العودة إلى تفاصيل المؤلَّف ديار بئر السبع، جنوب فلسطين العثماني: الأرض والمجتمع والدولة

ديار بئر السبع، جنوب فلسطين العثماني: الأرض والمجتمع والدولة

Beersheba Region, Southern Ottoman Palestine: The Land, Society, and State

منصور النصاصرة| Mansour Nasasra *

الملخّص

عنوان الكتاب: ديار بئر السبع، جنوب فلسطين العثماني: الأرض والمجتمع والدولة . المؤلف: أحمد أمارة. الناشر: الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. سنة النشر: 2024. عدد الصفحات: 344.

Abstract

Visiting Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies, and a Research Fellow at Ulster University– Northern Ireland. Email: m.nasasra261@gmail.com

الكلمات المفتاحية:
  • فلسطين
  • غزة
  • بئر السبع
  • العشائر البدوية
  • ملكية الأراضي
Keywords:
  • Palestine
  • Gaza
  • Beersheba
  • Bedouin Tribes
  • Land Ownership

عنوان الكتاب: المؤلف:

أحمد أمارة. الناشر: سنة النشر: عدد الصفحات:

344 صفحة.

Beersheba Region, Southern Ottoman Palestine:

The Land, Society, and State

ديار بئر السبع، جنوب فلسطين العثماني: الأرض والمجتمع والدولة.

الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

مقدمة

قلّلت قيودٌ مختلفة من عملية توثيق التاريخ السياسي والاقتصادي والحقوقي لأهل الجنوب الفلسطيني وكتابته. وعلى الرغم من أن هذا التاريخ يُشكل مكونًا أساسيّا في الأدبيات المتوافرة بشأن المنطقة، وأن هذا الجنوب يُمثل أكثر من نصف مساحة فلسطين التاريخية، فإنه يبدو أنه جرى اعتبار تاريخه بعيدًا عن اهتمام الأدبيات الفلسطينية. وليست هذه القيود مقتصرة على حقبة معينة؛ إذ تمتد من العقود الأخيرة من حقبة الإمبراطورية العثمانية، وتمُّرُ بفترة الانتداب البريطاني، ثم إلى الحكم العسكري الإسرائيلي، لتصل إلى هبّة أيار/ مايو 2021. وفي هذا السياق الذي يهّم الجنوب الفلسطيني عامّة، عندما يناقش ما يهّم بئر السبع وقضاياها، يلُاحظ أن أغلب الدراسات التي تغطي هذه الحقب والفترات تفتقر إلى التحليل النقدي المعمق من جهة، واستعمال وثائق وروايات شفوية تُبيّن جزءًا من الرواية الحقيقية لأهل البلاد الصامدين في بلادهم، على

الرغم من النكبات المستمرة، من جهةٍ أخرى. وبعد أن شهد الجنوب الفلسطيني "نكبة معرفية" وغيابًا طويلًا عن الدراسات الفلسطينية والعربية، ازداد الاهتمام البحثي به في العقود الأخيرة؛ فكان كتاب غازي فلاح الفلسطينيون المنسيونفي عام 1989، ثم كانت كتابات عارف العارف عن بئر السبع وأهلها؛ ومن ثم، ظهرت دراسات أخرى

(((غازي فلاح، الفلسطينيون المنسيون: عرب النقب –1906

1986 (طيبة: مركز التراث العربي،.)1989 (((عارف العارف، تاريخ بير السبع وقبائلها (القاهرة: مكتبة مدبولي،.)1999

مؤخرًا يأتي كتاب أحمد أمارة ديار بئر السبع:

جنوب فلسطين العثماني: الأرض والمجتمع والدولة في سياقها. من أهم الأسئلة التي يطرحها كتاب أمارة: "أين كان هذا الجنوب الفلسطيني (النقب اليوم) في دراسات فلسطين ولماذا تم تغييبه لعقود طويلة؟"، و"لماذا استحوذت على الجنوب الفلسطيني دراسات كتب الرحالة الإنجليز والفرنسيين وعلماء الاجتماع الإسرائيليين والمستشرقين وغيرهم؟" (ص. 16)، وما جذور الصراع الدائر على ملكية الأراضي في الجنوب الفلسطيني أمام منظومة المحاكم الاستعمارية؟ هذه أسئلة لا تزال اليوم تُطرح لدى الباحثين، وقد عقد متحف جامعة بيرزيت، في 12 حزيران/ يونيو 2024، حواريةً عنوانها "روايات جنوب فلسطين: تخوم إمبريالية"، تطرّقت إلى أسئلة مماثلة، أبرزها: هل

وقعت الدراسات الفلسطينية في الفخ الاستعماري بخصوص الجنوب الفلسطيني؟ تنطلقُ هذه المراجعة من هذه الأسئلة، وتحاول الإجابة عن أسئلة أخرى: هل يُعيد كتاب أمارة كتابة رواية جنوب فلسطين في الفترة العثمانية من منظور فلسطيني، ل "ينفض الغبار" أخيرًا عن

الحقبة العثمانية في جنوب فلسطين؟ وهل يُقدّم لنا مصادر بحثية لم تُكشف من قبل؟ وهل يمكن

(((ينظر مثلًا: منصور النصاصرة، بدو النقب وبئر السبع: 100

عام من السياسة والنضال، ترجمة ساندرا الأشهب (الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2020)؛

أحمد أمارة وألكساندر كيدار وأورن يفتحئيل، الأراضي المفرغة:

جغرافيا قانونية لحقوق البدو في النقب، ترجمة ياسين السيد (رام الله: مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، ((("روايات جنوب فلسطين: تخوم إمبريالية"، متحف جامعة

بيرزيت، شوهد في 2025/3/13 في،:

https://tinyurl.com/48m3wfwd

أن يساهم في فهم أفضل لقضايا الأراضي في قضاء بئر السبع خلال مواجهة أهلها المنظومَة القانونية الاستعمارية الإسرائيلية والقمعية في العقود الأخيرة خاصةً؟ تسعى هذه المراجعة لمناقشة بعض القضايا المركزية التي ظهرت في فصول الكتاب، ومن أهمها قضية غياب جنوب فلسطين في الإنتاج المعرفي للدراسات الفلسطينية، وإشكالية التسميات الجغرافية والسياسية لجنوب فلسطين، والصراع على الأراضي في الفترة العثمانية والمحاكم الإسرائيلية، ومركزية مدينة بئر السبع في حياة بدو جنوب فلسطين، والعلاقة التاريخية مع مدينة غزة. وفي هذا السياق، تحاول هذه المراجعة، على قدر الإمكان، ربط بعض محاور الكتاب بالخطابات المتوافرة في الأدبيات الصادرة عن جنوب فلسطين في العقود الأخيرة. قبل الخوض في مضمون فصول الكتاب، تجدُر الإشارة إلى أن جنوب فلسطين كان يُعْرف ببلاد

غزة في القرن التاسع عشر وما قبله، وكان يديره متصرّف القدس مباشرةً. وفي عام 1900، فصل

العثمانيون مدينة بئر السبع إدارًّيًا عن قضاء غزة،

لتصبح بئر السبع وديارها قضاءً منفصلًا عن غزة.

وكان قضاء غزة يضم 62 قرية فلسطينية، بما فيها عشائر بدوية كثيرة. لذا، لم يكن الفصل الإداري والجغرافي بين قضاء كل من غزة وبئر السبع إّل "على الورق" لا غير، بسبب احتواء الأول على العديد من العشائر البدوية التي أشرنا إليها، فضلًا عن العلاقة التاريخية التي تربطُ قرى هذين القضاءين في مستويات عدة، اقتصادية واجتماعية

(5) Theodore Edward Downing, Gaza: A City of Many Battles (from the Family of Noah to the Present Day) (London: Society for Promoting Christian Knowledge,

وسياسية. أما قضاء بئر السبع الذي يناقشه هذا الكتاب، فهو القضاء الذي عرّفه مصطفى مراد

الدبّاغ بأن مساحته كانت تُقدّر ب 12,577,000

دونم، ممتدة من قرية الفالوجة شم لًا، وغزة غربًا، والخليل شرقًا، إلى أم الرشراش على خليج

العقبة جنوبًا، أي ما يُقدّر بنصف مساحة فلسطين

التاريخية، وهو ما يُعرف اليوم بالنقب.

أولا: الجنوب الفلسطيني في الإنتاج المعرفي

يُبيّن المؤلف في مقدمة كتابه أهمية مدينة بئر السبع

لدى أبناء العشائر البدوية في الحقبة العثمانية، مشيرًا إلى وجود مجلس بلدي فيها، كان يديره

حمّاد باشا الصوفي من عشائر الترابين. وتظهر

هذه العلاقة الوثيقة بين بدو الجنوب وعاصمتهم في استعمال مصطلح "سبعاوية"، وليس في ذلك إشارة إلى أبناء المدينة فحسب، بل إنّ فيه إشارة أيضًا إلى غيرهم ممن هم في محيطها على امتداد القضاء، حتى إن أبناء هذا القضاء الذين هُجّروا

إلى الشتات (غزّة وسيناء والضفة الغربية والأردن) عشيّة النكبة، ما زالوا يستعملون في التعريف

بأنفسهم كلمة "سبعاوية"؛ ما يدل على هويتهم الجغرافية، وعلى أصولهم التاريخية التي تعود إلى جنوب فلسطين. ومن أهم النقاشات التي يثيرها الكتاب غياُب

الأدبيات والدراسات الفلسطينية عن الجنوب

(((مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، ج  1 (بيروت: دار الطليعة، 1965)، ص.327–325 (((سلمان أبو ستة، "النصف المنسي من فلسطين: قضاء بئر

السبع والنكبة المستمرة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 73 (شتاء 2008)، ص 50–37؛ منصور النصاصرة، "قضاء بئر السبع والجنوب الفلسطيني: حكاية عقود من النضال والصمود"،

مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد  140 (خريف 2024)، 1913). ص.62–44

الفلسطيني، ومسألة اختلاف تسميات المنطقة. وفي هذا السياق، يُمكن أن نذكر عددًا من المؤتمرات الدولية التي ناقشت التسميات المختلفة للجنوب الفلسطيني، وطرحت توجهات عدة مهمة في هذه المسألة. ففي عام 2010، نُظّم أول مؤتمر دولي في جامعة إكستر في بريطانيا عن قضاء بئر السبع والنقب، تلاه مؤتمر أكاديمي آخر في جامعة كولومبيا في نيويورك. وقد أنتج هذان المؤتمران، وغيرهما، نقاشات جدّية ضمن الحيّز الأكاديمي حول قضايا الأرض والإنسان

في النقب، وملكية الأراضي فيه، وكيفية تصوّره في الخطابات الفلسطينية وخطاب الاستعمار الاستيطاني. ومما أثارته هذه النقاشات جدلٌ مثيرٌ متعلق بغياب النقب عن دراسات فلسطين

وخطاب الاستعمار الاستيطاني، وردات فعل لافتة في أوساط الأكاديميا الإسرائيلية والفلسطينية والغربية تجاه بعض القضايا المثارة. وقد ركّزت جل هذه النقاشات على أن حالة أهل النقب لا تختلف عن حالة باقي الفلسطينيين في الداخل أو في القدس؛ فهم كلّهم يواجهون الآليات الاستعمارية الاستيطانية نفسها. ويشيُر

(8) "Representations of 'Indigeneity' in Settler–Colonial Contexts: The Case of the Naqab Bedouin," Center for Palestine Studies (Columbia University), accessed on 13/3/2025, at: https://tinyurl.com/mr3nhuku

(((أفرزت هذه المؤتمرات كتابًا مركزيًا، وعددًا من الدراسات،

ينظر:

Mansour Nasasra et al. (eds.), The Naqab Bedouin and Colonialism: New Perspectives (London: Routledge, 2014); Sophie Richter–Devroe, Mansour Nasasra & Richard Ratcliffe, "The Politics of Representation: The Case of the Naqab Bedouin," Journal of Holy Land and Palestine Studies , vol. 15, no. 1 (2016), pp. 1–6. (10) Bruce Stanley, "Review Article: The Settler– Colonial Paradigm and Naqab Bedouin Studies," Journal of Holy Land and Palestine Studies , vol. 15, no. 1 (2016), pp. 129–134.

المؤلف إلى هذه النقاشات (ص. 70)، إضافة إلى "نفضه الغبار" عن أوراق الأرشيف العثماني وطرحه قضية جنوب فلسطين من هذا المنظور الحصري؛ ما يعطي الكتاب صبغةً خاصة لم تعهدها الدراسات السابقة التي تناولت موضوعه. في الفصل الأول من الكتاب، يُناقش المؤلف مسألة اختلاف تسميات المنطقة التي يدرسها

بطريقة نقدية. ومن بين ما أ طلق عليها من أسماء "نقب" و"بئر السبع" و"الجنوب الفلسطيني "، وصولًا إلى اسم "ديار بئر السبع" الذي نجده عنوانًا للكتاب، فضلًا عن تسمية سكانه "بدو النقب"، إلى "عربان بئر السبع". ومن الملاحَظ أن الكتاب استخدم لفظة "ديار" في عنوانه، أي "الوطن" في المفهوم الفلسطيني الجنوبي. وكلمة "ديار" جنوبية من المعجم السبعاوي البدوي، وهي تُدرَج في رواية أصلانية لجغرافيا موطن أهل الجنوب الفلسطيني، وقد خرجت من تعريف الناس لها، وهي أصلانية تمتد حتى حقب بعيدة، ويعود استعمال "بئر السبع"، الاسم التاريخي الفلسطيني لهذه الديار، إلى الحقبة الإسلامية، كما جاء في معجم البلدانلياقوت الحموي. وتُعد إعادة "ديار بئر السبع" إلى معجم فلسطين خطوة مهمة في توجيه الدراسات المستقبلية عن جنوب فلسطين. وكما يُستخلص في عدة وثائق، ظهرت عبارة "بئر–سبع" في الأرشيف العثماني أيضًا، واستُعملت رسمًّيًا في صحيفة الصحراء

في صور التي بدأت تصدر في عام 1916 في مدينة بئر السبع، وذلك بعد أعوامٍ قليلة من صدور صحيفة فلسطينفي يافا. ومن اللافت للانتباه تجنّب المؤِّلِف استعمال تسمية المنطقة التي

(((1 شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي

الحموي، معجم البلدان، ط  2 (بيروت: دار صادر،.)1995

يدرسها باسم "النقب"، وهو الاسم الذي بدأ أهل المنطقة يستعملونه في العقود الأخيرة. وفي هذا السياق، ينتقدُ هذا الاستعمال. فهذا الاستخدام الطاغي لمصطلح "النقب" ليس مصادفةً بوصفه جزءًا من هيمنة الصهيونية، وإشارة واضحة إلى

المنتصر في النقب. وعلى غرار المناطق الأخرى، حوّلت الحركة الصهيونية النقب من منطقة

عقائدية، أ شير إليها في الكتاب المقدس (من دان حتى بئر السبع)، إلى منطقة جغرافية محددة، وبوصفها أرضًا قومية أوسع كثيرًا. وأحيت الحركة

الصهيونية هذا المصطلح القديم في ثلاثينيات

القرن العشرين، وُأ عيد في الوقت نفسه تعريفه جغرافًّيًا ليشمل مساحة أكبر مما هو عليه عقائديّا

(ص. 70)–69 هذا النقد لاستعمال اسم "النقب" مهمّ جًّدًا،

لكنه ينطوي على بعض الإشكاليات، فقد استقر المصطلح "نقب" على مرّ العقود، وقبل النكبة،

وحتى اليوم، في المعجم اليومي لدى أهل قضاء بئر السبع، فضلًا عن وجود هذه التسمية في البقعة الجغرافية الأوسع للمنطقة؛ إذ نجدُ، مثلًا، في بادية جنوب الأردن منطقة "رأس نقب". ما يُستنتج منه أن هذا المصطلح عربي

بحت، وليس حكرًا على الحركة الصهيونية.

وباللغة البسيطة، وبعيدًا عن تعقيدات النقاشات الأكاديمية، سمعتُ مرارًا كبار السن من جيل

النكبة في جنوب فلسطين والأردن يقولون "نقيب"؛ أي إن كل منطقة في الجنوب الفلسطيني كان فيها "نقب"، بالإشارة إلى جغرافيا المنطقة، كما فهموها، مثل "نقب اشتر" و"نقب زويرة". لم تأتِ الكلمة، إذًا، من الترجمة العبرية "نجب"، بل هي من "نقيب"، كما هي في المفهوم المحلي في الجغرافيا الجنوبية لفلسطين، حيث ذُكرت "نقب" في موسوعة بلادنا فلسطينوصحيفة

فلسطينالصادرة في يافا قبل النكبة. وفي نهاية المطاف، فإن "نقب" مسمى جغرافي أصلاني يُشير أيضًا إلى تضاريس وطرق صحراوية وجبلية، من دون أي علاقة بالرواية الصهيونية وعبرنتها أسماءَ جغرافية المنطقة التاريخية. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن استعمال المؤلف وصف "بئر السبع وجنوب فلسطين في الفترة العثمانية" دقيق إلى حٍّدٍ بعيد. وفي هذا الصدد، من المهم الإشارة إلى أن أهل هذه المنطقة يتحدّثون كثيرًا في رواياتهم الشفوية عن

أن تعريفهم بصفتهم "بدوًا" جزءٌ مركزي من تراثهم

الفلسطيني الذي ارتبط ببادية جنوب فلسطين، وهو مصطلح من غير الممكن إزالته من ثقافة أهلها وهويتهم. وتاريخيّا، قطنت العشائر البدوية

في فلسطين في بيسان والجليل ووادي الحوارث وبئر السبع وغزة، وحتى في مناطق القدس ويافا والخليل، وغيرها. لذا، فهي جزء أصيل من النسيج الفلسطيني باختلافاته. ثمّ إن العشائر البدوية مركّبٌ مهمّ في هوية بعض الدول العربية

المجاورة لفلسطين، مثل الأردن والعراق والبعيدة عنها، مثل ليبيا وباقي دول الشرق الأوسط وبعض دول الخليج، على الرغم من مَحْوِ دول عديدة منها هذا المكوّن من هويتها السياسية، في محاولة

لخلق هوية شاملة للدولة.

ثانيًا: قمحٌ وشعير: الإنتاج الزراعي في جنوب فلسطين

يُركز الفصل الثاني من الكتاب على ازدهار منطقة الجنوب من خلال الزراعة، مشيرًا إلى خصوبة

أراضي قضاء بئر السبع وإنتاجها أفضل أنواع القمح والشعير في فلسطين، التي اتسع الاتجار بها في الأسواق المحلية كما اتسع تصديرها إلى

الأسواق العالمية. وتكمنُ أهمية هذا الفصل في تبيينه علاقة أهل قضاء بئر السبع بأرضهم وزراعتها على نحو دائم حتى اليوم، حيث إن غالبية أراضي القضاء، كما تُبيّن خرائط صندوق

استكشاف فلسطين، كانت ملكًا لأبناء العشائر، بما فيها أراضي مدينة بئر السبع التي امتلكتها عشائر العزازمة. وقد دحض هذا الفصل الرواية الاستشراقية والصهيونية التي تدّعي عدم خصوبة أرض جنوب فلسطين، وخلوّها من المحاصيل

الزراعية، كما ادّعوا في كتبهم. واعتمد المؤلف في محاجّته على ما كتبه الرحالة ويليام تومسون

William M. Thomson (1894–1806)، مقتبسًا

قوله: "في المرة الأولى التي أتيت فيها إلى هذه المنطقة، فوجئت، حيث لم أجدها مسطّحة أو قاحلة، ولا تشبه بأي شكل الصحراء الرملية، حيث قادتني قراءة سرد رحلة فيليب لتوقع ذلك [...] كان الطريق المتدحرج من ذلك الوادي (وادي السبع) شم لًا إلى غزة حينها أخضَر

ومنمقًا كالمروج، وكان معظمه مغطى بالقمح، ولكن ليس ثمة قرية على طول الطريق بأكمله، وتلك الحقول تخص العرب البدو الذين يسكنون الخيام" (ص. 91) من خلال هذا الاقتباس، وغيره، أثبت المؤلف الحقيقة التاريخية التي ذُكرت في طيات الأرشيفات البريطانية عن ازدهار زراعة القمح والشعير في هذا القضاء، بينما ينفي الرواية الصهيونية المُدعية قَفْر أرض الجنوب الفلسطيني

وفَقرها (ص. 311). ويذكر الأرشيف البريطاني مساحات شاسعة من الأراضي في قرية الخلصة مزروعة قمحًا؛ إذ تصف الوثائق هؤلاء البدو بأنهم

"ماهرون بالزراعة"، وأنهم يَفلحون أراضيهم على

نحو مستمر، إضافةً إلى وجُود مطاحن القمح

(يطلقون على المطحنة كلمة "بابور") في عدة

قُرى في قضاء بئر السبع، منها تل الملح وعرعرة ومدينة بئر السبع ذاتها. وهذا ما أكده الدبّاغ في

موسوعته: "وقد أثرى سكان ديار السبع لوقوع بلادهم على طرق التجارة بين غزة والعقبة، فكان من نتيجة ذلك الثراء أن زرعوا أراضيهم بمختلف المزروعات وغرسوا فيها الأشجار المتنوعة، وأقاموا المدن التي استقروا فيها، فحفروا الآبار وعمّروها بالبنايات ومختلف الأسواق". ومن

الجدير بالذكر، أيضًا، أن البدو اعتادوا تخزين القمح طوال سنوات في "مطامير القمح" التي ما زالت في ذاكرة أهل النقب حتى اليوم وجزءًا من

تراثهم الثقافي، وهي بمنزلة مخازن للقمح تُحفر في الأرض وتُحفظ فيها الحبوب عدة سنوات. ويذكر الفصل الثاني من الكتاب أن القمح والشعير الجنوبَّيَين الفلسطينَّيَين وصلا إلى يافا

بوساطة السفن القادمة إليها من ميناء غزة، ومن يافا وصلا إلى بقاع العالم. وفي هذا الصدد، تشيرُ الأرشيفات البريطانية إلى أن الحقول

الزراعية انتشرت في الجنوب الفلسطيني، تتصدّرها حقول الحبوب (القمح والشعير والسمسم) والتبغ، وأنّ منتجاتها في أسواق غزة بيعت أو صُدّرت عبر البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا ومصر. ففي عام 1906 مثلًا، زوّد بدو

الجنوب الفلسطيني بريطانيا الاستعماريةَ بمعظم إنتاجهم من الشعير، بقيمة بلغت 600 ألف جنيه إسترليني. وأكد الأرشيف البريطاني أنه صُ دِر 38 ألف طن من قمح الجنوب الفلسطيني وشعيره في عام 1908 عن طريق ميناء غزة إلى القارة الأوروبية، والجزائر، متجاوزًا الكميات

(12) Mansour Nasasra & Bruce Stanley, "Assembling Urban Worlds: Always–Becoming Urban in and Through Bir al–Saba," Urban History , vol. 51, no. 2 (2024).

(((1 الدباغ، ص.377

المُصدّرة من البرتقال من يافا إلى الأسواق

الأوروبية.

ثالثًا: بئر السبع: الأرض والمجتمع

يُحلّل الفصل الثالث من الكتاب القضاَء

العشائري في جنوب فلسطين ووسائل حل النزاعات، أي ما سُمي في الأعراف البدوية

"الُّصُ لحة". وفي حوارٍ أجريته مؤخرًا مع محمد

الجازي، في مدينة معان الأر ندية، أشار إلى أن "أصل القضاء العشائري يعود إلى بئر السبع"، ومن ثم امتد إلى أبناء العشائر في شرق الأردن ومعان وسيناء. ويدعم المؤلف هذه المعطيات من خلال الإشارة إلى أن "العربان" كانوا غالبًا

يحكمون أنفسهم وفقًا للقوانين والقواعد الاجتماعية المعروفة ب "العُرف" (ص. 120). وقد كان هذا النظام يشملُ أيضًا معالجة النزاعات حول الأراضي وترسيم حدود الأراضي والاعتراف بها عشائريًا بما يسمى "السند"؛ أي

"الكوشان". وتطرق الكتاب أيضًا إلى قضايا الدم وجلّ ما يخص الأحوال الشخصية. أما الفصل الرابع، فيتمحور حول تأسيس مدينة بئر السبع؛ إذ يُبيّن أهميتها بالنسبة إلى الجنوب

الفلسطيني من النواحي الإدارية والسياسية والاقتصادية. ويبرزُ الفصل التنوع الاجتماعي المميّز فيها، موضحًا أن "مدينة بئر السبع ذات

فسيفساء اجتماعية نادرة" (ص. 150). ويتشكل نسيج هذه المدينة المثيرة من المقدسيين والغزّيين والسبعاويين وأهل الخليل ويافا، وحتى بيت لحم والخليل. وهذه الحقيقة تُناقض ادعاء المؤلف

(14) Nasasra & Stanley, pp. 391–413.

(((1 محمد عبد الهادي الجازي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة الحسين بن طلال، مقابلة شخصية، معان،

حين ذكر – مُستندًا إلى الصحيفة العبرية هبوعيل

هتسعير  – أن معظم أهل بئر السبع خلال الفترة العثمانية كانوا من غزة والخليل (ص. 135) وتوضح أوراق الأرشيف العثماني التي نشرها زكريا قرشون، الباحث في جامعة السلطان محمد الفاتح في إسطنبول، أن عددًا غير قليل من البيوت في بئر السبع امتلكها أبناء العشائر البدوية. وفي مسألة ملكية الأراضي في الفترة البريطانية التي ذكرها المؤلف (ص  159 أن)، يُمكنني أضيف أن أهل غزة والخليل امتلكوا أيضًا أراضي في ضواحي بئر السبع، مثل بلدة عرعرة واللقية وتل الملح والشريعة. وفيما يخص المدرسة الأميرية الرشيدية في بئر السبع (ص. 162)، كان يمكن أن يذكر المؤلف بعض أسماء الطلاب الذين درسوا في إسطنبول، من خلال الرجوع إلى أرشيف المدرسة التي لا تزال قائمة حتى اليوم في بشكتاش في ضواحي مدينة إسطنبول، لسد النقص في الأدبيات حول هذه المدرسة وطّلا بها. يوثق الفصل الخامس من الكتاب مسألة ملكية الأراضي في قضاء بئر السبع، ويعرض رواية أهل النقب الأصلية حول حق تملكهم أراضيهم. ويُعتبر هذا الطرح عُنصرًا مركزًّيًا في

ملف الصراع حول ملكية الأراضي مع منظومة المحاكم الإسرائيلية في النقب اليوم. وقد أوضح المؤلف كيفية استخدام إسرائيل منظومة قوانين الدولة العثمانية والانتداب البريطاني لمصلحتها (ص. 302). وبهذا، طرح الظلم التاريخي الذي

واجهه أهل قضاء بئر السبع من سلبٍ لأراضيهم وحقوقهم التاريخية التي اعتُرف لهم بها، لاحقًا، عثمانًّيًا وبريطانًّيًا.

(16) "Köylerin Konum Tespitleri: Filistin Mülkiyet Projesi," Fatih Sultan Mehmet Vakif Universitesi, accessed on 13/3/2025, at: https://tinyurl.com/56teshme

ينتقلُ الفصل السادس إلى مناقشة قضية مركزية ما زالت تحظى بأهمية حتى يومنا هذا، وهي نزاعات الملكية بين القانون العرفي وقانون الدولة. ففي حين أوضحت الخرائط العثمانية والبريطانية أن غالبية أراضي جنوب فلسطين امتلكها أبناء العشائر، واعترفت بها بريطانيا عندما زار ونستون تشرتشل بئر السبع في عام 1921، كانت في قضاء بئر السبع منظومة عشائرية اعترفت بحدود الأراضي على نحو واضح بين العشائر المختلفة، وهي الحدود التي ظهرت على الخرائط الاستعمارية البريطانية التي لا تعتبر اليوم كافية للاعتراف بالأراضي المتنازع عليها أمام منظومة القضاء الإسرائيلية. ويُحلّل هذا الفصل تحليلًا عميقًا قضية حقوق الأراضي في بئر السبع في ظل الإصلاحات الإدارية العثمانية (ص. 228). وإحدى المسائل المهمة التي تطرّق إليها المؤلف في هذا السياق هي أن

"المسار العثماني المتميز في منطقة بئر السبع الحدودية، أنتج نظامًا قضائيًا وإداريًا يختلف

عن المناطق الساحلية، والمناطق الداخلية، أو حتى مناطق الحدود الأخرى" (ص. 229)؛ ما يُبيّن أن جزءًا من السرديّة المركبة في صراع

الأراضي اليوم في النقب مرتبط أيضًا بالقوانين التي أنتجتها الحكومة العثمانية التي تصادمت مع منظومة عشائرية صلبة، حُدّدت فيها قضايا

ملكية الأراضي تحديدًا واضحًا. أخيرًا، يُناقش الفصل السابع قضية مركزية في

تاريخ النقب ما زال يُسمع صداها حتى اليوم؛ إذ يطرح الفصل حيثيات استخدام المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية استراتيجيات لسلب ملكية أهل النقب أراضيهم، مستغلةً بذلك قوانين

(((1 ينظر النقاش في: أمارة وكيدار ويفتحئيل.

الأراضي العثمانية. واستعملت إسرائيل كذلك الحكم العسكري أداةً لمصادرة أراضي أهل النقب لاحقًا (ص. 303)، واستغلت في هذا الشأن قوانين مختلفة، مثل قانون أملاك الغائبين. إضافةً إلى ذلك، ووفقًا لما يذكره المؤلف، ابتكرت "عقيدة النقب الميت" للتمكّن من التحكّم المُطلق

في أراضي أهل النقب. ونتيجةً لكل هذه الأساليب، هُجّر غالبية بدو الجنوب الفلسطيني

من أراضيهم إلى غزة والأردن، وغدت مدينة بئر السبع فارغةً من أهلها بعد النكبة. وما جرى لأهل النقب من تهجير قسري وسلب يدلّ على ما حصل لجميع الفلسطينيين في أراضيهم، لكن غالبًا ما يُتجاهل تهجير النقب تحديدًا في عالم

الدراسات الأكاديمية، وبذلك تأتي أهمية هذا الفصل من ناحية أنه يسد فجوة معرفية مُهمة.

خاتمة

يُعد كتاب أحمد أمارة ديار بئر السبعإضافةً نوعية

إلى المكتبة العربية عامةً، والمكتبة الفلسطينية

خاصةً، بناءً على ما يشتمل عليه من بحثٍ نقدي

مهمّ وحيوي يروي حكاية جنوب فلسطين في الحقبة العثمانية، استنادًا إلى وثائق يُكشف عنها أول مرة. فالدراسات عن جنوب فلسطين قليلة جدّا، وتكاد تكون معدودة، بما فيها الدراسات عن مدينة بئر السبع وعلاقتها بقضاء غزة الانتدابي ومُدن الساحل الفلسطيني وقُراه، فضلًا عن شُح المكتبة العربية فيما يتعلق بدراسات مدن وقرى جنوبية أخرى، مثل الخلصة وعسلوج وعوجا الحفير وكرنب وتل الملح وأم الرشراش وغيرها. ثمّ إنّ الأدبيات التي تتناول قضايا قضاء بئر السبع

(((1 ينظر: سليمان أبو ارشيد، "د. أحمد أمارة: 'عقيدة النقب

الميت' للسيطرة على الأرض"، عرب 48، 2018/7/14، شوهد

في 2025/3/13، في: https://tinyurl.com/mpvzh8ns

نادرة أيضًا؛ ما يكشف عن فجواتٍ مُدهشة حاول الكتاب أن يملأها. ومع ذلك، كانت ثمة حاجة إلى أن يوضح المؤلف العلاقات الاجتماعية بين بئر السبع وغزة بعد ذكره العلاقات التجارية بينهما (ص. 99) فأهل بئر السبع امتلكوا بيوتًا وأراضي في غزة أيضًا، إضافةً إلى امتداد أصول بعض العشائر السبعاوية ومرجعها إلى غزّة. وأدّت هذه العوامل إلى علاقات اجتماعية، وعلاقات مصاهرة بينهما؛ ما يُفسّر سبب تهجير عدد كبير من أهالي قضاء

بئر السبع إلى غزة عشية النكبة. إضافةً إلى ذلك، كان من الممكن الخوض في تفاصيل واسعة متعلقة ببئر السبع وشبكة علاقاتها مع مدينة معان ببادية جنوب الأردن، حيث كانت ترتبط أيضًا بسوقها وبأسواق غزة وطرق الحج. وكان من المفيد كذلك أن يتضمّن هذا الكتاب خريطة

المراجع

العربية

الفلسطينية. العدد 73 (شتاء.)2008

دار صادر،.1995 الدباغ، مصطفى مراد. بلادنا فلسطين. ج 1. بيروت: دار الطليعة،.1965 العارف، عارف. تاريخ بير السبع وقبائلها. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1999

الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية،.2020

لمدينة بئر السبع تُبيّن أسماء الشوارع وهوية مُّلا ك البيوت فيها. أشدّد على دعوة أحمد أمارة في خاتمة كتابه الريادي: "هذه دعوة واضحة لاتباع نهج بديل يرى عشائر البدو جزءًا من النسيج الاجتماعي الفلسطيني وضد التركيز على عزلة البدو التي فرضها الاستشراق والرحالة الأجانب" (ص. 316) وتشفّ كلمات الأغنية البدوية الشعبية عن

دحضٍ للرواية الاستعمارية التي تُقصي الجنوب الفلسطيني من الرواية الفلسطينية وتستثنيه من النضال الفلسطيني الأوسع، إذ غنّت نساء من بدو بئر السبع في أعراسهم: "يحرم علي لبس منديل العزة... على اللّي انقتلوا شهداء بغزّة... يحرم على الكحل في العين... على اللي انقتلوا في وادي حنين."

References

أبو ستة، سلمان. "النصف المنسي من فلسطين: قضاء بئر السبع والنكبة المستمرة." مجلة الدراسات

أمارة، أحمد وألكساندر كيدار وأورن يفتحئيل. الأراضي المفرغة: جغرافيا قانونية لحقوق البدو في النقب. ترجمة ياسين السيد. رام الله: مدار – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية،.2020 الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي. معجم البلدان. ط  2. بيروت:

فلاح، غازي. الفلسطينيون المنسيون: عرب النقب.1986–1906 طيبة: مركز التراث العربي،.1989 النصاصرة، منصور. بدو النقب وبئر السبع: 100 عام من السياسة والنضال. ترجمة ساندرا الأشهب.

_______. "قضاء بئر السبع والجنوب الفلسطيني: حكاية عقود من النضال والصمود." مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 140 (خريف.)2024

الأجنبية

Downing, Theodore Edward. Gaza: A City of Many Battles (from the Family of Noah to the Present Day). London: Society for Promoting Christian Knowledge, 1913. "Köylerin Konum Tespitleri: Filistin Mülkiyet Projesi." Fatih Sultan Mehmet Vakif Universitesi. at: https://tinyurl.com/56teshme Nasasra, Mansour & Bruce Stanley. "Assembling Urban Worlds: Always–Becoming Urban in and through Bir al–Saba." Urban History. vol. 51, no. 2 (2024). Nasasra, Mansour et al. (eds.). The Naqab Bedouin and Colonialism: New Perspectives. London: Routledge, 2014. "Representations of 'Indigeneity' in Settler–Colonial Contexts: The Case of the Naqab Bedouin." Center for Palestine Studies (Columbia University). at: https://tinyurl.com/mr3nhuku Richter–Devroe, Sophie, Mansour Nasasra & Richard Ratcliffe, "The Politics of Representation: The Case of the Naqab Bedouin." Journal of Holy Land and Palestine Studies. vol. 15, no. 1 (2016). Stanley, Bruce. "Review Article: The Settler–Colonial Paradigm and Naqab Bedouin Studies." Journal of Holy Land and Palestine Studies. vol. 15, no. 1 (2016).