرتها على القيام بدور فاعل حًّقًا في تحقيق التنمية الاقتصادية المستقلة. ومع ذلك، فإن انعدام برجوازية وطنية فلسطينية، لا يعني بالضرورة أن التوجهات الوطنية كانت منعدمة تمامًا لدى البرجوازيات في فلسطين في الفترة 1994–1967. غير أن تناول هذه المسألة يتجاوز نطاق هذه الدراسة، ويستدعي دراسة منفصلة.

خاتمة

أسّس الواقع المادي للبرجوازيات المستَع مرة، بوصفها طبقات رأسمالية ناشئة وضعيفة، لبروز وجهتَي نظر متناقضتين حول مواقعها وطبيعة أدوارها. فبينما تبنّى الماركسيون، من السوفيات وغيرهم، مفهوم "البرجوازية الوطنية" في المحاجّة بأن لدى شرائح طبقة البرجوازية المحلية مشروعًا رأسمالًّيًا يصبو

إلى تعزيز الاستقلال، بحيث تكون معادية للاستعمار والإمبريالية، رأى منظّرو مدرسة التبعية أن تلك البرجوازية المحلية ترتبط بمصالح مشتركة مع الاستعمار والإمبريالية وتسعى للتحالف معها. وُوجِهت به نظرية التبعية أنها تتبنى منهجًا غير ديالكتيكي في تحليلها للعلاقة وقد بيّن النقد الذي

بين البرجوازيتين المستعمِرة والمستعمَرة، وللعلاقة بين المركز والأطراف؛ فهي لا تأخذ في اعتبارها التناقضات الكامنة في جوهر تلك العلاقات نفسها، ولا تراعي الحركة والتغيير الدائمَين، والتجدد والنمو المستمَّرَين، لتلك الطبقات وللعلاقات القائمة بينها.

(122) Chibber, p. 5.

بهذه الخلفية النظرية والمفهومية، خلصنا إلى تحليل العلاقات الاقتصادية التي قامت بين البرجوازيتين الفلسطينية والإسرائيلية، في الفترة 1994–1967، فبّيلاّ نَا أن البرجوازية الفلسطينية، سيما فئة التجار،

برجوازية مصِّدِرة ومستوردة، تكيّفت مع الظروف الجديدة التي فرضها الاحتلال فاستفادت من

الامتيازات التي قدمها لها الاحتلال، بحيث كانت "برجوازية تابعة مستفيدة من تبعيتها". ومن خلال توظيف الدراسة مفهومَي أفق العمل المحدود والتبعية القسرية والعميقة، جادلت بأن تصنيف هذه البرجوازية الفلسطينية ضمن فئة "الكمبرادور" يتسم بالتبسيط النظري وعدم اعتبار الوقائع الميدانية، على الرغم من أن الجسور التي فتحها الاستعمار الإسرائيلي أمّنت لها قدرًا من الانتفاع المادي أكبر مما توافر لبقية شرائح البرجوازية، مقابل الحرمان التام للفئات البرجوازية الفلسطينية الصغيرة والمتوسطة، سواء كانت من فئة التجار أو الصناعيين أو الفلاحيين. وبينت الدراسة، استنادًا إلى أداة التحليل الظرفي للطبقات لدى بولانتزاس ومفهومه عن أفق العمل أن التناقض بين البرجوازيتين الفلسطينية والإسرائيلية والنظام الاستعماري الإسرائيلي عامة لم يجعل منها برجوازية وطنية في الفترة.1994–1967 يمكن، اعتمادًا على ما خلصت إليه الدراسة من نتائج مفهومية ونظرية وتحليلية، أن نؤكد – مرة أخرى – أنّ التبعية ليست ظاهرة ثابتة أو متجانسة، بل تتنوع في أشكالها ودرجاتها تبعًا للسياقات التاريخية، وأن التمييز بين التبعية في ظل الدولة الحديثة الاستقلال والتبعية القسرية والعميقة أثناء الاحتلال العسكري، ليس أمرًا قائمًا نظرّييّا ومفهومًّ ا فحسب، بل إنه كذلك واقعيّ أيضًا؛ استنادًا إلى

مجموعة من الأدلة الميدانية من الحالة الفلسطينية. وفي ضوء هذا، يظل الاستخلاص الأهم من دراستنا أن التعمق في تحليل التفاعلات واللقاءات اليومية التي تتضمنها العلاقات الاقتصادية بين الاقتصاد التابع والاقتصاد الذي يستتبعه، وبين الاقتصاد الاستعماري والاقتصاد الذي يستعمره، وبين الطبقات المحلية المستعمرَة أو التابعة والطبقات التي تهيمن عليها، ضروري لتسليط الضوء على

محدودية التاريخ الاستعماري المكتوب بمصطلحات ثنائية، والذي يصر على تكريس نظرة مبسطة لثنائية المستعمِر والمستعمَر، غاًّضًا الطرف عن تعدد الحالات وعدم اقتصارها على حالة التعاون

ال طملق والمنسجم مع المستعمِر أو حالة مقاومته الخالصة والدؤوبة في كل الظروف، وكذلك عدم اقتصار العلاقات الاستعمارية على صيغ الهيمنة والسيطرة والتعاون وبناء المصالح المشتركة بين المستعمِرين والمستعمَرين. وليس من ال ممكن تحقيق هذا التعمق في كل هذه الحالات والصيغ والعلاقات والتفاعلات المتناقضة إلا بتبني منظور جدلي للاشتباك الاستعماري يتعارض مع الطرح الإقصائي والنظرة الثنائية والاختزالية الجامدة. إن هذا المنظور الجدلي كفيل بكشف علاقات السيطرة والخضوع، والهيمنة والمقاومة، ضمن الكشف عن تعقيد الديناميكيات التي تحكم السياق الاستعماري وتشابكها وتحولها التاريخي المستمر. ولئن أكدت نتائج الدراسة ضرورة التخلي عن مصطلحَي "البرجوازية الوطنية" و"الكمبرادور" في أثناء

العمل على فهم البرجوازية الفلسطينية التي سبقت قيام السلطة الفلسطينية عام 1994، فإنّ السياق المعقد الذي نشأ لاحقًا، والمت ثمل في التداخل بين الشرط الاستعماري (استمرار وجود الاحتلال

الإسرائيلي) والظرف ما بعد الاستعماري (وجود سلطة فلسطينية ذات سيادة منقوصة)، يبرز الحاجة إلى دراسة مفصّلة لأثر هذا التداخل في مختلف الأطروحات التي ناقشناها. وسوف يكون من الضروري ل ثمل هذه الدراسة أن تسعى لتوسيع المناقشة المفاهيمية التقليدية، وأن تعمل على تطوير شبكة مفاهيمية جديدة قادرة على فهم أدوار البرجوازيات المستعمَرة والتابعة، وربما تتجاوز الإطار التحليلي الذي كان صالحًا إلى حدّ الآن. وقد يكون من أبواب ذلك التجاوز فهم أثر معطى غير اقتصادي مباشرة، بل سياسي، مثل الذي تجسد في أطوار المواجهة بين الفلسطيني والاستعمار الإسرائيلي منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر.2023

تنويه وتقدير

أتوجه بشكر خاص إلى الدكتور مضر قسيس، أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت في فلسطين، على ملاحظاته القيمة التي قدمها لمشروع أطروحة الدكتوراه الخاص بي، والذي تشكل هذه الدراسة جزءًا منه.

المراجع

References

العربية

أبو الشكر، عبد  الفتاح. التصنيع في الضفة الغربية. نابلس: جامعة النجاح الوطنية،.1990 الاقتصاد الفلسطيني: تحديات التنمية في ظل احتلال مديد. جورج العبد  (محرر). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1989 بنفنستي، ميرون. الضفة الغربية وقطاع غزة: بيانات وحقائق أساسية. عمّان: دار  الشروق للنشر والتوزيع،.1987 تماري، سليم. "دور التجار وأصحاب الحوانيت في الانتفاضة الأولى". مجلة الفكر الديمقراطي. العدد 10–9.)1989(جميل، مسيف [وآخرون]. الانفكاك عن الاقتصاد الإسرائيلي: المفاهيم النظرية والإمكانات العملية. رام الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني ""ماس،.2020 روي، سارة. قطاع غزة: السياسة الاقتصادية للإفقار التنموي. ترجمة محمد طربية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2018 سمارة، عادل. اقتصاد المناطق المحتلة: التخلف يعمق التبعية. القدس: منشورات صلاح الدين،.1975 _______. الرأسمالية الفلسطينية من النشوء التابع إلى مأزق الاستقلال. القدس: منشورات مركز الزهراء،.1991

عامل، مهدي. حركة التحرر الوطني: طبيعتها وأزمتها. بيروت: معهد الإنماء العربي: [د. ت.]. _______. مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني: القسم الثاني: في نمط الإنتاج الكولونيالي. بيروت: دار  الفارابي،.1967 علاونة، عاطف. الأمر العسكري 1342 بين تشجيع الاستثمارات والمتطلبات الأمنية. نابلس: مؤسسة الأفق المحدودة،.1992 قيادة قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في منطقة الضفة الغربية. مناشير، أوامر، تعيينات. العدد  1،

لينين، فلاديمير. حركة شعوب الشرق الوطنية التحررية: مجموعة من المقالات والخطب. موسكو: دار التقدم،.1974 مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد". الاقتصاد الفلسطيني: وضع سياسات الاقتصاد الكلي والتجارة في ظل الاحتلال. نيويورك / جنيف:.2012 _______. تيسير التجارة في الأرض الفلسطينية المحتلة: القيود والعوائق. نيويورك / جنيف:.2015 ماركس، كارل. رأس المال، المجلد الثالث: عملية إنتاج رأس المال ككل. ترجمة فالح عبد  الجبار. بيروت: دار الفارابي،.2012 مالكي، مجدي وحسن لدادوة. تحولات المجتمع الفلسطيني منذ سنة 1948: جدلية الفقدان وتحديات البقاء. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،.2018 منصور، أنطوان وجورج القصيفي. الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة (1948–1984). [د. م.]: [د. ن.]، [د. ت.]. الموسى، شريف ومحمود الجعفري، "السلطة والتجارة: البروتوكول الاقتصادي الإسرائيلي – الفلسطيني." مجلة الدراسات الفلسطينية. مج  6، العدد 21.)1995(نخلة، خليل. فلسطين وطن للبيع. رام  الله: الرعاة للدراسات والنشر،.2014 النقيب، فضل. مدخل نظري: صياغة رؤية تنموية فلسطينية. رام  الله: معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني "ماس"،.2003 هلال، جميل. الضفة الغربية: التركيب الاجتماعي والاقتصادي 1984–1948. بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث،.1975 _______. تكوين النخبة. رام  الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية "مواطن"،.2002

هيجوت، ريتشارد. نظرية التنمية السياسية. ترجمة حمدي عبد  الرحمن ومحمد عبد الحميد. الأردن: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2001 هيفا، سعيد. واقع القطاع الصناعي في الضفة الغربية 1987–1975. بيرزيت: جامعة بيرزيت، كلية التجارة والصناعة،.1989

الأجنبية

Angotti, Thomas. "The Political Implications of Dependency Theory." Latin American Perspectives. vol. 8, no. 3–4 (1981). Arjan, Vliegenthart. "Bringing Dependency Back in the Economic Crisis in Post– Socialist Europe and the Continued Relevance of Dependent Development." Historical Social Research. vol. 35, no. 2 (2010). Beckman, Bjorn, "Imperialism and the National Bourgeoisie." Review of African Political Economy. vol. 8, no. 22 (1981). Bresser–Pereira, Luiz. "From the National–Bourgeoisie to the Dependency Interpretation of Latin America." Latin American Perspectives. vol. 38, no. 3 (2011). Chilcote, Ronald H. "Issues of Theory in Dependency and Marxism." Latin American Perspectives. vol. 8, no. 3–4 (1981). da Silva, Maria Cardeira & Clara Saraiva (eds.). As Lições de Jill Dias. Lisbon: Etnográfica Press, 2013. Johnson, Dale L. "Economism and Determinism in Dependency Theory." Latin American Perspectives. vol. 8, no. 3–4 (1981). Blaney, David L. "Reconceptualizing Autonomy: The Difference Dependency Theory Makes." Review of International Political Economy. vol. 3, no. 3 (1996). ESCWA. Palestine Under Occupation III Mapping Israel’s Policies and Practices and their Economic Repercussions in the Occupied Palestinian Territory. Beirut: 2022. Farsakh, Leila. "Palestinian Economic Development: Paradigm Shifts since the First Intifada." Journal of Palestine Studies. vol. 45, no. 2 (2016). Frank, Andre. Latin America: Underdevelopment or Revolution. New York/ London: Monthly Review Press, 1969. _______. Lumpenbourgeoisie: Lumpendevelopment; Dependence, class, and politics in Latin America. New York/ London: Monthly Review Press, 1972. Gabriel, Judith. "The Economic Side of the Intifadah." Journal of Palestine Studies. vol. 18, no. 1 (1988). Howe, Gary Nigel. "Dependency Theory, Imperialism, and the Production of Surplus Value on a World Scale." Latin American Perspectives. vol. 8, no. 3–4 (1981). Gordon, Alec & Alec Gordon. "The Theory of the "Progressive" National Bourgeoisie." Journal of Contemporary Asia. vol. 3, no. 2 (1973).

Grosfoguel, Ramón. "Developmentalism, Modernity, and Dependency Theory in Latin America." Nepantla: Views from South. vol. 1, no. 2 (2000). Hanieh, Adam. "Class, Economy, and the Second Intifada." Monthly Review. vol. 54, no. 5 (2002). Hilal, Jamil. "Class Transformation in the West Bank and Gaza." MERIP Reports. no. 53 (1976). Jessop, Bop, Poulantzas Marxist Theory and Political Strategy. London: Macmillan,

Kubursi, Atif & Fadle Naqib. "The Palestinian Economy Under Occupation: Economicide." The Economics of Peace and Security Journal. vol. 3, no. 2 (2008). Lall, Sanjaya. "Is 'Dependence' a Useful Concept in Analysing Underdevelopment?" World Development. vol. 3, no 11–12 (1975). Leys, Colin. "Underdevelopment and Dependency: Critical Notes." Journal of Contemporary Asia. vol. 7, no. 1 (1977). Modonesi, Massimo, Alfonso García Vela & María Vignau Loría (eds.). The Concept of Social Class in Contemporary Marxist Theory. Hanover: Ibidem, 2022. Mueller, Jason C. "What can Sociologists of Globalization and Development Learn from Nicos Poulantzas?" Progress in Development Studies. vol. 19, no. 4 (2019). Namkoong, Young. "Dependency Theory: Concepts, Classifications, and Criticisms." International Area Studies Review. vol. 2, no. 1 (1999). Ougaard, Morten. Neo–Poulantzian Perspectives in IR and the Current Crisis. Copenhagen: Copenhagen Business School, 2003. Phillips, Anne. "The Concept of Development." Review of African Political Economy. vol. 4, no. 8 (1977). Portes, Alejandro. "On the Sociology of National Development: Theories and Issues." American Journal of Sociology. vol. 82, no. 1 (1976). Poulantzas, Nicos. Classes in Contemporary Capitalism. David Fernbach (trans.). London: NLB Publications, 1975. Roxborough, Ian. Theories of Underdevelopment. London: The Macmillan Press, 1979. Ryan, Sheila. "Israeli Economic Policy in the Occupied Areas: Foundations of a New Imperialism." MERIP Reports. no. 24 (1974). Sánchez, Omer. "The Rise and Fall of the Dependency Movement: Does It Inform Underdevelopment Today?" Journal EIAL Estudios Interdisciplinarios de América Latina y el Caribe. vol. 14, no 2 (2003).

Shelley, Toby, Ben Cashdan & Adil Samarah. Palestine: Profile of an Occupation. London/ New Jersey: Zed Books Ltd, 1989. Tartir, Alaa et al. (eds.). Political Economy of Palestine Critical, Interdisciplinary, and Decolonial Perspectives. London: Palgrave Macmillan, 2021. Turner, Mandy & Omar Shweiki (eds.). Decolonizing Palestinian Political Economy De–development and Beyond. London: Palgrave Macmillan, 2014. Valenzuela, Samuel & Arturo Valenzuela. "Modernization and Dependency: Alternative Perspectives in the Study of Latin American Underdevelopment." Comparative Politics. vol. 10, no. 4 (1978). Wallerstein, Immanuel. "The Bourgeois(ie) as Concept and Reality." New Left Review. vol. 167, no. 1 (1988).