العودة إلى تفاصيل المؤلَّف نحو أنثروبولوجيا صيدلية بالمغرب: بيوغرافيا دواء الأورويوميسين من الإنتاج المادي إلى إعادة التأويل الثقافي

نحو أنثروبولوجيا صيدلية بالمغرب: بيوغرافيا دواء الأورويوميسين من الإنتاج المادي إلى إعادة التأويل الثقافي

ا¢ورﻳﻮﻣﻴﺴﻴﻦ ﻣﻦ ا’ ﻧﺘﺎج اﻟﻤﺎدي إﻟﻰ إﻋﺎدة اﻟﺘﺄوﻳﻞ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ Toward a Pharmaceutical Anthropology in Morocco: The Biography of Aureomycin from Physical Production to Cultural Reinterpretation

ﻓﺎروق اﻟﻄﺎﻫﺮي| Farouk Tahri *

الملخّص

يتطلب الحديث عن أنثروبولوجيا للصيدلة تجاوز النظرة التقليدية التي تميز بين الأدوية الشعبية والسحرية والأدوية العصرية والاعتيادية، والانتقال إلى دراستها كلها بالنظرة نفسها. إن اعتماد المقاربة البيوغرافية للأشياء يندرج في هذا الإطار، ويساعد على فهم التحولات والتفاعلات المختلفة التي تحكم دواءً ما في سياق زمني واجتماعي معين. من هذا المنظور، تعكف الدراسة على تتبع سيرة حياة دواء الأوريوميسين في المغرب بداية من السياقات التي ظهر فيها مرورًا بإنتاجه المادي، ثم عمليات التسويق والتوزيع وصولًا إلى الاستهلاك. أظهر هذا التتبع أن الدواء لا يستخدم بالطريقة التي يتوقعها الفاعلون المنتجون، بل يخضع لمنطق الهراطقة الصيدليين الذين يجعلون منه دواءً شعبيًا وجزءًا من عمليات علاج جديدة، ليست عصرية كليًا ولا شعبية تمامًا، بل هي بينية.

Abstract

Abstract: To discuss pharmaceutical anthropology requires moving beyond the traditional distinction between folk remedies and standard modern medicines, toward studying them all the same way. The biographical approach to objects helps in understanding the various transformations and interactions that govern a medicine in a given temporal and social context. This article traces the life story of Aureomycin in Morocco, from the contexts in which it appeared, through its physical production, marketing and distribution processes, and finally its consumption. It becomes evident that the medicine is not used in the way that producers expect; rather, it is subjected to the logic of "pharmaceutical heretics" who treat Aureomycin as folk medicine and part of new, intermediary treatment process – one that is neither wholly modern nor traditional.

الكلمات المفتاحية:
  • أنثروبولوجيا صيدلية
  • بيوغرافيا الدواء
  • الأوريوميسين
  • إعادة التأويل الثقافي
  • المغرب
Keywords:
  • Pharmaceutical Anthropology
  • Biography of Medicine
  • Aureomycin
  • Cultural Reinterpretation
  • Morocco

ﻧﺤﻮ أﻧﺜﺮوﺑﻮﻟﻮﺟﻴﺎ ﺻﻴﺪﻟﻴﺔ ﺑﺎﻟﻤﻐﺮب: ﺑﻴﻮﻏﺮاﻓﻴﺎ دواء ا¢ورﻳﻮﻣﻴﺴﻴﻦ ﻣﻦ ا’ ﻧﺘﺎج اﻟﻤﺎدي إﻟﻰ إﻋﺎدة اﻟﺘﺄوﻳﻞ اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ Toward a Pharmaceutical Anthropology in Morocco: The Biography of Aureomycin from Physical Production to Cultural Reinterpretation

ملخص: يتطلب الحديث عن أنثروبولوجيا للصيدلة تجاوز النظرة التقليدية التي تميز بين

الأدوية الشعبية والسحرية والأدوية العصرية والاعتيادية، والانتقال إلى دراستها كلها بالنظرة

نفسها. إن اعتماد المقاربة البيوغرافية للأشياء يندرج في هذا الإطار، ويساعد على فهم

التحولات والتفاعلات المختلفة التي تحكم دواءً ما في سياق زمني واجتماعي معين. من

هذا المنظور، تعكف الدراسة على تتبع سيرة حياة دواء الأوريوميسين في المغرب بداية من

السياقات التي ظهر فيها مرورًا بإنتاجه المادي، ثم عمليات التسويق والتوزيع وصولا إلى

الاستهلاك. أظهر هذا التتبع أن الدواء لا يستخدم بالطريقة التي يتوقعها الفاعلون المنتجون،

بل يخضع لمنطق الهراطقة الصيدليين الذين يجعلون منه دواءً شعبيًا وجزءًا من عمليات

علاج جديدة، ليست عصرية كليًا ولا شعبية تمامًا، بل هي بينية.

الثقافي، المغرب.

Abstract: To discuss pharmaceutical anthropology requires moving beyond the traditional distinction between folk remedies and standard modern medicines, toward studying them all the same way. The biographical approach to objects helps in understanding the various transformations and interactions that govern a medicine in a given temporal and social context. This article traces the life story of Aureomycin in Morocco, from the contexts in which it appeared, through its physical production, marketing and distribution processes, and finally its consumption. It becomes evident that the medicine is not used in the way that producers expect; rather, it is subjected to the logic of "pharmaceutical heretics" who treat Aureomycin as folk medicine and part of new, intermediary treatment process – one that is neither wholly modern nor traditional.

Researcher. Holds a master’s in Sociology from the Faculty of Letters and Humanities, Abdelmalek Essaâdi University, Morocco. Email: tahrifarouk6@gmail.com

ﻣﻘﺪﻣﺔ: ﺑﻴﻮﻏﺮاﻓﻴﺎ ا¢ ﺷﻴﺎء وﺳﻴﺮورة اﻟﺴﻠﻌﻨﺔ

سيرة الحياة، أو البيوغرافيا، هي ذلك الوصف المكثف لحياة شخص ما وانتقاله من سياق إلى آخر، بداية من الولادة، مرورًا برحلة الحياة ووصولا إلى الموت. فسيرة الحياة من منظور أنثروبولوجي، سواء أنظرنا إليها على أنها استعارة، أم عملية استفسار، أم بناء تفاوضي مشترك (بين الكاتب والموضوع)، هي مركب هجين وفي الوقت نفسه متكامل؛ ذلك لأنها تأخذ في الاعتبار السياقات الحساسة والدقيقة، من دون أن تغفل التفاعلات الأوسع التي أدت إلى إنتاج هذه السيرة. ولن نبتعد في هذه الدراسة كثيرًا عن هذا المفهوم لسيرة الحياة، وحتى نقارب الفهم، لنتحدث عن

بيوغرافيا حديثة نسبيًا، لكنها مشابهة لتلك السير التي كتبت قبل مئات السنين؛ إنها بيوغرافيا الأشياء.

فمن حيث الجوهر، ليس هناك اختلاف كبير بينها وبين بيوغرافيا العبد، بل حتى نفهم طبيعة هذه البيوغرافيا الجديدة، سنعود قليلا إلى ما سبق، ونحاول فهم سيرة حياة العبد. يجري تعريف العبودية بصفة عامة بأنها الكيفية التي يتم بها التعامل مع الناس وتداولهم، على أنهم ممتلكات، نوع من الأشياء. تبدأ العبودية من بيع شخص ما أو أسره، وبذلك يُجرّد من هويته

الاجتماعية، ويصير بذلك "لاإنسان"، شيئًا أو سلعة محتملة. لكن السيرورة تستمر لما هو أبعد من هذا. فالعبد، بعد وصوله إلى سيده أو سادته الجدد، يتم إقحامه في سياق اجتماعي جديد بالنسبة إليه. هذه النظرة البيوغرافية إلى العبودية، باعتبارها سيرورة، تتشابه مع عملية سلعنة Commoditization تجري على الأشياء الأخرى، وتمر تقريبًا من المسار نفسه، وباعتبارها جزءًا

من البناء الثقافي للسير الذاتية. ما يهمنا هنا على نحوٍ خاص من بين الأشياء العديدة الموجودة في المجتمع، الأدوية، وهي مثل كل الأشياء موضوع تداول، وتخضع لسيرورة سلعنة مستمرة، وتحمل معاني اجتماعية مختلفة باختلاف السياقات التي توجد فيها. وربما كان الاختلاف الوحيد بين سلعنة العبد وسلعنة الدواء ما يمكن أن نسميه السلعنة النهائية Terminal Commoditization، وهو المنطق نفسه الذي تبنته الكنيسة الكاثوليكية قديمًا أثناء بيعها صكوك الغفران؛ فالآثم يشتري الغفران له وحده، ولا يمكنه إعادة بيعه

بعد ذلك. وفي الطب الحديث، وبالطريقة نفسها، يتم تحقيق هذه السلعنة النهائية بوساطة من القانون، متمثلة في منع إعادة بيع دواء موصوف Prescribed Drug، ومنع بيع أي دواء بلا رخصة؛ وذلك ببساطة لأن الدواء سلعة نهائية، فهو من المفترض أنه يصلح لمريض بعينه، تتوافر فيه شروط استخدام ذلك الدواء عينه.

(1) David Zeitlyn, "Life–History Writing and the Anthropological Silhouette," Social Anthropology/Anthropologie Sociale , vol. 16, no. 2 (2008), p. 167. (2) Igor Kopytoff, "The Cultural Biography of Things: Commoditization as Process," in: Arjun Appadurai (ed.), The Social Life of Things: Commodities in Cultural Perspective (Cambridge: Cambridge University Press, 2013), p. 65. (3) Ibid. (4) Ibid., p. 75.

لكن هذا لا يمنع وجود قصة معقدة وراء كل دواء؛ إذ هو لم يولد بين ليلة وضحاها، "بل هو نتاج رحلة عبر الزمن في الأفعوانية، تختلط فيه محصلة اكتشافات عرضية، وتحليل منطقي حدسي، وثمرة العبقرية المذهلة، والطموح الشخصي، والمنافسة الشرسة بين الشركات". ومثلما هو حال الأسبيرين، قد يعيدنا تاريخ الدواء إلى تفاعل بين عوامل مختلفة، وفي الوقت نفسه متصلة. وعلى ذلك، ينبغي لنموذجٍ لبيوغرافيا الأدوية أن يتضمن، إضافة إلى السلوكيات الفردية، البنى المؤسساتية والميول السوسيوتاريخية، وأيضًا التفاعلات فيما بينها مع مرور الوقت. إن الحديث عن بيوغرافيا للأدوية الصيدلية هو نوع من المجاز، يحيل إلى تلك السيرورة التي يمر بها الدواء، انطلاقًا من إنتاجه مرورًا بتسويقه، ثم شرائه واستهلاكه. والفاعلون في هذه السيرورة هم الذين يعطون الدواءَ تاريخًا. إذًا فسيرة حياة دواء، هي على الدرجة نفسها من تعقيد سيرة حياة

إمبراطور روماني، وتتداخل فيها عوامل مختلفة تتقاطع أحيانًا، وتتباعد أحيانًا أخرى. لكن، من منظور أنثروبولوجي، يمكن اختزال بيوغرافيا الدواء في نمط معين، يعبر عن تلك الحركية التي تعرفها الأدوية، سواء على مستوى الاستخدامات أو الدلالات. فحينما يتتبع الباحث المعاملات المختلفة للأدوية الصيدلية، سيكون في إمكانه رصد نوع من السيرة الذاتية. فالبداية تكون مع تصنيع الدواء في وسط علمي وتكنولوجي معيّن، وبعد التصنيع يتم توزيع الأدوية على البائعين المختصين سواء أكانوا

صيادلة، أم أطباء، أم مستخدمي محلات أدوية. ثم تأتي مرحلة التسويق ببيع الأدوية للمستهلكين، مباشرةً على أساس وصفة طبية، أو عبر عرضها في المحلات أو الصيدليات. حينما يصل الدواء إلى يد المستهلك، يكون قد وصل إلى المرحلة الأخيرة من حياته، حيث يستخدمه، سواء بغرض استعادة عافيته، أو تحسينها، أو حفظها على حالها. وهذه اللحظة هي الحاسمة في حياة الدواء؛ فالاستخدام الخاطئ، يعني أن حياته كانت بلا جدوى. وإن كان العكس، يكون الدواء قد حقق الهدف، ومن ثمّ صارت له حياة بعد موته، وهو العمل على تحسين صحة المستهلك، وأيضًا تحقيق الهدف الذي تم تصنيعه من أجله. ما هو مثير للانتباه بالنسبة إلى الأدوية، أننا، على الرغم من امتلاكنا مسار حياتها، لا نعلم حقًا إن كانت ستلتزم بما هو مخطط لها، أي أن تعيش الحياة التي كتبت لها. ففي نهاية المطاف، تعيش الأدوية حياتها الخاصة بعيدًا عما هو مقدر لها، وعلى نحوٍ مستقل عن الصيادلة والأطباء. هذا ما يمكن أن

5) (ديارمويد جيفريز، الأسبرين: قصة استثنائية لعقار أعجوبي، ترجمة تانيا ناجيا (بيروت: دار الساقي، 2005.17–16)، ص 6)(المرجع نفسه.

(7) David Cohen et al., "Medications as Social Phenomena," Health , vol. 5, no. 4 (2001), pp. 448–449. (8) Sjaak Van Der Geest, Susan Reynolds Whyte & Anita Hardon, "The Anthropology of Pharmaceuticals: A Biographical Approach," Annual Review of Anthropology , vol. 25 (1996), p. 156. (9) Sjaak Van Der Geest & Kerry Chamberlain, "Researching the Life Stages of Medicines," Medische Antropologie: Journal about Culture and Health , vol. 23, no. 2 (2011), p. 232. (10) Sjaak Van Der Geest, "Anthropology and the Pharmaceutical Nexus," Anthropology Quarterly , vol. 79, no. 2 (Spring 2006), p. 307.

نسميه أيضًا "الحياة السرية للأدوية"، وهي حياة موازية لحياتها الرسمية. فلئن كانت هذه هي الحياة التي يفترض أن تعيشها، فإن حياتها الأخرى، السرية، هي تلك التي تبدأ حين تخرج من الصيدلية لتدخل في نطاق التداول غير الرسمي. وهذا المرور هو انتقال على مستوى العقلانية كذلك؛ إذ إن المرور من وسط علمي إلى آخر محلي أو شخصي يعني الانتقال من معرفة علمية إلى أخرى محلية أو شخصية. وفي تقاطع الطرق بين الثقافة المحلية والشخصية، وتقنيات السوق، تظهر عقلانية جديدة في علاقة بالأدوية. تأسيسًا على هذا المنظور، نبحث في بيوغرافيا أحد أشهر الأدوية في المغرب، وأكثرها انتشارًا واستعمالا، وهو مرهم الأوريوميسين Aureomycine، المشهور بين المغاربة باسم "البوماضا الصفرا". وسنبحث في تاريخ هذا المضاد الحيوي في المغرب، وكيفية انتشاره، وصولا إلى الوقت الراهن، حيث يتم استهلاكه بطرائق لا تعبر عن وظيفته الرئيسة كما رسمتها له العقلانية الصيدلية العلمية باعتباره دواء للعينين. نحاول فهم طرائق الاستهلاك الجديدة هذه، عبر تحليل مضمون الوصفات والاستخدامات المختلفة للمرهم، والتي يشاركها مستخدمو منصة يوتيوب. وعلى الرغم من أن تداول هذه الوصفات يتجاوزها، فإنها في هذه المنصة تمكّن من قياس أثر كل وصفة وصداها، عبر حساب عدد المشاهدين. أضف إلى ذلك أن إمكانية نشر الفيديوهات الطويلة، وتحقيق الربح منها، تجعل منها المنصة الأنسب لصناع المحتوى من أجل مشاركة "إبداعاتهم" وتقنياتهم المبتكرة في استخدام الأوريوميسين. فما سيرة حياة الأوريوميسين في المغرب؟

أوﻻ: ﻗﺒﻞ ا’ ﻧﺘﺎج: ﻛﻴﻒ ﺻﺎر ﻣﺮﻫﻢ ﻟﻠﻌﻴﻨﻴﻦ أﺷﻬﺮ دواء ﻓﻲ اﻟﻤﻐﺮب؟

مع دخول الاستعمار الفرنسي إلى المغرب (1912)، كانت هناك مجموعة من الأمراض الخطرة التي أرهقت المغاربة، وأنهكتهم، ومن أبرزها أمراض العينين، ومنها خاصةً التراكوما Trachoma، والتهاب الملتحمة الموسمي Conjunctivitis. والمثير للانتباه، بخصوص هذه الأمراض، أنها لم تكن حكرًا على الفقراء فقط؛ إذ نعلم أن الأمير مولاي عبد السلام ابن السلطان سيدي محمد بن عبد الله كان مصابًا بمرض في عينيه كاد يفقده بصره، لولا تدخل طبيب إنكليزي لإنقاذه. وبين العامة، كانت أمراض العيون شائعة جدًا، وبطرائق متعددة صار الناس متصالحين معها. فقد أشارت إحدى الطبيبات الفرنسيات، أثناء وصولها إلى المغرب سنة 1913، إلى مواكب من العمي أدهشتها، يجوبون الطرقات

(11) Anne M. Lovell, "Addiction Markets: The Case of High–Dose Buprenorphine in France," in: Adriana Petryna, Andrew Lakoff & Arthur Kleinman (eds.), Global Pharmaceuticals: Ethics, Markets, Practices (Durham, NC: Duke University Press, 2006), pp. 155–156. (12) Geest & Chamberlain, p. 234.

13) (بوجمعة رويان، الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1945–1912، ط 2 (الرباط: منشورات الرباط نت، 2020.264)، ص

والشوارع، "يمرون واضعين أيدي بعضهم على أكتاف البعض أو يحملون عصا يأخذ كل واحد منها بطرف، فيكونون مجموعات تمشي وهي ترتل الأدعية طالبة الصدقة". وجنبًا إلى جنب مع مأساوية

أمراض العيون على الأفراد، كانت هناك حمولة رمزية كبيرة تدفع المصابين بها إلى الهامش. فقد اعتبر المغاربة – بحسب إدوارد وسترمارك – نذيرَ شؤمٍ أن تلتقي صباحًا شخصًا أعمى أو يرى بعين واحدة

فقط؛ إذ يذكرهم بالشيطان الذي كان في تصور ويسترمارك، ربما، شبيه المسيح الدجال الذي لم تكن له، هو أيضًا، سوى عين واحدة. وكان المغاربة يعتقدون أن على من يلتقي شخصًا أعمى، أو يرى بعين واحدة، أن يعود إلى البيت ويأخذ قيلولة، وإلا فإنه لن ينجح فيما هو مقبل عليه. وهكذا، فأمراض العيون في المغرب لها جذور ثقافية، وربما لهذا علاقة بتخوف المغاربة من العين – مثل أغلب شعوب العالم – وأيضًا إيمانهم بقوتها. أما بالنسبة إلى الفرنسيين الذين كانوا يحاولون استغلال الثروات البشرية، فقد كانت أمراض العيون – المعدية – مجرد عائق آخر على طريق تحقيق أهدافهم في الهيمنة على الناس بكل سلاسة وبأقل الخسائر. فقد اعتمد الأطباء الفرنسيون عددًا من الأدوية، من أجل علاج الرمد أو التراكوما مثلاًالذي كان، مثلما أشار إلى ذلك أحد الأطباء، يضرب مجموع السكان في بعض المناطق. وفي ذلك تم تجريب زيت الفازلين Huile de Vaseline، وقطرات الكوكايين، وزيت الشلموجرا L’huile de Chaulmoogra الذي سبق استخدامه لعلاج تورمات المجذومين. وهذه كانت بداية مرحلة العلاج الحيوي للأمراض التي تنتشر بين العامة. وقد صارت أدوية أمراض العيون شائعة أكثر، بعد أن أمرت السلطات الفرنسية بتكثيف توزيع أدوية وقطرات العيون بالكثافة نفسها التي كانت توزع بها الكينة المضادة لحمى المستنقعات. وفي سنة 1933، أصدرت السلطات الفرنسية وإدارة الصحة في المغرب كتيبًا بالفرنسية والعربية بعنوان أعينونا على مقاومة داء

التراكوم، وفيه وصف للمرض وآليات انتشاره ونصائح للوقاية منه وسبل لعلاجه أيضًا، وكانت تلك أول خطوة نحو تأميم المعرفة حول الأمراض وعلاجها بين العامة من المغاربة. استمر مرض التراكوما بين المغاربة من دون أن يكون هناك أي تطور مهم في السيطرة عليه، وبين سنتي 1952 و 1953 تم تطوير برنامج عمل مشترك، يجمع جهود الحكومة المغربية ومنظمة الصحة العالمية وكذلك منظمة الأمم المتحدة للطفولة. وقد كان الهدف الرئيس لهذا البرنامج المشترك، هو تطوير نموذج علاج جماعي، فعال واقتصادي، ضد داء الرمد في المغرب.

14)(المرجع نفسه، ص.374

(15) Edward Westermarck, Ritual and Belief in Morocco , vol. II (New York: University Books Inc, 1968), p. 13.

16)(رويان، ص.376 17)(المرجع نفسه، ص.375 18)(المرجع نفسه. 19)(المرجع نفسه، ص.377

(20) J. Reinhards et al., "Studies in the Epidemiology and Control of Seasonal Conjunctivitis and Trachoma in Southern Morocco," Bulletin of the World Health Organization , vol. 39, no. 4 (1968), pp. 499–500.

أجريت في هذا السياق تجارب سريرية عديدة، من أجل الوصول إلى النتيجة الأفضل، بأقل تكلفةُ ممكنة، وهذا في الأصل هو الهدف من هذا البرنامج؛ فبين سنتي 1954 و 1958 جريت تجارب سريرية، أُ في مؤسسات تعليمية مختلفة في كل من مراكش ومكناس وبعض المناطق القروية نواحي تزنيت، وذلك من أجل تحديد مدى نجاعة مضاد حيوي واحد، هو الكلورتتراسكلين Chlortetracycline في علاج الرمد أو التراكوما، وكان الاسم التجاري لهذا المضاد الحيوي هو الأوريوميسين. وكانت أغلب النصوص الإنكليزية تحيل إلى اسم المضاد الحيوي Chlortetracycline، بينما تشير النصوص الفرنسية إلى اسمه التجاري Aureomycine، وهي تحيل في نهاية المطاف إلى المادة نفسها، وتفاديًا للارتباك، سنحيل إلى المضاد الحيوي باسمه التجاري فقط؛ أي الأوريوميسين. برزت أهمية الأوريوميسين في علاج أمراض العينين والتهاباتها منذ التجارب السريرية الأولى، وقد قُدِم المرهم لساكنة منطقة سكورة طوال سنتَي 1953 و 1954 مع تعليمات حول كيفية استخدامه للعلاج الذاتي. وفي كلميمة، ما بين سنتي 1954 و 1955 وأيضًا بين 1964 و 1966، جرى اعتماد أساليب مختلفة للعلاج الجماعي للتراكوما، من بينها استخدام مرهم الأوريوميسين (1 في المئة) موضعيًا على العينين، مرتين في اليوم ثلاثة أيام متتالية، ويتم تكرار العملية شهريًا طوال موسم التهاب الملتحمة؛ أي بين حزيران/ يونيو وتشرين الثاني/ نوفمبر. سيستمر توزيع الأوريوميسين على سكان الأقاليم الجنوبية الشرقية للمغرب على نطاق أوسع، خصوصًا إقليم ورزازات، وبخاصة كل القرى التي يمكن أن يتّصل بها سكان سكورة؛ وذلك من أجل السيطرة الكاملة على التهاب الملتحمة الموسمي. وقد كان الهدف، هو توزيع أفراد اكتسبوا خبرة في استخدام المضاد الحيوي على هذه المناطق، ليساعدوا على التقليل من حدة الالتهابات الموسمية عبر نشر معرفتهم بالدواء وبطريقة استعماله. أكدت هذه التجارب، التي تمت في أنحاء المغرب، أهمية الأوريوميسين علاجًا فعالا وموثوقًا ضد التراكوما، وأيضًا ضد الالتهابات الموسمية للملتحمة. وقد حقق العلاج باستخدام الأوريوميسين ثلاث مرات في اليوم طوال ستين يومًا نسبة بُرء تصل إلى 80 في المئة في المدارس العصرية الأفضل، وفي ظل الشروط نفسها، أمكن تخفيض التطبيق الموضعي للمرهم إلى مرتين في اليوم فقط من دون أن تتأثر النجاعة العلاجية. وتؤكد هذه التجربة بوضوح أنه ليس من الضروري الالتزام بجدولة علاج طويلة وصارمة ومكلفة؛ إذ يمكن الحصول على النتائج نفسها في مدة أقصر وبكمية أقل من الدواء.

(21) Ibid., p. 500. (22) Gian Battista Bietti, "Progrès de la chimiothérapie et de l’antibiothérapie du trachome: Épreuves d’efficacité, nouveaux produits, traitement intermittent," Bulletin of the World Health Organization , vol. 28, no. 4 (1963), p. 401. (23) Reinhards, p. 525. (24) Ibid., p. 500. (25) Ibid., p. 528.

وقد فتحت هذه التجارب الباب أمام تعميم العلاج بالأوريوميسين في جميع أنحاء المغرب. ونظرًا

إلى قلة الموارد المادية والبشرية، كان تبني العلاج الذاتي ضرورة لا مفر منها؛ إذ تبنت الحكومة هي أيضًا هذا الرأي، وبذلك صارت الساكنة مسؤولة عن شراء المضاد الحيوي واستخدامه؛ ما عزز الأمل في نجاح البرنامج.

ﺛﺎﻧﻴًﺎ: اﻻﻛﺘﺸﺎف وا’ﻧﺘﺎج: اﻟﺤﻠﻘﺔ ا¢ وﻟﻰ ﻣﻦ ﺑﻴﻮﻏﺮاﻓﻴﺎ دواء

في المغرب تنويعة يصعب حصرها من الأدوية المتوافرة على نطاق واسع في مختلف بقاع البلد، وعلى الرغم من أنه من الممكن جدًا كتابة بيوغرافيا لكل دواء في السوق، فإنها ستكون شبيهة بكتابة بيوغرافيا رجل عاش وحيدًا طوال حياته في بيته، ثم مات. ستكون بيوغرافيا محدودة جدًا، وفي أحسن الأحوال ستؤكد ما هو متوقع في الأصل من ذلك الدواء، وأقصد هنا خاصة الأدوية التي لا تتوافر في السوق إلا بوصفة طبية، وهي أدوية موجهة أساسًا إلى أمراض بعينها، ولارتفاع تكلفتها

وندرتها، يكون صعبًا على الناس المغامرة باستخدامها في غير ما هو متوقع منها – فأدوية السرطان

بصفة خاصة مثلا مكلفة جدًا – وربما خوفًا من القوة التي يعتقد الناس أن هذه الأدوية تحوزها. لكن هناك على العكس من ذلك أدوية أخرى، مثل الأوريوميسين، تعيش حياة حافلة بالطفرات والتغيرات غير المتوقعة على الإطلاق. ويرجع ذلك إلى تاريخها الطويل بين المغاربة، ولأن ثمنها مناسب ومعقول نسبيًا لكل الطبقات الاجتماعية. ومن ضمن مصاعب دراسة سيرة حياة الأدوية، تكون المرحلة الأولى منها هي الأقل دراسة وبحثًا، وقد يرجع ذلك إلى العوائق التي تحول دون دخول الباحثين الاجتماعيين إلى عوالم شركات الصيدلة ودراستها. تبدأ سيرة حياة الأوريوميسين بعد الحرب العالمية الثانية، في الولايات المتحدة الأميركية، حيث وظّفت مختبرات ليدرلي Lederle البروفيسور الأميركي بنيامين دوغار من أجل إيجاد مكون فعال ضد الملاريا، وقد أوجد دوغار بعد مدة قصيرة من توظيفه سنة 1945 فطرًا Fungus ينبعث منه مضاد

حيوي قوي أصفر اللون، وسرعان ما دخل هذا المضاد الحيوي السوق باسم أوريوميسين. وفي سنة 1948، أعلن دوغار عن اكتشافه في منشور ضمن "حوليات نيويورك الأكاديمية للعلوم".

(26) J. Reinhards, A. Weber & F. Maxwell–Lyons, "Collective Antibiotic Treatment of Trachoma: Report on Comparative Trials Leading to more Economic Methods of Treatment," Bulletin of the World Health Organization , vol. 21, no. 6 (1959), p. 699. (27) Reinhards et al., p. 537. (28) Geest & Chamberlain, p. 234. (29) Thomas H. Jukes, "Some Historical Notes on Chlortetracycline," Reviews of Infectious Diseases , vol. 7, no. 5 (1985), pp. 702–703. (30) Benjamin Duggar, "Aureomycin: A Product of the Continuing Search for New Antibiotics," Annals of the New York Academy of Sciences , vol. 51, no. 2 (1948), pp. 177–181.

وفي سنة 1951، أي بعد بضع سنوات من اكتشاف دوغار الجديد، أنتجت الشركة الفرنسية "رون بولنك" Rhône–Poulenc الأوريوميسين بالتعاون مع شركة ليدرلي الأميركية. لم يكن اكتشاف دوغار متضح المعالم، فقد كان دواءً محتملا لتنويعة مختلفة من الأمراض، لكن الاهتمام بالأوريوميسين دواءً محتملا للتراكوما بدأ فعليًا سنة 1950. وعلى الرغم من أن الحالات التي تم علاجها باستخدام قطرات الأوريوميسين كانت محدودة جدًا، فقد تبين بعد تقديمه لعدد من المرضى، أنه دواء فعال للتراكوما، خصوصًا أن نتائجه الإيجابية كانت تظهر بسرعة على عكس الأدوية التي استخدمت سابقًا. الأوريوميسين مثلما هو معروف اليوم في المغرب يأتي على شكل مرهم، لكنه في المراحل الأولى من حياته ظهر بأشكال أخرى، هي أساسًا قطرات تسكب في العينين، وكبسولات طبية للبلع، وأيضًا على شكل مسحوق، وقد تميز في شكله هذا بكونه موجعًا أكثر. وفي كل أشكاله المختلفة، حقق الأوريوميسين نتائج مبهرة. تأكد في السياق المغربي أن المرهم هو أفضل شكل يمكن أن يتخذه المضاد الحيوي؛ وذلك لأن البرنامج الذي تم تبنيه، من أجل محاربة التراكوما، يهدف إلى تحقيق أفضل نتيجة ممكنة وبأقل تكلفة. فقد كان من الأسهل على المسؤولين الصحيين تقديم المرهم مع تعليمات حول كيفية استخدامه للعلاج الذاتي. كان الفاعلون في هذه المرحلة من سيرة حياة الدواء يعملون في الخفاء، وهم فاعلون اقتصاديون وسياسيون بدرجة أولى، لكنهم كانوا يحققون أهدافهم بوساطة من التقنية والطب الحيوي خاصةً. كانوا يتعاملون مع الدواء على أنه سلعة، ويعطلون أهميته الرمزية والمادية؛ فما كان يهمهم في تلك المرحلة هو تحقيق الربح. كان هؤلاء الفاعلون يعملون جاهدين على إعطاء العلم والتقنية الطبية بعدًا ربحيًا، وذلك عبر خلق فضاء يسهّل عملية التبادل بين الأوساط العلمية والصناعية.

(31) André Frogerais, "Les origines de la fabrication des antibiotiques en France," Hal Open Science (2015), p. 20. (32) Arthur Joseph Boase, "Aureomycin in Trachoma," The British Journal of Ophthalmology , vol. 34, no. 10 (1950), p. 627. (33) Ibid., pp. 631–632. (34) Stewart Duke–Elder, Derek Ainslie & Arthur James Boase "Aureomycin in Ophthalmology: A Preliminary Report," The British Journal of Ophthalmology , vol. 34, no. 1 (1950), p. 30. (35) Toulant et al., "Essais de traitement du trachome par l’auréomycine et la chloromycétine," Bulletin de L’académie Nationale de Médecine , vol. 135, no. 5–6 (1951), p. 81. (36) Renald Ching, "Aureomycin in the Treatment of Trachoma," AMA Archives of Ophthalmology , vol. 45, no. 6 (1951), p. 659. (37) Reinhards et al., p. 525. (38) Paul Rabinow, Making PCR: A Story of Biotechnology (Chicago: The University of Chicago Press, 1996), p. 10.

ﺛﺎﻟﺜ ﺎ: اﻟﺒﻨﺎء اﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻟﻠﻤﻌﻨﻰ، واﻧﻄﻼق ﻋﻤﻠﻴﺔ اﻟﺴﻠﻌﻨﺔ

1. اﻟﺒﻨﺎء اﻟﻤﺎدي واﻟﺜﻘﺎﻓﻲ واﻟﺮﻣﺰي ﻟﺪواء ا˜ ورﻳﻮﻣﻴﺴﻴﻦ

انتبه سياك فان دير جيست وكيري تشمبرلاين، قبل عدة سنوات، إلى أهمية دراسة الأدوية من وجهة نظر أنثروبولوجية، باعتبارها مواضيع ثقافية ذات أبعاد اجتماعية، معنوية، تجارية وسياسية، وإضافة إلى أهميتها الطبية، فهي موضوع تبادل باعتبارها سلعة، لكن ما الذي يجعل الشيء سلعة؟ إن السلعة هي شيء له قيمة ويمكن إخضاعه لعملية تبادل بشيء آخر تكون قيمته موازية لقيمة الشيء موضوع التبادل، وأثناء عملية التبادل يكون الشيء المراد بيعه، والشيء الذي يقدم مقابله، سلعتين معًا. إذًا، فالدواء من جهة موضوع تداول وتبادل بين الأفراد، ومن جهة أخرى هو شيء، له حياة خاصة به. وهي حياة تخضع لتغيرات محورية بتغير السياقات المختلفة والفاعلين المتحكمين فيه. في مرحلة التسويق من سيرة حياة الدواء، يكون الفاعلون الرئيسون هم المستهلكين، أو المستهلكين السابقين، أو المستفيدين مباشرةً من بيع الدواء عبر بيعه للمستهلك. لكن قبل الحديث عن البعد الاقتصادي للعملية، هناك في الخلفية بناء ثقافي هو الذي يجعل من هذا الشيء – الدواء – سلعة يرغب الجميع في الحصول عليها. إن موضوع تداول الأدوية في المجتمع ليس شيئًا مستحدثًا، لكن جرى غض البصر عنه مدةً طويلة جدًا، والسبب يرجع أساسًا إلى ذلك التحيّز العجائبي ضد

الأنثروبولوجيا؛ فدراسة الثقافات الأجنبية تفترض أساسًا وجود تصوّر عجائبي حول تلك الثقافة،

بحيث يُغفل الانتباه إلى ما هو مشترك بين الثقافات. ومن ثمّ، قد لا يكون مهمًا للباحث استخدام

قرص الأسبرين Aspirin لأوجاع الرأس، بينما سيكون استخدام مخلفات الفيلة لعلاج الدوخة موضع اهتمام كبير. إن الحديث عن أنثروبولوجيا صيدلية يتطلب بداية تحقيق "عودة عن تطبيع De–naturalize " نظرتنا الاعتيادية إلى الأدوية. فالدواء قبل أن يكون شيئًا، وقبل أن يكون سلعة، هو تجسيد لثقافة، ونقطة التقاء آراء ومعتقدات وتجارب فاعلين مختلفين. فبحسب دايفيد كوهن وآخرين، ليست الأدوية الحديثة اليوم إلا طلاسم وتمائم في حلة جديدة. وهذا ليس إنكارًا للأهمية العلمية والطبية للأدوية، ولكن فيه إشارة إلى أن

البعد المادي للأدوية – من منظور أنثروبولوجي على الأقل – ليس مهمًا بقدر المعاني التي تحملها

هذه الأدوية في شبكة معقدة من الأحداث التاريخية والتفاعلات الاجتماعية. وهذا ما يذكرنا بالأوريوميسين في المغرب، حيث تم طرحه في صيغة المرهم، مع أنه كان متوافرًا في شكل كبسولات

(39) Geest & Chamberlain, p. 231. (40) Kopytoff, p. 68. (41) Susan Reynolds Whyte & Sjaak Van Der Geest (eds.), The Context of Medicines in Developing Countries: Studies in Pharmaceutical Anthropology (Dordrecht: Springer Netherlands, 1988), p. 4. (42) Ibid., p. 9. (43) Ibid., p. 10. (44) Cohen et al., p. 449.

طبية وقطرات عين، وقد كان هذا الاختيار النهائي اجتماعيًا واقتصاديًا أساسًا، فقد كان الأوريوميسين

في شكل المرهم يتماشى مع الهدف العام للبرنامج في إحداث حملة علاج جماعية اقتصادية مثلما أشرنا سابقًا، حيث تم تقليص كمية المرهم اللازمة لعلاج كل حالة من 18 غرامًا إلى ما بين

3 و 6 غرامات للفرد بعد تبني الجدولة غير المنقطعة للعلاج، كما أن استخدام المرهم لا يحتاج إلى وجود مختصين إلى جانب المريض، على عكس قطرات الأوريوميسين مثلاًالتي تحتاج إلى خبرة ودقة في التعامل مع الخليط قبل استخدامه. إذًا، فحتى الشكل المادي للدواء قد يكون له مبرر اجتماعي واقتصادي؛ وهذا ما يتيح مجالا لبناء بعد رمزي وثقافي لهذا الشيء، فالأقراص الطبية والكبسولات لا تحمل الدلالات نفسها التي تحملها الحقن أو القطرات الطبية أو المراهم مثلا؛ إذ لكلّ شكل من الأدوية – بحسب السياق الزماني والمكاني – بعد رمزي وثقافي مرتبط به. إنه البعد الرمزي للدواء، إنه المعنى الذي يعطيه إياه المستهلكون قبل استهلاكه، فحتى يقرر فرد ما أن يستهلك دواءً معيّنًا، عليه أولا أن يراكم معارف حوله، وهي في الغالب معارف لا تنبع من مصدر طبي

أو صيدلي، بقدر ما هي معارف اجتماعية ومن الثقافة السائدة للمستهلك، لكنها بالضرورة ترجع في الأصل إلى بروباغندا صحية أنتجتها جهات مسؤولة. وخلال فترة انتشاره الأولى في المغرب في حملة علاج التراكوما الجماعية، تم توزيع الأوريوميسين على أنه مادة طبية بالموازاة مع تقديم إرشادات عن كيفية استخدامه. ولكن هل حافظ الناس على تلك الإرشادات والتعليمات؟ وهل استخدموا الدواء بالطريقة التي كانت تريدها المؤسسات، ولعلاج الأمراض التي كانت تحاول مواجهتها؟ لا يمكننا أن نورد أجوبة الماضي عن هذه الأسئلة، مقابل توافر إمكانية تقديم أجوبة الوقت الراهن؛ فقد صار الأوريوميسين بعد عقود من دخوله إلى المغرب أحد أشهر الأدوية العابرة للتخصصات الطبية. بالتزامن مع تزايد استعمال مثل هذه الأدوية الصيدلية، لتكف عن أن تكون بديلا من الطب الشعبي المحلي، لتصير هي نفسها من مكوّناته.

2. ﺳﻠﻌﻨﺔ ا˜ ورﻳﻮﻣﻴﺴﻴﻦ وﺷﺒﻜﺎت ﺗﺪاوﻟﻪ

تزامنت سلعنة الأوريوميسين تاريخيًا مع شعبنته، وذلك عبر جعله متوافرًا بثمن بخس لأكبر عدد ممكن

من المغاربة في مختلف نقاط البيع. وقد امتدت حدود أهلنة بعض الأدوية الصيدلية في المغرب إلى جعلها متوافرة في المتاجر والأسواق جنبًا إلى جنب مع احتياجات الناس اليومية، بحيث يتم

استخدامها – على عكس الدستور الطبي – انطلاقًا من أسس ثقافية خاصة، مثل سحق الحبوب

(45) "The Treatment of Trachoma," Medical Journal of Australia , vol. 1, no. 25 (June 1960), p. 984. (46) Ching, p. 657. (47) Reinhards et al., p. 525. (48) Nina L. Etkin, Paul J. Ross & Ibrahim Muazzamu, "The Indigenization of Pharmaceuticals: Therapeutic Transitions in Rural Hausaland," Social Science & Medicine , vol. 30, no. 8 (1990), p. 919. (49) Hicham Nhaili, "La législation pharmaceutique au Maroc durant le protectorat Français (1912–1956)," PhD. Dissertation, Université Mohammed V, Faculté de Médecine et de Pharmacie, Rabat, 2014, p. 72.

ووضع مسحوقها على الجراح، وتسمية بعضها تسمية خاصة بها محليًا، أو منح أسمائها الصيدلية

لعلاجات غير صيدلية محلية الصنع. وفي حالة الأوريوميسين في المغرب، مثل حالة أدوية شعبية أخرى، كان أصل هذه "الأهلنة" يرجع إلى عوامل لوجستية، ذلك أن السلطات الاستعمارية كانت تحاول السيطرة على الأمراض حتى في أبعد المناطق عن المراكز الكبرى، فتلجأ إلى اعتماد شبكات توزيع غير رسمية، تصل حدودها إلى أبعد النقاط على الخريطة المغربية، مثل مكاتب بيع التبغ. استمر توزيع الأوريوميسين على السكان، وكان من الممكن الحصول عليه عبر عدة قنوات، أبرزها هؤلاء المختصون الذين كانوا يوزعون المرهم مجانًا على الساكنة، أو عبر شرائه من مختلف الأسواق، بثمن منخفض جدًا، فقد تم بيع أنبوب من المرهم من 5 غرامات مقابل 30 فرنكًا، أو 6 سنتات أميركية. تستمر محلات بيع المواد الغذائية، ومحلات بيع التبغ، في بيع عدد من الأدوية إلى حدود يومنا هذا؛ إذ يعرف المغاربة نسبيًا نوعًا من دمقرطة الصيدلية، ولا أقصد هنا سهولة الحصول على الأدوية أو

وجودها بصفة متساوية للجميع، بل عدم احتكار الصيادلة لهذه الأدوية، عبر توفيرها لمن يستطيع الحصول عليها، من دون الحاجة إلى المرور عبر القنوات الرسمية، وسوق الفلاح في مدينة وجدة مثال صارخ على هذه الدمقرطة، ففيه تباع تنويعة مختلفة من الأدوية، بأثمان أقل كثيرًا من تلك التي

يطلبها الصيادلة، ومن دون الحاجة إلى وصفات طبية. وأخيرًا، يمكن الحصول على الأوريوميسين

عبر شبكة العلاقات الاجتماعية، من جار استخدم نصف العلبة، أو من صديق اشترى أكثر مما يحتاج إليه "من باب الاحتياط". وقد تكونت مؤخرًا على منصات مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك،

مجموعات يقوم الناس فيها بطلب الحصول على أدوية من الأعضاء الآخرين، ربما لكونها مكلفة جدًا في الصيدلية، أو لأنها غير متوافرة، فيتفاعل الأعضاء فيما بينهم في نشاط، ويتم تبادل الأدوية، وإرسالها واستقبالها، وحتى اقتراح بدائل مناسبة في التعليقات، من دون العودة إلى الطبيب أو الصيدلي، أو الحاجة إلى وصفة طبية. وبهذا صارت سعلنة الأوريوميسين تتوازى مع سعي السلطات الصحية المعنية لتقليل الاعتماد على الموارد البشرية المكلفة، وتحقيق أهداف البرامج الصحية بأقل تكلفة ممكنة. وتتوازى سيرورات الشعبنة والسلعنة بما يؤدي إلى الانفصال عن حقل الطب الحيوي وشبكاته وتوقعاته أيضًا.

(50) Hilbrand Haak & Anita P. Hardon, "Indigenised Pharmaceuticals in Developing Countries: Widely Used, Widely Neglected," The Lancet , vol. 332, no. 8611 (1988), p. 621.

51)(رويان، ص.351–350

(52) Reinhards et al., p. 538.

53)(فاروق الطاهري، "الطب الحيوي بوصفه طبًا شعبيًا لدى المرضى النفسيين وعائلاتهم: دراسة في إعادة إنتاج الوصفات

الطبية خارج المستشفى في المغرب"، عمران، مج 12، العدد 48 (ربيع 2024.41)، ص 54)(المرجع نفسه، ص.42–41

(55) Etkin, Ross & Muazzamu, p. 923.

إن معلوماتنا عن الشركة المسؤولة اليوم عن تصنيع مرهم الأوريوميسين وتوزيعه في المغرب محدودة جدًا وسطحية. توجد الشركة في المنطقة الصناعية للساحل، حد السوالم، تحت اسم "بروموفارم ش.م Promopharm s.a "، وهي "شركة عامة مدرجة في بورصة الدار البيضاء منذ [حزيران/] يونيو 2007. تعمل في الإنعاش الصيدلي وفي قطاع المستحضرات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية وعلوم الحياة مع التركيز على الأدوية والمواد الصيدلية المخصصة للعناية بالبشرة والتجميل. وقد تم تأسيسها في [آب/] أغسطس "1947. وعلى حد علمنا، لا تبذل الشركة في المغرب أي جهد من أجل التسويق للدواء، بل أكثر من ذلك، يتم بيع 1 في المئة من الأوريوميسين من دون حتى دليل استخدام داخل العلبة. ولم يعد المرهم حاليًا موجودًا في المتاجر والمحلات المختلفة. وبعد انقطاعه من السوق المغربية قبل سنوات،

ظهر من جديد بثمن مرتفع، وبصفة محدودة في الصيدليات، لكن من دون الحاجة إلى تقديم وصفة طبية للحصول عليه، على عكس فرنسا مثلا حيث لا يمكنك الحصول على الدواء نفسه من دون وصفة طبية، وداخل العلبة يجد المستهلك دليل استخدام مع إشارات إلى الأعراض الجانبية المحتملة.

راﺑﻌًﺎ: اﻟﺤﻠﻘﺔ ا¢ ﺧﻴﺮة ﻣﻦ ﺑﻴﻮﻏﺮاﻓﻴﺎ اﻟﺪواء: ﻫﻞ ﻳﺤﻘ ﻖ اﻟﺪواء اﻟﻬﺪف ﻣﻦ وﺟﻮده؟

1. اﻟﻬﺮﻃﻘﺎت اﻟﺼﻴﺪﻟﻴﺔ: اﻟﻄﺐ اﻟﺤﻴﻮي ﻓﻲ أﻳﺪي اﻟﻌﺎﻣﺔ

يعبّر الطب الحيوي، وخصوصًا في شكله الصيدلي تحديدًا، عن نوع من الأرثوذكسية Orthodoxy،

وهو، بسبب دقته، يفترض التزام المرضى بسيرورة من التعليمات التي تكون قاهرة أحيانًا، وهذا ليس نتاج تطورات جديدة، بل إن هذه "الدكتاتورية" صاحبته منذ أيامه الأولى. ففي زمن الاستعمار الفرنسي في المغرب، كان عدم تأكد الأطباء من التزام المرضى بأخذ الأدوية الموصوفة لهم، بالطريقة المطلوبة، يجعلهم يحشدون السكان من أجل مراقبة أخذهم للأقراص. وهذا ما يمكن تسميته "الأرثوذكسية الصيدلية"، وهي عمومًا تلك التعليمات الصارمة التي لا يكون من دونها ممكنًا تحقيق

ما هو مفترض من دواء، أو وصفة طبية ما. ومثلما يؤكد ذلك التاريخ، لا تكون أرثوذكسية من دون وجود هرطقات Heresies. يختلف التعامل مع الهراطقة باختلاف الحقول التي ينتمون إليها، فالمهرطق الديني قد يكون معرضًا للقتل في صراعه مع أرثوذكسية دينية، والمهرطق السياسي قد يكون مهددًا بالاعتقال أو حتى الاغتيال، والمهرطق الاقتصادي والاجتماعي قد ينتهي به المطاف مبعدًا من الوسط الاجتماعي

56) ("شركة الإنعاش الصيدلي للمغرب"، معلومات مباشر، شوهد في 2024/8/7، في: https://acr.ps/1L9zRqE 57)(تأكد الباحث من هذا الأمر بنفسه. 58)(رويان، ص.353

وعاجزًا عن كسب قوت يومه. فماذا عن المهرطق العلمي؟ ببساطة، لن يحصل له شيء، فحتى أقوى الأرثوذكسيات العلمية وأكبرها عاجزة عن مواجهة هراطقتها ووضع حد لهرطقتهم. وحينما يتعلق الأمر بالهرطقة العلمية، هناك نوعان من الهراطقة؛ ينبثق الأول منهما من الوسط العلمي نفسه، ويمكن أن نسمّي من يقوم به المهرطق الداخلي Endoheretics، في حين يأتي الثاني من

خارج الوسط العلمي، وهو الأكثر مناعة ضد عقاب الأرثوذكسية العلمية، ويمكن أن نسمي من يقوم به المهرطق الخارجي Exoheretics. عادة ما لا يهتم الناس بالمهرطق الداخلي، إلا في حالات نادرة، ومن النادر أن يستفيد ماديًا من هرطقته. وعلى العكس من ذلك، تنتبه العامة غالبًا للمهرطق

الخارجي، بل تهتمّ به، وتدعمه أيضًا، بحيث يستفيد من ذلك ماديًا وبصفة مبهرة. وهذا ما قد يتم

في حالة الربح من وراء الإعلانات في قنوات على منصة يوتيوب، حيث ينشر الهراطقة الصيدليون أفكارهم. وهكذا، فهذه الهرطقة الصيدلية تنتشر أكثر من أي وقت مضى، بوساطة وسائل التواصل الاجتماعي. صار من السطحي جدًا اعتبار الاستخدامات "غير المناسبة" للأدوية عرضًا من أعراض الجهل والأمية، فالمشكل أكثر تعقيدًا من ذلك، وأعمق كثيرًا، فهو مشكل ثقافي أساسًا؛ ذلك أنه لا تتقبل ثقافة

شعبية ما الأدوية الغربية الصيدلية في نظامها العلاجي، إلا بعد إعادة تأويل طبيعتها وآثارها بمفاهيم محلية. وهذا ما يعرف أيضًا بالأهلنة Indigenization، فحينما تتم أهلنة الطب الحيوي، يتم الدفع به إلى خانة جديدة من العلاقات الاجتماعية غير تلك التي من المفترض أن يتم الالتزام بها خلال البروتوكول العلاجي؛ أي علاقة المختص الصحي المهني بالمريض. فمثلما سبقت الملاحظة، يعبر المرضى النفسيون خارج المستشفى بصراحة عن أهلنة الطب الحيوي، وتصير وصفة الطبيب في أيديهم وصفة شعبية، فيبقون على الأدوية التي تناسبهم، ويتخلون عن الأدوية التي ترهقهم، ويستبدلون بها ممارسة الرياضة أو تدخين الحشيش بوصفهما بديلا مناسبًا بالنسبة إليهم من الأدوية

الحيوية وأعراضها الجانبية الكثيرة. تعبر هذه الحالات عن هرطقات صيدلية صريحة جدًا، ومن منظور أنثروبولوجي، علينا أن نفهم العقلانية الموازية للعقلانية الصيدلية لاستخدام الأدوية. ذلك ما سيساعد على تجاوز تلك النظرة

(59) Donald Goldsmith (ed.), Isaac Asimov (fore.), Scientists Confront Velikovsky (New York: W. W. Norton Company, 1979), p. 7. (60) Ibid., p. 8. (61) Ibid., p. 12. (62) C.H. Bledsoe & M.F. Goubaud, "The Reinterpretation of Western Pharmaceuticals among the Mende of Sierra Leone," Social Science & Medicine , vol. 21, no. 3 (1985), p. 258. (63) Ibid., p. 262. (64) Susan R. Whyte, "Pharmaceuticals as Folk Medicine: Transformations in the Social Relations of Health Care in Uganda," Culture, Medicine and Psychiatry , vol. 16, no. 2 (1992), p. 173.

65)(الطاهري، ص.48

الأحادية المرتكزة على المقاربة العلاجية. عندها، يصير ممكنًا النظر إلى الأدوية ووصف طبيعتها من وجهة نظر الأفراد، ومن وجهة نظر العقلانية الشعبية، كما يصير ممكنًا رصد التمثلات التي تدفع نحو هذه الاستخدامات المختلفة للأدوية، وتبررها، وربما تفسرها أيضًا.

2. أﻫﻠﻨﺔ اﻟﻤﻀﺎدات اﻟﺤﻴﻮﻳﺔ: ا˜ ورﻳﻮﻣﻴﺴﻴﻦ دواءٌ ﻟﻜﻞ داء

يوجد دواء الأوريوميسين في السوق المغربي في نوعين اثنين: أحدهما مخصص للعينين، والآخر أكثر تركيزًا مخصص للبشرة. لكن النوع الأول هو الأشهر، والدليل على ذلك هو اشتهار الأوريوميسين بين المغاربة ب "بوماضا دوا العينين"، وأيضًا "البوماضا الصفرا" نسبة إلى لون العلبة الأصفر. كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لا يمكن، في فرنسا، تقديم دواء "الأوريوميسين" إلا بوصفة طبية من مختص؛ وهذا ما جعل من الممكن السيطرة على استخدام هذا المضاد الحيوي، وتفادي خرق الدستور الصيدلي والطبي. في المغرب، تكفي بضعة دراهم لشراء الدواء من أقرب صيدلية، أو الحصول على هذا المرهم من أي مصدر غير رسمي آخر. لكن السؤال الذي يُطرح في هذه المرحلة من سيرة حياة الأوريوميسين: هل يؤدي

الدواء في آخر لحظات حياته ما هو مفترض منه بصفته دواءً، أي علاجًا لأمراض العينين، والبشرة؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنحلل عددًا من فيديوهات يوتيوب التي تتناول الأوريوميسين باعتباره دواء لتنويعة مختلفة من الأمراض، وأيضًا حلا لعدد من المشكلات الجمالية. فقد أدت شبكة الإنترنت دورًا مهمًا في تسهيل مشاركة المستهلك لخبراته من أجل "بناء معرفة" حول الأدوية. وهذا تحول جذري حقيقةً؛ ذلك أن المعارف الخاصة بالاستخدامات العلاجية للأدوية الصيدلية كانت، في الماضي، لا تتشكل إلا من منظور علمي من الاختصاصيين الصحيين، والحكومات، والشركات المنتجة للأدوية. لكنّ المهرطقين الجدد في مجال الصيدلة غيروا الأمور لصالحهم، ولصالح "دمقرطة" الصيدلة. يتوافر المرهم أصفر اللون في أنبوب لولبي صغير، يكون باللون نفسه الأصفر أو الأبيض. وعلى الرغم من كونه مضادًا حيويًا، فإن تعامل الناس معه لا يختلف كثيرًا عن تعاملهم مع الفازلين Vaseline أو

المرطِبات العديدة التي توجد في سوق التجميل، ولكن بِنيّة العلاج مع الاعتقاد أن له قدرات علاجية

لا حصر لها. ليست هذه حالة مغربية فريدة، لا بالنسبة إلى الاعتقاد في القدرات الفعالة لدواء معين ولا في استخداماته في أغراض علاجية متعددة. فقد استخدم الناس مرهم المنثولاتوم Mentholatum في سيراليون Sierra Leone على أوجههم وشعور رؤوسهم من أجل تدفئة أنفسهم من الحمى الباردة.

(66) Cohen et al., p. 445.

67)("بوماضا" هي تعريب لنطق الكلمة الفرنسية Pommade، وهي تطلق على كل مرهم لزج يمكن أن يُستخدم موضعيًا على

الجسم للتداوي.

(68) Ibid., p. 454.

وقد شرب آخرون، بمن فيهم أناس واعون ومثقفون، المرهم محللا في الماء الدافئ، لأن الحمى، في اعتقادهم، تسكن البطن. هناك مضاد حيوي شهير بمعالجة كل الأمراض بين الأفارقة، وهو التتراسكلين Tetracycline، والجدير بالذكر أن التتراسكلين والأوريوميسين مضادان حيويان من الفئة نفسها. ويُطلق على التتراسيكلين

محليًا اسم يعني حرفيًا "معالج كل شيء"، لكنه رسميًا دواء لعلاج الحبوب والالتهابات الجلدية فقط.

هو، بحسب السكان المحليين في بوركينا فاسو Burkina Faso، قادر فعلا على علاج كل الأمراض من أوجاع البطن إلى آلام الظهر، ومن آلام الأسنان إلى الجروح وأوجاع الرأس والملاريا وحتى الإسهال. ويتوافر هذا الدواء في شكل كبسولات يتم تفريغ محتواها على الجروح، أو وضعه على تجاويف الأسنان، وخلطه بكل أنواع الأشربة. تتم أهلنة المضادات الحيوية، بخاصة عندما يُدّعى أن نتائجها مبهرة وسريعة، وحين تُفتقد مدة

طويلة. وهذا ما ينطبق أيضًا على الأوريوميسين.

3. ا˜ورﻳﻮﻣﻴﺴﻴﻦ واﻟﻬﺮﻃﻘﺔ اﻟﺼﻴﺪﻟﻴﺔ: ﻳﻮﺗﻴﻮب ﻣﻨﺼﺔ ˜ﻫﻠﻨﺔ ا˜ دوﻳﺔ اﻟﺤﻴﻮﻳﺔ

إن تقنية البحث المستخدمة هنا هي الإثنوغرافيا الافتراضية، باعتبارها طريقة في البحث تقوم على الانخراط في المجتمع الافتراضي، وملاحظة مختلف التفاعلات والأنشطة الإلكترونية التي تتم داخله. ولكن اعتماد منصة يوتيوب، للبحث في استخدامات الأوريوميسين المختلفة لدى المغاربة، لا يُعفي من القيام ببحث ميداني معمق. ومن ثمّ، لا يمكننا الادعاء أن البحث في المجتمع

الرقمي كافٍ لفهم الظاهرة، بل من الضروري ربطه بالواقع الاجتماعي. مع تطور المجتمع الرقمي، "أضحت عملية الملاحظة تتم بصفتين، تبعًا لتمظهرات الحياة

الاجتماعية في بعدَيها المادي والرقمي: أي الملاحظة 'المادية' (الفيزيقية) والملاحظة الإلكترونية أو

النتنوغرافية". إن عملية "التفاعل السوسيو–إلكتروني، وعملية التوثيق الرقمي والآلي لكل الآثار الناتجة عن ذلك التفاعل، تجعلان من الفضاء الرقمي أرشيفًا حيًا، ديناميًا ومفتوحًا، يجري فيه حفظ

البيانات الرقمية بشكل مستمر لحظة إنتاجها". وهذه ميزة أخرى لمنصة يوتيوب، تسهّل الوصول

(69) Bledose & Goubaud, p. 267. (70) Sjaak van der Geest & Susan Reynolds Whyte, "The Charm of Medicines: Metaphors and Metonyms," Medical Anthropology Quarterly , New Series, vol. 3, no. 4 (December 1989), p. 352. (71) Haak & Hardon, p. 621.

72)(محجوبة قاوقاو، "المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي: نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات

الإلكترونية بواسطة الحاسوب"، عمران، مج 8، العدد 29 (صيف 2019.94)، ص

(73) Christine Hine, "Ethnographies of Online Communities and Social Media: Modes, Varieties, Affordances," in: Nigel G. Fieldinget, Raymond M. Lee & Grant Blank (eds.), The SAGE Handbook of Online Research Methods (California: Sage publications, 2017), p. 412.

74)(محجوبة قاوقاو، "النتنوغرافيا منهجًا للبحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي: من الملاحظة الإلكترونية إلى إعادة كتابة الأثر

الرقمي"، ديناميات اجتماعية إفريقية، المجلة الإفريقية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد، ص 5 (2023.24) 75)(المرجع نفسه، ص.29

إلى كل الفيديوهات المنشورة، إضافة إلى التعليقات والإعجابات، على عكس المنصات الأخرى التي يكون فيها الولوج مقصورًا على الأعضاء فقط، مثل مجموعات فيسبوك التي تتخذ أحيانًا معايير صارمة من أجل قبول أعضاء جدد حماية لخصوصية المنخرطين فيها. لا ندّعي أن عودتنا إلى المواضيع المصورة التي تحفظها لنا منصة يوتيوب، إضافة إلى عدد المشاهدات والتعليقات، وتحليلها من أجل فهم "حدة أهلنة" الأوريوميسين، تجديدٌ في المنهج، بقدر ما هي "استعادة للمناهج المألوفة، كما عرفها السوسيولوجيون من قبل"، ولكن في مجتمع بحث جديد نسبيًا، هو المجتمع الرقمي. وإن افترضنا أن الناس يعتمدون على معارف الهراطقة الصيدليين في

يوتيوب من أجل العناية بأجسادهم، فهذا يعني من جهة تراجع سلطة النخبة الطبية والصيدلية، ومن جهة أخرى، ميلاد أخطار صحية جديدة، أبرزها ارتفاع قدرة الجسم على مقاومة أثر المضادات الحيوية. وبحسب منظمة الصحة العالمية، هذا خطر فعلي يهدد البشرية. ومن أجل وصف أبعاد الظاهرة، سنعتمد تقنية تحليل المضمون لبعض الفيديوهات المنشورة على يوتيوب، لرصد مدى اندماج الأوريوميسين ضمن الطب الشعبي المغربي. تتوزع الفيديوهات التي اخترناها، التي تناولت الأوريوميسين واستخداماته المختلفة في المغرب، في مدة زمنية قصيرة نسبيًا، فأقدم فيديو نُش 2019ِر في نيسان/ أبريل، وأحدث فيديو نُشِر في

تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، وهي كالتالي: جدول يبين ورود استخدام الأوريوميسين في فيديوهات صانعي محتوى من المغرب

العنوانتاريخ النشرعدد
اإلمشاهدات
عدد
الإعجابات
سر وصفاء بشرتي بومادة ب9 دراهم تهناي من
الحبوب والآثار ونتحداك، كلشي غيسولك
شنو السر، في 3 أيام
22 نيسان/ أبريل 201960973817000
بوماضة الصفراء لعلاج البواسير الداخلية
والخارجية من أول استعمال
6 حزيران/ يونيو 202125558364
بالبومدا الصفراء علاج فطريات الأظافر
والتسوس ستعود كما كانت وصفة تغنيك
عن الطبيب أريد فقط دعوة خير
25 شباط/ فبراير 20225830308800

76)(قاوقاو، "المجتمع الافتراضي"، ص.98 77)("مقاومة المضادات الحيوية"، منظمة الصحة العالمية، 2020/7/31، شوهد في 2024/5/10، في: https://bit.ly/4b5XfGo

البومادا الصفراء تبيض الأسنان في ثواني
قسمًا بالله تزيل الاصفرار وتسقط الجير بعد
فرك أسنانك بها
8 تشرين الثاني/ نوفمبر
2021
474531500
معجزة البومادا الصفراء ستجعل بطنك
مسطحًا في 3 أيام تذيب شحوم الكرش
والجوانب نهائيًا بدون
11 تشرين الأول/ أكتوبر
2021
31037621
أقسم بالله بالبومادا الصفراء لن يتوقف شعرك
عن النمو بغزارة لن يتساقط بعد اليوم، ينبت
الفراغات، يطول..
25 يوليو/ تموز 20203424036500

المصدر: من إعداد الباحث.

يزيد مجموع المشاهدات في هذه الفيديوهات على المليون ونصف المليون مشاهدة، في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات، بمجموع إعجابات في الفيديوهات المدروسة يكاد يصل إلى 35 ألفًا. وتحيل العناوين إلى الأوريوميسين باسم "البومادا الصفراء" أو "بومادة" فقط، كما أن هناك نوعًا من العجائبية في التعبير عن آثار الأوريوميسين "المعجزة". لكن الأكثر إثارة للانتباه والاهتمام بالنسبة إلى موضوع البحث، هو استخدام مرهم للعينين لعلاج تنويعة مختلفة جدًا من الأمراض التي تنتمي إلى حقول مختلفة من الطب. يظهر الأوريوميسين في أحد الفيديوهات على أنه علاج تجميلي فعال للبشرة، من أجل الحصول على "بشرة أصفى وأجمل"، وهذا في الواقع هو الهدف الفعلي من الأوريوميسين (3 في المئة) المخصص للبشرة. لكن المثير للانتباه في الفيديو، هو أن "المؤثّرة" تصوّر

الأوريوميسين على أنه اختزال للوصفات الشعبية في شكل مرهم يأتي من حقل الطب الحيوي. والمفارقة، هي أن السيدة في الفيديو، تهاجم الأطباء والطب الحيوي؛ لأنهم لا يعتمدون الأوريوميسين لعلاج مشكلات البشرة، وفي اعتقادها هذا نوع من الاحتكار الذي يهدفون من ورائه إلى بيع أدويتهم الباهظة الثمن. فالمؤثّرة هنا "تناضل" من أجل توفير العلاج الفعال، بأقل تكلفة ممكنة، وهو موجود بصفة مكثفة في متناول الجميع، وستقول بكل صراحة "بغيت نجيب شي حاجة فمتناول ولاد الشعب، وبغيت نعاون بنات الشعب يتهلاو فراسهوم بشي حاجة بسيطة". في الفيديو الثاني، تقترح مؤثّرة الأوريوميسين (1 في المئة) علاجًا للبواسير، والمثير للانتباه، هو أن صاحبة الفيديو تقترح وصفة متكاملة، يظهر فيها المضاد الحيوي كأنه من داخل حقل الطب الشعبي،

78)("سر وصفاء بشرتي بومادة ب 9 دراهم تهناي من الحبوب والآثار ونتحداك، كلشي غيسولك شنو السر، في 3 أيام"، Channel Rajoua، يوتيوب، 2019/4/22، شوهد في 2024/8/7، في: https://bit.ly/4k3Q1Hm 79)(أردت أن أقدم شيئًا في متناول أبناء الشعب، أردت أن أساعد بنات الشعب حتى يعتنين بأنفسهن بشيء في المتناول. 80)(خديجو بيوتي، "بوماضة الصفراء لعلاج البواسير الداخلية والخارجية من أول استعمال"، خديجة بيوتي، يوتيوب، 2021/6/7،

شوهد في 2024/8/7، في: https://bit.ly/410Wb24

والوصفة هي كالتالي: "ملعقة من الأوريوميسين (1 في المئة)، بضع قطرات من زيت الزيتون، نقوم بتحريك الخليط جيدًا، ثم نضيف إليه رأس ملعقة صغيرة من الكركم أو الخرقوم، ومن المستحسن أن نقوم بطحن الكركم يدويًا. نضع الخليط في قطعة قماش أو قطن، ونقوم بتمريره على المنطقة المصابة بالبواسير". وأكثر من ذلك، تقترح السيدة جدولة صارمة من أجل تحقيق النتائج المرجوة من العلاج "يجب استخدام الوصفة بشكل مستمر حتى بعد الشفاء". ونلاحظ في التعليقات سيدة تطرح سؤالا في التعليقات حول إمكانية استخدام هذه الوصفة، وهي امرأة حامل في شهرها الثامن، وتجيب صاحبة الفيديو بأن الأمر "عادي". هنا تبدو المؤثّرة بوصفها صاحبة تجربة ناجحة في العلاج "قادرة" على معرفة ما هو مناسب لكل حالة على حدة! إنه تجسيد فعلي للهرطقة الصيدلية؛ إذ يصير الطب الحيوي متداخلا مع الطب الشعبي، وتصير الصيدلة جزئيًا ضمن حقل الطب الشعبي، ويصير المعالج الشعبي نوعًا من الطبيب – المعالج – الصيدلي. يعتقد أحد الباحثين أن المعالجين الشعبيين مرغمون على التكيف مع سيرورة تحديث الحقل الصحي، وإلا استحال عليهم الاستمرار، وأحد أهم أشكال التأقلم هو إدماج الأدوية الصيدلية في ترسانتهم العلاجية. في فيديو آخر، توصي إحدى المؤثّرات باعتماد الأوريوميسين دواءً لعلاج فطريات الأظافر، ومن

جديد، تقحم صاحبة الفيديو الأوريوميسين ضمن وصفة شعبية خالصة، وهذه هي مراحل تحضير الوصفة، واستخدامها: "أول شيء نقوم بأخذ فصين من الثومة الحمراء، ونقوم بحكها جيدًا، ونحاول جعل الثومة في شكل مسحوق، نقوم بإضافة الخل، سواء العادي، أو خل التفاح في ملعقة صغيرة. ثم نضيف نصف ملعقة من الملح العادي، ونضيف الأوريوميسين (1 في المئة)". وطريقة الاستعمال هي كالتالي: "نقوم بوضع الخل والملح في إناء من المياه الدافئة، ثم نقوم بوضع أيدينا أو أرجلنا فيه (الأماكن التي فيها أظافر فيها فطريات)، وبعد خمس دقائق، نقوم بتجفيف الأيدي أو القدمين، ونقوم بقطع الأظافر إلى أقصى حد يمكن أن نصل إليه، ثم نقوم بوضع الخليط على الظفر المصاب ونقوم بتغليفه بالبلاستيك الغذائي، ويستحسن الإبقاء على الخلطة ليلة كاملة على المكان المصاب، وتتكرر العملية كاملة، بشكل يومي، من أجل إنجاح العلاج". تشدد صاحبة الفيديو على ضرورة الالتزام بطريقتها؛ لأن أي خروج عنها سيُفشل العملية العلاجية التي

اقترحتها، وهي تؤكد في أكثر من مناسبة أنها لا تتحدث من فراغ، بل انطلاقًا من تجربتها الشخصية.

(81) Ivan Wolffers, "Traditional Practitioners and Western Pharmaceticals in Sri Lanka," in: Whyte & Geest (eds.), p. 47.

82)("بالبومدا الصفراء علاج فطريات الأظافر والتسوس ستعود كما كانت وصفة تغنيك عن الطبيب أريد فقط دعوة خير"، عالم أجمل النساء، يوتيوب، 2022/2/26، شوهد في 2024/8/7، في: https://bit.ly/414FPpi

وهذا أحد أهم المعايير التي عبرها يمكن بناء علاقة متينة بين مجتمع ما وأحد الأدوية؛ أي التجارب الناجحة التي يمكن استنساخها من أجل الحصول على النتائج نفسها. في فيديو آخر يظهر الأوريوميسين على أنه علاج لاصفرار الأسنان، ومن جديد، جزء من وصفة شعبية – حيوية، وهي: "نضع حوالى ملعقتين من خل التفاح في إناء، نضيف أي معجون أسنان يفضله المعني بالأمر، ونقوم كذلك بإضافة المسواك مسحوقًا في حوالى رأس ملعقة صغيرة، ثم نضيف قليلا من مسحوق القرنفل. وفي إناء منفصل نقوم بوضع قليل من الأوريوميسين (1 في المئة) مع مسحوق المسواك وزيت الزيتون ونقوم بخلط كل شيء". أما عن طريقة الاستعمال، فنقوم ب "غسل الأسنان بالخليط الأول بالفرشاة، ثم نقوم بوضع الخليط الثاني على ورق معدني ونقوم بتغليف الأسنان به". قد يكون اللون الأصفر للأوريوميسين مساهمًا في اختياره علاجًا محتملا لاصفرار الأسنان، وربما كان

اللون الأصفر للمرهم قادرًا على محو الصُفْرَةِ في الأسنان. وهذا اعتقاد شائع بين الناس في عدد من

المجتمعات، فهناك من يتحدث عن دواء صيدلي في شكل قرص أصفر، يتم استخدامه شعبيًا لعلاج

الملاريا، ولأن الملاريا تجعل البول شديد الصفرة، فالقرص – يحارب النار بالنار – ويقضي على المرض في جسد المصاب بالملاريا. ويتم ربط الأدوية ذات اللون الأحمر بالدم؛ إذ يكفي أن تكون حمراء، حتى تصلح لتصفية الدم، بل تعزيزه أيضًا. يظهر الأوريوميسين كذلك في فيديو آخر علاجًا للسمنة، وجزءًا من وصفة للتنحيف وإزالة الدهون

الزائدة في الجسد: "نضع ملعقة صغيرة من الأوريوميسين (1 في المئة) في إناء، نضيف ملعقة صغيرة من زيت الثوم، وملعقة أخرى من زيت الليمون، ثم نخلط العناصر بشكل جيد. ومن المستحسن تفادي الأوريوميسين (3 في المئة) لأنها مخصصة لحب الشباب. ينبغي استخدام (1 في المئة) المخصصة للعينين (من أجل تنحيف الجسد).. نقوم بملء كوب بالماء المغلي، ونضيف إليه ملعقة صغيرة من نبات الينسون (النافع)، وملعقة صغيرة من حبة حلاوة، ثم عود واحد من القرفة، ونقوم بإضافة ملعقتين من عصير الليمون، ثم نقوم بتغطية الكوب حتى لا تتبخر فوائد المواد مع المياه". أما طريقة الاستخدام فهي كالتالي: "نقوم بدهن المنطقة المراد تنحيفها بالخليط الأول، ثم تغليف المنطقة بالبلاستيك الغذائي، ثم نقوم بشرب الخليط الثاني بعد تصفيته من أجل إنجاح الوصفة".

(83) Bledose & Goubaud, p. 263.

84)("البومادا الصفراء تبيض الأسنان في ثواني قسمًا بالله تزيل الاصفرار وتسقط الجير بعد فرك أسنانك"، أسرار جمال

المغربيات، يوتيوب، 2022/11/8، شوهد في 2024/8/7، في: https://bit.ly/3EIG5Tp

(85) Bledose & Goubaud, p. 264. (86) Ibid., p. 269.

87)("معجزة البومادا الصفراء ستجعل بطنك مسطحا في 3 أيام تذيب شحوم الكرش والجوانب نهائيا بدون"، أسرار جمال المغربيات، يوتيوب، 2021/10/11، شوهد في 2024/8/7، في: https://bit.ly/4b7B6rA

يمثل هذا الفيديو نوعًا "متطرفًا" من الهرطقة الصيدلية، فهو يظهر كأنه يهاجم الحقل الطبي بمفاهيمه؛ فهو يدعي الصرامة، ويرفض المرهم المخصص لحب الشباب في وصفة تنحيف الجسد، لكنه يقبل المرهم المخصص لأمراض العينين. وهذا اعتراف ضمني بالهدف المفترض من الدواء – أي علاج حب الشباب، وأمراض العينين – لكنه في الوقت نفسه تجاهل له، باعتماده من أجل تحقيق شيء آخر، أي إزالة الدهون، مع تأكيد الاعتقاد أن "فوائد الدواء ستتبخر" في حال عدم تغطيتها، وهي إعادة صياغة شعبية للأهمية التي يبديها الصيادلة لإبقاء الأدوية مغلقة حتى تحفظ فعاليتها، وتظل آمنة ومؤمنة. جعل المؤثّرون للطب الشعبي طابعًا صارمًا شبيهًا بما هو عليه الأمر في حقل الطب الحيوي، وفي

المقابل، جعلوا الطب الحيوي جزءًا مكملا للطب الشعبي، من دون أن يكون منفصلا حقًا عنه. ذلك

أقصى ما يمكن تحقيقه من أهلنة للطب العصري الحيوي، عبر جعله ضمنيًا جزءًا من منظومة العلاج

الشعبية. من الشائع الاعتقاد أن الأدوية الصيدلية أقوى فاعلية من الأدوية الشعبية والأعشاب. وهذا جانب إيجابي في الأدوية الصيدلية، فهي تعمل بسرعة على تخفيف الأعراض وعلاج الأمراض، لكن هناك جانب سلبي أيضًا يتم ربطه بهذه "القوة"، إنها تلك الصدمة التي قد يحدثها الدواء على الجسد؛ ما قد ينتج أعراضًا جانبية غير مرغوب فيها. على العكس من ذلك، تتسم الأدوية الشعبية، والأعشاب الطبيعية، بنوع من البطء في العمل، كما أنها تعمل طبيعيًا على علاج المشكل، من دون أن تنتج

أعراضًا جانبية غير مرغوب فيها. وهذا الخلط بين الأمرين ليس إلا محاولة للتخفيف من أخطار الطب الحيوي، ومضاعفة فاعلية الطب الشعبي، إنها نقطة التقاء بين الحقلين، التي ضمنها فقط يكون ممكنًا الوصول إلى "العلاج المثالي" بحسب المهرطقين الجدد في الصيدلة. يتضح هذا أكثر في وصفة مخصصة لتقوية الشعر وعلاج الصلع، شاهدها على يوتيوب أكثر من 300 ألف شخص، والوصفة هي كالتالي: "نضع ملعقة صغيرة من مسحوق الشاي في قنينة زجاجية من الممكن إغلاقها بإحكام، ثم نضيف إليها ملعقة صغيرة من مسحوق نبات الحلبة، وملعقة أخرى من الزعتر، ونقوم بتحريك الخليط جيدًا. وبعد ذلك نضيف ملعقة صغيرة من مسحوق القرنفل، وقليلا من زيت الزيتون أو الزيت النباتي. نضيف إلى الخليط أوريوميسين (1 في المئة)، ومن المستحسن تفادي (3 في المئة) ومن جديد نحرك الخليط جيدًا. نقوم بغلق القنينة جيدًا، ونضعها في مياه مغلية لخمس دقائق، وبعد ذلك نغطي القنينة جيدًا بورق معدني ونضعها بعيدًا عن أشعة الشمس، وعلى مدى 12 يومًا، نقوم بتحريك القنينة يوميًا حتى يتجانس الخليط بشكل ممتاز، وبعدها تصير الوصفة

جاهزة".

(88) Linda K. Sussman, "The Use of Herbal and Biomedical Pharmaceuticals on Mauritius," in: Whyte & Geest (eds.), p. 206.

89)("أقسم بالله بالبومادا الصفراء لن يتوقف شعرك عن النمو بغزارة لن يتساقط بعد اليوم، ينبت الفراغات، يطول"، أسرار جمال المغربيات، يوتيوب، 2020/7/25، شوهد في 2024/11/7، في: https://acr.ps/1L9zRPw

وطريقة الاستعمال هي وضع شيء من الخليط على فروة الرأس كل ليلة، وغسل الشعر صباحًا جيدًا،

مرة واحدة على امتداد أسبوع. هذه الوصفة، بكل تفاصيلها، هي تجسيد حقيقي للهرطقة الصيدلية، وخلالها يمكن ملاحظة كيف يصير المطبخ مختبرًا علميًا لإنتاج أدوية جديدة، انطلاقًا من مواد نباتية وعلاجات شعبية شائعة،

ممزوجة بدواء عصري من المفترض أنه مخصص للعينين. وهذه الصرامة في اختيار الأيام (تحريك الخليط ل 12 يومًا، والاستخدام مرة كل ليلة على امتداد أسبوع) هي محاولة لإعطاء الطابع "الصيدلي"

لهذه الوصفة. ولهذا، يصير من المستحيل الحديث عن طب عصري وآخر شعبي في هذا السياق، بل قد يكون من الممكن القول إن الطب الشعبي قد تمت صيدلته، أو إن الصيدلة، أو الطب الحيوي، قد تمت أهلنته، بحيث لا يكون ممكنًا الفصل بين العصري والشعبي، بل ربما قد يكون من الأنسب اعتبار كل الأدوية المتوافرة جزءًا من نسق ثقافي واحد. هناك شبه اتفاق بين محتويات الفيديوهات كلها على أن الأوريوميسين فعال في كل الحالات، وهذا ما يفسر اختلاف الأمراض التي يعالجها في نظر صناع المحتوى هؤلاء. لكن المثير للانتباه هو تلك الاتهامات التي يوجهها هؤلاء الأفراد إلى الأطباء والصيادلة، واتهامهم بإخفاء قوة هذا المرهم، من أجل بيع الأدوية المكلفة أكثر. وهنا يتضح دور الهراطقة في مختلف الحقول؛ أي الادعاء أن قضيتهم عادلة في مواجهة أرثوذكسية لا ترحم، وهم فقط القادرون على إنقاذ الناس، بالمعارف التي يعتقدون أنها تكون ثورية. فببساطة شديدة، تقول هذه الهرطقة إنه يمكن الاستغناء عن الطب الحيوي في شكله النخبوي، لكن يمكن استثمار اكتشافاته داخل الطب الشعبي. وفي هذا السياق، يكف الأوريوميسين عن أن يكون نتاج تطور الطب الحيوي، ليصير مادة مكملة لتوليفة من الوصفات الطبية الشعبية. وهذا من جهة اعتراف بأهمية الأدوية الحيوية، ورفض للنخبة التي تقرر كيف تستخدمها من جهة أخرى.

يمكن أن تكون الأشياء، باختلاف أشكالها وأهميتها، موضوع سلعنة وتفريد؛ أي تراجع عن هذه السلعنة بإعطاء الشيء خصائص فريدة، تميزه من بقية السلع. والأشياء التي لا تخضع لهذا المنطق في مجال معين تكون كذلك في مجال آخر، فالحجر الذي لا يزيد عن كونه حجرًا في مدينة متحضرة، قد

يكون موضوع تقديس وعبادة في قرية صغيرة وسط الأدغال. وفي حالة دراستنا هذه، كانت الأدوية هي الأشياء التي تخضع بصفة مستمرة ولانهائية لمنطق السلعنة والتفريد؛ فحتى بعد شراء الدواء من أجل استهلاكه، لا يكون هذا دليلا على أنه لن يعود إلى السّوق من جديد. والسلعة المثالية هي التي يمكن تقديمها على أنها موضوع للتبادل مع كل شيء آخر، وهكذا فالعالم "المسلعن" بصفة مثالية، هو العالم الذي يكون فيه كل شيء قابلا للتبادل وكل شيء مطروحًا للبيع.

(90) Bledose & Goubaud, p. 277. (91) Vuk Stambolovic, "Medical Heresy–The View of a Heretic," Social Science and Medicine , vol. 43, no. 5 (1996), p. 602.

وعلى العكس من ذلك، يكون العالم الأكثر "عودة عن السلعنة" عالمًا كل شيء فيه متفرد، مميز، وغير

قابل للتبادل. لكن الأدوية، تجعل من هذا شيئًا صعب التحقق، فحتى بعد فردنة الدواء – أي العودة

عن سلعنته – عبر سحبه من فضاء التداول، يكون جاهزًا في أي لحظة للعودة إلى التداول من جديد،

سواء في شكل هدية، أو إعارة، أو ربما للبيع بمقابل مادي من جديد. فحلم كل شركة هو أن تكون منتجاتها موجهة إلى الاستهلاك النهائي، لكن هذا شيء مستحيل، خصوصًا في حالة الأدوية. والأدوية، فضلا عن كونها "سلعًا مثالية"، أشياء لها حيوات مثيرة للاهتمام أيضًا، فسيرة حياة الدواء

نفسه قد تكون مختلفة من مستهلك إلى آخر، ومن بقعة جغرافية إلى أخرى. فمن منظور أنثروبولوجيا الصيدلة، لا تهم حقًا العلاقة التي تجمع المريض بالمعالج، بل الأهم هو قطاع العلاج الشعبي، حيث يعالج الناس أنفسهم ذاتيًا باستخدام أدوية يعتقدون أن لها تأثيرًا معيّنًا. والأوريوميسين الذي كان مثالنا لذلك، بدأ حياته في الولايات المتحدة مضادًا حيويًا قويًا وغامضًا

نسبيًا، ليحل به المطاف في المغرب في إطار برنامج لمحاربة التراكوما جماعيًا، لينتهي في الوقت

الراهن علاجًا محتملا لعدد كبير ومتنوع من الأمراض. إنها القوة التحريرية التي تمتلكها الأدوية، وهي التي جعلت إمكانية العلاج متاحة للناس، حتى يكون في استطاعتهم استخدامها من أجل مساعدة أنفسهم. وتزداد حدة هذا "التحرر العلاجي" في المجتمعات التي تكون فيها الأدوية منتشرة بكثافة من دون مراقبة ولا قيود. وهذا ما ينتج منه مباشرةً تحرير الأدوية من سلطة الصيدلة، وجعلها أدوية عصرية تمت أهلنتها Indigenised لتصير جزءًا من

الثقافات المحلية. ومن أجل فهم سيرورة "الأهلنة" هذه، يجب النظر بدقة في بيوغرافيا الأدوية، وهذا ما حاولنا القيام به في بحثنا هذا، مركزين على حالة دواء الأوريوميسين. فبعد أن تتبعنا مراحل اكتشافه، ورصدنا بداية تجربته دواءً ضد التراكوما في المغرب، أمكننا فهم سبب انتشار الدواء بين

المغاربة من دون قيود على البيع والتوزيع، من أجل محاصرة التراكوما والتهابات الملتحمة الموسمية في كل بقاع المغرب بأقل تكلفة ممكنة عبر تبني العلاج الذاتي. ووقفنا على أن الحلقة الثالثة من بيوغرافيا الدواء هي الأكثر غنى على الإطلاق، حيث رافقنا المستهلكين وهم يحولون الدواء بين أيديهم ويوجهونه إلى أي شيء يريدونه، ويصفونه لأنفسهم ولغيرهم لعلاج كل ما يريدونه. ووقفنا على أن التطبيب الذاتي يتم بكل حرية، حينما تكون الأدوية متوافرة بكثرة، لأن هذا يجعل الأمر أكثر سهولة. ويكون الأمر أكثر كثافة في بعض المناطق الهامشية (ومنها المناطق الهامشية في المدن الكبرى)، حيث يخلق الأفراد استراتيجيات علاج موحدة من

(92) Kopytoff, p. 69. (93) Ibid., p. 74. (94) Ibid., p. 75. (95) Whyte & Geest (eds.), p. 5. (96) Geest & Whyte, p. 348. (97) Haak & Hardon, pp. 620–621.

أجل علاج بعض الأمراض الشائعة. ويصير التعامل معها روتينيًا، وتسهيلا لهذا التوجه – أي التطبيب

الذاتي – يخزّن الناس الأدوية في بيوتهم. هذا هو السياق الذي يظهر فيه نوع جديد من الهرطقة؛ الهرطقة الصيدلية، التي تعارض حقلَي الصيدلة والطب الرسميين، باعتبارهما حقلين لهيمنة أيديولوجية للسلطة ووجهة نظر نخبوية ذات طابع علمي عالمي، كما تعارضهما باعتبارهما قطاعَين ربحيَين، وأخيرًا، باعتبارهما ممارسة مهنية مقيّدة في بعدَيها

المحلي والعالمي. لم يعد الهراطقة اليوم معزولين ومشتتين، فقد صاروا منتجين لخطابات لها صدى

كبير، محاولين إيجاد معانٍجديدة للأشياء، غير تلك المعاني التي يقدمها الخطاب الحداثي والعلمي باعتباره الخطاب السائد. وقد تحقق هذا بوساطة شبكة الإنترنت التي عكست اتجاه تدفق المعلومات في الحقل الطبي. وحقق صانعو محتوى الهرطقة الصيدلية أرباحًا مادية كبيرة واكتسبوا شهرة واسعة. أنتج الهراطقة الجدد وصفات طبية جديدة، ليست عصرية ولا شعبية، تختلط فيها الأعشاب، والمواد الطبيعية التي تستخدم عادة في وصفات العلاج الشعبية، بالأدوية الحيوية لعلاج مجموعة كبيرة من الأمراض. وقد اختفت بذلك الحدود التي كانت تفصل الحقلين، وصار المطبخ بديلا من المختبر من أجل صناعة وصفات جديدة تتجاوز التصنيفات الكلاسيكية للعلاج. إنها عقلانية موازية لعقلانية الطبيب، وإضافةً إلى كونها تعبّر عن هموم صحية، فهي أيضًا تعبّر عن هموم أخرى اجتماعية، سياسية

واقتصادية. فقد تحدث هؤلاء المؤثّرون في فيديوهاتهم باستمرار عن التكلفة المرتفعة للطب العصري، وعن تواطؤ الأطباء والصيادلة من أجل استنزاف جيوب المغاربة، على الرغم من أن العلاجات قد تكون أرخص كثيرًا، وأسهل وأسرع. والهراطقة هنا يقدمون أنفسهم على أنهم منقذون، يملكون

البديل المناسب للشعب، فأساس فضيلة المهرطق ليس الواجب، وإنما التعاطف مع الآخر.

اﻟﻤﺮاﺟﻊ References

اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ

"مقاومة المضادات الحيوية". منظمة الصحة العالمية. 2020/7/31:. في https://bit.ly/4b5XfGo ديارمويد، جيفريز. الأسبرين: قصة استثنائية لعقار عجيب. بيروت: دار الساقي للنشر والتوزيع،.2005 رويان، بوجمعة. الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1945–1912 2. ط. الرباط: منشورات الرباط نت،.2020

(98) Geest, Whyte & Hardon, p. 165. (99) Akile Gürsoy, "Beyond the Orthodox: Heresy in Medicine and the Social Sciences from a Cross–Cultural Perspective," Social Science and Medicine , vol. 43, no. 5 (1996), p. 580. (100) Stambolovic, p. 601. (101) Cohen et al., p. 455. (102) Geest, Whyte & Hardon, p. 166. (103) Stambolovic, p. 602.

الطاهري، فاروق. "الطب الحيوي بوصفه طبًا شعبيًا لدى المرضى النفسيين وعائلاتهم: دراسة في

إعادة إنتاج الوصفات الطبية خارج المستشفى في المغرب." عمران. مج 12، العدد 48 (ربيع.(2024 قاوقاو، محجوبة. "المجتمع الافتراضي وإشكالية تجديد منهج البحث السوسيولوجي: نحو بناء نموذج لدراسة التفاعلات الإلكترونية بواسطة الحاسوب". عمران. مج 8، العدد 29 (صيف.(2019 ________. "النتنوغرافيا منهجًا للبحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي: من الملاحظة الإلكترونية

إلى إعادة كتابة الأثر الرقمي". ديناميات اجتماعية إفريقية: المجلة الإفريقية للعلوم الإنسانية والاجتماعية. العدد (.2023(5

ا˜ ﺟﻨﺒﻴﺔ

Abraham, John. "Pharmaceuticalization of Society in Context: Theoretical, Empirical and Health Dimensions." Sociology. vol. 44, no. 4 (2010). Appadurai, Arjun (ed.). The Social Life of Things: Commodities in Cultural Perspective. Cambridge: Cambridge University Press, 2013. Bietti, G. B. "Progrès de la chimiothérapie et de l’antibiothérapie du trachome: Épreuves d’efficacité, nouveaux produits, traitement intermittent." Bulletin of the World Health Organization. vol. 28, no. 4 (1963). Bledsoe, C.H. & M.F. Goubaud. "The Reinterpretation of Western Pharmaceuticals among the Mende of Sierra Leone." Social Science & Medicine. vol. 21, no. 3 (1985). Boase, A. J. "Aureomycin in Trachoma." The British Journal of Ophthalmology. vol. 34, no. 10 (1950). Ching, Renald. "Aureomycin in the Treatment of Trachoma." AMA Archives of Ophthalmology. vol. 45, no. 6 (1951). Cohen, D. et al. "Medications as Social Phenomena." Health. vol. 5, no. 4 (2001). Duggar, B. M. "Aureomycin: A Product of the Continuing Search for New Antibiotics." Annals of the New York Academy of Sciences. vol. 51, no. 2 (1948). Duke–Elder, Stewart. Derek Ainslie & Arthur James Boase. "Aureomycin in Ophthalmology: A Preliminary Report." British Journal of Ophthalmology. vol. 34, no. 1

Etkin, Nina L. Paul J. Ross & Ibrahim Muazzamu. "The Indigenization of Pharmaceuticals: Therapeutic Transitions in Rural Hausaland." Social Science & Medicine. vol. 30, no. 8

Fieldinget, Nigel G., Raymond M. Lee & Grant Blank (eds.). The SAGE Handbook of Online Research Methods. London: Sage Publications, 2017. Frogerais, André. "Les origines de la fabrication des antibiotiques en France." Hal Open Science (2015). Goldsmith, Donald. (ed.). Isaac Asimov (fore.). Scientists Confront Velikovsky. New York: W. W. Norton & Company, 1979. Gürsoy, Akile. "Beyond the Orthodox: Heresy in Medicine and the Social Sciences from a Cross–Cultural Perspective." Social Science & Medicine. vol. 43, no. 5 (1996).

Haak, Hilbrand & Anita P. Hardon. "Indigenised Pharmaceuticals in Developing Countries: Widely Used, Widely Neglected." The Lancet. vol. 332, no. 8611 (1988). Jukes, Thomas H. "Some Historical Notes on Chlortetracycline." Reviews of Infectious Diseases. vol. 7, no. 5 (1985). Nhaili, Hicham. "La législation pharmaceutique au Maroc durant le protectorat français (1912–1956)." PhD. Dissertation. Université Mohammed V. Faculté de Médecine et de Pharmacie. Rabat. 2014. Petryna, Adriana. Andrew Lakoff & Arthur Kleinman (eds.). Global Pharmaceuticals: Ethics, Markets, Practices. Durham: Duke University Press, 2006. Rabinow, Paul. Making PCR: A Story of Biotechnology. Chicago: The University of Chicago Press, 1996. Reinhards, J. et al. "Studies in the Epidemiology and Control of Seasonal Conjunctivitis and Trachoma in Southern Morocco." Bulletin of the World Health Organization. vol. 39, no. 4 (1968). Reinhards, J. A. Weber & F. Maxwell–Lyons. "Collective Antibiotic Treatment of Trachoma: Report on Comparative Trials Leading to More Economic Methods of Treatment." Bulletin of the World Health Organization. vol. 21, no. 6 (1959). Stambolovic, V. "Medical Heresy – The View of a Heretic." Social Science & Medicine. vol. 43, no. 5 (1996). "The Treatment of Trachoma." Medical Journal of Australia. vol. 1, no. 25 (June 1960). Toulant, et al. "Essais de traitement du trachome par l’auréomycine et la chloromycétine." Bulletin de L’académie Nationale de Médecine. vol. 135, no. 5–6 (1951). Van der Geest, Sjaak. "Anthropology and the Pharmaceutical Nexus." Anthropological Quarterly. vol. 79, no. 2 (Spring 2006). Van der Geest, Sjaak & Kerry Chamberlain. "Researching the Life Stages of Medicines." Medische Antropologie. vol. 23, no. 2 (2011). Van der Geest, Sjaak & Susan Reynolds Whyte. "The Charm of Medicines: Metaphors and Metonyms." Medical Anthropology Quarterly. New Series. vol. 3, no. 4 (December 1989). Van der Geest, Sjaak, Susan Reynolds Whyte & Anita Hardon. "The Anthropology of Pharmaceuticals: A Biographical Approach." Annual Review of Anthropology. vol. 25, no. 1 (1996). Westermarck, Edward. Ritual and Belief in Morocco. vol. II. New York: University Books Inc, 1968. Whyte, Susan Reynolds. "Pharmaceuticals as Folk Medicine: Transformations in the Social Relations of Health Care in Uganda." Culture, Medicine, and Psychiatry. vol. 16, no. 2 (1992). Whyte, Susan Reynolds & Sjaak van der Geest. The Context of Medicines in Developing Countries: Studies in Pharmaceutical Anthropology. Dordrecht: Springer Netherlands,

Zeitlyn, David. "Life–History Writing and the Anthropological Silhouette." Social Anthropology/Anthropologie Sociale. vol. 16, no. 2 (2008).